إِنْ ثَقِيفًا لم تكُنْ هَوَازِنا
ولم تُناسب عامرًا ومازنا!
قال المغيرة: أما نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء!
دير اللج (١) - وهو بالحيرة. مما بناه النعمان بن المنذر. وهو من أنزه دياراتها وأحسنها بناءً: لما يُطيف به من البساتين. وكان النعمان يأتيه يتعبد فيه، ويستشفى به في مرضه. وفيه قيل: [من السريع]
ياليلتي أصيب بها ليلة، … لو لم يَكُنْ قصرها الطيب
بِتنا بدير اللج في حانة … شَرابُها في الكأس محبوب
يُديرها هَضِيمُ الحَشَا … يحبّه الشبان والشيب
حتى إذا ما الخمر مالَتْ بنا … جرت أمور وأعاجيب
فما ترى ظنّك في شادن … بات إلى جانبه ذيب
وقد ذكره أبو الفرج، فقال: كان النعمان يركب في كل أحد إليه، وفي كل عيد. معه أهل بيته خاصة من آل المنذر ومن ينادمه من أهل دينه عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصصة بالجوهر. وبين أيديهم أعلامٌ فوقها صلبان الذهب. فإذا قَضَوْا صلاتهم، انصرف إلى مُسْتَشْرفه على النُّجُب. فيشرب فيه بقية يومه إلى أن يُمسي، وخلع ووصل وحمل. وكان ذلك أحسن منظر وأشرفه. وأنشد فيه قول الشاعر: [من الطويل]
سقى الله دير اللج خيرًا فإنَّه … على بُعْدِهِ مِنِّي إِليَّ حَبِيبُ
قريب إلى قلبي بعيد مكانه … وكم من بَعِيد الدار وهو قريب
دير بني علقمة (٢) - وهو دير بناه علقمة بن عدي اللخمي، بالحيرة. وفيه يقول عَدِيّ بن زيد، وفيه غناء (٣): [من السريع]
نادمت في الدير بَنِي عَلْقَما … عاطيتهم مشمولةٌ عَنْدَمَا
كأنَّ رِيحَ المسك في كأسها … إذا مَزَجْناها بماء السما
دير هند الأقدم (٤) - وهي هند الكبرى بنت الحارث بن عمرو بن حجر،
стр. 352
الملك، أم عمرو ابن المنذر الملك.
وحكى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه قال: دخلت مع يحيى بن خالد، لما خرجنا مع الرشيد، إلى الحيرة. وقد قصدها ليتنزه بها ويرى آثار آل المنذر. فدخل دير هند الأكبر. وهو على طرف النجف: فرأى في جانب حائطه شيئًا مكتوبًا. فدعا بسلم فأحضر. وأمر بعض أصحابه بأن يصعد إليه، فيقرأه. فإذا فيه مكتوب: [من السريع]
إنَّ بَنِي المُنْذِر عامَ انْقَضَوْا … بحيثُ شاد البيعة الراهب
تَنْفَحُ بالمِسْك ذَفَارِيُّهم … وعَنْبرٌ يَقْطبه القاطب
والقر والكتان أثوابهم … لم يَجْلُبِ الصوف لهم جالب
والعز والمُلكُ لهم راهن … وقهوة ناجُودُها ساكب
أضْحَوْا وما يرجوهم طالب … خيرا ولا يرهَبُهُمْ راهب
كأنهم كانوا بها لُعْبَةً … سار إلى بَيْن بها راكب
وأصْبَحُوا في طبقات الثرى … بعدَنَعيم لهم راتب
شر البقايا مَنْ تَرى منهم … قُلْ وذُلُّ جَدُّه خائب
فبكى الرشيد، حتّى جَرَت دموعه على لحيته. وقال: هذه سبيل الدنيا وأهلها! وانصرف عن وجهه ذلك.
قبة الشنيق (١) - وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاج. وبإزائها قباب يقال لها السُّكُورَة، جميعها للنصارى. وعيد الشعانين بها نَزِه. يخرج فيه النصارى من السكورة إلى القبة في أحسن زيّ، عليهم الصلبان وبأيديهم المجامر. والقسوس والشمامسة على نَعَم واحد، متفق في الألحان، إلى أن يقضوا بغيتهم. ثم يعودون على هيأتهم.
دير إسحاق (٢) - وهو بين حمص وسلميّة. في موضع حَسَن نَزِه، على نهر جار. وحوله كروم ومزارع، إلى جانب ضيعة صغيرة، يقال لها جذر. وهي التي ذكرها
стр. 353
الأخطل (١) في قوله: [من المديد]
عتّقتها حِمْصُ أو جَذَرُ
وفيه قال أبو عبد الرحمن الهاشمي، من أهل سَلَمِيَّة: [من الكامل]
وافق أخاك تَجِدْهُ خير رفيق، … إن كنت لستَ عَنِ الصَّبَا بِمُفِيقِ
وإذا مررت بدير إسحاق فقل: … جادتك غير سحائب وبُرُوقِ
ديرٌ يُشَبَّه ماؤُه بهوائه … وهواؤه بلطافة المعشوق
وكتب أبو عبد الرحمن إلى أخيه من دير إسحاق: [من البسيط]
أما طربت لهذا العارض الطَّرِب؟ … أما رأيت الصبا والجو في لَعِبِ؟
تعانقا فكأنّ القطر بينهما … من فضةٍ، وكأن الزهر منْ ذَهَبِ
ونحن في دير إسحاق ومَجْلِسُنا … يشكُو مَغِيبَك، فاحضره ولا تغب
لنجعل اليوم عيدًا في ملاحتِهِ … ونقلب الهم بالأدوار في القلب
وقال فيه: [من المتقارب]
سلام على ليلة بالدُّوَيْرِ … تقضت كزائرة في الحلم
أَتَتْنِي في طيلسان الضياء … ولم تَتَقَنَّع بنورِ الظُّلَم
يعارض فيها ابتسام البروق … بُرُوقُ دِنان بها تَبْتَسِمْ
وصفراء لم تبق إلا النحيف … منها الليالي وطول القدم
تمززتها في ثياب الدُّجى … إلى أن تجلّى الدُّجى للهرم
نزلنا بها وَسْطَ مُكوَّةٍ … مطارف من نسج أيدي الديم
سقاني ابنُ قسيسها كأسها … على زَوْرة من حبيب أَلَمْ
стр. 354
وقال فيه: [من الطويل]
أَتَطْمَا رِياضُ الدير من صوب ماطر … ولم أقر ضيف الليل أجفان ساهر؟
وقلتُ: سقى الصحراء بين عواقص … ذوائبها في سفحه ونواشر
رحيم بأطفالِ العَرُوسِ يَضُمُّها … إذا ما انثنت ضمَّ الشَّفيق المحاذر
فكم قلت للساقي، وقد فتح الندى … نواظرها: قُمْ هَاتِها لا تُنَاظِرِ
يحن إلى الدير اشتياقي كأنما … يريني الصبا فيه بموقع ناظري
دير ميماس (١) وهو بين دمشق وحمص على نهر ميماس. وإليه نُسب. وهو في رياض وبساتين، وعليه طواحين رومية. ويزعم رهبانه أن به شاهدًا من الحواريين.
وحكى العسقلاني أنه كان لديك الجن (٢) غلام يهواه، وكان شديد الوجد به فخدعه قوم ومضوا به إلى دير ميماس، وسقَوْه نبيذًا. فبلغ ذلك الديك، فقلق. وقال (٣):
قل لهضِيمِ الكَشْحِ مَياسِ: … اِرتَفَعَ العهد من الناس
يا طاقة الآس التي لم تمد … إلا أذلتْ قُضُبَ الآس
وثقت بالكاس وشُرَّابِها، … وحَتْفُ أمثالك في الكاس
في دير ميماس، وما بُعْدَ ما … بين مُغيثيك ومِيمَاس
لا بأس مولاي على أنها … نهاية المكروه والباس
فاله ودع عنك أحاديثهم … سيُصبح الذاكر كالناسي
وحكي أن أبا نواس، لما دخل حمص مارا بها، دعاه فتى من أدبائها إلى دير ميماس. ودعا معه أشجع السلمي (٤). فجلسوا يشربون، وأبو نواس يُنشدهم، له ولغيره.
стр. 355
فقال أشجع (١): [من المنسرح]
صبحتُ وجه الصباح بالكاس … ولم تَعُقني مقالة الناس
ونحنُ عِنْدَ المُدام أربعة … أَكْرَمُ صَحْبِ وخَيْرُ جُلاسِ
نُدِيرُ حِمْصِيّةً مُعَتَقَةً … على نسيم النسرين والآس
ولم يزل مُطربا ومنشدنا … أبو نُوَاسٍ في دير ميمَاس
دير مُحَلّي (٢) - وهو بساحل جيحان، قريب المصيصة.
وحكى أبو نصر النحوي أن أبا خالد الكاتب اجتاز بهذا الدير، ومعه ابن أبي زرعة الدمشقي الشاعر (٣). قال: فرأينا من حُسن رياضه، وتدفق مائه، وطيب هوائه، ونضرة أشجاره، منظرًا حسنًا. فقال ابن أبي زرعة: لقد حظر علينا أن نتجاوز هذا الموضع ولا نشرب فيه حتى نموت سكرا. فقلت له: ويحك! أنا مبادر في مُهِم. فقال: ما قدامك أهم من هذا. وثنى رجله، ونزل عن دابته. فنزلنا. ثم أتانا الرهبان بتحايا الورد والياسمين والتفاح. وأخرجوا إلينا شرابًا عتيقًا، في نهاية الصفاء والرقة، فابتعناه منهم. وأقمنا يومنا هناك في أنعم عيش وأحسنه. فلما أصبحنا، غَدَوْنَا. فأنشدني أبو زرعة لنفسه: [من المنسرح]
ديرُ مُحلَّى مَحِلَّةُ الطرب … وصحنه صحن روضة الأدب
والماء والخمر فيه قد سُبِكا … للصفو من فِضَّةٍ ومن ذهب
لا ودموع الغمام روّق ذا … وتلك لم تُعْتَصر من العِنَبِ
ووَرْدُه في الغصون تيمنى حُسْنًا … وتُفَّاحُه يُبَرِّحُ بي
فلا تَلُمْني إذا جعلت إلى … حاناته ما حَبِيتُ مُنْقَلَبي
стр. 356
رضِيتُ أن أغتدي بلا نَشَبِ … ويغتدي وهو قد حوى نَشَبي
دير مارمروثا (١) - وهو دير صغير، بظاهر حلب، في سفح جبل جَوْشَن، على نهر العرجان.
وكان سيف الدولة محسنًا إلى أهله. وقلّما مر به إلا نزله ووهب لأهله هبة كبيرة. وكان يقول: رأيت أبي في النوم يُوصيني به.
وله بساتين قليلة ومباقل. وفيه نرجس وينفسج وزعفران.
ويعرف بالبيعتين؛ لأن فيه مسكنين: للرجال والنساء.
قال الخالدي وإياه غنى الصنوبري (٢) بقوله (٣): [من المنسرح]
ما بال أعلى قُوَيْقَ يَنْشُرُ مِنْ … وشي الربيع الجديد ما أَدْرَج؟
كأنما اختيرت الفصوص له … بينَ عَقِيق وبين فيروزج
أما ترى البيعَتَيْنِ أُفرِدنَا … بمُفرد الأقحوان والمُزْوَج؟
أثوابه المُزْنُ كيف ما اتصلت … وناره البرق كيف ما أجج
دير الرصافة (٤) - هو بالشام، قريب رُصافة هشام بن عبد الملك. وموضعه حَسَنٌ. وفيه قيل: [من الوافر]
نَراكَ جَزِعَتَ يا دير الرصافة … غداة تحوَّلَتْ عنك الخلافه
فلا تَجْزَعْ وتُذرى الدَّمْعِ حُزْنًا، … فإنَّ لكل مجتمعين آفه
وحكي أن أبا نواس مر به، فبات فيه. فلما رحل عنه، قال (٥): [من الخفيف]
стр. 357
ليس إلا دير الرصافة دير … فيه ما تشْتَهِي النُّفُوسِ وتَهْوى
بِتُّه ليلةً فقضَّيْتُ أوطا … رًا ويومًا ملاتُ قُطْرَيْهِ لَهوا
وقد ذكره أبو الفرج وقال: إن ابن حمدون حكى أن المتوكل لما أتى دمشق، ركب يوما إلى رصافة هشام يزور دوره وقصوره. ثم خرج فأتى الدير. وهو من بناء الروم، حسن البناء، بين مزارع وأنهار. فبينا هو يدور، إذ بصر برقعة قد ألصقت في صدره. فأمر بها أن تقلع ويُؤتى بها. فقُلعت وإذا فيها: [من الطويل]
أيا مَنْزِلا بالدير أصبح خاليًا! … تلاعب فيه شَمْأَلٌ ودَبُورُ
كأنك لم تَسْكُنُكَ بِيضُ أوانس … ولم تَتَبَخْتَرْ فِي فِنائِكَ حُورُ
وأبناء أملاك عَبَاشِمُ سادة … أصاغرهم عند الأنام كبير
إذا لَبِسُوا أَدْراعَهم فضراغم … وإن لبسوا تِيجانَهُم فَبُدُورُ
ليالي هشام بالرصافة قاطن … وفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذِ العَيْسُ غَضٌ والخلافة لَدْنَةٌ … وأنتَ طَرِير والزمانُ غَرِيرُ
وروضُكَ فَيْنانُ يَذُوبُ نَضَارَةً … وعيش بني مَرْوانَ فِيكَ نَضِيرُ
رُوَيْدَكَ إِنَّ اليوم يتبَعُه غَدٌ … وإن صُرُوفَ الدائرات تدور!
فلما قرأها المتوكل، ارتاع وتطير. وقال أعوذ بالله من شر أقداره! ثم دعا بالديراني وقال: مَنْ كتب هذا؟ قال: والله لا أدري؛ لأني منذ نزل أمير المؤمنين هنا، لا أملك من أمور هذا الدير شيئًا. يدخله الجند والشاكرية. وغاية قدرتي أني متوارٍ في قلايتي. فهم بضرب عنقه وإخراب الدير. فلم يزل به الفتح بن خاقان حتى كف. ثم ظهر أن الذي كتبها رجل من ولد روح بن زنباع، صاحب عبد الملك، وأمه مولاة لهشام.
دير حمطورا - هو في شرقي طرابلس، في جانب الوادي. الذي أسفل من طرزيه والحدث.
وهو بناء في سفح الجبل من ذلك الجانب، قبالة الطريق السالك إلى طرابلس.
وهو حصين جدا، لا يُسلك إليه إلا من طريق واحد. وظهر الجبل الذي له ممتنع.
دير البنات - وهو دير أبيض البناء، مشرف على أرض طرابلس. له ذكر.
حكي أن الطيبي أتاه في يوم شعشعت شموسه، وأترعت كؤوسه. وكان الفصل ربيعا قد استطال فيه النبات، وطَّلَّ الحسن تلك البنات. وفيهنَّ كل عذراء تدهش المتحبّر، وتحيّر المتخيّر. وكان قد صحبه غلام ذو عذار أخصب به البلد الماحل، وقذف موج الخد منه العنبر إلى الساحل. وطافت عليه قطائع المدام. وأمن شنائع الملام، وتقلب بين غلامة وغلام. فقال: [من السريع]
стр. 358
دير البنات الزُّهْر أَنْتَ المُنَى … وأنت من دون الأماني المرام
لم أنس يوما فيك أذهبته، … تالله بل ذهبتُه بالمُدام
ونحن في غرة أيامنا … والعيش مثلُ الطَّيفِ حُلْوُ اللّمام
والدَّوْحُ ما جَفَّتْ له زَهْرَةٌ … والروض طفل ما جَفَاه الغمام
وبيننا خود كشمس الضُّحى … وأغيد قد فاق بدر التمام
لولا نبات الشعر في خده … لم تدر أيُّ الأغيديْنِ الغُلام] (١)
دير كَفْتُون (٢) - وهو ببلاد طرابلس. مبني على جبل. وهو دير كبير. وبناؤه بالحجر والكلس، في نهاية الجودة. وبه ماء جار. وله حوض كبير مملوء من شجر النارنج، يُحمل نارنجه إلى طرابلس يباع بها. ويرتفق بثمنه الرهبان. وله مُسْتَشْرَفٌ مطل على البلاد والمزارع. ومنه مكان يشرف، على بعد، على البحر.
ولهذا الدير صيت جائلٌ وسمعةٌ مذكورة. وبه رهبان كثيرو العدد. والنصارى تقصده، وتحمل إليه النذورة. ويقصده كثير من أهل البطالة واللهو، للتفرج به والتنزه فيه.
وفيه يقول الطيبي: [من البسيط]
أدَيْرَ كَفْتُونَ تُكفى كل نائبة … من الهموم وتَلْقى كلَّ سَرَّاءِ
من كلّ خَضْراء في الأشجار مائسة … وكل صهباء في الكاسات حمراء
حللت في دير كفتون فلا عَجَبٌ … إذ مُتَّ سُكْرا بحمراء وخَضْراء
دير القاروس - على جانب اللاذقية، من شمالها. وهو في أرض مستوية. وبناؤه مربع. وهو حسن البقعة.
وفيه يقول أبو علي حسن بن علي الغزّي (٣): [من الكامل]
стр. 359
لم أنس في القاروس يومًا أبيضا … مثل الجبين يزينه فرع الدُّجى
في ظل هيكله المَشِيدِ وقد بدا … للعين معقود السكينة أبلجا
واللاذقية دونه في شاطيء … بلوره قد زَيَّن الفيروزجا
ولدي من رُهْبانه مُتَنَمِّس … أضحى لفرط جماله متبرجا
أحوى أغن إذا تردد صوته … في مَسْمَع رد احتجاج ذوي الحجى
لا شيء ألطف من شمائله إذا … حَبَّ الشَّمُولَ ولفظه قد لجلجا
فله ولليوم الذي قَضَّيته … مَعَهُ بكائي لا لربع قد شجا
دير فيق (١) - وهو في ظهر فيق، بينها وبين بحيرة طبرية. في لحف جبل يتصل بالعقبة. منقور في الحجر. وهو عامر بمن فيه وبمن يرد عليه. والنصارى تقصده وتعظمه.
قال الشابشتي: ويُزعم أنه أوّل دير عمل وأن المسيح ﵇ كان يأوي إلى ذلك الموضع الذي عمل به هذا الدير، ويجلس إلى ذلك الحجر. وكل من دخل من النصارى ذلك الموضع، كسر من ذلك الحجر: تبركًا به. وعمل في هذا الدير موضع على اسم المسيح ﵇.
قال: ولأبي نواس قصيدة، يذكر فيها هذا الدير ويخاطب فيها غلامًا نصرانيًا كان يهواه. منها (٢): [من الوافر]
بمعمودية الدين العتيق، … بِمَرْطَبْلِيطِها، بالجَالِيقِ
تُخَجِّلُ قاصدًا ما سَرجسانًا … فَدَيْرَ النُّوبَهارِ فدير فيق
وبالصُّلْبِ اللُّجَيْنِ وقد تبدتْ … وبالزنار في الخصر الدقيق
وبالحُسْنِ المركب فيك إلا … رحمت تحيري وجُفُوف ريقي
أما والقُرْبِ من بعد الثنائي، … يمين فتى لقاتله عشيق
لقد أصبحت زينة كلِّ بكرٍ … وعيدًا مع جَفائِكَ والعقوق
دير الطور (٣) - والطور جبل مستدير، متسع الأسفل، لا يتعلق به شيء من الجبال، وليس له إلا طريق واحد بين طبرية واللجون. مشرف على الغور والمرج وطبرية. نَزِهُ. وفيه عين تنبع بماء غزير، والدير في القبلة، مبني بالحجر. وحوله كروم كثيرة، يعتصرونها. ويعرف بدير التجلي؛ لأنهم بزعمهم أن عيسى تجلّى
стр. 360
فيه لتلامذته، بعد أن رفع حتى أراهم نفسه وعرفوه.
وللمهلهل بن يموت بن المُزَرَّع (١) فيه: [من المتقارب]
مضيتُ إلى الطور في فتية … سراع النُّهوض إلى ما أُحِب
كرام الجُدُودِ، حسان الوجوه، … كهول العقولِ، شَبابِ اللَّعِبْ
فأي زمان بهم لم يُسر … وأي مكانٍ بهم لم يَطِبْ؟
أنخت الركاب على ديره … وقضَّيْتُ من حقه ما يجب
وأنزلتهم وسط أعتابه … وأسقيتهم من عصير العنب
وأحضرتُهمْ قَمرًا مُشْرِقا … تميلُ الغُصُونُ به في الكُتُبْ
نَحتُ الكؤوس بأهاجه … ومرسوم أرْماله بالعَجَبْ
وما بين ذاك حديث يروق … وخوض لهم في فنون الأدب
فيا طيب ذا العيش لو لم يزل … ويا حسن ذا السعد لو لم يغب
وأنشد له الشابشتي في نحو من مثل هذا الأرب، وقد دعا نوّار الربيع إلى شرب ابنة العنب: [من الخفيف]
قد أبانت لي الرياض من الـ … زهر غريب الصُّنُوفِ والألوان
وبَدَا النَّرْجِسُ المفتَّحُ يَرْنُو … من جفون الكافور بالزعفران
وَقَفَ الطَّلُّ في المحاجر منها … ثم ماست فانهل مثل الجُمان
يا غلامُ اسْقِني فَقَدْ ضَحِكَ … الوقت وقد تم طيب هذا الزمان
أَدْنِ مِنّي الدِّنانَ صُبَّ الأباريق! … استحِثَّ الكؤوس! صُفَّ القَنَانِي
بادر الوقت واغتنم فرص العيش … ولا تَكْذِبَنَّ فالعمر فاني
وكذلك أنشد له قوله: [من المتقارب]
زمان الرياض زمان أنيق … وعَيْشُ الخَلاعَةِ عَيْسٌ رَقِيقٌ
بَهارٌ بَهِيرٌ به غَيْرَةٌ … على نرجس وشقيقٍ شَقِيق
مداهن يحملن طَلَّ النَّدى … فهاتيك تبر وهذي عقيق
стр. 361
فبادر بنا حادثاتِ الزَّمانِ … فوجهُ الحَوَادِث وجْهٌ صَفِيقٌ
وقوله في مثله: [من المنسرح]
قد قُدِّمَتْ للسرور أثقال … وح شهر الصيام شوال
وأقبل الليل لابسًا حُللًا … مِسْكَيَّةً ما لهنَّ أذيال
واهتز عُودٌ وحَنَّ من طَرَبٍ … شوق وغَنَّتْ بالراح أرطال
فاغتنموا فرصة الزمان ولا … تُفَرِّطُوا فالزَّمانُ مُغتال
دير المُصَلَّبَة - وهو بظاهر مدينة القدس الشريف في شامها بغرب. وهو دير رومي قديم البناء، بالحجر والكلس. مُحكم الصنعة، مُونِق البقعة. في بحيرة من أشجار الزيتون والكروم وشجر التين؛ بإزاء قرية، تجري على الدير بمرسوم السلطان.
وهذا الدير دخلتُ إليه ورأيته. وفيه صُورٌ يونانية في غاية من محاسن التصوير، وتناسب المقادير. وصعدت إلى سطحه، فرأيتُ له حُسنَ مُشْتَرَفٍ وسَعَة فضاء. ورهبانه من الكرج.
وقد كان أخذ هذا الدير، وجُعِل مسجدا للمسلمين، وأُعلن فيه بالأذان وأقيمت الصلاة. ثم أعيد ديرًا للنصارى، وضُرب فيه بالناقوس وأُظهرت فيه كلمة الكفر. وتوصل إلى هذا بكتاب أحضر من ملك الكرج، وأعانه عليه قوم آخرون.
ورأيت عند الحافظ العلامة أبي سعيد العلائي (١) وعند سائر العلماء والصلحاء ببلاد القدس، من إعادته إلى النصارى ما هو قذى عيونهم إلى أن يتخلّى، وشجا حلوقهم إلى أن يسترد.
وعلي الله نذر إن وصلت يدي إلى هذا لا رَدَدْتُها حتّى يُرَدّ! ولهذا القصد، شهد الله العظيم، قصدته.
وحدثني رهبانه بأن على ديرهم وقوفا في بلادهم، منها خيول سائمة تُحمل أثمان نتاجها إليهم، وأنه يجيء منها في كل سنة قدر جليل، وأنها تُنفق في مصالح الدير وابن السبيل.
стр. 362
وفيه يقول أبو علي حسن العزّي: [من الكامل]
يا حسن أيام قَطَعْتُ هَنِيئةً … بالدير حيث التين والزيتون
دير المُصَلَّبة الرفيع بناؤه … تَفْدِى عبير تُرابِهِ دَارِينُ
في ظل هيكله وأسراب الدمى … مجلوة والمَرْمَرُ المَسْنُونُ
ومُزَنَّرين إذا تَلَوْا إنجيلهم … وتعطفُوا فحمائم وغُصُونُ
غِزْلانُ وَجْرَةَ هُمْ وبين جُفُونِهم … لأسود بيشَةَ إِنْ عَرَضْنَ عَرِينُ
نزَعُوا القَلانِسَ والمُسُوحَ فَزُخْرِفَتْ … منهن عن غُرَرِ الشُّمُوسِ وُجُونُ
وسَعَوْا بكاسات المُدام وما دَرَوْا … أن للكؤوس الدائرات جُنونُ
فقَضَيْتُ بينهم زمانًا لم يَزَلْ … عندي إليه تَشَوق وحنين
تلك المنازل قد سَفَحْنَ مَدَامِعِي … لا مصر قاطبةً ولا جَيْرُونُ
دير السيق - قبلي البيت المقدس. على نَشَرٍ عالٍ، مُشرِف على الغُورِ، غور أريحا. يُطِلُّ على تلك البسائط الخضر ومجرى الشريعة. وبه رهبان ظراف أكياس، ولا يأتيهم إلا قاصد لهم أو مارّ في مزارع الغور. تحتهم وفوقهم الطريق الآخذة إلى الكثيب الأحمر. وقبر موسى ﵇ في القبة التي بناها عليه الملك الظاهر بيبرس.
وفي هذا الدير ومشْتَرَفه، وأطلال قلاليه وغرفه، قلتُ: [من الطويل]
أرى حسن دير السيق يزداد كلَّما … نظرتُ إليه والفضاء به نَضْرُ
بَنَوْهُ على نَجْدٍ على الغَوْرِ مُشْرِفٍ … كتَحتِ مليك تحتَه بُسُطٌ خُضْرُ
وأشرق في سودِ الغمام كأنما … تشَقَّق ليلا عن جلابيبه الفجر
وقام على طودٍ علي كأنما … مصابيحه تحت الدُّجى الأنجمُ الزُّهْرُ
وزُفَّتْ إليه الشمسُ من جَنْبِ خِدْرِها … وناغاه جُنْحَ الليل في أُفقه البدر
وألقت إليه الريح فضل عنانها … وأحنى عليها لا تُبَلُّ له عُذْرُ
ولو كان كالنَّسْرَيْنِ هان ارتقاؤه … ولكنه قد حُطَّ من دونه النَّسْرُ
علا نهر ريحا والمَجَرَّةُ فوقه … فمن فوقه نهر ومن تحته نهر
دير الدواكيس - شرقي القدس. وهو دير حسن البناء. له بين النصارى سمعة وذكر. ولا أعرف بانيه، ولا وقفت له على اسم، ولا على السبب الذي سُمِّيَ به بهذا الاسم. غير أن له وقفا يعود منه على الرهبان السكان جليل فائدة ونفع.
وقد مررتُ به غير مرةٍ في أسفاري، وخرج إلي رهبانه بميسور ما عندهم. وفيه قلت [من البسيط]
أنخ بليل على دير الدواكيس … وانصت إلى قَرْع هاتيك النَّواقِيسِ
стр. 363
واحبس مع العيسوي الرَّكْبَ فِي طَرَب … طول الزمان ولا تَرْحل مع العِيسِ
وانظر مع الصُّبْح هاتيك الشموس ضُحًى … وخَلَّ عنك رباطات النواميس
واسبًا من الدير خمرًا كلُّها ذَهَبٌ … كيْلا نَعُدَّك في حِزْب المفاليس
وخل كل شحيح كنتَ تَتْبَعُهُ … فَكَّرْ تَرَ الكَيْس في الإنفاق للكيس
وانْعَمْ ولَذَّ بما قضيتَ من وَطَرٍ … وطر سرورًا إلى تلك الطواويس
وقلت: [من البسيط]
دير الدواكيس أم ريش الطواويس؟ … أم الشَّمُوسُ سَنَى تلك الشَّمَامِيس؟
مأوى المياسير لكن بعد أوْبَتِهِمْ … منه يُعَدُّون في حِزْبَ المَفاليس
فانزل به وأَقِمْ فيما تُرِيد وقُلْ … إملأ كؤوسي وفرع عندها كيسي
واقدح زناد سرور من مدامته … فهذه النار من تلك المَقَابِيسِ] (١)
دير رُمَّانِينَ (٢) - قال الخالدي: هو بالشام. ولا أدري في أي ناحية هو منها. ولكن قيل إنه كبير حَسَنُ عامر.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: خرجت في بعض أسفاري إلى الشام، فدخلت أنطاكية. فبينا أنا في بعض أسواقها، إذ قبض عليَّ بطريق من بطارقتها. ولم يكلمني حتى أتى دارًا فيها ترابٌ وجَنْدَلٌ. وإذا مسحاةٌ وزنبيل. فقال: انقل هذا من ههنا إلى ههنا. يشير في ذلك بيده. وتركني ومضى. فتقاصرت بي نفسي وخنقتني العبرة وقعدت، فلم أعمل شيئًا. وكان أغلق علي باب الدار حين مضى. ثم عاد إلي بعد ساعة. وكان يومًا شديد الحر. وإذا هو عريان، مُتَشِحُ بسبنيّة يبين منها جميع بدنه. فلما رأى التراب والجندل بحالهما، قبض عليّ وجَمَعَ يده وضرب بها لُغْدِي، ضربةً أقرح بها قلبي. فقلت: ثكلتك أمك، يا عمر! ما هذا الاستخذاء للعِلْج؟ وأقبض عليه فأطرحه تحتي وآخذ المسحاة. فأضرب بها رأسه، ضربة فَلَقْتُ بها دماغه. فمات. وبادرت هاربًا من المدينة. وسرتُ من يومي وليلتي، فصبحت ديرا، فدخلته. فلما رآني راهبه قال: أضيف أنت؟ قلت: نعم. وكنتُ قد أَعْييتُ، فاضطجعت نائمًا ما شاء الله. ثم أيقظني الراهب وقال: من أين أنت؟ قلت: من مكة. فصعد نظره وصوبه. ثم قال: ما اسمك؟ قلتُ: عمر. فأخرج كتابا عنده ونظر فيه، وأعاد في مرات. ثم وثب فقبل رأسي. فقلت: ما حملك على هذا؟ فقال: هل ظهر عندكم رجل يَذْكُرُ أنه نبي؟
стр. 364
وقد كان وقع لي شيء من خبر النبي ﷺ ، فقلتُ: قد سمعتُ بعض الناس يذكر ما سألت عنه. فقال: اعلم أنك وحق المسيح ستملك أكثر الأرض، وتُخرِجُ هِرَقْل من الشام، وتغلب عليها. فاكتب لي أمانا، ولديري. فقلتُ: يا هذا! ما أدري ما تقول. فقال: هو ما أقوله لك، وأنت هو لا محالة. فجعلتُ أعْجَبُ منه وأدفع قوله، وهو يُلح علي في سؤاله ذلك. فلما أطال، قلت: ما تريد؟ فقال: كتابك. وأتاني بقطعة من أدم، فكتبت له ما أملاه علي من ترك الخراج والوَصَاة به. ولفه مع كتابه ذلك. وأكرم مثواي. وبكرتُ غاديا من عنده. فأسرج لي حمارة وقال اركبها. فإنك ما تمر بدير، فيراها راهبه إلا أكرمك وإذا بلغت آخر دير يلي بلدك، فخلفها عند سكانه. وزوّدني وانصرفت.
فيقال إن عمر لما خرج إلى بيت المقدس، لقيه الراهب، وهو شيخ كبير، بكتابه وذكره الأمر. فقال عمر: هذا كتبته في الجاهلية، وقد أتى الله بالإسلام. ولا يحل لي تضييع فيء المسلمين. ولكنّي أقاطعك على خراجك بما فيه مصلحة لك ورفق بك. فقال: قد رضيتُ. فقاطعه على ما فيه رفق به.
قال الخالدي: ويقال إن الرهبان يتوارثون الكتاب إلى وقتنا هذا، وإن الولاة تمضيه لهم.
دير هزقل (١) - قال الخالدي: هو بالشأم. ولا أدري في قرب أي مدينة هو.
وقد ذكره دعبل بن علي حين هجا أبا عبّاد (٢)، كاتب المأمون، فقال: [من الكامل]
فكأنَّه من دير هرقل مُفْلَتٌ … حَنِقٌ يَجُرُّ سَلاسل الأقيادِ
وحكى المُبَرِّدُ قال دخلت دير هزقل. وسألت: رهبانه هل فيه مجنون طيب الكلام، نضحك أنا وصحبي منه؟ قالوا: هاهنا. وأومأوا إلى إيوان مرتفع في الدير. وقالوا: هم هناك. فإن أحببت النظر إليهم فامض ولا تَدْنُ من أحد. ففعلت. ورأيت مراتبهم على قدر بلاياهم. وكان معي وقت دنّوي منهم المتولي على أمورهم. فلما رأوه معي امتثلوا. فرأيت شيخًا منهم على حصير نظيف، ووجهه إلى القبلة، كأنه يريد
стр. 365
الصلاة. فجاوزته إلى غيره. فقال: سبحان الله! أين السلام؟ من ترى المجنون؟ أنا أم أنت؟ فاستحيْتُ منه وسلَّمت. فقال: لو كنت بدأتنا، لأوجبت علينا حسن الرد. على أنا نعتذر لك أن للداخل على القوم دهشةً. اجلس أعزك الله عندنا! وأومأ إلى موضع من حصيرة فنفضه، كأنه يوسع لي. وعزمت على الدنو منه، فمنعني قيمهم. فوقفتُ أستجلب مخاطبته. فسألني. فقال: من أين أنت؟ قلتُ: من البصرة. قال: أتعرف المازني؟ قلت: نعم. قال: أتعرف الذي يقول فيه (١): [من المقتضب]
وفتى من مازن ساد أهل البصره … أُمُّه معروفة وأبوه نَكِرَه
قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلامًا قد نبغ في هذا العصر، معه دين. وله حفظ. وقد برز في النحو، وصار يخلف صاحبه في مجلسه، يعرف بالمُبَرِّد. قلتُ: أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك من عبثات شعره؟ قلت: لا أعرفه قال شعرًا. قال: بلى، هو القائل: [من مجزوء الكامل]
حبذا ماء العناقيد … بِرِيقِ الغانيات
بهما يَنْبُت لَحْمِي … ودمي أي نات
أيُّها الطالب شيئًا … من لذيذ الشَّهَواتِ:
كل بماء الورد تفا … حَ الخُدُودِ الناعمات
قلتُ: أما تستحي من إنشاد مثل هذا الشعر في الدير؛ فقال: سبحان الله. هل تستحيي أن تُنشد مثل هذا، حول الكعبة، دَع عنك هذا إني سمعتُ الناس يقولون في نَسَبِه. ثم لم يزل بي حتى عرفني. ثم قال: أحوجتني إلى الاعتذار إليك. ثم قام إلي ليصافحني. فرأيت القيد في رجله قد شدّت إلى خشبة في الأرض. فأمِنْتُ غائلته. ثم قال لي: يا أبا العباس! صُن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع. فليس يتهيأ لك كل وقت مصادفة مثلي على مثل هذه الحالة الجميلة! أنت المبرّد! أنت المبرد! وجعل يصفّق، وقد انقلبت عيناه وتغيرت حليته، فبادرت مُسرِعا، وخرجتُ.
دير يونس (٢) - حكى رجل من أهل أنطاكية قال: حدثني أبي قال: نزلت مع الفضل بن إسمعيل بن صالح بن عبد الله بن العباس (٣) في دير يونس، ونحن خارجون
стр. 366
إلى ناحية الرملة فرأى فيه جارية حسناء، ابنةً لِقَسٌ كان فيه فخدمته مدة مقامه ثلاثة أيام، وجاءته بشراب صافٍ عتيق. فلما أراد الانصراف أعطاها عشرة دنانير ورحل. وقال في طريقه: [من الطويل]
عليك سلام الله يا دير من فتى … بمُهْجَتِه شوق إليك طويل
ولا زال من نَوْءِ السِّماكَيْنِ وابل … عليك بما يَرْوِي تَرَاكَ هَطُولُ
يُعِلُّك منها بُرْهةً بعد بُرْهةٍ … سحاب بأخبار الرياض كفيل
إذا بلُّ أرضًا دمعُه بانَ مَنظرُ … بها لعيون الناظرينَ جميلُ
كأنَّ البروقَ الوامضاتِ بجوّهِ … صفائحُ زِنْبِرْ في السماءِ تجولُ
ألا ربَّ ليلٍ حالكٍ قد صدعتهُ … وليسَ معي غيرُ الحسامِ خليلُ
ومشمولةٍ أوقدتُ منها لصحبتي … مصابيحَ ما يَخبُو لهنَّ فَتيلُ
تُعلّلُني بالراحِ هيفاءُ غادةٌ … يُخالُ عليها للقُلوبِ كفيلُ
تجوّلُ المنايا بينهنَّ إذا غدتْ … ملاحظُها بينَ القلوبِ تجولُ
أيا ابنةَ قُرْنِ الديرِ قلبي مذلَّةٌ … عليكِ وجسمي مذ بعدتِ عليلُ
وفيه يقول أبو شاس (١): [من البسيط]
يا دير يونُسَ جَادَتْ سَرْحَكَ الدِّيَمُ … حتى تُرَى ناظرًا بالنور يبتسم
لم يَشْفِ في ناجر ماء على ظمأ … كما شَفِي حَرَّ قلبي ماؤُكَ الشَّيمُ
ولم يَحُلَّكَ محزون به سِقَمٌ … إلا تَحَلَّلَ عنه ذلك السِّقَمُ
أستغفرُ الله كَمْ لِي فيك ذُو غَنَجِ … جرى عليَّ به في رَبْعِ القَلَمُ
ويقول أيضًا: [من الكامل]
لا تَعْدِلَنَّ عن ابنة الكرم … بأبي ففيها صحة الجسم
لو لم يَكُنْ فِي شُرْبَها فَرَجَ … إلا التخلص من يد الهم
ويقول أيضًا أبو شاس: [من الوافر]
أعاذل ما على مِثْلي سَبِيلُ … وعذلك في المدامة مستحيل
أليس مَطِيَّتي حَقْوَي غلام … ورحل أناملي كأس شمول؟
إذا كانت بنات الكرمِ شُربي … وقبلة وجهى الوجه الجميل
стр. 367
أمنْتُ بِذَيْنِ عاقبة الليالي … وهان علي ما نَقَلَ العَذُولُ
دير بصري (١) - هو بالشأم. وقيل هو الذي كان فيه بحيرا الراهب.
حكى المازني، قال: نزلت بدير بصري فرأيت في رهبانه فصاحة، وهم عرب مُتَنَصِّرَةٌ من طيّئ، من بني الصادر أفصح من رأيت. فقلت لهم: ما لي لا أرى فيكم شاعرا، مع فصاحتكم. فقالوا: والله ما فينا رجل ينطق بالشعر، إلا أَمَةٌ لنا كبيرة السن. فقلت: جيؤوني بها فجاءت فاستنشدتها. فأنشدتني لنفسها: [من الطويل]
أيا رفقةً من آل بصرى تحملت … توم الحمى لُقِّيتِ مِنْ رُفْقةٍ رُشدًا
إذا ما بلَغْتُم سالمين فبلغوا … تحية من قد ظَنَّ أَنْ لَا يَرَى نَجْدَا
وقُولُوا: تركنا الصادري مكبلا … بكَبْل هَوًى من حُبّكم مَضْمِرًا وَجْدَا
فيا ليتَ شِعْرِي هل أرى جانب الحمى … وقد أنبتت أجراعهُ بَقَلًا جَعْدَا
وهل أردنَّ الدهر ماءَ وَقِيعة … كأن الصبا تُسْدِي على مَتْنِه بُردا؟
فوهبت لها دريهمات. وبت في ديرهم وأكرموا ضيافتي.
دير الخمان - وهو دير ببلاد أذرعات مبني بالحجارة السود، على نَشَر من الأرض. يُشرف على بركة الفوار وهو من البناء الرومي القديم.
أتيتُ عليه في أسفاري غير مرَّةٍ. ورأيت مرَّةً به غلامًا قد خرج من كنيسته، كأنه الظبي الكانس. فقلت: [من الكامل]
يا دير عزَّةَ في ربى الحَمَّانِ … دَرَّتْ عليك السُّحْبُ بالهَمَلانِ
وسَقَتْك كلُّ غَمامة هتانة … تحنو مواطرُها على الكثبان
لم أنس في اللذات ساعة منزل … برباك فوق صفائح الغدران
والصبح تحت مُلاءَةٍ مَرْقُومةٍ … نَشَرَتْ عليه غرائب الألوان
وهناك كلُّ كَحِيل طرف فاتر … تُعزى لواحظه إلى الغزلان
قمرٌ مَسِيحي كأنَّ جبينَهُ … بدر الدجى في النصف من شعبان
في وجنتيه جَنِيٌّ وَرْدٍ أحمرٍ … قد سيجوه بأخضر الريحان
ما شدَّ زُنّارًا له في بيعة … إلا وحل عزائم الرهبان
يَسْقِي الشَّمُول ولا كريقة ثغره … سكرى بها وبطرفه الفتان
стр. 368
دير صليبا (١) - ويعرف بدير السائمة. وهو بدمشق، مطل على الغوطة. ويليه من أبوابها، باب الفراديس.
نزل دونه خالد بن الوليد، أيام محاصرة دمشق.
وهو في موضع نُزْهِ، كثير البساتين. وبناؤه حسن عجيب.
وإلى جانبه دير للنساء، فيه رهبان ورواهب. وإيَّاه أراد جرير (٢) بقوله (٣): [من البسيط]
إذا تذكرتُ بالديرين أرقني … صوت الدجاج وقَرْعُ بالنواقيس
قال الخالدي: ومما يدلّ على أنه يلي باب الفراديس، قول جرير في هذا الشعر:
فقلتُ للرَّكْب إذ جدَّ النَّجاءُ بهم: … يا بعد يَبْرِينَ من بابِ الفَرَادِيسِ
وأنشد فيه قول الآخر، وهو: [من البسيط]
يا دير باب الفراديس المهيج لي … بلابلًا بقَلالِيهِ وأشجاره
لو عشت تسعين عاما فيك مصطبحا … لما قضى منك قلبي بعض أوطاره
وحكي أن الوليد بن يزيد كان كثير المقام في هذا الدير. يخرج إليه، ومعه حُرَمُهُ، استحسانًا له؛ وأنه كان يجلس في أيام مقامه فيه في صحنه كل يوم ساعة من النهار؛ ثم يأكل ويشرب في مواضع منه: طيبةٍ حَسَنَةٍ.
وحكى الخالدي عن أحد من كان ينادمه، أنه دعا يوما بطعامه، وأمرني بالغداء معه؛ وحضر ندماؤه، وكان فيهم حُنَيْنٌ، المغنّي. فنحن على المائدة، إذ قال له: يا حنين غنيتني البارحة في آخر المجلس - وقد أخذ الشرابُ مِنّي - بشعر صاحبكم، عيسى بن زيد، فلم أستكمل الطرب، لأجل سكري. فأعده علي الساعة. قال: فأخذ حنين رقاقه ووقع عليها وغنى: [من المديد]
يا لُبَيْنَى أَوْقِدِي النارا! … إنَّ مَنْ تهوَيْنَ قد جارا
رُبَّ نارٍ بِتُ أرمُقُها … تقضم الهندي والغارا
стр. 369
عِنْدَهَا ظَبْيُ يُؤَجِّجُهَا … عَاقِدٌ فِي الخَضْرِ زُنَّارَا
قَالَ: فَطَرِبَ طَرَبًا عَظِيمًا، وأخذ رِفَاقَهُ، وقام وتَرَكَ الغَدَاءَ، وجعل يَنْقُرُ عليها مع حُنَيْنٍ، وأخذ كُلُّ مَن على المائدة رِقَاقَهُ، وجعلوا يَنْقُرون عليها مِثْلَهُ، ومضى يطلب باب الدهليز، وحُنَيْنٌ والندماء حوله، والحاجب قد جلس ينتظر جلوسه، وقد حضر وجوه العرب، فلما رآه الحاجب على تلك الحال، صاح بالناس: الحَرَمُ! الحَرَمُ! انصرفوا! انصرفوا! فخرجوا، فقال له: يا أمير المؤمنين! وفود العرب تنتظر جلوسك، وأنت تخرج إليهم على تلك الحال! فقال: ثكلتك أمُّك! ادخل، ودعا له بِرَطْلٍ، فحلف أنه ما ذاقه قط، فقال: والله لتشربَنَّ معي حتى أسكر، ولم يزل يسقيه، حتى مات سكرًا وانصرف محمولًا.
قُلْتُ: وهذا الدير اليوم لا عَيْن له ولا أثر، وإنما صار دورًا وأبنية ومساجد ومدافن، وهي بناحية مَحَلَّةِ حَمَّامِ النحاس، والله أعلم.
وبهذه المحلة داري التي بنيتُها ومساكني، وهَنَّتْهَا!
دَيْرُ يُونَّا (١) - وهو بجانب غوطة دمشق، ليس بكبير، ولا رهبانه بكثير، ولكنه في رياض مُشرقة، وأنهار متدفقة، ويقال إنه من أقدم دِيَرة النصارى، بُني بعد المسيح ﵇ بقليل.
واجتاز به الوليد بن يزيد، فرأى حسنه وطيبه، فأقام فيه أيامًا في تَخَرُّقٍ ومجون.
وقال فيه: [من الخفيف]
حَبَّذَا يَوْمُنَا بدَيْرِ يُونَّا … حَيْثُ نُسْقَى بِرَاحِهِ ونُغَنَّى
واستهنَّا بالناسِ فيمَا يَقُولُو … نَ إذا خُبِّرُوا بمَا قد فَعَلْنَا
قُلْتُ: وهذا الدير اليوم لا وجود له، قد أقفرت الأرض منه من رَسْم وطَلَلٍ، ومضى وحادثُ كل دير بعده جَلَلٌ.
دير سَمْعَان (٢) - قال الخالدي: هو بنواحي دمشق، بالقرب من الغوطة، على قطعة من الجبل، يُطِلُّ عليها، وحوله بساتين وأنهار، وموضعه حَسَنٌ جِدًّا، وهو من كبار الديرة، وعنده دُفن عمر بن عبد العزيز، بظاهره.
قُلْتُ: وهذا غلطٌ من الخالدي، وهكذا ذكره أبو الفرج، وغلط أيضًا، فإن هذا الدير في قرية تعرف بالنقيرة، من قِبلي مَعَرَّة النعمان، وبه قبر عمر بن عبد العزيز، مشهورٌ.
стр. 370
لا يُنكر وليس يُسمع بدمشق لهذا الدير نابسة، ولا يُعرف لمكانه في غوطته خضراء ولا يابسة.
عدنا إلى ما ذكره الخالدي. قال: ذكروا أنه دخله جرير في يوم عيد. فرأى النساء والصبيان يقبلون الصَّلُبَ ويسجدون لها، فقال: [من الوافر]
رأيت بدير سمعانٍ صَليبًا … تقبله الشَّوادِنُ والظَّباء
تُعَظّمهُ القُسُوسُ وتحتويه … فتَرْشُفُه ويخْنُقُها البكاء
فقلت لهم: مه! هل غيرُ عُودٍ … تملكه اعوجاج واستواء؟
وذكر أن الوليد بن يزيد خرج متنزّها فيه. فأقام يصطبح ويغتبق معه ندماؤه ومغنوه. فخرج يومًا، غِبَّ سَحاب. فنظر في صحن الدير غدران ماء، فاستحسنها. فنزل على أكبرها وأكثرها ماء. وقال: والله لا أبرح حتى أشرب هذا كله، مزاجا لكأسي. وشرب حتى نام. فقال بعض أصحابه لبعض: لئن أقام حتى يُفنِي الغدير، طال علينا مقامنا. فجعلوا يحملون ماءه بالليل ويصبّونه في الرمال. فخرج بعد يومين أو ثلاثة، فنظر إليه وقد فني ماؤه. فقال: أنا أبو العباس وأمر بالرحيل إلى دمشق.
[ومما سمعته من والدي، لأحمد بن هلال، في صفة دير سمعان، مما مدح السيد الرضي لعمر بن عبد العزيز (١):
يا ابن عبد العزيز لو بكت … العينُ فَتًى من أُمَيَّةٍ، لبكيتك
أنتَ نَزَّهْتَنا عن السبّ والشَّتْم! … فلو يُمْكِنُ الجزا، لجزيتك
قبر سمعان، لا عَدَتْكَ الغَوَادِي! … خير ميت من آل مَرْوانَ مَيْتُكْ
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ تسبّب في إبطال السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأثبت في الخطبة، موضع السب، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (٢)] (٣).
وقد ذكر أبو الفرج أن صاحب دير سمعان دخل على عمر بن عبد العزيز بفاكهة يُطرقه بها في مرضه. فقبلها منه، وأمر له بدراهم. فأبى أن يأخذها. فما زال حتى أخذها. وقال: يا أمير المؤمنين! إنّما هي من ثمر شجرنا. فقال عمر ﵀ وإن كان من
стр. 371
ثمر شجركم! ثم قال: يا صاحب دير سمعان! إنّي ميت من مرضي هذا. فحزن وبكى.
ثم قال له عمر: بعني موضع قبري من أرضك، سنةً، فإذا جاء الحول، فانتفع به. [وهذا الذي حكاه أبو الفرج مؤكد لقولنا] (١).
دير مُران (٢) - وهو بالقرب من دمشق، على تل في سفح قاسيون (٣) وبناؤه بالحص الأبيض. وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن. وكان في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. وقلاليه دائرة به، وأشجاره متراكبة. وماؤه يتدفق.
وحكي عن المبرد أنه قال: وافيتُ الشأم - وأنا حَدَثُ في جماعة أحداث - لأكتب الحديث وألقى أهل العلم. فاجتزتُ بدير مُرَّان. فأحببت النظر إليه. فصعدناه، فرأيت منظرا حسنا. وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه عليه أثر النعمة. فدنونا منه وسلَّمنا عليه فردّ السلام. وقال: من أين أنتم يا فتيان؟ قلنا: من أهل العراق. قال: بأبي ما الذي أقدَمَكم هذا البلد الغليظ هواؤه الثقيل ماؤه، الجفاة أهله. قلنا: طلب الحديث والأدب. فقال: حبَّذا! أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا. فقال: [من الكامل]
اللهُ يَعْلَمُ أنّنِي كَمِدُ … لا أستطيع أبُثُّ ما أجِدُ
رُوحَانِ لي: رُوح تقسمها … بلد وأُخرى حازها بلد
وأرى المُقيمة ليس ينْفَعُها … صبر وليس يَصُونُها جَلَدُ
وأظن غائبتي كشاهِدَتِي … بمكانها تجد الذي أجد
ثم أُغْمِيَ عليه. فأفاق فصاح بنا فقال: أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا.
فقال: [من البسيط]
لما أناخوا قُبيل الصبح عِيرَهُمُ … ورحلوا، فتنادت بالهوى الإبل
وأبرزت من خلالِ السَّجْفِ ناظرها … يرنو إلي ودمع العين منهمل
فودعت ببنانٍ حَمْلُهُ عَنَمٌ، … فقلتُ: لا حَمَلَتْ رِجَلاكَ يا جَمَلُ
ويلي من البين ماذا حل بي وبها … من بارح الوجد! حلَّ البين فارتحلوا
إنِّي على العهد لم أنقض مودتهم! … فليت شعري، لطول العهد ما فَعَلُوا
стр. 372
فقال له فتى من المُجان الذين كانوا معي: ماتوا. قال: فأموت؟ فقال له: مُتْ فتمطى وتمدد. وما برحنا حتى دفناه.
وللصنوبري فيه، من شعر يقوله: (١) [من الوافر]
أمر بدير مُرَّانٍ فَأَحْيَا … وأجعل بيتَ لَهْوِي بيتَ لَهْيا
صفت دنيا دمشق لمصطفيها … فليس يُرِيد غير دمشقَ دُنيا
مُظَلَّلَةٌ فواكههن أبهى … وأنْضَرُ في نواظرنا وأهيا
فمِنْ تُفَّاحة لم تَعْدُ خدا، … ومن رمانة لم تَعْدُ ثديا
وقد ذكره أبو الفرج وقال: هو على تَلْعَةٍ مُشرفة على زعفران ورياض حسان. نزله الرشيد وشرب فيه. ونزله المأمون بعده. وكان الحسين بن الضحاك مع الرشيد، لما نزله، فأمره أن يقوله فيه شعرا، فقال: [من البسيط]
يا دير مُرَّانَ، لا عُرِّيتَ من سكن! … قد هِجْتَ لي حَزَنا، يا دير مُرَّانا
حث المدام فإن الكاس مُتْرَعةٌ … مما يهيج دواعي الشوق أحيانا
وأَمَرَ عمرو بن بانة، فغنى فيه لحنين.
وحكي عن إبراهيم الصولي أنه قال: مرّ الرشيد بدير مُرَّانَ فاستحسنه ونزله. وأمر أن يؤتى بطعام خفيف. فأتي به، فأكل؛ وأُتِيَ بالشراب والندماء والمغنين. فخرج إليه صاحب الدير، وهو شيخ كبيرٌ هَرم. فوقف بين يديه، ودعا له، واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الديارات. فأذن له فأتاه بأطعمة نظافٍ، وإدام في نهاية الحسن والطيب. فأكل منها أكثر أكل. وأمره بالجلوس، فجلس معه يحدثه، وهو يشرب. إلى أن جرى ذكر بني أُمَيَّة، فقال له الرشيد: هل نزل بك أحد منهم؟ قال: نعم. نزل بي الوليد بن يزيد، وأخوه الغَمْرُ. فجلسا في هذا الموضع، فأكلا وشربا وغُنّيا. فلما دبّ فيهما السكر، وثب الوليد إلى ذلك الجُرْن فملأه وشربه، وملأه وسقى أخاه، الغَمْرَ. فما زالا يتعاطيانه، حتى سكرا، وملاه لي دراهم. فنظر إليه الرشيد، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يُقلّه، ولا يقدر على أن يشرب ملاه. فقال: أبي بنو أُمَيَّة إلا أن يسبقوا إلى اللذات سبقا لا يجاريهم أحدٌ فيه. ثم أمر برفع النبيذ، وركب من وقته.
قلت: والناس في اختلاف: أينَ كان دير مُرَّان؟ فمن قائل إنه كان بمشارق السفح، نواحي برزة، والأكثر على أنه كان بمغاربه، وأن مكانه الآن المدرسة المعظمية، وأما الذي كان بمشارق السفح، فهو دير السائمة المسمّى دير صليبا. وقد ذكرناه.
стр. 373
دير صيدنايا (١) - وهما اثنان: أحدهما يقصده النصارى بالزيارة. وهو في دِمْنَةِ القرية. والآخر على بُعْدِ منها، مشرفٌ على الجبل، شماليها بشرق. وهو دير ما شربين ويُقصد للتنزه. من بناء الروم بالحجر الجليل الأبيض. وهو دير كبير. وفي ظاهره عين ماء سارحة. وفيه كُوّى وطاقاتٌ تُشرف على غوطة دمشق وما يليها، من قبليها وشرقها. وفيها ما يطل على بواطن ما وراءَ ثَنِيَّة العُقاب. ويمتدّ النظر من طاقاته الشمالية إلى ما أخذ شمالا عن بعلبك.
وأما الذي في القرية، فمن بناء الروم بالحجر الأبيض أيضا. ويُعرف بدير السيدة. وله بستان وبه ماء جارٍ في بركة عُمِلت به. وعليه أوقاف كثيرة. وله مَغَلَاتٌ واسعة. وتأتيه نذورٌ وافرة وطوائف النصارى من الفرنج تقصد هذا الدير وتأتيه للزيارة.
وكنتُ أراهم يسألون السلطان في أن يُمَكِّنهم من زيارته. وإذا كتب لهم زيارة قمامة ولم يكتب معها صيدنايا، يُعاودون السؤال في كتابتها لهم. ولهم فيها مُعتقَد.
والنصارى تزعم أنَّ بها صدعًا يقطر منه ماء، يأخذونه للتبرك. ويدَعُونه في أوانٍ لطافٍ من الزجاج، ويكسونها من فاخر الثياب. ولهم فيه أقوال كثيرة. وسمعتُ نصرانية، كانت معروفة بينهم بالعلم، تقول: إن ذلك الماء إذا أُخذ على اسم شخص وعلق في بيته ثم ازداد مقداره عنده عما أخذه، دلّ على زيادة ماله وجاهه؛ وإذا نقص، دل على نقص ماله وجاهه وقُرب أوان موته.
ورأيتُ هذا الماء، وله دهنيّة تشبه الشَّيرَج أو الزيت الصافي، وليس بهما.
وجاءت مرَّةً كُتُبُ ريد فرنس (٢) وكتب الأذفونش (٣) على أيدي رسلهم. ومما سألوا فيها تمكين رُسُلِهم من التوجه إلى صيدنايا للتبرك بها. فأجاب السلطان سؤالهم وحَمَلَ الرسل على خيل البريد إليها.
ومما قلته فيه: [من السريع]
في جانبِ الدَّيْرِ لنا مَنْزِل … ومَنْهَلٌ عَذْبٌ به نَنْهَلُ
وشادن قد جاءنا أحْوَر … في كَفَّه كأس له تُشعَلُ
وروضة تشرق أنهارها … قد شقّها في وَسْطها جَدْوَلُ
стр. 374
ومُطْرِبٌ تُطْرِبُ ألحانه … كأنه إسحاق أو زَلْزَلُ
فدونك الراح ففي دنها … شَهْدٌ وفي الطعم بها فُلْفُلُ
وافى بها في الكأس لكنّها … عَذْراءُ مِنْ خُطابها تَخْجَلُ] (١)
دير شَقِّ مَعْلُولًا (٢) - وهو بباطن جُبَّة عسّال. وهو بناء رومي بالحجر الأبيض. مُعَلَّقٌ بِسُقَيْفٍ. وبها صدع فيه ماء ينقط، نحو الذي بصيدنايا.
ويأخذه النصارى للتبرك، معتقدين فيه نحو اعتقادهم في الآخر. وإنما الاسم للذي بصيدنايا. دير بلوذان (٣) - وبناؤه قديم بديع الحسن. وافر الغلة، كثير الكروم والفواكه والماء الجاري. بقرية بلوذان. وهي محاذية لكفر عامرٍ، تُطلُّ من مُشْتَرَفها على جبّة الزبداني، ببلاد دمشق و به رهبان نظاف، وغلمان من أبناء النصارى ظراف.
مررت عليه، ونزلت إليه ورأيت غلامًا يفوق الظبي حُسنا، ويشبه البدر أو أسنى. بخصر نحيل، وطرف كحيل. قد قطع الزنار بين خصره وردفه، ونفث السحر بين جفنه وطرفه. ثُمَّ ما كان بأعجل مما استتر بدره، ولاح ثم خَفِيَ فجره. فقلت فيه: [من الخفيف]
حبَّذا الديرُ من بَلُوذَانَ دارا … أي دير به وأي نارى
فيهم كلُّ أَحْوَرِ الطرف أحوى … فائق الحسن في حياء العذارى
وغلام رأيته كلال … ما بدا للعُيون حتى توارى
بقوام إذا تمايل نشوا … نًا فألحاظ مقلتيه شكاري
ناحل الخضر حلَّ عَقد اصطباري … عندما شَدَّ خَصْره الزُّنارا
قبل رؤياه ما رأيتُ غَزَالًا … بات يسقي من مَرْشِفِيه العُقارا
دير نجران (٤) - وهو باليمن. وتسميه العرب كعبة نجران. وهو لبني الحارث بن كعب. وسيأتي ذكره في موضعه.
ويقال إن بناءه أعجب بناء وأحسنه. على نحو عمارة غمدان القصر المشهور. كان محجوجًا. وبه الراهبان اللذان ذكرهما بعض شعراء العرب، في قوله: [من الطويل]
стр. 375
أيا راهبي نجران، ما فعلَتْ هند؟ … أقامت على عهدِي؟ وأَنَّى لها عَهْدُ؟
إذا بعد المشتاقُ، رَبَّتْ حِبَالُه … وما كُلُّ مُشْتَاقٍ يُغيِّرُهُ البُعْدُ
ولهذين البيتين غناء حَسَنٌ.
وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني (١) وقال: إنه كان لآل عبد المدان، سادة بني الحارث. قال: وكان أهل ثلاثة بيوت من اليمن نصارى، يتبارون في البيع وزيها وحسن بنائها: آل المنذر بالحيرة، وغسّان بالشام، وبنو الحارث بن كعب بنجران. فتكون دياراتهم في المواضع الكثيرة الشجر والرياض والغُدْران، الشامخة البناء. ويجعلون آلاتها من الذهب والفضة، وستورها من الديباج. ويجعلون في حيطانها الفسافس، وفي سقوفها الذهب. وكان بنو الحارث على ذلك، إلى أن جاء الإسلام وفي كعبتهم هذه قال الأعشى (٢): [من المتقارب]
وكعبةُ نَجْرانَ حَتْمٌ عليكِ … حتّى تُناخي بأبوابها
نَزُور يزيد وعبد المسيح … وقيسًا، وهُمْ خَيْرُ أربابها
إذا الحَبَرَاتُ تَلَوَّتْ بهم … وجروا أسافل هدابها
وشاهدنا الجُلُّ والياسميـ … ـــن والمُسْمِعات بقصابها
وبَرْبَطنا مُعْمَل دائبٌ، … فأيُّ الثلاثة أزرى بها؟
قال: وفي هذا الشعر غناء حَسَنٌ أخذه جحظة عن بنان.
ولهذا الدير أخبار كثيرة، ليس هذا مكانها.
بيعة أبي هور (٣) - وهي بسَرْياقُوسَ. عامرة برهبانها، مُثْرِيَةٌ بفضة قناديلها وذهب صلبانها. كثيرة القلالي، مُذْهَبَةٌ بالوقود جُنْحَ الليالي. ولها أعياد مقصودة الأوقات، منتظرة الميقات.
حكى الشابشتي أن به - على ما ذكره أهله - أعجوبة. وهي أنه من كانت به خنازير وقصد هذه البيعة للمعالجة، أخذه رئيسها وأضجعه. وجاءه بخنزير وأرسله على موضع العلة. فيلحس الخنزير موضع الوجع جميعه، ويأكل الخنازير التي فيه، لا يتعدى ذلك إلى الموضع الصحيح. فإذا نظف الموضع، ذَرّ عليه من رماد خنزير فَعَلَ مثل فعل الأَوَّل من قبل، ومن زيت قنديل البيعة فيبرأ. ثم يؤخذ ذلك الخنزير فيُذبح، ويُحرق، ويُعدُّ رماده لمثل هذه الحالة.
стр. 376
وقال: وهو إلى الآن كذلك، كما ذكروه قال: ولهذه البيعة دَخْلٌ عظيم ممن يبرأ من هذه العلة. وفيه خلق من النصارى.
دير يُحَنِّس (١) - وهو بسنهور، من أعمال مصر. وهو عامر برهبانه، ناضر بسكانه. قال الشابشتي: وقد ذكر بعض المتقدمين أنه إذا كان يوم عيده، أخرج الرئيس الذي في الدير الشاهد في تابوته. ويسير التابوت على وجه الأرض، فلا يقدر أحد يُمسكه ولا يَحبِسُه، حتى يرِدَ البحر فيغطس فيه، ويرجع إلى مكانه.
وقال: كذلك قول المتقدمين على أنه عَلَى هذه الحالة.
قلت: وهذه حكاية مكذوبة، لا صحة لها.
وإنما الذي بلغني، وأنا بمصر تلك المُدَدَ الطويلة، أنه إذا كان أوان تحرك النيل، يُخرج تابوت، يقال إن فيه إصبع الشهيد، ويُرمى في البحر. وذلك لوقت معلوم، يسمونه عيد الشهيد. ويكون الذي يرميه بعض أعزّاء كبراء القبط. عادة كنت أسمعها، لا تتغير. ويظن القبط أن رمي الإصبع سبب الزيادة. وإنّما هو بمشيئة الله وقدرته.
دير مَرْيُحَنَّا (٢) - وهو على شاطئ بركة الحبش. قريب البحر، إلى جانب بساتين الوزير. وهي التي أنشأ بعضها تميم بن المعزّ وأنشأ به مجلسا على عُمد. وقريب هذا الدير عين ذهبت بها الرمال.
قال الشابشتي: وهذا الموضع من معادن اللعب والشرب والطرب. نَزِه في أيام النيل، وزيادة البحر، وامتلاء البركة. وكذلك هو في أيام الزرع. لا يكاد يخلو من المتنزهين. وقد ذكرته الشعراء. وفيه قال ابن عاصم (٣): [من الكامل]
يا طيب أيام سَفَحْتُ مع الصبا … طوع الهوى فيها بسَفْحِ المَنْظَرِ
فالبرْكَةُ الغَنّاء فالدير الذي … قد هاجَ فَرْطَ صَبَابَتِي وَتَفَكَّرِي
стр. 377
فاحثت كؤوسك يا غلام واعفني … فلقد سكرتُ وخمرُ طَرْفِكَ مُسْكِرِي
وأرى الثريا في السماء كأنها … تاج تفصل جانباه بجوهر
فاشرب على حسن الرياض وغنني … وانظر إلى الساقي الأغنِّ الأَحْوَرِ
فلعل أيام الحياة قليلة … ولعلني قدَّرتُ ما لم يُقْدَرِ
دير نَهْيا - ونهيا بالجيزة، وديرها هذا من أطيبها موضعًا، وأجلها موقعًا. عامر برهبانه وسكانه.
وله في النيل منظر عجب؛ لأنَّ الماء يحيط به من جميع جهاته، ويزيد في حسن متنزهاته. فإذا تصرّف الماء أظهرت أرضُه غرائب النَّوَّار، وعجائب الزهور المشرقة الأنوار. وله خليج ينساب انسياب أرقم، وعليه شطوط كأنّها بالديباج تُرْقَم.
وقال الشابشتي: وهو مُتَصَيَّدٌ مُمتنع. وأنشد فيه لابن البصري (١): [من المتقارب]
أَتَنْشَطُ للشرب يا سيدي … فيومك هذا دقيق الدروز؟
فعِندي لكَ اليومَ مَشْوِيّتان … سرقتهما من دجاج العجوز
أَتَنْشَطُ عِنْدِي على نبقتين، … على لَوْزَتَيْن، على قَطْرَمَيز؟
ونقصِدُ نَهْيا وديرًا لها … به مَنْبِتُ الورد والمَرْمَحُور
ونشرب فيها برطل وجام … وطاس وكأس وكوب وكوز؟
فعندي خَشْفٌ رَحِيمُ الدَّلال … نشا في النَّعِيمِ ولُبْسِ الخُزُوز
دير القصير (٢) هو في أعلى الجبل، على سطح قُنَيَّةٍ من بلاد الفتح. وهو حسن - البناء، نَزِهُ البقعة. وله بئر منقورة في الحَجَر.
وفي أعلاه غرفة بناها خُمارويه بن طُولُون، تُطلُّ من كل جهة. وكان كثير الغِشْيَان لهذا الدير.
стр. 378
والطريق إليه من جهة مِصْرَ صَعْبٌ، ومن قبليه سهل.
وإلى جانبه صَوْمَعَةٌ، لا تخلو من حبيس.
وإلى جانبه قريةٌ تُعرف بشهران. يقال إن أم موسى ﵇ منها ألقته في التابوت، في البحر.
وبها دير آخر يعرف بدير شهران. وهو المعروف الآن بشعران.
قال الشابشتي: ودير القصير أحد الديارات المقصودة والمتنزهات المطروقة: لحسن موقعة وإشرافه على مِصرَ وأعمالها. وفيه يقول محمد بن عاصم المصري: [من الخفيف]
إنَّ دير القُصَيْرِ هاج الكاري … لَهْوَ أيامنا الحسان القصار
وكأني إذ زُرتُه بعد هجرٍ … لم يكن منْ مَنَازِلي ودياري
إذ صُعُودي على الجياد إليه … وانحداري في المُنْشَآت الجواري
منزلًا لستُ مُحصِيًا ما بقلبي … ولنفسي فيه من الأَوْطَارِ
منزلًا منْ عُلُوِّهِ كَسَمَاءِ … والمصابيح حوله كالدراري
كم شَرِبْنا على التصاوير فيه … بِصغَارِ محثوثة وكبار
صورة من مُصَوِّرٍ فيه ظَلَّتْ … فِتْنَةً للقلوب والأبصار
لا وحُسْنِ العَيْنينَ والشَّفَةِ اللمي اء … منها وخدها الجلناري
لا تخلَّفْتُ عن مَزَارِي ديرًا … هي فيه، ولو نأى بي مَزارِي
فسقى الله أرض حلوان فالنجد … فدير القُصَيْرِ صوبَ العُشار
كم تنبّهتُ من لذاذة نومي … بنَعِير الرهبان في الأسحار
والنواقيس صالحات تنادي: … حي يا نائمًا على الابتكار
[وقال ابن ظافر (١): مضيتُ أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين، يعني ابن مجاور، والقاضي الأعزّ المؤيد في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير إيثارًا لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره تعاطينا العمل فيه على عادة الشعراء الذين قطعوا طريق الإعمار، بطروق الأعمار، وضيعوا العين والعقار، في تحصيل العَيْنِ والعُقَار. فقال الشهاب: [من المتقارب]
سقى الله دير القصير … قَصِيرَ العَزَالِي طويل الذيول
стр. 379
مَحَلُّ إذا لاح لي لم أقف … بصحبي على حَوْمَلٍ فَالدَّخُول
فقلت: [من المتقارب]
فكم فيه من قَمَرٍ في دجى … على غُصْنٍ في كَثِيبٍ مَهِيل
بِوِدٌ صحيح وطَرْفِ سَقيم … وروح خفيف وردف ثقيل
فقال الأعزّ: [من المتقارب]
قطعت به العَيْشَ مَعْ فِتْيَةٍ … صباح الوجوه كرام الأصول
بكل كريم قصير المرا … ء حاز المَعَالِي بباع طويل
فقال الشهاب:
إذا قَدُّه سَل سيف المدام، … فكم من سَلِيبٍ وكَمْ من قَتِيل
فقال الأعزّ: [من المتقارب]
وكم من خليع كريم الفعال، … يُجدّد بالجود غَيْظَ البخيل
فقلت: [من المتقارب]
يوافيه ذا ذَهَب جامد، … فيُفْنِيه في ذائب للشمول
ثم صنع الشهاب: [من الوافر]
على عمر القصير قطعتُ عَمْري … وصُنتُ خَلاعتي وأزلتُ وَفْري
فقال الأعزّ: [من الوافر]
ولم أسْمَعْ لِعَمْرُكَ قول زيد … إذا ما لامني أو قَوْلَ عمرو
فقلت: [من الوافر]
ظفرنا فيه من شَفَةٍ وكأس … بمَشْرُوبَيْنِ: من ريقٍ وخَمْرِ
فقال الشهاب: [من الوافر]
ودافعنا يقين الرأي فيه … بمَظْنُونَين: من خمرٍ وخَصْر
فقال الأعزّ: [من الوافر]
كَسَوْتُ به الكُؤُوسَ البِيضَ حُمْرًا … من القُمْصِ اسْتَرَيْناها بصفر
فقلت: [من الوافر]
وظَلْتُ بمأزق للهو أتلو … بهز البيض فيه عِنَاقَ سُمْرِ] (١)
دير شعران - هو في حدود طرا، من ضواحي القاهرة القبلية، في لحف الجبل
стр. 380
الأحمر، المعروف بالمُقَطَّم. وبناؤه بالحجر واللبن. وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان. وهو من ديارات التعاقية.
حكي أن السراج الورّاق (١) مرّ عليه، فنزل به فرأى به جماعة من أودائه على راح تقدح لهم أقداحها، وتهدى إليهم أفراحها. وكان السراج قد طُفِئَت فتيلته من شعلة ذلك اللّهَب، ونَكِرَتْ قافيته صفرة ذاك الذهب. فأتاه بها الساقي فردها، وواصلته في الكأس فصدّها. هذا حين نكس الكِبَر صُعدتَه، وأنفذ العمر مُدَّته. وذكر بجلسائها فقد إخوانه، وذهاب زمانه فلامه من حضر إذ صدّ الكاس، وقال: أما لك أسوة بهؤلاء الجلاس؟ فقال: [من الرمل]
عَجِبَ الساقي لردي القدحا … ولأمر في التَّصَابِي قَدَحَا
وأتانَا بِحُمَيَّا كَاسِهِ … حيث جتنا دير شعران ضحى
قلتُ: يا قُرَّةَ عيني ربما … غُضَ طَرْفٌ بعد ما قد طَمَحا
لم أكن أوّلَ وَلْهانِ سَلَا … لا ولا أوّلَ نَشْوَانٍ صَحَا
أشرب الراح أُرَبِّي فَرَحًا … فيتيح الحظ منها ترحا
سوءُ حَظِّي لو رمى الصبحَ دَجَا … أو رمى ليل عِذارٍ وضَحا
وخَمُولٍ مُنْطِقٍ بالشتم لي … مَنْ أرى دَهْرِي له مُمْتَدِحا؟
زاد في سبي إلى أن خلته … شهد الله به قد سبحا
أنا ما ذَنْبِي لَحَا الله امْرَأَ … لام في التَّوْبة مِثْلِي وَلَحَا
يا نديمي أنت للراح فدعني … أنزَحُ الدمع إلى أن يُنْزَحا
هي أوقات وكل آخذ … من صفا أوقاتِهِ ما سَمَحا
حكي أن السراج الوراق وأبا الحسين الجزار (٢) خرجا في عهد صباهما،
стр. 381
والشباب أعقد خباهما، يريدان النزهة. فوجدا غلامًا زامرًا، يُتَمَنَّى منه اللقاء، ويجتمع فيه الغصن والورقاء. يتلفّت بصفحة القمر المنير، ويُطرب كأنما زمره مما أوتي آل داود من المزامير. فلفتاه إليهما لأمر، وظنا أنه ستلينه لهما الخمر. فأتيا به دير شعران، وصعدا إليه، فوجدا راهبا يصدعُ حُبُّهُ الفؤاد، ويطلع قمره ولا شيء أحسن منه في ذلك السواد. فزاد سرورهما بحصول الزامر والراهب، وأيقنا ببلوغ المآرب. فلما حميت فيهما سَوْرَة الحُمَيَّا، وظن كلُّ منهما أنه قد حصل له فراشه وتهيّا، فَطِنَ الزامر والراهب لمرادهما فتركاهما ومضيا قبل التمام، وتركاهما وكلُّ واحد منهما يشكو ضحيعًا لا ينام. فقال السراج: [من السريع]
في فَخُنا لم يقع الطائر: … لا راهب الدير ولا الزامر
فقال أبو الحسين الجزار: [من السريع]
فسَعْدنا ليس له أوّل، … وَنَحْسُنا ليس له آخر
فقال السراج: [من السريع]
..................... … فالقلب في إثرهما هائم
فقال الجزار: [من السريع]
والقلب من أجلهما حائر … .....................
وحكي أن السراج الوراق كان يغشى راهبًا بدير شعران وافر العقل، كامل الفضل. فخرج إليه في جماعة من أهل الأدب وشعبان قد بقي على أقل من نصفه،
стр. 382
وبدره قد أخذ يتقهقر إلى خلفه. وشهر رمضان قد آن له أن تُغَلَّ فيه شياطين الأنام، ويُخْتَمَ فيه على الأفواه بالصيام. فألفوا الراهب وقد لبس مسحه وساح، وعزل الدير فما هبت فيه رائحة راح. فلما رأوا أن دَيْنَ رمضان قد حان حلول أجله، وأن وجه الدير الوقاح ما دبّتْ فيه من الخمر حُمرةُ خَجَلِهِ، خافوا أن يأتي الصيام، وما تشعشع سوى قنديل سُحُوره الذي بان. ولا مُلِكَ مُدامٌ يأتي منه أوائل وَرْدٍ في أواخر شعبان. فندب السراج إليه راهبًا من شباب الدير ليتبعه، وكتب معه: [من الخفيف]
ابلغ الفاضل الرئيس السلاما، … شَقَّ عن زهره الصباح كماما
قُلْ لَه: أيها الحكيم الذي في … دين عيسي قد برهن الأحكاما
كم رقبناك كالهلاك إلى أن … لُحْتَ للناظرين بَدْرًا تماما
يا أبا المِلَّةِ المسيحية ارحم … مَعْشرًا مُذْ ظَعَنْتَ عنهمْ يَتَامَى
فُطِمُوا من رضاع كأس الحُمَيَّا … وهي أنكى للمرضعين فطاما
واستحلوا وضع الصليب عن الرا … ووق من بعد حمله أعواما
عَدِمُوا راحة النفوس من الرا … ح، فدارك بالأنْفُسِ الأجساما!
وأطالوا حَبس المُدامة في الدن … ويكفي حبس المدامة عاما
ودعا الديك للصبوح فَهبوا … كالمحبين لا يَعُونَ المَلاما
فاسقهم من سلافة تطرد الهم … وعجل لهم بذاك اهتماما
وعسى قائل يقول لحظي … ونَصِيبي: أطلت في ذا الكلاما
كذب المدَّعِي وآخِرُ شَعبا نَ … يُناديني الصيام الصياما
دير البغل - وهو شمالي دير شعران. وبناؤه مثل بنائه في لحف جبل المقطم. وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان اليعاقبة.
قالوا: وسمي بدير البغل؛ لأنه كان به بغل لسقي الماء، تعود هذا وألفه. وكانوا إذا أطلقوه، أتى مورد الماء، وهناك من يملأ عليه. فإذا حمله أتى الدير بالماء.
خرج إليه السراج الوراق مع أبي المُفَضَّل بن العسال في جماعة من أهله. وأقاموا به أياما في لهو، يجرّون أعطاف الزهو. وكان بالدير غلام لا يتعداه أمل المقترح، ولا يحاكي ذوابل عيونه إلا النرجس المتفتح فألفه السراج الوراق وهو إلى وصل منه محتاج. فلما عادوا، قال السراج يذكر أيامه ويمدح أبا المُضَلَّ، ويذكر شيئًا كان عليه به قد تفضل: [من البسيط]
جنَاكَ من عارض في خده لاحا … ريحانة جاورَتْ من ريقه راحا
وما كفاه الشَّذَا الْمِسْكِيُّ بينَهُما … حتى جَلا من خَضِيب الخدّ تُفاحا
стр. 383
عَيْنِي رأته بدير البَغْلِ فِي مَلا … قد قام فيهم من الأسحار نواحا
مقرطقٌ تَرَكَ النُّدْمان من يده … صَرْعى وقد حثّ أحداقا وأقداحا
عاطيته كأسها والشَّهْبُ مَا جَنَحَتْ … إلى مَغَارِبِها والدِّيك ما صاحا
والنجم حيران لولا ما رفَعْتُ له … من كأسها تحت جنح الليل مِصْباحا
حتى إذا أدْنَتِ الصَّهباء خُطُوتَهُ … ورحلت يده عن راحه الراحا
وبات طَوْعِي فلم أَزْدَدْ على قُبَلِ … إذ لا أبيتُ لباب العار فتاحا
أُغالِبُ النفس عما تشتهي كرمًا … جدا فلا تَحْسَبَنِّي ثُمَّ مزاحا
وقد يَرُوقُك لفظي الحُلْمُ لا سِيمَا … إذا لَقِيتُ بني العسال مداحا
القوم جادوا ولم أسأل، وهم مَنَحُوا … وما غَشِيتُهُمُ واللهِ مُمْتاحا
وشاد مجدهم بيتًا يبيت له … طرف المجرة مما طال طماحا
من كل أزهر لولا في تطلُّعه … مَطَالِعُ الصُّبْح! زاد الصبح إيضاحا
صَحِبَتُهُمْ نحو دير البَغْلِ مطلبنا … صهباء جرت بطوق الليل فانزاحا
أبا المُفَضَّل لم أَبْلُغْ مَدَاك ولو … طارحتُ في مَذْهَبِ الشِّعرِ الطَّرِمَّاحا
إِنْ رُمْتَ إخفاء ما تُعطي فقد … نطق المعروف عنك بما تُخْفِي وقد باحا
لا تبغ للجود كتمانا فتَظْلِمَه … إنا رأينا نَسِيمَ الجُود فَيَّاحا
دير طمويه (١) - ويُعرف المكانُ الآن بطموه، وهو في الجانب الغربي، بإزاء حلوان. والدير راكب على البحر. تحف به الكروم والبساتين والأشجار. وهو عامر الأوطان. أهل بالرهبان. وحين تخضر الأرض يكون بين بساطين من البحر والزرع.
قال الشابشتي: وهو من المتنزهات المذكورة، والمواضع الموصوفة. وأنشد فيه لابن عاصم قوله: [من البسيط]
وأَشْرَبْ بِطَمْوَيْهِ مِنْ صَهْبَاءَ صافيةٍ … تُزْرِي بخمر قرى هِيت وعانات
على رياض من النوار زاهية … تجري الجداول منها بين جَنَّاتِ
منازلا كنت مشغوفا بها كَلِفا … وكنَّ قِدْمًا مَوَاخِيري وحاناتي
إذ لا أزال مُلِحًا بالصَّبوح على … ضرب النواقيس صبا بالديارات
كنيسة الطور (٢) - قال الشابشتي: وهذا الطُّور هو طورسينا، الذي صَعِقَ عليه
стр. 384
موسى ﵇. والكنيسة في أعلى الجبل. مبنيّة بحجر أسود. عرض حصنه سبعة أذرع. وله ثلاثة أبواب من الحديد. وفي غربيه باب لطيف. وقدامه حجر لقيم. إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإذا قصدهم متغلّب أرسلوه، فانطبق. فلا يعرف أحد مكان الباب. وداخلها عين ماء، وخارجها عين أخرى.
قال: وزعم النصارى أن بها من أنواع النار الحديدة التي كانت ببيت المقدس: يَقِدُون منها في كل عشية السراج. وهي بيضاء ضعيفة الحرّ، لا تُحرق. ثم تقوى إذا هم أرادوا أن يوقدوا منها.
وهو عامر بالرهبان. فلا يخلو من أحد من أهل البطالات للتفرج فيه والتبرك - على رأيهم - به.
وهو من الديارات الموصوفة والأماكن المقصودة. وممن وصفه ابن عاصم. قال فيه: [من البسيط]
يا راهب الدير، ماذا الضوء والنُّورُ … فقد أضاء بما في دَيْرِك الطُّور؟
هل حلَّتِ الشمسُ فيه دُونَ أبرُجِها … أو غيب البدر عنه فهو مستور؟
فقال: ما حله شمس ولا قمر، … لكن يُقَرَّب فيه اليوم قورير
دير طرا - وموقعه قبلي القرافة ومصر. يلي بركة الحبش وبساتين الوزير. يقصده أهل مصر للفرجة والتنزه. ويُؤتى إليه على ظهر البر والنيل. وله إشراف على النيل. ولا يخلو من قَصْف وشرب. [ولأمراء الديار المصرية إليه إفضاء في الفضاء ومنتهى الركوب] (١). وفيه أقول: [من مجزوء الرجز]
يومَ طُا وديرها … وما أتى منْ خَيرها
وأبيض من يومها … وأحمر من مَيْرِها
مُدامةٌ تَسْرى بنا … مُجِدَّةً في سَيْرِها؟
لم أَنْسَ هِيف نخلها … ويومنا في حَيْرِها،
وأكلنا من حوتها … ووحشها وطيرها
هذا إلى فاتنة … مَلِيحة في ديرها
فلا تَقُلْ لِي: غيرها. ما أَرَبِي في غَيْرِها
الديارات السبع (٢): وهي في الوجه البحري، وهو سفلي ديار مصر. ممتدة
стр. 385
غربا على جانب البرية القاطعة بين بلاد البحيرة والفيوم.
مررنا على بعضها في الصحبة الشريفة الناصرية وهي في رمال مُنقطعة، وسباخ مالحة، وبَرارٍ مُعْطِشة، وقفارٍ مُهْلِكة. وشرب سكانها من جفارات لهم. وهم في غاية من قشف العيش وشظف القوت.
ويحمل النصارى إليهم جلائل النذور والقرابين، وتخصهم بكرائم التحف.
ويتخذ كتبة القبط وخَدَمُ السلطان منهم خاصةً، أيادي معهم، ليكونوا لهم ملجأً من الدولة، إذا جارت عليهم صُرُوفُها.
ولم أعلم فيها أخبارا فأذكرها ولا أشعارا فأُطرِفَ بها. وإنما ذكرتها لشهرة اسمها وبُعْدِ صيتها.
الدير الأبيض (١) - وهو دير جليل البناء، أبيض - كما سُمِّيَ - عليه رونق. قد بُنِيَ بالحجر الأبيض، وزُيِّنَ في أبنيته ووسع في قدر أفنيته، وهو غربي النيل، في طرف الحاجر المُطِل على المزدَرَع، فيما يقابل إحميم. وله إشراف على بسائط تلك الزروع، وسوارح تلك المواشي. وبإزائه نخل خاص به.
ويجري من النيل خليج طويل المدى، كأنه السيف النقي من الصدى؛ ينتهي إلى ملقة متسعة، وبركة فيها أمداد المياه مجتمعة، شرقي الدير. يفصل بينهما الطريق. ويطلّ على هذه الملقة رابية علية، قد تكونت من فَضَلات الترع المحفورة، والجسور المستجدة.
لا يُرى مثل نزاهته في زمن الشتاء والربيع: يتضاحك في جنباته النُّوَّار، وتخضَرُّ فيه شقاق الزروع، وتكثر فيه مصايد الطير، ويكون من الحسن في غاية تملأ البصر، وتزيد على الخَبَر ومررنا به صحبة السلطان ونزلنا على تلك الرابية. وأشرفت على البركة وفيها قارِبٌ يصاد فيه السمك، ومرت الأطلاب مُزَيَّنَةُ الترك وجياد الخيل. فسُئِلْتُ أن أعمَلَ في مثل هذا شيئا، على رسم ما يقال في الديارات. فقلت:
يوم لنا بالدير، دير الأبيض … قد انقضى وطيبه لم ينقض
قد جئتُه في العسكر المنصور … فغلق الأبواب كالمحصور
ونزل الرهبان بالدبوس … فيه إلى قرارة الديموس
стр. 386
واطَّلَعَتْ نَحْوِي هُناك رابيه … تيَّاهَةٌ على الوهاد آبية
قد خضعت من جانبيها الوُهْدُ … كأنّها فَوْقَ الصُّدُورِ نَهْدُ
كأنّما تطلب مني المأتى … هذا وقد ولى زمان المشتى
وللربيع مذ أتى اعتدال … وللنسيم بينه اعتلال
والشمس قد دَبَّ بها السَّقامُ … واليوم لم يَبْقَ له مُقام
والليل قد هيًَّا صفَّ عَسْكَرِهْ … وإنّما مَعْروفهُ في مُنكَرِهْ
والجو في ردائه المُصَنْدَلِ … والأرض تُذكى باشتعال المندل
وَبِمَجْمَرِ الشقيقِ فيها مُوقَدُ … وَشَغَلَ النَّهَارُ فيها تُوقَدُ
وَزَهَرُ الفُولِ أَدْعَى بِالحَقِّ … شَبِيهُ أَذْنَابِ الدُّجَاجِ البُلْقِ
وَزَهَرُ الكَتَّانِ كَالبَنَفْسَجِ … وَمِثْلُهُ لَوْلا ذَكِيُّ الأَرْجِ
تَبْدُو عَلَى أَعْطَافِهِ الشُّرَّافَةُ … ذو هَيْفٍ فِي شَكْلِهِ ظَرَافَهْ
كَأَنَّهُ فِي مَائِهِ المُمْتَزِج … زَبَرْجَدٌ رُضِعَ بِالْفَيْرُوزَجِ
وَسَائِرُ الزَّرْعِ شِفَافٌ خُضْرٌ … وَبَعْضُهَا لَهَا طِرَازُ نَهْرٍ
وَالنَّخْلُ حَوْلَ الدَّيْرِ كَالْعَرَائِسِ … مَجْلُوَّةٌ فِي فَاخِرِ المَلَابِسِ
كَأَنَّهُ مُشَمِّرًا فِي هِمَّةٍ … صُفَّ وَقُوفٌ حَوْلَهُ فِي الخِدْمَةِ
وثَمَّ من باقي مدود النيل … ماء شبيه الصارم الصَّقيل
وافَتْ إليهِ خُلُجٌ مُفَرَّقَةً … واجتمعت جميعها في مَلَقَهُ
دائرة قَوْراءَ مثلِ الأُفُقِ … تأوي بها حيتانها في نَفَقِ
صافيةٍ كمثل عَيْنِ الدِّيكِ … في غاية الصقال والتفريك
قد وَلِعَتْ فيها الرياح بالطرر … فشوّشتها ثم سَالَتْ كالغُرَرْ
فسيحة الأرجاء كالميدان … تشُقُها سَوَاحُ الحِيتَانِ
فيها من الأسماك أشتات تُرى … تأخُذُ من أنواعهن العنبرا
فيها من البلطي والبني … مآكل كالرُّطَبِ الجَنِي
والبركة الفيحاء فيها قارب … وفيه صار للشباك ضارب
يجري به قاربه على نَفَس … وَهُوَ بِهِ في الماء نارِيُّ القَبَس
كأنما أجرى به جوادا … أسرع في الركض وما تمادى
كأنه إذا أراد المَرْكَبَا … صل من الحيات يرقى عَقْرَبَا
يُسَيِّرُ الحِيتان وسط الماء … كأنها النجوم في السماء
يأتي إليها بأضاليل الخدع … لأَجْلِ ما يأخُذُ منها وَيَدَعْ
стр. 387
وَلَمْ يَزَلْ بِخِفَّةٍ فِي الحَرَكَةِ … حَتَّى أَنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ الشَّبَكَة
وَكُلَّ مَا يُرِيدُهُ يَصِيدُ … يَا زَرْعَهَا أَنَّ لَكَ الحَصِيدُ
وَعَنَّ لِي سِرْبُ مَهَا جَاذِرُ … أجفانها تَضُمُّ مَا نُحَاذِرُ
أقمار تُرْكِ فَوقَ شُهْبِ الخَيْلِ … وبَيْنَهَا أَدْهَمُ ضَافِي الذَّيْلِ
فجئت حتى صرت فوق الهضبة … وعاينت عيناي تلك الجَلْبَة
ويا لها من حَلْبَةٍ لا تُلْحَقُ … تكبو وراءها الرياح السبق
كأنَّها أُفْقٌ حَوَى أَقْمَارَا … قد طَلَعُوا فِي أُفْقِهَا نهارا
من نَسل خاقان وجنس الترك … قد عوَّدوا ألحاظهم بالفَتْكِ
كم فيهم من ساحر الأجفان … قَيْسِي خَدٌ طَرفُهُ يَمَانِي
لله إن جرَّد أسياف الحَدَقْ … وبدد الدماء في الخدّ الْيَقَقْ
فيها ملاح للعناق خُلِقُوا … ما برزوا للعين حتّى عُشِقُوا
وَمِيدُ الأغْصَانِ ثُمَّ تَسْتَبِقُ … طورًا تُخَلَّى ثم طورًا تَعتَنِقْ
أغصان بانِ أَمْ هُمُ غزلان … أو الشُّمُوسُ بَلْ هُمُ الولدان
قد ركبوا صوافِنَ السَوَابِقِ … وافترقوا لكن فؤاد العاشق
منهم فتى يهتز كالرديني … مَنْ لِيَ مِنْهُ لو قَضَيْتُ دَيْني؟
قد أسرج الغمام بالهلال … مُطَهَّمًا في صبغة الليالي
يَفْرُقُ شَطْرَي وجهِهِ بغُرَّه … كأنه في وسطها مَسَرَّه
أدهم منه في السباق قد بدر … ليل ولكن فوقَ عِطْفَيْهِ قَمَرْ
مُبَلْبَلُ الصُّدْع رخيمُ الدَّل … أُريدُ منه للهوى مُعَلِّي
له من العُجْبِ جُفُونٌ مُطْبَقَهُ … وآفتي من العيون الضَّيِّقَة
لم أر مثل ثغره إِذْ ضَحِكَا … لقد حكاه البرق لكن ما حكى
بدرٌ ولا تفصح لي أسماؤه … ذو تَرَفٍ يكاد يجري ماؤُهُ
مالي وما للراح أو للأكوس … إذ حل لي بند القباء الأطلس
فيا أُخَيَّ إِنْ قَضَيْتُ نَحْيَا … دَعْنِي أموت في هواه حُبًّا
أهون بدمع مُقْلَتَيَّ الصَّبِّ … فقد تعشقتُ صَبِيًّا يُصْبِي
لما أتاني من بعيد ووقف … لومُتُ عِشْقا فيه كنتُ أحْيَا
ما الموتُ فِي هَوَاهُ إِلَّا مَحْيَا … قُمتُ لِلثم أقدام وكف
وكان قد حان غُرُوبُ الشمس … وطلع البدر كمثلِ التَّرْسِ
стр. 388
وظَلْتُ ألهيه بأشغال السَّمَر … لعل للذي فعلتُه ثَمَر
وقلت هذا مَنْزِلُ نَزِيهُ … ليس له فيما هُنا شَبِيهُ
يا مرحبًا شرفتَ هذا المَوْضِعا … وجئتنا والبدر في وقت معا
فلونزلته هناك أو هنا … عم بقربك السرور والهنا
فانزل بنا واقعد قريرًا ساعة … ولا تخف من فاضح الشَّنَاعَة
فلان لي جانبه ثُمَّ ابتسم … وفاح لي طِيبُ رِضَاهُ وَنَسَمْ
وقال لي أقِمْ حَوَالَيْنَا الحَرَس … وانحط لي كالسهم عن ظهر الفَرَس
فقلتُ: ما تقول في ذا إِنْ مَسَكْ … هذا لنا وجاب من هذا السَّمَكْ؟
وتوقد النار له ليقلى … ومَنْ أتى مزاحمًا في المقلى
ونأكل السَّلُّورَ والشَّبُوطا … والفرح والمَسْلُونَ والمَسْمُوطَا
هذا وما تضم أكناف السُّفَرْ … وما تكون منه ألطافُ السُّفَرْ
فقال لي: دُونَك مَا تُريدُ! … فكان عندي باللقاء عيد
هذا وكُنّا قد أَمَرْنَا الطَّاهِي … بأخذ تلك الجلة الزواهي
فأتقن الجميع بالتنظيف … وزانها في الوضع والتصفيف
وحَطَّ عن أجسامها الجَوَاشنَا … وأظهر الجَمَالَ والمَحَاسِنَا
واقتدح النار من الزِّنَادِ … مثل اصطكاك البَرْقِ في العِهادِ
يطيرُ من جانبها شَرَارُ … هل منه للرمانة انتشار
يُؤَرِّثُ المَوْقِدَ جُلَّ نارِ … كانها شُبَّتْ بِجُلَّنَارِ
وبعد هذا صفف المقالي … وكلُّنا نُحِبُّ ذاك القالي
وسكب الدهان في الطنجير … كمثل بسط الظَّلِّ في الغدير
ثُمَّ قَلى في الطاجن الأسماكا … لولا قليل، لقلي السماكا
ونضد الصُّحُونَ ثُمَّ صفّفا … سبائكًا من النار قد صَفَا
أعادها بعدَ اللُّجَيْنِ عَسْجَدَا … صَفَرَ ألوانًا لها وَوَرَّدَا
وجاء بالملح وبالأبزار … سكارجا تروق للأبصار
مصفوفةً لنا على مقدار … كدِرْهَم صف إلى دينار
وصَبَّ من أطايب الأخلاص … حقائبًا مسدودة العفاص
من حامض مُطَيَّبٍ ومُزّ … وغير ذا من كُلِّ حمض يجزي
وَنَضَّدَ البقول في الأطباق … مثل الحرير لف في الأوراق
و وَضَعَ الكِماجَ والرُّقاقا … حتى استدار حولها نطاقا
стр. 389
وجاء بالفقاع والمشروب … يَهمُّ في الكيزان بالوثُوبِ
ومنه في إنائه مسكوب … كأنه من ذَهَبٍ مصبوب
وقربوا الحَلْوَاء مِلْءَ الجام … كمثل قرص الشمس بالتمام
فقام لي وَزْنُ سُرُوري وقَسَط … لأن من أحببته قد انْبَسَط
ومد عندي يَدَهُ ثُمَّ أَكل … ثُمَّ تنقلنا بمنهوب القُبَلْ
فكم أصبنا منه ما أردنا … ولو نشاء بعد هذا زِدْنا!
ثم أدمنا حمدنا والشكرا … وهو بما جاد علينا أدرى
ثم أتانا الطستُ والغَسُولُ … كأنّه بعنبر مجبول
ثم تلاه الطيب والمنديل … يا حبذا ما حَبَّه الرسول
حتى إذا ما نزل السلطان … واشتغل الغَوْعَاءُ والعِلْمانُ
ونام كل مستكنا في الخيم … ونَكَّرَ الآفاق جلباب الظُّلَم
وأمن الراهب والقسيس … وانشق عن موتاهم الناووس
وأوقدوا في البيعة القنديلا … ورجعوا المزمار والإنجيلا
وزينوا الهيكل بالقُرْبانِ … وصففوا الشموع والقناني
وسَكَبُوا الصهباء في الإبريق … صفراء أو حمراء كالعقيق
وصبّها في الكاس مثل اللَّهَبِ … ممتدة مثل شريط الذهب
يسعى بها مُقَرْطَقٌ مُزَنَّرُ … شبه الغزال الخِشْفِ أحوى أحور
من فتية داموا على الإنجيل … مَنْ لي بهم لو أنهم من جيلي
وبعضهم دب له عذار … كأنه من صده اعتذار
وفيهم ذاك الغزال النافرُ … خليفة الملاح وهو الظافر
لما بدا منه الصباح السافر … تستر الليل فقيل الكافر
أو بِنْتُ قِسِّيس عليها مِسْحُ … كالليل قد أقبل فيه الصبح
بمعصَم فيه دلال وتَرَفْ … كَأنَّه من ماء خديها اعترف
فاتنة من الظباء العين … قد ناصبت بدينها لديني
ماذا أقول في بديع صُنْعِها … والبدر في الظلماء حشو درعها؟
غصن رطيب دب فيه الراح … ومِنْ جَنى خُدُودها التَّفَاحُ
آفة كل مسلم وكافر … وفتنة في أول وآخر
ياما جرى منها وياما يَجْرِي … مِنَّا ومنها من بكًا وهَجْرِ
فَمُذْ هَدَتْ عنا عيون الناس … ثُرْتُ به في غفلة الحُرَّاسِ
стр. 390
وقلتُ، قُمْ حتى نروح في الغَلَسْ … في خُلْسة، فأطيب العيش الخُلَس
فالدير قد آن له أن يُفتحا … وكان قد أُغْلِقَ عمدًا من ضحى
قمنا إليه تحت ستر الليل … نوازعًا نَرْمِي على سُهَيْلِ
وقد علا هيكله القنديل … كأنّه لرأسه إكليل
وثَمَّ في الدير لنا صَدِيقُ … منهمك في السكر لا يُفِيقُ
لكنَّهُ لخوفه قد كانا … ما شرب الصهباء حتى الآنا
وعنده جميع ما نطلبه … وصوت أوتار له تُطرِبُهُ
وهو إذا تبطن السلافه … لم تستطع مليحةٌ خِلافَة
لأنه عرف كل راهبه … بمكره أنّ الحياة ذاهبه
وكلُّ ما تريد منه يحصل … وَفْقَ المُنى مسارعًا يستعجل
فانهض وقُمْ وطب ولا تُوَنِّي … واقتل بما شئتَ سِوى التجنِّي
فقم بنا انهض ودَعِ العُذالا … كم ذا القعود هكذا كُسَالى
لِنَغنم الصحة والفراغا … ونشرب العُمْر لنا ما انساغا
ولم أَزَلْ بِهِ بِهِ حَتَّى نَزَلْ … شاباش لي! صِدْتُ الغَزَالَ بالغَزَلْ
خدعته فانطاع لِي الغُلامُ … وكان ما قد كان، والسلام
وبت مسرورا بذاك الخشف … وفوق ما وصَفْتُ منه المَخْفِي
وكان لي غُلَيم ظريف … حلو الكلام فكه خفيف
جميع ما يقوله مُجُونُ … ما كان مثله ولا يكون
حديثه ليس عليه من حَرَج … لنابه الفالُ وقد سُمِّي فَرَج
قلت له: كأنني ممن ندم … لأجل ذاك الظبي لما أَنْ طَعِمْ
ويحك لم أطعمت هذا ذا السمك … فقال: لولاه لما كان المسك
جعلته لصيده كالفخ … لأجل ذا أبصرته مُسْتَرْخِي
يا شاطر البلاد أنت القيم … فعلت ما لا تستطيع الأسهم
لا شك قد أتقنت علم السحر … وصدت صيد البر بعد البحر
ومما قلته فيه: [من الطويل]
وبالدير يوم أبيضُ لِي كاسمه … وقد طلعت من جانب الدير أقمار
وقد جُلِيَتْ في الكأس صهباء مُزَّةٌ … تَكَشَّفَ منها في الدُّجُنَّةِ أستار
وبالدير ديرانيَّةٌ بَرَزَتْ لنا فتم لنا … فيها حديث وأسمار
جَلَتْها كأنَّ الطُّور جانب كأسها … وإلا ربي دَارِينَ من دونها دار