← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

[٦٦] أبو حشيشة (١) سرى فأصبح، وأرى بصره الفاسد فأصلح، وفهم دقائق الغناء وأوضحها، وعلم حقائق الطرب وفضحها، وسار الأوتار وسامى النظراء. لا يرهقه الإقتار، ودخل أخبية الملوك، وأخذ عطاياها، وحث بطاياها، وفاز بصفوة مواهبها، وجلا عليهم حسان الأصوات المختارة في مذاهبها، وادخر خير أموالهم، وأبقى الفضول لناهبها. قال أبو الفرج، قال نوبخت رأيته، وقد حضرت عريب عند ابن المدبر وقد تغنى، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر ولو عاش الشيخان ما قلت لهما: هذا علوية ومخارق. قال جحظة: حدثني أبو حشيشة قال: هجم علي خادم أسود، فقال: البس ثيابك؛ فعلمت أن لا يكون إلا عن أمر خليفة، أو أمير، فلبستها، ومضيت معه، فعبرني الجسر، وأدخلني دارًا لا أعرفها، فأدخلني في حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة، وقد نشر في أعراضها الخبز، فأكلت، وسقاني رطلين، وجاء بصندوق ففتحه، وإذا فيه طنابير، فقال: اختر ما تريد، فاخترت واحدًا، وأخذ بيدي، فأدخلني إلى دار فيها رجلان على أحدهما قباء غليظ مُلْحَم، وعلى الآخر ثياب مُلْحَم وخز، فقال لي صاحب الخز: اجلس، فقال لي: أكلت وشربت؟ قلت: نعم، فقال: قُلْ ما نقول لك، فقلت: قُل، فقال: غنّ بصنعتك (٢): [من الخفيف] يا مَلِيحَ الإقْبالِ والانْصِرافِ … ومَلُولًا ولو يَشَأْ قلتُ: جَافِي فغنيته إياه، ولم يزل يطلب مني صوتًا بعد صوت من صنعتي، فأغنيه، ويستعيده، ويشرب هو والرجل واستقى بالإنصاف المختوتة إلى أن صلّوا العشاء الآخرة، ثم أومأ إلي الخادم، فقمتُ فقال لي صاحب القباء منهما: أتعرفني؟، قلت: لا، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الظاهري، وهذا محمد بن أسد الخناق، والله لا بلغني أنك تقول

стр. 3187

رأيتني، لأضربن عنقك، انصرف. وخرجت ودفع إليّ الخادم ثلاثمائة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئًا على سبيل البر فلم يفعل. [٦٧] إسحاق الموصلي (١) رجل تعقد عليه الخناصر، ويعتدّ عليه الناصر، علم منوع، ويمّ لا يخلو من

стр. 3188

الإخلاطة بكل مشرع، أخذ من كل فنّ طرفًا، وعلى كل فضل شرفًا حتى كان بعد القضاء ناظر العلماء، وأبكى بغلبة الجفون دماء، وكان يربأ بنفسه إلى أن يدخل على الخلفاء مع أهل الفقه ويختلط بهذا الشبه، وبرع في الأدب وأفانينه، وغنى بالشعر وتحسينه، وخلّف وراءه السباق، في حسن نظمه وتحسينه، وحلّ من الرشيد فمن بعده من الخلفاء محلّ الأصفياء، وفازوا منه بالوفاء، وفا … بما تجلّى له منهم من موارد الصفاء، وكانوا يرونه القلب الذي يسع سرورهم، والشباب الذين يحسن غرورهم، وأيامه مطويات إلى بلوغ آرابه، وسبوغ النعمة فيما زنده أورى به. هذا إلى عفاف تشهد به المضاجع، وكرم وخير وتقدّم في أول وآخر، ونفس ما أشربت حبّ الحرام، ولا اشرأبت إلى غير اختلاف الكرام. قال أبو الفرج، قال إسحاق: بقيتُ زمانًا من دهري أغسل كل يوم إلى هشام، ثم أصير إلى الكسائي، وأقرأ عليه جزءًا من القرآن، وآتي الفراء، فأقرأ عليه أيضًا، ثم آتي منصور زلزل، فيضاربني طريقين، أو ثلاثة، ثم أتي عاتكة بنت شهدة، فأخذ منها صوتًا، أو صوتين، ثم آتي الأصمعي، فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت، وما أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشاء، رحت إلى الرشيد. قال إسحاق: دعاني المأمون يومًا، فسألني عن صوت، فقال: أتدري من صنعه؟، فقلت: اسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين بذلك إن شاء الله تعالى. فأمر جارية من جواريه وراء الستارة، فغنّت، وضربت [فإذا] هي قد شبهته بالقديم، فقلت:

стр. 3189

زدني معها عودًا آخر؛ فإنه أثبت لي، فزادني عودًا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: لما سمعته، وسمعت لينه، عرفت أنه من صنعة النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة، وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودًا آخر فلم أشك، قال: صدقت الغناء العريب. قال إسحاق بن إبراهيم الظاهري، حدثتني مخارق، مولاتنا، قالت: كان لمولانا الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتًا مليح اللحن، فقال لي مولاي يا مخارق خُذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر صوت من أصوات العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي، فاعلم أين يقع من معرفته ففعلت ذلك، فصار إليه إسحاق فأجلسه، وبعث إلى مولاي أن أدخل اللحن الرومي في وسط غنائك، فغنيته إياه في درج أصوات مرَّت، فأصغى إليه إسحاق، وجعل يتفهمه ويقسمه، ويتفقد أوزانه، فقال: هذا الصوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك؟ فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئًا أعجب من استخراجه لحنًا روميًا لا يعرفه، ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي، وامتزجت نغمته حتى عرفه، ولم يخف عليه. قال: تناظر المغنيون يومًا عند الواثق: فذكروا الضرَّاب وحذقهم، فقدم إسحاق زبزبًا على ملاحظة الملاحظ الرياسة في ذلك عليهم جميعهم، فقال لهم الواثق: هذا حيف وبعده منك، فقال: إسحاق يا أمير المؤمنين أجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما، قال: فأمر بهما، فأحضرا، قال له إسحاق: إنَّ الضرَّاب أصواتًا معروفًا فامتحنهما بشيء منهما، قال: أجل افعل فسمّى ثلاثة أصوات كان أولها (١): [من السريع] عُلِّقَ قَلْبِي ظَبْيَةَ السِّبْتِ .. فضربنا عليه فتقدم زبرب، وقصر عنه ملاحظ، فعجب الواثق من كشفه لما ادعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ: ما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني، فقلت مني وعلي أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه

стр. 3190

الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ، قال إسحاق: يا أمير المؤمنين هذا خلط الأوتار خلط متعنت فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواضعه، وقال: يا مخارق غنّ أي صوت شئت، فغنّى ملاحظ، فضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية، فلم يخرج عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن تقوية واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين، فقال الواثق: لا والله ما رأيت مثلك قط، ولا سمعت به. اطرح هذا على الجواري، فقال: هيهات يا أمير المؤمنين. هذا شيء لا تفي به الجواري، ولا يصلح لهنَّ، وإنما بلغني أنَّ الفلنهد ضرب يومًا بين يدي كسرى أبرويز، فأحسن، فحسده رجل من حذاق صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده، فشوش بعض أوتاره، فرجع فضرب لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود إلى أن فرغ، ثم [قام] على رجله فأخبره الملك بالقصة، فامتحن العود، فعرف ما فيه، فقال: زه زه وزهان زه، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه بهذه المخاطبة؛ فلما تواترت الروايات بهذا أخذت نفسي بها، ورضيتها عليه، وقلت لا ينبغي أن يكون الفلنهد أقوى على هذا مني فما زلت أستنبط بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كم هي، والمواضع التي تخرج النعم كلها منها، وهذا شيء لا يفي به الجواري. فقال له المأمون وعنده … . لعمري لقد صدقت ولئن مت، لتموتن هذه الصناعة بموتك، وأمر له بثلاثين ألف درهم. قال إسحاق: دعاني إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية، قد أجلس عشرًا عن يمينه، وعشرًا عن يساره، ومعهن العيدان؛ فلما دخلت، سمعت من الناحية اليسرى خطأ، فأنكرنه، فقال المأمون: يا إسحاق أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! مر الجواري اللواتي في الناحية اليمنى يمسكن، فأمرهن فأمسكن، فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فقال: ها هنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن، وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين ها هنا خطأ، فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا يُمارى إسحاق بعدها فإنَّ رجلًا يعرف الخطأ بما بين وتر وعشرين لجدير أن لا تماريه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين. قال أحمد بن حمدون سمعت الواثق يقول: ما غناني قط إسحاق، إلا ظننتُ أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج نشر، وأنه ليحضرني غيره إذ لم يكن حاضرًا، فتقدمه عندي يطيب الصوت حتى إذا اجتمعا عندي

стр. 3191

رأيت إسحاق يعلو، ورأيت غيره ينقص، وأن إسحاق لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أنَّ العمر والشباب والنشاط مما يشترى، لاشتريتهن له بشطر ملكي. قال ابن المنجم: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل الرواية والعلم لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد ذلك أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء فأذن له، ثم سأله أن يأذن في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، فقال: ولا كل هذا يا إسحاق، وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم، قال: وكان معه جماعة من المغنين يحضرون عند الواثق، وعيدانهم معهم إلا إسحاق فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة، فإذا أراد الخليفة أن يغني له أحضر له عودًا، فإذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه، قطع الغناء فلم يعد حرفًا، إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده. قال: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلًا، حتى إذا حضر إسحاق فيداريه إبراهيم، ويطلب مناقبه، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق آفته، كما لكل شيء آفة. قال محمد بن راشد الجنان: سألني إسحاق أن أصير إلى إبراهيم بن المهدي، وقال: قل له: أسألك عن شيء، فإذا قال لك: سل، قل له: أخبرني عن قولك (١): [من الطويل] ذهبتُ من الدنيا وقد ذهبت منّي … هوى الدهر بي عنها وولى بها عني أي شيء كان معنى صنعتك فيه وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك التي صنعته إلا أن تقول: ذهبوا بالواو، فإن قلت: ذهبت ولم تمدّها، تقطع اللحن، وإن مددتها، قبح الكلام وصار مثل كلام النبط، فقال له: يا محمد كيف أخاطب إبراهيم بهذا، فقال: هي حاجتي إليك وقد كلفتك إياها. قال: فأتيت إبراهيم، وجلست عنده، وتحادثنا إلى أن جئنا إلى ذكر الغناء، فذكرت له ما قال إسحاق، فتغير لونه، وانكسر، وقال: يا أبا محمد ليس هذا من كلامك هذا من كلام ابن الجرمقاني قل له: غني أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنع هذا للهو واللعب والعبث.

стр. 3192

قال يحيى بن محمد الظاهري: حدّثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد، قال: اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد واشترى معي رفيقي يحموم، ودفعنا إلى وكيل له خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين - إلى بغداد - إلى إسحاق الموصلي، وادفع إليه مائة ألف درهم، وشهريًا بسرجه ولجامه، وثلاثة أدراج فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت وشي كوفي وثلاثين ألف درهم للنفقة، وقال للرسول: عرف إسحاق أنَّ هذين الغلامين لرجل من وجوه العرب من أهل خراسان، وجه بهما إليه، ليتفضل عليه بتعليمهما أصواتًا اختارها، وكتبها له في الدرج، وقال له: كلما علمهما صوتًا، فادفع إليه ألف درهم حتى يتعلما بها مائة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المائة، فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه لكل صوت من الأصوات درجًا من الأدراج، ثم لكل صوتين بعد ذلك تختًا وسفطًا حتى ينفد ما بعث به معك، ففعل وانحدر بنا إلى بغداد، وأتينا إسحاق، فغنينا بحضرته، وأبلغه الوكيل الرسالة، فلم يزل يلقي علينا الأصوات حتى أخذناها كما أمر سيدنا، ثم صرنا إلى سر من رأى فدخلنا عليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسر بذلك، وقدم إسحاق من بغداد إلى سر من رأى فلقيه مولانا فدعا بنا، وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق، وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه فلا توهماه إنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية خراسانية، ومضينا معه إلى الواثق؛ فلما دخلنا عليه قال له: يا سيدي هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية، فقال: غنيا، فضربنا ضربًا فارسيًا، وغنينا غناء فلهنديا، فطرب الواثق وقال: أحسنتما، فهل تغنيان بالعربية؟ قلنا نعم، واندفعنا فغنينا ما أخذنا من إسحاق، وإسحاق ينظر إليه، ويتغافل حتى غنيناه أصواتًا من غنائه، فقام إسحاق وقال: وحياتك وبيعتك وإلا فكل مملوك لي حرّ، وكل مال صدقة، إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي، ومن قصتهما كيت وكيت، فقام أبو أحمد وقال للواثق: والله ما أدري ما يقول هذا، إني اشتريتهما من رجل عاس خراساني. من أين يجيد تلك الأغاني؟ فضحك أبو أحمد، وقال للواثق: صدق والله أنا احتلت عليه، ولو رمت أن أعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بأضعاف ما أعطيته، ما فعل، فقال له إسحاق: قد تمت علي حيلتك يا أمير المؤمنين. قال: كنت عند الرشيد، فقال: يا إسحاق: تغن (١): [من الوافر] شربت مدامة وسُقيتُ أُخرى … وراع المُنتشون وما انتتَشَيْتُ

стр. 3193

فغنيته، فأقبل على إبراهيم بن المهدي، وقال لي: ما أصبت يا إسحاق، فقال له: ليس هذا مما تحسنه أنت، ولا تعرفه، وإن شئت فغنيته، فإن لم أجدك أن تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك، فدمي حلال، ثم أقبلت على الرشيد وقلت: يا أمير المؤمنين هذه صناعتي، وصناعة أبي التي قربتني منك واستخدمتنا لك، وأوطأتنا بساطك، وإذا نازعناها أحد، فلا يجد أبدًا من الإيضاح والذب. فقال: لا غرو، ولا لوم عليك. وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي عليّ وقال: ويحك يا إسحاق، وتجترئ علي وتقول لي ما قلت؟ يا ابن الزانية، فدخلني ما لم أملك نفسي معه، وقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة، ثم أخو الخليفة؛ ولولا ذلك، لكنت أقول لك يا ابن الزانية كما قلت لي، ولكن قولي في ذمتك ينصرف إلى خالك الأعلم، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه. قال إسحاق: وكان بيطارًا. قال: وسكت إبراهيم وعلمت أنه يشكوني إلى الرشيد، وأن الرشيد سوف يسأل من حضر عما جرى، فيخبر به، ثم قلت له: أتظن أن الخلافة تصير إليك، فلا تزال تهددني بذلك، وتعادي سائر أولياء أخيك حسدًا له ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، فتستخف بأوليائهم تشفيًا. وإني أرجو أن لا يخرجها الله عن الرشيد وولده، وأن يقيلك دونها، فإن صارت إليك وبالله العياذ، فحرام علي العيش حينئذ والموت أطيب من الحياة معك، واصنع حينئذ ما بدا لك؛ فلما خرج الرشيد، وثب إبراهيم، فجلس بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين شتمني، وذكر أمي، واستخف بي، فغضب الرشيد، وقال لي: ما تقول ويلك؟، فقلت: لا أعلم سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين، فسألهما عن القصة، فجعلا يخبرانه ووجهه يريد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسُري عنه ورجع، وقال لإبراهيم: ما له ذنب. شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى مكانك، وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس، وخرج الناس، أمر أن لا أبرح، وخرج كل من خصر حتى لم يبق غيري، فساء ظنّي، وهمتني نفسي، فقال: ويحك يا إسحاق أتراني لا أعرف وقائعك. قد والله زبنته دفعات، ويحك لا تعدو، ويلك حدثني عنك لو ضربك إبراهيم، أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي؟ يا جاهل أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك، أكنت أقتله بك؟ فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلني، وما أشك في أنه قد بلغه الآن، فصاح بمسرور، وقال: علي بابراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدام، وكلّهم لي محبّ وإليَّ مائل: خبروني بما يجري فأخبروني من غدٍ أنه لما دخل عليه وبخه، وجهله، وقال له: تستخف بخادمي

стр. 3194

وبصنيعتي ونديمي، وابن خادمي وصنيعتي، وصنيعة أبي، وتقدم علي وتصنع في مجلسي: هاه وهاه. تقدم على هذا وأمثاله وأنت أنت ما لك والغناء؟ وما يدريك ما هو؟ ومن أخذك به، وطارحك إياه؟ حتى تظنّ أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذي به، وهو صناعته، ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك، فلا تثبت لذلك، وتعتصم منه بشتمه، أليس هذا مما يدل على الشطوط، وضعف العقل، وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك، ثم إظهارك إياه، ولم تحكمه، وادعى بك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى إفراط الجهل ألا تعلم ويحك أنَّ هذا سوء الأدب، وقلة معرفة ومبالاة بالخطأ، والتكذيب والردّ القبيح، ثم قال له: والله العظيم، وحق رسول الله الكريم [و] إلا فأنا نفي لأبي إن أصابه سوء، أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقفه، أو مات فجأة، لأقتلنك، فوالله والله، والله، وأنت أعلم فلا تعرض له، قم الآن، فاخرج، فخرج، وقد كاد يموت؛ فلما كان بعد ذلك، دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، وجعل ينظر إليه مرة، وإلي أخرى، ويضحك، ثم قال له: إنّي لأعلم محبتك لإسحاق، وميلك إليه، وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من قبله إلا أن يرضى والرضا لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه، وأعرف قدره وحقه، وصله، فإذا فعلت ذلك، ثم خالف ما تهواه، عاقبته بيد منبسطة، ولسان منطلق. ثم قال لي: قم إلى مولاك، وابن مولاك، فقبل رأسه، فقمت إليه، وأصلح الرشيد بيننا. قال إسحاق: لما أراد الفضل بن يحيى الخروج إلى خراسان ودعته، ثم أنشدت (١): [من المتقارب] فِرَاقُكَ مِثْلُ فِرَاقِ الحياةِ … وفقدكَ مِثْلُ افتقاد النعم عليك السلام فكمْ مِنْ وَفَاءٍ … أفارقُ مِنْكَ وكمْ مِنْ كَرَمْ قال: فضمني إليه، وأمر لي بألف دينار، وقال: يا أبا محمد لو حليت هذين البيتين بصنعة وأودعتهما بعض من يصلح من الخارجين معنا، لأهديت لي بذلك أنسًا وأذكرتني نفسك. ففعلت ذلك، وطرحته على بعض المغنين، وكان كتابه لا يزال يرد عليّ ومعه ألف دينار، وألفا دينار يصلني بذلك كلما غنّي بهذا الصوت. قال أحمد بن يحيى المكي: دعاني الفضل بن الربيع ودعا علوية ومخارقًا، وذلك في أيام المأمون بعد رجوعه له، ورضاه عنه؛ فلما اجتمعنا عنده كتب إلى إسحاق

стр. 3195

الموصلي يسأله أن يصير إليه، ويعلمه الحال في اجتماعنا عنده، فكتب إليه: لا تنتظروني في الأكل؛ فإني قد أكلت، وأنا أصير إليكم بعد ساعة، فأكلنا وجلسنا نشرب حتى قربت صلاة العصر، ثم وافى إسحاق، وجاء غلامه بقطر ميز بنبيذ، فوضعه ناحية، وأمر صاحب الشراب بإسقائه منه، وكان علوية يغني الفضل صوتًا اقترحه عليه وأعجبه، وهو (١): [من الطويل] فإن تعجبي أو تنظري الدهر ضَمَّني … بأخْدَانِهِ ضَمَّ المُقصَّصِ بالجلم فقد أترك الأضياف يبدى رحالهم … وأكرمُهُمْ بالبحص الناصلِ الشَّيْمِ فقال إسحاق: أخطأت يا أبا الحسن في قسمة هذا البيت، وأنا أصلحه له، فجنَّ علوية، واغتاظ، وقامت قيامته، فأقبل عليه إسحاق، وقال: يا حبيبي ما أردت الوضع منك بما قلت لك، وإنما أردت تهذيبك وتقويمك؛ لأنك منسوب في الصواب والخطأ إلى أبي وإليَّ، فإن كرهت ذلك تركتك وقلت لك: أحسنت، وأجملت، فقال له علوية: والله ما هذا أردت إلا ما تتركه أبدًا من سوء عشرتك، أخبرني عنك حين تجيء هذا الوقت لما دعاك الأمير، وعرفك أنه قد نشط للاصطباح، ما حملك على الترفع من مباكرته وخدمته؟ أمن شغل؟، فمما [لا] يشغل عنه بشيء إلا الخليفة بحبه معك قطر ميز نبيد ترفعًا عن شرابه، كما ترفعت عن طعامه ومجالسته، وترى أنك تحبه كما تشتهي حتى يبسطكما الأكفاء، ثم تعمد إلى صوت قد اشتهاه واقترحه وسمعه جميع من حضر فما عابه أحد فعتبه! ليتم تنغيصك إياه لذته؛ والله لو أن الفضل بن يحيى وأخاه جعفرًا - لا والله بل بعض أتباعهم - دعاك إلى مثل ما دعاك إليه الأمير، لبادرت وباكرت، وما تأخرت، ولا اعتذرت. قال: وأمسك الفضل إعجابًا مما خاطب علوية إسحاق، فقال له إسحاق: أما ما ذكرته من تأخري إلى الوقت الذي حضرت فيه، فهو يعلم أني لا أتأخر عنه إلا بعائق قاطع إن وثق بذلك مني، وإلا ذكرت الحجة سرًا من حيث لا يكون لك فيه مدخل، وأما ترفعي عنه، فكيف أترفع عنه؟ وأنا أنتسب إلى صنائعه، واستميحه، وأعيش في فضله مذ كنت. وهذا تضريب منك لا أبالي به، وأما حملي النبيذ معي فإنّ لي في النبيد شربًا من طعمه إن لم أجده، فلم أقدر على ذلك الشرب منه، وينغص علي يومي أجمع، وإنما حملته ليتم نشاطي، فينتفع بي، وأما طعني على ما اختاره، فإني لم أطعن على اختيار. وإنما أردت تقويمك، ولست والله تراني متتبعًا لك بعد اليوم، ولا

стр. 3196

مُقَوِّمًا شيئًا من خطاياك، وأنا أغني له - أعزك الله - هذا الصوت، فيعلم وتعلم ويعلم من حضر أنك قد أخطأته، وقصرت فيه، وأما البرامكة وملازمتي لهم فأشهر من أجحده. وذلك والله أقل ما يستحقونه مني، ثم أقبل على الفضل، وقد غاضه في مدحه لهم. فقال: اسمع مني شيئًا أخبرك به فيما فعلوه بي ليس هو كثيرًا في صنائعهم عندي، ولا عند أبي فإن وجدت لي في ذلك عذرًا، وإلا فلم كنت مع ابتداء أمري نازلًا مع أبي في داره، فكان لا يزال يجري بين غلماني وغلمانه، وجواري وجواريه الخصومة كما تجري بين هذين الطبقات فيشكونهم إليه، فيبين الضجر في وجهه فاستأجرت دارًا واسعة، فلم أرض ما معي من الآلات لها لمن يدخل إلي من إخواني أن يرى مثله عندي، وفكرت في ذلك، وكيف أصنع فيه، وزاد فكري حتى خطر بقلبي فتح الأحدوثة من نزول مثلي في داره بأجرة، وأني لا آمن في وقت أن يستأذن علي وعندي بعض الرؤساء والأصدقاء الذي أحتشمهم، ولا يعلمون حالي، فيقول صاحب دارك أو توجه في وقت فيطلب أجرة الدار، وعندي من أستحشمه، فضاق بذلك صدري ضيقًا عظيمًا حتى جاوز الحد، فأمرت غلماني بأن يسرج لي حمارًا كان عندي؛ لأمضي إلى الصحراء أتفرج فيها مما دخل إلى قلبي. فأسرجه وركبت برداء ونعل فأفضى بي المسير وأنا مفكر لأميّز الطرق التي أسلك فيها وهجم بي على باب يحيى بن خالد، فوثب غلمانه إلي وقالوا: أين هذا الطريق، فقلت: إلى الوزير، فدخلوا فاستأذنوا وخرج إلي الحاجب، فأمرني بالدخول، وبقيت خجلًا قد وقعت في أمرين قبيحين، إذ دخلت عله برداء ونعل، وأعلمته أني قد قصدته في تلك الحال، كان سوء أدب، وإن قلت له: إني كنت مجتازًا، ولم أقصدك، فجعلتك طريقًا كان قبيحًا، ثم عزمت على صدقه؛ فلما رآني تبسم، وقال: ما هذا الزي يا أبا محمد؟ احتسبنا لك بالبر والقصد والتفقد، ثم علمنا أنك جعلتنا طريقًا، فقلت: لا والله يا أيها الوزير، ولكني أصدقك، قال: هات فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فقال: هذا أحق مستوى، فهذا شغل قلبك؟ قلت: أي والله وزاد فقال: لا تشغل قلبك بهذا يا غلام ردّ حماره، وهاتوا خلعة، فجاؤني بخلعة من ثيابه تامة فلبستها، وجيء بالطعام، فأكلنا، ووضع النبيذ، فشربت، وشرب، وغنيته، ثم دعا بدواةٍ ورقعةٍ، فكتب أربع رقعات، فظنت بعضها توقيعًا لي بجائزة، فإذا هو قد دعا بعض وكلائه، فساره بشيء، فزاد طمعي في الجائزة، ومضى الرجل، وجلسنا نشرب، وأنا أنتظر، فلا أرى شيئًا إلى العتمة، ثم اتكأ يحيى فنام، وقمت من عنده وأنا منكسر خائب فخرجت وقدم إلي حماري، فلما عاودت الدار قال لي غلامي … قال: قد بيعت، وأشهد على صاحبها، وابتيع الدرب كله،

стр. 3197

ووزن ثمنه والمشتري جالس على بابك، ينتظر ليعرفك، وأظنه ابتاع ذلك للسلطان؛ لأني رأيت الأمر في عجلة، واستحثاث أمرًا سلطانيًا، فوقعت من ذلك فيما لم يكن في حسابي، وأنا لا أدري ما أعمل فلما نزلت على باب داري إذا بالوكيل الذي ساره يحيى قد قام إلي وقال: ادخل - أيدك الله - حتى أدخل إليك في أمر احتاج إلى مخاطبتك فيه، فطابت نفسي بذلك، ودخلت الدار، ودخل إلي، فأقرأني توقيع يحيى «يُطلق لأبي محمد إسحاق مائة ألف درهم تبتاع له داره، وجميع ما يجاورها ويلاصقها»، والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل «قد أمرت لأبي محمد إسحاق يبتاع له بها داره، فأطلق له مثلها على إصلاح الدار كما يريد وبناءها على ما يشتهي» والتوقيع الثالث إلى ابنه جعفر «قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له منها منزل يسكنه، وأمر له أخوك بمائة ألف درهم ينفقها على بنائها ومرمتها على ما يريد، فأطلق أنت مائة ألف درهم يبتاع بها فرشًا لمنزله»، والتوقيع الرابع: إلى محمد ابنه قد أمرت وأخويك بثلاثمائة ألف درهم لمنزل يبتاعه، وفرش يتبدله فيه، ونفقة ينفقها عليه فأمر له بمائة ألف درهم يصرفها في سائر نفقته، وقال لي الوكيل: قد حملت المال كله، واشتريت كل شيء حولك بسبعين ألف درهم، وهذه كتب الابتياعات باسمي، والإقرار لك، وهذا المال الباقي في يدي ها هو بورك لك فيه، فقبضته، وأصبحت أحسن الناس حالًا ومرأى في منزلي وفرشي، ولكني والله ما هذا من أكثر شيء فعلوه بي. أفألام على ذلك في شكرهم؟! فبكى الفضل بن الربيع وكل من حضر وقالوا: لا والله لا يلام على شكرهم، ثم قال له الفضل: بحياتي عليك. غن الصوت، ولا تبخل على أبي الحسن أن تقومه له، قال: أفعل، وغناه فتبين علوية أنه كما قال فقام فقبل رأسه وقال: أنت أستاذنا، وابن أستاذنا، وأولى بتقويمنا واحتمالنا من كل أحد، وردَّده إسحاق مرات حتى استوى علوية. قال إسحاق: قلتُ في ليلة من الليالي (١): [من الخفيف] هل إلى نظرة إليكَ سُبيلُ … يُرو منها الصدى ويُشفى العليل إنما قلَّ منك يكثر عندي … وكثيرٌ ممَّن تُحبُّ القليل فلما أصبحت أنشدتهما الأصمعي، فقال: هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني. لمن هذا؟ فقلت: ابن ليلته، فتبينت الحسد في وجهه وقال: أفسدته، أما إن التوليد فيه لبين.

стр. 3198

قال الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يومًا على الرشيد، فرأيته لقس النفس، فأنشده إسحاق (١): [من الطويل] وآمرة بالبخل قيل لها اقصري … فَذَلكَ شيء ما إليه سبيل أرى الناس خُلان الكريم وَلا أَرى … بخيلًا لهُ حتَّى الممات خليل وإني رأيتُ البُخْلَ يُزرِي بأَهلِهِ … فأكرمتُ نفسي أنْ يقال بَخِيلُ ومن خير حالات الفتى قد علمته … إذا نال خيرًا أن يكون نبيل وكيف أخافُ الفقر أو أُحرمُ الغِنَى … ورأي أمير المؤمنين جميل فقال الرشيد: لا كيف إن شاء الله. ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها ما أشدّ أصولها!، وأحسن فصولها!، وأقل فضولها؛ وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة؟! فضحك الرشيد، وقال: اجعلوها لهذا القول [مئة ألف درهم]. قال الأصمعي؛ فقلت يومئذ: إنَّ إسحاق أحذق بصيد الدراهم. قال إسحاق: جاءني الزبير بن دحمان مسلمًا، فاحتبسته، فقال لي: قد أمرني الفضل بن الربيع بالمصير إليه، فقلت له (٢): [من الطويل] أقم يا أبا العوام ويحك نشرب … ونَلْه مع اللاهين يومًا ونلعب إذا ما رأيت اليوم قدْبانَ خَيْرُهُ … فَخُذْهُ بِسُكْرٍ واتركِ الفَضْلَ يَصْحَبُ فأقام عندي وشربنا يومنا، ثم صار إلى الفضل بن الربيع، فسأله عن سبب تأخره عنه، فجاذبه الحديث، وأنشده الشعر، فعتب وحوّل وجهه عني، وأمر عونًا حاجبه أن لا يدخلني إليه، ولا يستأذن لي عليه، ولا يوصل لي رقعة إليه فقلت (٣): [من الطويل] حرامٌ عليَّ الكأس ما دُمْتَ غَضْبانا … وما لمْ يَعُدْ عَنِّي رِضاكَ كما كانا فأَحْسِنُ فإنّي قد أسأتُ ولمْ تَزَلْ … تعودني عند الإساءة إحسانا قال: فأنشدته إياها، فضحك، ورضي عني وعاد لي، وإلى ما كان عليه. قال ابن المكي: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتًا منه، ولم يكن فيه عيب إلا صوته، فيطمعون فيه، فلم يزل بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم، ويبذهم جميعًا، ويفضلهم، ويتقدم عليهم. قالوا: هو أول من أحدث المجنب؛ ليوافق

стр. 3199

صوته، ويشاكله، فجاء معه عجبًا من العجب، وكان في حلقه نبوة من الوتر. قال إسحاق: كنت يومًا عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب؛ فلما جلسوا للشرب جعل الغلمان يسقون من حضر وجاء غلام قبيح الوجه إلي بقدح فيه نبيذ، فلم آخذه، ورآني إسحاق، فقال: لم لا تشرب؟، فقلت له (١): [من البسيط] أَصْبَحَ نَديمُكَ أَقْداحًا تُسَلْسِلُها … مِنَ الشَّمُولِ وأَتْبِعُها بِأَقْدَاحِ مِنْ كَفَّ رِيمٍ مُليحِ الدَّلِّ رِيقَتُهُ … بَعْدَ الهُجُوعِ كَمِسْكِ أَوْ كَتُفَّاحِ لا أَشْرَبُ الرَّاحَ إلاَّ مَنْ يَدَيْ رَشَأَ … تَقْبِيلُ رَاحته أشهى من الرَّاحِ فضحك، وقال: صدقت والله، ودعا بوصيفة تامة الحسن في زي غلام عليها أقبية ومنطقة، فقال لها: تولي سقي أبي محمد، فما زالت تسقيني حتى سكرت، ثم أمر بتوجيهها، وكل مالها في دارها إلي فحملت معي. قال ابن المكي: تذاكرنا يومًا عنده صنعة إسحاق، وقد كان بالأمس عند المأمون، فغناه إسحاق لحنًا صنعه في [شعر] ابن ياسين (٢): [من مجزوء الخفيف] الطُّلُولُ الدَّوارِسُ … فَارَقَتْهَا الأَوَانِسُ أَوْحَشَتْ بَعْدَ أَهْلِهَا … فَهِيَ قَفْرٌ بَسَابِسُ قال، فقال لي أبي: لو لم يكن من بدائع إسحاق غير هذا لكفاه!: «الطلول الدوارس» .. كلمتان قد غنى فتهيأ استهلالًا، وبسطًا، وصاح، وسجح، ورجح النغمة، واستوفى ذلك كله في كلمتين، وأتى بالباقي مثله. فمن شاء، فليفعل مثل هذا، أو فليفارقه، ثم قال إسحاق: والله، والله ما في زماننا فوق ابن سريج والغريض ومعبد، ولو عاشوا حتى يروه، لعرفوا فضله، واعترفوا له به. قال صالح بن الرشيد: كنا يومًا عند المأمون ومعه جماعة من المغنين فيهم إسحاق وعلوية ومخارق وعمرو ابن بانة، فغنّى مخارق صوتًا من صنعة إسحاق وهو (٣): [من الطويل] أعاذِلُ لا آلُوكِ إلاَّ خَلِيقَتي … فلا تجعليني في لسانك مبردا ذريني أَكُنْ للمال رَبًَّا ولا يكن … لي المالُ غِبًَّا تحمدي غِبَّةُ غَدًا

стр. 3200

ذريني يكُن مالي لعِرْضي وقايةً … يقي المالُ عِرْضي قبلَ أَنْ يَتَبَدَّدَا أَلَمْ تَعْلَمِي أَنِّي إِذَا الضَّيفُ نَابَنِي … وعَزَّ القِرَى أُقْرِي السَّدِيفَ المُسَرْهَدًا فقال له المأمون لمن هذا اللحن؟، قال: لهذا الهربد الجالس يعني إسحاق، فقال المأمون لمخارق: قم فاقعد بين يدي، وأعد علي الصوت، فقام: فجلس بين يديه، فغناه، فأجاد وشرب المأمون عليه رطلًا، ثم التفت إلى إسحاق، فقال: غنّ هذا الصوت، فغنّاه، فلم يستحسنه كما سمعه من مخارق، ثم دار الدور إلى علوية فغنّى صوتًا من صنعة إسحاق أيضًا وهو (١): [من الوافر] أَرَأَيْتَ القوم نارك لم نغمض بواقصةٍ … ومَشْرِقُنا زَرُودُ فلمْ أَرَ مِثْلَ مَوقِدِها ولكن … لأية نظرة زَهَرَ الوقود فبت بليلة لا نوم فيها أكابدها … وأصحابي رُقُودُ كَأَنَّ نُجُومَها رُبِطَتْ بصَخْرٍ … وأمراس تدور وتستزيد فقال المأمون: لمن هذا الصوت؟، فقال: لهذا الجالس، وأشار إلى إسحاق، فقال لعلوية: أعده، فأعاده، وشرب عليه رطلًا، وقال لإسحاق: غنّه، فغناه، فلم يطرب عليه طربه العلوية، فالتفت إسحاق وقال: أيها الأمير لولا أنه مجلس سرور، وليس بمجلس حجاج وجدل، لأعلمته أنه طرب على خطأ، وأن الذي استحسنه إنما هو وتزايد منهما يفسد قسمة اللحن وتجزئته، وكان الصواب ما غنيته لا ما زاداه، ثم أقبل عليهما وقال: يا مخنثين قد علمت أنكما لم تريدا بما فعلتما مدحى، ولا رفعي، وأنا على مكافأتكما قادر، فضحك المأمون، وقال له: ما كان ما رأيته من طربي إلا استحسانًا لأصواتهما، لا تقديمًا لهما، ولا جهلًا بفضلك. قال إسحاق: كانت أعرابية تقدم من البادية فأفضل عليها، وكانت فصيحة، فقالت لي: والذي تعلم مغربي كل ناطق، لكأنك في علمك ولدت فينا ونشأت معنا، ولقد أريتني نجدًا بفصاحتك، وأحللتني الربيع بسماحتك، فلا اطرد لي قول إلا شكرتك، ولا نسمت لي ريح إلا ذكرتك. قال الهشامي: كان أهلنا يعترون إسحاق فيما يقوله في نسبة الغناء واختياره، بأن يجلسوا كاتبين فهمين خلف الستارة يكتبان ما يقوله ويضبطانه ثم يتركونه مدة حتى ينسى ما جرى، ثم يعيدون تلك المسألة عليه، فلا يزيد فيها، ولا ينقص منها حرفًا كأنه يقرأه من دفتر، فعلموا حينئذ أنه لا يقول في شيء يسأل عنه إلا الحق.

стр. 3201

قال عبد الله بن العباس الربيعي: اجتمعنا بين يدي المعتصم، فغنّى علوية (١): [من الطويل] لِعَبدَةَ دَارٌ مَا تَكَلَّمُنَا الدَّارُ فقال له إسحاق: شتمنا - قبحه الله - وسكت وبان ذلك فيه، وكان علوية أخذه من إبراهيم. قال يحيى بن معاذ: كان إسحاق الموصلي وإبراهيم بن المهدي: إذا خلوا فهما أخوان، وإذا التقيا عند خليفة، تكاشفا أقبح تكاشف فاجتمعا يومًا عند المعتصم، فقال الإسحاق: يا إسحاق إنَّ إبراهيم يثلبك ويغض منك، فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين أفعل الساعة فعلًا إن زعم أنه يحسنه، فلست أحسن شيئًا وإلا فلا ينبغي أن يدعي ما لا يحسنه ثم أخذ عودًا فشوش أوتاره، فقال لإبراهيم: غنّ على هذا، أو يغني غيرك، واضرب عليه، فقال المعتصم: يا إبراهيم قد سمعت قول إسحاق فما عندك؟، قال: ليفعله هو إن كان صادقًا، فقال إسحاق: غنّ حتى أضرب فأبى، فقال لزرزر الكبير: غنّ أنت فغنّى، وإسحاق يضرب عليه، حتى فرغ من الصوت ما علم أحد أنَّ العود مشوش، ثم قال: هاتوا عودًا آخر، وجعل على كل وتر منه في الشدة واللين مقدار العود المشوش الأول حتى استويا، فقال لزرزر: خذ أحدهما، فأخذه، ثم قال: انظر إلى يدي، وافعل كما أفعل، واضرب ففعل، وجعل إسحاق يغني، ويضرب، وزرزر ينظر إليه ويضرب، ويعمل كما يعمل، فما ظنّ أحد أنَّ في العودين شيئًا من الفساد، ثم قال لإبراهيم: خذ الآن [أحد] العودين فاضرب منه مبدأ أو طريقة أو كيف شئت إن كنت تحسن شيئًا، فلم يفعل، وانكسر انكسارًا شديدًا، فقال له المعتصم: أرأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله ما رأيت، ولا ظننت أن مثله يتم، ولا يكون. قال: كان الواثق إذا صنع صوتًا، قال لإسحاق: هذا وقع إلينا البارحة، فاسمعه، فكان ربما أصلح فيه الشيء بعد الشيء، فكاده مخارق عنده، وقال له: إنما يستجيد صنعتك إذا حضر؛ ليقاربك ويستخرج منك، فإذا فارقك، قال في صنعتك غير ما تسمع، قال الواثق: فأنا أحب أن أقف على ذلك، فقال مخارق: وأنا أغنيه صوتك (٢):

стр. 3202

أَيا مُنْشِرَ المَوتَى [أقدني من التي … بها نهلت نفسي سَقَامًا وَعَلَّتِ] فإنه يعلم أنه لك ولم يسمعه من أحد، قال: فافعل؛ فلما دخل إسحاق غناه مخارق، وتعمَّد لأن يفسده بجهده، وفعل ذلك في مواضع خفية، لم يعرفها الواثق من قسمته؛ فلما غناه قال الواثق لإسحاق: كيف ترى هذا الصوت؟ قال: فاسد غير مرض، فأمر به فسحب من المجلس حتى أخرج عنه، وأمر بنفيه من بغداد، ثم جرى ذكره يومًا، فقالت فريدة: يا أمير المؤمنين إنما كاده مخارق، فأفسد الصوت من حيث أوهمك أنه زاد فيه بحذفه نغمًا وجودة، وإسحاق تأخذ نفسه بقول الحق في كل شيء ساءه أو سره، ويفهم من غامض علم الصناعة ما لا يفهمه غيره، فليحضره أمير المؤمنين، ويحلفه بغليظ الأيمان على حقيقة الصوت، فإن كان فاسدًا فصدق عنه إن لم يكن عيب، ووافقناه عليه حتى يستوي، فليس يجوز أن يتركه فاسدًا، وإن كان صحيحًا، قال فيه ما عنده، فأمر بالكتاب بحمله، فحمل وأحضر وأظهروا الرضا عنه، ولزمه أيامًا، ثم أحلفه أنه يصدقه عما يمر في مجلسه، فحلف له، ثم غنى الواثق أصواتًا يسأله عنها أجمع، فيخبر فيها بما عنده، ثم غنته فريدة هذا الصوت، وسأله الواثق عنه، فرضيه واستجاده، وقال: ليس على هذا سمعته المرّة الأولى، وأبان عن المواضع الفاسدة، وأخبر بإفساد مخارق إياها، فسكن غضبه الذي كان، وتنكر لمخارق مدة. قال إسحاق: ما كان يحضر الواثق أعلم منه بالغناء. قال إسحاق: كتبت إلى علي بن هشام أطلب نبيذًا، فبعث إليّ بما التمستُ، وكتب: قد وجهت إليك بشراب أصلب من الصخر، وأعتق من الدهر، وأصفى من القطر. قال: لما غنّى إسحاق لحنه في شعر وهو (١): [من المنسرح] يا أيها القائم الأمينُ فَدَتْ نَفْسَكَ نفسي بالمال والوَلَدِ بَسَطْتَ للناس إذ ولِيتَهُمُ … يدًا مِنَ الجود فوق كلّ يد أمر له بألف ألف درهم، فحملت إليه على مائة فراش، حتى أدخلت إليه. قال عمرو ابن بانة: رأيتُ المهدي يناظر إسحاق في الغناء فتكلما بما فهماه ولم أفهم منه شيئًا، فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء، فما نحن في قليل منه ولا كثير. قال: خالف إبراهيم إسحاق في شيء من التجزئة، فقال له: إلى من أحاكمك؟ فالناس بيننا حمير!

стр. 3203

قال ابن المنجم؛ قال لي محمد بن الحسين بن مصعب - وكان بصيرًا بالغناء والنغم -: لحن إسحاق في «تشكى الكميت الجَرْي» (١) أحسن من لحن ابن سريج فيه، ولحنه «تبدَّى لنا» أحسن من لحن معبد فيه، وذلك من أجود صنعة ابن سريج، وهذا من أجود صنعة معبد. قال: فأخبرت إسحاق بقوله، فقال: فقد أخذت بزمامي راحلتيهما، فزغرتهما، ثم أنختهما، فما بلغتهما. فأخبرت بذلك محمد بن الحسين، فقال: هو الله يعلم أنه قد يرد عليهما، ولكنه لا يدع بغضه للقدماء. قال أبو الفرج: وكان إسحاق قد اعتلت غناؤه، وضعف بصره، وكف في آخر عمره. قال: وكان السبب في علة عينيه أن إبراهيم ابن أخي سلمة الوصيف نازع إسحاق بين يدي الرشيد في شيء من الغناء، فَرَّ عليه فشتمه إبراهيم، فرد عليه إسحاق وأربي عليه في الرد، فقال: أترد علي وأنا مولى أمير المؤمنين، قال إسحاق: اسكت؛ فإنك من موالي العبدين، فقال له الرشيد: يا إسحاق وأي شيء موالي العبدين؟، فقال: يا أمير المؤمنين يشترى الخلفاء كل صانع في العبيد للعتق فيكون فيهم الحائك، والحجام، والسائس، فهو أحد هؤلاء الذين ذكرتهم. قال: فخرج إبراهيم، فوقف له على طريقه؛ فلما جاز عليه منصرفًا، ضرب رأسه بمقرعة فيها معول، فكان ذلك سبب ضعف نظره. فبلغ الرشيد الخبر، فأمر [أن] يحجب عنه إبراهيم، وحلف أن لا يدخل عليه، فدس إلى الرشيد مع غنائه (٢): [من الخفيف] مَنْ لعبدٍ أَذَلَّه مولاه … ماله شافع إليه سواه يشتكي ما به إليهِ ويَخْشا هـ … ويرجوه مثل ما يَخْشَاهُ فسأل الرشيد عن صانع لحنها فعرفه، فحلف أن لا يرضى عنه حتى يرضى إسحاق، فقام وقال: قد رضيت عنه يا سيدي رضًا صحيحًا، وقبل الأرض لما كان من قوله فرضي عنه، وأحضره وأمره بترضي إسحاق، ففعل. قال ابن المكي: كان إسحاق إذا غنّى هذا الصوت، يأخذه بلحنه ويبكي (٣): [من الطويل]

стр. 3204

إذا المرء قاسى الدَّهْرَ وابيضَّ رَأْسُهُ … وثُلِّمَ تَسْلِيمُ الإناءِ جَوَانِبُهْ فللموتُ خيرٌ مِنْ حياةٍ خَسِيسَةٍ … تُبَاعِدُهُ طورًا وطورًا تُقَارِبُهْ قال أبو الفرج: كان إسحاق يأخذ عن الأصمعي، ويكثر الرواية عنه، ثم فسد ما بينهما، فمحاه إسحاق وثلبه، وكشف للرشيد معايبه، وأخبره بقلة شكره وبخله وضعف نفسه، وأن الصنيعة لا تزكو عنده، وأن أبا عبيدة أوثق منه، وأصدق، وأسمح بالعلم منه، فأنفذ إليه من أقدمه، وأبعد الأصمعي، فقال الأصمعي لإسحاق (١): [من البسيط] أإنْ تَغَنَّيتَ للشُّرْبِ الكرام ألا … ردَّ الخليط جمال الحي فافتَرَقُوا وقيل: أحسنت فاستدعاك ذاك إلى … ما قلت ويحك لا تذهب بِكَ الحُرَقُ وقيل: أَنْتَ حِسانُ الناس كلّهُمُ … وابنُ الحسان فقد قالوا وقَدْ صَدَقُوا فَمَابهذا تقوم النادباتُ وَلا … يُثْنى عليكَ إذا ما ضُمَّتِ الحُرَقُ قال إسحاق: جاء عطاء الملط بجماعة من أهل البصرة إلى قُرَيْبٍ - أبي الأصمعي وكان نذلًا من الرجال - فوجده ملقى على وجهه في كساء، نائمًا في الشمس، فركله برجله، وصاح به يا قريب قم ويلك، فقال: هل لقيت أحدًا من أهل العلم، أو من أهل اللغة، أو من العرب، أو من الفقهاء أو من المحدثين؟، قال: لا والله، فقال لمن حضر: هذا أبو الأصمعي، فاشهدوا لي عليه، وعلى ما سمعتم منه. لا يقول لكم الأصمعي غدًا أو بعده: حدثني أبي وأنشدني أبي. ففضحه. قال الصولي: كان لإسحاق غلام يقال له فتح يسقي الماء لأهل داره على بغلين من بغاله دائمًا، فقال له إسحاق يومًا: أي شيء خبرك يا فتح؟، قال: خبري أنه ليس في هذه الدار أشقى مني ومنك، قال: وكيف ذاك؟، قال: أنت تطعم أهل الدار الخبز، وأنا أسقيهم الماء. فاستظرف قوله، وضحك منه، فقال له: وأي شيء يعفيني، وتهب لي البغلين أسقي عليهما، قال: قد فعلت. قال: وكان إسحاق يقول الإسناد فيه الحديث، فتحدث مرة بحديث الإسناد له،

стр. 3205

فسئل عن إسناده، فقال: هذا من المرسلات عرفًا. قال إسحاق؛ قال لي الرشيد يومًا: أي شيء يتحدّث الناس؟، قال: يتحدثون بأنك تقبض على البرامكة، وتولّي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب، وصاح، وقال: ما أنت وذاك ويلك؟ فأمسكت؛ فلما كان بعد أيام عادتنا، فرأيته عيانًا، وكان أول شيء غنيته أبياتًا لأبي العتاهية (١): [من الوافر] إِذا نَحنُ صَدَقْناك … [ف] قَصَّرَ عِنْدَكَ الصِّدْقُ طلبنا النفع بالباطـ … ـل إِذْ لم ينفع الحَقُّ فَلَوْ قَدَّمَ صَبًّا في … هواه الصبر والرفق لَقُدِّمْتُ على الناس … ولكن الهوى رِزْقُ فضحك الرشيد وقال: ويلك يا إسحاق قد صرت حقودًا. قال إسحاق: ذكر المعتصم يومًا بعض أصحابه، وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت، فقال قوم: يلعب بالنرد، وقام قوم: يغني، فبلغتني النوبة، فقال؛ قل يا إسحاق، فقلت: إذا أقوله وأصيب؟ قال: أتعلم الغيب؟، قلت: لا، ولكني أفهم ما يصنع وأقتدر على معرفته. قال: فإن لم تصب؟، قال: فإن أصبت، قال: لك حكمك، قال: فإن لم تصب، قلت: لك دمي، فقال: وجب. فقلت: وجب. قال: فقل، قلت: يتنفس، قال: فإن كان ميتًا، فقلت تحفظ الساعة التي تكلمت فيها، فإن كان مات فيها، أو قبلها، فقد قمرتني، فقال: قد أنصفت؛ قلت: فالحكم. قال: احتكم، فقلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين! قال: فإنَّ رضاي لك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. أترى مزيدًا؟، فقلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذلك، قال: فإنها مائتا ألف أترى مزيدًا؟، فقلت: ما أحوجني إلى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فإنها ثلاثمائة ألف، قلت: ما أولاك بذلك؟ يا أمير المؤمنين، قال: يا صفيق الوجه ما نزيدك على هذا. قال إسحاق: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى كانت له فتوة، وظرف، وأدب، وحسن غناء، وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظ من كل فن: الأدب، والفتوة، فحضرت باب الرشيد يومًا، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت فلقيني جعفر بن يحيى، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: أمير المؤمنين نائم، فقال لي: قف مكانك، ومضى إلى دار أمير المؤمنين، وخرج إليه الحاجب، فأعلمه بأنه نائم ورجع، فقال: صِر بنا إلى المنزل

стр. 3206

حتى نخلو جميعًا بقية يومنا، وأغنّيك وتغنيني، ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا، فقلت: نعم، فصرنا إلى منزله، فنزعنا ثيابنا، ودعا بالطعام فأكلنا، وأمر بإخراج الجواري، وقال: لتبرزن، فليس عندنا من نحتشمه؛ فلما وضع الشراب دعا بقميص حرير فلبسه، ودعا بخلوق فتخلق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنيني وأغنيه، حتى دعا بالحاجب، وتقدم إليه، وأمر بأن لا يأذن لأحدٍ من الناس كلهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين، أعلمه بأنه مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدم فيه إلى جميع الحجاب والخدام، ثم قال: إن جاء عبد الملك، فادنوا له - يعني رجلًا كان يأنس به ويمازحه، ويحضر خلواته - ثم أخذنا في شأننا فوالله إنا لعلى حالة سارة عجيبة، إذ رفع الستر، فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب فلم يفرق بينه وبين الذي عناه جعفر بن يحيى، وكان عبد الملك بن صالح من جلالة قدره، والتقشف والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد به أن يشرب معه أقداحًا، فلم يفعل ذلك رفعًا لنفسه؛ فلما رأيناه مقبلًا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن ينشق غيظًا، وفهم حالنا، فأقبل نحونا حتى إذا صرنا بالقرب منه، وصار إلى الرواق الذي نحن فيه، نزع قلنسية، فرمى بها مع قلنسوته جانبًا، ثم قال: أطعمونا شيئًا. فدعا له جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظًا وغضبًا، فطعم ثم دعا برطل، فشربه ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه، فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: أشركونا فيما أنتم فيه، فقال له جعفر: أدخل، ثم دعا بقميص حرير وخلوق فلبس وتخلق، ثم دعا برطل ورطل حتى شرب عدة أرطال، ثم اندفع يغنينا، فكان أحسننا جميعًا غناءً؛ فلما طابت نفس جعفر بن يحيى، وسري عنه ما كان به، التفت إليه، فقال: ارفع حوائجك. قال: ليس هذا موضع حوائج، قال: لتفعلن، قال: فلم يزل يلح عليه حتى قال: أمير المؤمنين، واجد، واحبّ أن تترضاه لي، قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، قال: هذه كانت حاجتي، قال: ارفع حوائجك كما أقول لك. قال: علي دين فادح، قال: هذه أربعة آلاف درهم، فإن أحببت أن تقبضها من مالي الساعة فاقبضها؛ فإنه لم يمنعني عن إعطائك إياها إلا أن قدرك يجلّ أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها حتى تحمل إليك من مال أمير المؤمنين، فاسأل أيضًا إنني يكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسمه، فقال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه ابنته العالية، وأمهرها عنه بألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل - يعني جعفرًا - فلما أصبحت لم يكن لي همة إلا الحضور لدار الرشيد، فإذا جعفر بن يحيى قد بكر، ووجدت في الدار

стр. 3207

جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظائره قد دُعي بهم، ثم دُعي عبد الملك بن صالح الهاشمي فأدخلا جميعًا على الرشيد، فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدًا عليك، وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى الساعة، ثم دعا بابنه فقال: اشهدوا أني قد زوجته العالية بنت أمير المؤمنين، وأمهرتها عنه بألفي ألف درهم، ووليته مصر؛ فلما خرج جعفر بن يحيى، سألته عن الخبر؟، فقال: بكرت على أمير المؤمنين، فحكيت له جميع ما كان منا، وما كنا فيه حرفًا حرفًا، ووصفت له دخول عبد الملك، وما صنع، فعجب لذلك، وسُرّ به، ثم قلت له: وقد ضمنت له يا أمير المؤمنين عنك ضمانًا. قال: وما هو؟ فأعلمته. قال: نفي له بضمانك، وأمر بإحضاره، فكان ما رأيت. قال إسحاق: ما اغتممت بصوت قط مليح صنعته بهذا الشعر: [من المديد] كأن لي قلب أعيش به … فاكتوى بالحب فاخترقا أنا لم أُرْزَق محبَّتَها … إِنَّما للعبد ما رُزِقا لم يكن ما ذاق طعم ردّى … ذاقَهُ لا شلَّ مَنْ عَشِقَا فإني صنعت فيه لحنًا، وجعلت أردد [هـ] في جناح لي سحرًا، فأظن أن إنسانًا من العامة سمعه فأخذه، وبكرت من غدٍ إلى المعتصم، لأغنيه به وإذا أنا بسواط يسوط الناطف ويغني اللحن يغنيه إلا أنه غناء فاسد، فعجبت، وقلت: ترى من أين للسواط هذا الصوت؟ ولعلي أن غنيته أن يكون مرّ بهذه السفلة بعض من يحضر معنا فسمعه يغنيه، وبقيت متحيرًا، ثم قلت له: يا فتى ممن سمعت هذا الصوت؟ فلم يجبني، فالتفت إلى شريكه، فقال: خذ إليك يسألني ممن سمعته؟ والله لو سمعه إسحاق الموصلي لخري في سراويله، فبادرت والله هاربًا خوفًا من أن يمر بي إنسان فيسمع ما جرى … وما علم الله أني نطقت بذلك الصوت بعدها. قال إسحاق: غدوت يومًا ضجرًا من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها، فخرجت، وركبت بكرةً، وعزمت على أن أطوف الصحراء أفترج فيها، فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت. ومضيت فطفتُ ما بدا لي، ثم عدت، وقد حمي النهار، فوقفت في شارع المحرم في فناء ثخين الظل، وجناح رحب على الطريق؛ لأستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارًا فارهًا عليه جارية راكبة تحتها منديل دييقي، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قوامًا عادلًا حسنًا، وظرفًا وشمائل حسنة، فحدست عليها أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفًا عليها، ثم لم ألبث أن أقبل خادمان،

стр. 3208

ومعهما شابان جميلان، فاستأذنا، فأذن لهما، فنزلا ونزلت معهما، ودخلت فَظَنَّا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أني معهما .. فجلسنا وأتي بالطعام، فأكلنا، وبالشراب، فشربنا أقداحًا، وقمت لأبول، فسأل صاحب المنزل الرجلين عني، فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف فأجملا عشرته، وجئت، فجلست، فغنت الجارية في لحن لي (١): [من الطويل] ذكرتك إذ مرَّتْ بنا أُمُّ شادِنٍ … أمام المطايا تَشْرَئِبُّ وتَسْنَحُ مِنَ المولفاتِ الرَّمْلَ إذ ما جرّه … شعاع الضحى في متنها تتوضح فأدته أداء صالحًا، ثم غنت أصواتًا شتى، وغنت في أضعافها [من] صنعتي (٢): [من مجزوء الخفيف] الطلول الدوارسُ … فارقتها الأوانس أوحشت بعد أهلها … فهي قفرٌ بَسَابِسُ فكان أمرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت أصواتًا من القديم والحديث، وغنت في أضعافها من صنعتي (٣): [من مجزوء الخفيف] قُلْ لمن صَدَّ عنك تبا … ونَنَأَى عَنْكَ جانبا قد بلغت الذي أَرَدْتَ … ولو كان لاغبا فكان أصلح من الأولين، فاستعدته لأصلح ما فيه، فقال لي أحد الرجلين: ما رأيت طفيليًا أصفق وجهًا منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت بهذا غاية المثل: طفيلي مقترح، فأطرقت ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفّه عني، فلا يكف، ثم قاموا إلى الصلاة، وتأخرت قليلًا، فأخذت عود الجارية، ثم شددت طبقته، وأصلحته إصلاحًا محكمًا، وعدت إلى موضعي فصليت وعاد وأخذ ذلك من عربدته علي، وأنا صامت، ثم أخذت العود الجارية، فجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من مس عودي؟، قالوا: ما مسه أحد قالت: بلى والله قد مسه حاذق متقدم، وشد طبقته وأصلحه إصلاح متمكن من صناعته، فقلت لها: أنا أصلحته، قالت: فبالله عليك خذه واضرب به، فأخذت وضربت به مبتدأ عجبًا ضربًا صعبًا نقرات متحركًا، فما بقي أحد منهم إلا وثب، فجلس بين يدي، فقالوا: بالله يا سيدي أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم بنفسي. أنا

стр. 3209

إسحاق الموصلي، ووالله إني لأتيه عن الخليفة إذا طلبني، وأنتم تسمعوني ما أكره منذ اليوم؛ لأني تملحت معكم، والله لا نطقت بحرف، ولا جلست معكم حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغثّ، فقال له صاحبه: من هذا حذرتك فأخذ يعتذر، فقلت: ما أنطق بحرف، أو تخرجوه، فأخذوا بيده، فأخرجوه، فبدأت، فغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟، قلت: وما هي؟، قال: تقيم عندي شهرًا والجارية والحمار لك مع ما عليه من حليته، فقلت: أفعل، فأقمت عنده شهرًا لا يعرف أحد أين أنا والمأمون يطلبني في كل موضع، فلا يعرف لي خبرًا؛ فلما كان بعد ثلاثين يومًا سلَّم إلي الجارية والحمار والخادم، فجئت بذلك إلى منزلي، وركبت إلى المأمون من وقتي، فلما رآني، قال: إسحاق، ويلك أين تكون؟ فأخبرته، فقال: علي بالرجل الساعة، فدللتهم عليه، فأحضر، فسأله المأمون عن القصة، فأخبره بخبرنا، وخبر الرجل المعربد، وما حلفت من إخراجه، فقال: أنت رجل ذو مروءة، وسبيلك أن تعان على مروءتك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وقال له: لا تعاشر ذلك الرجل المعربد، وأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لي: أحضر الجارية، فأحضرتها فغنته، فقال لي: قد جعلت عليها نوبة في كل يوم تغني من وراء الستارة مع الجواري، وأمر لها بخمسين ألف درهم، فربحت وأربحت. قال إسحاق: دخلت يومًا إلى دار الواثق بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسًا فسمعت صوت عود من بيت وترنمًا لم أسمع مثله قط حسنًا قاطعًا وخادم على رأسه ثم ردّه وصاح بي: فدخلت فإذا الواثق، فقال لي: أي شيء سمعت؟، فقلت: الطلاق لي لازم، وكل مملوك لي حرّ لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسنًا. فضحك وقال: ما هو؟ إنما هو فضلة أدب، وعلم مدحه الأوائل، واشتهاه أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعده من التابعين، وكثر في حرم الله ومهاجر رسول الله ﷺ أتحب أن تسمعه؟ قلت: أي والله الذي شرفني بخطابك وجميل رأيك قال: يا غلام هات العود واعط إسحاق رطلًا، فدفع الرطل إلي وضرب وغنى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه: [من البسيط] أَضْحَتْ قبورُهُمُ مِنْ بَعْدِ عِزْهِمُ … تَسْفِي عليها الصَّبا والحَرْجَفُ الشَّمِلُ لا يَدْفَعونَ هوامًا عَنْ وُجُوهِهِمْ … كَأَنَّهم خُشُبٌ بالقاع مُنجدل فشربت، الرطل، ثم قمت، فدعوت له، فأجلسني، فقال: أشتهي أن أسمعه ثانية وثالثة، وصاح ببعض خدمه، وقال: احمل إلى إسحاق ثلاثمائة ألف درهم الساعة، ثم قال: يا إسحاق قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال، وأخذت ثلاثمائة ألف

стр. 3210

درهم، فانصرف إلى أهلك بسرورك، ليسرُّوا معك، فانصرفت بالدراهم. قال إسحاق: ما وصلني أحد من الخلفاء مثل ما وصلني الواثق، ولا كان أحد منهم يكرمني إكرامه، ولقد غنيته لحني في (١): [من الطويل] لعلك إن طالت حياتُكَ أَنْ تَرَى … بلادًا بها مبدًا لليلى ومَحْضَرُ فاستعاده مني جمعة لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلاثمائة ألف درهم. ولقد قدمت عليه في بعض قدماتي، فقال لي: ويحك يا إسحاق ما اشتقت إلي؟، فقلت: بلى والله يا سيدي، وقلتُ في ذلك أبياتًا، إن أمرتني أن أنشدها، فقال: هات، فأنشدته (٢): [من البسيط] أشكو إلى الله بُعْدِي عَنْ خليفتِهِ … وما أُقاسيهِ مِنْ هَم وَمِنْ كِبَرِ لا أستطيع رحيلًا إِنْ هَمَمْتُ بِهِ … يومًا إليه ولا أقوى على السَّهَرِ أنوي الرحيل إليه ثم يمنعني … ما أحدث الدهرُ والأَيامُ في بَصَرِي ثم استأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها، فأذن لي فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها (٣): [من البسيط] لما أمرت بإشخاصي إليك هوى … قلبي حنينًا إلى أهلي وأولادي ثم اعتزمت فلم أحفل لبَيْنِهِمُ … وطابَتِ النَّفْسُ عَنْ فضل وحماد كم نعمة لأبيك الخيرُ أَفردَنِي … بها وخصَّ بأمري بَعْدَ إِفْرَادي فلَوْ شَكَرْتُ أيادِيكُمْ وَأَنعُمَكُمُ … لَمَا أحاط بها وصفي وتعدادي فقال: أحسنت يا أبا محمد فكناني وأمر لي بمائة ألف درهم. ثم قلت (٤): [من الطويل] أتبكي على بغداد وهي قريبةٌ … فيكف إذا ما ازْدَدْتَ عنها غدًا بُعْدا لَعَمْرُكَ ما فارقت بغداد عن قلّى … لوَ انَّا وجَدْنَا مِنْ فِرَاقٍ لها بدا إذا ذكرت بغدادَ نَفْسِي تَقَطَّعَتْ … مِنَ الشَّوقِ أَوْ كادت تموتُ بها وَجْدا كَفَى حَزَنًا أَنْ رُحْتَ لَمْ تَسْتَطِعْ بها … ودَاعًا ولمْ تُحْدِثُ بساكنها عَهْدًا فقال لي: يا موصلي، قد اشتقت إلى بغداد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين لا والله،

стр. 3211

ولكني اشتقت إلى الصبيان، وقد حضرني بيتان، فقال: هاتهما، فقلت (١): [من الوافر] حَنَنْتَ إلى الأَصَيْبيَةِ الصِّغارِ … وشاقَكَ مِنْهُمُ قُرْبُ المَزارِ وكل مفارق يَزْدادُ شَوقا … إذا دَنَتِ الدِّيارُ مِنَ الدِّيارِ فقال: يا إسحاق صِرْ إلى بغداد، فأقم شهرًا مع صبيانك، ثم عُد إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. قال إسحاق الموصلي: قدمت سنة من السنين من الحج فصرت إلى سر من رأى فدخلت إلى الواثق، فقال لي: بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟، فقلت: يا أمير المؤمنين، جلس فتى من الأعراب في بعض المنازل فحادثني فرايت منه أحلى من رأيت من الفتيان منظرًا وحديثًا وظرفًا وأدبًا وسألته إنشادي فأنشدني (٢): [من الطويل] سَقَى العَلَمَ الفَرْدَ الذي في ظِلالِهِ … غَزَالانِ مُكْتَنَّانِ مُؤْتَلِفَانِ إذا أمنا النقا بجيدي تَوَاصُلٍ … وطَرْفَاهُما للرِّيبِ مُسْتَرقانِ أَرَعْتُهُما ختلًا فلمْ أَسْتَطِعْهُما … وَرِيمًا فَفَاتاني وقدْ قَتَلانِي ثم تنفس تنفسًا ظننت أنه قد قطع حيازيمه، فقلت: ما لك بأبي أنت، فقال لي: وراء هذين الجبلين شجن وقد حلَّ بيني وبين الوصول إليه وقد نذروا دمي وأنا أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللًا بهما إذا قدم الحاج ثم يحال بيني وبين ذلك، فقلت له: زدني مما قلت شيئًا في ذلك فأنشدني (٣): [من الطويل] إذا ما وردت الماءَ في بعض أهلِهِ … حضور فَعَرِّضْ بِي كَأَنَّكَ مازح فإِنْ سَأَلتْ عنِّي حضورُ فَقُلْ لَهَا … بِهِ غِيَرٌ مِنْ دأبه وهو صالح فأمرني الواثق، فكتبت له الشعرين؛ فلما كان بعد أيام دعاني، فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحنًا فاسمعه، فإن ارتضيت أظهرناه، وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحناه، فغنّى لنا من وراء الستارة، فكان في نهاية الجودة، وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئًا. فقلت: أحسن والله صانعه ما شاء، فقال: بحياتي عليك؟ قلت له: إي وحياتك، وحلفت له بما يوثق به، وأمر لي، برطل، فشربته، ثم أخذ العود، فغناه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم؛ فلما كان بعد أيام دعاني، وقال: قد صنع عندنا أيضًا في الشعر الآخر، وأمر فغني به، فكانت الحال

стр. 3212

فيه مثل الحال الأول، ثم غناه لما استحسنته، وحلفت له على جودته، وأعاده لي ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، ثم قال: هل قضيتُ حقَّ هديتك؟، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك وبك، فقال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي، ولا سألتني معونته على أمره، وقد سبقت مسألتك، وكتبت إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره، وخطبت له المرأة، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي. فقبلت يده، وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من عبيدك، ومن سائر الناس. قال: لما خرج المعتصم إلى عمورية واستخلف الواثق بسر من رأى، وكانت أموره كلها كأمور أبيه، فوجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يومًا حده لهم، ووجه إلى إسحاق فحضره، فقال لهم الواثق: إني قد عزمت على الصبوح، ولست أجلس على شهر حتى أختلط بكم، ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقة، وليكن كل جليس إلى جانبيه مغن، فجلسوا كذلك، فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ عودًا، وغنّى وشربوا، وغنى من بعده حتى انتهى إلى إسحاق فأعطى العود فلم يأخذه، فقال: دعوه، ثم غني وغنوا دورًا آخر؛ فلما بلغ إلى إسحاق لم يغن، وفعل هذا ثلاث مرات، فوثب الواثق، فجلس على سريره، وأمر الناس، فادخلوا، فما قال لأحد منهم اجلس ثم قال علي بإسحاق، فلما رآه قال: يا خوزي، يا كلب! أتبذل لك، وأغنّي وترفع عن أترابي، ولو قتلتك، لكان المعتصم يقيدني بك. فبطح وضرب ثلاثين مقرعة، وحلف لا يغني سائر يومه، فاعتذر، وتكلمت الجماعة فيه، فأخذ العود، وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم. قال إسحاق: دخلت يومًا على الواثق، وهو مضطجع، فقال: غنني يا إسحاق صوتًا غريبًا لم أسمعه منك حتى أُسرَّ به بقية يومي، قال: وكأنَّ الله أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت (١): [من السريع] يا دار إن كان البلى قد مَحَاكُ … فإنه يُعجبني أَنْ أَرَاك أبكي الذي قد كان لي مَألَفًا … فيكَ فآتِي الدارَ مِنْ أَجْلِ ذَاكَ قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما فرط مني، وتجلد، فشرب رطلًا كان بيده وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان ذلك اليوم والله آخر جلوسي معه. قال: وتوفي إسحاق ببغداد أول خلافة المتوكل وكان يسأل الله أن لا يبتليه

стр. 3213

بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فأصابه ذرب في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم، ومات في رمضان. قال: لما تولى المتوكل الخلافة بعد الواثق، طلب إسحاق، فلما حضر أرمى إليه مخدة، وقال: اجلس عليها فإنني سمعت أن المعتصم أول يوم خلافته أرمى إليك بها، وقال: ما يستجلب ما عند الحرّ إلا بالكرامة، وسأله سماع شيء من أغانيه، فغناه لحنه نظمه في نفسه، وعماه (١): [من البسيط] ما عِلَّةُ الشَّيخِ عَيْنَاهُ بأربعَةٍ … يغرورقان بدمع ثم ينسكب فأنعم عليه بمائة ألف درهم وصرفه وسأله العود، فتوجه من سر من رأى إلى بيته ببغداد - فتوفي بعد شهرين. فبلغ المتوكل وفاته، فغمه، وحزن عليه. قال إدريس ابن حفصة يرثي إسحاق الموصلي (٢): [من الطويل] سقى الله يا ابن الموصلي بوابلٍ … مِنَ الغيث قبرًا أَنْتَ فيهِ مُقيم ذَهَبْتَ فَأَوحشتَ الكِرامَ فَمَا يَنِي … بِعَبرتِهِ يبكي عليكَ كَرِيمُ إلى الله أشكو فقد إسحاق إنَّني … وإن كنتُ شيخًا بالعراق مُقيم وقال محمد بن عمر الجرجاني يرثيه (٣): [من الطويل] على الجَدَثِ الشَّرقِيِّ عُوْجًا فسلِّما … ببغداد لما ضَنَّ عَنْهُ عَوَائِدُه وقولا له لو كانَ للموتِ فِدْيَةٌ … فَدَاكَ مِنَ الموت الظريف ومائدة أإسحاق لا تبعد وإن كان قدْ رَمَى … بِكَ الموتُ وِرْدًا ليسَ يَصْدُرُ وَارِدُهُ إِذَا هَزَلَ اخْضَرَّتْ مُتُونُ َحدِيثِهِ … ورَقَتْ حواشِيهِ وطَابَتْ مَشَاهِدُهُ وإن جدَّ كانَ القول جدًا وأَقْسَمَتْ … مَخارِجُهُ أَنْ لا تلينَ مَعاقِدُهُ فابك على ابن الموصليّ بعَبرَةٍ … كما ارْفَضَّ مِنْ نَظْمِ الجُمَانِ قَلَائِدُهُ وقال مصعب الزبيري يرثيه - تغمده الله برحمته (٤): [من الكامل] لله أي فتى إلى دار البلى … حَمَلَ الرّجالُ ضَحَى على الأَعْوَادِ كمْ مِنْ كريم ما تَجِبُّ دُمُوعُهُ … مِنْ حاضرٍ يبكي عليه وبادي أَمْسَى يُؤَنِّبُهُ ويَعْرِفُ فَضْلَهُ … مَنْ كَانَ يَقْلِبُهُ مِنَ الحُسَّادِ

стр. 3214

فسقتك يا ابن الموصلي سَحَابَةٌ … تَرْمي صداك بصوبها وغَوَادِي وقال أيضًا (١): [من المتقارب] تولى شبابك إلا قليلا … وحَلَّ المشيب فصبرًا جميلا كَفَى حَزَنًا بِفَراقِ الصبا … وإن أصبحَ الشيبُ مِنْهُ بَدِيلا ولما رأينَ الغواني المَشِيـ … ـبَ أَغْضَيْن دُونَكَ طَرْفًا كَحِيلا سأندب عهدًا مَضَى للصبا … وأبكي الشباب بكاء طويلا ومنهم: [٦٨] إبراهيم بن المهدي (٢) رجل وضع في شرفه، وخضع من شرفه، رضع حبّ الغناء منذ فطم،

стр. 3215

وأعطى قياده لغير أهل العناء وما حُطم، وانحط إلى الحضيض، وحط كذا الجناح المهيض، حتى إنه بعد أن أصفقت له الأيدي المبالغة، وصفت له القلوب للمشايعة، وعقدت البيعة في الرقاب، وعينت له الألقاب، وصعد المنبر، وتبوأ علاه، وولج المحراب، وأقام الصلاة، جذب عن ذلك المقام، وكذب عليه ليقام، وغير بالغناء مهنته، وشفا له أهنته، حتى استحرّ وخُلع، وعُضد أصل سؤدد وقلع، ثم كان هذا عليه عارًا يلبسه، وشنارًا كما نهض به حسبه يجلسه. قال أبو الفرج: كان إبراهيم يقول: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة،

стр. 3216

لأظهرت فيها ما يعلم معه أنهم لا يرون قبلي مثلي. قال إبراهيم: دخلت يومًا على الرشيد، وفي رأسي فضلة من خمار، وبين يدي ابن جامع وإبراهيم الموصلي، فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني فأخذت العود، ولم التفت إليهما، فغنيت (١): [من الكامل] أَسْرَى لخالِدَةَ الخيال ولا أَرَى … شيئًا أَلذَّ مِنَ الخيالِ الطَّائِفِ قال: فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا ما نطلب، لما أكلنا خبزًا أبدًا، فقال ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائي، وضعت العود، وقلت: خذا في حقكما، ودعا باطلنا. قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: اتخذ أبي حَرَّاقة، فأمر بشدها في الجانب الغربي حذاء داره، فمضيت إليها ليلة، وكان أبي يخاطبنا من داره بأمره ونهيه، وبتنا عرض دجلة فما أجهد نفسه. قال ابن قتيبة: حدثني ابن أبي ظبية، قال: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح في داره، فأطرب. قال ابن خردادبة: حدثني محمد بن الحارث بن يستجير، قال: وجه إبراهيم ابن المهدي يومًا يدعوني، وذلك في أول خلافة المعتصم، فصرت إليه، وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف الستارة، فقال لي: قد قلت شعرًا، وغنيت فيه، وطرحته على شارية، فأخذته، وزعمت أنها أحذق به مني، وأنا أقول إنها دوني في الحذق، وقد تراضينا بك حكمًا لموضعك من هذه الصناعة، فاسمعه مني ومنها، ولا تعجل حتى تسمعه مني ومنها ثلاث مرات، فاندفع يغني هذا الصوت (٢): [من الطويل] أَضِنُّ بليلى وهي غيرُ سَخِيَّةٍ … وتبخُلُ ليلى بالهوى وأجود فأحسن وأجاد، ثم قال لها: تغني فغنته، فبرزت فيه كأنه كان معها في الحد، ونظر إلي، فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رِسْلِك وتحدثنا وشربنا، ثم اندفع فغناه ثانية، فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغني فغنت، وبرعت، وزادت أضعاف زيادته، وكدت أشق ثيابي طربًا، فقال لي: تثبت ولا تعجل، ثم غناه ثالثة فلم يبق عليه في الإحكام. ثم أمرها، فغنت، وكأنه إنما كان يلعب، ثم قال لي، فقضيت لها عليه، فقال:

стр. 3217

أصبت. فكم تساوي الآن عندك، فحملني الحسد عليها له والنفاسة بمثلها أن قلت: تساوي مائة ألف درهم فقال: أو ما تساوي على هذا كله إلا مائة ألف درهم. قبح الله رأيك. والله ما أجد شيئًا في عقوبتك أبلغ من أن أصرفك. فقم، فانصرف إلى منزلك مذمومًا فقلت له: ما لقولك: أخرج من منزلي جواب. فقمت، وانصرفت، وقد أحفظني كلامه، وأرمضني؛ فلما خطوت خطوات التفت إليه، فقلت: يا إبراهيم أتطردني من منزلك؟ فوالله ما تحسن أنت، ولا جاريتك شيئًا، وضرب الدهر من ضربه. ثم دعانا المعتصم بعد ذلك، وهو بالوزيرية في قصر الليل، فدخلت أنا، ومخارق، وعلوية، وإذا أمير المؤمنين مضطجع، وبين يديه ثلاثة جامات: جام فضة مملوء دراهم جُدُدًا، وجام قوارير مملوء عنبرًا، وظننتها أنها لنا لم نشك به في ذلك. فغنيناه وأجهدنا أنفسنا، فلم يطرب، ولم يتحرّك لشيء من غنائنا. ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهدي، فأذن له، فدخل فغناه أصواتًا، فأحسن فيها، ثم غناه بصوت من صنعته، وهو هذا (١). [من البسيط] ما بال شمس أَبي الخَطَّابِ قَدْ غَرَبَتْ … يا صاحبي أَظُنُ الساعة اقتربت فاستحسنه المعتصم، وطرب، وقال: أحسنت والله. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، فإن كنت قد أحسنت، فهب لي إحدى هذه الجامات، فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدنانير، فنظر بعضنا إلى بعض. ثم غناه إبراهيم بشعر له (٢): [من المتقارب] فَمَا مُرَّةٌ قَهْوَةٌ قَرْقَفٌ … شَمُولٌ تَرُوقُ بَراوُوقِها فقال: أحسنت والله يا عم وسررت فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أحسنت، فهب لي جامًا أخرى، قال: فخذ أيها شئت. قال: فأخذ الجام التي فيها الدراهيم، فعندها انقطع رجاؤنا منها، وغنّى بعدها ساعة (٣): [من الطويل] ألا ليتَ ذاتَ الخال تلقى من الهَوَى … عَشيرَ الذي أَلْقَى فَيَلْتَئِمَ الحُبُّ فارتج بنا المجلس الذي كنا فيه، وطرب المعتصم، واستخفنا الطرب، فقام على رجليه، وجلس، وقال: أحسنت والله يا عم، قال: فإن كنت قد أحسنت، فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها فأخذها وقام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل فثناه طاقين، ووضع الجامات فيه، فسده، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه، ونهضنا

стр. 3218

للانصراف، وقدمت دوابنا؛ فلما ركب إبراهيم، التفت إليّ، وقال: يا محمد بن الحارث زعمت أني لا أحسن وجاريتي شيئًا، وقد رأيت ثمرة الإحسان. قال: دخل الحسن بن سهل يومًا على المأمون وهو يشرب، فقال: بحياتي عليك يا محمد إلا شربت معي قدحًا، وصب له من نبيذ قدحًا، فأخذه بيده، وقال له: من تحب أن يغنيك، فأومًا إلى إبراهيم بن المهدي فقال له المأمون: غن يا عم (١): [من البسيط] تَسْمَعُ للحُلِيِّ وَسْوَاسًا إِذا انْصَرَفَتْ تعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرًا، يا أكفر خلق الله تعالى النعمة. والله ما حقن دمك غيره، ولقد أردت قتلك فقال لي: إن عفوت عنه، فعلت فعلًا لم يسبقك إليه أحد فعفوت والله عنك لقوله. أفحقه أن تُعرض به ولا تدع كيدك وذحلك، وأنفت من إيمائه إليك بالغناء؟ فوثب إبراهيم قائمًا، وقال: يا أمير المؤمنين لم أذهب حيث ظننت ولست بعائد، فأعرض عنه. قال حمدون: كنت أحبّ أن أجمع بين إبراهيم بن المهدي وأحمد بن يوسف الكاتب لما كنت أراه من تقدم أحمد على الناس جميعًا، بحفظه وبلاغته، وأدبه، في كل محضر ومجلس. فدخلت يومًا على إبراهيم بن المهدي وعنده أحمد بن يوسف وأبو العباس الخزري، فجعل إبراهيم يحدثنا فيضيف شيئًا إلى شيء، مرّة يذكّر ومرّة من مرة يؤنث، ومر يعظنا، ومرة ينشدنا، ومرة يضحكنا، وأحمد بن يوسف ساكت؛ فلما طال بنا المجلس أردت أن أخاطبه، فسبقني إليه أبو العالية فقال (٢): [من السريع] ما لَكَ لا تَنْبَحُ يا كَلْبَ الرُّوْمِ … قد كنتَ هَرَّارًا فما لك اليوم فتبسم إبراهيم، وقال: لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى، لرحمتني منه كما رحمت أحمد مني. قال إبراهيم بن المهدي؛ قلت للأمين يومًا: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، فأعظمت ذلك، فقال: يا عم لا تعظمه، فإنَّ لي عمرًا لا يزيد، ولا ينقص؛ فحياتي مع الأحبة أطيب من تجرعي فقدهم، وليس يضرني عيش من عاش منهم. قال إبراهيم بن المهدي غنيت يومًا الأمين (٣): [من مجزوء الكامل]

стр. 3219

أَقْوَتْ مَنَازِلُ بالهِضَابِ … مِنْ آلِ هند فالرباب خَطَارَةٌ بركابها … وإذا وَنَتْ ذُلُل الركاب ترمي الحصى بمَناسِمِ … صم صلادِمَةٍ صِلابِ قال: فاستحسن اللحن، وسألني عن صانعه، فأعلمته أن ابن جامع حدثني عن سباط أنه لابن عائشة، فلم يزل يشرب عليه، ولا يتجاوزه، ثم انصرفنا ليلتنا تلك ووافاني رسوله حتى انتبهت وأنا أستاك، فقالي لي: يقول لك: بحياتي يا عم، لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب، فصليت، وتناولت طعامًا خفيفًا، وركبت إليه؛ فلما رآني من بعيد صاح بي: بحياتي يا عم: «خطارة بزمامها»؛ فلما دخلت المجلس، ابتدأت فغنيته إياه، فأمر بإخراج صبية كان يتحظاها، فأخرجت إليه صبية كأنها لؤلؤة في يدها عود، فقال: بحياتي يا عم ألقه عليها، فأعادته مرارًا، وهو يشرب حتى ظننت أنها قد أخذته أمرتها أن تغنيه فإذا هي قد استوى لها إلا في موضع كان فيه، وكان صعبًا جدًا، فجهدت جهدي أن يقع لها طلبًا لشربه، فلم يقع لها بتةً، ورأى جهدي في أمرها، وتعذره عليها، فأقبل عليها، وقد سكر، وقال: نفيت من الرشيد، وكل امرأة لي حرة، وعلى عهد الله لئن لم تأخذيه في المرة لآمرن بإلقائك في دجلة. قال: ودجلة تطفح بينها وبينها ذراعان، وذلك في الربيع، فتأملت القصة فإذا هو قد سكر، والجارية لا تقوله كما أقوله أبدًا، فقلت: هذه والله داهية، وتنغص عليه يومه، وأشرك في دمها، فعدلت عما كنت أغنيه عليه، وتركت ما كنت أقوله، وغنيته كما كانت هي تقوله وجعلت أردده حتى انقضت ثلاث مرات أعيده عليها كما كانت هي تقوله وأريته أني اجتهدت؛ فلما انقضت الثلاث مرات، قلت لها: هاتيه، فغنته على ما كان وقع لها، فقلت: أحسنت والله يا أمير المؤمنين، ورددته عليها ثلاث مرات، فطابت نفسه، وسكر، فأمر لي بثلاثين ألف درهم. قال محمد بن الحارث بن بسخنر: غنّى إبراهيم بن المهدي يومًا بحضرة المأمون (١): يا صاح ياذا الضامرِ العَنْسِ … والرَّحْل ذي الأنساع والجلس أَمَّا النهار فأنت تقطعُهُ … رَكْضًا وتُصبحُ مِثْلَ ما تُمسي قال فاستحسنه المأمون، وذهبت آخذه، ففطن بي إبراهيم، فجعل يزيد فيه مرة، وينقص أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء. وعلمت ما يصنع، فتركته؛ فلما قام، قلت للمأمون: يا سيدي إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي علي:

стр. 3220

يا صاح يا ذا الضامر العُنس .. فقال: افعل؛ فلما عاد، قال له إبراهيم: ألق على محمد: يا صاح يا ذا الضامر العنس .. فألقاه علي كما كان يغنيه مغيرًا. ثم انقضى المجلس، وسكر المأمون، فقال لي إبراهيم: قم الآن فأنت أحذق الناس به، فخرج وخرجت وجئته إلى منزله، فقلت له: ما في الأرض أعجب منك. أنت ابن خليفة، وأخو خليفة تبخل على ولي لك مثلي لا يفاخرك بالغناء، ولا يكاثرك بصوت، فقال لي: يا محمد ما في الدنيا أضعف عقلًا منك. والله ما استبطأني المأمون محبة لي، ولا صلة لرحمي، ولكنه سمع من هذا الجرم شيئًا فقده من سواه فاستبقاني لذلك. فغاظني قوله؛ فلما دخلت إلى المأمون حدثته بما قال لي، فقال لي: يا محمد هذا أكفر الناس لنعمة، وأطرق مليًا، ثم قال: لا تكدر على أبي إسحاق، وقد عفونا عنه، لا نقطع رحمه وأترك هذا الصوت الذي ضنَّ به عليك إلى لعنة الله. قال محمد بن يزيد: لما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدي ونادمه، دخل إليه متبذلًا في ثياب المغنين وزيهم؛ فلما رآه ضحك، وقال: نزع عمي ثياب الكبر عن منكبه، فدخل فجلس، فأمر المأمون أن يخلع عليه، فلبس الخلع، ثم ابتدأ مخارق يغني (١): [من الطويل] خليليَّ مِنْ كَعْبٍ أَلمَّا هُدِيتُما … بزينب لا يفقد كما أبدًا كَعْبُ فقال إبراهيم: أسأت وأخطأت فقال له المأمون: يا عم إن كان أساء وأخطأ، فأحسن أنت. فغنّى إبراهيم الصوت؛ فلما فرغ منه، قال لمخارق: أعده الآن، فأعاده، فأحسن، فقال له إبراهيم يا أمير المؤمنين كم بينه الآن وبينه في أول الأمر، فقال: ما أبعد ما بينهما. فالتفت إلى مخارق، وقال: مثلك يا مخارق مثل الثوب الوشي الفاخر إذا تغافل عنه أهله، سقط عليه التراب فحال لونه فإذا نفض عنه عاد إلى جوهره. قال إسحاق بن إبراهيم بن رياح: كنت أسأل مخارق، أي الناس أحسن غناءً؟ فيجيبني جوابًا مجملًا حتى حققت عليه يومًا، فقال لي: إبراهيم الموصلي أحسن غناءً من ابن جامع بعشر طبقات. ثم قال: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتًا. وإبراهيم بن المهدي أحسن الأنس والجن، والوحش والطير صوتًا، وحسبك هذا. قال إبراهيم بن المهدي - وقد ذكر الطبل والإيقاع به - فقال: هو من الآلات التي لا يجوز أن تبلغ نهايتها، فقيل له: وكيف خص الطبل بذلك؟ فقال: لأن عمل

стр. 3221

الدين فيه عملًا ولا بد أن يلحق اليسار فيه نقص عن اليمين. ودعا بالطبل ليرينا ذلك، فأوقع إيقاعًا لم نظن أن يكون مثله، وهو مع ذلك يرينا زيادة اليمين على اليسار. وقال له الأمين - في بعض خلواته: يا عم أشتهي أن أراك تزمر، فقال: يا أمير المؤمنين ما وضعت على فمي نايًا قط، ولا أضعه ولكن يدعو أمير المؤمنين بفلانة من موالي المهدي حتى تنفخ في الناي، وأمر يدي عليه وأحضرت، فوضعت الناي على فمها، وأمسكه إبراهيم فكلما مر الغناء من إصبعه، فسمع زمرًا أجمع سائر من حضره أنه لا يسمع مثله قط. قال محمد بن موسى المنجم: حكمت بأنَّ إبراهيم بن المهدي أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجلس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغني ويغني المغنون، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرفين في الخدمة، وأصحاب الصناعات، والمهن الصغار والكبار إلا ترك ما في يده، وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيًا إليه لاهيًا عما كان فيه ما دام يغني، حتى إذا أمسك، وغنّى [غيره] رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه، ولم يلتفتوا إلى ما يسمعون، ولا برهان مثل هذا أقوى من شهادة الفطر، واتفاق الطبائع مثل اختلافها وتشعب طرقها على الميل إليه. ومنهم: [٦٩] عُلِّيَّة بنت المهدي (١) ضربت عليها الخلافة سرادقها، وذهبت لها لمهلة نمارقها، وأسبلت دونها

стр. 3222

الحجب المنيعة، وأسدلت بين أخصاء الخدم وبينها الستور الرفيعة. وكان الرشيد شديد الغيرة عليها، والغيلة لمن أومأ بنظرة إليها، هذا حاله مع خدم الرأي، وحرم من آواه حرم ذلك الجدار، فأما من سواهم، فلا يقع عليها من مقل النجوم نظر ناظر، ولا يمر من خاطر النعيم ذكر ذاكر؛ إجلالًا لمكانها، وإجفالًا من رقباء الرشيد الطائفة بأركانها، ثم هتكت بالغناء سترها الرفيع، وهونت حجابها المنيع، فعرضت عرضها للتشنيع، وعرضت عرضها للتضييع، ولم يغنها أن أخلدت إلى هذه الصناعة، ورمت ما لها بالإضاعة حتى صارت تظهر لأهل الغناء، وتختلط بمن يؤهل من قومه المهناء، فأصبحت لا تعد في ذوات الستور، ولا تعاب إلا بما تحمد به البدور من السفور، وإنما أمها بصبص، وحق سرها فيها قد حصحص، وكانت هي وأخوها إبراهيم أقدر أخوين على الغناء، وأقوم رسيلين بالغناء، كانت كأنما أعطيت مزمارًا من مزامير داود، وحركت أوتارًا ركبت في لهواتها لا في العود على كمال أدب بارع، وطرف إلى هزّ المعاطف مسارع، مع جمال تنقبت بنقابه، وكمال تجلببت بجلبابه، ورقة خلائق كان نشر الصبا يدمثها، ودقة معان كان صوت اليراع ينفثها. وكان الرشيد لا يقدر على فراقها لسماع تلك الأغاريد، وإمتاع ذلك اللسان الحلو بلفائظ تلك الأناشيد، وكان لا يتم سروره إلا بحضورها، ولا يعم حبوره إلا إذا برزت نحوه من ستورها. قال محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي: كنت عند المعتصم، وعنده مخارق، وعلوية، ومحمد بن الحارث بن بسخنر، وعقيدة، وكنت أضرب عليه فغنّى (١): [من المديد] نَامَ عُذَّالِي ولم أَنَم … واشْتَفَى الوَاشُونَ مِنْ سَقَمِي وإذا ما قلت بي أَلمَّ … شَكٍّ مَنْ أَهْوَاهُ في أَلَمِي فطرب المعتصم، وقال: لمن هذا الشعر؟ فأمسكوا، فقلت: لعلية، فأعرض عني، فعرفت غلطي، وأنّ القوم أمسكوا عمدًا، فقطع بي، وتبين حالي فقال: لا ترع يا

стр. 3223

محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا. قال إسحاق الموصلي: عملت في أيام الرشيد لحنًا (١): [من البسيط] سقيًا لأرض إذا ما نمتُ نَبَّهَني … بَعْدَ الهُوي بها قَرْعُ النَّوَاقِيس كَأَنْ سَوْسَنَها في كلِّ سارقةٍ … على الميادين أدباب الطَّواويس قال: فأعجبني، وعزمت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعلية بنت المهدي، فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدهليز تسمع من بعض جواريها صوتًا أخذته عن أبيك، وشكت فيه الآن، فدخلت معها حجرة قد أفردت لي، كأنها كانت معدة، فجلست، وقدم لي طعام وشراب، فنلت حاجتي منه، ثم خرج إلي خادم فقال: تقول مولاتي أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنية، فغنيتها إياه، ولم تستعده مرارًا، ثم قالت: اسمعه الآن، فغنته غناء ما سمع سمعي مثله قط، ثم قالت: كيف تراه؟، قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم أمرت الجارية، فأخرجت لي عشرين ألف درهم، وعشرين ثوبًا، فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين ولم أبتدئ بغناء غيره، وأخبر أنه صنعتي، وأعطي الله عهدًا لئن نطقت بأن لك فيه صنعة، لأقتلنك، هذا إن نجوت منه إن أعلم بمصيرك إلي، فخرجت من عندها، والله إني كالموقر ما أكره من جائزتها أسفًا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أتنغم به في نفسي، فضلًا عن أن أظهره حتى ماتت، فدخلت على المأمون في أول مجلس جلس به للهو بعدها، فبدأت به في أول ما غنيت، فتغير وجه المأمون، وقال: من أين لك هذا ويلك؟ قلت: ولي الأمان على الصدق؟، قال: ذلك لك، فحدثته الحديث، فقال: يا بغيض فما كان لك في هذا من النفاسة حتى شهرته، وذكرت هذا منه مع ما أخذته من الجائزة، وهجنني فيه هجنة، وددت معها أنني لم أذكره، فاليت على نفسي أن لا أغنيه بعدها أبدًا. قال: أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا معها يومًا، وأخرج كل قينة في داره، واصطبح، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة والشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي، وفي كل نوع من أنواع الجوهر والثياب، واتصل الخبر بأم جعفر، فغلظ عليها ذلك فأرسلت إلى علية تشكو إليها، فأرسلت إليه علية لا يهولنكِ ما رأيت. والله لأردنه إليك قد عزمت أن أصنع شعرًا، وأصوغ فيه لحنًا، وأطرحه على الجواري فلا يبقى عندك جارية إلا بعثت بها إلي، وألبسهن أنواع الثياب، ليأخذن

стр. 3224

الصوت مع الجواري ففعلت أم جعفر ما أمرتها به عُليَّة؛ فلما جاوزت صلاة العصر، لم يشعر الرشيد إلا وعلية قد خرجت إليه من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها، وسائر جواري القصر، عليهنَّ غرائب اللباس، وكلهن في لحن واحد هزج (١): [من مجزوء الرجز] مُنْفَصِلٌ عَنِّي وَما قَلبي عَنْهُ مُنْفَصِلٌ … يا قاطعي اليومَ لِمَنْ نَوَيْتَ بَعْدِي أَنْ تَصِلْ فطرب الرشيد، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية، وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط، يا مسرور لا تبقين اليوم درهمًا في بيت المال إلا تنثره. وكان بلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم. قال: كانت علية تقول: من لم يطربه الرمل، لم يطربه شيء. وكانت تقول: من أصبح وعنده طباهجة، ولم يصطبح، ضاع سروره. قال إبراهيم بن المهدي: ما خجلت قط خجلتي من علية بنت المهدي حين دخلت إليها يومًا، فقلت لها: كيف أنت يا أختي جعلت فداك؟، وكيف حالك وخبرك؟، فقالت: بخير والحمد لله، ووقعت عيني على جارية لها كانت تذب عنها، فتشاغلت بالنظر إليها، وأعجبتني، وطال جلوسي، ثم استحييت من علية، فأقبلت عليها، فقلت لها: كيف أنت وكيف حالك وكيف جسمك جعلت فداك؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة لها وقالت: أليس قد مضى هذا، وأجبنا عنه فخجلت خجلًا ما خجلت مثله قط، وقمت، فانصرفت. قال محمد بن جعفر بن ح: شهدت أبي جعفرًا وأنا صغير وهو يحدث أباه يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع الرشيد، فقال: يا أبه أخذ بيدي أمير المؤمنين، ثم أقبل في حجرة يخرقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده، ودخلنا جميعًا، فأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق، ففتحه وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس فنقر الباب، فسمعنا حسًّا، ثم عاد النقر، فسمعنا صوت عود، ثم أعاد الثالثة، فغنت جارية ما ظننت أن الله تعالى خلق مثلها في حسن الغناء، وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها - بعد أن غنت أصواتًا -: غنّ صوتي، فغنت (٢): [من الكامل] ومخنث شَهِدَ الزَّفاف مُقَنَّعًا … غَنَّى الجَوَارِي حَاسِرًا ومُنَقَّبا

стр. 3225

لَبِسَ الدَّلال وقام ينقرُ دَفَهُ … نَقْرًا أقرَّ به العيون وأطربا إنَّ النساءَ رَأَيْنَهُ فعَشِقْنَهُ … يَشكُونَ شدَّة ما بهنَّ فأكذبا قال: فطربت والله طربًا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنيني، فغنت (١): [من المديد] طال تكذيبي وتصديقي … لمْ أَجِدْ عَهْدًا لمخلوق لا تراني بعدَهُمْ أَبَدًا … أشتكي عشقًا لمعشوق قال: فرقص الرشيد، ورقصت معه، ثم قال: امض بنا؛ فإنني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا. فمضينا؛ فلما صرنا إلى الدهليز، قال - وهو قابض علي يدي - عرفت هذه المرأة؟، قلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإني أعلمك ستسأل عنها فلا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها. هذه علية بنت المهدي؛ والله لئن لفظت به بين يدي أحد، وبلغني، لأقتلنك. قال: فسمعت جدي يقول له: قد والله لفظت به، ووالله لأقتلنك، فاصنع ما أنت صانع. ومن شعرها في طل (٢): [من الكامل] يا رب إني قد عرضتُ بهجْرِها … وإليكَ أَشكو ذاك يا رباه مولاة سوء قد تضر بعبدِها … نِعْمَ الغُلامُ وبئست المولاه طل ولكنّي حُرِمْتُ نَعِيْمَها … وهَوَاهُ إِنْ لم يُغنني الله يا رب إن كانت حياتي هكذا … ضررًا علي فما أُحِبُّ حياه قال: ماتت علية سنة تسع ومائتين، ولها من العمر خمسون سنة، وصلّى عليها المأمون. وكان سبب وفاتها: أن المأمون يومًا ضمّها إليه، وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى، فشرقت من ذلك، وسعلت، ثم حمت بعقب هذا أيامًا يسيرة، وماتت. وكانت تحب خادمًا لها اسمه طلّ، فأقصاه الرشيد عنها خلافًا لمرادها، وأقصدها من فراقها، بسهم لم يخط صميم فؤادها، فأبعده إلا عن موضعه من حبها، وأخرجه إلا من مكانه من قلبها، وإنما أظهرت التجلد لأجله، وأبدت التثبت خوفًا أن يسبق السيف لعذله، فلم تمكن بعد أن نقض عن ستورها سقيط طله إلا أن يبلغ بالبكاء طلها بوبله، فبلغ الرشيد ولعها بتذكره ودمعها الباكي على ساقط الطل في ثغر الأحق إن الضاحك، فقويت عزيمتها على الطرب، وإن كان مرّ المذاق، وتماسكت وما عسى أن يتماسك المشتاق.
следующие страницы →