إبراهيم، فأخذن صدر الإيوان وجانبه، فقال: أيضربن كلهن أم واحدة واحدة، فقال: يضربن اثنتان اثنتان، وتغني واحدة واحدة فعلن ذلك حتى مرّ صدر الإيوان، وأخذ جانبيه، والرشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهن، إلى أن غنت صبية من حاشية الصفة (١): [من البسيط]
يا مُورِيَ الزَّنْدِ قَدْ أَعْيَيْتَ قادِحه … اقبس إذا شِئْتَ مِنْ قلبي بمقباس
ما أَقْبَحَ الناس في عيني وأَسْمَحَهُمْ … إِذَا نظرت فلم أنظرك في الناس
قال: فطرب لغنائها، واستعاد الصوت مرارًا، وشرب أرطالًا، ثم سأل الجارية عن صانعه، فأمسكت، فاستأذناها، فتقاعست، فأمر بها، فأقيمت حتى أقيمت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، ودعا بحماره، فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم، فقال: ما ضرك يا إبراهيم أن لا تكون خليفة؟ فكادت نفسه تخرج حتى دعا به بعد ذلك وأدناه. وكان الذي أخبرته به الجارية أنَّ الصنعة في الصوت لأخته علية، وكانت لها وجهت بها إبراهيم تطارحه.
قال لي إبراهيم؛ قال لي الرشيد يومًا: يا إبراهيم بكر غدًا حتى نصطبح، فقلت: أنا والصبح كفرسي رهان، فبكرت، فإذا به خال وبين يديه جارية كأنها خُوط بان، أو جذل عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل في يدها العود فقال لها: غني، فغنت في شعر أبي نواس وهو هذا (٢): [من الطويل]
تَوَهَّمَهُ قلبي فأصبحَ خدُّهُ … وفيهِ مَكانَ الوَهُم مِنْ ناظراي أَثَرْ
ومرَّ بفكري خاطرًا فَجَرَحْتُهُ … ولم أرَ جسمًا قط تجرحُهُ الفِكَرْ
وصافحه قلبي فآلمَ كَفَّهُ … فَمَنْ غَمْزِ قلبي في أنامله عقر
قال إبراهيم: فذهبت والله بعقلي حتى كدت أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه التي يقول فيها الشاعر (٣): [من الوافر]
لها قلبي الغَدَاةَ وقلبُها لِي … فنحن كذاكَ في جَسَدَينِ رُوْحُ
قال: ثم شرب أرطالًا، وسقاها، وقال: غنّ يا إبراهيم، فغنيت حسب ما في قلبي غير متحفظ (٤): [من الطويل]
стр. 3257
تَشَرَّبَ قَلْبِي حُبُّهَا وَمَشَى بِهَا … تَمَشِّي حُمَيَّا الكَأْسِ في كَفِّ شَارِبِ
ودَبَّ هَوَاهَا في عِظَامِي فَسُقْمُهَا … كما دَبَّ في الملسوع سُمَّ العَقَارِبِ
قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالة مني، وأمرني بالانصراف، ولم يدع بي شهرًا، ولا حضرت مجلسه؛ فلما كان بعد شهر دس إلي خادمًا معه رفعة فيها مكتوب (١): [من الخفيف]
قَدْ تَخَوَّفْتُ أَنْ أَمُوتَ مِنَ الوَجْـ … ـد ولَمْ يَدْرِ مَنْ هَوِيتُ لما بي
يا كتابي فاقر السلام على مَنْ … لا أُسَمِّي وقُلْ له يا كتابي
إن كفًا إليك قد كتبتني صَبَّتْ … فؤاده في عذابي
فأتاني الخادم بالرقعة فقلت: ما هذا؟ قال: رقعة فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسسْتُ بالقصة، فشتمت الخادم، ووثبت إليه ضربته ضربًا شفيت به غيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري، فأخبرته بالقصة، وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقي، ثم قال: على عمد فعلت ذلك. أردت لأمتحن مذهبك، وطريقتك، ثم دعا بالخادم؛ فلما رآني قال: قطع الله يديك ورجليك. ويلك قتلتني، فقلت: القتل كان بعض حقك لما وردت به عليّ، ولكني رحمتك، فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليؤدي عقوبتك بما تستحقه، فأمر لي الرشيد بصلة سنية، والله أعلم ما فعلت الذي فعلت عفافًا، ولكني خفت.
قال إسحاق: سمعت الرشيد، وقد سأل أبي كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان؟، قال: يا أمير المؤمنين أخرج الهم من فكري، وأمثل الطرب بين عيني، فتسرع لي مسالك الألحان التي أريد، فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبًا ظافرًا بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وأن حُسْنَ وصفك مُشاكل لحسن صنعتك وغنائك.
قال ثمامة بن أشرس: مررت بإبراهيم الموصلي، ويزيد حوراء، وهما مصطبحان، وقد أخذ بينهما صوتًا يغنيانه، هذا بيتًا، وهذا بيتًا (٢): [من الطويل]
أَيا جَبَلي نعمان بالله خَلْيا … سبيلَ الصَّبا يخلص إلي نسيمها
فَإِنَّ الصَّبا ريح إذا ما تنسَّمَتْ … على نفسِ مَكْرُوبٍ تجلَّتْ هُمُومُها
قال ثمامة: فوالله ما خلت أن شيئًا بقي من لذات الدنيا بعد ما كنا فيه.
стр. 3258
قال إبراهيم الموصلي، قال لي جعفر بن يحيى يومًا: صِرْ إليَّ حتى أهب لك شيئًا حسنًا، فصرت إليه، فقال لي: أحب أن أهب لك الشيء الحسن الذي وعدتك به، وأرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم، فقلت: بل يُرشدني الوزير - أعزه الله - إلى هذا الوجه، فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا المال، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر ذي الرمة حفظ الصبي، ويعجبه، ويؤثره، وإذا سمع فيه غناء، أطربه أكثر مما يطربه غيره ممن لا يحفظ شعره، فإذا غنيته وأطربته أمر لك بجائزة، فقم على رجلك وقبل الأرض وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة، ولا تضره ولا ترزأه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك؟ فقل: قطيعة تقطعنيها سهلة عليه، ولا قيمة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة أغنّي فيه ما أختاره ويحظر على المغنين جميعًا أن لا يداخلوني فيه، فإني أحب شعره، وأستحسنه، فلا أحب أن يبغضه على أحد منهم، وتوثق منه في ذلك، فقلت هذا القول منه، وما انصرفت إلا بجائزة من عنده مع ذلك توخيت وقتًا للكلام حتى وجدته، فقمت وسألت كما قال لي، فرأيت السرور في وجهه، وقال: ما سألت شططًا قد أعطيتك ما سألت، فجعلوا يتضاحكون من قولي ويقولون: لقد استضخمت القطيعة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في التوقيع، قال: توقع كيف شئت فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي إلا جعلتني في ثقة من ذلك، بأن يحلف لي بأن لا يعطي أحدًا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر ذي الرمة، فإن ذلك وثيقتي. فحلف مجتهدًا له لئن غناه أحد منهم في شعر ذي الرمة، لا أثابه ولا أبره، ولا سمع غناءه، فشكرت فعله، وقبلت الأرض بين يديه، فانصرفنا، فصنعت مائة صوت، وزيادة عليها في شعر ذي الرمة، وكان إذا سمع منها شيئًا، طرب وزاد في الطرب، ووصلني، وأجزل، ولم ينتفع أحدٌ منهم غيري، فأخذت والله منه ألف ألف درهم، وألف ألف درهم.
قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزل، وزمر برصوما، وغنّى إبراهيم (١): [من الوافر]
صَحَا قَلْبِي وَزَاغَ عَقْلِي … وأَقْصَرَ باطلي ونَسِيتُ جَهْلِي
رأيتُ الغانياتِ وكُنَّ … إِليَّ صَرَمْنَنِي وقَطَعْنَ حَبْلِي
فطرب هارون حتى وثب على رجليه، وصاح يا آدم لو رأيت من يحضرني اليوم
стр. 3259
من ولدك، لسرك، ثم جلس، وقال: أستغفر الله!.
قال علي بن عبد الكريم زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جارية، فضربن جميعًا طريقة واحدة، ثم غنين، فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة شدّي متناك، فشدّته، فعجبت أولًا من فطنته وابن جامع يغنيه.
قال إبراهيم الموصلي؛ قال لي الرشيد يومًا: يا إبراهيم إني قد جعلت غدًا للحرم، وجعلت ليلته للشرب مع الرجال، وأنا مقتصر من المغنين عليك، فلا تشغل غدًا بشيء، ولا تشرب نبيذًا، وكن بحضرتي وقت العشاء الآخرة. فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال: وحق أبي لئن تأخرت، أو اعتللت بشيء، لأضربن عنقك. أفهمت؟ قلت: نعم، وخرجت، فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه، ولا قرأت رقعة لأحد حتى صليت المغرب، وركبت قاصدًا إليه؛ فلما قربت من داره، مررت بفناء قصر، وإذا زنبيل كبير مستوثق منه بحبال، وأربع عرى أدم، وقد دلّي من القصر، وجارية تنتظر إنسانًا قد وعد؛ ليجلس فيه، فنازعتني نفسي إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعلّه يجري بسبب يعوقني عن الخليفة، فيكون الهلاك، ولم أزل أنازع نفسي، وتنازعني حتى غلبتني، فنزلت، وجلست فيه، ومد الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت، فنزلت فإذا جوار كأنهنّ المها جلوس، فضحكن، وطربن وقلن: قد جاء والله؛ فلما رأينني من قريب تبادرن عنّي، وقلن: يا عدو الله ما أدخلك إلينا؟، فقلت: يا عدوات أنفسهن ما الذي أردتن إدخاله ولم صار أولى بها مني؟ فلم يزل ذلك دأبنا، وهنَّ يضحكن، وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن: أما من أردنا، فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلمن نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إلي طعام، ودعيت إلى أكله، فلم يكن في فضل إلا أنني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذر، ثم جيء بالنبيذ، فجلسنا نشرب، فأخرجن إلي ثلاث جوار لهنَّ، فغنين غناءً مليحًا، وغنت إحداهن صوتًا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم. هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له فقالت: يا فاسق ما يدريك الغناء ما هو؟ ثم غنت الأخرى صوتًا للغريض، فقالت: اللهم أحسن إبراهيم. هذا له أيضًا، فقلت: كذبت يا خبيثة هذا للغريض، فقالت: اللهم أخزه. ويلك ما يدريك، ثم غنت الأخرى صوتًا لي، فقالت تلك: أحسن ابن سريج [هذا]. له. قلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه، وغناءه إليهم. قالت: ويلك وما يدريك؟، فقلت: أنا إبراهيم. فتباشرن بذلك جميعًا، وظهرن كلهنَّ لي، وقلن: كتمتنا نفسك،
стр. 3260
وقد سررنا. فقلت: أنا الآن أستودعكم الله، فقلن: وما السبب؟ فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد، فضحكن وقلن: الآن طاب حبسك علينا، وعلينا إن أخرجت أسبوعًا، فقلت: هو والله القتل، فقلن: إلى لعنة الله فأقمت عندهن أسبوعًا لا أزول؛ فلما كان بعد أسبوع، ودعنني وقلن: إن سلمك الله، فأنت بعد ثلاثة أيام عندنا. قلت: نعم. فأجلسنني في الزنبيل، وسرحت فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، فإذا النداء قد اتسع ببغداد في طلبي، وأن من أحضرني فقد سوّغ بي، وأقطع مالي. فاستأذنت، فبادر الخادم حتى أدخلني إلى الرشيد، فلما رآني شتمني، وقال: السيف والنطع. إيه يا إبراهيم تهاونت بأمري، وتشاغلت بالعوام عما أمرتك به، وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا بين يديك، وما أمرت غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط، وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارًا، فاسمعه، فإن كان عذرًا، فاقبله وإلا فأنت أعلم. قال: هاته، فليس ينجيك، فحدثته، فوجم ساعة، ثم قال: إنَّ هذا لعجب. فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحضر عندهن، وإن شئت على موعد، قال: بل على موعد. قلت: أفعل. قال: انظر. قلت: ذاك حاصل لك متى شئت، فعدل عن رأيه في، وأجلسني، وشرب، وطرب؛ فلما أصبحنا أمرني بالانصراف، وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهنَّ في وقت الموعد؛ فلما وافيت الموضع إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه، ومدت الجواري، وصعدت، فلما رأينني تباشرن بي، وحمد الله على سلامتي، وأقمت ليلتي؛ فلما أردت الانصراف، قلت لهن: إنّ لي أخًا هو عديل نفسي عندي، وقد أحبّ معاشرتكن، ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه، فمرحبًا. فواعدتهن ليلة غد، وانصرفت، وأتيت الرشيد، فأخبرته؛ فلما كان الوقت خرج معي متخفيًا حتى أتينا الموضع، فصعدت، وصعد بعدي، ونزلنا جميعًا، وقد كان الله وفقني بأن قلت لهن: إذا جاء صديقي، فاستترن عني وعنه، ولا يسمع لكن نطقة، وليكن ما تخترنه من الغناء، أو تقلنه من قول مراسلة، فلم يتعدين ذلك، وأقمن على أتم ستر وخفر وشربنا شربًا كثيرًا، وقد كان أمرني أن لا أخاطبه بإمرة المؤمنين؛ فلما أخذ مني النبيذ، قلت - سهوًا -: يا أمير المؤمنين، فتبادرن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت لك واحدة منهن؛ لضربت رقبتك. قم بنا، فانصرفنا، فإذا هنَّ له، وقد كان غضب عليهن، فحبسهن في ذلك القصر، ثم ردد بخدم، فردهن إلى قصري، ووهب لي مائة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.
стр. 3261
قال مخارق: كنا عند الرشيد بعض أيامنا، فغناه ابن جامع، ونحن يومئذ بالرقة (١): [من الخفيف]
هاج شوقًا فِرَاقُكَ الأحبابا … فَتَنَاسَيْتَ أن نسيت الربابا
حين صاح الغُراب بالبَينِ منهمْ … فَتَصَامَمْتَ أن سمعت الغُرابا
لوعلمنا أَنَّ الفِراقَ وشِيْك … ما انتهينا حتى نزور القبابا
أو علمنا حين استقلت نواهم … ما أقمنا حتَّى نَزُمَّ الركابا
قال: فاستحسنه الرشيد وطرب عليه، وأعجبه واستعاده مرارًا، وشرب عليه أرطالًا حتى سكر، وما سمع شيئًا غيره، ولا أعجبه، ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار؛ فلما انصرفنا، قال لي: يا إبراهيم لا ترم منزلك حتى أصير إليك. فصرتُ إلى منزلي، فلم أغيّر ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته، فلقيته في دهليزي، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه، ثم قال لي: يا مخارق أنت نسيلة مني. إحساني إليك، وقبيحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى، غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتًا في طريقة صوته الذي غناه أحسن صنعة منه، وأشجى، وإنما نغلبه عند هذا الرجل بصوته، وإلا قطعن علي صوتي، وإذا أطربته، وغلبت عليه بما يأخذه مني قام ذلك مقام الظفر. وسيصبح أمير المؤمنين، ويدخل الحمام غدًا، ويحضر، فيدعو بالطعام، ويدعو بنا، ويأمر ابن جامع، فيرد الصوت الذي غناه، ويشرب عليه رطلًا، ويأمر له بجائزة، فإذا غنّى، فلا ينتظره أكثر من أن يرد ردته، حتى تغني ما أعلمك الساعة، فإنه يقبل عليك، ويصلك، ولست أبالي أن لا تصلني بعد أن يكون إقباله عليك. فقلت: السمع والطاعة، فألقى علي لحنه في أبيات لابن هرمة وهي (٢): [من المنسرح]
يا دار سُعْدَى بالجَزْعِ مِنْ ملل … حُيِّيْتِ مِنْ دِمْنَةٍ وَمِنْ طَلَلِ
إنِّي إذا ما البَخِيْلُ أمنها … بِانَتْ ضمورًا مِنِّي على وَجَلِ
لا أُمتع العود بالفصال ولا … أَبْتَاعُ إلا قريبة الأجل
وردّده حتى أخذته، وانصرف، ثم بكر عليَّ، فاستعاده مني حتى رضيته حتى ركبنا، وأدارسه حتى صار إلى الرشيد؛ فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئًا شيئًا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فردد الصوت ودعا برطل،
стр. 3262
فشربه، فلما استوفاه واستوفى ابن جامع صوته، لم أدعه يتنفس حتى اندفعت، فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغي إليه، وهو باهت حتى استوفيته، فشرب، وقال: أحسنت! لمن هذا الصوت؟ قلت: لإبراهيم. فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت، وأعيده حتى شرب أرطالًا، وأمر لإبراهيم بجائزة سنية، وأمر لي بمثلها، وجعل ابن جامع يجيء بالغناء، فيدسه في اسْتَاءِ الصبيان إن كان محسنًا، فليغنه هو. والرشيد يقول له: دع ذا عنك، قد والله استفاد منك وزاد.
قال يحيى بن عروة بن أذينة: خرجت في حاجة لي؛ فلما كنت بالسيالة وقفت على منزل إبراهيم بن هرمة فصحت يا إسحاق فأجابتني ابنته: من هذا؟، فقلت: أعلمي أبا إسحاق، قالت: خرج آنفًا. قال: فقلت: فهل من قرى فإني مقو من الزاد؟ فقالت:
لا والله ما صادفته حاضرًا، قلت: فأين قول أبيك:
لا أمتع العود بالفصالِ ولا … أبتاعُ إلا قَرِيبَةَ الأَجل
قالت: فذاك والله أفناها.
قال إسحاق: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة، اشتد أمر القولنج على أبي، ولزمه. وكان يعتاده في الأحيان، فقعد عن الخدمة للخليفة، وعن نوبته في ذلك، وقال في ذلك (١): [من مجزوء الرمل]
مُلَّ وَاللَّهُ طَبِيبيْ … عَنْ مقاساة الذي بي
سَوْفَ أَبْغِي عَنْ قَرِيبٍ … لعَدُوّ وحَبيب
قال: وركب الرشيد حمارًا، ودخل يعوده، فوجده، وهو جالس على الأبزن، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم؟، فقال له: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر (٢): [من الوافر]
سَقِيمٌ مَلَّ منهُ أَقاربوهُ … وأَسْلَمَهُ المُداوي والحَمِيمُ
فقال الرشيد: إنا لله، وخرج، فما بعد
حتى سمع الداعية عليه.
قال عمر بن شبة: مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي وابن الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج، فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ قالوا: إبراهيم الموصلي،
стр. 3263
قال: أخروه، وقدموا العباس بن الأحنف، فقدّم، فصلى عليهم، وانصرف، ودنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي، فقال: يا سيدي كيف أثرت العباس بالتقدمة على من حضر؟. قال لقوله (١): [من الكامل]
وسعى بها واش فقالوا: إِنَّها … لَهِيَ الَّتي تَشْقَى بها وتُعابِدُ
ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم. قال: أنشدني باقيها، فأنشدته:
لما رأيتُ الليل سدَّ طريقَهُ … عنِّي وعذبني الظلامُ الرَّاكِدُ
والنجم في كَبِدِ السَّماءِ كَأَنَّهُ … أَعْمَى تحيَّرَ ما لديه قائد
ناديت من طرف قاد بصدّه … عمَّا أُعالج وهو خلو جاهِدُ
يا ذا الذي صدع الفُؤادَ بصدِّهِ … أَنْتَ البلاء طريفه والتالدُ
ألقيت بين جفُونِ عَيْني فُرْقَةٌ … فإلى مَتَى أَنا ساهِر يا راقد
فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقيًا بالتقدمة؟!، فقلت: بلى ياسيدي.
قال إسحاق: دخلت يومًا إلى الرشيد بعقب وفاة والدي، وذلك بعد وفاته بشهرين، فلما جلست رأيت موضعه الذي يجلس فيه خاليًا، فدمعت عيني، فكفكفتها، وبصرت فلمحني الرشيد، فدعاني إليه، وأدناني منه، وقبلت يده ورجله والأرض بين يديه، فاستعبر، وكان رقيقًا، فوثبت قائمًا، ثم قلت (٢): [من الخفيف]
في بَقَاءِ الخليفة الميمونِ … خَلَفٌ مِنْ مُصيبةِ المَحْزُونِ
لا يَصيرُ المصاب خلفًا إذا ما … كانَ ذا مَفْزَعِ إلى هارون
قال لي: كذلك والله، ولن يفقد من أبيك ما دمت حيًا إلا شخصه، وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي فقلت: بل تأمر به يا أمير المؤمنين إلى ولده، ففي خدمته له ما يغنيني أنا، فقال: اجعلوا رزق إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق.
وأما الصوت الذي ذكرت أخبار إبراهيم بسببه والشعر فيه والغناء له، وهو من المائة المختارة فهو (٣): [من مجزوء الرمل]
رُبَّما نبهني الإخـ … وان والليلُ بَهِيمُ
حِينَ غَارت وتدلَّت … في مهاويها النُّجوم
ونُعاس الليل في عيـ … ـنيَّ كالثَّاوِي مُقِيمُ
стр. 3264
أنا بالرَّيِّ مُقِيْمٌ … في قُرَى الرَّيِّ أهِيمُ
ما رانا يا خَلِيلي … عَنْ قُرَى الرَّيِّ أَرِيمُ
ومما رثي به إبراهيم الموصلي قول ابنه (١): [من الطويل]
أيا قبر إبراهيم حُمِّيْتَ حُفْرَةً … ولا زِلْتَ تُسقى الغَيْثَ مِنْ سُبُلِ القَطْرِ
لقد عَزَّني وَجْدِي عليكَ فَلَمْ تَدَعْ … لِقَلبي نَصيبًا مِنْ عَزَاءٍ وَلَا صَبْرِ
وقد كنتُ أبكي مِنْ فَراقِكَ ليلة … فكيف إذا صارَ الفِرَاقُ إلى الحَشْرِ
وقال أيضًا (٢): [من الطويل]
سلامٌ على القبر الذي لا يُجِيبُنا ونحن … نُحيي تربهُ ونُخاطبه
ستبكيه أشراف الملوكِ إذا رأوا … محلَّ التصابي قَدْ خَلَا مِنْهُ جَانِبُهْ
ويبكيهِ أَهلُ الظَّرْفِ طُرًّا كما بَكَى … عليه أمير المؤمنين وحاجبه
ولمَّا بَدَا لِي اليأسُ مِنْهُ وأَبْرَقَتْ … عُيونُ بَوَاكيهِ وقَلَّتْ نَوادِبُهْ
وصارَ شِفَاءُ النَّفْسِ مِنْ بَعْدِ ما بها … إفاضَةَ دَمْعِ تُسْتَهِلُّ كَوَاكِبُة
جَعَلْتُ على عَيْنَيَّ للصُّبْحِ عَبْرَةً … وللَّيلِ أُخرى ما بَدَتْ لي كَوَاكِبُهْ
وقال أيضًا (٣): [من الطويل]
عليكَ سَلامُ اللهِ مِنْ قبر فاجع … وجادَكَ مِنْ نُورِ السَّمَاكَيْنِ وابل
أَهَلْ أَنْتَ محيا القَبْرِ أَمْ أَنْتَ سَائِلٌ … وكيفَ تُحَيِى تُرْبَةٌ وجَنَادِلُ
أَظلُّ كأَنِّي لَمْ تُصِبْنِيْ مُصِيبَةٌ … وفي الصَّدْرِ مِنْ وَجْدِ عَليكَ بَلابِلُ
وهَوَّنَ عِنْدِي فَقْدَهُ أَنَّ شَخْصَهُ … على كلِّ حالٍ بَيْنَ عَيْنَيَّ مَائِلُ
[٧٥] أبو زكار (٤)
رجل أوفى بعهده، ووفى بعقده، صحب بني برمك، وهم الغيوث السوافح، والبحار الطوافح، فغمروه بالنعماء، ورعوه أكثر مما رعت ابن ثابت، صنائع إلى جفنة
стр. 3265
الكرماء، فلم ينس لهم حسن الصنيع، ويمن الأيام التي ما لا إنجاب عن مثلها الصديع، وكان في أهل الغناء مقدمًا، بصيرًا مع ما هو عليه من العمى.
قال أبو الفرج: أخبرت عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي أنه قال: سمعت مسرور [١] الكبير يحدّث أبي، قال: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخلت إليه، وعنده أبو زكار الأعمى الطنبوري يغنيه (١): [من الوافر].
فَلَا تَبْعُدْ فَكُلُ فَتًى سيأتي … عليه الموتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغادي
فقلت له: في هذا والله أتيتك، وأمرت بضرب عنقك. فضربت عنقه، فقال لي أبو زكار نشدتك الله إلا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك، فقال: إنه أغناني عما سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده، فقلت: أستأمر أمير المؤمنين في ذلك؛ فلما أتيت الرشيد برأس جعفر، أخبرته بقصة أبي زكار، فقال: هذا رجل فيه مصطنع، فضمه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه، فأقمه له.
قال: غنى علوية يومًا بحضرة إسحاق (٢): [من البسيط]
عَمَّيْتُ أمري على أهلي فَنَمَّ بِهِ … دَمْعٌ إذا ذكرت مكنونَهُ سَفَحا
فقال أبو إسحاق: هذا صوت معروف في العمى الشعر لبشار الأعمى، والغناء لأبي زكار الأعمى، وأوله: عميت.
وهذا آخر ما يقع عليه الاختيار من جامع أبي الفرج الأصفهاني اقتصر فيه على من ذكره من مشاهير الأغاني.
وقد بقيت مدة لا أجد ما أذيل عليه، ولا ما أصله به إلى زماننا هذا، على ما جبرنا عليه في جمع هذا الكتاب، لقلة اعتناء المتأخرين ولا سيما بهذا الفن الذي فني، ولم يبق من يعانيه أو يسمعه، لرغبة ملوك زماننا فيما سوى هذا، وشواغل أبناء الزمان بالهموم الصادة عن السرور.
ثم ظفرت لابن ناقيا بتأليف جاء في تضاعيفه عرَضًا ذكر جماعة على ذيل زمان أبي الفرج (٣).
ثم اقتطفت من كتب التواريخ والأخبار المقيدة عن أواخر الخلفاء من بني العباس، وبقايا الخلفاء بالأندلس من بني أمية، وأعقاب الملوك والجلة من كل أفق ما
стр. 3266
جمعت مفرقة، وألفت ممزقة، ثم أتبعته بما التقفته من ذمار بقية من أهل الاعتناء ممن تأخر بهم الأجل إلى هذا العصر.
وبذلت الجهد فيه حسب الطاقة، وبقيت فيه حتى لم أجد، وأبديت فيه حتى لم أعد؛ فأما نسبة الصوت، فقد أتيت بما قدرت عليه في ذلك، دون ما صدني عنه العجز عن حال بيني وبينه يقضي أوقات السرور بأهله، على أنني لم أخل محسنًا، ولا أهملت حسنًا، وكثيرًا ما أثنيت عليه طاقة مثلي، ورماني وإخماد حدثان الدهر لجمرتي، وتكديره لصفوة مسرّتي. وبالله أستعين.
ومنهم:
[٧٦] دليل الطنبوري (١)
كان بدمشق، وأخذ صناعة الغناء عن مشايخها، وتفرد بضرب الطنبور، وأتى العراق ولم يجد له بها عظيم نفاق، فعاد إلى دمشق، وأقام بها، ونفق على أمرائها، وحضر مجالس سروائها.
ومن مشاهير أصواته: [من الكامل]
ومُكَلَّل بالدُّرِّ والمَرجان … كالوَرْدِ بين شقائق النعمان
أَخَذَ المراة وقد أَرادَ زيارتي … فَرَأَى مَحاسِنَ وجهِهِ فَجَفانِي
والشعر لأبي تمام (٢).
قال ابن ناقيا: هو في الثقيل الأول من المعلق، وكذلك صوته الآخر في مشطور السريع وهو (٣): [من الرجز]
وشادِنٍ مُكتحلٍ بِسحْرِ … أَجفانُه سَكْرى بغيرِ خَمْرِ
أَرَقَّ مِنْ رِقَّةٍ ماء يجري … أَمْلَكَ بِي مِنِّي وليسَ يَدْرِي
آليت ألا أملل عنْهُ صَبْرِي … واستَرِدَّ مَا مَضَى مِنْ عُمْرِي
والشعر لأبي الفرج الوأواء، شاعر شامي مقل إلا أنه مطبوع الكلام، وكان عاميًا مقلًا من الأدب، وله عدة مقاطيع يغنى فيها، وسيأتي ذكره في موضعه.
стр. 3267
ومنهم:
[٧٧] عليُّ بن يحيى المنجِّم (١)
كان من الشعراء الرواة الإخباريين المحدثين للغناء، وكان الأصبهاني شديد الكراهة له. وروى عن إسحاق الموصلي، وذكر أكابر أهل الصنعة الحذاق، وأخذ عنهم وطار اسمه في العراق، وهو ممن جرى مع أولئك السبق، وآخرين تلك الألسنة النطق، فجثم لديه أولئك الملأ العقود، وجف كل بنان، ويبس على عود.
وكان يعد من ندماء الخليفة، وأهل القرب والإصغاء، كأنما تخيّر أبوه المنجم لمولده الطالع، وختم عليه من خاتم الزهرة بالطابع، فجاء مطبوعًا على الطرب، لو تنحنح أطرب، ولو تكلم بالكلام المألوف لأعرب، لا يلحق إلا بالشمس، أو هي منه أقرب.
ومن مشاهير أصواته: [من الطويل]
ومَجْدُولَةٌ جَدْلَ العِنان كَأَنَّما … سَنَى البَرْقِ في داجي الظلام ابتسامها
ولمّا التقينا قالت: اليوم فالتمس … سِوَى جلدها هيهاتَ مِنْها مَرَامُها
فقلتُ: معاذ الله أسأل حاجةً … أموتُ وتبقى بعد ذاكَ آثامها
فبتُّ أُثَنِّيها عليَّ كأَنَّها … مِنَ اللينِ سَكْرَى أَوْ عظات عظامها
والشعر من أناشيد إسحاق، وقد رواه عنه، والصنعة له فيه خفيف ثقيل مشتركان في الإصبع.
стр. 3268
وذكر ابن ناقيا صوتًا لإسحاق بن إبراهيم، وهو (١): [من الطويل]
وأبرزتها بطحاء مكَّةَ بَعْدَما … أَصابَ المُنادي للصَّلاةِ فَأَعْتَمَا
فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى تَبَيَّنَت … بِعَسْفَانَ نَخْلًا شامخًا ومُكَمَّما
وذكر أنه غنى فيه في باب الرمل المزموم، ثم قال: والشعر لأبي دهبل الجمحي (٢)، وكان له ناقة يقال لها العجاجة، زعم العرب أنه لم يكن في زمانها أسير منها، ولا أحسن صورة؟ وفيها يقول هذا الشعر، يصف حسن سيرها.
قال موسى بن يعقوب السندي: أنشدني أبو دهبل قوله:
فما ذَرَّ قرن الشمس ..
فقلت له: ما كنت إلا على الريح، قال: يا ابن أخي إن عمل كان أذاهم فعل، وهي العجاجة.
قال ابن ناقيا: أنشدنا الشريف المرتضى لنفسه إجازة لقول أبي دهبل:
«وأبرزتها بطحاء مكة .. »
ونقل الصفة إلى امرأة من أبيات (٣): [من الطويل]
فَطَيَّبَ رَيَّاها المقامَ وضَوَّءَتْ … بإشراقِ مَرآها الحَطيمَ وزَمْزَما
فيا ربِّ إِنْ لَقَيْتَ وَجهًا تَحِيةٌ … فحيّي وجوهًا بالمدينة سهما
قال، وقال لي بعض أرباب الصناعة: إنَّ أبا عبد الله بن المنجم قد غنّى في هذين البيتين مع بيتي أبي دهبل في هذا المذهب.
ومن قلائده (٤): [من الخفيف]
стр. 3269
يا خليليَّ مِنْ ذُؤَابَةِ قيس … في التصابي رياضة الأخلاق
غنياني بذكرِهِمْ تُطْرِبَانِي … وَاسْقِيانِي دَمْعِي بِكَأْسٍ دِهَاقِ
وخُذا النوم مِنْ جُفوني فإني … قدْ خَلَعْتُ الكَرَى على العُشَّاقِ
والشعر لأبي القاسم الشريف المرتضى والغناء فيه مطلق من سادس الهزج.
ويقال: إن أخاه الشريف الرضي لما أنشد هذه الأبيات، قال: لقد وهب ما لا يملك لمن لا يقبل.
وحكى ابن ناقيا: أنه كان يحضر مجلس المرتضى شيخ طيب الخلق يُعرف بالقاضي المالكي، ممن يتوكف برّة، ويصف مع إمساكه وشحه، فلما قال المرتضى:
قدْ خَلَعْتُ الكَرَى على العُشَّاقِ
قال المالكي: هذا لما تفضل سيدنا، وخلع. فضحك منه المرتضى، ولم يؤاخذه به.
ومنهم:
[٧٨] ذرفل بن إخليج بن عبد الملك الأهوازي
كان إذا نطق اهتز المجلس، واعتز المؤنس، وأهز القلوب منه المطمع المؤيس، تضع لأصواته كل حلى يده فوق خلبه، ويتقلب والشوق حشو قلبه، ولولاه لم يدر كيف يفتت الأكباد ولا كيف يتحرّك الجماد، ولا كيف يسمع الأذن فيهيم الفؤاد، كان في كل لهاة له ضارب فتر، وكان له في كل نغمة ما لو صدع الحجر لانفطر.
وأكثر أصواته في الزريقي، وما لهج به خلف المتأخرين من أهل الغناء، ومنها: [من مجزوء الكامل]
اشْرَبْ مُعَتَّقةَ اليهودِ … صِرْفًا تَضَرَّمُ في الخُدُودِ
اشرب على تِفَاحَةٍ … قَدْ أَينعت مِنْ غيرِ عُودِ
[مجزوء الكامل]
أَطِع الهَوَى وَاعصِ الأَدَب … وكذاكَ يفعلُ مَنْ أَحَبْ
لا يَشْغَلنَّكَ شاغِلٌ … عَنْ بنتِ صافية العنب
جاءَتْ بِخَاتَمِ ربِّها … فافتضها شيخ الأرب
ومنهم:
стр. 3270
[٧٩] إسرائيل العواد
ذكره ابن ناقيا في غير موضع في كتابه المسمّى بالمحدث في الأغاني، وذكره غيره في المغنيات والمغاني، وطالما ضم إليه العود، فترنم مسرورًا وترنّح محبورًا، وتذكر وهو في شعب الأغصان عهدًا غير راجع، وزمانًا تعلم فيه الضرب من السواجع، فحن حنين المفارق، وشكا فجاوبه كل عاشق، فمهد مجلس أنسه بالترحيب، وأَنَّ فساعده كل مغرم بالبكاء والنحيب.
ومن مشاهير أصواته: [من الطويل]
تَلَفَّتُ مِنْ دَارِي إِلى نَحْوِ دَارِكُمْ … تَلَقَّتْ ضَمان إلى المورد العذب
فلم أستطع رَدَّ الدموعِ التي جَرَتْ … ومَنْ ذَا يَرُدُّ الدَّمْعَ مِنْ مُقْلَةِ الصَّبِّ
فيا حسراتِ الشَّوقِ دَمْعِيَ على الحَشَا … ويا قلبي المكروب لا زِلْتَ فِي كَرْبِ
والشعر لأبي بكر العنبري صاحب أدب منسوب إلى صناعته، وكان يعمل العنابر، وأصله من البصرة، ثم ألف بغداد، وأقام بها، وأحبّها، وفضلها على البصرة، وكان مذهبه التصرف والإيقاع عن الناس، وله شعر مدون مأخوذ عنه من أصواته: [من الكامل]
أصبحت كالجَمَلِ المُضَاعِ زَمانُهُ … بِكْرًا يُلاعِب ناقَةً وزماما
ما هاجَ شَوْقَكَ مِنْ بُكاءِ حَمَامَةٍ … تدعو على فَنَنِ الأَراكِ حَماما
لوْلا تَذَكَّرُكَ الأَوَانِسَ بَعْدَما … قَطَعَ المَطِيُّ سَباسبًا وهياما
قال ابن ناقيا: في هذا الصوت من أغاني إسرائيل في هذا المذهب، يعني مذهب صوت إبراهيم الموصلي في شعر مروان بن أبي حفصة (١): [من الكامل]
طَرَقَتْكَ زائرةً فحيّي خَيَالَها … بَيْضاءَ تخلط بالحَياءِ دَلالَها
قال ابن ناقيا: ولم أسمعه إلا منه؛ يعني من إسرائيل، وممن أخذه عنه، وهو جيد الصنعة وفيه لحن منسوب إلى يحيى المكي من خفيف ثقيل بالبنصر من كتاب أبي الفرج.
والشعر لثابت بن قطنة (٢)، مولى بني أسد بن الحارث بن عتيك، ولقب قطنة؛
стр. 3271
لأنَّ سهمًا أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها إلى بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة؛ وهو شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية، وكان في صحابة يزيد بن المهلب. ولاه أعمالًا من أعمال الثغور، فحمد فيها مكانه لكفاءته وطاعته، وفيه يقول حاجب بن دينار المازني (١): [من البسيط]
لا تعرفُ الناسُ منه غير قُطْنَتِهِ … وما سِوَاهُ مِنَ الإِنسانِ مَجْهُولُ
ومن قلائد إسرائيل (٢): [من الطويل]
أما وجَلالِ اللهِ لَوْ تَذْكُرِينَنِي … كَذِكْرِيْكِ مَا نَهْنَهْتِ للعينِ مَدْمَعا
فقلت: بلى والله ذكرًا لَوَأَنَّهُ … تَضَمَّنَهُ صُمُّ الحَصَى لتَصَدَّعا
والشعر للصمة بن عبد الله القشيري والغناء فيه من خفيف الرمل وسبب قول الصمة - هذا فيما رواه الهيثم بن عدي - أنه كان يهوى ابنة عم له، فخطبها إلى أبيها، فاقترح مبلغًا شطيطًا من المهر، وذلك من أبيه، فجعل يدافعه، فغضب على أبيه، وركب ناقته، ورحل إلى الثغور، وقال هذين البيتين في قصيدة يصف فيها شوقه إلى ابنة عمه وحنينه إلى وطنه، ولم يرم هناك حتى مات، ذكر ذلك ابن ناقيا وقال: ولعريب المأمونية في ذلك لحن من خفيف الرمل، وقال: فأما لحنها في هذا الباب، فمن نقل المحدثين.
وذكر ابن ناقيا له صوتًا: [من مجروء الكامل]
يوم أتاكَ مُبَشِّرًا … بسُعود جدك حين لاحا
اشرب سُقِيتَ مُدامَةٌ … نُشِرَ العَبيرُ بها فَفَاحا
والشعر لجعفر الكرخي، والغناء فيه خفيف ثقيل المزموم.
وذكر له صوتًا آخر: [من الرمل]
قل لمن يحملُ ما حُمِّلتُهُ … مِنْ رَسِيْسِ الحُب إلا ظَلَعا
стр. 3272
لَمْ يَزِدْني الحُبُّ إلا حسرةً … وَدَوَاعي الشَّوْقِ إلا طَمَعَا
والشعر لمهيار بن مرزويه (١)، والغناء فيه من خفيف الثقيل المجنب.
ومن أصواته: [من الكامل]
أَلا رَحِمْتُمْ مَوقِفي بِفِنائِكُمْ … مُتَلَدِّدًا فِي دَاءكُمْ أَتَصَدَّقُ
مُتَحَيْرًا أَبكي إلى مَنْ مَرَّ بِي … مِثْلَ الغَريق بما يَرَى يَتَعَلَّقُ
والشعر مجهول، والغناء فيه من الرمل المجنب.
ومنهم:
[٨٠] طريف بن معلى الهاشمي
من ولد جعفر بن أبي طالب، كان يدعي هذا النسب، وكان يُطعن عليه فيه، ويُقال زيادة على هذا: إنه لغير أبيه إلا أنه ذو أدب نهض كسبه، ونبض منه عرق مكتسبه، وولع بالقيان واقتنائهن، وسماع غنائهن، ثم دخل في الطرب حتى أخذ بأزمته، وتقدم حتى عُدّ من أئمته.
ومن أصواته: [من الطويل]
عَجِبْتُ وقد ودَّعتُها كيف لمْ أَمُتْ … وكيف انثنت يومَ الفِرَاقِ يَدي مَعِي
فيا مقلتي العُبْرَى عليها اسكبي دَمًا … ويا كَبِدِي الحَرَّى عليها تقطعي
والشعر لأبي القاسم كشاجم، والغناء فيه من خفيف الرمل المعلق.
ومن أصواته: [من الكامل]
تَعَب يطول مع الرجاء لذي الهَوَى … خيرٌ له من راحة في الياس
لولا كَرَامَتُكُمْ لَمَا عَايَنْتُكُمْ … ولكُنْتُمُ عندي كبعض النَّاسِ
والشعر للعباس بن الأحنف (٢)، والغناء فيه من خفيف الرمل المزموم.
ويعرض فيه ما حكاه ابن حمدون النديم. قال: وقع بين عريب المأمونية ومحمد بن حامد شر، وكان يجد بها الوجد كله، ويجد بها مثل ذلك، فلقيته يومًا، فقالت: كيف قلبك يا محمد؟، فقال: أشقى والله ما كان وأقرحه، قالت: استبدل تسل، فقال: لو كانت البلوى باختيار، لفعلت، فقالت: لقد طال إذا تعبك؟ فقال: وما
стр. 3273
يكون؟ أصبر مكرهًا، وأقول بقول الشاعر:
تعب يطولُ معَ الرَّجاء .. البيت
فذرفت عيناها، واعتذرت إليه، واعتبته واصطلحا، وعاد [١] إلى أفضل ما كانا عليه.
قلت: وذكر ابن ناقيا في هذا الشعر صوتًا لعريب.
قال: ومن أغانيها في هذا المذهب أيضًا من كتاب أبي الفرج، فيما يتضمنه في ذكر حالها، أنَّ المأمون لما وقف على خبرها، أمر بإلباسها جبة صوف، وختم زيقها، وحبسها في بيت مظلم، ثم ذكر الحكاية. وقد تقدَّمت ترجمة عريب المأمونية.
ومن أصوات طريف: [من مجزوء الرمل]
حبَّذا الصُّبْحُ تبدى … والدُّجَى وَحْفُ الجَنَاحِ
طَلَعَتْ لي فيه شمس … أَشْرَقَتْ حتى الصباح
فَشَرِبْتُ الرَّاحَ صِرْفًا … مِنْ ثَاياك الأقاح
مِنْ غزالٍ سَرَقَ الخلـ … خال عشان الوشاح
والشعر من المجهول والغناء فيه مطلق من الطريقة السادسة من الهزج.
ومنهم:
[٨١] تحفة جارية المعتز
أدبها ابن المعتز، وخرجها، وعلمها النحو واللغة، ورواها الشعر وأيام الناس، وعلمها الغناء، وضرب العود، وجمع لها الحذاق من أهل الصنعة حتى أخذت عنهم، وصارت من المجيدات في الصنعة، لا تلحق في ميدانها ولا تُمارى في نطق عيدانها، إلى جمال بارع، وخلال عذبة المشارع، وحسن باهر، وإحسان ظاهر، بوجه نقل بدرًا، وطرف ينفث سحرًا، وقد يستقل غصنًا نضرًا هذا مع جبين يجني من عناقيد الأصداغ أعنابًا، وبنان يقطف من جناة الحسن عنابا.
ومن مشاهير أصواتها (١): [من البسيط]
خطو الرجال إلى خَمَّارِ دَسْكَرَةٍ … مُسْتعجل بافتتاح الدَّنَّ مَحْثُوثِ
تميلُ مِنْ سَكَراتِ الخَمْرِ قامتُه … كمثلِ ماش على دَفَ بتَخْنِيْثِ
стр. 3274
والشعر لمولاها أبي العباس بن المعتز، والغناء فيه ثقيل أول محمول على نحو صوت إسحاق الموصلي (١): [من الطويل]
تغيَّر لي فيمن تغيَّر حارث … وكمْ مِنْ أَخٍ قَدْ غَيَّبَتْهُ الحَوَادِثُ
أحارثُ إِنْ شُوركتُ فيكَ فَطالما … عَمَرنَا وما بيني وبينك ثالث
والشعر لإسحاق أيضًا ذكره ابن ناقيا في كتاب «المحدث في الأغاني».
وكذلك لتحفة جارية أبي العباس صوت في شعر مولاها، وهو: [من مخلع البسيط]
أجوز جَهْرًا بلا حذار … خوف رقيب على حبيب
وذاك أني ضنيْتُ حَتَّى … خَفِيْتُ عَنْ ناظرِ الرَّقيب
والغناء فيه من محمول الرمل الذي يحصر بالسبابة.
ومنهم:
[٨٢] إسحاق المنجم
وكان بدرًا لا يتأكله المحاق، وجوادًا لا يُحاول به اللحاق، وبحرًا في كل علم لا يُشبه إلا بسميه إسحاق، وكان يتخفى بالغناء تخفي المنهمك في طلب المطالب، ويتكتم تكتم المأمون من أبيه حبّ آل أبي طالب، إلا أنه كان تلو أخيه في اتساع الرواية، وارتفاع الراية.
ومن مشاهير أصواته (٢): [من الكامل]
ما يستحِي أَحدٌ يُقالُ لهُ … نَضَلُوكَ آلُ بُوَيهِ أَوْ فَضَلُوا
فَوقَ السَّماءِ وفوق ما طَلَبُوا … فإذا أَرادوا غايةَ نَزَلُوا
والشعر لأبي الطيب المتنبي، والغناء فيه في الهزج والمزموم.
وكذلك صوته (٣): [من المتقارب]
أرى ذلك القُرْبَ صار ازورارا … وصار طويل السلام اختصارا
стр. 3275
تَرَكْتَني اليوم في خَجْلةٍ … أَموتُ مِرارًا وأَحْيا مرارا
أُسارقُكَ اللَّحْظَ مُسْتَحْيِيًا … وأَزْجُرُ في الخيل مهري سرارا
وأعلم أني [إذا] ما اعتَذَرْتُ … إليكَ أَراد اعتذاري اعتذارا
والشعر لأبي الطيب المتنبي، والغناء فيه ثقيل أول محمول.
قال ابن ناقيا: وفي هذا المذهب (١): [من المتقارب]
أَقُولُ وقدْ أَزْمَعُوا للنَّوَى … عَشِيَّةَ للبين حثوا المسير
يعزُّ علي فراقي لكُم … وإنْ كانَ سَهْلًا عليكُمْ يسير
ولإسحاق المنجم صوت هو من قلائده وفرائده، وهو (٢): [من السريع]
أَعْدَدْتُ للأعداءِ خَيْفانَةً … مِثْلَ عُقاب السَّرْحَةِ العادِي
وأسمرًا في رأسهِ أَزْرَقٌ … مِثْلَ لسانِ الحَيَّةِ الصَّادِي
أَيْنَ مَحَلُّ الحيّ دون الغَضَا … خَيْرٍ سَقَاكَ الرَّائِحُ الغادِي
والشعر لدعبل والغناء فيه من الرمل المسرج.
وذكر ابن ناقيا من أصواته في شعر أبي نواس: [من البسيط]
إِنْ كُنْتَ لستَ مَعِي … فالذكرُ مِنْكَ مَعِي يَرَاكَ قلبي إذا ما غِبْتَ عَنْ بَصَرِي
العَينُ تُبْصِرُ مَنْ أَهْوَى وتُعْلَمُهُ … وناظرُ القلبِ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ
والغناء فيه من الرمل المزموم.
ومن أصوات إسحاق بن المنجم أيضًا (٣): [من البسيط]
نَطْوِي الليالي عِلمًا أَنْ سَتَطْوِينا … فَشَعْشِعِيْها بماء المُزنِ واسْقِينا
ونوحي بكؤوس الراحِ رَاحَتَنا … فَإِنَّما خُلِقَتْ للرَّاحِ أَيْدِينا
والشعر للسري بن أحمد بن السري الرفاء الموصلي (٤)، والغناء فيه مطلق من الطريقة الرابعة من الرمل.
стр. 3276
وَكَانَ السَّرِيُّ من شُعراء سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فحسده الخالديان، فارتحل إلى بَغْداد قاصدًا حضرة الوزير المهلبي، فارتحلا وراءه، ودخلا على المهلبي، وثلباه، فلم يحظ بطائل، فأقام وراقًا ببغداد إلى أن مات، وسيأتي ذكره إن شاء الله في موضعه.
ذكر أبو بكر الخطيب قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الجبار، قال: رأيت في منامي كأني دخلت دار عضد الدولة ووصلت إلى الصفة الكبيرة التي على البستان، فرأيته جالسًا في صدرها، وبين يديه أبو عبد الله بن المنجم، وهو يغني، فقال لي عضد الدولة: كيف تراه يغني طيبًا؟ فقلت: نعم، فقال: فاعمل له قطعة يغنيها. فانصرفت من حضرته، وجلست على طرف البستان، ومعي دواة وكاغد، لأعمل وبدأت أفكر، فإذا الشيخ قد وافاني من عنده وعليه رداء، فقال: ماذا تصنع؟، قلت: اعمل قطعة لأبي عبد الله بن المنجم يغنّي بها، قال: فنتعاون عليها؟ فقلت: افعل، فقال: إن شئت أن تعمل الصدور وأعمل الأعجاز، فافعل، فبدأت، وقلت: [من الطويل]:
فَبِتْنَا وِسَادَانَا ذِرَاعٌ وَمِعْصَمُ
فقال في الحال:
وَعِضْدٌ على عِضْدٍ وَخَدٌّ على خَدٌ
فقلت:
بُكْرُ التَّشَاكُرِ فِي حَدِيثٍ كَأَنَّهُ
فقال في الحال:
تَسَاقَطَ دُرُّ العِقْدِ وَالعَنْبَرُ الهِنْدِي
فقلت:
وَقَدْ لَفَّ جُنْدَيْنَا عِنَاقٌ مُضَيَّقٌ
فقال في الحال:
فَلَمْ تَدْرِ عَيْنٌ أَيُّنَا لَابِسُ العِقْدِ
стр. 3277
فقلت:
أَضِنُّ على بَدْرِ السَّماءِ بِوَجْهِها
فقال:
وأَسْتُرُهُ مِنْ أَنْ يُلاحِظَهُ جُهْدِي
ثم قال: ألست تعلم أن قولك هذا في النوم؟، فقلت: بلى، فقال: كررها حتى تحفظها، وتثبتها إذا انتبهت ولا تنساها، وأخذ الرقعة بيده وطفقت أقرأها عليه مرات حتى حفظتها، ثم انتبهت فعملت لها أولًا مصوغًا وهو:
بنفسي التي زارت بلا وَعْدِ … تَسِيرُ مِنَ الواشِين في غاية الأسد
وبعد الأبيات:
إلى أَنْ تَنَتْ رِيحُ الصَّبا مِنْ خُمارِها … فَأَبْصَرَ مِنْهُ مِنْها حَمْدِ
ولمْ أَدْرِ أَنَّ البَدْرَ أَمْسَى مُتَيَّمًا … يَحِنُّ بها ما في حَشَايَ مِنَ الوَجْدِ
وكنتُ مَرُوعًا فِيهِ يَنْضَحُ سِرَّنا … ولمْ أَدْرِ أَنَّ البَدْرَ يفضحُ مَنْ عِنْدِي
ومنهم:
[٨٣] ابن العلاف (١) نديم المعتضد (٢)
وهو أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار، نديم المعتضد، ومسايس ذلك الأسد، وملاين صعاب تلك العريكة، ومجالس تلك الصمصامة على الأريكة. وكان
стр. 3278
ممن أجاد في الغناء، وجاء في ألحانه بقطع الروضة الغناء، وكان لا يغني إلا للمتعضد منفردًا، ولا يسمع منه صوت إلا كالماء مطردًا، ولم تنقل أصواته إلا من دفتر كان له دون فيه غناؤه، وعرف به من بعده اعتناؤه (١):
لَعَمْرُكَ إِنِّي في الحياةِ لَزَاهِدٌ … وفي العَيْشِ مَا لَمْ أَلْقَ أُمَّ حَكِيمِ
مِنَ الخَفَراتِ البِيْضِ لَمْ أَرَ مِثْلَها … شِفَاءً لذي بَثَّ ولا لسقِيمَ
ولَوْ شَهِدَتْنا يومَ دُولابَ أَبْصَرَتْ … طِعانَ فتى في الحرب غيرِ ذَمِيمَ
والشعر لقطري بن الفجاءة، وروي لعمرو القنا، وروى لحبيب بن سهم، وقيل: بل لعبيدة بن هلال اليشكري، ودولاب اسم قرية من أعمال الأهواز، كانت بها حرب الأزارقة وعنبس بن كريز أيام ابن الزبير والغناء فيه ثقيل أول مزموم.
وذكره ابن خرادذبة، ونسب صنعته إلى المعتضد، وقد نسب إليه عدة أصوات كثيرة منها في شعر عمر بن أبي ربيعة (٢): [من الطويل]
رأت رجلًا أما إذا الشمس عارضت … فيضحى وأَمَّا بالعَشِيِّ فَيَحْضَرُ
стр. 3279
أَخا سَفَرٍ جَوَّابَ أَرْضِ تفاذتْ … بِهِ فلواتُ فهوَ أَشعثُ أَغْبَرُ
قليلًا على ظهر المطيَّةِ ظِلُّهُ … سوى ما نَفَى عَنْهُ الرِّداءُ المُجَبَّرُ
وكان الأصمعي يقول: كان جرير إذا جمع أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى سمع قوله هذا، فقال: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.
عدنا إلى ابن العلاف.
ومن أصواته في شعره: [من الطويل]
سَرَى طَيْفُ سُعْدَى مَوْهِنًا فَاسْتَقَرَّ بي … هُبُوبًا وصَحْبي بالفَلاةِ رُقُودُ
ولما انتهينا للخيال الذي سَرَى … إذا الدارُ قَفْرَى والمَزَارُ بَعِيدُ
فقلتُ لعيني: عاوِدِي النَّومَ واهْجَعِي … لَعَلَّ خيالًا طارقًا سيعُودُ
والبيت الثاني منسوب إلى المعتضد، وباقيه لابن العلاف (١). وكان ينادم المعتضد ويشرف في الاجتماع به، ولا يقتصد
وقد حكى أنَّ المعتضد بعث إليه بخادم من خاصته في بعض الليالي، فقال: إنَّ أمير المؤمنين يقول لك: أرقت الليلة، فعملت بيتًا من الشعر، وأرتج علي تمامه.
قال وأنشد البيت، قال: فأجزته له فمضى وعاد فقال: أحسنت، ووقع قولك على غرض أمير المؤمنين، وقد أمر لك بجائزة، وها هي فدفعها إلي فقلت: [من الطويل]
وآخر يأتي رِزْقُهُ وهو نائم
قال: ثم أمرني فغنيت فيه، والغناء فيه خفيف الثقيل المزموم.
ومن الأصوات المنسوبة إليه: [من الطويل]
يا مَنْ يُحاكِي البَدْرَ عِنْدَ تَمَامِهِ … ارْحَمْ فتًى يَحْكِيْهِ عِنْدَ مُحَاقِهِ
أَوَليسَ مِنْ إحدى العجائب أَنَّني … فارَقْتُهُ وَبَقِيْتُ بَعْدَ فِرَاقِهِ
والشعر له ويروى لغيره، والغناء فيه من الهزج المحمول، ولغيره فيه غناء: [من البسيط]
أَما تَرَى الليلَ قَدْ وَلَّتْ عَسَاكِرُهُ … مهزومةً وجيوش الصُّبْحِ في الطَّلَبِ
والبدر في الأُفُقِ الغَرْبِيّ مَطْلَعُهُ … مِنْ فَوقِ دِجْلَةَ مُنْحازًا إلى الهَرَبِ
كأنما هو بالحط السوي بها … قد مَرَّ جسرًا على الشَّطَّينِ مِنْ ذَهَبِ
стр. 3280
والشعر لبعض الهاشميين، والغناء فيه في الهزج المجنب، وللمختارين فيه غناء في الرقي المطلق، وفي هذا ذكره ابن ناقيا وقال: وغنّوا في هذا المذهب: [من الوافر]
وخَمَّارٍ أَنختُ إليهِ ليلًا … فَلَائِصَ قَدْ تَعِبْنَ مِنَ النَّهارِ
فَحَمْحَمَ والكَرَى في مُقلتيهِ … كَمَخْمُورٍ شَكَا أَلَمَ الخُمَارِ
أَبِنْ لي كيف صِرْتَ إلى حَرِيمي … وجَفْنُ الليل مكتحِلُّ بِقَارِ
فقلتُ له: ترفق لي فإنّي … رأيتُ الصُّبحَ مِنْ خَلَلِ الدِّيارِ
فَكَانَ جَوَابُهُ أَنْ قالَ: صُبْحُ … ولا صُبْحُ سِوَى ضَوءِ العُقار
ومنهم:
[٨٤] مؤدب الراضي (١)
مؤدب ذلك الخلق السمح، ومؤدّي ذلك الكرم الجم إلى الصفح، كان يقربه محظيًا، ويحبّه الراضي مرضيًا، ولم يخف أفق جمال هو كوكبه، ولا شرف سماء به
стр. 3281
موكبه، وكانت يده تسح عليه سجالًا، وتمر عليه عجالى، وكان في علم النغم عالمًا لو اهتدى إليه الأوائل، لما ذكر قائل.
ومن أصواته: [من البسيط]
قالت بعادُكَ مِنْ رَبِّي يُقَرِّبُني … وفي دُنُوّكَ أَخْشَى النار والعارا
إذا قضيتَ لنا ما مِنْكَ نَأْملُهُ … فاستغفر الله تلقى اللهَ غَفَّارا
قالت: لقد بعد المسرى فقلتُ لها … مِنْ عاجل الشوق أن يستبعد الدارا
والشعر فيه قديم، والغناء فيه من خفيف الرمل المزموم.
وله صوت في شعر الواثق، وكان قد صنع فيه الواثق لحنًا، ولم ينقل محفوظًا وهو هذا: [من البسيط]
لما استقل بأرداف تُجاذِبُهُ … واخْضَرَّ فوقَ حِجابِ الدُّرِّ شاربه
كلَّمتُهُ بجفُونٍ غيرِ ناطقةٍ … فكانَ مِنْ درها ما قال حاجِبُهُ
والغناء فيه من الهزج المزموم.
ومنهم:
[٨٥] أبو سعد بن بشر العطار الطنبوري المعروف بغلام الديلمي
إمام هذه الصناعة، وكم من كمي كاد به الطنبور أن يبيت بحرق العود، ويزمر المزمار، وإن أعطى نغمة من آل داود، وكان لا يعدل طرب صوت وتره الفصيح وصوت ترسه الصحيح، وشدو أوتاره التي لو جيئت بها القسي، لكانت لها تناهز، ولما قيل فيها وقد ترنمت ثكلى أوجعها الجنائز.
ومن أصواته: [من المديد]
رنة الدولاب في السَّحَرِ … واصطلاح الناي والوَتَرِ
تَرَكَتْني جارَ مِعْصَرَةٍ … لا أُفِيقُ الدَّهْرَ مِنْ سُكْرِي
والشعر لأبي الحسن عاصم بن الحسن بن عاصم، والغناء فيه مطلق من الطريقة الرابعة، وهي الرمل.
ومنهم:
стр. 3282
[٨٦] مسكين بن صدقة المديني (١)
مولى قريش، ومكمل طيب كل عيش، وكان من صفو الحياة وطيبها، ولذادة أيام العمر ونصيبها، لو بات يسمع السليم لألهاه، أو يشغل الكئيب لأسلاه، كان أنسًا للجليس، ونفسًا للخندريس، وشمسًا للندماء بل أين الشمس منه لمن يقيس.
ومن أصواته: [من الكامل]
يا وَيحَ مَنْ لعب الهَوَى بحياتِهِ … فَأَماتَهُ مِنْ قَبْلِ حِينِ مَمَاتِهِ
وحياةِ مَنْ أَهْوَى فإنِّي لَمْ أَكُنْ … أَبدًا لأَحْلِفُ كاذبًا بحياتِهِ
لأُخالِفَنَّ عَوَاذِلِي في لَذَّتِي … ولأُسْعِدَنَّ أُخَيَّ في الذَّاتِهِ
والشعر لأبي العتاهية (٢)، والغناء فيه مطلق من الرمل.
وقد ذكر ابن ناقيا في هذا المذهب صوتًا: [من الكامل]
الله يعلمُ ما هَمَمْتُ بسَلْوَةِ … الدَّمْعُ يحلِفُ والعَوَاذِلُ تَشْهَدُ
وعليَّ مِنْ ذِكْرَى عُهودِكِ آمِرُ … ينهى الفُؤَادَ عَنِ السُّلُوِّ وَيُبعِدُ
قال: والشعر لأبي محمد بن معروف القاضي.
ثم قال: وحكي أن بعض الرؤساء عتبه على قول الغزل، فحجه ذلك، فقال له:
من الذي يقول؟
الدمع يحلف والعواذل تشهد
غيرك؛ فإن هذه صفة مجلس الحكم.
ومنهم:
[٨٧] بديع بن محسن بن عبد الرحمن
من ولد عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي الشاعر كجده الشارع سبيلًا
стр. 3283
لوده، كان مع نظم القريض، وعظم شرفه المستفيض، مبرزًا في صناعة الغناء، قيمًا بألحانها، منعمًا في صنوف ريحانها، كأنما جاء في عصر أردشير، وأخذ عن الموابذة الزمزمة بالأساطير، أو تعلم ما يقرب به كيقباذ، وزمزم به أنوشروان حول كروم طيزناباذ، فسلب حلي فارس، وجنى من شجر لم يكن به بغارس.
ومن أصواته: [من المتقارب]
سَهِرْتُ اغْتِنَامًا لَيالي الوِصَالِ … لعِلْمِي بِهَا أَنَّهَا تَنْفَدُ
فقال وقد رَقَّ لي قَلْبُهُ … وأَيْقَنَ أَنِّي بِهِ مُكْمَدُ
إذا كنت تسهر ليل الوِصالِ … وليْلُ الصُّدودِ متى ترقد؟
والشعر مجهول، والغناء فيه مطلق من الرمل.
ومن أصواته: [من مخلع البسيط]
نَكْهَتُكَ العَنْبَرُ الفُتَاتُ … وريقُكَ البارد الفُرات
وعارضاكَ اللَّذَانِ رَاقَا … لمَّا بَدَا فيهما النبات
وحيث ما كنتَ مِنْ بلادٍ … فَلِي إلى وجهك التفات
والشعر يروى للشريف الرضي (١)، والثالث معروف له، والغناء فيه من مجهول
الرمل الذي يحصر بالسبابة.
ومن أصواته: [من الخفيف]
لي حبيب تسوء فيهِ الظُّنُونُ … ليس لي في هَوَاهُ دَمْعٌ مَصُونُ
قال لي: كيف كان حالكَ بَعْدِي … قلتُ مِثْلي بأي حال يكونُ
والشعر مجهول، والغناء فيه من خفيف الرمل المعلق.
ومنهم:
[٨٨] غصون جارية المتقي (٢)
شمس كلل، وطراز حلل، ورضى وإن سميت بغضوب، وبدرًا وإن عوجلت
стр. 3284
بغروب، ولم تُعرف إلا بعد المتقي، وامتداد أجلها الشقي، وكانت على عهده لا يتعرف عنها مخبرًا، ولا يبلغ ريح الصبا عنها خبرًا، وكانت من المهرة الحذاق، والجواري اللائي لم يلحقن إلا فتنة للعشاق.
ومن أصواتها: [من الكامل]
أَوْفَى على بَدْرِ السَّماءِ بِحُسْنِهِ … وزَهَا على الشَّمْسِ المُنيرَةِ إِذْ زَهَا
وإذا أَرَادَ تَنَزُّهًا في روضةٍ … أَخَذَ المِرَاةَ بِكَفِّهِ فَتَنَزَّها
فَكَأَنَّما أَعْطَاهُ خالقُهُ المُنى … وحَبَاهُ مِنْ حُلَلِ المَلاحَةِ طُرْزَها
والشعر مجهول والغناء فيه من الرمل المسرح.
ومن أصواته الطائرة (١): [من الوافر]
فقلتُ لها ظَلُومُ مَطَلْتِ دَيْنِي … وشَرُّ الغارِمِينَ ذَوُو المِطَالِ
فقالت: ويح نفسي كيفَ أَقْضِي … غرِيمًا ما ذهبتُ لَهُ بِمالِ
والشعر لكثير بن عبد الرحمن - صاحب عزة - والغناء فيه من الرمل المزموم.
وكذلك صوتها في شعر ابن المعتز (٢): [من الوافر]
شَجَانيَ صَوْتُ مُسْمِعَةٍ ورَاحُ … يُباكِرُني إذا بَرَقَ الصَّبَاحُ
ومَعْشُوقُ الشَّمائِلِ عَسْكَرِيٌّ … جَنَى قتلى وليس له سلاح
كأن الكأس في يَدِهِ عَرُوسٌ … لها من لؤلؤ رَطْبٍ وِشَاحُ
وقائلةٍ متى يَفْنَى هَوَاهُ … فقلتُ لها: إذا فُنِي الملاح
وكذلك صوتها: [من الطويل]
أَلا أَيُّها الظَّبي الذي مَلَّ مِنْ قُرْبِي … أَبِنْ ليْ فَدَتْكَ النَّفْسُ باللهِ ما ذَنْبِي
стр. 3285
فإنْ كانَ ذَنْبي أَنَّني بك ذا ضَنِّى … فلا غَفَرَ الرحمان ذلكَ مِنْ ذَنْبِي
والشعر مجهول، والغناء فيه من الزريقي المطلق.
وبهذا ذكرت شعرًا كنت قلته وهو: [من الطويل]
تَصدِّينَ عنّي والفُؤَادُ مُعَذِّبُ … وما كنتُ يومًا عَنْ وُدَادِكِ رَاغِبا
لئِنْ كانَ ذَنْبِي أَنَّنِي لَكِ عاشقٌ … فَعُذِّبْتُ بالهِجْرانِ إنْ جِئْتُ تائبا
ومنهم:
[٨٩] معمر بن قطامي بن خالد الدمشقي
كان بدمشق من أطرب شحاريرها، وأطيب على مجاري تلك المياه من أصوات خريرها، أقام طول عمره يؤخذ عنه الغناء، وتأليف ضروبه، وتصنيف غريبه، وإتقانه على حسن ترتيبه، فكان لا يثبت سامعه، ولا يماثل به معبد، ولا أبو الفرج، وما حواه جامعه.
ومن أصواته: [من مجزوء الكامل]
يا راحلًا جَعَلَ الفِرا … قَ بُعْدِهِ سَبَبَ التَّلاقي
قَدْ كانَ ساه فَضَمَّنِي … ضَمَّ المُوَدِّعِ للفِرَاقِ
قدْ كانَ صَدَّ فحين وا صَلَني … على غير اتفاق
عانقتُهُ وبكَيْتُ مِنْ جَزَعِي … لِما بَعْدَ العِناقِ
والشعر لأبي القاسم المطرّزي، والغناء فيه من المطلق في الرمل.
ومن أصواته: [من المتقارب]
مريض الجفون بلا عِلَّةٍ … مُكْتَحِلُ الطَّرْفِ لَمْ يَكْتَحِلْ
شَكَا حُسْنُهُ قُبْحَ أَفْعَالِهِ … فَأَثْرَ في وجنتيه الخَجَل
أَقِلِّي المَلَامَ َولا تَعْذَلِي … ففي ذا الغزال يطيبُ الغَزَل
والشعر النصر بن أحمد الأرزي (١)، والغناء فيه في رابع الرمل.
стр. 3286
وكذلك صوته: [من الطويل]
وخَبَّرَنِي عَنْ مجلس كنتِ زَيْنَهُ … رسولٌ أمين والنساء شُهُود
فقلتُ لها: كري الحَدِيثَ الذي مَضَى … وَذِكْرَكِ مِنْ بين الحديث أُرِيدُ
والشعر للعباس بن الأحنف (١)، والغناء فيه خفيف الرمل المزموم.
قال ابن ناقيا: ومنهم في هذا المذهب: [من الطويل]
وكنتُ وأيامُ المَزَارِ رَخِيَّةٌ … عليَّ ورُخْصُ الوُدّ لِي فِيكِ مَطْمَعُ
أَعِزُّ فَلا أُعْطِي الهَوَى فيكِ حَقَّهُ … مِنَ الشُّكْرِ والمعطى مع الحقِّ يمنعُ
فلما استردَّ الدهرُ منِّي عَطَاءَهُ … وكادَتْ شعابٌ مِنْ هَوَايَ تَقَطَّعُ
فَعُدْتُ مَعَ الهِجْرَانِ أَبْكِي على الهَوَى … وأَسْأَلُهُ عَنْ فَائِتٍ كَيْفَ يرجِعُ؟
ومنهم:
[٩٠] تحفة
جارية أبي محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، وكانت تغني غناء المقتدر، وتسرع أول المغاني وتبتدر، وتذهب في أصواتها مذهب الأوائل، وتجلب القلوب بلقائه الشمائل. تسلي عن هوى مي ذا الرمة، وتنسي هوى زينب بشارًا الأكمه، تعاود بها لهزم شابه، ويعيد حبّها زمان يزيد وحبابة.
ومن أصواتها: [من مجزوء الرمل]
يا بديعًا أُلبِسَ السُّقْ … مُ بِهِ جِسْمًا بَدِيعا
إِنَّ صَبْرِي وعَزَائِي … هَلَكَا فيكَ جَمِيعا
والشعر مجهول، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الرمل.
стр. 3287
وكذلك صوتها - في بحر المنسرح - وهو: [من المنسرح]
هلْ لكَ في خَمْرَةٍ مُشَعْشَعَةٍ … تَضْحَكُ في كأسها لشاربها
كأَنَّما الماء حين خالطها … يلعبُ بالنَّرْدِ في جوانبها
وكذلك صوتها: [من الطويل]
لَقَدْ قَتَلَتْ عيناك نفسًا كريمةً … فلا تَأْمَنَنْ إِنْ مُتُّ سَطْوَةَ ثَائِرِ
كَأَنَّ فؤادي في السماءِ مُعَلَّق … إِذا غِبْتَ عِنْ عَيْنِي بِمخْلَبٍ طَائِرِ
والشعر لابن المعتز (١)، والغناء فيه في خفيف الرمل المحمول فيه.
ومنهم
[٩١] بحبه جارية أبي يعقوب
وكانت تخلف القمر إذا غاب، وتخلب السالي وقد فارق زمان الشباب، تبتسم عن سِمْطَي جُمان، وتقرن تفاح خدودها من النهود برمان، وكان حسنها المفرط يأبى أن يصان، وصوتها المطرب لا تحكيه الحمائم على الأغصان.
ومن أصواتها: [من مجزوء الرمل]
أخ مِنْ حُبّكِ آخ … آخ منهُ لا يَرَاحْ
إِنَّما يَتَمَ قلبي … عِقْدُ دُرٌ ووِشَاح
والشعر للوليد بن يزيد (٢)، والغناء فيه مطلق في الطريقة الرابعة من الرمل.
وكذلك صوتها: [من مجزوء الكامل]
هبوا إلى حلب الكُرُ م … مِزَاجُهُ حَلبُ السَّحابِ
فالدَّهْرُ يركُضُ فاركُضُوا … رَكْضَ المَشِيبِ إِلى الشَّبَابِ
ودَعُوا العِتابَ فإِنَّهُ … وَقْتُ يَجِلَّ عَنْ العِتَابِ
والشعر مجهول والغناء فيه في خفيف الرمل المسرح.
ومنهم:
стр. 3288
[٩٢] أبو العز العواد
واسمه نصر الله بن أحمد، ويعرف بالبصري، وكان شاعرًا مغنيًا، ونديمًا، معينا، حاذقًا في صناعته، نافقًا في سوق بضاعته، جيد الصوت، مليح النغم، صحيح الضرب، مذهبه مذهب الزط في الحركة والخفة في المقاطع، وصحة الإيقاع.
قال ابن ناقيا: وله غناء في عدة قطاع من شعره، ومن أصواته في شعر نفسه: [من الطويل]
جَعَلْتُكَ لي عَينًا وأُذْنًا لأَنَّني … أَرَاكَ بعين الوُد أَشْرَفَ مِنْهما
وأسأل عن القلب الذي لا يَحِلُّهُ … سِوَاكَ لِتَدْرِي مَا يَجنُّ فَتَرْحَمَا
والغناء فيه في الرمل المزموم.
ومنهم:
[٩٣] عين الزمان، أبو القاسم
مطرب لو غنّى للجهام لهتن، أو للسالي الغرام لأثار له الفتن، بضرب أشجى من الورقاء، وأشدّ حنينًا من قلب المحب للقاء، لو سمعته صخرة الوادي، لتفجرت، أو مقلة القاسي، لجرت.
وله أصوات منها: [من الكامل]
سَتَرَتْ بنفسج صُدْغِها بنقابها … وحَمَتْهُ بالتَّطْرِيْفِ مِنْ عُنَّابِها
بَدَوِيَّةٌ ألفاظها ولِحَاظُها … والرُّومُ تَسْتَولي على أنسابها
سَرَقَ الجَمَالَ بحُمْرَةٍ في خَدِّها … خَجَلًا فَكَادَ يَفِيضُ مَاءُ شَبَابِها
والشعر لأبي الوليد أحمد بن محمد البخاري، والغناء فيه مزموم.
قال ابن ناقيا: أنشدني إياه عنه أبو محمد الحسن بن سهل بن خلف. شيخ من مشايخنا، مليح العارضة والمحاضرة، قد لقي جماعة من العلماء وروى عنهم الأحاديث والأسانيد. وكان قد صحب الإخوان، وعرف الزمان، وحلب الدهر أشطره، وأتلف باللذة تالده في معاشرة من عاشره، حتى سلب الشيب غرامه، وجلله ثغامه، فأيقظ حلمه، وألقى بين عينيه غرمه، فكان يحضر مجالس الأنس تعللًا، لا حظ له في غير السماع والمشاهدة والمحادثة والمناشدة. فبينا أنا وجماعة من أبناء الأدب
стр. 3289
حضور عند بعض الرؤساء على مذاكرة ومعاقرة، والشيخ قد انتظم في سلك اجتماعنا، ونثرت الأغاني عقودها في أسماعنا، قال الشيخ: بيوم من أيام الشبيبة قد حضر مجلسًا كمجلسكم هذا آهلًا من الأدب والطرب وطرأ إلينا أبو البخاري، فأخذ في شأننا، ولم يأل في إنشادنا، وكان مطبوع الخلق، محتملًا للدعابة، فقلت له مازحًا: دعنا من أقطاعك الباردة، فقال: هل لك في الإنصاف؟، فقلت: أجل، فأنشد أبياته المذكورة، وقال: أمن الشعر البارد هذا؟ قلت: لا والله، وجعلت أعتذر إليه، وتعاطى روايتها جماعة الحاضرين شغفًا بها، واقترحها على بعض المغنين فغنّي فيها، وتصرم يومنا بسماعها حتى أخذ منا الشراب فيا له يومًا كأيام. ثم نطقت إشارته بالتأسف على ما مضى من زمانه، فقلنا له: نحن نتمم لك الحلف من يومك السالف باقتراح الغناء في الأبيات، وإليك ما يقتضيه سماعها، وتقدمنا إلى أبي القاسم عين الزمان وهو حاضر، وكان له مذهب في حسن الإيقاع، وجودة الاختراع، فغنّى بها في هذا اللحن، فطار المجلس بأهله سرورًا وطربًا، وقام الشيخ الخلفي يصفق بيده، ثم قال: والله لأؤدين هذا الصوت بنقض التوبة. وتناول كأسًا، فشربها، فدخلنا العجب مما رأينا من ارتياحه وطربه، وصار الصوت من قلائد عين الزمان وخاص غنائه، يسميه ناقض التوبة.
ومنهم:
[٩٤] أبو العبيس بن حمدون
متقن للألحان، مؤثر في الألقاب تأثير بنت الحان، لو تغنّى لمغنى لأزال عنه النصب، أو عاد لعوده لمشف لأزال عنه الوصب، أو وقع على دف لأغناه عن موصول القصب، يطرب السمع، ويرقص في المجلس حتى الشمع، يعرض دونه العريض، ويرى علوية وقد انكسر لخفض جناحه المهيض (١): [من الطويل]
فَدَيْتُكِ أَعْدَائي كثيرٌ وشُقَّتِي … بَعِيدٌ وأَنصاري لَدَيْكِ قَلِيلُ
وكُنْتُ إذا ما جِئْتُ جِئْتُ بِعِلَّةٍ … فَأَفْنَيْتُ عِلاتِي فَكَيْفَ أَقُولُ
فَمَا كُلَّ يومٍ لِي بأَرْضِكِ حَاجَةٌ … ولا كُلّ يومٍ لِي إليكِ رَسُوْلُ
والشعر ليحيى بن طالب الحنفي، ويروى لابن الدمينة، والغناء فيه ثقيل أول مزموم.
стр. 3290
وكذلك من قلائد أصواته: [من الخفيف]
بأَبِي أَنْتَ شادِنًا بِيَ فَظًّا … لَمْ تَدَعْ للظِّباءِ عِنْدِيَ حَظًّا
لست أنساك ما حَبِيتُ ولكن … كُلَّ يومٍ تَزيدُ عِنْدِي وتَحْظَى
والشعر مجهول لا يعرف قائله، والغناء فيه ثاني ثقيل المخبب.
وقد روى له المأمون صوتًا: [من الطويل]
لَقَدْ جَعَلَتْ نَفْسِي على النأي تنطَوِي … وعَيْني على فَقَدِ الحَبِيْبِ تَنَامُ
وفارقت حتى ما أبالي مِنَ النَّوَى … وإنْ بانَ جيرانُ عَلَيَّ كِرَامُ
والشعر للطِّرماح (١)،، ويروى لمؤرج السدوسي (٢)، والغناء فيه من الممخر من خفيف الثقيل.
ومنهم:
[٩٥] جيداء جارية سيف الدولة بن حمدان (٣)
وكانت أخت الغزالة محاسن، وشبه الغزال في نظر فاتن، إلى سرّ فيها كامن، وسرى طرب يحرك كل ساكن، وخلائق كان نشر الضباء دمثها، وكأن هاروت أو ماورت نفسها، لو اعترضت لسرية عبس، لأوقفتها عن السرح، أو سمعتها أذن بلقيس، لألهتها عن الصرح، ولو تلمحت عن وجهها الأسارى، لقالت إنه صرح ممرد من قوارير.
стр. 3291
ومن مشاهير أصواتها: [من المنسرح]
يا طُولَ شَوْقِي إلى الرَّحِيْلِ غَدًا … ويا بَلَائِي مِنْهُ إِذا وَفَدَا
أَضْناني الحُبُّ إِذْ تَعَرَّضَ بِيْ … ما قَتَلَ الحُبُّ هكذا أَبَدًا
والشعر السيف الدولة، ويقال لغيره، والغناء فيه ثقيل أول مزموم.
وكذلك من أصواتها: [من الخفيف]
لكَ أَنْ تَمْنَعَ الجُفُونَ الهُجُوعا … ولنا أَنْ نَسُ فيها الدموعا
يا بَدِيعَ الجَمَالِ أَبْدَعْتَ في الصَّدِّ … كما في هَوَاكَ صِرْتُ بَدِيعا
والشعر لعلي بن محمد العلوي (١).
قال ابن ناقيا: ويُغنى في الرمل المطلق، وحكي أنّها كانت تنافث العلماء، وتطارح الشعراء، وكانت لا تزال تحضر مجلس سيف الدولة وراء ستر يُسبل دونها، وهي بإزاء عين سيف الدولة حيث ينظر، فلما أقام أبو الطيب المتنبي لديه ماثلًا، وأنشد في مدحه قائلًا قصيدته التي أولها (٢): [من الطويل]
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوَّدا … وعادات سيف الدولة الطَّعْنُ في العِدَا
اهتزت من وراء الستر طربًا، وصنعت لحنًا في قوله منها:
تَرَكْتُ السُّرَى خَلْفِي لمنْ قَلَّ مالُهُ … وأَنعَلْتُ أَفْرَاسِي بِنُعْمَاكَ عَسْجَدا
وقَيَّدْتُ نفسي في هواك مَحَبَّة … ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قَيْدًا تَقَيَّدًا
إذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ … وإنْ أَنْتَ أَكرمتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدًا
والغناء فيه رمل مطلق فلم يفرغ أبو الطيب من إنشادها حتى فرغت من صنعه، ثم بعثت بالخادم إلى سيف الدولة تعلمه أنها صنعت لحنًا فيه، فصرف الناس إلا خاصته، وأبقى أبا الطيب منهم، ثم قال: يا جيداء هات ما صنعت، فاندفعت تغني الأبيات،
стр. 3292
قال أبو الطيب: فوالله ما ظننت إلا أن المجلس يرقص بنا فاستعادها، ثم لم يزل يستعيدها، وهي ترددها، حتى مضت سحابة يومنا، وكأننا في كل مرة أول ما سمعناه، ثم أمر لي سيف الدولة بجائزة جليلة، فقلت: هي والله يا أمير أحق بها. فسألتك بالله إلا جعلتها لها، فقال: بل هي لك ولها مثلها.
ومن أصواتها السيارة في شعر ابن المعتز (١): [من الوافر]
وليلٍ قَدْ سَهِرتُ ونامَ فِيهِ … نَدامى صُرِّعُوا حَوْلِي رُقُودا
أَنادِمُ فِيهِ قَهْقَهَةَ القَنَانِي … ومِزْمارًا يُعَلِّلُنِي وَعُودًا
فكاد الليلُ يَرْجُمُنِي بِنَجْمِ … وقالَ: أَرَاهُ شيطانًا مَرِيدا
والغناء فيه من الرمل المزموم.
وقد ذكر الثعالبي في اليتيمة لهذه جيداء خبرًا مع سيف الدولة وأبي فراس بن حمدان قريبة غير أنه لم يسمعها.
قال (٢): وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش وملابسة الحروب، وممارسة الخطوب، فوافت حضرته إحد [] المحسنات من فتيات بغداد، فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها ولم ير أن يبدأ باستماعها قبل سيف الدولة، فكتب إليه يحثه على استحضارها، فقال (٣): [من السريع]
مَحَلَّكَ الجَوْزَاءُ أو أَرْفَعُ … وصَدْرُكَ الدهناء أو [أَوْ] سَعُ
وقلبك الرَّحْبُ الذي لم يزل … للجد والعَزْلِ بِهِ مَوْضِعُ
رَفْهُ بِقَرْعِ العُوْدِ سَمْعًا غَدًا … فَرْعُ العَوَالي جُلَّ ما تَسْمَعُ
فبلغت هذه الأبيات المهلبي الوزير فأمر القيان بحفظها وتلحينها وصار لا يشرب إلا عليها. انتهى.
ولعل هذه جيداء، وكان هذا قبل أن يشتريها سيف الدولة، أو لعلها جارية أخرى قدمت عليه ولم يصر إليه.
ومنهم:
[٩٦] القاسم بن زُرْزُر
ذكره ابن ناقيا: وشكره حقيقة لا رياء، وإذا غنّى سلّى الحزين فجعه، وسلب
стр. 3293
الحمام سجعه، وغرغر في المآقي دمعة المشوق، ومثل للمفارق طعنة المعشوق. كم هز غصن بان، وأنسى المتيم الشغف من بان، وكان يغني في رسيل وآلة.
ومن أصواته المشهورة: [من الطويل]
وركب كأَطْرَافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسُوا … على مِثْلِها والليل تسطو غياهبة
لأمر عليهمْ أَنْ تَتمَّ صُدُورُهُ … وليس عليهمْ أَنْ تتمَّ عَوَاقِبُهُ
والشعر لأبي تمام (١) في قصيدة يمدح بها عبد الله بن طاهر، وهو على خراسان.
قال ابن ناقيا: وحكي أنه لما أنشده إياها، أمر فنثر عليه ألف دينار، ثم حمل إليه الجائزة بعد ذلك، والغناء فيه ثقيل مزموم.
ثم قال: وفي هذا المذهب في بحر المديد: [من المديد]
يا نديمي الصُّبحُ قَدْ وَضَحَا … فَأَدِرْ لا تَبْخَسِ القَدَحَا
ما تَرَى بَرْدَ الهَوَى عقبًا … بنَسِيمِ المِسْكِ قَدْ نَفَحَا
وهذا البيت الثاني في نحوه ما يأتي من شعر قلته، ونحن في مجلس قد ركب على نهر مطرد كأنه أيمٌ فرَّ من يد قاتله، أو اضطرب في خوف مخاتله، والدوح قد مالت ذوائبه، والنسيم قد رق ولان جانبه، والليل قد جلل الأفق مسكي رادته، وبلَّلَ مطارف الثرى بأندائه، والقمر قد أقبل على طوق هالته، وجلا ضوؤه المنير حالك حالته: [من البسيط]
للهِ مَجْلِسُنا والنهر مُطَّرِدٌ … كَأَنَّهُ مُمْعِنُ قَدْ جَدَّ في الهَرَبِ
والدُّوحُ قد مال مهتز بلا طَرَب … فكيف لو حركته نشوَةُ الطَّرَبِ
وللنسيم بنا أَخَذْ نَلَذُ بِهِ … كَأَنَّما أَخْذُهُ الوسنانَ بِالهُدُبِ
هَذا وقد ذرَّ مِسكُ الليل جنحَ دُجى … لولا نَوَافِحُهُ في الليل لَمْ يَطِبِ
وعندنا كلُّ ذي وُدّ نُسَرُّ بِهِ … هُوَ السُّرُورُ فَدَعْ مِنْكَ ابْنَةَ العِنَبِ
وأَقْبَلَ البَدْرُ مَحْفُوظًا بِهالَتِهِ … كَمِثْلِ بيضاء في طَوْقِ مِنَ الذَّهَبِ
عدنا إلى ذكر زُرْزر. ومن أصواته: [من مجزوء الكامل]
اعَيْنُ ما ظَلَ الفُؤَا … د وما تعدى في الصنيع
ذَوَّقتِهِ أَلَمَ الهَوَى … فَمَحَا سَوادَكِ بالدموع
والشعر مجهول، والغناء فيه من الممخر من ثاني ثقيل.
стр. 3294
ومن أصواته في شعر نفسه: [من مجزوء الكامل]
بالرَّاحِ أَعْمُرُ راحتي … ما دام لي جَسَدِي ورُوحِي
وعلى النَّصِيحٍ ملامَتِي … وعليَّ عِصْيانُ النَّصِيح
والغناء فيه من مزموم الرمل.
ومنهم:
[٩٧] عليُّ بن منصور الهاشمي
إمام من أئمة الغناء، وتمام من البدور الكاملة السناء، يأخذ القلوب أخذه الوسن الوسان، ويملك الألباب ملكه الجواد بالعنان، فلم يفتح على مثله طرف، ولا منح شبيه فضله صاحب ظرف. كان في فنّه غريبًا، وعلى بعده إلى النفوس قريبًا.
وله أصوات منها: [من مجزوء الرمل]
قُلْ لمن رِيْقَتُهُ مِسْك … وَنَد وندام
والذي حَلَّلَ قَتْلِي … وهوَ مَحْظُورٌ حَرَامُ
كُل نار غير ناري فيكَ … بَرْدٌ وسَلامُ
والشعر لابن الحجاج (١)، والغناء فيه في الرمل المزموم.
стр. 3295
قال ابن ناقيا: وفي هذا المذهب صوت: [من الكامل]
يا وَيْحَ قلبي مِنْ تَقَلُّبِهِ … أَبَدًا يَحِنُّ إلى مُعَذِّبِهِ
قالوا: كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ … ولَوَانَّ لِي جَلَدًا لَبُحْتُ بِهِ
ومنهم:
[٩٨] كُردُم بن معبد بن الوليد بن محمد بن معبد بن كُردم بن معبد المديني
أحد المغاني الفصاح، وواحد أهل المباني الصحاح، له نسب معرق لا يداني في ذلك الأب أبوه، وذلك النسب بالطرب يحبوه، لكنه لم يعمل عنه أعمال، ولم يبخل المنى آمال.
وله أصوات وهو: [من الخفيف]
قُلْ لأَحبابنا الجُفاةِ رُوَيدا … دَرِّجُونا على احتمال الملال
أَحْسِنوا في صنيعكُمْ لِمُحِبٌ … لا عَدِمناكُمُ عَلَى كُلِّ حالِ
إنَّ هذا الصدودَ مِنْ غيرِ جُرْمٍ … لَمْ يَدَعْ فِيَّ مَوضِعًا للمقال
والشعر لأبي فراس بن حمدان (١)، والغناء فيه من الرمل المجنّب.
ومنهم:
[٩٩] أحمد بن أسامة النُصَيبي (٢)
كان من أسباب الطرب، وأشتات الأدب، لا يعد له في ضربه ضريب، ولا في نظرائه من يصبو به اللبيب، يسلب الضاحي رداء الوقار، ويلبس الصاحي جلاء العقار، ويفعل طربه بالألباب، ما يفعله قرع المزاج بالحباب، إلى أدب ما قل له من نصيب،