كأنَّ على كَبدِي جَمْرَةً … حذارًا مِنَ البَيْنِ مَا تَبْرِدُ
توفي أشعب سنة أربع وخمسين ومائة.
[٤٨] يونس الكاتب (١)
كمل بالطرب أدواته، وجعل حسن العود، دواته، وكانت أنامله بالوتر أليق من القلم، وأوفق بأمداده مما يمده المداد من الظلم. حلق فيه تحليق الطائر، وحقق فيه ما لا يحقق من النظائر، وأطرب من سمع، وأطرف كل مجتمع، حتى ألف إنعامه، وخلف لأنف الحاسد إرغامه، وقسم أنواع الضروب، وغال الأفئدة بالأكول الشروب.
قال أبو الفرج: هو أول من دون الغناء، ويقال: إنه خرج [إلى] الشام في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه، فلم يعلم يونس إلا ورسله قد دخلت عليه الخان، والوليد إذ ذاك أمير، فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير لا أدري من هو؟، إلا أنه أحسن الناس وجهًا، فسلمت وأمرني بالجلوس ثم دعا بالشراب والجواري فغنيت (٢): [من الخفيف]
إن يعش مُصْعَبٌ فنحن بخير … قد أتانا مِنْ عَيشِنا ما نُرجي
ثم نهضت، فقطعت الصوت فقال: ما لك؟ فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب، فضحك، وقال: إنَّ مصعبًا قد مضى وانقطع أثره، ولا عداوة بيني وبينه، إنما أريد الغناء، فامض في الصوت، فعدت فيه، فغنيته، ولم يزل يستعيده حتى أصبح، فشرب عليه مصطحبًا، وهو يستعيد في الصوت لا يجاوزه حتى مضت ثلاثة أيام. قلت: أيها الأمير جعلني الله فداك إني رجل تاجر، خرجت مع تجارة، وأخاف أن يرحلوا، فيضيع مالي، فقال: أنت تغدو غدًا، وشرب باقي ليلته وأمر لي بثلاثة آلاف دينار
стр. 3152
فحملت إليّ، وغدوت وأصحابي؛ فلما خرجت من عنده سألت عنه، فقيل لي: هذا الأمير الوليد بن يزيد ولي عهد أمير المؤمنين هشام؛ فلما استخلف، بعث إلي، فأتيته، ولم أزل معه إلى أن قتل.
[٤٩] أحمد النُّصَيبي (١)
رجح سعدًا، ونجح وعدًا، وأقمر أمله، وأثمر بحسن الصنيعة عمله، وكان من رؤساء أهل الغناء، وجلساء الملوك المصغين لمسامعهم للاجتناء. إذا استقر في المجلس تحرّك، وراجع رابه زمان السرور، واستدرك وتكاثر الآباء، وتناثر الحباء، وجاءت النعم وفاقًا، والديم دفاقًا، واقتدحت بروح، وتتوجت بأقداحها هام الراح، وتسلبت حتى الهموم القطاع، وحفظ الأدب وأما الند فضاع.
قال أبو الفرج: هو أول من غنّى بالطنبور في الإسلام، وكان ينادم عبيد الله بن زياد سرًا، ويغنيه وله صنعة كثيرة حسنة، كان مواجبًا لأعشى همدان، وأحمد النصبي، مواصلًا له وأكثر غنائه في شعره، يقال: لقي أعشى همدان أحمد النصبي خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليمان بن صالح بن سعيد بن جابر العنبري، وكان منزله بساباط المدائن، فأحسن قراهما، وأمر لدوابهما يعلوفة وقضيم، وأقسم عليهما أن ينتقلا إلى عنده، ففعلا فعرض عليهما الشراب، فأجابا، فوضع بين أيديهما وجلسا يشربان، فقال أحمد للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعرًا تمدحه به حتى أغني فيه، فقال الأعشى يمدحه (٢): [من السريع]
يا أيها القلب المُطيعُ الهَوى … إن اعتراكَ الطَرَبُ النَّازِحُ
تَذَكَّرُ جُمَّلا فإذا ما نَأَتْ … طَارَ شُعَاعًا قَلْبُكَ الطَّامِحُ
يقول فيها:
إنِّي تَوَسَّمتُ امرًا ماجدًا … يصدق في مِدْحَتِهِ المادح
стр. 3153
دَوَى بِهِ العَنْبَرُ واخترتُه … والمرءُ قَدْ يُنعِشُهُ الصَّائِحُ
قَدْ عَلِمَ الحَيُّ إِذَا أَمْحَلُوا … أَنَّكَ رَفَّادٌ لهم مانح
في الليلة الغالي قراها التي … لا غائقٌ فيها ولا صالح
فالضيف معروف لهُ حَقُهُ … لكم على أبوابِكُمْ فاتح
والخيل قد تعلم يومَ الوَغَى … أَنَّكَ عَنْ جمرتها ناصح
قال: فغنى أحمد النصبي في هذه الأبيات وجارية لسلم في السطح جالسة، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها، فقالت: إني سمعتُ من أضيافك شعرًا ما سمعت أحسن منه، وغنّى في غنوة فيه أحسن غناء سمعته، فخرج مولاها، فاستمع حتى فهم، ثم لم يزل، فدخل عليهما، فقال: لمن هذا الشعر والغناء، ومن أنتما؟، فقال: الشعر لهذا وهو أبو الصبح أعشى همدان، والغناء لي وأنا همدان النصيبي، فانكب على رأس أعشى همدان فقبلهما، وقال: كتمتماني أنفسكما، وكدتما تفارقاني، ولم أعرف خبركما. قال: فاحتبسهما عنده شهرًا، ثم حملهما على فرسين، وقال: خلفا عندي ما كَلَّ من دوابكما، ثم ارجعا من مغزاكما إلي، فمضينا إلى مغزاهما، فأقاما حينًا، ثم انصرفا؛ فلما تشاوفا منزله، قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبًا، قال: وما هو؟ قال: أرى فوق سطح سليم ثعلبًا، قال: لئن كنت صادقًا، فما بقي في القرية أحد. قال: فدخلنا القرية فوجدنا سليمًا، وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم، وانتقل باقيهم.
[٥٠] سُلَيم (١)
مطرب قد هزج، ومدير سُلاف لو مزج بالروح لامتزج، وكان في أمره عجبًا، وبطربه لا يدع محتجبًا، وفتى القيان، وأتى بما يملأ العيان، وكان هذا شحيحًا لحزًا، لا تجري دفقًا ولا نزرًا على ما كان له من وفور إدرار وسنى الجوائز التي يقر لها كل قرار.
قال أبو الفرج: قال أبو الحاجب الأنصاري: قال لي سليم يومًا: امض إلى موسى بن إسحاق الأزرق فادعه، ووافياني مع الظهر، فجئناه الظهر فأخرج إلينا ثلاثين
стр. 3154
جارية محسنة، ونبيذًا، ولم يطعمنا شيئًا، ولم نكن أكلنا، فأمر موسى غلامه فذهب، فاشترى لنا خبزًا وبيضًا، ودخلنا الكنيف، فجلسنا نأكل، فدخل إلينا، فلما رآنا نأكل خاصمنا، وقال: أهكذا يفعل الناس تأكلون، ولا تطعموني، وجلس معنا في الكنيف يأكل كما نأكل حتى فتي ذلك.
قال إسحاق: غنّى سليم يومًا وبرصوم يزمر عليه بين يدي الرشيد فقصر في موضع صيحة، فأخرج برصوم الناي من فمه ثم صاح: يا عبد الله صُمّه أشد من هذا، فضحك الرشيد حتى استلقى، قال إسحاق: وضحكت أنا ضحكًا ما أذكر أني ضحكت قط مثله.
قال محمد بن الحسن: إنما أخر سليمًا عن أصحابه في الصنعة ولعه بالأهزاج، فإن ثلثي صنعته هزج.
وغنّى سليم بين يدي الرشيد ثلاثة أصوات من الهزج، فأطربه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وقال: لو كنت حكم الوادي، ما زدت على هذا الإحسان في أهزاجك شيئًا.
[٥١] ابن عباد الكاتب (١)
جمع الصنعتين فأبدع، وفاق فيهما، لكنه سر من أرى دون سروره من أسمع. كان في الغناء للخِلْبِ خالبًا، وللُب سالبًا، وللسرر جالبًا، وللهم الذي شد خناقه على الصدور غالبًا، وله طُرَفٌ تحكمي، وغرائب تروى، وأثار تنقل، وأصوات تطرب.
قال أبو الفرج الأصفهاني: قال ابن عباد: إني لأمشي بأعلى مكة في العشر، إذا أنا بمالك على حمار له، ومعه فتيان من أهل المدينة، فظننت أنهما قالا له: هذا ابن عباد، فمال إلي، فملت إليه، فقال لي: أنت ابن عباد؟ فقلت: نعم، فقال: مل معي ههنا، فأدخلني شعب ابن عامر. ثم أدخلني دهليز ابن عامر، قال: غنني، قلت: أغنيك، وأنت مالك؟ وقد كان يبلغني أنه ينكت أهل مكة، ويتعصب عليهم، فقال: بالله إلا غنيتني صوتًا من صنعتك، فاندفعت فغنيته (٢): [من الوافر]
стр. 3155
ألا يا صاحبي قفا فعُوجا … على ربع تقاوم بالمنيف
فأمست دارهم شَحَطَتْ وبانَتْ … وأَضحى القلب يخفِقُ ذا سَفِيفِ
وما غنيته إياه إلا على احتشام؛ فلما فرغت نظر إلي، وقال: والله لقد أحسنت، ولكن حلقك كأنه حلق زانية فقلت: أما إذا أفلتُ منك بهذا، فقد أفلت.
قال: وبقي ابن عباد إلى أيام المهدي، فقدم بغداد، وتوفي بها في أيامه، ودفن بباب حرب.
[٥٢] يحيى المكي (١)
رابط فكر سانح، و ٥ خاطر مانح، واضطلاع فيما نقل، واطلاع على ما كان يظن أنه لم يقل، واتقان لصنعته بجميع طرقها، ويعرف فرقها، ويؤنس غريبها، ويُجلِّي غربيبها، وأذن الخلافة مصغية إلى اجتناء الطرائف، واقتناء الشرايف، واستحسان الحسن، واستنطاق الألسن فنفقت بضاعته، وفتقت الحجب إلى القلوب صناعته.
قال أبو الفرج؛ قال أحمد بن سعيد المالكي: حضرت يحيى المكي يومًا وقد غنى لحنًا لمالك، فسأل عن صانعه، فقال: هذا لي، فقال إسحاق: قلت: ماذا، قلت فديتك؟ وتضاحك به وأخبر أنه لمالك فغنّى الصوت، فخجل يحيى، وأمسك عنه، ثم غنّى بعد ساعة صوتًا آخر، فسأله عنه، فنسبه إلى الغريض، فقال له إسحاق: يا أبا عثمان ليس هذا من نمط الغريض، ولا طريقته، فلو شئت لأخذت مالك وتركت الغريض مكانه، ولم تتعب، فاستحيا يحيى، ولم ينتفع بنفسه يومه؛ فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف وهدايا، وكتب إليه يعاتبه ويقول له: لست من أقرانك فتضادني، ولا أنا ممن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك، فتكايدني وأنت أولى أن أفيدك، وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري، فتسمو بي على أكفائك أحوج منك على أن تباغضني، وأعطي غيرك سلاحًا إذا حمله عليك لم يقم له، وأنت أولى، وما تختار فعرف إسحاق صدقه فكتب إليه يعتذر وردّ الألطاف، وحلف له أن لا يعارضه بعدها، وكان يأخذ عنه
стр. 3156
غناء المتقدمين ويستفيد منه أشياء فاق بها نظراءه، وكان يحيى بعد ذلك إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلط فيما سئل عنه.
قال إسحاق يومًا للرشيد قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكي: أتحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال: نعم، قال: أعطني أي شعر شئت حتى أصنع فيه لحنًا وسلني بحضرته عن صانعه، فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، وسلني، وسل يحيى عنه إذا غنيته، فإنه لا يمنع أن يدعي معرفته، فأعطاه شعرًا، وصنع فيه لحنًا، وغنّاه الرشيد بحضرة يحيى، فسأله لمن هو؟، فقال له إسحاق: لعتاريس المدني، فاقبل الرشيد على يحيى، فقال له: لقيت عتاريس اليمني؟ قال: نعم وأخذت عنه صوتين ثم غنّى صوتًا، وقال: هذا أحدهما؛ فلما خرج يحيى، حلف إسحاق بالطلاق ثلاثًا، وعتق جواريه إن الله جل وعزّ ما خلق أحدًا اسمه عتاريس، ولا سمع في المغنين، ولا غيرهم، وأنه وضع هذا الاسم في وقته.
قال زُرزُر مولى علي المالقي، قال إبراهيم بن المهدي يومًا لمولاي: ويلك يا مارق إن يحيى المكي غنّى البارحة أمير المؤمنين ذكر فيه صوتًا فيه زينب، وكان النبيذ أخذ مني، فأنسيت شعره، فاستعدته إياه، فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه ولك علي سبق، فقال لي مولاي: اذهب إليه، وأعلمه أني أسأله أن يكون اليوم عندي. فمضيت إليه، فجئت به، فلما قعدنا، ووضع النبيذ، قال له المارقي: إني كنت سمعتك تغني صوتًا فيه ذكر زينب، وأنا أحب أن آخذه منك. وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقه، ولا يحضر إلا بحذر، ثم لا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتًا إلا بعوض، فقال له: وأي شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت؟ فقال: ما تريد؟، فقال: هات الولية الأزمنية. أما آن لك أن تملّها، قال بلى وهي لك، قال: وهذه الظباء الحرمية؟ أنا مكي وأنا أولى بها منك. قال: هي لك؟ وأمر بحمل ذلك إليه، وقال:
غلام هات العود، فقال يحيى: والميزان والدراهم. وكان لا يغني صوتًا إلا بخمسين درهمًا، فأعطاه إياها، وألقى عليه الصوت وهو (١): [من الطويل]
بزينب ألمم قبل أن يظعنَ الركب … وقُلْ: إِنْ تَملِّينا فَمَا مَلَّكِ القَلْبُ
فلم يشك المارقي أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم، وأدرك حاجته، فبكر إلى إبراهيم، وقد أخذ الصوت فقال: جئتك بالحاجة، فدعا بالعود فغنّاه إياه، فقال:
لا والله ما هذا هو، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه.
стр. 3157
قال زرزر: فبعثني إليه، وبعث معي خمسين درهمًا؛ فلما دخل إليه وأكلا وشربا، قال له يحيى: قد واليت بين دعوتك لي ولم تكن برًا ولا وصولًا، فما هذا؟ قال:
تذكرت الصوت الذي سألتك إياه، فإذا ليس هو الذي ألقيته قال: فتريد ماذا؟، قال:
تذكر الصوت. قال: افعل، ثم غناه (١): [من البسيط]
أَلَمِمْ بِزَيْنَبَ إِنَّ البَيْنَ قَدْ أَفَدَا … قَلَّ الثَّواءُ لَئِنْ كانَ الرحيلُ غَدًا
فقال: نعم فديتك يا أبا عثمان. هذا هو فالقه علي، قال: العوض؟ قال: ما شئت؟، قال: هذا المطرف الأسود، قال: هو لك، فأخذه، وألقى عليه الصوت حتى استوى له، وبكر إلى إبراهيم، فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت الحاجة، فغناه إياه، فقال: خدعك والله ليس هو هذا، فأعد الاحتيال عليه، وكلما تعطيه إياه، فألزمني به؛ فلما كان في اليوم الثالث بعث إليه، وفعل مثل فعله بالأمس، فقال له يحيى: مالك أيضًا؟، فقال: يا أبا عثمان ليس هذا هو الصوت الذي أردت، قال له: لست أعلم ما في نفسك، فأذكره، وإنما علي أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى زينب البتة إلا حضرت بها، قال: هات على اسم الله تعالى أذكر العوض، قال: هذه الدراعة الوشي التي عليك، فأخذها. قال: والخمسين درهمًا، فأحضرت، فأخذها وألقى علي (٢): [من الطويل]
لزينب طيف تعتريني طَوَارقُهْ … هُدوًّا إذا النَّجمُ ارْجَحَنَّتْ لواحِقُهْ
فأخذه، ومضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم، فقال له: حاجته ما تصل إليه، فقال له: قُلْ له قد جئتك بحاجتك، فدخل، فأعلمه، فقال: يدخل، فيغنيه في الدار قائمًا، فإن كان هو، وإلا فليخرج. قال: ففعل ذلك، فقال: لا والله ما هو هذا فعاود الاحتيال عليه، ففعل مثل ذلك، فقال له يحيى، وهو يضحك: ما ظفرت بزينبك بعد؟، قال: لا والله يا أبا عثمان، وما أشك إلا أنك تعدني بالمدح مما أريده، وقد أخذت كل شيء عندي معاينة، فقال له يحيى: قد استحييت الآن منك، وأنا ناصحك على شريطة. قال: نعم، قال: الشريطة أن لا تلمني ان أعاتبك؛ لأنك أخذت في معاتبتي والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال علي؛ فإنك لا تظفر بما تريد. قد دسك إبراهيم علي؛ لتأخذ صوتًا غنيته، وسألني إعادته، فمنعته إياه بجلًا عليه به؛ لأنه لم يلحقني منه خير، ولا بركة، ويريد أن يأخذ غنائي باطلًا، وطمع بموضعك
стр. 3158
عندي أن يأخذ الصوت بلا ثمن، ولا حمد. لا والله إلا بأوفر الثمن، وبعد اعترافك وإلا فلا تطمع في الصوت، فقال له: أما إذ قد فطنت، فتغنّه الآن إن كان هو، وإلا فعليك إعادته بعينه، ولو غنيتني كل شيء تعرفه، لما أحسنت لك إلا به، فقال: اشتره.
فتساومنا طويلًا، وماكسته إلى أن استقر الأمر على ألف درهم، فدفعتها إليه وألقى (١): [من الكامل]
طَرَقَتْكَ زَيْنَبُ والمَزارُ بَعِيدُ … بِمِنّى ونحنُ مُعَرِّسُونَ شُهُودُ
فكأَنَّما طَرَقْتَ بِرَيَّا رَوضة … أُنُفٍ تُسَجِّحُ مَزْنَها وتَجُودُ
قال: وهو صوت كبير العمل حلو النغم كثير الصنعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع، فأخذه وبكر إلى إبراهيم، فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأعراني، وابلائي بوجه يحيى، وشحذه، وشرهه. وحدثته بالقصة فضحك إبراهيم، وغناه إياه، فقال: هو هذا وأبيك هو بعينه، فألقاه عليه حتى أخذه وأخلف كل شيء أخذه يحيى منه، وزادهه خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون أشهب بسرجه ولجامه، وقال له: يا سيدي فغلامك زرزر المسكين قد تردد إليه حتى طلع. هب له شيئًا، فأمر له بألف درهم.
قال: كان إبراهيم بن المهدي في مجلس محمد الأمين، والمغنون حضور، فغنّى يحيى المكي (٢): [من مجزوء الوافر]
خليل لي أهيم به … فلا كافي ولا شرا
فاستعاده إبراهيم، وأحبّ أن يأخذه، فجعل يحيى المكي يفسده، وفطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم، وأمره برده، وترك التخليط فيه. فدعا له، وقبل الأرض بين يديه، ورده الصوت وجوده فاستعاد إبراهيم، فقال له يحيى: لست تطيب نفسي لك به إلا بعوض من مالك ولا أنصحك والله؛ فهذا مال أمير المؤمنين مولاي، فلم تأخذ أنت غنائي؟ فضحك الأمين، وحكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم، فأحضره، وقبل يحيى يده، فأعاد الصوت وجود فنظر إلى مخارق وعلوية متطلعين لأخذه فقطع الصوت ثم أقبل عليهما، فقال: قطعة من خصية الشيخ تغطي أستاه عدة صبيان، والله لا أعدته بحضرتكما، ثم أقبل على إبراهيم بن المهدي، فقال له: يا سيدي أنا أصير إليك حتى تأخذه متمكنًا، ولا يشركك فيه أحد، فصار إليه، فأعاده حتى أخذه، وأخذ جواريه.
стр. 3159
قال: غنّى ابن جامع للرشيد يومًا بيتًا، وهو هذا (١): [من السريع]
إني امرؤ مالي يقي عرضي … وبيت جاري آمنًا جهلي
فأعجب به الرشيد فاستعاده مرارًا، وأسكت ابن جامع سائر المغنين وجعل يسمعه ويشرب عليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة خلع وعشرة خواتيم، وانصرف فمضى إبراهيم الموصلي من وجهه إلى يحيى المكي فأخبره بالذي كان من ابن جامع واستغاث به، فقال له يحيى: أفراد على البيت الأول شيئًا، قال: لا، قال: أفرأيت إن زدتك بيتًا ثانيًا لم يعرفه إسماعيل أو عرفه ثم أنسيه، وطرحته عليك حتى تأخذه ما تجعل لي؟، قال: النصف مما يصل إلي بهذا البيت. قال: والله؟ قال: والله؛ فلما استوثق منه بالأيمان ألقى عليه:
وأَرَى الدَّمَامَةَ لِلرَّفِيقِ إِذَا … أَلْقَى رِحَالَتَهُ إِلَى رَحْلِي
فأخذه وانصرف؛ فلما حضر المغنون من غدٍ كان أول صوت غناه إبراهيم هذا الصوت، وتحفظ فيه، وأحسن فيه كل الإحسان، فطرب الرشيد عليه، واستعاده حتى سكر، وأمر لإبراهيم بعشرة آلاف دينار، وعشرة خواتيم، وعشر خلع، فحمل ذلك معه، وانصرف من وجهه إلى يحيى، فقاسمه، ومضى إلى منزله، وانصرف ابن جامع إليه من دار الرشيد، وكان يحيى في بقايا علة، فاحتجب عنه، فدفع ابن جامع في صدر بوابه، ودخل إليه، وقال: إيه يا يحيى، كيف صنعت؟ ألقيت الصوت على الجرمقاني؟ لا دفع الله صرعتك، ولا وهب عافيتك، وتشاتما ساعة، وخرج ابن جامع من عنده، وهو مدوح.
قال يحيى المكي: أرسل إليَّ الرشيد، فدخلت عليه، وهو جالس على كرسي بتل دارا، فقال يحيى: غن (٢): [من الطويل]
متى تَلْتَقِي الأُلافُ والعَيْشُ كلَّما … تَصَعَّدْنَ مِنْ وَادٍ هَبَطْنَ إلى وادي
قال: فلم أزل أغنيه ويتناول أقداحًا إلى أن أمسى فعددتُ عليه عشر مرات استعاد فيها وشرب عليه عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم وأمرني بالانصراف.
[٥٣] حكم الوادي (٣)
تنقل في فنون الطرب، وتوقل الرجال في الطلب، وكان مثل حمامة الوادي
стр. 3160
طربًا، يصدع زجاجة الأحشاء، ويكون حاجة الانتشاء، ويفعل في هذا شبيه السحر في النخيل، ونظيره في التضليل، ومثله في تحصيل الأباطيل، وكان على اتفاق، وعمله كله على النفاق.
قال أبو الفرج؛ قال إسحاق: سمعتُ حكم الوادي يغني صوتًا، فأعجبني فسألته: لمن هذا؟ قال: ولمن يكون إلا لي.
قال: وغنّى حكم الوادي يومًا، فقال له رجل: أحسنت!، فألقى الدف بين يديه، وقال للرجل: قبحك الله أتراني مع المغنين منذ ستين سنة.
قال إسحاق: أربعة بلغوا في الإحسان في أربعة أجناس مبلغًا قصر عندهم غيرهم: معبد في الثقيل الأول، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري.
ويقال: إن حكم الوادي غنّى في الأهزاج في آخر عمره فلامه ابنه على ذلك؟
وقال: بعد الكبر تغني غناء المخنثين؟ فقال: اسكت فإنك جاهل غنيت الثقيل ستين سنة فلم أفد إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنين، فأكسب ما لم تر مثله قط.
قال يحيى بن خالد: ما رأينا فيمن يأتينا أحدًا من المغنين أجود أداء من حكم الوادي، وليس أحد يُسمع منه غناء إلا وهو يغيره، ويزيد فيه وينقص إلا الحكم، فقيل للحكم ذلك، فقال: إني لست أشرب، وهؤلاء يشربون، فإذا شربوا تغير غناء غنائهم.
[٥٤] عمر الوادي (١)
رجل نغمه بالطرب موصول، وإلى خِلْبِ الكبد له وصول، لو مر به السيل المنحدر لوقف وأنصت، والطير في جو السماء لخرس وما صوّت، مع حسن صنعة لا
стр. 3161
يدخل الخلل ضروبها، ولا يكون بلوغ الأمل ضريبها، ولا يتم سرور المجالس إلا إذا سمع منه في جنباتها، وطلع عود المخضر الغصن في جناتها، فكان محنى المحاضر، ومنى السامع والناظر.
قال أبو الفرج: اتصل بالوليد بن يزيد فتقدم عنده، وكان يسميه: جامع لذاتي، ومحيي طربي، وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر الناس عهدًا به.
وقيل: إنَّ الوليد كان يومًا جالسًا، وعنده عمر الوادي، وأبو رقية، وكان ضعيف العقل، وكان يُمْلي المصحف على الوليد، فقال الوليد لعمر، وقد غناه صوتًا: أحسنت والله يا جامع لذاتي! وأبو رقية مضطجع، وهم يحسبونه نائمًا، فرفع رأسه إلى الوليد، وقال له: أنا جامع اللذات لأمك، فغضب الوليد، وهم به، فقال له عمر الوادي: والله، جعلني الله فداك، ما يعقل أبو رقية، وهو سكران، فأمسك عنه.
قال عمر الوادي: بينا أسير ليلة من العرج والسقيا إذ سمعت إنسانًا يغني غناء لم أسمع قط أحسن منه وهو هذا (١): [من الطويل]
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى بأرضها … أَرى الأرضَ تُطوى لي ويدنُو بعيدها
مِنَ الخَفِرَاتِ البِيضِ وَدَّ جليسها … إذا ما قَضَتْ أحدوثة لو تُعِيدُها
فكدت أسقط من ناقتي طربًا، فقلت: والله لألتمسن الصوت والوصول إليه، ولو بذهاب عضو من أعضائي. فقصدت نحو الصوت حتى ذهبت من الشرف، وإذا أنا برجل يرعى غنمًا، فإذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي قصدني إليه، وسألته إعادته عليّ، فقال: والله لو كان عندي قرى، لما فعلت، ولكني أجعله قراك، فربما ترنمت به وأنا جائع، فأشبع، وكسلان فأنشط، ومتوحش، فأنس فأعاده علي مرارًا حتى أخذته، فوالله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة. ولقد وجدته كما قال:
عمر الوادي، خرج إلى الوليد بن يزيد يومًا، وفي يده خاتم فضة، وعليه ياقوت أحمر، فقال لي: أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم والله يا مولاي، فقال: غنّ في هذه الأبيات التي أنشدكها، وأجهد نفسك، فإن أصبت إرادتي فهنيئًا لك فقلت: أجهد، وأرجو التوفيق. فقال (٢): [من الهزج]
أَلا يُسلِّيكَ عَنْ سلمى … قتيرُ الشَّيبِ والحِلْمُ
وأنَّ الشكَّ مُلْتَبس … فلا وصل ولا صَرْمُ
стр. 3162
وكيف بظلم جارية … ومنها اللين والرّحم
فخلوت في بعض المجالس، وما زلت أديره حتى استقام، ثم خرجت إليه، وعلى رأسه وصيفة، وبيدها كأس، وهو يروم شربه، فلا يقدر خُمارًا، فقال: ما صنعت؟، قلتُ: قد فرغت مما أمرت به، وغنيته فصاح هذا والله؟ ووثب قائمًا، وأخذ الكأس، وقال: أعد فديتك، فأعدته عليه، فشرب، ودعا ثانية وثالثًا ورابعًا، وهو على حاله يشرب قائمًا حتى كاد أن يسقط، وجلس ونزع الخاتم والحلة التي كانت عليه، وألبسنيها، وأجلسني في حجره، وقال: و [الله] العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر، وما زلت أعيده ويشرب حتى مال على جنبه سُكرًا، ونام.
[٥٥] أحمد بن يحيى المكي (١)
أطنب، فأطرب، وأعرب، فأغرب، وجمع شتى الأصوات وزينها، وأتى بالغرائب وحسنها، وانهل منه صيت لا يعرف الإمساك، وتدفق سَكُوبٌ لو كنت تتذكر معه البحر لأنساك، تقدم في أهل صناعته حتى كان لا يراهم إلا إذا التفت وفرغ منهم حاجة الجلساء حتى تمسكت به، فاكتفت.
قال أبو الفرج: قال جحظة: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي، قال: ناظر أبي بعض المغنين ليلة بين يدي المعتصم، وطال تلاحيهما في الغناء، فقال للمعتصم: يا أمير المؤمنين من شاء منهم فليغن عشرة أصوات، لا أعرف فيها ثلاثة، وأن أغني عشرة وعشرة وعشرة، لا يعرف أحد منهم صوتًا منها، فقال إسحاق: صدق يا أمير المؤمنين واتبعه ابن بسخنر وعلوية، فقالا: صدق إسحاق يا أمير المؤمنين فأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال محمد: ثم عاد ذلك الرجل إلى مماطلته يومًا، فقال: قد دعوتك إلى النصفة
стр. 3163
فلم تقبل، وإنما أبدأ بما دعوتك إليه، فاندفع فغنّى عشرة أصوات، فلم يعرف أحد منهم صوتًا واحدًا كلّها من الغناء القديم والغناء الملاحق به صنعة المكيين الحذاق الخاملي الذكر، فاستحسن المعتصم منها صوتًا، فأسكت المغنين له، وأعاده مرات، وهو يستعيده، ولم يزل يشرب عليه سحابة يومه، وأمر له بألفي دينار، وخلع عليه، وعلى جماعته الندماء مماطر لها شأن من ألوان شتى، فسأل عبد الوهاب بن علي أن يرد عليه الصوت ويجعل له مِمْطَرَةً فغنّاه إياه، فلما خرجوا للانصراف أمر غلمانه بدفع الصوت الممطر إلى غلمان أبي، فسلموه إليهم. والصوت (١): [من مجزوء الخفيف]
لَعَنَ اللهُ مَنْ يَلُومُ مُحِبًَّا … ولَحَا اللهُ مَنْ يُحِبُّ فيأبى
ربِّ الْفَيْنِ أَظهَرَا الحُبَّ دَهْرًا … فَعَفَى الله عنهما حِينَ تَأْبَى
[٥٦] بذل (٢)
جارية نقصت البدور المقمرة، واستنقصت فيها القناطر المقنطرة، وتحاسدت عليها الملوك أصحاب الأسرة واهتبلت فيها الغرة، وسخنت فيها البحر عني وامتحنت بمماثلة طيبها المسك، فأصبح تحت القهر ممتهنًا، وكانت رأسًا في الطرب، إلا أنه بالتاج معتصب، ولهوى الخلفاء مغتصب، وبرزت على كل ذات قناع، وأخذت القلوب بلا امتناع، وكانت أعلام الغناء نكرات لديها، ومبكرات لا تصل إليها، يعترف لها مثل ابن المهدي، ويعترض عليها حتى يحضر معها في الندي، وكان لا يرى بنو العباس غير فينتها شرفًا، ولا بعد أدنى هون الرشيد في سواها إلا سرفًا.
стр. 3164
قال أبو الفرج: كانت حلو الوجه، ضاربة متقدمة. وابتاعها جعفر بن موسى الهادي وأخذها منه محمد الأمين، وكانت قد وصفت له، فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إياها، فأبى فزاره إلى منزله فسمع شيئًا لم يسمع مثله، فقال لجعفر: بعني يا أخي هذه الجارية، فقال: يا سيدي مثلي لا يبيع جارية، فقال: هبها لي، فقال: هي مدبرة، فاحتال محمد حتى أسكره، وأمر ببذل فحملت معه على الحراقة، وانصرف بها؛ فلما انتبه جعفر سأل عنها، فأخبر بخبرها، فسكت، فبعث إليه محمد من الغد، فجاءه وبذل جالسة، فلم يقل شيئًا، فلما أراد جعفر الانصراف، قال: أوقروا حراقة ابن عمي دراهم، فكان مبلغ ذلك عشرين ألف ألف درهم. قال: وبقيت بذلك في دار محمد إلى أن قتل.
ثم خرجت، وكان ولد محمد يدعون ولاءها، فلما ماتت، ورثها ولد عبد الله ابن محمد الأمين.
وقيل: كان محمد الأمين قد وهب لها من الجواهر شيئًا لم يكن يملك أحد مثله، فسلم لها، فكانت تخرج منه الشيء، فتبيعه بالمال العظيم إلا أن ماتت.
وكان إبراهيم بن المهدي يعظمها ويتوافى لها، ثم تغير بعد ذلك استغنى بنفسه عنها، فعلمت ذلك، وصارت إليه ودعت بعود، وغنت في طريقة واحدة وإيقاع واحد مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها واحدًا، ووضعت العود، وانصرفت، فلم تدخل داره حتى طال طلبه لها، وتضرعه إليها في الرجوع إليه.
قال أحمد بن شعيب المكي: خالف بذل إسحاق في صوت غنته بحضرة المأمون، فأمسكت عنه ساعةً، ثم غنت ثلاثة أصوات في الثقيل الثاني واحدًا بعد واحد، وسألت إسحاق عن صانعها، فلم يعرفه فقالت للمأمون: هي والله يا أمير المؤمنين لأبيه أخذتها من فيه فإذا كان لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره فاشتد ذلك على إسحاق حتى بان فيه.
قال: وذكر أن المأمون كان قاعدًا يومًا يشرب، ومعه قدح إذ غنت بذل (١): [من الطويل]
أَلا لا أَرَى شيئًا أَلَنَّ مِنَ الوَعْدِ … ومِنْ أَمَلِي فِيهِ وَإِنْ كَانَ لا يُجْدِي
فجعلته:
ألا لا أرى شيئًا أَلذَّ مِنَ السَّحْقِ
стр. 3165
فوضع المأمون القدح من يده، والتفت إليها، فقال: بلى النيك الذ من السحق، فتسورت، وخافت غضبه، فأخذ قدحه، وقال: أتمي صوتك وزيدي فيه (١):
ومِنْ غَفْلَةِ الوَاشي إذا ما أتيتُها … ومِنْ زَوْرَتي أبياتها خاليًا وَحْدِي
ومن ضحكة في الملتقى، ثم سَكْتَةٍ … وكلتاهما عندي ألذ مِنَ الخُلْدِ
[٥٧] عزة الميلاء (٢)
وضرة الظبية الكحلاء، كان بيتها مأوى كل شريف، ومثوى كل ظريف، وندي كل ذي كلف نزح به الغرام، وقرّح جفنه وأدماه حبّ الآرام. أقامت بالمدينة وفتية قريش تغشى معهدها المعمور، وترى مشهدها من مهمات الأمور، وأدركت من الأول السلف قوم شرفت برؤياهم، ولزمت بهم، ومن لطوالع الشموس بان تلحق بأخراهم.
قال أبو الفرج؛ قال يونس: كان ابن سريج في حداثته يأتي المدينة، فيسمع من عزّة، ويتعلم غناءها، وكان إذا سُئل من أحسن الناس غناء، قال: مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء.
وكان عبد الله بن جعفر، وابن أبي عتيق، وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها
стр. 3166
فتغنيهم. وغنّت يومًا عمر بن أبي ربيعة لحنًا لها في شيء من شعره، فشقّ ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق منها؛ فلمّا أفاق، قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب. قال: إنّي سمعت والله ما لم أملك به نفسي، ولا عقلي.
قال خارجة بن زيد: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط، فحضرتها وحسّان بن ثابت، فجلسنا معًا على المائدة، وهو يومئذ قد ذهب بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتي بطعام سأل: أطعام يد، أو يدين - يعني باليد الثريد، وباليدين الشواء - إلّا أنّه يمس مسًا، فإذا قيل له طعام يد، أكل، وإذا قيل: يدين، أمسك يده؛ فلمّا فرغوا من الطعام أتي بجاريتين مغنيتين أحدهما ريقة، والأخرى عزّة، فجلستا، وأخذنا مزهريهما وضربتا ضربًا عجبًا غنّتا بقول حسّان:
أنظر نهارًا بباب خُلْق … هل تونس دون البلقاء من أحد
فأسمع حسّان يقول: قد رآني هناك سميعًا بصيرًا، وعيناه تدمع، فإذا سكنتا، سكت عنه البكاء، فإذا غنّتا بكى، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكت يشير إليهما أن يغنّياه، فيبكي أباه.
قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر (١)، فسمع جارية لبعض النخاسين تغنّي (٢): [من البسيط]
بانت سعاد وأضحى حليها انقطعا
فاشتهر بها وهام، وترك ما كان عليه حتّى مشى إليه عطاء (٣) وطاوس (٤)، فلاماه،
стр. 3167
فكان جوابه أن تمثل بقول الشاعر: [من البسيط]
ويلومني فيك أقوامٌ أُجالسُهُمْ … فَمَا أُبالي أَطارَ النوم أَمْ وَقَعَا
وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إليه النخاس، فاعترض الجارية، وسمع غناءها بهذا الصوت، وقال لها: ممن أخذتيه؟، فقالت: من عزة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبره، فأعلمه إياه، وصدقه عنه، فقال: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذت عنه تلك الجارية؟ قال: نعم. فدعا بعزة الميلاء، وقال: غنيه إياه فغنته، فصعق الرجل، وخرَّ مغشيًا عليه، فقال ابن جعفر: أتمنا فيه الماء الماء فنضح على وجهه؛ فلما أفاق قال: أكل هذا بلغ بك عشقها؟، فقال: وما خفي عليك أكثر، قال: أتحب أن تسمع منها؟ قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها؟ فكيف تكون حالي إن سمعته منها؟ وأنا لا أقدر على ملكها، قال: أفتعرفها إن رأيتها؟، قال: أو أعرف غيرها؟ فأمر بها، فأخرجت، وقال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبل الرجل يديه ورجليه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إلي عقلي، ودعا له دعاء كثيرًا، فقال: ما أرضى أن أعطيها هكذا. يا غلام احمل معه مثل عنها، لكي تهيم بك، وتهيم بها.
[٥٨] فند مولى عائشة (١)
جملة عجز، وصدر صدّ، وحجر أشد من مرزمة الإبل توانيًا، وأعظم من مكدية الأمل تفانيا، أبطأ من الخيل نهوضًا، وأطول من كلب أهل الكهف ربوضًا. لو سابقه المقيد في الوثائق، لسبقه الطائر المقصوص الجناح، لبلغ قبله طلقه. يرى المخالفة
стр. 3168
طاعة، والسنة بمضي بتمامها إذا أسرع في الحاجة ساعة إلى تخلف عن كل خير، وتوال إلا في فند يحث إليه السير، وقبح فعله، بقيت بقاء الأبد، وعمرت أكثر من نسور لبد، وشؤم طلعة، وكساد سلعة، إلا أنه ممن ألحفه الأصفهاني الجناح، وذكر فغدا أرواح.
قال أبو الفرج: كان يجمع بين السناء والرجال في منزله، فكذلك يقول فيه عبد الله بن قيس الرقيات (١): [من الخفيف]
قل لفيد يُسَيِّرُ الأظعانا … طالما سَرَّ عيشنا وكفانا
صادرات عَشِيةً من قُديدٍ … واردات معَ الضُّحَى عُسفانا
وبه يضرب المثل في الإبطاء، قال: أرسلته عائشة بنت سعيد؛ ليجيئها بنار، فخرج لذلك؛ فلقي عيرًا خارجة إلى مصر، فخرج معهم؛ فلما كان بعد سنة، رجع فأخذ نارًا، ودخل على عائشة، وهو يعدو، فسقط، وقد قرب منها، فقالت: تعست العجلة.
قال بعض الشعراء في رجل وصفه بذلك: [من الرمل]
ما رأينا لِعَبِيدٍ مَثَلا … إِذْ بَغَيْنَاهُ يَجِي بالمسألة
غر فيدٍ بَعَثُوهُ قابِسًا … فَشَوى حَوْلًا وسَبَّ العَجَلَة
[٥٩] دنانير البرمكية (٢)
جارية منذرة، وملهية للآلي الدمع مبذرة، ومطربة لو جاءت بكل ورقاء على فنن، لأسكتتها، أوطارحت كل ذات شجن لبكتها، وكانت أعز مما سميت به من الدنانير التي تدخل عليها الصرف، ويظهر عليها سيماء الوجل لا الظرف، نالت عواليها آل برمك خطى قاد لها الجامع، وقال به في في خدرها الطامح، وأبدعت صورة، وكانت فيها المحاسن محصورة.
стр. 3169
قال أبو الفرج: كانت صادقة الملاحة، فرآها يحيى، فوقعت بقلبه، فاشتراها، وكان الرشيد يصير إلى منزله، ويسمعها حتى ألفها، واشتد عجبه بها ووهب لها هبات سنية، منها؛ أنه وهب لها في ليلة عيد عقدًا قيمته ثلاثون ألف دينار، فردته عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك، وعرفت أم جعفر الخبر، فشكته إلى عمومته، فصاروا جميعًا إليه، فعاينوه، فقال لهم: مالي في هذه الجارية من أرب في نفسها، وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها إن استحقت أن تؤلف غناءها فذاك، وإلا فقولوا ما شئتم. فأقاموا عنده، ونقلهم يحيى حتى سمعوا عنده فعذروه، وعادوا إلى أم جعفر، فأشار عليها أن لا تلح عليه في أمرها، فقبلت، وأهدت إلى الرشيد عشر جوار منهن مراجل أم المأمون، وماردة أم المعتصم وفاردة أم صالح.
قال إسحاق، قال لي أبي قال لي يحيى بن خالد: إنَّ ابنتك دنانير قد عملت صوتًا اختارته، وأعجبت به، فقلت لها: لا يشتد عُجابك بما صنعتيه حتى تُعرضيه على شيخك، فإن رضيه، واستجاده، وشهد بصحته، فارضيه لنفسك، وإن كرهه، فاكرهيه.
امض حتى تعرضه عليك. قال؛ فقلت له: أيها الوزير كيف إعجابك أنت به؛ فإنّك: ثاقب الرأي عالي الفطنة، صحيح التمييز. قال: أكره أن أقول لك: أعجبني، فيكون عندك غير معجب، إذ كنت رئيس صناعتك تعرف بها ما لا أعرف، وتقف من لطائفها على ما لا أقف، وأكره أن أقول لك: لم تعجبني، وقد بلغ من قلبي مبلغًا محمودًا، وإنما يتم لي السرور به إذا صادف ذلك منك استجادة وتصويبًا. قال: فمضيت إليها وقد كان تقدم إلى خدمة بذلك وقال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فأعرضي عليه الصوت الذي صنعتيه واستحسنتيه، فإن قال لك: أصبت سريني بذلك، فإن كرهه، فلا تعلميني لئلا يزول سروري بما صنعت؛ فلما حضر الباب أدخلت، ونصبت الستائر، فسلمت على الجارية، فردّت علي السلام، وقالت: يا أبه أعرض عليك صوتًا قد تقدم إليك خبره، وقد سمعت الوزير يقول: إنّ الناس يفتنون بغنائهم، ويعجبهم منهم ما لا يعجبهم من غيرهم، وكذلك يفتنون بأولادهم فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن. وقد خشيت على هذا الصوت أن يكون كذلك، فقلت: يا بنية هات، فأخذت عودها فغنت (١): [من الكامل]
نفسي أَكُنْتُ عليكِ مُدَّعيًا … أَمْ حِينَ أَزْمَعَ بينهم خُنتِ
إِنْ كنتِ مُوَلَعَةً بذكرِهُمُ … فَعَلى فراقهم أَلا مُت
стр. 3170
قال: فأعجبني والله غاية الإعجاب، واستخفّني الطرب حتى قلت لها: أعيديه، وأنا طالب فيه موضعًا أصلحه، أو أغيره، لتأخذه عنّي، فلا والله ما قدرت على ذلك. ثم قلت لها: أعيديه الثالثة، فأعادته، فإذا هو كالذهب المصفّى، فقلت لها: أحسنت يا بنية، وأصبت، وأخذت، وقد قطعت عنك بجودة إصابتك وحسن إحسانك فائدة المتعلّمين؛ إذ قد صرت تحسنين الاختيار، وتجيدين الصنعة، ثم خرج فلقيه يحيى ابن خالد، فرآه متهللًا، فقال له: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير؟، فقال: أعزّ الله الوزير ما يحسن كثير من حذّاق المغنّين مثل هذه الصنعة، ولقد قلت لها: أعيديه، فأعادته ثلاث مرات، كل ذلك أريد إعانتها؛ لأجلب لنفسي مدخلًا يؤخذ عني، وينسب إلي، فلا والله ما وجدته، فقال له يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إياها، والله لقد سرّتني، وسأسرّك، فوجه إليه بمال كثير.
قال حمّاد البشيري: مررت بمنزل من منازل طريق مكة يقال لها النباج، وإذا كتاب على حائط في منزل، فقرأته، فإذا هو: النيك أربعة: شهوة، والثاني لذّة، والثالث شفاء، والرابع داء؛ وحِرٌ إلى أيرين، أحوج من أير إلى حرين. وكتبت دنانير مولاة البرامكة بمدة طويلة
قال ابن شبة: أخذت دنانير غناء إبراهيم حتى كانت تغني غناءه، فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق، وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني ودنانير باقية، فما فقدتني.
قال: أصاب دنانير العلّة الكلبية، فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة، وكان يحيى يتصدّق عنها في كل شهر رمضان بألف دينار؛ لأنها كانت لا تصومه. وبقيت بعد البرامكة مدة طويلة.
[٦٠] الزبير بن دحمان (١)
واقع على غرض، وراقع لبعض ما عرض، كان مشهور الأصوات، مشكور
стр. 3171
الفعل حتى بألسن الأموات. متى رفع عقيرته، متع جيرته لضرب لا تدعيه مطمعه، ولا تعيه الآن مسمعه. أكثر استنهاضًا من الحمية في الأمور، وأكبر إعراضًا من صد الكؤوس عن الخمور، وله في مجالس الخلفاء ولوج حيث يرى اذن، ولا يقبل الآراء أفن.
قال أبو الفرج: كان الرشيد بعد قتله البرامكة شديد الندم على ما فعله بهم، ففطن الزبير لذلك، وكان يغنيه في هذا المعنى، فيحركه، فغناه يومًا (١): [من البسيط]
مَنْ للخُصُومِ إِذا جَدَّ الخِصَامُ بِهمْ … يومَ الجياد، ومَنْ للصُّمَّرِ القُوْدِ
فَرَّجْتَهُ بلسان غيرِ مُشتَبةٍ … عندَ الحِفاظ وقلب غيرِ رِعْدِيدِ
وموقف قد كفنت الناطقين به … في مجمع مِنْ نَواصِي النَّاسِ مشهُودِ
فقال له الرشيد: أعد فأعاد، فقال: ويحك كَأنَّ قائل هذا الشعر يصف به يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه ووصل الزبير بصلة سنية.
قال إسحاق: كان عندي الزبير بن دحمان، يومًا فغنيت لأبي (٢): [من الطويل]
أَشَاقَكَ مِنْ أَرْضِ العِراقِ طُلُولُ
فقال الزبير: أنت الأستاذ وابن الأستاذ السيد، وقد أخذت عن أبيك هذا الصوت، وأنا أغنيه أحسن من هذا، فقلت له: والله إني لأحبّ أن يكون كذلك، فغضب وقال: أنا والله أحسن غناءً منك، ومن أبيك. فتلاحينا طويلًا، فقلت له: هلم نخرج إلى صحراء الرقة، فيكون أكلنا وشربنا هنالك، ونرضى في الحكم بالأول ممن يطلع علينا، فقال: افعل، فأخرجنا طعامًا وشرابًا، وجلسنا على الفرات نشرب، فأقبل حبشي يضرب الأرض، فقلت له: ترضى بهذا؟ فقال: نعم فدعوناه، فأطعمناه، وسقيناه، وبادرني الزبير بالغناء، فغنى الصوت، فطرب الحبشي، وحرّك رأسه حتى طمع الزبير، ثم أخذت العود، فغنيته، فتأملني الحبشي ساعة وصاح: وأي شيطان أنت، ومد بها صوته، فما أعلم أني ضحكت مثل ضحكي يومئذ، وانخزل الزبير، واستحيا.
стр. 3172
قال: غضب الرشيد على أم جعفر، ثم ترضاها، فأبت أن ترضى عنه، فأرق ليلة، ثم قال: افرشوا لي على دجلة، ففعلوا فقعد ينظر إلى الماء، وقد زاد زيادة عجيبة، فسمع غناء في هذا الشعر (١): [من الطويل]
جَرَى السَّيلُ فاستبكاني السَّيلُ إِذْ جَرَى … وفاضَتْ لَهُ مِنْ مُقْلَتَيَّ غُرُوبُ
وما ذاك إلا حين أيقنتُ أَنَّهُ … يمرُّ بوادٍ أَنْتَ عَنْهُ قَريبُ
يكونُ أُجاجًا دُونَكُمْ فإذا انْتَهَى … إليكمْ يُلَقَّى نَشْرَكُمْ فَيَطيبُ
فيا ساكني أكناف دجلةَ إِنَّكُمْ … إلى القلبِ مِنْ أَجْلِ الحبيب حبيب
فسأل عن الناحية التي فيها الغناء، فقيل: دار ابن المسيب فبعث إليه بأن ابعث لي بالمعنى، فبعث به، فإذا هو الزبير بن دحمان، فسأل عن الشعر، فقال: هو للعباس بن الأحنف، فأحضره، فاستنشده إياه، وجعل الزبير يغنيه، والعباس ينشده، وهو يستعيدهما حتى أصبح، وقام فدخل على أم جعفر، فسألت عن دخوله، فعرفته، فوجهت إلى العباس بن الأحنف بألف دينار، وإلى الزبير بألف دينار.
ومنهم:
[٦١] عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع (٢)
بيت رفيع، وقوم لهم بالفضل الربيع من طراوة ندى، وطلاوة جدى، ورونق
стр. 3173
يزين الدنيا أبدًا، ومعال أثرت بها مآثرهم، ومعان أثرها أكابرهم فورثها أصاغرهم. حُجَّاب الخلفاء الأغراء الأكارم، وحفظة أبواب كالأنهار وراء بحور خضارم. وجدّه الربيع خدم المنصور، فادعى إليه ولاءا، وارتقى به إلى أن عقدت له ذوائب الكواكب لواءًا، وعبد الله هذا من سرّ صميمهم، وأرج شميمهم، إلا أنه بالغناء وضع قدر حسبه، وصنع ما لا يليق بنسبه، تعلم الغناء سرًّا وتقدّم قشرًا، فأطرب كل مخزونة، وأنفق من ذخائر العاشقين سقيمها، وحَنَّ العود في يده حنين الحمام عليه أيام تأود.
ذكر أبو الفرج، فقال يحيى بن حازم: حدثني عبد الله بن العباس الربيعي، قال: دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغني، وقد استعادني صوتًا، فأعدته، فاستحسنه، فقال له ابن الزيات: هذا والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه، واستئمانك له، واصطناعك إياه، فقال: أجل؛ فلما كان الغد جئت محمد بن عبد الملك الزيات شاكرًا لحسن محضره، فقلت له: في أضعاف كلامي: وإفراط الوزير - أعزه الله - في وصفي وتقريظي بكل شيء حتى وصفني بجودة الشعر، وليس ذلك عندي، وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة، ولو كان عندي شيء يعد من ذلك لصغر عن أن يصف الوزير، ومحله في هذا الباب المحل الرفيع المشهور. فقال لي: والله إنك عرفت مقدار قولك حين تقول (١): [من مجزوء الخفيف]
يا شادنًا رَامُ إِذْ مَرَّ … في الشَّعانِيْنِ قَتْلِي
يَقُولُ لي كيفَ أَصْبَحْـ … ـتَ، كيف يُصبحُ مِثْلي؟
لما قلت هذا القول والله لو لم يكن لك شعر في عمرك كله إلا قولك: كيف أصبحت؟، كيف يصبح مثلي؟ لكنت شاعرًا.
قال إسحاق: لقيت عبد الله بن العباس يومًا في الطريق، فقلت له: ما كان خبرك أمس، فقال: أصبحت فقلت: على ماذا؟ ومع من؟ فقال: مع خادم صالح بن عجيف وأنت به عارف وبخبري معه ومحبتي له فاصطحبا على صفة بنت الخس (٢) لما
стр. 3174
حملت (١): [من الطويل]
أَشَمُّ كغصن البانِ جَعْدٌ مُرَجَّلٌ … شُغِفْتُ بِهِ لَوْ كَانَ شيئًا مُدَانِيا
ثُكِلْتُ أَبي إن كنتُ ذُقْتُ كَرِيْقِهِ … سُلافًا ولا ماءً مِنَ المُزْنِ صَافيا
وأُقْسِمُ لَوْ خُيِّرتُ بينَ فِرَاقِهِ … وبينَ أَخِي لاخْتَرتُ أَنْ لا أَخَالِيا
فإِنْ لَمْ أُوَسِّدُ ساعِدِي بَعْدَ قَدِّهِ … غُلامًا هِلاليًا فَشَلَّتْ بَنَانِيا
فقلت له: أقمت على لواط، وشربت على زناء. والله ما سبقك إلى هذا أحد، فقلت وقد كان على جلالة قومه، ونباهتهم ونومه مغرى بالاصطباح، مغرمًا به في كل صباح. ومثاله مما قاله في هذه الحالة (٢): [من الخفيف]
ومستطيل على الصهباء باكَرَها … في فِتْيَةٍ باصطباح الراح حذاق
فَكُلّ كف رآه ظنّه قَدَحًا … وكُلّ شخص رآه ظَنَّه الساقي
وقوله في ذلك (٣): [من المجتث]
فباكرِ الراحَ صُبْحًا … لا يَسْبِقَنَّكَ فَجرُ لا يَسْبِقَنَّكَ فَجِرُ
وإِنْ يَفُكَ اصطباح … فلا يَفُوتَنْكَ سُكْرُ
ويقال: إنه شرب أواخر شعبان، وكان نما إلى الخليفة انهماكه على المدام، وانتهاكه للحياء مع الندام، وكذلك بلغه عن غيره، فبثّ رسله القيام في طلب هتك حرمة الصيام، وأتاه النذير، وهو بين تربه مقبل على شربه فقال (٤): [من الخفيف]
عَلِّلانِي نَعِمتُما بمُدامِ … واسقياني من قبل شهر الصيام
حرَّمَ اللهُ في الصيام التّصابِي … فَتَرَكناه طاعة للإمام
ثم دام على غيه وضلاله، وأقام عمر قمر شعبان وهلاله حتى قارب رمضان أن يستهل، وملّ خيط المدام أن يسل، ولم يبق غير دنو رمضان وإقباله، وان ليله يلقى حافر هلاله، فقال (٥): [من المديد]
اسْقِني صهباء صافيةً … ليلةَ النّوروز والأَحَدِ
حرم الله اصطباحتها … فتزوَّدْ شُرْبَها لِغَدِ
стр. 3175
قال ابن حمدون: كنا عند الواثق في يوم دجن، فلما برق واستطار، فقال: قولوا في هذا شيئًا، فبدرهم عبد الله [بن العباس بن] الفضل بن الربيع، فقال (١): [من المتقارب]
أُغنِّي على بارقٍ لامع … خفي كلمحك بالحاجبِ
كأنَّ ناطقَهُ في السَّماءِ … يدًا كاتب أويا حاسب
وصنع فيه لحنًا شرب الواثق عليه بقية يومه، واستحسن شعره، وغناءه وصنعته ووصله بصلة سنية.
وكان لدخول عبد الله في الغناء بسبب حكاه وقصد استهون به فحواه، واستهول عقباه حتى أصباه، وذلك أنه هوى جاريةً لعمته، وكان لا يقدر عليها، ولا يستطيع الجلوس إليها خيفة أن يبدو حبّه، فتمنعه عنها، وتفطن لما بطن، فلا يمكنه منها، فأسر في نفسه عرضه، وداوى مرضه بعلة ممرضة، وجملة معترضة، واحتال في رأي على عمته عرضه، وهو أنه أظهر لها الرغبة في الغناء وتعلمه، واستكتمها عن جده في طي تكتمه، فأَنفَتْ له عمته الغناء ومذهبه، وكرهت ما يشين أباه وجده ومنصبه، فأبى إلا طربًا، وتصابى حتى صبا، وتلاعب حتى جدَّ لعبًا، وداوم حتى أحسن قوة التصنيف، فصنع صوتين أنفق عليهما جهده من الثقيف، وعرضهما على الجارية، فقالت: هذا في الصنعة فوق الإتقان، ولا يحسن أحد في الزمان أكثر من هذا الإحسان، ونما خبر الصوتين حتى غُنّيا للرشيد، فسأل عنهما، وعلم لمن هما، فطلب جده وجدته بما عنده، وعتبه على إخفاء أمره، وظنّ أنه يعلم به، وقد أخفاه عنه، فأقسم الفضل أنه إلى الآن لم يعلم أن له ولدًا من الغناء بهذا المكان، قم كان من شهرته ما كان.
وقد ذكر أبو الفرج هذه القصة فقال؛ قال أحمد بن المرزبان: حدثني عبد الله بن العباس، قال: كان سبب دخولي في الغناء، وتعلّمي إياه أني كنت أهوى جارية لعمتي رقية بنت الفضل بن الربيع، وكنت لا أقدر عليها، ولا الجلوس معها خوفًا من أن يظهر مالها عندي، فيكون سببًا لمنعي منها، فأظهرت لعمتي أنني أشتهي أن أتعلم الغناء، ويكون ذلك [في] ستر من جدّي، وكان جدّي وعمتي على حال من الرقة علي، والمحبة لي؛ لأنَّ أبي توفي في حياة جدّي الفضل، فقالت: يا بني ما دعاك إلى ذلك؟ قلت: شهوة غلبتني إن منعتُ منها، متّ غمًا، وكان لي في الغناء طبع قوي، فقالت لي: أنت
стр. 3176
أعلم وما تختاره والله ما أحب منعك من شيء، وإني لأكره أن تشتهر به، فتسقط، ويفتضح أبوك وجدك. فقلت: لا تخافي من ذلك، فإنما أخذ منه مقدار ما ألهو به، ولازمت الجارية لمحبتي إياها بعلة الغناء حتى تقدمت سائرهم حذقًا وصنعة، وأقررن لي بذلك، وبلغت ما كنت أريده منه، ومن أمر الجارية، وصرت ألازم مجلس جدي، وكان يسر بذلك، ويظنّه تقربًا إليه، وإنما كان وكدي فيه أخذ الغناء، فلم يكن يمر لإسحاق، ولا لابن جامع، ولا للزبير بن دحمان، ولا لغيرهم صوت إلا أخذته، ثم أحسست من نفسي قوة في الصنعة، فصنعت أول صوت صنعته في شعر العرجي (١): [من الطويل]
أماطتْ كِسَاءَ الخَرِّ عَنْ حُرِّ وجهها … وأَبْدَتْ على الخَدَّينِ بُردًا مُهَلَّلا
ثم صنعت ت (٢): [من المنسرح]
أقْفَرَ مِنْ بَعْدِ أهلِهِ سَرفٌ … فالمُنحنى فالعقيق فالجرف
وعرضتهما على الجارية التي كنت أهواها، وسألتها عما عندها فيهما، فقالت:
لا يجوز أن يكون في الصنعة شيء فوق هذا، وكان جواري الحارث بن بسخنر وجواري ابنه محمد يدخلن إلى دارنا، ويطرحن على جواري عمّي، وجواري جدي، ويأخذ أيضًا ما ليس عندهن من غناء دارنا، فسمعتني ألقي هذين الصوتين على الجارية، فأخذته مني وسألن الجارية عنهما، فأخبرتهن أنهما من صنعتي، ثم اشتهرا حتى غُني الرشيد بهما يومًا، فاستظرفهما، وقال لإسحاق: تعرفهما؟، قال: لا وإنهما لمن حسن الصنعة ومتقنها، ثم سأل الجارية عنها فتوقفت خوفًا من عمتي، وحذرًا أن يبلغ جدي أنها ذكرتني، فانتهرها الرشيد، فأخبرته القصة، فوجه من وقته فدعا جدي، فأحضره، فقال: فضل أن يكون لك ابن يغني، ثم يبلغ في الغناء المبلغ الذي يمكنه أن يضع صوتين يستحسنهما إسحاق، وسائر المغنين، ويتداولهما جواري القيان، ولا تعلمني بذلك كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن. فقال له جدي: وحق ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك، وإلا فأنا نفي منها، بريء من تبعتك، وعلى العهد والميثاق والعتق، والطلاق إن كنت علمت بشيء من هذا من ولدي قط إلا منك الساعة. فجاء جدي، وهو يكاد أن ينشق غيظًا، فدعاني، فخرجت إليه، وقال: يا كلب بلغني من أمرك ومقدارك أن تحسن أن تتعلم الغناء بغير أمري، ثم لم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري، ثم تجاوز هن إلى جواري الحارث بن بسخنر، فاشتهرت وبلغ أمير
стр. 3177
المؤمنين ذلك، فتنكر لي ولامني وفضحني، وفضحت آباءك في قبورهم، وسقطت إلى الأراذل من المغيض، فبكيت غمًا بما جرى مني، وعلمت أنه قد صدق، فرحمني وضمني إليه وقال: قد صارت الآن في أبيك مصيبتان أحدهما به، وقد مضى وفات، والأخرى فيك، وهي موصولة بحياتي، ومصيبة باقية العار علي وعلى أهلي بعدي.
وبكي، وقال: يعزّ عليّ يا بني أن أراك على غير ما أحبّ، وليس لي في هذا الأمر حيلة؛ لأنه قد خرج عن يدي. ثم قال: جئني بعود حتى أسمعك، وانظر كيف أنت، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه الفضيحة، وإلا جئته بك مفردًا، وعرفته بخبرك، واستعفيته لك. فأتيته بعود، وغنيت غناءً قديمًا، فقال: بل عن صوتيك اللذين صنعتهما، فغنيته إياهما، فاستحسنهما، وبكى، ثم قال: بطلت والله يا بني، وخاب أملي فيك، فواخزنا عليك وعلى أبيك. فقلت: ليتني مت يا سيدي من قبل ما أنكرته، ولخرست وما لي حيلة، ولكن وحياتك يا سيدي وإلا فعليّ عهد الله وميثاقه والعتق والطلاق، وكل يمين يحلف بها حالف لازمة لي، لا أغنية أبدًا إلا خليفة، أو ولي عهد.
فقال لي: قد أحسنت فيما قد تنبهت عليه من هذا، ثم ركب وأمرني، فأحضرت، ووقفت بين يدي الرشيد وأنا أرعد، فاستدناني حتى صرت أقرب إليه، ومازحني، وأقبل على وسكن مني، وأمر جدي بالانصراف، وأومأ إلى الجماعة فحدثوني، وسقوني أقداحًا، وغنّى المغنون جميعًا، وأومأ إلى إسحاق أن أغني إذا بلغت النوبة إلي؛ ليكون ذلك أملح؛ فلما بلغت النوبة إليَّ أخذت عودًا ممن كان إلى جانبي، وقمت قائمًا واستأذنت في الغناء، فضحك الرشيد، وقال: غنّ جالسًا، فجلستُ، فغنيت لحني الأول، فطرب واستعادني ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاثة أقداح وأنصاف، فكانت هذه حاله، فدعا مسرور فقال: احمل إليه الساعة عشرة آلاف درهم، وثلاثين ثوبًا من فاخر ثيابي، وعتيدةً مملوءة طيبًا، فحمل ذلك أجمع معي.
قال عبد الله: ولم أزل كلما أراد ولي عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة الوالي هو أم غيره عادني، وأمرني أن أغنّي فأعرفه يميني، ولا أعرف أنه غيره حتى كان آخرهم الواثق، فدعاني في أيام المعتصم، وسأله أن يأذن لي في الغناء، فأذن لي، ثم دعاني المعتصم من الغد، فقال: ما صار غناؤك إلا سببًا لإظهار سري وأسرار الخلفاء قبلي قد هممت أن آمر بضرب عنقك، لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عند أحد، فوالله لئن بلغني، لأقتلنّك، وأعتق من كنت تملكه يوم خلفت من المماليك، وأطلق من كان عندك يومئذ من الحرائر. وأستبدل بهنَّ، وعلى العوض من ذلك وأرحنا من يمينك هذه المشؤومة، فقمت من عنده وأنا لا أعقل، فاستقبلت أبا يوسف القاضي
стр. 3178
حتى خرجت من يميني، وصرت بعد ذلك أغني لإخواني جميعًا حتى اشتهر أمري، وبلغ المعتصم خبري، فتخلّصت منه، ثم غضب علي الواثق لشيء أنكره، وولي الخلافة وهو ساخط علي، فكتبت إليه (١): [من الكامل]
أَدْعُو إلهي أن أراك خليفة … بين المقام ومسجد الخيف
فدعاني ورضي عني.
قال سليمان بن أبي شيخ: دخلتُ على العباس بن الفضل بن الربيع ذات يوم، وهو مختلط مغتاظ وابنه عبد الله عنده، فقلت له: ما لك أمتع الله بك، فقال: لا يفلح والله، ابني هذا أبدًا، فظننته قد جنى جناية، فجعلت أعتذر إليه، فقال: ذنبه أعظم من ذلك وأشنع، قلت: وما ذنبه؟، قال: جاءني بعض غلماني فحدثني أنه رآه يشرب بقُطرُ بل، الداذي بغير غناء فهذا فعل من يفلح؟ فقلت له وأنا أضحك: سهلت علي القصة. فقال: لا تقل ذاك؛ فإن هذا من ضعة النفس، وسقوط الهمة. فكنت إذا رأيت عبد الله بعد ذلك في جملة المغنين، وشاهدت تبذله في هذا الحال، وانخفاضه عن مرتبة أهله، ذكرت قول أبيه.
قال: قالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغني أنك قد عشقت جارية يقال لها عساليج، فاعرضها علي، فأما أن عذرتك في حبها، أو عذلتك في أمرها، فوجه بها إليها، وقال لبذل: هذه سيدتي، فانظري واسمعي، ومري بما شئت، أطعك، فأقبلت عليه عساليج، فقالت: يا عبد الله، أتشاور في، والله ما شاورتُ فيك لما صاحبتك، فنعرت بذلك وقالت: أحسنت والله يا صبية، ولو لم تحسني شيئًا، ولا كانت فيك خصلة تجمل، لو حبَّ أن تعشقي لهذه الكلمة، ثم قالت لعبد الله: ما صنعت أحتفظ بصاحبتك.
قلت وربما أن فيها قوله (٢): [من الرمل]
إنَّ في القلبِ مِنَ الظَّبْيِ كُلُومُ … فَدَعِ اللَّومَ فَإِنَّ اللَّومَ لُوْمُ
لمْ أَكُنْ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الهَوَى … فَدَعَ العَذْلَ فذا داءً قَدِيمُ
قال عبد الله بن العباس الربيعي: لقيني سوار بن عبد الله القاضي (٣)،
стр. 3179
وهو سوار الأصغر، فأصغى إلي، وقال: إنَّ لي إليك حاجة، فأتني في خفي، فأتيته، فقال لي: قد أنست إليك؛ لأنك لي كالولد، ولي إليك حاجة، فإن ضمنت لي كتمانها، أفضيت بها إليك، فقلت: ذاك للقاضي علي فرض واجب. فقال لي: إني قلت أبياتًا في جارية لي أميل إليها، وقد هجرتني، وأنا أحبُّ أن تصنع فيها لحنًا، وتسمعنيه، فإن غنيته وأظهرته بعد أن لا يعلم أحد أنه شعري، فلست أبالي. أفتفعل ذلك؟ قلت: حبًا وكرامة للقاضي، فأنشدني في سوار لنفسه (١): [من الطويل]
سَلَبْتِ عِظامي لحمها فتَرَكْتِها … عَوارِيَ في أَجلادها تتَكَسَّرُ
وأخليت منها مخها فتَرَكْتِها … أَنابيب في أَجْوَابها الرِّيحُ تصفر
إذا سمعت ذِكرَ الفِراقِ تَرَعَّدَتْ … مفاصِلُها من هول ما تتحدَّرُ
خُذي بيدي ثم ارفعي الثوبَ … فانظري بِلَى جسدي لكنني أتستر
وليس الذي يجري مِنَ العَيْنِ ماؤُها … ولكنها روح تذوب فتقطر
قال عبد الله: فصنعت لحنًا، ثم عرفت خبره في رقعة، وسألته أن يعدني المصير إليه، فكتب إلي: نظرت في القصة، فوجدت هذا لا يصلح، ولا ينكتم حضورك، ولا سماعي إياك. وأسأل الله أن يسرك ويقيك. فغنيت بالصوت حتى ظهر وتغنّى به الناس فلقيني سوار يومًا، فقال لي: يا ابن أخي قد شاع أمرك في ذلك الباب حتى سمعناه من بعيد كأننا لم نعرف القصة.
[٦٢] أبو صدقة (٢)
من المشهورين في أهل الموسيقى، والمشكورين تحقيقًا، أطرب أصواتًا وأحيا
стр. 3180
نفوسًا مواتًا، خطب للتقريب، وخطا إليه من مكان قريب، وإذا كان اندفع يغني، استوجف الطير، وأوقف الراكب العجل عن السير، فكل مطرب يطير في الأوتار، ويطيب به حتى ذو الأقتار، لا يغلب على تندير، ولا يشبه يلعبه بالقلوب اللاعب بالماء في الغدير.
قال أبو الفرج: كان الرشيد يعبث به كثيرًا، فقال ذات يوم لمسرور: قُلْ لابن جامع، وإبراهيم الموصلي، والزبير بن دحمان، وبرصوما، وابن أبي مريم المديني: إذا رأيتموني قد طابت نفسي، فليسأل كل واحد منكم حاجة مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما قال له، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم؛ فلما جلس، قال: يا أبا صدقة قد ضجرتني كثرة مسائلك، وأنا في هذا اليوم ضجر، وقد أحببت أن تفرح وأفرح ولست أمن أن تنغص علي مجلسي بمسألتك، فأما ان أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة قال: يا سيدي لست أسألك في يومي هذا، أو إلى شهر حاجة، فقال له الرشيد: أما إذ قد شرطت لي هذا على نفسك، فقد اشتريت منك بخمسمائة دينار، وها هي ذي، فخذها طيبة معجلة، فإن سألتني بعدها في هذا اليوم، فلا لوم علي إن لم أصلك سنة بشيء. فقال له: نعم، فقال له الرشيد. زدني في الوثيقة، فقال: قد جعلت أمر أم صدقة إليك، فطلقها متى شئت إن شئت واحدة وإن شئت ألفًا إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهدت الله، ومن حضر على ذلك، ودفع المال إليه، ثم أذن للجلساء والمغنين، فدخلوا وشرب القوم؛ فلما طابت نفس الرشيد، قال ابن جامع: يا أمير المؤمنين قد نلت بك ما لم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إليَّ حتى قتلت أعدائي، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارًا وأفرشها؛ لأفقأ عيون أعدائي، وأزهق بنفوسهم، فعل، فقال: كم قدرت لذلك، قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها، ثم قام إبراهيم الموصلي، فقال: قد ظهرت نعمتك علي وعلى أكابر ولدي، وفي أصاغرهم من قد بلغ، وأريد تزويجه، ومنهم من احتاج أن أطهّره، ومنهم صغار احتاج أن أتخذ لهم خدمًا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك. فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع، وجعل كل واحد منهم يقوم فيقول من الثناء ما يحضره، ويسأل حاجته على قدر، جائزته، وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرق يمينًا وشمالًا، فوثب على رجليه قائمًا، ورمى بالدنانير من كمه، وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقال الله عثرتك، فقال له الرشيد: لا أفعل، فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح، والرشيد يضحك ويقول: ما لي إلى ذلك سبيل «الشرط أملك»، فلما
стр. 3181
عيل صبره، أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد، فقال: هاكها قد رددتها عليك، وزدتك فرج أم صدقة، فطلقها إن شئت واحدة، وإن شئت ألفًا، وإن لم تلحقني بجوائز القوم، فألحقني بجائزة هذا البارد ابن البارد، وأراد بذلك عمر بن الغزال، وكانت ثلاثة آلاف دينار معها، وكان ذلك أكثر ما أخذه منه منذ يوم خدمته إلى أن مات.
قال: دخل جعفر بن يحيى على الرشيد صبيحة يوم مطر، فسأله عن يومه الماضي وما صنع فيه، فقال: كان عندي أبو زكار الأعمى، وأبو صدقة، فغناني أبو صدقة صوتًا من صنعه، فطربت والله يا أمير المؤمنين طربًا ما أذكر أني طربت مثله وهو (١): [من الخفيف]
فَتَنَتْنِي بقاحم اللون جَعْدٍ … وبتغرٍ كَأَنَّهُ نَظْمُ دُرِّ
وبوجه كأَنه طلعة البد … رِ وعَيْنِ في طَرْفِها نفتُ سِحْرِ
فقلت له: أحسنت يا أبا صدقة، فلم أسكت عن هذه الكلمة حتى قال لي: يا سيدي، إني قد بنيت دارًا، وقد أنفقت عليها حرسي، وما أعددت لها فرشًا فأفرشها بحد الله لك ألف قصر في الجنة. فتغافلتُ عنه، وأعاد الغناء والمسألة، فتغافلت، فقال: يا سيدي هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك الله وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي، ولو بشتم فأقبلت عليه، وقلت: أنت والله بغيض، فاكفف عن المسألة الملحة. فوثب بين يدي، فظننت أنه يخرج لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه، وتجرد منها خوفًا من المطر، ووقف تحت السماء لا يواريه شيء والمطر يأخذه فرفع رأسه فقال: يا رب أنت تعلم أني مثله، ولست نابحًا. وعبدك هذا الذي رفعته علي وأحوجتني إليه يقول لي: أحسنت ولا يقول لي: أسأت وأنا منذ جلست أقول له: بنيت، لا أقول له: هدمت، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض. فاحكم بيني وبينه يا سيدي، فأنت خير الحاكمين. فغلبني الضحك، وأمرت به فجيء، وجهدت به في أن يغنيني، فامتنع حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره يا أمير المؤمنين، وخدعته فلم اسم له ما أفرشها به، فقال الرشيد طيب والله تم لنا اللهو هو ذا ادعوه، فإذا رآك فسينتجز لك الفرش؛ لأنك حلفت له بحياتي، فهو يقتضيك ذلك بحضرتي؛ ليكون أوثق فإن قال لك فيه، فقل: أنا أفرشها لك بالبواري، وإن شئت فبالبردي من الحصر، وحاكمه إلي. ثم دعا به، فأحضر؛ فلما استقر في مجلسه، قال لجعفر الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين الذي يفرش به داري بقدم فيه، فقال له جعفر: تخيَّر إن شئت فرشتها لك
стр. 3182
بالبواري وإن شئت، فبالبردي من الحصر. فضج واضطرب فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ فقال له: أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسم النوع، ولم تجد القيمة فإن فرشها لك بالبواري، أو بما دون ذلك، فقد وفى بيمينه، وإنما خدعك، ولم تفطن أنت، ولا توثقت، وضيعت حقك. فسكت. وقال: نوفر عليه أيضا البردي والبواري - أعزه الله - وغنى المغنون حتى انتهى الدور إليه، فأخذ يغني غناء الفلاحين والملاحين والسقائين، وما جرى مجراه من الغناء. فقال له الرشيد: وأي شيء هذا من الغناء؟ ويلك من فرش داره البواري والبردي فهذا الغناء كثير منه، وكثير أيضا لمن هذه صلته. فضحك الرشيد وطرب وصفق، وأمر له بألف دينار من ماله فقال له: افرش دارك من هذه، فقال: وحياتك لا آخذها، أو يحكم لي عليه بما وعدني وإلا مت والله أسفا لفوت ما وعدني به. فحكم له جعفر بخمسمائة دينار، فقبلها جعفر، وأمر له بها.
[٦٣] عمرو بن أبي الكنات (١)
مطرب نهج السنين القديم، وأحل الغائب في محل النديم، وأسمع كل ذي إصغاء، وجمع كل ذي ابتغاء، وغنى والناس في صنوف المعايش لاهية قلوبهم، أشتاب مطلوبهم، بين دان ونازح، ومقبل على معاشه، ومقبل في رياشه، فجعلوا رؤيته دواب نواظرهم، وغناء شغل خواطرهم، حتى لكاد يطرب الحيتان في الماء، والطير صافات في جو السماء.
قال أبو الفرج الأصفهاني؛ قال بعضهم: وافقت ابن أبي الكناث في جسر بغداد في أيام الرشيد، فحدثته اتصل بي عن ابن عائشة في الموسم أنه مر به، فقال: إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فلم يذهب أحد، ولم يجيء، فقلت: ومن هذا الرجل؟، قلت: أنا. ثم اندفع يغني (٢): [من الوافر]
جرت سنحا فقلت لها أحيزى … نرى مشمولة فمتى اللقاء
قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به
стр. 3183
هشام، فقال له: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه، وكان تياهًا، فقال له: ارفق بتيهك، فقال ابن عائشة: حقٌّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياهًا. فضحك، وأطلقه فقال: ابن أبي الكتاب: فأنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت. ثم اندفع يغني في هذا الصوت، ونحن على جسر بغداد، وكان إذ ذاك على بغداد ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الجسور بالناس من ازدحام الخلق عليها، فأتي به الرشيد، فقال: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأردت أن أكون في أيامك، فأمر له بمال واحتسبه عنده؛ ليسمع غناءه.
قال يحيى بن يعلى بن معبد بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة أسفل مكة، إذ سمعت صوت عمر بن أبي الكناث كأنه معي، فأمرت الغلام، فأسرج لي دابتي، وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسًا على الكثيب العارض على بطن عرفة.
قلت: وهذا كذب لا شك فيه إذ لا يبلغ حاسة الأذن إلى بعض ذلك.
[٦٤] خُلَيْلان المعلّم (١)
رجل كان لما أراد مهيًا، خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، كان يلقن القرآن ويعلم الغناء، ويقرب من هذا وهذا الإدناء، وكان بابه الذكر في أهل الشان، تائه العطف لا يتقدم الزمان، لو جالس كئيبًا، لانشرح وحبيبًا مسكه تيه الحب لا طرح لألحان حرّها، وأصوات مثل بيت حان لم تصوّرها.
قال أبو الفرج: كان يعلم الصبيان القرآن ويعلم الجواري الغناء في موضع واحد.
قال بعضهم: وكنت يومًا عنده، وهو يردد على صبي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) ثم يلتفت إلى صبية بين يديه يرددها
стр. 3184
عليها (١): [من السريع]
اعتاد هذا القلبَ يَلْبالُهُ … إِذْ قُرِّبَتْ للِبيْنِ أَجْمالُه
قال عبد الصمد بن المعدّل: دخل يومًا خليلان المعلّم على عقبة بن مسلم الأزدي فاحتبسه عنده، فأكل وشرب فحانت منه التفاته، فرأى عودًا معلقًا، فعلم أنه عرض له به، فدعا به وأخذه، وغنى (٢): [من المديد]
يابنة الأزدي قلبي كثيبُ … مُستهامٌ عِنْدَهُ ما تتيب
والتفت فرأى وجه عقبة بن مسلم متغيّرًا، وقد ظن أنه عرض به، ففظن، فغنّى غيره، فسر عقبة وشرب؛ فلما فرغ وضع العود من حجره، وحلف بعد ذلك بالطلاق ثلاثًا أنه لا يغني إلا من يجوز أمره عليه.
والصوت الذي من صنعته (٣): [من المتقارب]
أَلا طَرَقَتْ في الدُّجى زينب … وأَحْبِبْ بزينب إذ تَطْرُقُ
عجبتُ لزينب أَنَّى سَرَتْ … وزينب من ظلّها تَغْرَقُ
[٦٥] عبيدة الطنبورية (٤)
مهز قضيب، وممر كثيب وزبيبة كباس، وحبيبة أناس. برعت في الضرب بالطنبور، وأسرعت إلى الصدور بالحبور، وعدلت عن العود وتعب صناعته، وتأبى طاعته، وصدود نشيزه وكثرة تعجيزه، إلى ما خف موقعًا، وكان مقنعًا، وجاءت فيه بكل إجادة، وجازت غاية العود وزيادة.
قال أبو الفرج؛ قال علي بن الهيثم اليزيدي: دعوت يومًا إسحاق الموصلي وكان يألفني، فقال: من عندك؟، قلت: محمد بن عمرو بن مسعدة وهارون بن هشام، وقد دعونا عبيدة الطنبورية، فقال: افعل؛ فإني كنت أشتهي أن أسمع عبيدة،
стр. 3185
ولكن لي عليك شريطة، فقلت: هاتها، قال: إن عرفتني، وسألتموني أن أغني بحضرتها، لم يخف عليها أمري وانقطعت فلم تصنع شيئًا فدعوتها على جملتها، فقلت: افعل ما أمرت به، فنزل ورد دابته، وعرفت صاحبي ما جرى، وأكلنا ما حضر، وقدم النبيذ فغنت لحنًا (١): [من مجزوء الوافر]
قريب غير مقتَرِبِ … ومُؤتلفٌ كَمُجتَنِبِ
لهُ وُدّي ولي منْهِ … دَوَاعي الهم والكَرَبِ
أُواصله على سَبَبٍ … ويهجرني بلا سَبَبِ
ويظلمني على ثِقَةٍ … بأنَّ إليهِ مُنقلبي
فطرب إسحاق وشرب نصفًا، ثم غنت وشرب حتى والى بين عشرة أنصاف وشربناها معه، وقام يصلي، فقال لها هارون بن أحمد بن هشام: ويحك يا عبيدة ما تبالين والله متى مِتَّ؟ قالت: ولم؟، قال: أتدرين من المستحسن غناءَكَ والشارب عليه ما شرب؟ قالت: لا والله، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: فلا تعرفيه أنك قد عرفتنيه؛ فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني، فلحقها هيبة له، واختلاط، فنقصت نقصانًا بينًا، فقال لنا: أعرفتموها من أنا؟ فقلنا: نعم عرفها هارون بن أحمد، فقال إسحاق نقوم إذا فننصرف، فلا خير في عشرتكم الليلة، ولا فائدة لي، ولا لكم، ثم قام، فانصرف.
قال جحظة: حدثني شرائح، قال: كانت عبيدة تتعشقني، فتزوجت، فمرت بي يومًا، فسألتها الدخول إلي، فقالت: يا كشخان كيف أدخل إليك وقد أقعدت في بيتك صاحب مسلحة؟ ولم تدخل. قال: وكان لها غلام يضرب عليها، يقال له علي، ويلقب طير عبيدة، وكانت إذا خلت في البيت، وشبقت، اعتمدت عليه. وتقول: بغل الطحان يصلح للحمل، والطحن، والركوب.
قال: اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس الرشيد يومًا، وفيهم المسدود وعبيدة:
فقالوا للمسدود: غنّ، فقال: لا والله لا تقدمت عبيدة وهي الأستاذة. فما غنى حتى غنت.
قال جحظة: وأهدى لي جعفر بن المأمون طنبورًا، فإذا عليه مكتوب (٢):
كلُّ شيءٍ سِوَى الخيا … نة في الحبِّ مُحْتَمَلْ
стр. 3186
[٦٦] أبو حشيشة (١)
سرى فأصبح، وأرى بصره الفاسد فأصلح، وفهم دقائق الغناء وأوضحها، وعلم حقائق الطرب وفضحها، وسار الأوتار وسامى النظراء.
لا يرهقه الإقتار، ودخل أخبية الملوك، وأخذ عطاياها، وحث بطاياها، وفاز بصفوة مواهبها، وجلا عليهم حسان الأصوات المختارة في مذاهبها، وادخر خير أموالهم، وأبقى الفضول لناهبها.
قال أبو الفرج، قال نوبخت رأيته، وقد حضرت عريب عند ابن المدبر وقد تغنى، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر ولو عاش الشيخان ما قلت لهما: هذا علوية ومخارق.
قال جحظة: حدثني أبو حشيشة قال: هجم علي خادم أسود، فقال: البس ثيابك؛ فعلمت أن لا يكون إلا عن أمر خليفة، أو أمير، فلبستها، ومضيت معه، فعبرني الجسر، وأدخلني دارًا لا أعرفها، فأدخلني في حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة، وقد نشر في أعراضها الخبز، فأكلت، وسقاني رطلين، وجاء بصندوق ففتحه، وإذا فيه طنابير، فقال: اختر ما تريد، فاخترت واحدًا، وأخذ بيدي، فأدخلني إلى دار فيها رجلان على أحدهما قباء غليظ مُلْحَم، وعلى الآخر ثياب مُلْحَم وخز، فقال لي صاحب الخز: اجلس، فقال لي: أكلت وشربت؟ قلت: نعم، فقال: قُلْ ما نقول لك، فقلت: قُل، فقال: غنّ بصنعتك (٢): [من الخفيف]
يا مَلِيحَ الإقْبالِ والانْصِرافِ … ومَلُولًا ولو يَشَأْ قلتُ: جَافِي
فغنيته إياه، ولم يزل يطلب مني صوتًا بعد صوت من صنعتي، فأغنيه، ويستعيده، ويشرب هو والرجل واستقى بالإنصاف المختوتة إلى أن صلّوا العشاء الآخرة، ثم أومأ إلي الخادم، فقمتُ فقال لي صاحب القباء منهما: أتعرفني؟، قلت: لا، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الظاهري، وهذا محمد بن أسد الخناق، والله لا بلغني أنك تقول
стр. 3187
رأيتني، لأضربن عنقك، انصرف. وخرجت ودفع إليّ الخادم ثلاثمائة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئًا على سبيل البر فلم يفعل.
[٦٧] إسحاق الموصلي (١)
رجل تعقد عليه الخناصر، ويعتدّ عليه الناصر، علم منوع، ويمّ لا يخلو من
стр. 3188
الإخلاطة بكل مشرع، أخذ من كل فنّ طرفًا، وعلى كل فضل شرفًا حتى كان بعد القضاء ناظر العلماء، وأبكى بغلبة الجفون دماء، وكان يربأ بنفسه إلى أن يدخل على الخلفاء مع أهل الفقه ويختلط بهذا الشبه، وبرع في الأدب وأفانينه، وغنى بالشعر وتحسينه، وخلّف وراءه السباق، في حسن نظمه وتحسينه، وحلّ من الرشيد فمن بعده من الخلفاء محلّ الأصفياء، وفازوا منه بالوفاء، وفا … بما تجلّى له منهم من موارد الصفاء، وكانوا يرونه القلب الذي يسع سرورهم، والشباب الذين يحسن غرورهم، وأيامه مطويات إلى بلوغ آرابه، وسبوغ النعمة فيما زنده أورى به. هذا إلى عفاف تشهد به المضاجع، وكرم وخير وتقدّم في أول وآخر، ونفس ما أشربت حبّ الحرام، ولا اشرأبت إلى غير اختلاف الكرام.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: بقيتُ زمانًا من دهري أغسل كل يوم إلى هشام، ثم أصير إلى الكسائي، وأقرأ عليه جزءًا من القرآن، وآتي الفراء، فأقرأ عليه أيضًا، ثم آتي منصور زلزل، فيضاربني طريقين، أو ثلاثة، ثم أتي عاتكة بنت شهدة، فأخذ منها صوتًا، أو صوتين، ثم آتي الأصمعي، فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت، وما أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشاء، رحت إلى الرشيد.
قال إسحاق: دعاني المأمون يومًا، فسألني عن صوت، فقال: أتدري من صنعه؟، فقلت: اسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين بذلك إن شاء الله تعالى. فأمر جارية من جواريه وراء الستارة، فغنّت، وضربت [فإذا] هي قد شبهته بالقديم، فقلت:
стр. 3189
زدني معها عودًا آخر؛ فإنه أثبت لي، فزادني عودًا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: لما سمعته، وسمعت لينه، عرفت أنه من صنعة النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة، وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودًا آخر فلم أشك، قال: صدقت الغناء العريب.
قال إسحاق بن إبراهيم الظاهري، حدثتني مخارق، مولاتنا، قالت: كان لمولانا الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتًا مليح اللحن، فقال لي مولاي يا مخارق خُذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر صوت من أصوات العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي، فاعلم أين يقع من معرفته ففعلت ذلك، فصار إليه إسحاق فأجلسه، وبعث إلى مولاي أن أدخل اللحن الرومي في وسط غنائك، فغنيته إياه في درج أصوات مرَّت، فأصغى إليه إسحاق، وجعل يتفهمه ويقسمه، ويتفقد أوزانه، فقال: هذا الصوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك؟ فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئًا أعجب من استخراجه لحنًا روميًا لا يعرفه، ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي، وامتزجت نغمته حتى عرفه، ولم يخف عليه.
قال: تناظر المغنيون يومًا عند الواثق: فذكروا الضرَّاب وحذقهم، فقدم إسحاق زبزبًا على ملاحظة الملاحظ الرياسة في ذلك عليهم جميعهم، فقال لهم الواثق: هذا حيف وبعده منك، فقال: إسحاق يا أمير المؤمنين أجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما، قال: فأمر بهما، فأحضرا، قال له إسحاق: إنَّ الضرَّاب أصواتًا معروفًا فامتحنهما بشيء منهما، قال: أجل افعل فسمّى ثلاثة أصوات كان أولها (١):
[من السريع]
عُلِّقَ قَلْبِي ظَبْيَةَ السِّبْتِ ..
فضربنا عليه فتقدم زبرب، وقصر عنه ملاحظ، فعجب الواثق من كشفه لما ادعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ: ما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني، فقلت مني وعلي أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه
стр. 3190
الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ، قال إسحاق: يا أمير المؤمنين هذا خلط الأوتار خلط متعنت فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواضعه، وقال: يا مخارق غنّ أي صوت شئت، فغنّى ملاحظ، فضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية، فلم يخرج عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن تقوية واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين، فقال الواثق: لا والله ما رأيت مثلك قط، ولا سمعت به. اطرح هذا على الجواري، فقال: هيهات يا أمير المؤمنين. هذا شيء لا تفي به الجواري، ولا يصلح لهنَّ، وإنما بلغني أنَّ الفلنهد ضرب يومًا بين يدي كسرى أبرويز، فأحسن، فحسده رجل من حذاق صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده، فشوش بعض أوتاره، فرجع فضرب لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود إلى أن فرغ، ثم [قام] على رجله فأخبره الملك بالقصة، فامتحن العود، فعرف ما فيه، فقال: زه زه وزهان زه، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه بهذه المخاطبة؛ فلما تواترت الروايات بهذا أخذت نفسي بها، ورضيتها عليه، وقلت لا ينبغي أن يكون الفلنهد أقوى على هذا مني فما زلت أستنبط بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كم هي، والمواضع التي تخرج النعم كلها منها، وهذا شيء لا يفي به الجواري. فقال له المأمون وعنده … . لعمري لقد صدقت ولئن مت، لتموتن هذه الصناعة بموتك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
قال إسحاق: دعاني إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية، قد أجلس عشرًا عن يمينه، وعشرًا عن يساره، ومعهن العيدان؛ فلما دخلت، سمعت من الناحية اليسرى خطأ، فأنكرنه، فقال المأمون: يا إسحاق أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! مر الجواري اللواتي في الناحية اليمنى يمسكن، فأمرهن فأمسكن، فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فقال: ها هنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن، وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين ها هنا خطأ، فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا يُمارى إسحاق بعدها فإنَّ رجلًا يعرف الخطأ بما بين وتر وعشرين لجدير أن لا تماريه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين.
قال أحمد بن حمدون سمعت الواثق يقول: ما غناني قط إسحاق، إلا ظننتُ أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج نشر، وأنه ليحضرني غيره إذ لم يكن حاضرًا، فتقدمه عندي يطيب الصوت حتى إذا اجتمعا عندي