وكانت أيامه أيام الورد في نيسان، مُحلى النجاد بأدب حلّ منه النجاد، ووقار رأى
стр. 3117
الطود إليه الافتقار، وهو من أبناء الشيعة العباسية في رأس فرقها، ومجمع طرقها، صعدت فيها حدوده الذروة، وسعدت لتمسكها بالعروة.
وكان عبد الله يتكلم الغناء وهو معبده وغريضه، ويده فيه لا تقصر به ولا نهوضه، إنما كان يخاف الأزراء، ويعد أصواته المنسوبة إليه الأرزاء.
قال أبو الفرج: ذكر المبرد أن المأمون أعطى عبد الله بن طاهر مال مصر لسنة خراجها وضياعها، فوهبه كله، وفرقه على الناس، ورجع صفرًا من ذلك فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يومًا بعد مقدمه، فأنشده (١): [من البسيط]
نَفسي فِداؤُكَ والأَعْناقُ خاضِعَةٌ … لِلنائِباتِ أبيًا غَيرَ مُهْتَضَمِ
إليك أقبلت مِنْ أرضِ أَقمتُ بها … حَولَين بعدك في شوق وفي ألم
أَقْفُو مساعِيَكَ اللاتي خُصِصْتَ بها … حَذْوَ الشُّراكِ على مثل من الأدم
فكان فضلي فيها أنَّني تَبَعٌ … لما سَنَنْتَ مِنَ الإحسانِ والكَرَمِ
فضحك المأمون، وقال: أما والله ما نفست عليك مكرمة نافلتها، ولا أحدوثة
стр. 3118
حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك، افتقرت ولم تقدر على لم شعثك، ولا إصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه.
وقال غيره: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم يزل حتى أجاز بها ثلاثة آلاف ألف دينار ونحوها، فأتاه معلى الطائي، وقال: أعلموه ما صنع، وكان واجدًا عليه، فوقف بين يديه تحت المنبر، وقال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي، وقد بلغ مني ما كان منك من جفاء، وغلظة، فلا يغلظن على قلبك، ولا يستخفنّك الذي بلغك، أنا الذي أقول (١): [من البسيط]
يا أعظم الناس عفوًا عند مقدرة … وأعظم الناس عند الجود للمال
لو أصبح النيل يجري ماؤُه ذَهبًا … لما أشرت إلى خزن بمثقال
وهي عدة أبيات، فضحك عبد الله بن طاهر، وقال: يا أبا السمراء أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه، فدفعها إلى معلى الطائي.
قال محمد بن الفضل الخراساني - أحد قواد عبد الله بن طاهر -: لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفتخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ويفخر بفضلهم، وبقتلهم المخلوع عارضه محمد بن زياد الأموي الحصني - من ولد مسلمة بن عبد الملك - فأفرط في السب، وتجاوز قبح الردّ، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسط، وكان فيما قال فيه (٢): [من المديد]
يا بن بنتِ النار يوقدها … ما لحادِيهِ سَرَاوِيلُ
مَنْ حُسَيْنٌ مَنْ أبوك ومَنْ … مُصْعَبٌ غالتكُمُ غُوْلُ
نَسَبٌ في الفَخْرِ مُؤْتَشَبٌ … وأُبُوَّاتٌ أَراذِيلُ
وهي قصيدة طويلة؛ فلما ولي عبد الله بن طاهر، ورُدّ إليه أمر الشام، علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده، فثبت في موضعه وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابه، وكل ما يملك في موضعه، وفتح باب حصنه، وجلس عليه يتوقع من عبد الله بن طاهر أن يوقع به؛ فلما شارفنا بلده، وكنا على أن نصبح، دعاني عبد الله في الليل، فقال: أنت عندي الليلة ولتكن فرسك عندك لا تردّ؛ فلما كان في السحر أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر أنا وخمسة من خواص غلمانه، وسار حتى أصبح الحصن، فرأى بابه مفتوحًا، ورآه جالسًا مسترسلًا،
стр. 3119
فقصده، وسلَّم عليه، ونزل عنده وقال: ما أَحَلَّك ههنا، وحملك على أن فتحت بابك، ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحَّ عن عبد الله بن طاهر مع ما في نفسه عليك وما بلغه عنك، فقال: إن الذي قلت لم يذهب علي، وإنما تأملت أمري، وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب، وغرة الحداثة، وأني إن هربت لم آمنه، فباعدت البنات والحرم واستسلمت بنفسي وكل ما أملك؛ فإني من أهل بين قد أسرع القتل فينا، ولي فيمن مضى أسوة، فإن الرجل إذا قتلني وأخذ مالي، وشفى غيظه، لم يجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن إرب ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته. قال: فوالله ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمَّن الله، خوفك، وحقن دمك، وصان حريمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي إلا لتأمن من خوف، وأن لا تخالط عفوي عنك روعة. فبكى الحصني، وقام يقبل رأسه وضمه إليه عبد الله، وأدناه، ثم قال: أما الآن، فلا بد من عتاب يا أخي، جعلت فداك. قلت شعرًا في قومي أفخر بهم، لم أطعن فيه على حسبك، ولا ادعيت فضلًا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك، فهم القوم الذين ثأرك عندهم، وكان يسعك السكوت، وإن لم تقترف لم تسرف فقال: أيها الأمير قد عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه تأنيب، قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل منزلك حتى نوجب عليك حقًا بالضيافة، فقام مسرورًا فدخلنا منزله، ودعا بالطعام الذي كان أعده لنفسه فأكلنا، وجلسنا نشرب في مشترف له، وأقبل الجيش، وأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحلهم، ولا يُترك أحد منهم في البلد، ثم دعا بدواة، فكتب له يسوغه خراجه سبع سنين، وقال: إن نشطت لنا فالحق بنا وإلا فأقم مكانك، فقال: أنا أتجهز، وألحق الأمير، ففعل، ولحق بمصر. ولم يزل عبد الله بن طاهر لا يفارقه حتى دخل العراق، فودعه، وأقام ببلده.
قال ابن خرداذبة: كان موسى بن خاقان مع عبد الله بن طاهر، وكان نديمه وجليسه، وكان له مؤثرًا مقدمًا، فأصاب معه معروفًا كثيرًا، وأجازه جوائز سنية، ثم إنه وجد عليه في بعض الأمر، فجفاه، فرجع موسى إلى بغداد، فكتب إليه (١): [من السريع]
إن كان عبدُ اللهُ خلَّانا … لا مُبْدِيًا عُرْفًا وإحْسَانا
стр. 3120
فَحَسْبُنَا اللهُ رَضِينَا بِهِ … ثُمَّ بعبدِ اللهِ مَوْلَانَا
يعني بعبد الله الثاني المأمون، وتغنت فيه جارية لحنًا من الثقيل الأول، وسمعه المأمون منها، فاستحسنه، ووصله وإياها، فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فغاظه، وقال:
أجل صنعنا المعروف إلى غير أهله، فضاع.
[٣٤] معبد اليقطيني (١)
مطرب كم أخذ عنه صوت، ومجيد كم استدرك به لمعبد الأول فوت، وإن قيل:
وَمَا قَصَبَاتُ السَّبْقِ إِلَّا لِمَعْبَدِ
وغنى الأول أنه أعرب قيل ذلك له، وللثاني منه ما أطرب، ثم صل لبيبًا، وقتل كثيبًا، وفعل بالغناء ما يفعل بالناي. كان أطيب من العود أنفاسًا وأقرب إيناسًا، يختلب الألباب، ويستلب العقول للأحباب، ويجتلب الهوى لذكر زينب اجتلاب الرباب.
قال أبو الفرج، قال عبد الله بن أبي سعيد: حدثني معبد غلام ابن يقطين. قال:
كنت منقطعًا إلى البرامكة أخدمهم وألازمهم، ولا أفارقهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدق، فخرج غلامي، ثم رجع، فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل علي شاب ما رأيت أحسن وجهًا، ولا أنظف ثوبًا، ولا أجمل زيًا منه عليه آثار السقم ظاهرة، فقال لي: إني أخاف لقاك مذ مدة فلا أجد إليه سبيلًا. إن لي حاجة، قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي، ثم قال: أسألك أن تقبلها، وتصنع في بيتين قلتهما لحنًا تغنيني به، قلت: هاتها، فأنشدني (٢):
[من البسيط]
وَاللَّهِ يَا طَرْفِيَ الجَاني عَلَى بَدَنِي … لَتُطْفِئَنَّ بدَمْعِي لَوْعَةَ الحَزَنِ
أَوْلَا أَبُوحُ حَتَّى تُحَجَّبُوا سَكَنِي … فَلَا أَرَاهُ وَلَوْ أُدْرِجْتُ في كَفَنَي
стр. 3121
قال: فصنعت فيهما لحنًا، ثم غنيته إياهما، فأغمي عليه حتى ظننته قد مات، ثم أفاق، فقال: أعد فديتك فناشدته الله في نفسه، وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات أنا أشقى من ذلك. وما زال يخضع ويتضرّع حتى أعدته، فصعق صعقة أشدّ من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاظت، فلما أفاق رددت عليه الدنانير، ووضعتها بين يديه، وقلت له: يا هذا خذ دنانيرك وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك، وبلغت طرفًا مما أردته، ولست أحبّ أن أشرك في دمك، فقال: يا هذا لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، وأخرج مثلها ثلاثمائة دينار أخرى فوضعها بين يدي، وقال: أعد الصوت علي مرة أخرى، وخلاك ذم. فشرهت نفسي إلى الدنانير، فقلت: لا والله، ولا بعشرة أمثالها إلا على ثلاث شرائط، قال: وما هنّ؟، قلت أولهن أن تقيم عندي وتتحرم بطعامي؛ والثانية: أن تشرب أقداحًا من النبيذ تشدّ قلبك وتسكن ما بك؛ والثالثة: أن تحدثني بقضيتك.
قال: أفعل ما تريد. فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام، فأصاب منه إصابة معذر، ثم دعوت بالنبيذ، فشرب أقداحًا، وغنيته بشعر غيره في نحو معناه، فجعل يبكي أَحَرَّ بكاء، وينشج أشد نشيج؛ فلما رأيت النبيذ قد شد قلبه، كررت عليه صوته مرارًا، ثم قلت: حدثني حديثك، قال: أنا رجل من أهل المدينة، وخرجت متنزهًا في ظاهرها، وقد سال العقيق في فتية من أترابي، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا إليه، فجلسن حجزة منا، وبصرت بفتاة كأنها قضيب قد طله الندى، فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس، وانصرفت وقد أثبتت في قلبي جرحًا بطيئًا اندماله، فعدت إلى منزلي، وأنا وقيذ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد فلم أر لها أثرًا فجعلت أتبعها في طرق المدينة، وأسواقها فلم أحس بها بعين ولا أثر، وسقمت حتى أيس مني أهلي.
وخلت بي ظئر لي واستعملنني، وضمنت لي كتمانها، والسعي فيما أحبّه، فأخبرتها بقصتي فقالت لا بأس عليك هذه أيام الربيع، وهي سنة خصب وأنواء، وليس يبعد عنك المطر فأخرج أنا وأنت إلى العقيق، فإنّ النسوة سيجئن، فإذا فعلن فرأيتها، عرفتها حتى اتبعها، فأعرف موضعها، فأتبعها وأصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها. فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك، ووثقت به، وسكنت إليه. فقويت نفسي وتراجعت، وجاء مطر بعقب ذلك، فسال العقيق، وخرج الناس، وخرجت مع إخواني، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه كما كنا، والنسوة أقبلن، فأومتْ إلى ظئري، فجلست حجزة منا ومنهن، وأقبلت إلى إخواني، فقلت: لقد أحسن القائل (١): [من الطويل]
стр. 3122
رَمَتْني بسهم أَقْصَدَ القلب وانْثَنَتْ … وقد غادرتْ جُرحًا به وندوبا
فأقبلت على صويحباتها، وقالت: أحسن والله القائل حيث يقول (١): [من الطويل]
بنا مثل ما يشكو فصبرًا لعلنا نرى فرجًا يشفي السَّقام قريبا فأمسكت عن الجواب خوفًا أن يظهر ما يفضحني وإياها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرق الناس وانصرفنا، فتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إلي، فأخذت بيدي، ومضينا إليها، فلم نزل نتلطف حتى وصلت إليها فتلاقينا على حال مجالسة، فشاع حديثنا، فحجبها أهلها، فسألت أبي أن يخطبها، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها، فخطبوها، فقال: لو كان فعل هذا قبل أن يفضحها، لأسعفته بما التمس، فأما الآن، وقد عرها، فما كنت لأحقق ظنَّ الناس بتزويجها إياه، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي. قال معبد فسألته: أين تنزل؟ فخبرني وصارت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب، فأتيته، وكان أول صوت غنيته في شعر الفتى، فطرب عليه طربًا شديدًا، فقال: ويحك ما سمعت هذا منك قط، فقلت: إن لهذا الصوت حديثًا. قال: فما هو؟ فحدثه، فأمر بإحضاره، فأحضر الفتى بين يديه، فاستعاده الحديث، فأعاده عليه، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها، فطابت نفسه، فأقام معنا حتى أصبح، وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدثه الحديث العجيب، فأعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعًا، فأحضرنا وأمر أن أغنيه الصوت، فغنيته، فشرب وطرب، وأمر من وقته بكتاب إلى عامل المدينة بإشخاص الرجل، وأمر ابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم يمض إلا مسافة الطريق، فأحضروا، فأمر الرشيد بإيصاله إليه فأوصل، وخطب الجارية للفتى، وأقسم لا يخالف أمره، فأجابه أبوها، وحمل إليه الرشيد ألف دينار لنفقة الطريق، وألف دينار لجهازها، وأمر للفتى بألفي دينار، ولي بألف دينار، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله وكان الفتى بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى.
[٣٥] محمد الزف (٢)
سابق لا يكر معه في حوله، ولا يقرّ معه لصوله، ولا يذكر مع بوارقه برقه، ولا لحلوله، ما أبو كامل عنده ناقص، ولا الكميت المذكور في صوت ابن سريج عنه إلا
стр. 3123
ناكص، ولا ابن محرز معه ممن تحرّز، ولا ابن ميمون الموصلي إلا ممن يغني، وما نسج مثل نسجه، ولا طرز.
قال أبو الفرج الأصفهاني: كان أسرع خلق الله أخذًا للغناء من جميع الخلق، وأصحه أداء له. وكان يتعصب على ابن جامع، ويميل إلى إبراهيم وابنه، فكانا يرفعان منه، ويقدمانه ويجلبان له الصلات من الخلفاء، وكان في ابن جامع بخل شديد لا يقتدر معه أن يسعفه ببر، وقد كان ابن جامع إذا غنّى صوتًا أصغى إليه حتى يحكيه، ويلقيه على جماعة المغنين، فغنّى ابن جامع يومًا بحضرة الرشيد (١): [من الخفيف]
أرسلت تقرئ السلامَ الرَّبابُ … في كتاب وقد أتانا الكتاب
فيه: لو زرتنا لزرناك ليلًا … بِمِنّى حيث تستقل الركاب
قال إسحاق: ونظر إلي الزف فغمزته، وقمت إلى الخلاء، فإذا هو جاءني، فقلت: أي شيء قد عملت؟ قال: قد فرغت لك منه، فقلت: هاته فرده علي ثلاث مرات حتى عرفت مقاطعه وفهمته وصح لي فأخذته، وعدت إلى مجلسي وأنا مسرور، وغمزت عقيدًا ومخارقًا، فقاما وتبعهما، فألقاه عليهما، وابن جامع لا يعرف الخبر؛ فلما عاد إلى المجلس، أومأت إليهما أسألهما عنه، فعرفاني أنهما أخذاه؛ فلما بلغ الدور إلي كان الصوت أول ما غنيته فجدد الرشيد نظره إلي. ومات ابن جامع، وأسقط في يده، فقال لي الرشيد: من أين لك هذا؟، قلت: أنا أرويه قديمًا، وقد أخذه عني مخارق وعقيد فقال: غنياه، فوثب ابن جامع، فجلس بين يديه، وحلف بالطلاق ثلاثًا أنه صنعه في ليلته الماضية ما سبقه إليه أحد من الناس، فنظر إلي الرشيد، فغمزته بعيني أنه صدق. وجد الرشيد في العبث به بقية يومه، ثم سألني بعد ذلك في الخبر، فصدقته، فجعل يضحك ويقول: لكل شيء، آفة، وآفة ابن جامع الزف.
ومن مشهور صنعته في طريقة الرمل (٢): [من البسيط]
بان الحبيب فلاح الشيب في راسي … وبتُّ منفردًا وحدي بوسواسي
ماذا لقيت فدتك النفس بعدَكُمُ … مِنَ التبرم بالدنيا وبالناس
لو كان شيء يسلّي القلبَ عنْ شَجَنٍ … أَسْلَتْ فُؤادي عنكم لذة الكاس
ما دارت الكأس إلا كانَ ذكركُم … كَأسي وأُنسي [جميعًا] بينَ جُلاسي
стр. 3124
[٣٦] عثعت (١)
برز في تصاريف العقلاء وتبرأ من تكاليف الثقلاء، واطرحت الخلفاء معه الاحتشام، وجعل بوارق السرور متى ألاح بشام، وكان قمر تلك المجالس، وقمري تلك الرحاب الأوانس، لا يرقل ركائب المدام إلا على حدائه، ولا تطل خدود الكؤوس إلا بأدنائه. تترنح به المعاطف ترنح الأغصان بالنسيم، وتهتز القلوب اهتزاز المفارق للمعهد القديم.
قال أبو الفرج: قال ابن حمدون: قال عثعث: دخلت يومًا على المتوكل، وهو مصطبح وابن المارقي يغنيه شعره (٢): [من الطويل]
أقاتلتي بالجِيدِ والخَدِّ والقَدِّ … وباللون في وجهِ أَرَقَّ مِنَ الوَرْدِ
وهو على البركة جالس، وقد طرب، فاستعاده الصوت مرارًا، وأقبل عليه، فجلست ساعة، ثم قمت لأبول، فصنعت هزجًا في شعر البحتري (٣) يصف
стр. 3125
البركة (١): [من البسيط]
إِذا النُّجومُ تراءتْ في جوانبها … لَيلًا حَسِبْتَ سماءً رُكِّبَتْ فيها
وإِنْ عَلَتْها الصَّبا أَبَدَتْ لنا حُبكًا … مثل الجواشن مصقولًا حواشيها
قد زانَها زينةٌ مِنْ بعد زينتها … أَنَّ اسمه حين يُدعى من أساميها
فلما سكت ابن المفارقي مستوفيًا، اندفعت أغني هذا الصوت، فأقبل علي، وقال: أحسنت وحياتي أعد فأعدت، فشرب ولم يزل يستعيده، ويشرب حتى اتكأ، ثم قال للفتح بن خاقان: بحياتي ادفع إليه الساعة ألف دينار، وخلعة تامة، وأحمله على شهري فاره بسرجه ولجامه فانصرفت بذلك أجمع.
قال ابن لابن جامع: كنا مجتمعين في منزل أبي عيسى بن المتوكل، وقد عزمنا على الصبوح، ومعنا جعفر بن المأمون وسليمان بن وهب، وإبراهيم بن المدبر، وحضرت عريب وشارية، وجواريها، ونحن في أتم سرور، وكان أهل الطرف والمتقابنون في ذلك الوقت ضربين: عريبية وشروية، فمال كل حزب إلى من يتعصب له منهما في الاستحسان والطرف والأفراح، وعريب وشارية ساكتتان لا تنطقان، وكل واحدة من جواريهما تغني صنعة استهلالًا، [لا] تجاوزها حتى غنت عرفان (٢): [من المديد]
بأبي مَنْ زارني في منامي … فَدَنا منِّي وفيه نِفارُ
فأحسنت ما شاءت وشربنا جميعًا؛ فلما أمسكت قالت عريب لشارية:
يا أختي لمن هذا اللحن؟، قالت لي: كنت صنعته في حياة سيدي - تعني إبراهيم بن المهدي - فاستحسنه، وعرضه على إسحاق، وغيره، فاستحسنوه. وأمسكت عريب. ثم قالت لأبي عيسى أحبّ يا بني فديتك أن تبعث الساعة إلى عثعث الأسود من يجيئني به، فوجه إليه، فحضر وجلس؛ فلما اطمأن وشرب وغنّى، قالت له عريب: يا أبا دلجة أتذكر صوتًا غناه زبير [بن] دحمان عندي وأنت حاضر، فسألتني مسألته أن يطرحه عليك؟ فقال: وهل الغواني لها عذرها؟ نعم والله إني لذاكره حتى كأنا أمس افترقنا عنه، قالت: غنّه فاندفع يغني الصوت الذي ادعته شارية حتى استوفاه، وتضاحكت الأخرى عريب، ثم قالت لجواريها: خذوا في الحق، ودعوا الباطل،
стр. 3126
وغنّوا الغناء القديم. فغنّت بدعة، وسائر جواريها، وغنى غريب، وخجلت سائر جواريها، وأطرقت، وظهر الإنكار فيها، ولم تنتفع هي يومئذ، ولا أحد من جواريها، ولا متعصبيها بأنفسهم.
[٣٧] بَصْبَصْ جارية ابن نفيس (١)
جارية سمراء تهزأ بالأسمر، وترسل في طرفها الأسود الموت الأحمر. انغمست في ماء الدلال، وطبعت على صورة الهلال، بحمرة دبَّت في وجناتها، وأمكنت بواكير الورد من جناتها، وذبلت نرجس العيون، وأقاح المقل من جناتها، وروقت في رضابها الرحيق، وأشعلت فيما تحت نقابها الحريق، وجلتها كالبدر يعلوه تحت الشقوق غيم رقيق. كلِف بها المهدي على عفاف مضاجعه، وكفّ مطامعه، وصارت إلى ملك والده حيث الملوك إلى أبوابه وافدة، والأقدار له على عدوّه مرافدة، واختصها بأنسه، وأولدها علية بنت المهدي، ولهذا نزعت إلى أمها، واعترفت الغناء من يمّها، وكان أدبها ابن نفيس، فهرب وحجبها مدّة مقصورة على التعليم حتى ظهرت.
قال أبو الفرج: كان يحيى بن نفيس مولاها صاحب قيان يغشاه الأشراف ويسمعون غناء جواريه، وكان فيمن [يغشاه] عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فحجّ أبو جعفر في بعض السنين، ومرَّ بالمدينة، فقال عبد الله بن مصعب: تذكر (٢): [من السريع]
أَراحِلٌ أَنْتَ أَبا جَعْفَرٍ … مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْمَعَ مِنْ بَصبُصَا
لَو أَنَّها تَدْعُو إِلى بَيْعَةٍ … بَايَعْتُها ثُمَّ شَقَّقْتُ العَصَا
فبلغت أبا جعفر فدعا به، فقال: أما إنكم يا آل الزبير قديمًا قادتكم النساء وشققتم العصا حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع النساء المغنيات فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم.
стр. 3127
قال: ثم بلغ المنصور بعد ذلك أن عبد الله بن مصعب قد اصطلح مع بصبص، وهي تغنيه (١): [من السريع]
إذا عزرت صراحية … كمثل ريح المسكِ أَوْ أَطيب
ثمَّ يُغنّي لي يا هزاجة … زيد أخو الأنصار أَوْ أَشْعَبُ
حَسِبتُ أَنِّي مَلِكٌ جالس … حقَّتْ به الأملاك أو موكب
وما أبالي وإلهِ الوَرَى … أَشَرَّقَ العالمُ أَوْ غَرَّبوا
قال أبو جعفر: لكن العالم لا يبالون كيف أصبحت، ولا كيف أمسيت، ثم قال أبو جعفر: لكن الذي يعجبني الليلة أن يحدو بي الحادي بشعر طريف العنبري (٢) فهو ألذ في سمعي من غناء بصبص ثم دعا الجارية وكان إذا حدا، صغت الإبل إلى صوته وانقادت انقيادًا عجيبًا. فسأله المنصور ما بلغ من حسن حدائه تعطش الإبل خمسًا، وتدنو من الماء وأحدو أنا، فتتبع كلها صوتي، ولا تقرب الماء، فحفظ الشعر وهو (٣): [من الكامل]
إني وإنْ كانَ ابنُ عمّي كَاشِحًا … لمُزَاحِم من دونه وورَائِه
ومُمُدُّه نصري وإنْ كانَ امْرًا … مُتزحزحًا في أرضه وسمائه
وأكون مأوى سره وأَصُونُهُ … حتّى يحق علي يوم أدائه
وإذا أتى مِنْ غَيْبَةٍ بطريقةٍ … لمْ أَطَّلع ماذا وراء خبائه
وإذا تحيفت الحوادث مالَهُ … قُرِنَتْ صَحِيحَتُنا إلى جَرْبائِهِ
وإذا تريش في غناهُ وَفَرْتُهُ … وإِذَا تصعلك كنتُ مِنْ قُرنائِهِ
وإذا غدا يومًا ليركب مَرْكبًا … صَعْبًا قعدت له على سيسائِهِ
قال: فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا والله أحث على المروءة، وأشبه لأهل الأدب من غناء بصبص. قال: فحذا به ليله أجمع؛ فلما أصبح قال: يا ربيع أعطه درهمًا. قال: يا أمير المؤمنين حدوت لهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألفًا، تأمر لي أنت بدرهم؟ قال: إنا لله ذكرت ما لم نحب أن تذكره، وصفت أنّ رجلًا ظالمًا أخذ مال الله من غير حلّه، وأنفقه في غير حقه، يا ربيع أشدد يديك به حتى
стр. 3128
يردُّ المال، فبكى الحادي، وقال: يا أمير المؤمنين، قد مضت به السنون، وقضيت به الديون، ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي منه شيء. فلم يزل به أهله وخاصته يسألونه في أمره حتى كف عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبًا وراجعًا، ولا يأخذ منه شيئًا.
قال: هوي محمد بن عيسى الجعفري بصبصًا - جارية نفيس - فهام بها وطال عليه ذلك، فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن ضيعتي، وكل أمري، وقد وجدت مس السلوّ عنها، فاذهب بنا حتى أكاشفها بذلك، واستريح فأتيتها، فلما غنت لهما، قال محمد بن عيسى: تغنيني (١): [من الوافر]
وكنتُ أحبكم فسَلَوتُ عَنْكُمْ … عليكم في ديارِكُمُ السَّلامُ؟
قالت: لا ولكني أغني: [من الوافر]
تَحَمَّلَ أهلها عنَّا فبانُوا … على آثارِ مَنْ ذَهَب العَفَاءُ
قال فاستحسنها،، ثم زاد بها كلفًا، فأطرق ساعة، ثم قال لها: أتغنيني (٢): [من الطويل]
وأخضع بالعُتْبَى إذا كنتُ مذنبًا … وإِنْ أَذْنَبَتْ كنتُ الذي أَتَفَضَّلُ
قالت: نعم، وأغني [من الطويل]
فإن أقبلوا بالوُدِّ نقبلُ مثلَهُ … وننزلُكُمْ مِنَّا بأقرب منزل
قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين.
وفي بصبص هذه يقول ابن أبي الزوائد (٣): [من السريع]
بصبص أنتِ الشمسُ مِنْ ذاته … فإن تبدلت فأنتِ الهلال
سبحانك اللهم ما هكذا … فيما مَضَى كان يكون الجَمَال
إذا دَعَتْ بالعود في مَشْهَدٍ … وعاودت يُمنى يديها الشمال
غنت غناءً يستفده الفَتَى … حِذْقًا وزاد الحِذْقُ منها الدلال (٤)
стр. 3129
[٣٨] الزُّرْقَاء جارية ابن رَامِ ين (١)
ذكر زرقاء اليمامة، وغنت فأغنت عن الورقاء والحمامة، لم يبق معها لليمامة ولو أنها أفضل عين ولا أثر، ولا الزرقاء أم بني أمية، خير يقع عليه الطرف إذا عثر، أبدعت في تكميل الغناء، وتحصيل ما لا ينصرف عنه للاستغناء، ثم أصبحت والحجب تضرب عنها دونها، والستر يسيل عنها مصونها، والنجوم لا ترمقها، والشموس تشهد منها مشرقها.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: كان روح بن حاتم المهلبي كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، وكان يختلف إلى الزرقاء، وكان محمد بن جميل يهواها وتهواه، فقال لها روح بن حاتم، قد ثقل عليها، قالت: فما أصنع قد غمر مولاي ببره، قال: احتالي له، فبات عندهم روح ليلة، أخذت سراويله، وهو نائم فغسلته؛ فلما أصبح سأل عنه، فقال: غسلناه فظن أنه أحدث فيه، فاحتيج إلى غسله، فاستحيا من ذلك، وانقطع عنها، وخلا وجهها لابن جميل.
قال: واشترى جعفر بن سليمان الزرقاء بثمانين ألف درهم؛ فلما مضت لها مدة عنده، قال لها يومًا: هل ظفر أحد منك ممن كان يهواك بخلوة أو قبلة، فخشيت أن تبلغه بشيء كانت فعلته بحضرة جماعة، أو يكون قد بلغه، فقالت: لا والله إلا يزيد بن عون العبادي، قبلني قبلة، وقذف في فمي لؤلؤةً بعتها بثلاثين ألف درهم، فلم يزل جعفر يطلبه، ويحتال له حتى وقع في يده، فضربه بالسياط حتى مات.
قال إسحاق: شربت الزرقاء دواء، فأهدى لها ابن المقفع ألف دراجة على جمل فراسي.
قال محمد بن سلام اجتمع عند الأمير معن بن زائدة روح بن حاتم، وابن المقفع؛ فلما غنت بعث معن إلى بدرة فصبّها بين يديها وبعث روح إلى أخرى، فصبّها بين يديها، ولم يكن عند ابن المقفع دراهم، فجاء بصلفيعة، وقال: هذه عهدة ضيعتي، خذيها، فأما الدراهم، فما عندي منها شيء.
стр. 3130
قال إسماعيل بن عمار (١): كنت أختلف إلى منزل ابن رامين، فأسمع جاريته الزرقاء وسعدة. وكانت سعدة أظرف من الزرقاء، فأعجبت بها، وعلمت ذلك مني، وكانت كاتبة، فكتبت إليها أشكو ما ألقى بها فوعدتني، فكتبت إليها رقعة مع بعض خدمهم فيها (٢): [من البسيط]
يا ربِّ ابْنُ رامين له بَقَرٌ عَيْنُ … وليس لنا غير البرانين
لو شئت أعطيته مالًا على قَدَرٍ … يرضى به منكَ غيرَ الخُرَّدِ العِينِ
فإن تجودي بذاك الشيء أحيا به … وإن بخلت به عنِّي فَزَنَيْنِي
قال: فجاءني الخادم فقال: ما زالت تقرأ رقعتك وتضحك. وكتبت إلي: حاشاك من أن أزنيك، ولكن أصير إليك، وأغني، وألهينك، وأرضيك. وصارت إلي فأرضتني بعد ذلك.
قال ابن عمار (٣): [من الخفيف]
لابن رامين خُرَّدٌ كلُّها الوحـ … ش حسان وليس لي غيرُ بَغْلِ
رب فضّلته عليَّ ولو شئ … ـتَ تلفضَّلتني عليه بفَضْلِ
وقال محمد بن الأشعث بن فجوة الكاتب الكوفي (٤): [من البسيط]
أمسى لسلامة الزرقاء في كَبِدِي … صَدْعٌ مُقيم طَوَالَ الدهر والأبد
لا يستطيعُ صَنَاعُ القومِ يشعبُهُ … وكيفَ يُشعبُ صَدْعُ الحُبِّ فِي الكَبِدِ
[٣٩] حَبَّابة (٥) جارية يزيد بن عبد الملك (٦)
أمة غلبت على الحرائر، وفنيت بأطرابها، وحسنت بين أترابها، وسفرت فراب
стр. 3131
البدور سفورها، وملأ الصدور سرورها، ووصلت إلى حجب يزيد، وكان حبُّ شَغَفَه لها يزيد، فكان لو خُيِّرَ بينها وبين الخلافة، لاختارها، أو شهي هي والشهد، لترك الشهد واستشارها، وكانت هي سبب الطعن عليه حتى أنفذته الرماح، ونبذته لقى في مهبات الرياح، صارت إليه هي وسلامة القس، ونعم بهما طول مدته مثل ليلة العرس، إن هوى حبابة سكن حبةَ قلبه، وأشعله حتى ذهب بلبه، ثم وهبها سلامة، ورضي بها ولم يسخطه ملامه.
قال أبو الفرج: أول ما ارتفعت به منزلة حبابة عند يزيد أنه أقبل يومًا إلى البيت الذي هي فيه، فقام من وراء الستر فسمعها ترنم وتغني (١): [من الخفيف]
كان لي ما يزيد حبُّكَ حَينا … كاد يقضي عليَّ لما التقينا
والشعر كان لأبي سفيان، فرفع الستر، فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار، فعلم أنها لم تعلم به، فألقى نفسه عليها، وخزلت منه.
стр. 3132
قال ابن شبة: لما ألح يزيد على الشرب، وسماع الغناء، أقبل مسلمة عليه يلومه، ويقول له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في أمور المسلمين، الوفود ببابك، وأصحاب الولايات والظلامات يضجون، وأنت غافل عنهم. فقال: صدقت والله، واعتبه، وهم بترك الشراب أيامًا، ولم يدخل على حبابة مدة، فدست حبابة إلى الأحوص أن يقول بيتًا في ذلك، وقالت: إن رددته عن رأيه، فلك ألف دينار، فدخل الأحوص على يزيد، فاستأذنه، فأذن له، فقال (١):
[من الطويل]
ألا لا تلمه اليومَ أَنْ يَتَبَلَّدا … فقدْ غُلِبَ المخزونُ أَنْ يَتَجَلَّدا
بكيتُ الصبا جهدي فَمَنْ شَاءَ لامَنِي … ومَنْ شَاءَ آسَى في البكاءِ فَأَسْعَدَا
وإِنِّي وَإِنْ قَدَّرْتَ في طَلَبِ الصبا … لأعلمُ أَنِّي لستُ في الحُبِّ أَوْحَدًا
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدْرِ ما الهَوَى … فَكُن حجرًا مِنْ يابس الصَّحْرِ جَلْمَدَا
فما العِشْقُ إلا ما يَلَذُّ ويُشْتَهَى … وإِنْ لامَ فيهِ ذُو السِّنانِ وفَنَّدَا
وحفظت حبابة الأبيات، وعملت فيها لحنًا، وكان يزيد قد أقام جمعة لا يدخل إليها؛ فلما كان يوم الجمعة، قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني؛ فلما أراد الخروج أعلمتها؛ فتلقته والعود في يدها، فغنت البيت الأول، فغطى وجهه، وقال: مه لا تفعلي، ثم غنت الأبيات؛ فلما بلغت إلى:
فما العشق إلا ما يلذ ويشتهى
عدل إليها، وقال: صدقت والله قبح الله من لامني فيك يا غلام مر مسلمة فليصل بالناس وأقام معها وعاد إلى حاله.
وذكر ابن عياش: أن سلامة وحبابة اختلفتا في صوت معبد (٢): [من الوافر]
ألا حَيّي الديارَ بسَعْدَ إِنِّي … أحِبُّ لحب فاطمة الديارا
إذا ما حَلَّ أَهْلُكِ يا سُلَيْمَى … بِدارةِ صَلصَلٍ شَحَطُوا المَزَارَا
فبعث يزيد إلى معبد فأتى فسأل: لم بعث إليه؟ فأخبر، فقال: لأيتهما المنزلة عند أمير المؤمنين؟ قالوا لحبابة، فلما عرضنا عليه الصوت حكم لحبابة، فقالت سلامة:
والله يابن الزانية إنك لتعلم وتتحقق أنّ الحق والصواب ما قلت، ولكنك سألت أيهما
стр. 3133
آثر عند أمير المؤمنين، فقيل لك: حبابة، فاتبعت هواه ورضاه. فضحك يزيد وطرب.
وقالت سلامة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في صلة معبد، فإنَّ له علي حقًا. قال: قد أذنت، فوصلته بما لم تصله به حبابة.
وقال الزبير بن بكار: حدثتني ظبية أن حبابة أنشدت يومًا يزيد بن عبد الملك (١). [من الوافر]
لَعَمْرُكَ إِنَّني لأُحِبُّ سَلْعًا … لِرُؤْيَتِها ومن بحبوبِ سلع
ثم تنفس شديدًا، فقال لها: مالك؟ أنت في ذمة أبي، لئن شئت لأقلعنه إليك حجرًا حجرًا، فقالت: وما أصنع به؟ ليس إياه أردت، إنما أردت ساكنه.
قال الزبير: وحدثتني ظبية: أن يزيد قال لحبابة وسلامة: ايتكما غنتني ما في نفسي، فلها حكمها، فغنّت سلامة وملاها. قال: اطلبي غير هذا، فأبت، فقال لها: قد وهبتها لك. فلقيت سلامة من ذلك أمرًا عظيمًا، فقالت لها حبّابة: اطمأني فإنك لا ترين إلا خيرًا. فجاءها يزيد يومًا، فسألها أن تبيعه إياها بحكمها. قالت: أشهد أنها حرة، فاخطبها حتى أزوجك مولاتي.
قال المدائني: كانت حبابة إذا غنت وطرب يزيد، قال: أطير، فتقول: إلى من تدع أمور المسلمين؟ فيقول: إليك!
قال الزبير؛ وحدثتني ظبية: أن حبابة غنت يومًا، فطرب يزيد، ثم قال لها: هل رأيت أطرب [مني]؟، قالت: نعم، مولاي الذي غنى، فغاظه ذلك فكتب في حمله مقيدًا، فلما قدم أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيده، وأمرها بالغناء، فغنت (٢):
تَشَط غدًا دار جيراننا … وللدارُ بعد غدٍ أَبْعَدُ
فوثب، فألقى نفسه على الشمعة، فأحرقت لحيته، وجعل يصيح الحريق يا أولاد الزنا. فضحك يزيد، وقال: لعمري إنَّ هذا لأطرب منّي، وأمر بحل قيوده، ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة بمثلها، وزودته إلى المدينة.
قال: نزل يزيد بيت ديرانية بالشام، ومعه حبابة، فقال: زعموا أنه لا يصفو لأحد عيشه إلى الليل لا يكدره شيء، وسأجرب ذلك، ثم قال: لمن معه، إذا كان غد لا تخبروني بشيء، ولا تأتوني بكتاب، وخلا بحبابة، فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمانة،
стр. 3134
فشرقت بحبة، فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثة حتى نتنت، وامتنع من الأكل والشرب، وخطاب الناس، وجعل يشمّها، ويترشفها، فعابته أقرباؤه، وقالوا: قد صارت جيفة بين يديك. ولم يزالوا به حتى أذن لهم في دفنها، وأمر، فأخرجت في نطع وخرج لا يتكلم حتى جلس على قبرها، فقال: أصبحت والله كما قال كثير (١): [من الطويل]
فإِنْ تَسْلُ عنكِ النفسُ أَوْ تَدعُوَ الصِّبا … فباليَأْسِ تسلو عنكِ لا بالتَّجَلُّدِ
وكل خليل زارني فهو قائلٌ … مِنَ أجلك هذا هامة اليوم أوغدِ
قال: فما أقام إلا خمسة عشر يومًا حتى مات، ودفن إلى جانبها.
وروى المدائني: أنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنها، فأمر بنبشها، فنبشت فكشف عن وجهها وقد تغيّر تغيّرًا قبيحًا، فقيل له: اتق الله، ألا ترى كيف صارت؟، فقال: ما رأيتها قط أحسن من هذا اليوم أخرجوها فجاءه مسلمة، ووجوه قومه، وأهله، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها.
[٤٠] بديح مولى عبد الله بن جعفر (٢)
صاحب فكاهة يحلو مذاقها، ومحاسن تعرو بها البدور محاقها، وكان لا يعاصيه احتيال، ولا يلاويه احتيال، لو رقى بالجندل لا يستخرج ماءه، أو لاطف الدجى لجلا ظلماءه، وأعرق في شرف الولاء، وأجزل له طرف الآلاء، ولم تنقص له عطية، ولا قصرت به رتبة علية.
قال أبو الفرج: روى الحديث عن عبد الله بن جعفر، وقيل: إن عبد الله بن جعفر دخل على عبد الملك بن مروان، وهو يتأوّه من عرق النسا، فقال: يا أمير المؤمنين ما لك؟، قال: قد هاج بي عرق النسا في ليلتي هذه، فبلغ مني، فقال: إنَّ بديحًا مولاي يرقي منه، فوجه إليه عبد الملك بن مروان؛ فلما مضى الرسول، قال عبد الله في نفسه: كذبة قبيحة عند خليفة، وأسقط في يده، فما كان بأسرع من أن طلع بديح، فقال له: كيف رقيك عرق النسا؟، قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين،
стр. 3135
قال: فسُرِّي عن عبد الله بن جعفر؛ لأنَّ بديحًا كان صاحب فصاحة وفكاهة يعرف بها، فمد رجله، فتفل عليها ورقاها مرارًا، فقال عبد الملك: الله أكبر وجدت والله حقًا يا غلام، ادعُ فلانة حتى تكتب الرقية فإنا لا نأمن هيجانها بالليل، فلا تدع بديحًا؛ فلما جاءت الجارية، قال بديح: يا أمير المؤمنين امرأته طالق إن كتبتها حتى تعجل حبائي، فأمر له بأربعة آلاف درهم؛ فلما صارت بين يديه، قال امرأته طالق إن كتبتها، أو يصير المال في منزله، فأمر فحمل؛ فلما أحرزه، قال: يا أمير المؤمنين امرأتي طالق إن كنت قرأت عليك وعلى رجلك إلا أبيات نصيب (١): [من الطويل]
ألا إنَّ ليلى العامرية أصبحتْ … على النأي عني ذنب غيري تنقمُ
وما ذاك عن ذنب يكونُ اجترمْتُهُ … إليها لتجزيني بها حيثُ أَعْلَمُ
ولكنَّ إنسانًا إذا مَلَّ صاحبًا … وحاولَ صَرْمًا لم يَزَلْ يتجرَّمُ
قال: ويلك ما تقول؟، قال: امرأته طالق إن كان رقاك إلا بما قال فاكتمها، قال: وكيف ذلك؟ ما تقول، وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر، فطفق عبد الملك ضاحكًا.
[٤١] هاشم بن سليمان (٢)
محصل ثروة، ومحصن ذروة، بفطانة تقطع ما في النفوس، وتذكر منه ما لا يدرك بالمحسوس، بحدس كأنّما كان به يتكهن، ويقوى لديه ولا يتوهن، وله في صناعة الغناء يد لا تطيش، وسهم في القلوب تسويدًا وإنها تريش، يجني المسامع ثمرًا، ويخيل للسامع أنه ازداد عمرًا.
قال أبو الفرج، قال هاشم بن سليمان: أصبح موسى الهادي يومًا وعنده جماعة منا، فقال: غنا (٣): [من الكامل]
أبهارُ قد هيجت لي أوجاعا … وتركتني عبدًا لكم مطواعا
فإن أصبت حاجتي، فلك حاجة مقضية، فغتنه، فقال: أصبت، وأحسنت. سل
стр. 3136
تعط حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين تأمر بأن يملأ هذا المكان دراهم، وكان بين يديه كانون عظيم فأمر به فملئ.
فلما حصلها قال: يا ناقص الهمة والله لو سألت أن أملأها دنانير لفعلت، فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين. قال: لا سبيل إلى ذلك ولم يسعدك الجد به. وتمام الصوت الذي اقترحه موسى الهادي على هاشم بن سليمان:
بحديثك الحَسَنِ الذي لوْ حُلِّفَتْ … وَحْشُ الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مَرَرْتِ على البهارِ مُنَضدًا … في السُّوقِ هيج إليك نراعا
والله لو علم البهارُ بأَنَّها … أَضْحَتْ سميَّتَهُ لطالَ ذِرَاعًا
[٤٢] عمرو ابن بانة (١)
مفيد في طرب، ومجيد إذا ضرب، طالما غنّى فخرَّق كل حجاب، واستنفق العبرة بغير حساب. كم له في الطرب دقة داخلة، ويد غير باخلة بكل إشارة وافية، وعبارة للعود الأعجم، بما يتخير من معاني العرب كافية. كم حضر في مجلس، فقال السرور ما غبت، وانجح فقال لا استحقاق ما خبت، وكان مهما حضر دار الخلافة استقله معروفها، ودنت إليه قطوفها، فكان أنَّى أَمَرَ الدهر ائتمر، ومهما غرس الطرب في سمع اجتنى الثمر.
قال أبو الفرج: كان نابهًا معجبًا، وكان ينادم الخلفاء على ما فيه من الوضح، وفيه يقول الشاعر (٢): [من المتقارب]
أقول لعمرو، وقد مرَّبي … فسلَّم تسليمةً خافِيَه
لئِنْ فَضَّلوكَ بحُسنِ الغناء … لقد فضَّل الله بالعافية
قال أبو معاوية الباهلي: سمعت عمرو ابن بانة يقول لإسحاق في كلام جرى بينهما: ليس كمثلي يقاس بمثلك؛ لأنك تعلمت الغناء تكسبًا، وتعلمته تطربًا، وكنت أضرب؛ لأن لا أتعلمه، وأنت تضرب؛ لأن تتعلمه.
стр. 3137
قال: اجتمع عمرو ابن بانة والحسين بن الضحاك (١) في منزل أبي شعوف، وكان له خادم يقال له مقحم، وكان عمرو يتهم به؛ فلما أخذ منهم الشراب سأل عمرو ابن بانة الحسين بن الضحاك أن يقول شعرًا يُغنّى، فقال (٢): [من المنسرح]
وابأبي مقحم بغُرَّتِهِ … قلتُ لَهُ إِذْ خلوتُ مُكتتما
تحب بالله [من] يخصك بالـ … حب فلا، قال: لا ولا نَعَمَا
فغنّى فيه عمرو ابن بانة، ولم يزل هذا الشعر غناءهم، وفيه طربهم، فأتاهم في عشيتهم إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسألوا ابن شعوف أن لا يأذن له، فحجبه، وانصرف إسحاق إلى منزله؛ فلما تفرقوا مرّ به الحسين بن الضحاك، فأخبره بجميع ما دار في مجلسهم، فكتب في ذلك إسحاق إلى ابن شعُوف (٣): [من الرمل]
يا ابن شعوف ما علمت بما قد … صار في الناس كلهم علما
أتاك عمرو فبات ليلتَهُ … في كلِّ ما يشتهي كما زَعَمَا
حتى إذا ما الظلام خالطَهُ … سَرَى دَبيبًا يجامع الخدما
ثمَّتَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يفوز بذا … سِرًّا، ولكنْ أَبْدَى الَّذي كَتَمَا
حتّى تغنَّى لفرط صبوتِهِ … صوتًا سقى من فؤادِهِ سَقَمَا:
وابأبي مقحم بغرَّتِهِ … قلتُ لهُ إِذْ خَلَوت مُكْتَتما
يحب بالله يخصك بالحب … فما قال: لا ولا نَعَمَا
قال: فهجر ابن شعوف ابن بانة، وقطع عشرته.
قال: جمع عبد الله بن طاهر بين المغنين، وأراد أن يمتحنهم، وأخرج بدرة دراهم سبقًا لمن تقدم منهم وأحسن، فحضر مخارق، وعلوية، وعمرو ابن بانة، ومحمد بن الحارث، فغنّى علوية، فلم يصنع شيئًا، وتبعه محمد بن الحارث، فكانت
стр. 3138
هذه سبيله، وامتدت الأعين إلى مخارق، فبدأ مخارق فغنّى (١): [من مجزوء الرجز]
إني امرؤ مِنْ جُرْهُم … عَمِّي وخالي من جذام
فما نهاه عمرو ابن بانة من انقطاع نفسه حتى غنّى (٢): [من السريع]
يا رَبعَ سَلامَةَ بِالمُنْحَنَى … بِخِيف سلع خادل الوابل
وكان إبراهيم بن المهدي حاضرًا، فبكى طربًا، وقال: أحسنت والله. استحققت السبق، فإن أعطيته، وإلا فخذه من مالي. يا حبيبي عني أخذت هذا الصوت، وقد والله زدت علي فيه، وأحسنت غاية الإحسان، ولا يزال صوتي عليك أبدًا. فقال عبد الله بن طاهر: من حكمت له بالصوت لسبق، فقد حصل له، وأومأ بالبدرة فحملت إلى عمرو، فلقي اسحاق بن أسد الخناق، فقال له: بلغني خبر المجلس الذي جمع فيه عبد الله بن طاهر المغنين ليمتحنهم، ولو شاء كفيته.
قال: قال: أما مخارق، فأحسن الناس غناء، إذا اتفق له أن يحسن، وقل ما يتفق له ذلك، وأما محمد بن الحارث فأحسنهم شمائل، وأملحهم إشارة بأطرافه ووجهه في الغناء، وليس عنده غير ذلك، وأما عمرو بن بانة، فإنه أعلم القوم وأوفاهم، وأما علوية، فمن أدخله مع هؤلاء.
[٤٣] وجه القرعة (٣)
وجه كله أسارير، وصباح كله تباشير، ورسيل قيان يقال له رفقًا سيرك بالقوارير.
جار على قديم، وسار على طريق قويم، وسبق وما تخلف، وجد وما تكلف، وقال كل قولٍ يشق المسامع ويلجها، ويقع على الخواطر ويبلجها.
قال أبو الفرج الأصفهاني؛ قال محمد بن حية: دخلنا على إسحاق الموصلي نعوده من علة كان وجدها، فصادف عنده مخارقًا، وعلوية، وأحمد بن حمزة
стр. 3139
- وجه القرعة (١) - فعرض عليهم إسحاق أن يقيموا عنده، ليفرج بهم ويخرج إليهم ستارة يغنون من ورائها، ووضع النبيذ، فغنّى مخارق صوتًا من الغناء القديم، فخالفه محمد بن حمزة في صناعته مدامها في ذلك، وإسحاق ساكت، ثم تحاكما إليه، فحكم لمحمد، فراجعه مخارق، فقال له إسحاق: حسبك فوالله ما فيكم أدرى بما يخرج من رأسه منه، فقال: ثم غنّى أحمد بن يحيى المكي (٢): [من البسيط]
قُلْ للحمامة لا تعجل بإسْراج
فقال محمد: هذا اللحن المعبد، ولا يعرف له هزج غيره، فقال أحمد: ما على ما شرط أبو محمد آنفًا من أنه ليس في الجماعة أدرى بما يخرج من رأسه منك، فلا معارض لك؟ فقال له إسحاق: يا أبا جعفر ما غنيتك والله فيما قلت، ولكن قد قال: إنه لا يعرف لمعبد هزج غيره، فأكذبه أنت بهزج آخر له مما لا يشك فيه. فقال أحمد: لا أعرف تمام الصوت (٣): [من البسيط]
قُلْ للحمامة لا تعجل بإسراج … ليس الجواد بذاكَ السَّائح النَّاجِي
لما دَعَا دعوةً أُخرى فأسمعَني … أَخَذْتُ قولي واستعجلت إذْلَاجِي
[٤٤] شارية (٤)
جارية بيضاء مذكورة، هيفاء ممكورة باهت بالغناء، وتاهت تيه الحسناء، وأربت على كل مجيد، وأبرَّت على كل ذات سالفة وجيد. يقال: إنها ريحانة من رياحين مخزوم، وممن حان بحبها للزوم، فكانت ذروة تقلّدها ملك فخر بأجداده، وجمع النقيضين ببياضها وسواده، وكانت تفوق كل جارية، وتفوت الكواكب وهي سارية.
قال أبو الفرج، قال عيسى بن هارون المنصوري: إنَّ مولاة شارية قدمتها ببغداد
стр. 3140
لتبيعها فعرضتها على إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأعطى بها ثلاثمائة دينار، ثم استعادها بعد ذلك، ولم يردها، فجيء بها إلى إبراهيم بن المهدي، فعرضت عليه، فساوم بها، فقالت مولاتها: قد بذلتها لإسحاق بثلاثمائة دينار، والأمير، - أعزه الله - أحق بها، فقال: زنوا لها ما قالت، ثم دعا بقيمة، فقال لها: خُذي هذه الجارية، ولا ترينها سنة، وقولي للجواري يطرحن عليها؛ فلما كان بعد سنة، أخرجت إليه، فنظر إليها، وسمعها، فأرسل إلى إسحاق، وأراه إياها، وأسمعه غناءها. قال: هذه جارية تباع فبكم تأخذها لنفسك؟، فقال إسحاق: آخذها بثلاثمائة دينار وهي رخيصة فقال إبراهيم: أتعرفها؟ قال: لا، قال: هذه الجارية التي عرضتها عليك الهاشمية بثلاثمائة دينار، فلم تقبلها. فبقي إسحاق متعجبًا من حالها، وما انقلبت إليه.
قال ابن المعتز: ذكر أبو يوسف بن إبراهيم المصري - صاحب إبراهيم بن المهدي - أن إبراهيم وجه إلى عبد الوهاب بن علي في حاجة كانت له، قال: فلقيته، وانصرفت من عنده، فلم أخرج من دهليزه حتى استقبلتني امرأة؛ فلما بصرت سترت وجهها عني، فأخبرني بعض الشاكرية أن الامرأة [أم] شارية جارية إبراهيم، فبادرت إلى إبراهيم، وقلت: أدرك أم شارية في دار عبد الوهاب، وهي من تعلم، فقال لي في جواب ذلك: أشهدك أن جاريتي شارية صدقة مني على ميمونة ابنة إبراهيم بن المهدي، ثم أشهد ابنه على مثل ذلك، وأمرني بالركوب إلى دار ابن أبي دؤاد، وإحضار من قدرت عليه من الشهود، فأحضرتهم، وكانوا أكثر من عشرين شاهدًا، وأمر بإخراج شارية، فأخرجت فقال: اسفري، فجزعت من ذلك. فأعلمها إنما أمرها بذلك لحير يريده لها، ففعلت فقال: تسمي فقالت: شارية أمتك، فقال لهم: تأملوا وجهها، ففعلوا، فقال: أشهدكم أنها حرّة لوجه الله تعالى، وأني قد تزوجتها، وأصدقتها عشرة آلاف درهم. يا شارية مولاة إبراهيم بن المهدي أرضيتي؟، قالت: نعم، والحمد لله على ما أنعم علي، وأمرها بالدخول وأطعم الشهود وطيبهم، وانصرفوا، فما أحسبهم بلغوا دار ابن أبي دؤاد حتى دخل علينا عبد الوهاب بن علي، فأقرأه السلام من المعتصم، ثم قال: يقول لك أمير المؤمنين المفترض على طاعتك وصيانتك من كل ما يعودك: إذا كنت عمي، وصنو أبي؛ وقد رفعت امرأة من قريش قصة ذكرت فيها أنها من بني زهرة صليبة، وأنها أم شارية أمتك، وكيف يكون امرأة من قريش أمةً؟ فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية ابنتها، وأنها من بني زهرة، فمن المحال أن تكون شارية أمة، والأصلح بك والأشبه إخراج شارية من دارك، وتصيّرها عند من تثق به من أهلك حتى ينكشف ما قالته المرأة، وكان في ذلك الحظ الأوفر لك في دينك وحقك،
стр. 3141
وإن لم يصح ذلك، أعيدت الجارية إلى منزلك، وقد زال عن نفسك القول الذي لا يليق بك، ولا يحسن. فقال له إبراهيم: فديتك هب شارية بنت زهرة بن كلاب، أتنكر على ابن العباس بن عبد المطلب أن يكون بعلًا لها؟، قال: لا، فقال إبراهيم: فأبلغ أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - أنَّ شارية حرّة وقد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول، وقد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم صاروا إلى ابن أبي دؤاد، فشم رائحة الطيب منهم فأنكر. فسألهم عنه، فأعلموه أنهم حضروا عند شارية جارية إبراهيم بن المهدي، وتزوجه إياها، فركب إلى المعتصم، فحدّثه الحديث، فقال: خل سعي عبد الوهاب؛ فلما رآه يمشي في صحن الدار، شدّ المعتصم أنف نفسه، فقال: ياعبد الوهاب إني أشم رائحة صوت محرق، وأحسب عمّي لم يقنعه درك على أذنك صوفة حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك، فقال: الأمر على ما ظن أمير المؤمنين واسمح.
ولما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم ابتاع إبراهيم من ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم، وستر ذلك عنها، وكان عُقبة أتاها وهي ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة، فحلَّ له فرجها، فكان يطأوها على أنها أمة، وهي تتوهم على أنه يطأها أنها زوجته حرّة؛ فلما توفي ظلت مشاركة أم محمد بنت خالد زوجته في المهر، فأظهرت خبرها، وسألت ميمونة، وهبة الله عن الخبر بأخبرتا به، فأمر المعتصم بابتياعها، فابتيعت من ميمونة بخمسمائة دينار، فحولت إلى داره، فكانت في ملكه إلى أن توفي.
قال ابن المعتز: وحدث حمدون بن إسماعيل أنه دخل على إبراهيم يومًا فقال له: أتحب أن أسمعك شيئًا لم تسمع قط مثله؟، فقلت: نعم، فقال: هاتوا شارية، فخرجت، فأمرها أن يغني لحن إسحاق (١): [من البسيط]
هل بالديار التي أحببتها أَحَدٌ ..
قال حمدون: فغنى شيئًا لم أسمع قط مثله، فقلت: لا والله يا سيدي ما سمعت هكذا قط. قلت: أيحب أن نسمعه أحسن من هذا؟، قلت: لا يكون، قال: بلى والله نُقر بذلك، فقلت: على اسم الله. فغناه هو فرأيت فضلًا عجيبًا، فقلت: وما ظننت أنَّ هذا يفضل ذلك هو الفضل. قال: أفتحب أن تسمعه أحسن من هذا وذلك؟ قلت: هذا الذي [لا] يكون أبدًا، فقال: بلى والله فقلت: هات، قال: بحياتي يا شارية قوليه، واختلى خلفك. قال: فغنت فسمعت والله فضلًا بينًا، فأكثرت العجب، فقال: بلى
стр. 3142
والله يا أبا جعفر ما أهون هذا على السمع. تدري كم رددت عليها موضعًا في هذا الصوت؟ قلت: لا، قال: قُلْ وأكثر، قلت: مائة مرّة، قال: أضعف ما بدا لك، قلت: ثلاثمائة مرة، قال: أكثر والله من ألف مرّة حتى قالته كذا، برق، تقول: إن شارية إذا اضطربت في صوت، فغاية ما يكون عنده من عقوبتها أن يقيمها تغنيه على رجليها، فإن لم تبلغ الذي أراد، ضرب ربق بين يديها.
قال محمد بن سهل بن عبد الكريم: ثم أعطى المعتصم شارية سبعين ألف دينار.
قال عبد الله بن طاهر: أمرني المعتز ذات يوم بالقيام عنده، فأقمت، ومدت الستارة وغنت شارية، ولم أكن سمعتها قبل، فاستحسنت ما سمعت، فقال لي المعتز: يا عبد الله كيف تسمع منها عندك؟، فقلت: حظ العجب من هذا الغناء أكثر من حظ الطرب، فاستحسن ذلك، فأخبرها فاستحسنه.
[٤٥] خليدة المكية (١)
خلدت لها ذكرًا، وخلت حديثها يستحسن وإن كان نكرًا، خلقت من طينة العنبر الورد، وطابت أنفاسًا وإن اسود، كأنَّما نقضت عليها صنعتها الحدق مما حدقت ناظره إليها إلا أنها كانت ذات ملح ما اشتملت عليها أحناء ظلام، ولا محاجة أقلام، فلهذا عشقت، وما ضاعت الأعمار التي أنفقت.
قال أبو الفرج؛ قال الفضل بن الربيع: ما رأيت ابن جامع يطرب لغناء كما يطرب لغناء خليدة المكية.
قال عمر بن شبة: بلغني أنَّ محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أرسل إلى خليدة المكية مولاه أبا عمرو يخطبها عليه، فاستأذنها عليه فأذنت له، وعليها ثياب رقاق لا تسترها، فوثبت وقالت: إنما طننك بعض سفهائنا، ولكني ألبس لك لباس مثلك، ثم أخرج إليك، ففعلت، ثم قالت: قُلْ قلت: أرسلني إليك مولاي، وهو من تعلمين ابن رسول الله وابن علي وابن عثمان، وهو ابن عم أمير المؤمنين يخطبك، قالت: قد نسبته، فأبلغت فاسمع نسبي أنا بأبي أنت.
стр. 3143
أما أبي فبيع على غير عقد الإسلام، ولا عهده، فعاش عبدًا، ومات في رجليه قيد، وفي عنقه سلسلة على الأباق والسرقة، وولدتني أمي منه على غير رِشْدَة، وماتت وهي آبقة، وأنا من تعلم، فإن أراد صاحبك نكاحًا مباحًا، أو زنى صراحًا، فليهم إلينا، فنحن له. فقلت: إنه لا يدخل في الحرام، فقالت: ولا ينبغي أن يستحي من الحلال، فأما نكاح السر، فلا والله ما فعلته، ولا كنت عارًا على القيان أبدًا. فأتيت محمدًا، فقال: ويلك أتزوجها معلنًا وعندي بنت طلحة بن عبيد الله، لا، ولكن إرجع إليها، فقل لها: تختلف إلي أردّد بصري فيها لعلي أن أسلو. فرجعت إليها فأبلغتها الرسالة، فضحكت وقالت: أما هذا، فنعم.
[٤٦] عمرو الميداني (١)
مطرب مجالس، ومطري، مجالس وزند سرور قادح، وعهد حبور سلم من فادح، اقتصر على الطرب بالطنبور، فيبست العيدان، ويبست أن يحور صنعة الميدان، ووضع لها في الأصوات ما يناسب، وقنع منها بما تيسر من المكاسب، ثم ما ضم مصرورًا، ولا مضى مسرورًا.
قال أبو الفرج، قال علي بن أمية: دخلتُ على عمرو الميداني وكان له بقال على باب داره ينادمه، ويقترض منه إذا أعسر، فوجدته عنده، فقال: يا أبا عمرو معي أربعة دراهم اشتروا بها ما أحببتم، وعندي نبيذ، وأنا أغنيكم، والبقال يحضركم من الأبقال اليابسة مما في حانوته، فوجهنا البقال، فاشترى لنا لحمًا وخبزًا وفاكهة، وجاءنا من دكانه بحوائج سكباج ونَقْل، فبينا نحن نتوقع فراغ القدر إذا بغرانق يدق الباب، وقال: أجب إسحاق بن إبراهيم، فحلف علينا أن لا نبرح، ومضى هو، وأكلنا وشربنا، وانصرفت عشاء، وبكر إلي رسوله، فصرت إليه، فقلت له: اعطني خبرك، قال: أدخلت، فوضعت بين يدي مائدة كأنها خزعة يمانية، قد فرشت في عراصها أنواع الأطعمة، فأكلت وسقيت رطلين، فدفع إليّ الطنبور، فدخلت إلى إسحاق، فوجدته جالسًا وخلفه ستارة، وعنده مخارق وعلوية، فقال: أنت عمرو الميداني؟ فقلت: نعم،
стр. 3144
قال: أكلت؟ قلت: نعم، قال: ههنا أوفي منزلك؟ قلت: بل ههنا قال: أحسنت، تغنّ بصوتك (١): [من مجزوء الخفيف]
يا شبيه الهلال كلك في الأفق أنجما
فغنيته فضرب الستارة، وقال: قولوا أنتم فقال لمخارق وعلوية: كيف تسمعان؟، فقالا: هذا والله ذاك، وذاك هذا، وشرب عليه مرارًا، ثم قال لي: أنا اليوم على خلوة، ولك إلي عودات فانصرف اليوم بسلامة، فخرجت ودفع إلي الغلام خمسة دراهم هذه والله لا استأثرت عليكم منها بدرهم فما أزال عنده يقصف بها حتى نفدت كلها.
ومنهم:
[٤٧] أشعب الطامع (٢)
رجل من أهل المدينة كان يعد الوهم حقيقة، ويظن وادي العقيق عقيقة، لو رأى البرق المقتدح لحسبه طابخا، أو الفجر الطالع في الليل لظنه لإهاب شاه ملحاه سالخا، ما خيم الضباب إلا قال هذه دخان رفعت لنار القرى، وما بانت له الأكام إلا قال سأستضيف بعض هذه القرى لو قدر من طمعه لتعلق بحبال الشمس واسترد اليوم ما فات في أمس، لو حضر امرؤ القيس للزمه وتبتل، ووقف يندب عقائره التي تقتل، ولخاطف العذارى منها على لحم وشحم كهذاب الدمقس المُفَتَّل، لا يسلك في غير الخدع المطعمة الحدد، ولا يعرف من قدماء العرب إلا طابخة بن أدد. لو سئل عن فواتر الأجفان لقال: لا أعرف إلا فوائر الجفان، يعجله النهم عن التسمية والحمد، ولا يحمله الشره على أطراف الأكيل على عمد لو نظر إلى خيال النجوم في الغدير لقال: دعوني بلفظ ملاحظة هذه الدنانير، أوفاته تحصيل ذر الهباء، لعض على الأباهم، وكان على هذه الخصال التي تسود الصحف، وتخزي ما تحت اللحف من أقيال الغناء، وأهل أقوال الطرب المعروفة لابن اللخناء إلى نوادر له في الطمع، ونكت له كالنطافة في الطبع، وعلى هذا أصبح الناس، وأصبح واحدًا والخلق في أجناس.
قال أبو الفرج ﵀: كان يحكي عن أمه أنها كانت تغري بين أزواج رسول الله ﷺ وتمشي بينهم بالنميمة، وأنها زنت فحلقت، وطوّف بها أسواق المدينة،
стр. 3145
وكانت تنادي على نفسها من رآني، فلا يزني، فقالت لها امرأة: يا فاعلة، نهانا الله عنه فعصيناه، نطيعك أنت وأنت مجلودة راكبة جمل؟!
وقد روى الحديث عن جماعة من الصحابة، من الحديث الذي رواه عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ قال (١): «لو دعيت إلى كراع لأجبت».
قال المدائني: دفعت ابنة عثمان أشعب في البزازين، فقالت له: بعد حول السنة أتوجهت بشيء، قال: نعم توجهت وتعلمت نصف العلم، قالت: وما هو؟، قال:
تعلمت النشر، وبقي الطي.
قال المدائني، قال أشعب: تعلّقت بأستار الكعبة وقلت: اللهم أذهب عني الحرص والطلب إلى الناس. ومررت بالقرشيين وغيرهم، فلم يعطني أحد شيئًا، فجئت إلى أمي فقالت: ما لك قد جئت خائبًا؟ فأخبرتها فقالت: لا والله لا تدخل حتى ترجع، فتستقيل ربك، فرجعت فقلت: يا ربّ أقلني، فلم أمر بمجلس من قريش وغيرهم إلا أعطوني ووهب لي غلام، فجئت أمي موقرًا من كل شيء، فقالت: ما هذا الغلام؟، فجئت لأخبرها، فخفت أن تموت فرحًا، فقلت: وهبوا لي، قالت: أي شيء؟ قلت: غين قالت: أيش غين؟، قلت: لام، قلت: ألف، قالت: أي شيء ألف، قلت: مم قلت، غلام فغشي عليها، ولو لم أقطع الحروف، لماتت الفاسقة فرحًا.
قال أشعب: سمعت الناس يموجون في أمر عثمان، ثم أدركت المهدي، وقال: تغدى أشعب مع زياد الحارثي، فجاءه بصحفة فيها مضيرة، فقال أشعب للخباز ضع ذلك على يدي، فقال زياد من يُصلّي بأهل السجن؟، فقالوا: ليس لهم إمام، فقال: أدخلوا أشعب يصلي بهم، فقال أشعب: أوخير من ذلك؟، قال: وما هو؟، قال: أحلف أن لا آكل مضيرة أبدًا.
قال صلّى أشعب يومًا إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، وكان مروان عظيم العجز والخلقة، فما لبث أن افتلتت منه ريح عند نهوضه لها صوت، فانصرف أشعب من الصلاة يوهم الناس أنه هو الذي خرجت منه الريح؛ فلما انصرف مروان إلى منزله، جاءه أشعب، فقال له: الدية، قال: دية ماذا؟ قال: الضرطة التي تحملتها. ولم يدعه حتى أخذ منه.
стр. 3146
قال أبو بكر الزيني: حدثني من رأى أشعب علّق رأس كلبه، وهو يضربه ويقول:
تنبح للهدية، وتبصبص للضيف.
قال: غذا أشعب جديًا بلبن أمه وغيرها حتى بلغ غاية. قال، وقال لزوجته ابنة وردان: أحب أن ترضعيه بلبنك، ففعلت، ثم جاء به إسماعيل بن جعفر الصادق، فقال: بالله إنه قد رضع بلبن زوجتي حبوتك به، ولم أجد من يستأهله سواك. قال: فنظر إسماعيل إلى الجدي أعجبه، فأمر بذبحه واسمط، فأقبل أشعب، وقال: ما عندي والله شيء، ونحن من تعرف ذلك غير فائت؛ فلما أيس منه، قام من عنده، فدخل على أبيه جعفر بن محمد، ثم اندفع يشهق حتى التقت أضلاعه، ثم قال: أخلني، قال: ما معنا أحد قال: وثب ابنك إسماعيل على ابني فقتله، وأنا أنظر إليه، قال: فارتاع جعفر، وقال: ويحك وفيم، وتريد ماذا؟ قال: ما أريد فوالله ما لي في إسماعيل حاجة، ولا يسمع هذا سامع أبدًا بعدك، فجزاه خيرًا، وأدخله منزله، وأخرج له مائة دينار، وقال: خذ هذه ولك عندي ما تحبّ. قال: وخرج جعفر إلى إسماعيل لأن ينظر ما بطؤ عليه، فإذا به مسترسل؛ فلما رأى وجه أبيه نكره، وقام إليه، فقال: يا إسماعيل، وفعلتها بأشعب، وقتلت ولده؟ فاستضحك وقال: جاءني بجدي من صفته، وخبره الخبر، فأخبره أبوه بما كان منه وصار إليه.
قال: وكان جعفر يقول لأشعب: رعتني راعك الله، فيقول: روعتي في الجدي أكثر من روعتك في المائتي دينار.
قال: وقف أشعب على امرأة، وهي تعمل طبق خوص، فقال: كبريه، قالت:
ولم أتريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن عسى أن يشتريه إنسان فيهدى إلي فيه شيء.
قال المدائني: قالت صديقة أشعب لأشعب: هب لي خاتمك أذكرك به، فقال:
اذكريني بأني منعتك إياه فهو أحبّ إلي.
قال أشعب مرة للصبيان: هذا عمرو بن عثمان يقسم مالًا فامضوا إليه، فلما أبطأوا عليه، اتَّبعهم يحسب أن الأمر قد صار حقًا كما قال.
قال المدائني؛ قال رجل: رأيت أشعب بالمدينة يقلب مالًا كثيرًا، فقلت له:
ويحك ما هذا ولعلك أن يكون أيسر من الذي يعطيك؟ قال: إني مهرت المسألة، وأخاف أن أدعها فتفلت مني.
قال المدائني، قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت اثنين يتشاوران قط إلا ظننت أنهما قد أمرا لي بشيء.
قال المدائني؛ قال أشعب لأمه: رأيتك في النوم مطلية بعسل وأنا مطلي بعذرة،
стр. 3147
فقالت: يا فاسق هذا عملك الخبيث أراكه الله قال: إنَّ في الرؤيا شيئًا آخر، قالت: وما هو؟ قال: رأيت أني ألطعك وأنت تلطعينني، قالت: لعنك الله يا فاسق.
قال المدائني: كان أشعب يتحدث إلى امرأة بالمدينة حتى عُرف بذلك، فقالت لها جاراتها: لو سألتيه شيئًا، فإنه موسر؛ فلما جاء قالت: إن جاراتي ليقلن لي ما يصلك بشيء. فخرج نافرًا من منزلها، فلم يقربها شهرين، ثم إنه جاء ذات يوم، فجلس على الباب، فأخرجت له قدحًا مملوءًا ماءً، فقالت: اشرب هذا من الفرع، فقال:
اشربيه أنت من الطمع.
قال المدائني؛ قال رجل لأشعب: لو تحدثت عندي العشية، فقال: أكره أن تجيء بثقيل، فقلت: أليس غيري وغيرك؟، قال: فإذا صليت الظهر، فأنا عندك، فصلّى وجاء؛ فلما وضعت الجارية الطعام إذا أنا بصديق لي يدق الباب، فقال: ألا تراها؟ قد جاءنا ثقيل عندي له عشرة خصال، قلت: أولها أنه لا يأكل، ولا يشرب، قال: رضيت والسبع خصال له أدخله.
قال المدائني: دخل أشعب يومًا على الحسين بن علي ﵁ وعنده أعرابي قبيح الوجه، فسبح أشعب حين رآه، ثم قال للحسين: بأبي أنت وأمي تأذن لي أن أسلح عليه؟ فقال له الأعرابي: إن شئت. ومع الأعرابي فرس وكنانة، ففوق نحوه سهمًا، وقال: والله لئن فعلت لتكونن آخر سلحة سلحتها، فقال أشعب للحسين:
فديتك قد أخذني القولنج.
قال المدائني: توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى، وترك اليمنى، فقيل له: لم تركت غسل اليمنى؟، قال: لأنَّ النبي ﷺ قال: أمتي غراء محجلين من آثار الوضوء، فأنا أحب أن أكون مطلق اليمين.
قال: سمع أشعب حُبّى بالمدينة وهي تقول: اللهم لا تمتني أو تغفر لي ذنوبي، فقال لها: يا فاسقة أنت لم تسأليه المغفرة، إنما سألتيه عمر الأبد.
قال: ساوم أشعب بقوس عربية، فقال صاحبها لا أنقصها من مائة دينار، فقال أشعب: أعتق ما تملك لو أنها إذا رمي بها طائر في جو السماء وقع مستويًا بين رغيفين ما أخذتها بدينار واحد.
قال: قيل لأشعب: رأيت أحدًا أطمع منك؟ قال: نعم كلب تبعني أربعة أيام على مضغ العلك.
قال: لقي أشعب صديق لابنه، فقال له: ويحك يا أشعب كان أبوك ألْحَى وأنت
стр. 3148
أفظ فإلى من خرجت؟ قال إلى أمتي.
قال: ولما ولى الرشيد إبراهيم بن المهدي دمشق، بعث إلى عبيد بن أشعب، وكان قدم عليه من الحجاز، وأراد أن يُطرفه به، فقدم عليه، قال إبراهيم: فكان يحدثني من حديث أبيه بالطرائف. وعادلته يومًا وأنا خارج من دمشق في قبة على بغل؛ لألهو بحديثه، فأصابنا في الطريق برد شديد، فدعوت بدواج سمور لألبسه، فأتيت به، فلما لبسته أقبلت على ابن أشعب، فقلت: حدَّثني بشيء مما بلغ طمع أبيك، فقال: ما لك ولأبي ها أنا حين دعوت بالديباج، فما شككت والله إنما جئت به لي. فضحكت، ثم دعوت له بغيره، ثم قلت له: لأبيك غيرك من الأولاد؟ قال: كثير، قلت: عشرة، قال: أكثر، قلت: فخمسون؟ قال: أكثر، قلت: فمائة، قال: دع المئين، وخذ الألوف. قال: ويلك أي شيء تقول؟ قال: ليس بينك وبينه أب كيف يكون له ألوف؟ فضحك ثم قال: في هذا خبر ظريف، فقلت له: حدثني به قال: كان منقطعًا إلى سكينة بنت الحسين، وكانت متزوّجة زيد بن عثمان بن عفان، وكانت محبّة له، وكان لا يستقر معها. تقول له: أريد الحج فيخرج معها، فإذا مضوا إلى مكة، قالت: أريد الرجوع إلى المدينة، فإذا عاد إلى المدينة قالت: أريد العمرة، فهو معها في سفر لا ينقضي.
قال عبيد بن أشعب: فحدثني أبي كانت قد حلفته يمينًا لا كفارة لها، أن لا يتزوج عليها، ولا يتسرّى، ولا يُلم بنسائه، ولا جواريه إلا بإذنها. وحج الخليفة في سنة من السنين، فقال لها: قد حجّ أمير المؤمنين، ولا بُدَّ لي من لقائه. قال: فحلف لها أنه لا يدخل الطائف، ولا يلم بجواريه، بعد أن قالت له: لا آذن لك إلا على هذا، ثم قالت: احلف بالطلاق، فقال: لا أفعل ذلك، ولكن ابعثي معي ثقتك، فدعتني وأعطتني ثلاثين دينارًا، وقالت: أخرج معه وحلفتني بالطلاق من أتيت وردان زوجتي أن لا أطلق له الخروج إلى الطائف بوجه، ولا سبب، فحلفت لها بما أثلج صدرها. وأذنت له، فخرج، وخرجت معه، فلما حاذينا الطائف، قال لي: يا أشعب أنت تعرفني، وتعرف صنيعتي عندك، وهذه ثلاثمائية درهم فخذها، وأذن لي أن ألم بجواريي؛ فلما سمعتها ذهب عقلي وقلت يا سيدي: إنها سكينة فالله الله في، قال: أو تعلم سكينة الغيب؟ فلم يزل بي حتى أذنت له، فمضى وبات عند جواريه؛ فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا، فلبست حلّة وشي كانت لزيد قيمتها ألف دينار، وركبت فرسه، وجئت إلى النساء فسلمت، فرددن علي السلام، وأجللنني، وسألنني عن نسبي، فانتسبت بنسب زيد، فحادثنني، وأنسن بي، فجاءني شيخ، فسلم علي، وعظمني، وسألني، فخبر بنسبي، فنظر إلي، وقال: ما هذه خلقة قرشي، ولا هو إلا عبد ثم بادر إلى بيته، وعلمت أنه يريد شرًّا، فركبت الفرس، ثم مضيت، ولحقني
стр. 3149
فرماني بسهم ما أخطأ قربوس السرج، وما شككت في أنه يلحقني بآخر فيقتلني، فسلحت - يعلم الله - في ثيابي، ولوثتها، ونفذ إلى الجلد فصيرها شهرة، وأتيت رحل زيد، فجلست أغسل الحلة، وأنشفها. وأقبل زيد فرأى ما لحق الحلة والسرج، فقال لي: ما القصة ويلك؟ فقلت: يا سيدي الصدق أنجى وأسلم، وحدثته الحديث، فاغتاظ، ثم قال: لم يكفك أن تلبس حلتي، وتصنع ما صنعت، وتركب فرسي، وتجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي، وفضحتني، وجعلتني عند العرب ولاجًا. أنا نَفِيٌّ من أبي منسوب إلى أبيك إن لم أسؤك وأبالغ فيك، أو قال: في ذلك. ثم لقي الخليفة، وعاد فدخلنا على سكينة، فسألته عن خبره كله، فحدّثها، فقالت له: هل مضيت إلى جواريك؟ فقال: لا أدري سلي ثقتك، فدعت بي، فسألتني، فبدأت فحلفت بكل يمين محرجة أنه ما مرَّ بالطائف، ولا فارقني، ولا دخلها، فقال: اليمين الذي حلفها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف، وبت عند جواريي، وغشيتهن جميعًا، وأخذ مني ثلاثمائة دينار، وفعل كذا وكذا، وأراها الحلة والسرج، فقالت لأشعب: فعلتها. أنا نفية من أبي إن لم أنفقها إلا فيما يسوؤك، ثم أمرت بكبس منزلي وإحضارها، وإحضار الدنانير، فأحضرت، واشتري بها خشب، وبيض، وسرجين، فعملت من الخشب بيتًا وحبستني فيه، وحلفت ألا أخرج منه حتى أحضن البيض كله، فمكثت أربعين يومًا إلى أن نقب كله، وخرج منه فراريج كثير، فربيتهن، وتناسلن، وكنّ في المدينة يسمين أولاد أشعب وهنَّ إلى اليوم بالمدينة يسمين بذلك، وتزيد على الألوف كلهن أقاربي وأهلي. قال إبراهيم: فضحكت والله منه ضحكًا ما أذكر أني ضحكت قدره قط، ووصلته، ولم يزل عندي زمانًا حتى خرج إلى المدينة.
قال: كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأولعهم، وبلغ من عبثه أنه كان يجيء إلى منزل الرجل له لقب يغضب منه فيقول: أنا فلان بن فلان، ثم يهتف به بلقبه، فيشتمه أقبح شتم وأبان يضحك. قال: فبينا أشعب ذات يوم عنده في داره إذ أقبل أعرابي معه جمل والأعرابي أشقر أزرق غضوب يتلظى كأنه أفعى، ويبين الشر في وجهه، فقال أبان: هذا والله من البادية، ادعوه فدعا به فقيل له: إن الأمير أبا عثمان يدعوك، فأتاه، فسلم عليه، فسأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: حياك الله يا خال. اجلس، فقال: إني في طلب مثل جملك هذا منذ مدة، فلم أجده كما أشتهي بهذه الهامة، وبهذا اللون والصدر والورك والأخفاف، والحمد لله الذي أظفرني به عند من أحبه، أتبيعه؟، قال: نعم أيها الأمير، قال: فإنّي قد بذلت لك مائة دينار، وكان الجمل يساوي عشرة، فطمع الأعرابي وسرّ وانتفخ وبان الطمع في وجهه، فأقبل أبان على أشعب، وقال: ويلك يا أشعب إن خالي من أهلك وأقاربك - يعني في الطمع - فأوسع
стр. 3150
له ما عندك. قال: نعم بأبي أنت وأمي وزيادة، فقال له: يا خال إنما زادك في الثمن على بصيرة أن الجمل يساوي ستين دينارًا. ولكني زدتك، وبذلت لك مائة، فزاد طمع الأعرابي، وقال: قد قبلت ذلك أيها الأمير، فأسر إلى أشعب وأخرج شيئًا مغطى، وقال: أظهر ما جئت به قال: فاخرج جرد عمامة خزّ تساوي أربعة دراهم، فقال: قومها يا أشعب فقال: عمامة الأمير تعرف به، وتشهد فيها الأعياد والجمع، وتلقى فيها الخلفاء خمسين دينارًا، فقال: ضعها بين يديه، وقال لكاتبه: أثبت قيمتها، فكتب ذلك، ووضعت العمامة بين يدي الأعرابي، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظًا، ولم يقدر على الكلام، ثم قال: هات قلنسيتي، فأخرج قلنسية طويلة خلقة، قد علاها الوسخ والدهن وتخرَّقت تساوي نصف درهم فقال: قلنسية الأمير تعلو هامته، ويُصلي فيها الصلوات، ويجلس للحكم ثلاثين دينارًا، فقال: أثبت فأثبت ووضعت بين يدي الأعرابي فتربد وجهه، وجحظت عيناه، وهم بالوثوب، وتماسك قليلًا، وهو مقلقل، ثم قال أبان لأشعب: هات ما عندك، فأخرج خفين خلقين قد نقبا، وتقشرا، فقال: قَوِّم فقال: خفّا الأمير يطأ بهما الروضة، ويعلو منبر النبي ﷺ أربعين دينارًا، فقال: ضعها بين يديه، فوضعها ثم قال لبعض الأعراب: اذهب فخذ الجمل، وقال لآخر: امض مع الأعرابي، فاقبض ما عنده من بقية الثمن المبتاع وهو عشرون دينارًا، فوثب الأعرابي وأخذ القماش فضرب به وجه القوم ثم قال لأبان: أتدري أصلحك الله من أي شيء أموت؟ قال: لا، قال: حيث لم أدرك أباك عثمان فأشرك والله في دمه أن ولد مثلك. ثم نهض مثل المجنون، فأخذ بزمام بعيره، وضحك أبان حتى سقط، وكان الأعرابي إذا لقي أشعب، فيقول: يا ابن الخبيثة، هلم إلي حتى أكافيك على تقويمك المتاع، فيهرب منه أشعب.
قال: لاعب [أشعب] رجل بالنرد، فأشرف على أن يقمره إلا أن يضرب دُويَك ووقع النقصان في يد الرجل، فأصابه زمع، وخرج، فضرب بكين وضرط مع الضربة، فقال أشعب: عليه من امرأته الطلاق إن لم أحسب له الضرطة نقطة حتى يصير المكان دويك ويُقمر، فسلّم إليه القمر بسبب الضرطة.
وكانت صنعته في الغناء طيبة فمن صنعته في شعر كثير، وهو الصوت الذي ذكر أخباره بسببه (١): [من المتقارب]
إلى نار جيراننا نَقْصِدُ … فنقضي اللُّبابَةَ أو نعهد
стр. 3151
كأنَّ على كَبدِي جَمْرَةً … حذارًا مِنَ البَيْنِ مَا تَبْرِدُ
توفي أشعب سنة أربع وخمسين ومائة.
[٤٨] يونس الكاتب (١)
كمل بالطرب أدواته، وجعل حسن العود، دواته، وكانت أنامله بالوتر أليق من القلم، وأوفق بأمداده مما يمده المداد من الظلم. حلق فيه تحليق الطائر، وحقق فيه ما لا يحقق من النظائر، وأطرب من سمع، وأطرف كل مجتمع، حتى ألف إنعامه، وخلف لأنف الحاسد إرغامه، وقسم أنواع الضروب، وغال الأفئدة بالأكول الشروب.
قال أبو الفرج: هو أول من دون الغناء، ويقال: إنه خرج [إلى] الشام في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه، فلم يعلم يونس إلا ورسله قد دخلت عليه الخان، والوليد إذ ذاك أمير، فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير لا أدري من هو؟، إلا أنه أحسن الناس وجهًا، فسلمت وأمرني بالجلوس ثم دعا بالشراب والجواري فغنيت (٢): [من الخفيف]
إن يعش مُصْعَبٌ فنحن بخير … قد أتانا مِنْ عَيشِنا ما نُرجي
ثم نهضت، فقطعت الصوت فقال: ما لك؟ فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب، فضحك، وقال: إنَّ مصعبًا قد مضى وانقطع أثره، ولا عداوة بيني وبينه، إنما أريد الغناء، فامض في الصوت، فعدت فيه، فغنيته، ولم يزل يستعيده حتى أصبح، فشرب عليه مصطحبًا، وهو يستعيد في الصوت لا يجاوزه حتى مضت ثلاثة أيام. قلت: أيها الأمير جعلني الله فداك إني رجل تاجر، خرجت مع تجارة، وأخاف أن يرحلوا، فيضيع مالي، فقال: أنت تغدو غدًا، وشرب باقي ليلته وأمر لي بثلاثة آلاف دينار
стр. 3152
فحملت إليّ، وغدوت وأصحابي؛ فلما خرجت من عنده سألت عنه، فقيل لي: هذا الأمير الوليد بن يزيد ولي عهد أمير المؤمنين هشام؛ فلما استخلف، بعث إلي، فأتيته، ولم أزل معه إلى أن قتل.
[٤٩] أحمد النُّصَيبي (١)
رجح سعدًا، ونجح وعدًا، وأقمر أمله، وأثمر بحسن الصنيعة عمله، وكان من رؤساء أهل الغناء، وجلساء الملوك المصغين لمسامعهم للاجتناء. إذا استقر في المجلس تحرّك، وراجع رابه زمان السرور، واستدرك وتكاثر الآباء، وتناثر الحباء، وجاءت النعم وفاقًا، والديم دفاقًا، واقتدحت بروح، وتتوجت بأقداحها هام الراح، وتسلبت حتى الهموم القطاع، وحفظ الأدب وأما الند فضاع.
قال أبو الفرج: هو أول من غنّى بالطنبور في الإسلام، وكان ينادم عبيد الله بن زياد سرًا، ويغنيه وله صنعة كثيرة حسنة، كان مواجبًا لأعشى همدان، وأحمد النصبي، مواصلًا له وأكثر غنائه في شعره، يقال: لقي أعشى همدان أحمد النصبي خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليمان بن صالح بن سعيد بن جابر العنبري، وكان منزله بساباط المدائن، فأحسن قراهما، وأمر لدوابهما يعلوفة وقضيم، وأقسم عليهما أن ينتقلا إلى عنده، ففعلا فعرض عليهما الشراب، فأجابا، فوضع بين أيديهما وجلسا يشربان، فقال أحمد للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعرًا تمدحه به حتى أغني فيه، فقال الأعشى يمدحه (٢): [من السريع]
يا أيها القلب المُطيعُ الهَوى … إن اعتراكَ الطَرَبُ النَّازِحُ
تَذَكَّرُ جُمَّلا فإذا ما نَأَتْ … طَارَ شُعَاعًا قَلْبُكَ الطَّامِحُ
يقول فيها:
إنِّي تَوَسَّمتُ امرًا ماجدًا … يصدق في مِدْحَتِهِ المادح
стр. 3153
دَوَى بِهِ العَنْبَرُ واخترتُه … والمرءُ قَدْ يُنعِشُهُ الصَّائِحُ
قَدْ عَلِمَ الحَيُّ إِذَا أَمْحَلُوا … أَنَّكَ رَفَّادٌ لهم مانح
في الليلة الغالي قراها التي … لا غائقٌ فيها ولا صالح
فالضيف معروف لهُ حَقُهُ … لكم على أبوابِكُمْ فاتح
والخيل قد تعلم يومَ الوَغَى … أَنَّكَ عَنْ جمرتها ناصح
قال: فغنى أحمد النصبي في هذه الأبيات وجارية لسلم في السطح جالسة، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها، فقالت: إني سمعتُ من أضيافك شعرًا ما سمعت أحسن منه، وغنّى في غنوة فيه أحسن غناء سمعته، فخرج مولاها، فاستمع حتى فهم، ثم لم يزل، فدخل عليهما، فقال: لمن هذا الشعر والغناء، ومن أنتما؟، فقال: الشعر لهذا وهو أبو الصبح أعشى همدان، والغناء لي وأنا همدان النصيبي، فانكب على رأس أعشى همدان فقبلهما، وقال: كتمتماني أنفسكما، وكدتما تفارقاني، ولم أعرف خبركما. قال: فاحتبسهما عنده شهرًا، ثم حملهما على فرسين، وقال: خلفا عندي ما كَلَّ من دوابكما، ثم ارجعا من مغزاكما إلي، فمضينا إلى مغزاهما، فأقاما حينًا، ثم انصرفا؛ فلما تشاوفا منزله، قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبًا، قال: وما هو؟ قال: أرى فوق سطح سليم ثعلبًا، قال: لئن كنت صادقًا، فما بقي في القرية أحد. قال: فدخلنا القرية فوجدنا سليمًا، وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم، وانتقل باقيهم.
[٥٠] سُلَيم (١)
مطرب قد هزج، ومدير سُلاف لو مزج بالروح لامتزج، وكان في أمره عجبًا، وبطربه لا يدع محتجبًا، وفتى القيان، وأتى بما يملأ العيان، وكان هذا شحيحًا لحزًا، لا تجري دفقًا ولا نزرًا على ما كان له من وفور إدرار وسنى الجوائز التي يقر لها كل قرار.
قال أبو الفرج: قال أبو الحاجب الأنصاري: قال لي سليم يومًا: امض إلى موسى بن إسحاق الأزرق فادعه، ووافياني مع الظهر، فجئناه الظهر فأخرج إلينا ثلاثين
стр. 3154
جارية محسنة، ونبيذًا، ولم يطعمنا شيئًا، ولم نكن أكلنا، فأمر موسى غلامه فذهب، فاشترى لنا خبزًا وبيضًا، ودخلنا الكنيف، فجلسنا نأكل، فدخل إلينا، فلما رآنا نأكل خاصمنا، وقال: أهكذا يفعل الناس تأكلون، ولا تطعموني، وجلس معنا في الكنيف يأكل كما نأكل حتى فتي ذلك.
قال إسحاق: غنّى سليم يومًا وبرصوم يزمر عليه بين يدي الرشيد فقصر في موضع صيحة، فأخرج برصوم الناي من فمه ثم صاح: يا عبد الله صُمّه أشد من هذا، فضحك الرشيد حتى استلقى، قال إسحاق: وضحكت أنا ضحكًا ما أذكر أني ضحكت قط مثله.
قال محمد بن الحسن: إنما أخر سليمًا عن أصحابه في الصنعة ولعه بالأهزاج، فإن ثلثي صنعته هزج.
وغنّى سليم بين يدي الرشيد ثلاثة أصوات من الهزج، فأطربه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وقال: لو كنت حكم الوادي، ما زدت على هذا الإحسان في أهزاجك شيئًا.
[٥١] ابن عباد الكاتب (١)
جمع الصنعتين فأبدع، وفاق فيهما، لكنه سر من أرى دون سروره من أسمع. كان في الغناء للخِلْبِ خالبًا، وللُب سالبًا، وللسرر جالبًا، وللهم الذي شد خناقه على الصدور غالبًا، وله طُرَفٌ تحكمي، وغرائب تروى، وأثار تنقل، وأصوات تطرب.
قال أبو الفرج الأصفهاني: قال ابن عباد: إني لأمشي بأعلى مكة في العشر، إذا أنا بمالك على حمار له، ومعه فتيان من أهل المدينة، فظننت أنهما قالا له: هذا ابن عباد، فمال إلي، فملت إليه، فقال لي: أنت ابن عباد؟ فقلت: نعم، فقال: مل معي ههنا، فأدخلني شعب ابن عامر. ثم أدخلني دهليز ابن عامر، قال: غنني، قلت: أغنيك، وأنت مالك؟ وقد كان يبلغني أنه ينكت أهل مكة، ويتعصب عليهم، فقال: بالله إلا غنيتني صوتًا من صنعتك، فاندفعت فغنيته (٢): [من الوافر]
стр. 3155
ألا يا صاحبي قفا فعُوجا … على ربع تقاوم بالمنيف
فأمست دارهم شَحَطَتْ وبانَتْ … وأَضحى القلب يخفِقُ ذا سَفِيفِ
وما غنيته إياه إلا على احتشام؛ فلما فرغت نظر إلي، وقال: والله لقد أحسنت، ولكن حلقك كأنه حلق زانية فقلت: أما إذا أفلتُ منك بهذا، فقد أفلت.
قال: وبقي ابن عباد إلى أيام المهدي، فقدم بغداد، وتوفي بها في أيامه، ودفن بباب حرب.
[٥٢] يحيى المكي (١)
رابط فكر سانح، و ٥ خاطر مانح، واضطلاع فيما نقل، واطلاع على ما كان يظن أنه لم يقل، واتقان لصنعته بجميع طرقها، ويعرف فرقها، ويؤنس غريبها، ويُجلِّي غربيبها، وأذن الخلافة مصغية إلى اجتناء الطرائف، واقتناء الشرايف، واستحسان الحسن، واستنطاق الألسن فنفقت بضاعته، وفتقت الحجب إلى القلوب صناعته.
قال أبو الفرج؛ قال أحمد بن سعيد المالكي: حضرت يحيى المكي يومًا وقد غنى لحنًا لمالك، فسأل عن صانعه، فقال: هذا لي، فقال إسحاق: قلت: ماذا، قلت فديتك؟ وتضاحك به وأخبر أنه لمالك فغنّى الصوت، فخجل يحيى، وأمسك عنه، ثم غنّى بعد ساعة صوتًا آخر، فسأله عنه، فنسبه إلى الغريض، فقال له إسحاق: يا أبا عثمان ليس هذا من نمط الغريض، ولا طريقته، فلو شئت لأخذت مالك وتركت الغريض مكانه، ولم تتعب، فاستحيا يحيى، ولم ينتفع بنفسه يومه؛ فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف وهدايا، وكتب إليه يعاتبه ويقول له: لست من أقرانك فتضادني، ولا أنا ممن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك، فتكايدني وأنت أولى أن أفيدك، وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري، فتسمو بي على أكفائك أحوج منك على أن تباغضني، وأعطي غيرك سلاحًا إذا حمله عليك لم يقم له، وأنت أولى، وما تختار فعرف إسحاق صدقه فكتب إليه يعتذر وردّ الألطاف، وحلف له أن لا يعارضه بعدها، وكان يأخذ عنه