الدين فيه عملًا ولا بد أن يلحق اليسار فيه نقص عن اليمين. ودعا بالطبل ليرينا ذلك، فأوقع إيقاعًا لم نظن أن يكون مثله، وهو مع ذلك يرينا زيادة اليمين على اليسار.
وقال له الأمين - في بعض خلواته: يا عم أشتهي أن أراك تزمر، فقال: يا أمير المؤمنين ما وضعت على فمي نايًا قط، ولا أضعه ولكن يدعو أمير المؤمنين بفلانة من موالي المهدي حتى تنفخ في الناي، وأمر يدي عليه وأحضرت، فوضعت الناي على فمها، وأمسكه إبراهيم فكلما مر الغناء من إصبعه، فسمع زمرًا أجمع سائر من حضره أنه لا يسمع مثله قط.
قال محمد بن موسى المنجم: حكمت بأنَّ إبراهيم بن المهدي أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجلس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغني ويغني المغنون، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرفين في الخدمة، وأصحاب الصناعات، والمهن الصغار والكبار إلا ترك ما في يده، وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيًا إليه لاهيًا عما كان فيه ما دام يغني، حتى إذا أمسك، وغنّى [غيره] رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه، ولم يلتفتوا إلى ما يسمعون، ولا برهان مثل هذا أقوى من شهادة الفطر، واتفاق الطبائع مثل اختلافها وتشعب طرقها على الميل إليه.
ومنهم:
[٦٩] عُلِّيَّة بنت المهدي (١)
ضربت عليها الخلافة سرادقها، وذهبت لها لمهلة نمارقها، وأسبلت دونها
стр. 3222
الحجب المنيعة، وأسدلت بين أخصاء الخدم وبينها الستور الرفيعة.
وكان الرشيد شديد الغيرة عليها، والغيلة لمن أومأ بنظرة إليها، هذا حاله مع خدم الرأي، وحرم من آواه حرم ذلك الجدار، فأما من سواهم، فلا يقع عليها من مقل النجوم نظر ناظر، ولا يمر من خاطر النعيم ذكر ذاكر؛ إجلالًا لمكانها، وإجفالًا من رقباء الرشيد الطائفة بأركانها، ثم هتكت بالغناء سترها الرفيع، وهونت حجابها المنيع، فعرضت عرضها للتشنيع، وعرضت عرضها للتضييع، ولم يغنها أن أخلدت إلى هذه الصناعة، ورمت ما لها بالإضاعة حتى صارت تظهر لأهل الغناء، وتختلط بمن يؤهل من قومه المهناء، فأصبحت لا تعد في ذوات الستور، ولا تعاب إلا بما تحمد به البدور من السفور، وإنما أمها بصبص، وحق سرها فيها قد حصحص، وكانت هي وأخوها إبراهيم أقدر أخوين على الغناء، وأقوم رسيلين بالغناء، كانت كأنما أعطيت مزمارًا من مزامير داود، وحركت أوتارًا ركبت في لهواتها لا في العود على كمال أدب بارع، وطرف إلى هزّ المعاطف مسارع، مع جمال تنقبت بنقابه، وكمال تجلببت بجلبابه، ورقة خلائق كان نشر الصبا يدمثها، ودقة معان كان صوت اليراع ينفثها.
وكان الرشيد لا يقدر على فراقها لسماع تلك الأغاريد، وإمتاع ذلك اللسان الحلو بلفائظ تلك الأناشيد، وكان لا يتم سروره إلا بحضورها، ولا يعم حبوره إلا إذا برزت نحوه من ستورها.
قال محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي: كنت عند المعتصم، وعنده مخارق، وعلوية، ومحمد بن الحارث بن بسخنر، وعقيدة، وكنت أضرب عليه فغنّى (١): [من المديد]
نَامَ عُذَّالِي ولم أَنَم … واشْتَفَى الوَاشُونَ مِنْ سَقَمِي
وإذا ما قلت بي أَلمَّ … شَكٍّ مَنْ أَهْوَاهُ في أَلَمِي
فطرب المعتصم، وقال: لمن هذا الشعر؟ فأمسكوا، فقلت: لعلية، فأعرض عني، فعرفت غلطي، وأنّ القوم أمسكوا عمدًا، فقطع بي، وتبين حالي فقال: لا ترع يا
стр. 3223
محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا.
قال إسحاق الموصلي: عملت في أيام الرشيد لحنًا (١): [من البسيط]
سقيًا لأرض إذا ما نمتُ نَبَّهَني … بَعْدَ الهُوي بها قَرْعُ النَّوَاقِيس
كَأَنْ سَوْسَنَها في كلِّ سارقةٍ … على الميادين أدباب الطَّواويس
قال: فأعجبني، وعزمت على أن أباكر به الرشيد، فلقيني في طريقي خادم لعلية بنت المهدي، فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدهليز تسمع من بعض جواريها صوتًا أخذته عن أبيك، وشكت فيه الآن، فدخلت معها حجرة قد أفردت لي، كأنها كانت معدة، فجلست، وقدم لي طعام وشراب، فنلت حاجتي منه، ثم خرج إلي خادم فقال: تقول مولاتي أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث، فأسمعنيه ولك جائزة سنية، فغنيتها إياه، ولم تستعده مرارًا، ثم قالت: اسمعه الآن، فغنته غناء ما سمع سمعي مثله قط، ثم قالت: كيف تراه؟، قلت: أرى والله ما لم أر مثله، ثم أمرت الجارية، فأخرجت لي عشرين ألف درهم، وعشرين ثوبًا، فقالت: هذا ثمنه، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين ولم أبتدئ بغناء غيره، وأخبر أنه صنعتي، وأعطي الله عهدًا لئن نطقت بأن لك فيه صنعة، لأقتلنك، هذا إن نجوت منه إن أعلم بمصيرك إلي، فخرجت من عندها، والله إني كالموقر ما أكره من جائزتها أسفًا على الصوت، فما جسرت والله بعد ذلك أتنغم به في نفسي، فضلًا عن أن أظهره حتى ماتت، فدخلت على المأمون في أول مجلس جلس به للهو بعدها، فبدأت به في أول ما غنيت، فتغير وجه المأمون، وقال: من أين لك هذا ويلك؟ قلت: ولي الأمان على الصدق؟، قال: ذلك لك، فحدثته الحديث، فقال: يا بغيض فما كان لك في هذا من النفاسة حتى شهرته، وذكرت هذا منه مع ما أخذته من الجائزة، وهجنني فيه هجنة، وددت معها أنني لم أذكره، فاليت على نفسي أن لا أغنيه بعدها أبدًا.
قال: أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا معها يومًا، وأخرج كل قينة في داره، واصطبح، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة والشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي، وفي كل نوع من أنواع الجوهر والثياب، واتصل الخبر بأم جعفر، فغلظ عليها ذلك فأرسلت إلى علية تشكو إليها، فأرسلت إليه علية لا يهولنكِ ما رأيت. والله لأردنه إليك قد عزمت أن أصنع شعرًا، وأصوغ فيه لحنًا، وأطرحه على الجواري فلا يبقى عندك جارية إلا بعثت بها إلي، وألبسهن أنواع الثياب، ليأخذن
стр. 3224
الصوت مع الجواري ففعلت أم جعفر ما أمرتها به عُليَّة؛ فلما جاوزت صلاة العصر، لم يشعر الرشيد إلا وعلية قد خرجت إليه من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها، وسائر جواري القصر، عليهنَّ غرائب اللباس، وكلهن في لحن واحد هزج (١):
[من مجزوء الرجز]
مُنْفَصِلٌ عَنِّي وَما قَلبي عَنْهُ مُنْفَصِلٌ … يا قاطعي اليومَ لِمَنْ نَوَيْتَ بَعْدِي أَنْ تَصِلْ
فطرب الرشيد، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية، وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط، يا مسرور لا تبقين اليوم درهمًا في بيت المال إلا تنثره. وكان بلغ ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم.
قال: كانت علية تقول: من لم يطربه الرمل، لم يطربه شيء.
وكانت تقول: من أصبح وعنده طباهجة، ولم يصطبح، ضاع سروره.
قال إبراهيم بن المهدي: ما خجلت قط خجلتي من علية بنت المهدي حين دخلت إليها يومًا، فقلت لها: كيف أنت يا أختي جعلت فداك؟، وكيف حالك وخبرك؟، فقالت: بخير والحمد لله، ووقعت عيني على جارية لها كانت تذب عنها، فتشاغلت بالنظر إليها، وأعجبتني، وطال جلوسي، ثم استحييت من علية، فأقبلت عليها، فقلت لها: كيف أنت وكيف حالك وكيف جسمك جعلت فداك؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة لها وقالت: أليس قد مضى هذا، وأجبنا عنه فخجلت خجلًا ما خجلت مثله قط، وقمت، فانصرفت.
قال محمد بن جعفر بن ح: شهدت أبي جعفرًا وأنا صغير وهو يحدث أباه يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلواته مع الرشيد، فقال: يا أبه أخذ بيدي أمير المؤمنين، ثم أقبل في حجرة يخرقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده، ودخلنا جميعًا، فأغلقها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق، ففتحه وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس فنقر الباب، فسمعنا حسًّا، ثم عاد النقر، فسمعنا صوت عود، ثم أعاد الثالثة، فغنت جارية ما ظننت أن الله تعالى خلق مثلها في حسن الغناء، وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها - بعد أن غنت أصواتًا -: غنّ صوتي، فغنت (٢): [من الكامل]
ومخنث شَهِدَ الزَّفاف مُقَنَّعًا … غَنَّى الجَوَارِي حَاسِرًا ومُنَقَّبا
стр. 3225
لَبِسَ الدَّلال وقام ينقرُ دَفَهُ … نَقْرًا أقرَّ به العيون وأطربا
إنَّ النساءَ رَأَيْنَهُ فعَشِقْنَهُ … يَشكُونَ شدَّة ما بهنَّ فأكذبا
قال: فطربت والله طربًا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال: غنيني، فغنت (١): [من المديد]
طال تكذيبي وتصديقي … لمْ أَجِدْ عَهْدًا لمخلوق
لا تراني بعدَهُمْ أَبَدًا … أشتكي عشقًا لمعشوق
قال: فرقص الرشيد، ورقصت معه، ثم قال: امض بنا؛ فإنني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا. فمضينا؛ فلما صرنا إلى الدهليز، قال - وهو قابض علي يدي - عرفت هذه المرأة؟، قلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإني أعلمك ستسأل عنها فلا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها. هذه علية بنت المهدي؛ والله لئن لفظت به بين يدي أحد، وبلغني، لأقتلنك.
قال: فسمعت جدي يقول له: قد والله لفظت به، ووالله لأقتلنك، فاصنع ما أنت صانع.
ومن شعرها في طل (٢): [من الكامل]
يا رب إني قد عرضتُ بهجْرِها … وإليكَ أَشكو ذاك يا رباه
مولاة سوء قد تضر بعبدِها … نِعْمَ الغُلامُ وبئست المولاه
طل ولكنّي حُرِمْتُ نَعِيْمَها … وهَوَاهُ إِنْ لم يُغنني الله
يا رب إن كانت حياتي هكذا … ضررًا علي فما أُحِبُّ حياه
قال: ماتت علية سنة تسع ومائتين، ولها من العمر خمسون سنة، وصلّى عليها المأمون.
وكان سبب وفاتها: أن المأمون يومًا ضمّها إليه، وجعل يقبل رأسها، وكان وجهها مغطى، فشرقت من ذلك، وسعلت، ثم حمت بعقب هذا أيامًا يسيرة، وماتت.
وكانت تحب خادمًا لها اسمه طلّ، فأقصاه الرشيد عنها خلافًا لمرادها، وأقصدها من فراقها، بسهم لم يخط صميم فؤادها، فأبعده إلا عن موضعه من حبها، وأخرجه إلا من مكانه من قلبها، وإنما أظهرت التجلد لأجله، وأبدت التثبت خوفًا أن يسبق السيف لعذله، فلم تمكن بعد أن نقض عن ستورها سقيط طله إلا أن يبلغ بالبكاء طلها بوبله، فبلغ الرشيد ولعها بتذكره ودمعها الباكي على ساقط الطل في ثغر الأحق إن الضاحك، فقويت عزيمتها على الطرب، وإن كان مرّ المذاق، وتماسكت وما عسى أن يتماسك المشتاق.
стр. 3226
فدخل الرشيد عليها يومًا وهي تقرأ ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (١) فقالت: فإن لم يصبها فما نهى أمير المؤمنين عنه، فقال لها: يا علية ولا في القرآن، ثم أذن له فيما بعد أن يكون بمكانه من بابها في جملة الخدم، ولا يتأخر عنهم، ولا يتقدم، فكان على ذلك، وهي أشد ما كانت به ولوعا، وإليه نزوعا، تتشكّى الظمأ، ولا ترى الماء إلا ممنوعا، ومضت عليها أيام لا تراه فمشت على ميزاب مخاطرة في هواه؛ فلما وصلت إليه، أنشدت من حرقتها عليه (٢): [من الكامل]
قدْ كانَ ما كُلِّفتُهُ زَمَنًا … يَا طَلُّ مِنْ وَجْدِ بِكُمْ يَكفي
حتى أتيتك زائرًا عَجِلًا … أَمْشِي إلى حَتْفِي على حَتَّفِي
وقالت في طل وصحفت اسمه (٣): [من الطويل]
أيا سروة البستان طال تِشَوُّقِي … فَهَلْ لي إلى ظل إليكِ سَبِيلُ
مَتَى نَلْتَقِي مَنْ ليسَ يُقْضَى خُرُوجُهُ … وليس لمنْ يَهْوَى إليهِ دُخُولُ
وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طعنان فوشت بعُليَّة إلى رشا، وقالت عنها ما لم تقل فقالت علية فيها (٤): [من الطويل]
لطعنانَ خُفٌ مُذْ ثلاثينَ حِجَّةً … جديدًا فَمَا يَبْلَى وَمَا يَتَخَرَّقُ
وكَيْفَ بِلَى خُفٌ هوَ الدهرُ كُلُّهُ … على قدميها في السَّمَاءِ مُعَلَّقُ
فَمَا خَرَقْتْ خُفًَّا ولمْ تُبْلِ جَوْرَبًا … وَأَمَّا سَرَا ويلاتها فتُمزَّقُ
ومن شعرها وقولها (٥): [من المديد]
نامَ عُذالي ولم أَنَم … واشْتَفَى الواشونَ من سَقَمي
وإذا ما قُلْتُ بي أَلَمَّ … شَكٍّ مَنْ أَهْوَاهُ في أَلَمِي
وقولها وقد خرجت مع أخيها الرشيد (٦): [من الطويل]
ومُغْتَرِب بالمَرْجِ يَبْكِي لِشَجْوِهِ … وقَدْ غابَ عنْهُ المُسْعِدُونَ على الحُبِّ
إذا أَتاهُ الرَّكْبُ مِنْ نَحْوِ أَرْضِهِ … تَنَشَّقَ بِسْتَشْفِي بِرَائِحَةِ الرَّكْبِ
وقولها (٧): [من الطويل]
وأحسن أيام الهَوَى يومُكَ الَّذِي … تُرَوَّعُ بالهجران فيه وبالعبِ
стр. 3227
ومنه قولها (١): [من مجزوء الكامل]
اِشْرَبْ على وجهِ الغَزَالِ … النَّاعم الحُلوِ الدَّلالِ
اِشْرَبْ عليهِ وقُلْ لَهُ: … يا غِلَّ أَلْبابِ الرِّجَالِ
وقولها (٢): [من مجزوء الرجز]
مُنْفَصِلٌ عَنِّي وَمَا … قَلْبِيَ عَنْهُ مُنْفَصِلٌ
يا قاطعي اليوم لمنْ … نَوَيْتَ بَعْدِي أَنْ تَصِلْ
ومنهم:
[٧٠] أبو عيسى (٣)
الزبير علمه الغناء والفراغ، وظفره الاعتناء منه بما يراغ، ولم يرعه من صفعة هذه الصنعة شرف أبيه، وشره مثله إلى ما يعليه، ونزوع نفسه إلى التشبه بأخويه، والتشبث بما كان يؤمل أن يصير إليه، وإنما … . على غرة شبابه عمه إبراهيم، فخلط عليه. وكان ذا جمال لا يدع لذي حسن نفاقا، وكمال يزيد عليه من حَدَةٍ نطاقا.
قال الأصفهاني: ومن شعره وله فيه صنعة (٤): [من مجزوء الرجز]
قامَ بِقَلْبي وقَعَدْ … ظَبْي نَفَى عَنِّي الجَلَدْ
خَلْفَني مُدَلَّها … أُهِيمُ في كُلِّ بَلَدْ
أَسْهَرَني ثُمَّ رَقَدْ … وما رَثَى لِي مِنْ كبد
ظبي إذا ازددْتُ لَهُ … تُذَلُّلا تاءَ وصَدْ
واعطشا إلى فم … يَمُجُّ خَمْرًا مِنْ بَرَدْ
وكان يقال انتهى الجمال، وكذا الخلافة، إلى أولاد الرشيد، ومن أولاد الرشيد إلى محمد، وأبي عيسى، وإذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر ما كانوا يجلسون للخلفاء.
стр. 3228
قال الرشيد لأبي عيسى - وهو صبي - ليت جمالك لعبد الله - يعني المأمون - فقال: على أن حظه منك لي. فعجب من جوابه على صبائه، وضمه إليه، وقبله.
ولما قال عيسى (١): [من الطويل]
دهاني شهرُ الصَّومِ لا كانَ مِنْ شَهْرٍ … ولا صُمْتُ شَهْرًا بَعْدَهُ آخِرَ العُمْرِ
فَلَوْ كانَ يعديني الإمام بقدرة … على الشهر لاستعديتُ جُهْدِي على الشَّهْرِ
ما له بعقب قوله لهذا الشعر صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، ولم يبلغ شهرًا مثله.
قال ابن حمدون؛ قلت لإبراهيم بن المهدي: من أحسن الناس غناء؟، قال: أنا، قلت: ثم من؟ قال: أبو عيسى بن الرشيد، قلت: ثم من؟ قال: مخارق.
وقال: كان أبو عيسى بن الحسين، وطاهر بن الحسين يتغديان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى هندباة، وغمسها في الخل، وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب، وقال: يا أمير المؤمنين إحدى عيني ذاهبة والأخرى على يدي عدل يفعل بي هذا بين يديك، فقال المأمون: يا أبا الطيب إنه والله يعبث معي أكثر من هذا العبث.
قيل: كان المأمون يخطب يوم جمعة على المنبر بالرصافة، وأخوه أبو عيسى تلقاء وجهه في المقصورة، إذ اقبل: أبو يعقوب بن المهدي، وكان أَفْسَى الناس معروفًا بذلك؛ فلما أقبل، وضع أبو عيسى كمه على أنفه. وفهم المأمون ما أراد، فكاد أن يضحك؛ فلما انصرف بعث إلى أبي عيسى، فأحضره، وقال: والله لهممت أن أبطحك، فأضربك مائة درة، ويلك أردت أن تفضحني بين أيدي الناس يوم الجمعة، وأنا على المنبر. إياك أن تعود لمثل هذه.
وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء، إذا جاءه، فاتخذت داية له مثلثة يتوقف فيها فلما وضعتها تحته، فقال: هذه ليست بطيبة، وهي مثلثة، فلما ربعتها فسدت.
قال: وكان يعقوب هذا محمقًا، وكان يخطر بباله الشيء يشتهيه، ثم يثبت تحته ليس عندنا فوجد في دفتر له ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندارنية، لا شيء الفصوص الياقوت الأحمر من حالها كذا ومن نعتها كذا لا شيء. فحمل إلى المأمون ذلك الدفتر، فضحك لما قرأه حتى فحص برجليه، وقال: ما سمعت بمثل هذا قط.
قال عمرو بن سعيد: لما مات أبو عيسى بن الرشيد، وجد عليه المأمون وجدًا شديدًا حتى امتنع من النوم، ولم يطعم شيئًا، فدخل عليه أبو العتاهية فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان قبلنا في مثل بعض حالنا، وفارقها، فحكى له
стр. 3229
حكاية الجارية التي أخبر سليمان بن عبد الملك أنها عرضت له، وهو خارج إلى الجمعة، وأنشدته (١): [من الخفيف]
أَنْتَ خيرُ المَتَاع لوْ كُنْتَ تَبْقَى
البيتان، وأنه أعرض بوجهه، فلم تَدَّر عليه الجمعة إلا وهو تحت التراب. قال: فبكى المأمون والناس، فما رأيت أكثر باكيًا من ذلك اليوم. والبيتان لموسى شهوات.
ومن شعر أبي عيسى وله فيه صنعة (٢): [من مجزوء الخفيف]
وَقَدَتْ عَنْكَ سَلْوَتي … والهَوَى ليسَ يَرْقُدُ
مدور وأطار السُّهادَ عَنْـ … ـيَ فنومِي مُسَهَّدُ
أَنْتَ بالحُسْنِ مِنْكَ يا … أَحْسَنَ الناسِ تَشْهَدُ
وفؤادي بحسن وجْ … هِكَ يَشْقَى وَيَحْمَدُ
[٧١] علوية (٣)
كوكب أفق، وسحب أنواء دفق، توقل منارًا، وتوقد شجره الأخضر نارًا، صنع غرائب الألحان، وظهر بعجائب الامتحان، وأدنته مجالس الخلفاء وأدنته بالزيادة على الأكفاء، وحلّت له عقدة الخط، وعقلة الزمن الفظ، فباء بالنعم الوافرة، وآب بالآمال النافرة، وراد معانده خاسر الصفقة خاسئ الرفقة، لا يضم رجاؤه على النجاح كشحا، ولا يأتيه دقائق الرزق إلا رشحا.
قال أبو الفرج؛ قال: أبو عبد الله بن حمدون: حدثني أبي قال: اجتمعت مع
стр. 3230
إسحاق يومًا في بعض دور بني هاشم، وحضر علوية، فغنى أصواتًا، ثم غنى من صنعته (١): [من الطويل]
ونُبِّئْتُ ليلى أَرْسَلَتْ بشَفَاعَةٍ … إِليَّ فَهَلًا وجه ليلى شَفِيعُها
فقال له: أحسنت، أحسنت والله يا أبا الحسن ما شئت، فقام علوية من مجلسه، فقبل رأس إسحاق، وجلس بين يديه، وسرَّ بقوله سرورًا شديدًا، ثم قال له: أنت سيدي، وأستاذي، ولي إليك حاجة، قال؛ قل: فوالله إني أبلغ فيها ما تحب، فقال: أيما أفضل أنا عندك أم مخارق؟ فإني أحب أن نسمع منك في هذا المعنى قولًا يؤثر، ويحكيه عنك من حضر، فتشرفني به، قال إسحاق: ما منكما إلا محسن مجمل، ولا زيد أن يجري في هذا شيء قال: سألتك بحقي عليك، وبتربة أبيك، وبكل حق تعظمه إلا ما حكمت، فقال: ويحك لو كان … أو أقول غير الحق لقلته فيما تحبّ؛ فأما إذا أبيت إلا ذكر ما عندي، فلو خُيّرت أنا من يطارح جواري أو يغنيني، لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفة، أو أمير، غلبك على إطرابه، واستبد عليك بجائزته، فغضب علوية، وقام وقال: أف من رضاك، وأف من غضبك.
قال عبد الله بن طاهر: سمعت الواثق يقول: علوية أصح الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتًا بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل، فهو مُصَلِّي كلّ سابق ناذر، وثاني كل أول فاضل.
وكان الواثق يقول: غناء علوية مثل نقر الطست يبقى ساعة في السمع بعد سكوته.
وكان علوية أعسر، وكان عوده مقلوب الأوتار: البم أسفل، ثم المثلث فوقه، ثم المثنى، ثم الزير، فيكون مستويًا على يده، مقلوبًا في يد غيره.
قال: غنّى علوية يومًا بين يدي الأمين (٢): [من الرمل]
ليتَ هِنْدًا أنجزتنا ما تَعِدْ … وشَفَتْ أَنفسنا ممَّا تَجِدْ
وكان الفضل بن الربيع يضطغن عليه شيئًا، فقال للأمين: إنما يُعرض بك، ويحرض المأمون، ويستبطئ محاربته إياك، فأمر به، فضرب خمسين سوطًا، وجرّ برجله حتى أخرج، وجفاه مدة؛ فلما قدم المأمون تقرب إليه بذلك، فلم يقع له بحيث يحب، وقال له: إنَّ الملوك بمنزلة الأسد والنار، فلا تتعرَّض لما يغضبه؛ فإنه ربما جرى منه ما يتلفك، ثم لا يقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه، ولم يعطه شيئًا.
стр. 3231
ومثل هذا ما فعل الأمين ما حكاه إسحاق. قال: دخلت يومًا على الأمين، فرأيته متغضبًا كالحًا، فقلت: ما للأمير تمم الله سروره، ولا نغصه إياه كالخائر، فقال: غاضني أبوك الساعة، والله لو كان حيًا لضربته خمسمائة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره، وأحرقت عظامه، فقمت على رجلي وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين، ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه، وما الذي غاظك، فلعل له عذرًا فيه، فقال: شدَّة محبته المأمون، وتقديمه إياه علي. قال في الرشيد شعرًا يقدمه علي، وغناه فيه، وغنيته الساعة فأورثني هذا الغيظ، فقلت: والله ما سمعت بهذا قط، ولا لأبي غناء إلا وأنا أرويه، قلت: فما هو؟ قال قوله (١): [من الوافر]
أبو المأمون فينا والأمين … لَهُ كَفَّانِ مِنْ كَرَمِ وَلِيْنِ
فقلت له: لم يقدم المأمون هذا لتقديمه إياه في الموالاة، ولكن الشعر لم يصح وزنه إلا كذا، فقال: وكان ينبغي له إذا لم يصح وزنه إلا كهذا أن يدعه إلى لعنه الله قال: فلم أزل أرفق به إلى أن سكن؛ فلما قدم المأمون، سألني عن هذا الحديث، فحدثته به، فجعل يضحك ويتعجب منه.
قال أحمد بن يحيى المكي: دخلت على علوية أعوده من علة اعتلها، فجرى حديث المأمون، فقال: علم الله كدت أذهب ذات يوم وأنا معه لولا أن الله سلمني، ووهب لي حكمة، فقلت: كيف كان ذاك؟، قال: كنت معه لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق، وجعل يطوف على قصور بني أمية، فدخل صحنًا، فإذا هو مفروش بالديباج والرخام الأخضر، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك وبين يديها بستان، وعلى أربع زواياه أربع سروات كأنها قُصَّت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت قط من السرو قدًا، فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح، وقال: هاتوا إلي الساعة طعامًا خفيفًا، فأتي فأكله، ودعا بالشراب وأقبل علي، فقال: غنني ونشطني، فكأنَّ الله أنساني الغناء، فنظر إلي مغضبًا وقال: عليك وعلى بني أمية لعنة الله، ويلك أقلت لك: سؤني، أو سرني؟ ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرّض بي؟ فتحيلت عليه، وعلمت أني قد أخطأت فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية؟ هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلام له، ويملك ثلاثمائة ألف دينار. وهبوها له سوى الخيل والضياع والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعًا قال: أو لم يكن لك شيء تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت:
стр. 3232
هكذا أخطرني حين ذكرتهم قال: أعدل عن هذا، ونبه على إرادتي، فأنساني الله كل شيء أحسنه إلا هذا الصوت (١): [من الكامل]
الحين ساقَ إلى دِمَشْقَ وما كانت دمشق لأهلِها بَلَدًا
فرماني بالقدح، فأخطأني وانكسر القدح، وقال: قم عني إلى لعنة الله، وحرّ سقر وقام فركب، فكانت والله تلك الحالة آخر عهدي به حتى مرض ومات.
قال: ثم قال لي علوية يا أبا جعفر، كم تراني أحسن؟ أغني ثلاثة آلاف صوت، أربعة آلاف صوت خمسة آلاف صوت؟ وأنا والله أغني أكثر من ذلك. ذهب والله كله عني حتى كأني لم أعرف غير ما غنيت، ولقد ظننت أنه لو كان لي ألف درج ما تحت منها واحدة، ولكنه كان رجلًا حليمًا.
قال: وغنّى يومًا علوية بحضرة الرشيد (٢): [من الكامل]
وأرى الغواني لا يُواصِلْنَ امرأ … فقدَ الشباب وقدْ يَصِلْنَ الأَمْرَدَا
فدعا به الرشيد، وقال: يا عاض بظر أمه تغني في مدح المرد، وتذم الشيب، وستارتي منصوبة، وقد شبتُ كأنك تعرّض بي، ثم دعا بمسرور، فأمره أن يأخذ بيده، فيضربه مائة درّة، ولا يرد إلى مجلسه، ففعل ذلك به، ولم ينتفع الرشيد يومئذ بنفسه.
قال: دخل علوية يومًا على إبراهيم بن المهدي، فقال له إبراهيم: ما الذي أحدثت بعدي من الصنعة يا أبا الحسن؟، قال: صنعت صوتين، قال: فهاتهما إذًا، فغناه (٣): [من الطويل]
أَلا إِنَّ لي نَفْسَيْنِ: نَفْسٌ تقول لي: … تمتَّع بليلى ما بَدَا لَكَ لِيْنُها
ونفس تقول: استبق وُدَّكَ واتَّئِدْ … بِنَفْسِكَ لا تطرح على مَنْ يُهِينُها
قال: فكاد إبراهيم أن يموت من حسده، وتغيّر لونه، ولم يدر ما يقول له؛ لأنه لم يجد في الصوت مطعنًا، فعدل عن الكلام في هذا الكلام، وقال له: هذا المعنى يدل على أن ليلى هذه كانت من لينها مثل المُوم بدهن البنفسج.
ثم سأله عن الصوت الآخر (٤): [من الطويل]
إذا كان لي شيئان يا أُمَّ مَالِكِ … فإنَّ لجاري منهما ما تَخَيَّرا
وفي واحد إن لم يكن غير واحدٍ … رآه له أهلًا، وإن كانَ مُعْسِرَا
قال: فكاد إبراهيم أن يموت حسدًا له. قال: وإن كان لك امرأتان، قال: يا أبا
стр. 3233
الحسن حبوت جارك بواحدة؟ فخجل علوية، وما نطق بحرف بقية يومه.
ومنهم:
[٧٢] مخارق (١)
نبعة لا يقاتل بغرب، ولا يقابل في طرب أتى في الغناء بكل خارق، وواتي ضربه ايماض كل شارق، وزاحم في مجالس الخلفاء، ووقف والقوم جُثي على الركب، وقام بحصائد لسانه، وكل واحد به نكب، وكان زبدة تلك الحلبة، وذرة تلك الجلبة، وأسرع الكل اقتباسًا وأبرع نطقًا لا يعرف احتباسًا، ولهذا كان لا يعدل بأحد، ولا يعد معه من إذا خوّل النعمة جحد.
قال أبو الفرج: لما صار مخارق للرشيد، كان يقف بين يديه ويغني وهو واقف؛ فغنى ذات يوم ابن جامع (٢): [من البسيط]
كأنَّ نيرانَنا في جنبِ قلعتِهِمْ … مُصَبَّغَاتُ على أَرْسَانِ قَصَّارِ
هَوَتْ هِرَقْلَةٌ لما أن رَأَتْ عَجَبًا … حَمائمًا تَرْتَمِي بالنِّفْطِ والنَّارِ
فطرب الرشيد، واستعاده عدة مرات. وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، فأقبل الرشيد على ابن جامع، وقال له: أحسنت!، أحسنت! فغمز مخارق إبراهيم الموصلي بعينيه، وتقدمه إلى الخلافة؛ فلما جاء قال له: ما لي أراك منكسرًا؟ قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت، فقال له مخارق: قد والله أخذته، فقال: ويحك إنه الرشيد، وابن جامع من تعلم، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه، وإلا فهو الموت. فقال: دعني وخلاك ذم، وعرفه أني أغني به، فإن أحسنت، فإليك ينسب إحساني، وإن أسأت، فعليّ يعود اللوم. قال: صدقت وعاد إلى موضعه، ثم قال: يا أمير المؤمنين أراك معجبًا بهذا الصوت؟ فوق ما يستحقه ويستوجبه. قال: فلقد أحسن فيه ابن جامع ما شاء. قال: أولا بن جامع هو؟ قال: نعم
стр. 3234
هكذا ذكر. قال: فإنَّ عبدك مخارقًا يغنيه غناء أحسن من هذا وأطيب، فنظر إلى مخارق، وقال: تغنيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: هاته، فغناه وتحفظ فيه، فأتى بالعجائب، فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحًا وشرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال: ويلك ما هذا؟ فابتدأ يحلف له بالطلاق، وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا منه، ولا صنعه غيره، وأنها حيلة تمت عليه، فأقبل على إبراهيم، وقال: أصدقني بحياتي، فصدقه في قصة مخارق. قال: نعم يا مولاي، قال: اجلس إذًا مع أصحابك فقد تجاوزت مرتبة من يقوم، فأعتقه، ووصله بثلاثة آلاف دينار، وأقطعه منزلًا.
قال الحسين بن الضحاك: حدثني مخارق أن الرشيد قال يومًا - وهو مصطبح لجماعة المغنين - من منكم يغنّي هذا الصوت (١): [من البسيط]
يا رَبَّعَ سَلْمَى لَقَدْ هَيَّجْتَ لِي طَرَبا … زِدْتَ الفُؤَادَ على غلاتِهِ وصبا
فقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين، فقال: هاته فغنيته فطرب، وشرب وقال:
علي بهرثمة، فقلت - في نفسي -: ما يريد منه، فجاءوا به، فأدخل إليه، وهو يجر سيفه، فقال: يا هرثمة مخارق الشاري الذي قتلناه في ناحية الموصل ما كانت كنيته؟، قال: أبو المهنا، قال: فانصرف، ثم أقبل عليّ بوجهه وقال: قد كنيتك يا أبا المهنا لإحسانك وأمر لي بمائة ألف درهم.
قال: كان الواثق يقول: أتريدون أن تعرفوا فضل مخارق على جميع أصحابه؟ انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط، فكانوا يتفقدونهم، وهم وقوف، وكلهم يستمع الغناء من المغنين جميعًا، وهو واقف مكانه ضابط لنفسه، فإذا غنّى مخارق خرجوا من صورهم، فتغيرت وجوههم، وتحرّكت أرجلهم ومناكبهم، وظهرت أسباب الطرب فيهم، وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.
قال: سمع إبراهيم الموصلي يومًا مخارقًا يغنّي - وهو صغير - فقال له: نعم الفسيلة غرس إبليس منك في الأرض.
قال هارون بن محمد بن هشام: دعاني مخارق يومًا، فأطعمنا جزورية وجلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح: يا أبا المهنا الله الله في حلف زوجي بالطلاق، إنه يسمع غناءك، ويشرب عليه، قال: اذهبي فجيئيني به، فجاء فجلس، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟، قال: يا سيدي كنت سمعت صوتًا من صنعتك، فطربت عليه حتى استخفّني الطرب، فحلفت أن أسمعه منك ثقة بك، وكانت زوجته داية هارون بن
стр. 3235
مخارق، فقال له: ما الصوت؟ فقال (١):
بَكَرَتْ عَلَيَّ فَهَيَّجَتْ وَجْدًا … هُوجُ الرياح وأذكرت نجدا
أتحنُّ مِنْ شَوق إذا ذُكِرَتْ … نَجْدٌ وأَنتَ تَركتها عَمْدا
فَغَنَّاه إياه، وسقاه رطلًا وأمره بالانصراف، وقال له: احذر أن تعاود، فانصرف، فلم يلبث أن جاءت المرأة، وعاودت الصياح، وهي تقول: يا سيدي قد عاود اليمين الله الله في وفي أولادي، فقال: هاتيه، فأحضرته، فقال لها: انصر في أنت، فإن هذا كلما انصرف، حلف وعاود، فدعيه يقيم عندنا اليوم، فتركته، وانصرفت، فقال له مخارق: ما قصتك؟ قال: رجل طروب، وكنت سمعت صوتًا من صنعتك، فاستخفّني الطرب حتى حلفت أن أسمعه منك، قال: وما هو؟ قال (٢):: [من مجزوء الرمل]
أَلِفَ الظَّبْيُ بِعادِي … ونَفَى عَنِّي رُقادِي
وغدا الهجر على الوصل … بأسيافٍ حِدَادِ
قال: فغناه وسقاه رطلًا، ثم قال: يا غلام ائتني بمقارع، فجيء بها، فأمر بالرجل، فبطح، وضربه خمسين مقرعة، وهو يستغيث، ولا يكلمه، ثم قال له: احلف بالطلاق أنك لا تذكرني أبدًا وإلا كان هذا دأبك إلى الليل، فحلف بالطلاق ثلاثًا على ما أمره به، ثم أخرج، فجعلنا نضحك بقية يومنا من حمقه، وما أصاب الرجل.
قال: كان مخارق ممن إذا تنفس أطرب من يسمع نفسه.
وقال: خرج مخارق مع بعض أخوانه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله أن يهبه له فضنَّ المسؤول. قال: وسنحت ظباء بالقرب منه، فقال مخارق: أرأيت إن غنيت صوتًا، فعطفت به عليك خدود الظباء، أتدفع لي هذه القوس؟، قال: نعم والله فاندفع مخارق يغني (٣): [من المجتث]
ماذا تقول الظباءُ … أَفُرْقَةٌ أَمْ لِقَاءُ
أَمْ عَهْدُها بِسُلَيمى … وفي البَيانِ الشَّفَاء
مرت بنا سانحاتٍ … وقَدْ بدا الإماء
فَمَا أَحَارَتْ جَوَابًا … وطَالَ فيها العَنَاءُ
قال: فعطفت الظباء راجعةً إليه حتى وقفت بالقرب منه مستشرفة تنظر إليه، ومصغية تسمع صوته، فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها، وناوله الرجل
стр. 3236
القوس، فأخذه وقطع الغناء، فعاودت الظباء نفرها، ومضت راجعة إلى سننها.
قال بعض أصدقاء مخارق: ركبت معه مرّة في طيارة ليلًا، وهو سكران؛ فلما توسط دجلة، اندفع بأعلى صوته، فما بقي أحد في الطيارة من ملاح، أو غلام، أو خادم إلا بكى من رقة صوته، ورأيت الشمع والسُّرُج من جانبي دجلة في صحون القصور والدور يتسارعون بين يدي أهلها يسمعون غناءه.
قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: غنّت شارية يومًا بحضرة أبي صوتًا، فأَحَدَّ النظر إليها، وقال لها: امسكي فأمسكت، فقال: عرفت إلى أي شيء ذهبت أردت أن تتشبهي بمخارق في تزايده، وإياك أن تعودي؛ فإن مخارقًا خلقه الله وحده في طبعه وصوته ونفسه يتصرّف في ذلك أجمع حيث يحب، ولا يلحقه أحد. قد أراد غيرك أن يتشبه به في هذا الحال، فهلك وافتضح، ولم يلحقه، فلا أسمعنك تتعرضين لهذا بعد هذا الوقت.
قال مخارق: ودعاني أمير المؤمنين محمد الأمين يومًا، وقد اصطبح، فاقترح علي (١): [من البسيط]
استقبلتْ وَرَقَ الرَّيحان تَقْطَعُهُ … وعنبر الهند والورديَّةَ الجُددا
أَلَسْتَ تعرفني في الحيّ جارية … ولمْ أَخُنْكَ ولم ترفع إليَّ يَدَا
فغنيته إياه فطرب طربًا شديدًا، وشرب عليه ثلاثة أرطال، وأمر لي بألف دينار، وخلع علي جبة وشي كانت عليه مذهبة، ودراعة مثلها، وعمامة مثلها، فما لبست ذلك وراءه على ندم، وكان كثيرًا ما يفعل ذلك، فقال لبعض الخدم: قل للطباخ يأتينا بمصلية معقودة الساعة، فأتينا بها، فقال: كُل معي، فامتنعت لما أعرفه من كراهيته، فحلف أن آكل معه، فحين أدخلت يدي الغضارة رفع يده، وقال: إني بغضتها والله وقدرها إدخالك يدك معي فيها، ثم رفس القصعة رفسة فإذا هي في حجري وودكها يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي، فقمت مبادرًا، فنزعتها، وبعثت بها إلى منزلي، وغيرت ثيابي، وأنا مغموم بها. وهو يضحك؛ فلما رجعت إلى منزلي، جمعت كل صانع حاذق، فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها، فلم يخرج، ولم أنتفع بها حتى أحرقتها، وأخذت ذهبها وضرب الدهر ضربه، ثم دعاني أمير المؤمنين المأمون يومًا، فدخلت عليه وهو جالس وبين يديه مائدة عليها رغيفين ودجاجتين، فقال لي: تعال فكل، فامتنعت فقال لي: تعال ويلك، فساعدني، فجلست، وأكلت معه حتى فرغ ووضع النبيذ، ودعا علوية، فجلس وقال: يا مخارق أتغني (٢): [من الطويل]
стр. 3237
أَقولُ التماس العُذْرِ لمَّا ظَلَمتِنِي … وحمَّلتِنِي ذنبًا وما كنتُ مذنبا
هَبِيْنِي امرًا إما بريئًا ظَلَمْتِهِ … وإِمَّا مُسِيئًا قَدْ أَنَابَ وَأَعْتَبا؟
فقلت: نعم يا سيدي، قال: غنّه، فغنيته فعبس في وجهي، وقال: قبحك الله، أهكذا تغني هذا، ثم أقبل على علوية، فقال: أتغنيه؟ قال: نعم يا سيدي، قال: غنّه فغناه فوالله ما قاربني فيه، فقال: أحسنت والله وشرب رطلًا، واستعاده ثلاثًا، ثم شرب عليه ثلاثة أرطال، وأعطاه كل مرة يعيده عشرة آلاف درهم، ثم حذف بإصبعه وقال: برق يمان، وكان إذا أراد قطع الشراب فعل ذلك، وقمنا، فعلمت من أين أتيت؛ ولما كان بعد أيام عادني، فدخلت وهو جالس في ذلك الموضع يأكل، فقال لي: تعال يا مخارق، فقلت: لا والله يا سيدي ما أقدر على ذلك، فقال: تعال ويلك، أتراني على الطعام؟، فقلت: لا، ولكني أردت أن أؤدبك أن السادة لا ينبغي لعبيدها أن تواكلها.
أفهمت؟ قلت: نعم، قال: فتعال الآن، وكُل على الأمان، فقلت: إذن أكون أول من أضاع تأديبك إياي، واستحق العقوبة من قريب، فضحك حتى استغرق، وأمر لي بألف دينار، فمضيت إلى حجرتي المرسومة في الخدمة، وأتيت بطعام، فأكلت، ووضع النبيذ، فدعاني، ودعا علوية؛ فلما جلسنا قال له: يا علوية أتغني؟ (١): [من البسيط]
أَلَمْ تَقُولِي: نَعَمْ قالتْ: أَرَى وَهَمًا مِنِّي … وهَلْ يُؤخَذُ الإنسانُ بالوَهَمِ
فقال: نعم يا سيدي. قال: هاته، فغنّاه، فعبس في وجهه، وبسر، ثم أقبل علي، وقال: أتغنيه يا مخارق؟، فقلت: نعم يا سيدي، وعلمت أنه أراد أن يستفيد من علوية، ويرفع مني؛ وإلا فما أتى به علوية لا يعاب به فغنيته، فطرب، وشرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وفعل بي ذلك ثلاث دفعات كما فعل به، ثم أمر بالانصراف، فانصرفنا، وما عاودت بعد ذلك مواكلة خليفة إلى وقتنا هذا.
قال: حج رجل مع مخارق؛ فلما قضيا الحج، وعاد قال الرجل: بحقي عليك غنني صوتًا فغنّى: [من الطويل]
رَحَلْنا فَشَرَّقْنا ورَاحُوا فَغَرَّبُوا … وفاضَتْ لَرَوْعاتِ الفِراقِ عُيُونُ
فرفع الرجل يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له.
وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل، وقيل: بل في آخر خلافة الواثق.
وذكر ابن خرداذبة: أنه كان أكل قرنبيطة باردة، فقتلته من يومه.
ومنهم:
стр. 3238
[٧٣] عريب جارية المأمون (١)
وهي تحفظ أخبارها ولا يقاس عليها، ولا يقال عن أحد، فيكون بالنسبة إليها، وكانت أنفذ من السهام إلى أغراضها، وأطيب من زوال السقام لأمراضها. غلب معها المأمون، وسرت إلى هواها سرى الأمون.
وكانت لا تتحاشى ولا ترى لها بغير أن تعاشر انتعاشا، وكانت ذات فنون ومحاسن كما في الظنون، وبديهة تتوقد، وميامن كأنها الفرقد.
ذكرها أبو الفرج الأصفهاني وقال: قال: دخل أبو عبد الله الحسامي على المعتز وعريب تغني، فقال: يا ابن هشام غنّ، فقال: تبت من الغناء مذ قتل سيدي المتوكل، فقالت له عريب: قد والله أحسنت حيث تبت؛ فإن غناءك كان لا متقنًا، ولا صحيحًا، ولا مطربًا، فأضحكت أهل المجلس منه، وخجل.
وكانت عريب مولدة في دار جعفر بن يحيى، وقيل: إنَّ أمها كانت تسمى فاطمة، وأن جعفرًا تزوّجها سرًا، وأسكنها دارًا، ووكل بها من يحفظها، وكان يتردّد إليها، فولدت عريبًا في أحد وثمانين ومائة، وعاشت ستًا وسبعين سنة.
قال: وماتت أم عريب في حياة جعفر بن يحيى، فدفعها إلى امرأة نصرانية، وجعلها داية لها؛ فلما حدثت الحادثة بالبرامكة، باعتها من شنين النخاس، فباعها من عبد الله بن إسماعيل المراكبي، ثم باعها، فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم.
قال الفضل بن مروان: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب، شبهتها بقدمي جعفر ابن يحيى.
стр. 3239
قال: وذكرت بلاغتها لبعض الكتاب، قال: وما يمنعها من ذلك، وهي بنت جعفر بن يحيى.
قال أبو العنبس بن حمدون: حدثني أبي. قال: دخلنا على عريب يومًا مسلمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزينجة صنعتها بدعة بيدها من لوز طيب، وأغنيكم أنا وهي، قال، فقلت لها: على شريطة، قالت: وما هي؟، قلت: شيء أريد أن أسألك عنه، وأنا أهابك، قالت: ذاك إليك وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل. تريد أن تسألني عن شرطي أي شيء هو؟، فقلت: والله ذلك الذي أردت قالت: شرطي أير صُلب، ونكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن وجمال، زاد قدره عندي، وإلا فهذا ما لا بد لي منه.
قال: عتب المأمون على عريب، فهجرها أيامًا، ثم اعتلت، فعادها، فقال لها:
كيف وجدت طعم الهجر؟، فقالت: يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عُرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بداء الغضب أحمد عاقبة الرضا. فخرج المأمون إلى جلسائه، فحدثهم ذلك، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام لم يكن كثيرًا.
قال: وكانت عريب تهوى محمد بن حامد، فكتب إليها «أخاف على نفسي» فكتبت إليه (١): [من المتقارب]
إذا كُنْتَ تَحْذَرُ ما تحذر … وتزعمُ أَنَّكَ لا تَجْسُرُ
فما لي أقيم على صَبْوَتِي … وَلِمْ في لِقائِكَ لا تَقْدِرُ
فصار إليها من وقته، واصطلحا، وأقام عندها يومه.
قال ابن حمدون: ركبت ليلة في حاجة للمأمون، فإذا أنا بصوت حافر، ووافت برقة، فأضاء لها وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب؟ قالت: نعم. ابن حمدون؟ قلت: نعم، ثم قلت لها: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: يا نكس عريب في مثل هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة، وراجعة إليه تقول: أي شيء عملت عنده؟ صليت معه التراويح، أو قرأت عليه جزءًا من القرآن، أو دارسته شيئًا من الفقه يا أحمق فتحادثنا، وتعاتبنا، وأكلنا، وشربنا، ولعبنا، وغنينا، وتنايكنا. فأخجلتني، وغاظتني، وافترقنا، ومضيت في حاجتي، ثم عدت إلى المأمون، فأخذنا في الحديث، وتناشدنا الأشعار، فهممت أن أحدثه بحديثها، ثم هبتُ أن أذكر ذلك، فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضًا بشيء من الشعر، فأنشدته (٢): [من الطويل]
أَلا حَيَّ اطالًا لواسعة الحبل … أَلُوفٍ تُساوي صالح القوم بالرَّذْلِ
стр. 3240
فلَوْ أَنَّ مَنْ أَمْسَى بجانب تَلْعَةٍ … إِلى جَبَلَيْ طَيِّ فَسَاقِطَةِ الحَبْلِ
جلوس إلى أن يقصر الظُّلُّ عِنْدَها … أَرَاحُوا وَكُلُّ القومِ منها على وَصْل
فقال لي المأمون: اخفض صوتك، لا تسمع عريب، فتغضب، وتظن أنك في حديثها. فأمسكت عما أردت، وخار الله في ذلك.
قال اليزيدي: خرجت مع المأمون في خرجته إلى الروم، فرأيت عريبًا في هودج؛ فلما رأتني قالت: يا يزيدي أنشدني شعرًا قلته حتى أصنع فيه لحنًا، فأنشدتها (١): [من الرجز]
مَنْ ذَا بقلبي مِنْ دَوَامِ الخَفْقِ
إذا رأيتُ لَمَعانَ البَرْقِ
مِنْ قِبَلِ الأَرْدُنُ أَوْ دمشق
لأَنَّ مَنْ أَهْوى بذاك الأفق
ذاك الذي يملكُ مِنِّي رقي
ولستُ أبْغِي ما حَبِيْتُ عِتْقِي
فلما سمعته، تنفست نفسًا ظننت أن ضلوعها قد تفصلت منه، فقلت: والله هذه نفس عاشق، فقالت: اسكت ا عاجز، أنا أعشق؟ والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس، فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيسًا، ما علم أحد منهم لمن كانت إلى اليوم.
قال ابن حمدون: وقعت ملاحاة بين عريب وبين محمد بن حامد وشر، وكان في قلبها أكثر مما في قلبه منها، فلقيته يومًا فقالت له: كيف قلبك يا محمد؟، قال: أشقى والله ما يكون، وأقرحه فقالت: استبدل تسلُ، فقال: لو كانت البلوى باختيار، لفعلت، فقالت: لقد طال إذا تعبك، فقال: وما يكون؟ أصبر مكرهًا. أما سمعت قول العباس بن الأحنف (٢): [من الكامل]
تَعَب يطولُ معَ الرجاء لذي الهَوَى … خيرٌ له من راحة في الياس
لولا كرامَتُكُمْ لَمَا عاينتُكُمْ … ولكنتُم عِندي كبعض الناس
قال: فذرفت عيناها واعتذرت إليه، وعاتبته، واصطلحا.
قال أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي: قالت لي عريب: حج بي
стр. 3241
أبوك، وكان مضعوفًا، فكان عديلي، وكنت في طريقي أطلب الأعراب، فأستنشدهم الأشعار، وأكتب عنهم النوادر، فوقف شيخ من الأعراب يسأل فاستنشدته فأنشدني (١):
[من البسيط]
يا عزّ هل لكِ في شيخ فتى أبدًا … وقد يكون شباب غير فتيان
فاستحسنته، ولم أكن سمعته قبل ذلك، فاستنشدني باقي الشعر، فقال لي: هو يتيم، فاستملحت قوله، وبررته، وحفظت البيت، وغنيته فيه لحنًا من الثقيل الأول، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه؛ فلما كانت عشية ذلك اليوم، قال لي: ما كان أحسن البيت الذي أنشدك الأعرابي إياه، وقال لك إنه له أنشدينيه، إن كنت حفظته. فأنشدته إياه وأعلمته أني قد غنيته فيه، ثم غنيته له فوهب لي ألف درهم، وفرح بالصوت فرحًا شديدًا.
قال أبو الخطاب العباس بن أحمد بن الفرات: حدثني أبي قال: كنا يومًا عند جعفر بن المأمون يشرب وعريب حاضرة، إذ غنى بعض من كان هناك (٢): [من الكامل]
يا بدرُ إِنَّكَ قَدْ كُسِيتَ مَشَابِهًا … مِنْ وجهِ ذاك المستنير الواضح
وأراك تمحض بالمحاق وحسنها … باقٍ على الأيام ليس بنازح
فطربت عريب، وصفقت، ونقرت، وقالت: ما على وجه الأرض من يعرف خبر هذا الصوت غيري، فلم يعرف، ولم يقدر أحد منا على مسألتها عنه غيري، فقالت: أنا أخبركم بقصته، ولولا أن صاحب القصة قد مات، لما أخبرتكم. إن أبا محلم قد قدم بغداد، فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك، فأطلعت أم محمد على أبي محلم يومًا، فرأته يبول، فأعجبها متاعه، فأحبت مواصلته، فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالًا، وتعلمه أنها ضيقة، وأنها ترده إليه بعد جمعة، فبعث إليها عشرة آلاف درهم، وحلف لها أنه لو ملك غيرها، لبعث به، فاستحسنت ذلك منه، وواصلته، وجعلت القرض سببًا للوصلة، وكانت تدخله إليها ليلًا، وكنت أغني لهم، فشربنا ليلةً في القمر، وجعل أبو محلم ينظر إليها، ثم دعا بدواة ورقعة وكتب فيها: [من الكامل]
ا بدرُ إِنَّكَ قَدْ كُسِيتَ مَشَابهًا … مِنْ وجهِ أم محمد ابنة صالح
والبيت الآخر، وقال لي: غنّ فيه، ففعلت فاستحسناه، وشربنا عليه، فقالت أم محمد - في آخر المجلس -: يا أخي إنك قد غنيت في هذا الشعر، وأراه سيبقى عليّ فضيحة آخر الدهر، قال أبو محلم: فأنا أغيره فجعل مكان أم محمد ابنة صالح، ذاك
стр. 3242
المستنير اللائح، وغنيته كما غيره، وأخذه الناس عني، ولو كانت أم محمد حيّةً، لما أخبرتكم بالخبر.
قال أبو الحسن بن الفرات: كنت يومًا عند أخي أبي العباس بن الفرات، وعنده عريب تغني، فقالت لأخي - وقد جرى ذكر الخلفاء: ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدًا إلا المعتز. قال ابن الفرات: فأصغيت إلى بعض بني أخي، فقلت: كيف ترى شهوتها الساعة، فضحك من قولي، فقالت: أيُّ شيء قلتم؟ فجحدتها، فقالت: جواري حرائر، لئن لم تخبراني بما قلتما، لأنصرفن، ولئن قلتما لي لا حدرت من شيء جرى، ولو أنه تسفيل، فصدقتها، فقالت: وأيُّ شيء في هذا؟ أما الشهوة فبحالها، ولكن الآلة قد ضعفت. عودوا إلى ما كنتم فيه.
قال أبو عبد الله بن حمدون: زارت عريب محمد بن حامد وجلسا جميعًا، فجعل يعاتبها، ويقول: فعلت كذا، وفعلت كذا فقالت: يا عاجز خذ فيما نحن فيه، واجعل سراويلي مخنقتي، وألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غدًا، فاكتب إلي بعتابك حتى أكتب عذري، فقد قال الشاعر (١): [من الوافر]
دَعِي عَدَّ الذُّنُوبِ إذا التقينا … تَعَالَي لا نَعُدُّ ولا تَعُدِّي
قال: اصطبح المأمون وعنده ندمان، وفيهم محمد بن جامع، وجماعة من
المغنين، وعريب معه على مصلى، فأوما محمد بن حامد إليها بقبلة، فاندفعت تغني
ابتداء (٢): [من الطويل]
ربي ضرع ناب فاستمر بطعنةٍ … كحاشيةِ البُرْدِ اليَمَانِي المُسَهَّم
فقال المأمون: امسكي فأمسكت، ثم أقبل على الندماء: من منكم أومأ إلى عريب بقبلة، والله لئن لم يصدقني لأضرب عنقه، فقام محمد فقال: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى، فقال: قد عفوت عنك. فقال: [بم] استدل أمير المؤمنين على ذلك؟، فقال: ابتدأت صوتًا، وهي لا تغني أبدًا إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا المعنى إيماء إلا بقبلة، فعلمت أنها إجابة بطعنة.
قال: لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد، أمر بإلباسها جبة صوف، وختم زيقها، وحبسها شهرًا في كنيف مظلم لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز
стр. 3243
وملح وماء من تحت الباب، ثم ذكرها فرق لها، وأمر بإخراجها؛ فلما فتح الباب عنها وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني (١): [من الكامل]
حَجَبُوهُ عَنْ بَصَرِي فمُثْلَ شَخْصُهُ … في القَلْبِ فَهوَ مُحَجَّبٌ مَا يُحْجَبُ
فبلغ المأمون ذلك، فعجب منه، وقال: لن تفلح هذه أبدًا.
[٧٤] إبراهيم الموصلي (٢)
أصلح طرائق الغناء وشدّدها، وشيد شيز العيدان وشددها، أغري بهذه الصناعة حتى أتقنها، ودافع فيها الشك حتى تيقنها، وولع بها والأيام قد لقحت بسعادته، وحملت بحطه ساعة ولادته حتى انتهت الليلة التي فجرها، والحامل التي شهرها، فما جاءها المخاض حتى غرق في السعادة وما خاض اتصل بالخلفاء، وحصل الاكتفاء، وأثرى ثراء يضيق به الكنوز وتضيع في معرفته الرموز، واقتنى الجواري اللاتي طلعن
стр. 3244
أقمارًا، وسمعن، وكان حديثهن أسمارًا.
قال أبو الفرج، قال ابن المنجم: كان سبب قولهم: الموصلي أنه لما نشأ وبلغ صحب الفتيان، واشتهى الغناء، فطلبته، واشتدّ أخواله عليه في ذلك، وبلغوا منه، فهرب إلى الموصل، فأقام بها نحوًا من سنة، فلما رجع إلى الكوفة، قال له إخوانه من الفتيان: مرحبًا بالفتى الموصلي فمرت عليه.
قال: وأول خليفة غناه إبراهيم، وسمع غناءه المهدي، وكان لا يشرب، وأراد من إبراهيم ملازمته، وترك الشرب، فأبى، وكان يغيب عنه أيامًا، فشرب عند موسى وهارون بتةً، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن، فقال: نعم، ثم بلغه أنه دخل عليهما، وشرب معهما، وكانا مشهورين بالنبيذ، فدعاه، فضربه ثلاثمائة سوط، وقيده، وحبسه فأقام مدَّة، ثم أخرجه، وأحلفه بالطلاق والعتاق، وكل يمين لا فسحة له فيها أن لا يدخل على موسى وهارون أبدًا، ولا يغنيهما، وخلى سبيله.
قال: فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر إبراهيم منه، فكان منزله يكبس في كل وقت، وأهله يروعون بطلبه، حتى أصابوه، فمضوا به إليه، فلما عاتبه، قال: يا سيدي أم ولدي وأعز خلق الله علي، ثم غناه في شعره (١): [من الخفيف]
يا ابنَ خَيرِ المُلوكِ لا تَتَرُكَنِّي … غَرَضًا للعدو يرمي خيالي
فَلَقَدْ في هواك فارقتُ أهلي … ثُمَّ عرَّضتُ مُهجتي للزَّوَالِ
ولقد عفت في هواك حَيَاتِي … وتغرَّبْتُ بين أهلي ومالي
قال إسحاق: فموله - والله - الهادي وخوله؛ وحسبك أنه أخذ منه في يوم واحد خمسين ألف دينار، ولو عاش لنا بنينا حيطان دارنا بالذهب والفضة.
قال إسحاق: كان لأبي طعام معد أبدًا في كل وقت، وذلك أنه كان له في كل يوم ثلاث شياه واحدة مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخة معلقة، وأخرى حية؛ فإذا أتاه قوم أطعموا ما في القدور، فإذا فرغ قطعت الشاة المعلقة، ونصبت القدر، وذبحت الحية فعلقت، وأتي بأخرى وهي حية في المطبخ، وكانت وظيفته وطيبه في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما يجري، وسوى كسوته، ولولا يقع عندنا من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية ما فيهن واحدة إلا ويجري عليها الطعام والكسوة والطيب ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردّت الواحدة إلى مولاها، أوصلها وكساها، ومات وما في ملكته أكثر من ثلاثة آلاف دينار، وعليه من الدين مائة ألف دينار.
стр. 3245
قال إسحاق: اشترى الرشيد من أبي جارية بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة، ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع يقول: إنما اشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها من بابتنا، فليس كما ظننا، وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن، وبينك وبينه ما بيننا، فاذهب إليه، وسله أن يحطنا من ثمنها ستة آلاف دينار. قال: فصار إليه الفضل، فاستأذن، فخرج أبي إليه، فتلقاه، فقال له: دعني من هذه الكرامة التي لا مؤنة فيها. لست ممن يحب ذلك وقد جئتك في أمر أصدقته عنه، وخبره بالخبر كله، فقال له أبي: إنما أردت أن يبلو قدرك عندي؟ قال: ذاك أراده. قال: فما لي عليه في المساكين صدقة إن لم أضعفه لك. قد حططتك اثني عشر ألف دينار فرجع إليه الفضل بالخبر، فقال له: ويلك احمل إلى هذا ماله، فما رأيت سوقة قط أنبل منه نفسًا.
قال إسحاق: وكنت قد قلت له. ما كان الحطيطة هذا المال معنى، فقال لي: يا أحمق أنا أعرف الناس به. والله لو أخذت المال منه كاملًا، ما أخذته إلا وهو كاره له، ولحقد ذلك علي، وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد منتت عليه وعلى الفضل، فانبسطت نفسه، وعظم قدري عنده، وإنما اشتريت الجارية بأربعين ألف درهم، وقد أخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار؛ فلما حمل المال بلا حطيطة دعاني، فقال: كيف رأيت يا إسحاق؟ من البصير أنا أو أنت؟ فقلت: بل أنت جعلني الله فداك.
قال إبراهيم بن المهدي: انصرفت ليلة من الشماسية، فمررت بدار إبراهيم الموصلي، فإذا هو في روشن قد صنع لحنه في (١): [من الطويل]
أَلَا رُبَّ نَدْمَانٍ عَلَيَّ دُمُوْعُهُ … تَفِيْضُ عَلَى الخَدَّيْنِ سَحًّا سُجُوْمُهَا
فهو يعيده، ويلعب فيه بنغمة، ويكررها لتستوي له، وجواريه يضربن عليه، فوقفت تحت الروشن حتى أخذته، ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعدله حتى بلغت فيه الغاية القصوى، وأصبحت فغدوت إلى الشماسية، واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم، فغناه أول شيء غناه، فلما سمعه الرشيد، طرب، واستحسنه، وشرب عليه، ثم قال: لمن هذا يا إبراهيم؟ فقال: لي يا سيدي صنعته البارحة، فقلت: كذب يا أمير المؤمنين هذا الصوت، قديم، وأنا أغنيه، فقال: غنّه يا حبيبي، فغنيته كما غناه إبراهيم، فبهت إبراهيم، وغضب الرشيد، وقال: يا ابن الفاجرة أتكذبني وتدعي ما ليس لك، قال: فضل إبراهيم بأسوأ حال؛ فلما صليت العصر، قلت للرشيد: الصوت وحياتك له، ولكني مررت البارحة وهو يردده، وجوار يضربن عليه، فوقفت تحت روشنه حتى حفظته.
стр. 3246
قال إسحاق؛ قال ابن جامع يومًا لأبي: رأيت في منامي كأني وإياك راكبان في محمل، فسفلت حتى كدت تلصق بالأرض وعلا الشق الذي أنا فيه، فلأعلونك في الغناء. قال أبي: الرؤيا حق، والتأويل باطل. إني وإياك كنا في ميزان، فرجحت بي، وشالت هنك، وعلوت، ولصقت أنا بالأرض، فلأبقين بعدك، ولتموتن قبلي.
قال إسحاق: فكان كما قال أبي على عليه، وأفاد من أكثر فوائده، ومات ابن جامع قبله، وعاش أبي بعده.
قال مخارق: اشتغل الرشيد يومًا، واصطبح مع الحرم، وأصبحت السماء مغيمة، فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم، فأعرف خبره، فجئت، فدخلت عليه، وهو في رواق له وبين يديه قدور تغرغر، وقناني تزهر، والستارة منصوبة، والجواري خلفها، وبين يديه صينية فيها رطلية، وكو، وكأس. فقلت: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها؟ فقال: أقعد ويحك إني أصبحت على الذي ظننت، فأتاني خبر ضيعة تجاورني قد والله طلبتها زمانًا، وتمنيتها، فلم أملكها، وقد أعطي بها مائة ألف درهم، فقلت: وما يمنعك منها، فوالله لقد أغناك الله أضعاف هذا المال وأكثر. قال: صدقت ولست أطيب نفسًا بأن أخرج هذا المال، قلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم، وما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه؟ فقال: اجلس فخذ هذا الصوت ثم نقر بقضيب معه على الداة وألقى علي هذا الصوت (١): [من البسيط]
نامَ الخَلِيُّونَ مِنْ هَمٌ ومِنْ سَقَمِ … وبتُّ مِنْ كَثْرَةِ الأحزانِ في أَلَمْ
يا طالب الجود والمعروفِ مُجتهدًا … اعمد ليحيى حليفِ الجُودِ والكَرَمِ
قال: فأخذته وأحكمته، وقال لي: امض الساعة إلى باب يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه، وتجد الباب قد فتح، ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر مجيئك ويقول لك: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ فحدّثه بقصدك إياه، وما ألقيت إليك من خبر الضيعة وأعلمه أني صنعت هذا الصوت، وأعجبني، ولم أر أحدًا يستحقه إلا فلانة جاريته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته؛ لتطرحه عليها، فسيدعو بها، ويأمر بالستارة، فتنصب ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتي، فافعل، وائتي بما يكون بعدها من الخبر، قال: فجئت باب يحيى، فوجدته كما وصف وسألني فأعلمته ما أحضرني به، وأمرني به، فأحضر
стр. 3247
الجارية، فألقيته عليها، ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنا، أو تنصرف، فقلت: أنصرف، فقال: يا غلام احمل مع أبي المهنا عشرة آلاف درهم، واحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الصنيعة، فحملت العشرة آلاف درهم معي، فأتيت منزلي، فقلت: أسر يومي هذا، وأسر من عندي، ومضى الرسول بالمال وبت ليلتي؛ فلما أصبحت، غدوت عليه، فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت، فلم يتلق ذلك بما يجب، فقلت: ما الخبر؟ ألم يأتك المال؟، قال: بلى، قال: فما خبرك أنت؟ فأخبرته بما وهب لي، فقال: ارفع السجف، فرفعته فإذا عشر بدر، قلت: في أي شيء بقي عليك في أمر الضيعة؟، فقال: والله ما هو إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها، وصارت مثل ما حويت قديمًا، قلت: سبحان الله العظيم، فتصنع ماذا؟ فقال: قم حتى ألقنك صوتًا يفوق ذلك. فقمت فجلست بين يديه، فألقى علي (١): [من الطويل]
ويفرح بالمولودِ مِنْ آلِ بَرْمَكِ … بُغاةُ النَّدى والسيف والرمح والنَّصْلِ
وتنبسط الآمال فيه لفضلِهِ … ولاسيما إنْ كانَ مِنْ وَلَدِ الفَضْلِ
قال مخارق: فسمعت ما لم أسمع مثله قط، وصغر عندي الأول، فأحكمته، وقال: امض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم، فاستأذن عليه، وحدّثه بحديثنا الأول من أمس وأمس، وما كان من أبيه إلينا وإليك، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت، وكان عندي أرفع منزلة من الصوت الأول الذي وضعته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته، ووجهت بك قاصدًا لتلقيه على فلانة جاريته. فصرت إلى الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت إليه، فسألني عن الخبر، فأعلمته بخبري، وما وصل إلي وإليه من المال، فقال: أخزى الله إبراهيم، ما أبخله على نفسه؟ ثم دعا خادمًا، وقال له: اضرب الستارة فضربها، فقال: ألقه فألقيته، فلما ألقيته قال: أحسن والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق، ولم أبرح حتى أخذته الجارية، وأحكمته، فسر بذلك، وقال: ا غلام احمل مع أبي المهنا عشرين ألف درهم، واحمل إلى إبراهيم مائتي ألف درهم فانصرفت إلى منزلي بالمال، فنثرت منه على الجواري، وشربت، وسررت أنا ومن عندي؛ فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم، فوجدته على الحال التي كان عليها، فدخلت أترنم وأصفق، فقال لي: ادن، فقلت: ما بقي؟ فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب، فإذا عشرون بدرةٍ من تلك العشرة، فقلت: ما تنتظر الآن، فقال: والله ما
стр. 3248
هو إلا حصلت حتى جرى مجرى ما تقدم، فقلت: والله ما أظن أن أحدًا نال في هذه الدولة ما نلته، فَلِمَ تبخل على نفسك بشيء تمنيته دهرك، وقد ملكك الله أضعافه؟ ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت. فألقى علي صوتًا أنساني الأولين (١): [من الطويل]
أفي كُلِّ يومٍ أَنْتَ صبُّ وليلةٍ … إلى أُمِّ بكرٍ لا يُفيقُ فَيَقْصُرُ
أُحِبُّ على الهِجْرانِ أَكناف بيتها … فيا لَكَ مِنْ بيت يُحَبُّ ويُهْجَرُ
إلى جعفر سارت بنا كُلُّ جَسْرَةٍ … طواها سُرَاها نحوه والتَّهَجُرُ
إلى واسع للمحدثينَ فِناؤُهُ … تروح عطاياه عليهم وتُنكر
قال مخارق: فسمعت ما لم أسمع قط مثله حسنًا، فردده علي حتى أخذته، ففعلت مثل ذلك، وخبرته بما كان منهما، وعرضت عليه الصوت، فسره، وأمر خادمًا، فضرب الستارة، وأحضر الجارية، وقعد على كرسي، ثم قال: هات يا مخارق، فاندفعت، وألقيت عليها الصوت حتى أخذته الجارية فقال: أحسنت يا مخارق، وأحسن أستاذك، يا غلام تحمل معه ثلاثين ألف درهم، وإلى الموصلي ثلاثمائة ألف درهم، فصرت إلى منزلي بالمال، فأقمت ومن عندي مسرورين، نشرب بقية يومنا ونضرب، ثم بكرت إلى إبراهيم، فتلقاني قائمًا، وقال لي: أحسنت يا مخارق؛ فقلت: وما الخبر؟، قال: اجلس فجلست فقال لمن خلف الستارة خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السجف، فإذا المال كاملًا. قلت: فما خبر الضيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة، وهي متكاه، فقال: هذا صك الضيعة. سل عن صاحبها، فوجد ببغداد، فاشتراها منه يحيى بن خالد، وكتب إليّ: قد علمت أنه لا تسخو نفسك بشراء الضيعة بمال يحصل لك، ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي، ثم وجه إلي بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى. وقال مخارق: إذا عاشرت، فعاشر مثل هؤلاء: ستمائة ألف درهم، وضيعة بمائة ألف درهم، وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في منزلي لم أبرح منه، متى يوجد مثل هؤلاء.
قال إسحاق: حضر أبي يومًا عند موسى الهادي، فقال له: يا إبراهيم غنني جنسًا من الغناء الذه وأطيبه، وأطرب عليه، ولك حكمك، قال: وكنت أراه لا يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النسيب والرقيق، فغنيته (٢): [من الطويل]
وإنِّي لَتَعْرُوني لذكراك نَفْضَةٌ … كما انتفض العُصْفُورُ بلَّلهُ القَطْرُ
стр. 3249
فضرب بيده إلى جيب دراعته، فخرقها ذراعًا آخر، وقال: زدني ويلك أحسنت والله، ووجب حكمك، فغنيته: [الطويل]
هجرتُك حتَّى قيل لا يعرفُ الهَوَى … وزرتُكِ حتى قيل ليسَ لَهُ صَبْرُ
فرفع صوته، وقال: أحسنت لله أبوك! هات ما تريد، قلت: يا سيدي عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه، وقال: يا ابن اللخناء أردت أن تشهرني بهذا المجلس، فيقول الناس أطربه فحكمه، فتجعلني سمرًا وحديثًا؟! يا إبراهيم الحراني خذ بيد هذا الجاهل إذا قمت فادخله بيت المال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه، فخله وإياه، فدخلت فأخذت منه خمسين ألف دينار.
قال إسحاق: اشترى أبي لجعفر بن يحيى جارية مغنية بمال عظيم، فقال له جعفر: أي شيء تحسن هذه حتى بلغت هذا المال كله، قال: لو لم تحسن شيئًا إلا أنها تحكي قولي (١): [من الكامل]
لَمنِ الدِّيَارُ بِبَرْقَةِ الرُّوحانِ …
لكانت تساوي وزيادة، فضحك جعفر، وقال: أفرطت.
وقال إسحاق: صنع أبي تسعمائة صوت منها دينارية، ومنها درهمية، ومنها فلسية، فأما ثلاثمائة، فإنه تقدم الناس جميعًا فيها، وأما ثلاثمائة، فشاركهم، وشاركوه، وأما الثلاثمائة الأخر، فلعب وطرب. وإسحاق بعد ذلك الثلاثمائة الأخيرة، وكان بعد ذلك إذا سئل عن صنعته، قال: تسعمائة صوت.
قال إسحاق غنّى مخارق بين يدي الرشيد صوتًا فأخطأ في قسمته فقال له: أعد فأعاده، وكان الخطأ خفيًا، فقلت للرشيد سيدي قد أخطأ فيه، فقال لإبراهيم بن المهدي: ما تقول فيما ذكره إسحاق؟ قال: ليس الأمر كما قال ولا ههنا خطأ، فقلت له: أترضى بأبي؟ فقال: أي والله. وكان أبي في بقية علة، فأمر الرشيد، بإحضاره، فجيء به في محفة، فقال لمخارق: أعد الصوت، فأعاده، فقال له: ما عندك يا إبراهيم في هذا الصوت؟ قال: قد أخطأ فيه، فقال: هكذا قال ابنك إسحاق، وذكر أخي إبراهيم أنه صحيح، فنظر إلي، فقال: هاتوا دواة فأتي بهما فكتب شيئًا لم يقف أحد عليه، ثم قطعه، ووضعه بين يدي الرشيد، وقال لي: اكتب بذكر الموضع الفاسد من قسمة هذا الصوت، فكتبته، وألقيته، فقرأه وضحك وقام، فأقرأه بين يدي الرشيد،
стр. 3250
فعجب، ولم يكن أحد في المجلس إلا قرظ، وأثنى، ووصف. وخجل إبراهيم بن المهدي.
قال إسحاق: غنى أبي يومًا بحضرة الرشيد هذا البيت (١): [من الطويل]
سَلِي هَلْ قَلاني مِنْ عَشِيْرٍ صَحِبْتُهُ … وهَلْ ذَمَّ رَحْلِي في الرِّفاقِ رَفِيقُ
فطرب واستعاده، وأمر له بألف دينار؛ فلما كان بعد سنين، خطر ببالي ذلك الصوت، وذكرت قصته، فغنيته إياه، فطرب وشرب، ثم قال لي: يا إسحاق كأن في نفسك ذكر حديث أبيك، وأني أعطيته ألف دينار على هذا الصوت، فطمعت في الجائزة، فضحكت وقلت: والله يا سيدي ما أخطأت فقال: أخذ أبوك ثمنه مرة، فلا تطمع. فعجبت من قوله، ثم قلت: يا سيدي قد أخذ أبي منك أكثر من مائتي ألف دينار ما رأيتك ذكرت منها غير هذا الألف على يحيى أنا، فقال: ويحك أكثر من مائتي ألف، فقلت: أي والله! فوجم من ذلك، وقال: أستغفر الله من ذلك. ويحك فما الذي خلف منها، قلت: خلَّف منها علي ديونًا، فقضيتها، قال: ما أدرى أينا أشد تضييعًا، والله المستعان.
قال إسحاق؛ قال أبي: أتيت الفضل بن يحيى يومًا، فقلت له: يا أبا العباس جعلت فداك، هب لي دراهم، فإن الخليفة قد حبس يده، فقال: ويحك يا إسحاق ما عندي مال أرضاه لك، ثم قال: هاه الا انها هنا خصلة. أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار نشتري لنا بها ما نحب، فما فعلت ضيا جاريتك؟ قلت: عندي، جعلت فداك، قال: فهوذا أقول لهم حتى يشتروها منك، فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه وانصرفت، فبكر علي صاحب اليمن، ومعه صديق له فقال: جاريتك فلانة؟ فقلت: عندي، فقال: أعرضها علي، فعرضتها، فقال: بكم؟ قلت: بخمسين ألف دينار لا أنقص منها واحدًا، وقد أعطاني بها الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال لي: له أريدها، فقلت: أنت أعلم. إذا اشتريتها، فصيرها لمن شئت، فقال لي: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة، وكان شراء الجارية على أربعمائة دينار؛ فلما وقع في أذني ثلاثين ألف دينار، أرتج علي، ولحقني زمع، وأشار علي صديقي الذي معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية، أو بي، أو بالفضل [حادثة]، فسلمتها وأخذت المال، ثم بكّرت إلى الفضل بن يحيى، فإذا هو جالس وحده؛ فلما نظر إلي، ضحك، ثم قال لي: يا ضيق الحوصلة، حرمت
стр. 3251
نفسك عشرين ألف دينار، فقلت له: جعلت فداك دع ذا عنك، فوالله لقد دخلني شيءء أعجز عن وصفه، وخفت أن يحدث بي حادثة أو بالجارية، أو بك، أو بالمشتري، فبادرت بقبول ثلاثين ألف دينار، فقال: لا ضير يا غلام جيء بالجارية، فقال: خذها مبارك لك فيها، فما أردنا إلا نفعك، لم نرد الجارية؛ فلما نهضت قال لي: مكانك رسول. صاحب أرمينية قد جاءنا، فقضينا حوائجه، ونفذنا كتبه، وذكرنا أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري لنا ما نحب فاعرض عليه جاريتك هذه، ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار، فانصرفت بالجارية وبكر على صاحب أرمينية، ومعه صديق لي آخر، فقاولني بالجارية فقلت: لست أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فقال معي: عشرين ألف دينار مسلّمة تأخذها. بارك الله لك فيها، فدخلني والله مثل ما دخلني في المرة الأولى وخفت مثل خوفي الأول، فسلمتها إليهم، وأخذت المال وبكرت على الفضل بن يحيى؛ فلما رآني، ضحك، وضرب برجله، وقال: ويحك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، فقلت له: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرة الأولى، فقال لي: لا ضير يا غلام جاريته، فجيء بها، فقال: خذها ما أردناها، ولا أردنا إلا نفعك، فلما ولت الجارية صحت بها ارجعي فرجعت فقلت: أشهدك جعلت فداءك أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم كسبت لي في يوم خمسين ألف دينار فما جزاؤها إلا هذا، فقال: وفقت إن شاء الله.
قال: لما صنع أبي لحنه في (١): [من الرمل].
ليت هندًا أنجزتنا ما تَعِدْ ..
خاصمته، وعتبته في صنعته، وقلت له: ما رأيك من ينتقد أنفاسك، ويعيب محاسنك، وأنت لا تفكر تجيء إلى صوت قد عمل ابن سريج فيه لحنًا، فتعارضه بلحن لا يقاربه، والشعر أوسع من ذلك، فدع ما قد اعتورته صناعة القدماء، وخذ في غيره. فقطب، وكنت لا أزال أفاخره بصنعتي، وأحب ما يعاب من صنعته، فإن قبل مني فذاك، وإن غضب داريته، وترضيته. فقال لي: ما يعلم الله أدعك أو تفاخرني بخير صوت صنعته في طريقة هذا الصوت؛ فلما رأيت الجدّ منه اخترت لحني في (٢): [من مجزوء الخفيف]
قُلْ لمن صَدَّ عاتبا … ونَأَى عَنْك جانبا
стр. 3252
وكان ما تجاريناه، ونحن نتساير في الصحراء، لنقطع فضل خمارنا، فقال: من تحب أن يحكم بيننا، فقلت: من ترى يحكم؟ قال: أول من يطلع علينا. أغنيه لحني، وتغنيه لحنك. فطمعت فيه، وقلت: نعم، وأقبل شيخ نبطي على حمار له، فأقبل عليه أبي، وقال إني وصاحبي هذا قد تراضينا بك في شيء، قال: وأي شيء هو؟ قال: زعم كل واحد منا أنه أحسن غناءً من صاحبه، فتسمع مني ومنه، وتحكم بيننا، فقال: على اسم الله، فبدأ أبي فغنّى لحنه، وتبعته، فغنيت لحني؛ فلما فرغت أقبل علي، فقال: قد حكمت عليك عافاك الله، ومضى فلطمني لطمة ما مر بي مثلها، وسكت فما عدت عليه حرفًا.
قال الرشيد يومًا لجعفر بن يحيى: قد طال إسماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها، فهلم أقاسمك إياها، فأخايرك، فاقتسمنا المغنين على أن جعلنا بإزاء كل رجل نظيره، فكان ابن جامع في حيّز الرشيد، وإبراهيم في حيّز جعفر، وحضر الندماء لمحنة المغنين، وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء، فغنّى صوتًا أحسن فيه كل الإحسان، وأطرب الرشيد غاية الإطراب؛ فلما أقطعه قال الرشيد لإبراهيم: هات هذا الصوت، فغنه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لا أعرفه، وظهر الانكسار فيه، فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد، ثم قال لابن جامع: غنّ يا إسماعيل فغنّى صوتًا ثانيًا أحسن من الأول؛ فلما استوفاه، قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم، فقال: لا والله ما أعرف هذا، فقال: هذان اثنان يا إسماعيل. غنّ يا إسماعيل ثالثًا يتقدم الصوتين، فغنّى الثالث؛ فلما أدّاه على آخره، قال: هاته يا إبراهيم، فقال: لا والله ما أعرفه، فقال حعفر: أخزيتنا أخزاك الله!. وأتم ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه، وخلع عليه، ولم يزل إبراهيم منخجلًا حتى انصرف. قال: فمضى إلى منزله، فلم يستقر حتى بعث إلى محمد المعروف بالرف، وكان من المغنين المحسنين، وكان أسرع الناس أخذًا للصوت، وكان الرشيد وجد عليه في أمر، فألزمه بيته، وتناساه، فقال إبراهيم للرف: إني اخترتك على من هو أحب إلي منك لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون، قال: أبلغ في ذلك محبتك إن شاء الله. فأدى إليه الخبر، وقال: أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع، فتعلمه أنك صرت إليه مهنيًا بما تهيأ له علي، وتبتليني، وتشتمني، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات، وتأخذها، ولك كل ما تحبّه من جهتي مع رضا الخليفة إن شاء الله. قال: فمضى من عنده، فاستأذن على ابن جامع، فأذن له، فدخل، وسلم عليه، وقال: جئتك مهنيًا بما بلغني من خبرك، والحمد لله الذي كشف الفضل عن محلك في صناعتك. قال: وهل بلغك خبرنا؟، قال: هو أشهر من أن يخفى
стр. 3253
على مثلي قال: ويحك، إنه يقصر عن العنان قال: أيها الأستاذ سرني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك، وأسقط الأسانيد، قال: أقم عندي حتى أفعل. فدعا ابن جامع بالطعام، فأكلنا، وشربنا، ثم بدأ، وحدثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الرف: وما هو أيها الأستاذ، فغناه ابن جامع، فجعل محمد يصفق، ويشرب، وابن جامع مشتغل في شأنه حتى أخذه منه، ثم سأله عن الصوت الثاني، فغناه إياه، وفعل مثل فعله الأول، ثم كذلك في الصوت الثالث؛ فلما أخذ الأصوات، وأحكمها، قال له: يا أستاذ قد بلغت ما أحب، فأذن له في الانصراف فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم فلما طلع من باب داره قال: ما وراءك؟ قال: ما تحب، قال: ادع لي بعود فدعا به فضرب وغنّاه الأصوات، فقال إبراهيم: هي وأبيك بصورتها وأعيانها، أرددها علي الآن، فلم يزل يرددها حتى صحت لإبراهيم، وانصرف محمد إلى منزله، وغدا إبراهيم إلى الرشيد، فلما دعا بالمغنين دخل فيهم؛ فلما بصر به، قال: أو قد حضرت؟ أما كان ينبغي أن تجلس في منزلك شهرًا بسبب ما لقيت من ابن جامع؟ قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك؟ والله لئن أذنت لي أن أقول لأقولن، قال: وما عساك أن تقول؟ قل. قال: إنه ليس لي ولا لغيري أن يراك متعصبًا لخير، فيغاضبك، أو يغالبك، وإلا فما في الأرض صوت إلا وأنا أعرفه، فقال له: دع ذا عنك. قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا. قال: فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما يقول، فهاته اليوم، فليست ههنا عصبية، ولا تمييز، فاندفع يغني الأصوات كلها، وابن جامع مصغ مستمع له حتى أتى على آخرها، فاندفع ابن جامع يحلف بالإيمان المحرجة أنه ما عرفها قط، ولا سمعها، ولا هي إلا من صنعته لم تخرج إلى أحد غيره، فقال له: ويحك، فما أحدثت بعدي؟ قال: ما أحدث حدثًا. قال: يا إبراهيم بحياتي أصدقني، قال: وحياتك لأصدقنك رميته بحجر. بعثت محمدًا الرف، وضمنت له ضمانات أولها رضاك عنه، فمضى فاحتال عليه حتى أخذها عنه، ونقلها إلي وقد سقط الآن عني اللوم بإقراره بأنه ليس على أن أعرف ما صنعه هذا، ولم يخرجه إلى الناس. وهذا باب من العتب، وإنما يلزمني أن يعرف هو شيئًا من غناء الأوائل، وأجهله أنا، وإلا فلو لزمني أن أروي صنعته للزمه أن يروي صنعتي، وللزم كل واحد منا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك. فمن قصر عنه كان مذمومًا ساقطًا. فقال له الرشيد: صدقت يا إبراهيم، ونصحت عن نفسك، وقمت بحجتك، ثم أقبل على ابن جامع، فقال له: يا إسماعيل أنت أبطل عليك الموصلي ما فعلته به أمس، وانتصف منك. ثم دعا بالرف ورضي عنه.
стр. 3254
قال إسحاق: وأصوات ابن جامع هذه الأوّل منها قول قيس بن ذريح (١): [من الوافر]
بَكَيْتُ نَعَمْ بَكَيْتُ وكُلُّ إِلْفٍ … إِذا مَاتَتْ قرينتُهُ بَكَاها
وما فارقتُ لُبْنَى عَنْ مَقَالٍ … ولكنْ شِقْوَةً بَلَغَتْ مَدَاها
قال: والثاني منها قول حماد الرواية (٢): [من المتقارب]
عَفَتْ دارَ سَلْمَى بمقتضى الرغامِ … رياح توارثها كُلَّ عام
خلاف الحلول بتلك الطلول … وسحب الذيول بذاك المقام
قال: والثالث منها قول [العباس بن] الأحنف (٣): [من الكامل]
نَزَفَ البُكاءُ دُموع عينك فاستَعِرْ … عينًا لغيرك دمعها مدرار
مَنْ ذا يُعيرُكَ عينه تبكي بها … أَرَأَيْتَ عينًا للبكاء تُعارُ
قال: لما أنشد بشار قول العباس بن الأحنف:
نزف البكاء دموع عينك ..
«البيتين»
قال: لَحِقَ هذا الفتى بالمُحسنين. ما زال يدخل نفسه معنا، ونحن نخرجه حتى قال هذا الشعر.
قال: ولما أنشد الرشيد قول العباس بن الأحنف: [من الكامل]
مَنْ ذا يُعِيرُكَ عينه تبكي بها ..
قال: من يعير عينه؟ من؟ لا حاطه الله، ولا كلاه.
قال لإبراهيم بن المهدي، وإبراهيم الموصلي، وابن جامع، وابن أبي الكناث باكروني غدًا، وليكن كل واحد منكم قد قال شعرًا إن كان يقدر أن يقوله يغني فيه لحنًا، وإن لم يكن شاعرًا، غنّى في شعر غيره.
قال إبراهيم بن المهدي: قمت في السحر، واجتهدت أن أقدر على شيء أصنعه فلم يتفق؛ فلما خفت طلوع الفجر، دعوت غلماني، وقلت لهم: أريد المضي إلى موضع لا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا في زنيديات لي يبيتون على باب داري،
стр. 3255
فقمت فركبت في إحداهما، وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة، لم تتم حتى يدير ما يحتاج إليه، فإذا قام إلى حاجته في السحر اعتمد على خشبة له في المستراح، فلا يزال يقرح عليها حتى يفرغ من الصوت، ويرسخ في قلبه.
فجئت حتى وقفت بحيث مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت (١):
إذا سُكِبت في [الكأس] كانَ مِزَاجُها … تَرَى لونها في جلدة الكأس مُذْهَبا
وإن مُزِجَت راعت بلون تخالُهُ … إِذا ضَمِنَتْهُ الكأس بالكأس كوكبا
أبوها نجاء المُزْنِ والكَرْمُ أُمَّها … ولم أرَ زوجًا منه أشهى وأطيبا
فجابك صفرًا أَشْبَهَتْ غير جنسها … وما أشبهت في اللون أمًا ولا أَبَا فما زلت واقفًا أسمع الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد، فلما جلسنا إلى الشرب، جاء الخادم لي، فقال يقول لك أمير المؤمنين: يا ابن أم غنني، فاندفعت، فغنيته هذا الصوت، والموصلي في الموت حتى فرغت منه، وشرب عليه، وأمر لي بثلاثمائة ألف درهم، فوثب الموصلي، وحلف بالطلاق، وبحياة الرشيد أن الشعر له قاله البارحة، وغنّى فيه ما سبقه إليه أحد، فقال إبراهيم: ياسيدي فمن أين هو لي لولا كذبه وبهته؟ وإبراهيم يضطرب، ويصيح؛ فلما قضيت أنا من العبث به قلت للرشيد: الحق أحق ما استعمل. وصدقته، فقال الرشيد: أما أخي فقد أخذ المال، ولا سبيل إلى ردّه، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضًا عما جرى عليك، ولو ابتدأت بالصوت، لكان حظك. فأمر بها فحملت إليه.
وذكر أن الرشيد هب من نومه في ليلة من الليالي، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض، فركبه، وخرج في دراعة وشي ملثمًا بعمامة وشي، متلحفًا بإزار وشي، وبين يديه أربعمائة خادم بيضًا سوى الفراشين، وكان مسرور الفرغاني جريًا عليه؛ لمكانته عنده؛ فلما خرج قال: إلى أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: أردت بيت الموصلي. قال مسرور: فمضى، ونحن معه، وبين يديه حتى أتى إلى منزل إبراهيم فخرج وتلقاه، وقبل حافر حماره، وقال له: يا أمير المؤمنين أفي هذه الساعة تظهر؟ قال: نعم شوقك بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان، وأجلس إبراهيم، فقال: يا سيدي أتنشط لشيء تأكل، فقال: نعم حافر ظبي، فأتي به كأنه كان معدًا له، فأصاب منه شيئًا يسيرًا، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال الموصلي: يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك، قال: بل الجواري، فخرج جواري
стр. 3256
إبراهيم، فأخذن صدر الإيوان وجانبه، فقال: أيضربن كلهن أم واحدة واحدة، فقال: يضربن اثنتان اثنتان، وتغني واحدة واحدة فعلن ذلك حتى مرّ صدر الإيوان، وأخذ جانبيه، والرشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهن، إلى أن غنت صبية من حاشية الصفة (١): [من البسيط]
يا مُورِيَ الزَّنْدِ قَدْ أَعْيَيْتَ قادِحه … اقبس إذا شِئْتَ مِنْ قلبي بمقباس
ما أَقْبَحَ الناس في عيني وأَسْمَحَهُمْ … إِذَا نظرت فلم أنظرك في الناس
قال: فطرب لغنائها، واستعاد الصوت مرارًا، وشرب أرطالًا، ثم سأل الجارية عن صانعه، فأمسكت، فاستأذناها، فتقاعست، فأمر بها، فأقيمت حتى أقيمت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، ودعا بحماره، فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم، فقال: ما ضرك يا إبراهيم أن لا تكون خليفة؟ فكادت نفسه تخرج حتى دعا به بعد ذلك وأدناه. وكان الذي أخبرته به الجارية أنَّ الصنعة في الصوت لأخته علية، وكانت لها وجهت بها إبراهيم تطارحه.
قال لي إبراهيم؛ قال لي الرشيد يومًا: يا إبراهيم بكر غدًا حتى نصطبح، فقلت: أنا والصبح كفرسي رهان، فبكرت، فإذا به خال وبين يديه جارية كأنها خُوط بان، أو جذل عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل في يدها العود فقال لها: غني، فغنت في شعر أبي نواس وهو هذا (٢): [من الطويل]
تَوَهَّمَهُ قلبي فأصبحَ خدُّهُ … وفيهِ مَكانَ الوَهُم مِنْ ناظراي أَثَرْ
ومرَّ بفكري خاطرًا فَجَرَحْتُهُ … ولم أرَ جسمًا قط تجرحُهُ الفِكَرْ
وصافحه قلبي فآلمَ كَفَّهُ … فَمَنْ غَمْزِ قلبي في أنامله عقر
قال إبراهيم: فذهبت والله بعقلي حتى كدت أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه التي يقول فيها الشاعر (٣): [من الوافر]
لها قلبي الغَدَاةَ وقلبُها لِي … فنحن كذاكَ في جَسَدَينِ رُوْحُ
قال: ثم شرب أرطالًا، وسقاها، وقال: غنّ يا إبراهيم، فغنيت حسب ما في قلبي غير متحفظ (٤): [من الطويل]
стр. 3257
تَشَرَّبَ قَلْبِي حُبُّهَا وَمَشَى بِهَا … تَمَشِّي حُمَيَّا الكَأْسِ في كَفِّ شَارِبِ
ودَبَّ هَوَاهَا في عِظَامِي فَسُقْمُهَا … كما دَبَّ في الملسوع سُمَّ العَقَارِبِ
قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالة مني، وأمرني بالانصراف، ولم يدع بي شهرًا، ولا حضرت مجلسه؛ فلما كان بعد شهر دس إلي خادمًا معه رفعة فيها مكتوب (١): [من الخفيف]
قَدْ تَخَوَّفْتُ أَنْ أَمُوتَ مِنَ الوَجْـ … ـد ولَمْ يَدْرِ مَنْ هَوِيتُ لما بي
يا كتابي فاقر السلام على مَنْ … لا أُسَمِّي وقُلْ له يا كتابي
إن كفًا إليك قد كتبتني صَبَّتْ … فؤاده في عذابي
فأتاني الخادم بالرقعة فقلت: ما هذا؟ قال: رقعة فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسسْتُ بالقصة، فشتمت الخادم، ووثبت إليه ضربته ضربًا شفيت به غيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري، فأخبرته بالقصة، وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقي، ثم قال: على عمد فعلت ذلك. أردت لأمتحن مذهبك، وطريقتك، ثم دعا بالخادم؛ فلما رآني قال: قطع الله يديك ورجليك. ويلك قتلتني، فقلت: القتل كان بعض حقك لما وردت به عليّ، ولكني رحمتك، فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليؤدي عقوبتك بما تستحقه، فأمر لي الرشيد بصلة سنية، والله أعلم ما فعلت الذي فعلت عفافًا، ولكني خفت.
قال إسحاق: سمعت الرشيد، وقد سأل أبي كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان؟، قال: يا أمير المؤمنين أخرج الهم من فكري، وأمثل الطرب بين عيني، فتسرع لي مسالك الألحان التي أريد، فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبًا ظافرًا بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وأن حُسْنَ وصفك مُشاكل لحسن صنعتك وغنائك.
قال ثمامة بن أشرس: مررت بإبراهيم الموصلي، ويزيد حوراء، وهما مصطبحان، وقد أخذ بينهما صوتًا يغنيانه، هذا بيتًا، وهذا بيتًا (٢): [من الطويل]
أَيا جَبَلي نعمان بالله خَلْيا … سبيلَ الصَّبا يخلص إلي نسيمها
فَإِنَّ الصَّبا ريح إذا ما تنسَّمَتْ … على نفسِ مَكْرُوبٍ تجلَّتْ هُمُومُها
قال ثمامة: فوالله ما خلت أن شيئًا بقي من لذات الدنيا بعد ما كنا فيه.
стр. 3258
قال إبراهيم الموصلي، قال لي جعفر بن يحيى يومًا: صِرْ إليَّ حتى أهب لك شيئًا حسنًا، فصرت إليه، فقال لي: أحب أن أهب لك الشيء الحسن الذي وعدتك به، وأرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم، فقلت: بل يُرشدني الوزير - أعزه الله - إلى هذا الوجه، فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا المال، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر ذي الرمة حفظ الصبي، ويعجبه، ويؤثره، وإذا سمع فيه غناء، أطربه أكثر مما يطربه غيره ممن لا يحفظ شعره، فإذا غنيته وأطربته أمر لك بجائزة، فقم على رجلك وقبل الأرض وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة، ولا تضره ولا ترزأه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك؟ فقل: قطيعة تقطعنيها سهلة عليه، ولا قيمة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة أغنّي فيه ما أختاره ويحظر على المغنين جميعًا أن لا يداخلوني فيه، فإني أحب شعره، وأستحسنه، فلا أحب أن يبغضه على أحد منهم، وتوثق منه في ذلك، فقلت هذا القول منه، وما انصرفت إلا بجائزة من عنده مع ذلك توخيت وقتًا للكلام حتى وجدته، فقمت وسألت كما قال لي، فرأيت السرور في وجهه، وقال: ما سألت شططًا قد أعطيتك ما سألت، فجعلوا يتضاحكون من قولي ويقولون: لقد استضخمت القطيعة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في التوقيع، قال: توقع كيف شئت فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي إلا جعلتني في ثقة من ذلك، بأن يحلف لي بأن لا يعطي أحدًا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر ذي الرمة، فإن ذلك وثيقتي. فحلف مجتهدًا له لئن غناه أحد منهم في شعر ذي الرمة، لا أثابه ولا أبره، ولا سمع غناءه، فشكرت فعله، وقبلت الأرض بين يديه، فانصرفنا، فصنعت مائة صوت، وزيادة عليها في شعر ذي الرمة، وكان إذا سمع منها شيئًا، طرب وزاد في الطرب، ووصلني، وأجزل، ولم ينتفع أحدٌ منهم غيري، فأخذت والله منه ألف ألف درهم، وألف ألف درهم.
قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزل، وزمر برصوما، وغنّى إبراهيم (١): [من الوافر]
صَحَا قَلْبِي وَزَاغَ عَقْلِي … وأَقْصَرَ باطلي ونَسِيتُ جَهْلِي
رأيتُ الغانياتِ وكُنَّ … إِليَّ صَرَمْنَنِي وقَطَعْنَ حَبْلِي
فطرب هارون حتى وثب على رجليه، وصاح يا آدم لو رأيت من يحضرني اليوم
стр. 3259
من ولدك، لسرك، ثم جلس، وقال: أستغفر الله!.
قال علي بن عبد الكريم زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جارية، فضربن جميعًا طريقة واحدة، ثم غنين، فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة شدّي متناك، فشدّته، فعجبت أولًا من فطنته وابن جامع يغنيه.
قال إبراهيم الموصلي؛ قال لي الرشيد يومًا: يا إبراهيم إني قد جعلت غدًا للحرم، وجعلت ليلته للشرب مع الرجال، وأنا مقتصر من المغنين عليك، فلا تشغل غدًا بشيء، ولا تشرب نبيذًا، وكن بحضرتي وقت العشاء الآخرة. فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال: وحق أبي لئن تأخرت، أو اعتللت بشيء، لأضربن عنقك. أفهمت؟ قلت: نعم، وخرجت، فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه، ولا قرأت رقعة لأحد حتى صليت المغرب، وركبت قاصدًا إليه؛ فلما قربت من داره، مررت بفناء قصر، وإذا زنبيل كبير مستوثق منه بحبال، وأربع عرى أدم، وقد دلّي من القصر، وجارية تنتظر إنسانًا قد وعد؛ ليجلس فيه، فنازعتني نفسي إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعلّه يجري بسبب يعوقني عن الخليفة، فيكون الهلاك، ولم أزل أنازع نفسي، وتنازعني حتى غلبتني، فنزلت، وجلست فيه، ومد الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت، فنزلت فإذا جوار كأنهنّ المها جلوس، فضحكن، وطربن وقلن: قد جاء والله؛ فلما رأينني من قريب تبادرن عنّي، وقلن: يا عدو الله ما أدخلك إلينا؟، فقلت: يا عدوات أنفسهن ما الذي أردتن إدخاله ولم صار أولى بها مني؟ فلم يزل ذلك دأبنا، وهنَّ يضحكن، وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن: أما من أردنا، فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلمن نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إلي طعام، ودعيت إلى أكله، فلم يكن في فضل إلا أنني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذر، ثم جيء بالنبيذ، فجلسنا نشرب، فأخرجن إلي ثلاث جوار لهنَّ، فغنين غناءً مليحًا، وغنت إحداهن صوتًا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم. هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له فقالت: يا فاسق ما يدريك الغناء ما هو؟ ثم غنت الأخرى صوتًا للغريض، فقالت: اللهم أحسن إبراهيم. هذا له أيضًا، فقلت: كذبت يا خبيثة هذا للغريض، فقالت: اللهم أخزه. ويلك ما يدريك، ثم غنت الأخرى صوتًا لي، فقالت تلك: أحسن ابن سريج [هذا]. له. قلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه، وغناءه إليهم. قالت: ويلك وما يدريك؟، فقلت: أنا إبراهيم. فتباشرن بذلك جميعًا، وظهرن كلهنَّ لي، وقلن: كتمتنا نفسك،
стр. 3260
وقد سررنا. فقلت: أنا الآن أستودعكم الله، فقلن: وما السبب؟ فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد، فضحكن وقلن: الآن طاب حبسك علينا، وعلينا إن أخرجت أسبوعًا، فقلت: هو والله القتل، فقلن: إلى لعنة الله فأقمت عندهن أسبوعًا لا أزول؛ فلما كان بعد أسبوع، ودعنني وقلن: إن سلمك الله، فأنت بعد ثلاثة أيام عندنا. قلت: نعم. فأجلسنني في الزنبيل، وسرحت فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، فإذا النداء قد اتسع ببغداد في طلبي، وأن من أحضرني فقد سوّغ بي، وأقطع مالي. فاستأذنت، فبادر الخادم حتى أدخلني إلى الرشيد، فلما رآني شتمني، وقال: السيف والنطع. إيه يا إبراهيم تهاونت بأمري، وتشاغلت بالعوام عما أمرتك به، وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا بين يديك، وما أمرت غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط، وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارًا، فاسمعه، فإن كان عذرًا، فاقبله وإلا فأنت أعلم. قال: هاته، فليس ينجيك، فحدثته، فوجم ساعة، ثم قال: إنَّ هذا لعجب. فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحضر عندهن، وإن شئت على موعد، قال: بل على موعد. قلت: أفعل. قال: انظر. قلت: ذاك حاصل لك متى شئت، فعدل عن رأيه في، وأجلسني، وشرب، وطرب؛ فلما أصبحنا أمرني بالانصراف، وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهنَّ في وقت الموعد؛ فلما وافيت الموضع إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه، ومدت الجواري، وصعدت، فلما رأينني تباشرن بي، وحمد الله على سلامتي، وأقمت ليلتي؛ فلما أردت الانصراف، قلت لهن: إنّ لي أخًا هو عديل نفسي عندي، وقد أحبّ معاشرتكن، ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه، فمرحبًا. فواعدتهن ليلة غد، وانصرفت، وأتيت الرشيد، فأخبرته؛ فلما كان الوقت خرج معي متخفيًا حتى أتينا الموضع، فصعدت، وصعد بعدي، ونزلنا جميعًا، وقد كان الله وفقني بأن قلت لهن: إذا جاء صديقي، فاستترن عني وعنه، ولا يسمع لكن نطقة، وليكن ما تخترنه من الغناء، أو تقلنه من قول مراسلة، فلم يتعدين ذلك، وأقمن على أتم ستر وخفر وشربنا شربًا كثيرًا، وقد كان أمرني أن لا أخاطبه بإمرة المؤمنين؛ فلما أخذ مني النبيذ، قلت - سهوًا -: يا أمير المؤمنين، فتبادرن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت لك واحدة منهن؛ لضربت رقبتك. قم بنا، فانصرفنا، فإذا هنَّ له، وقد كان غضب عليهن، فحبسهن في ذلك القصر، ثم ردد بخدم، فردهن إلى قصري، ووهب لي مائة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.