ومن مشاهير أصواتها: [من المنسرح]
يا طُولَ شَوْقِي إلى الرَّحِيْلِ غَدًا … ويا بَلَائِي مِنْهُ إِذا وَفَدَا
أَضْناني الحُبُّ إِذْ تَعَرَّضَ بِيْ … ما قَتَلَ الحُبُّ هكذا أَبَدًا
والشعر السيف الدولة، ويقال لغيره، والغناء فيه ثقيل أول مزموم.
وكذلك من أصواتها: [من الخفيف]
لكَ أَنْ تَمْنَعَ الجُفُونَ الهُجُوعا … ولنا أَنْ نَسُ فيها الدموعا
يا بَدِيعَ الجَمَالِ أَبْدَعْتَ في الصَّدِّ … كما في هَوَاكَ صِرْتُ بَدِيعا
والشعر لعلي بن محمد العلوي (١).
قال ابن ناقيا: ويُغنى في الرمل المطلق، وحكي أنّها كانت تنافث العلماء، وتطارح الشعراء، وكانت لا تزال تحضر مجلس سيف الدولة وراء ستر يُسبل دونها، وهي بإزاء عين سيف الدولة حيث ينظر، فلما أقام أبو الطيب المتنبي لديه ماثلًا، وأنشد في مدحه قائلًا قصيدته التي أولها (٢): [من الطويل]
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوَّدا … وعادات سيف الدولة الطَّعْنُ في العِدَا
اهتزت من وراء الستر طربًا، وصنعت لحنًا في قوله منها:
تَرَكْتُ السُّرَى خَلْفِي لمنْ قَلَّ مالُهُ … وأَنعَلْتُ أَفْرَاسِي بِنُعْمَاكَ عَسْجَدا
وقَيَّدْتُ نفسي في هواك مَحَبَّة … ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قَيْدًا تَقَيَّدًا
إذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ … وإنْ أَنْتَ أَكرمتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدًا
والغناء فيه رمل مطلق فلم يفرغ أبو الطيب من إنشادها حتى فرغت من صنعه، ثم بعثت بالخادم إلى سيف الدولة تعلمه أنها صنعت لحنًا فيه، فصرف الناس إلا خاصته، وأبقى أبا الطيب منهم، ثم قال: يا جيداء هات ما صنعت، فاندفعت تغني الأبيات،
стр. 3292
قال أبو الطيب: فوالله ما ظننت إلا أن المجلس يرقص بنا فاستعادها، ثم لم يزل يستعيدها، وهي ترددها، حتى مضت سحابة يومنا، وكأننا في كل مرة أول ما سمعناه، ثم أمر لي سيف الدولة بجائزة جليلة، فقلت: هي والله يا أمير أحق بها. فسألتك بالله إلا جعلتها لها، فقال: بل هي لك ولها مثلها.
ومن أصواتها السيارة في شعر ابن المعتز (١): [من الوافر]
وليلٍ قَدْ سَهِرتُ ونامَ فِيهِ … نَدامى صُرِّعُوا حَوْلِي رُقُودا
أَنادِمُ فِيهِ قَهْقَهَةَ القَنَانِي … ومِزْمارًا يُعَلِّلُنِي وَعُودًا
فكاد الليلُ يَرْجُمُنِي بِنَجْمِ … وقالَ: أَرَاهُ شيطانًا مَرِيدا
والغناء فيه من الرمل المزموم.
وقد ذكر الثعالبي في اليتيمة لهذه جيداء خبرًا مع سيف الدولة وأبي فراس بن حمدان قريبة غير أنه لم يسمعها.
قال (٢): وكان سيف الدولة قلما ينشط لمجلس الأنس لاشتغاله عنه بتدبير الجيوش وملابسة الحروب، وممارسة الخطوب، فوافت حضرته إحد [] المحسنات من فتيات بغداد، فتاقت نفس أبي فراس إلى سماعها ولم ير أن يبدأ باستماعها قبل سيف الدولة، فكتب إليه يحثه على استحضارها، فقال (٣): [من السريع]
مَحَلَّكَ الجَوْزَاءُ أو أَرْفَعُ … وصَدْرُكَ الدهناء أو [أَوْ] سَعُ
وقلبك الرَّحْبُ الذي لم يزل … للجد والعَزْلِ بِهِ مَوْضِعُ
رَفْهُ بِقَرْعِ العُوْدِ سَمْعًا غَدًا … فَرْعُ العَوَالي جُلَّ ما تَسْمَعُ
فبلغت هذه الأبيات المهلبي الوزير فأمر القيان بحفظها وتلحينها وصار لا يشرب إلا عليها. انتهى.
ولعل هذه جيداء، وكان هذا قبل أن يشتريها سيف الدولة، أو لعلها جارية أخرى قدمت عليه ولم يصر إليه.
ومنهم:
[٩٦] القاسم بن زُرْزُر
ذكره ابن ناقيا: وشكره حقيقة لا رياء، وإذا غنّى سلّى الحزين فجعه، وسلب
стр. 3293
الحمام سجعه، وغرغر في المآقي دمعة المشوق، ومثل للمفارق طعنة المعشوق. كم هز غصن بان، وأنسى المتيم الشغف من بان، وكان يغني في رسيل وآلة.
ومن أصواته المشهورة: [من الطويل]
وركب كأَطْرَافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسُوا … على مِثْلِها والليل تسطو غياهبة
لأمر عليهمْ أَنْ تَتمَّ صُدُورُهُ … وليس عليهمْ أَنْ تتمَّ عَوَاقِبُهُ
والشعر لأبي تمام (١) في قصيدة يمدح بها عبد الله بن طاهر، وهو على خراسان.
قال ابن ناقيا: وحكي أنه لما أنشده إياها، أمر فنثر عليه ألف دينار، ثم حمل إليه الجائزة بعد ذلك، والغناء فيه ثقيل مزموم.
ثم قال: وفي هذا المذهب في بحر المديد: [من المديد]
يا نديمي الصُّبحُ قَدْ وَضَحَا … فَأَدِرْ لا تَبْخَسِ القَدَحَا
ما تَرَى بَرْدَ الهَوَى عقبًا … بنَسِيمِ المِسْكِ قَدْ نَفَحَا
وهذا البيت الثاني في نحوه ما يأتي من شعر قلته، ونحن في مجلس قد ركب على نهر مطرد كأنه أيمٌ فرَّ من يد قاتله، أو اضطرب في خوف مخاتله، والدوح قد مالت ذوائبه، والنسيم قد رق ولان جانبه، والليل قد جلل الأفق مسكي رادته، وبلَّلَ مطارف الثرى بأندائه، والقمر قد أقبل على طوق هالته، وجلا ضوؤه المنير حالك حالته: [من البسيط]
للهِ مَجْلِسُنا والنهر مُطَّرِدٌ … كَأَنَّهُ مُمْعِنُ قَدْ جَدَّ في الهَرَبِ
والدُّوحُ قد مال مهتز بلا طَرَب … فكيف لو حركته نشوَةُ الطَّرَبِ
وللنسيم بنا أَخَذْ نَلَذُ بِهِ … كَأَنَّما أَخْذُهُ الوسنانَ بِالهُدُبِ
هَذا وقد ذرَّ مِسكُ الليل جنحَ دُجى … لولا نَوَافِحُهُ في الليل لَمْ يَطِبِ
وعندنا كلُّ ذي وُدّ نُسَرُّ بِهِ … هُوَ السُّرُورُ فَدَعْ مِنْكَ ابْنَةَ العِنَبِ
وأَقْبَلَ البَدْرُ مَحْفُوظًا بِهالَتِهِ … كَمِثْلِ بيضاء في طَوْقِ مِنَ الذَّهَبِ
عدنا إلى ذكر زُرْزر. ومن أصواته: [من مجزوء الكامل]
اعَيْنُ ما ظَلَ الفُؤَا … د وما تعدى في الصنيع
ذَوَّقتِهِ أَلَمَ الهَوَى … فَمَحَا سَوادَكِ بالدموع
والشعر مجهول، والغناء فيه من الممخر من ثاني ثقيل.
стр. 3294
ومن أصواته في شعر نفسه: [من مجزوء الكامل]
بالرَّاحِ أَعْمُرُ راحتي … ما دام لي جَسَدِي ورُوحِي
وعلى النَّصِيحٍ ملامَتِي … وعليَّ عِصْيانُ النَّصِيح
والغناء فيه من مزموم الرمل.
ومنهم:
[٩٧] عليُّ بن منصور الهاشمي
إمام من أئمة الغناء، وتمام من البدور الكاملة السناء، يأخذ القلوب أخذه الوسن الوسان، ويملك الألباب ملكه الجواد بالعنان، فلم يفتح على مثله طرف، ولا منح شبيه فضله صاحب ظرف. كان في فنّه غريبًا، وعلى بعده إلى النفوس قريبًا.
وله أصوات منها: [من مجزوء الرمل]
قُلْ لمن رِيْقَتُهُ مِسْك … وَنَد وندام
والذي حَلَّلَ قَتْلِي … وهوَ مَحْظُورٌ حَرَامُ
كُل نار غير ناري فيكَ … بَرْدٌ وسَلامُ
والشعر لابن الحجاج (١)، والغناء فيه في الرمل المزموم.
стр. 3295
قال ابن ناقيا: وفي هذا المذهب صوت: [من الكامل]
يا وَيْحَ قلبي مِنْ تَقَلُّبِهِ … أَبَدًا يَحِنُّ إلى مُعَذِّبِهِ
قالوا: كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ … ولَوَانَّ لِي جَلَدًا لَبُحْتُ بِهِ
ومنهم:
[٩٨] كُردُم بن معبد بن الوليد بن محمد بن معبد بن كُردم بن معبد المديني
أحد المغاني الفصاح، وواحد أهل المباني الصحاح، له نسب معرق لا يداني في ذلك الأب أبوه، وذلك النسب بالطرب يحبوه، لكنه لم يعمل عنه أعمال، ولم يبخل المنى آمال.
وله أصوات وهو: [من الخفيف]
قُلْ لأَحبابنا الجُفاةِ رُوَيدا … دَرِّجُونا على احتمال الملال
أَحْسِنوا في صنيعكُمْ لِمُحِبٌ … لا عَدِمناكُمُ عَلَى كُلِّ حالِ
إنَّ هذا الصدودَ مِنْ غيرِ جُرْمٍ … لَمْ يَدَعْ فِيَّ مَوضِعًا للمقال
والشعر لأبي فراس بن حمدان (١)، والغناء فيه من الرمل المجنّب.
ومنهم:
[٩٩] أحمد بن أسامة النُصَيبي (٢)
كان من أسباب الطرب، وأشتات الأدب، لا يعد له في ضربه ضريب، ولا في نظرائه من يصبو به اللبيب، يسلب الضاحي رداء الوقار، ويلبس الصاحي جلاء العقار، ويفعل طربه بالألباب، ما يفعله قرع المزاج بالحباب، إلى أدب ما قل له من نصيب،
стр. 3296
وطرب ليس هو من مثله بعجيب.
ومن مشاهير أصواته (١): [من الكامل]
أصبحت رَهْنًا للعُداةِ مُكَبَّلًا … أُمْسِي وأَصْبِحُ فِي الأَدَاهِم أَرْسُفُ
ولَقَدْ رآني قبل ذلك ناعمًا … جذلان أبي أَنْ أَضَامَ وَآنَفُ
والشعر للأعشى أعشى همدان (٢)، والغناء فيه مطلق من الطريقة الثالثة، وهي من خفيف الثقيل.
والبيتان من قصيدة أولها: [من الكامل]
لمن الطَّعَائِنُ سِيرُهُنَّ تزحف … عوم السَّفِيْنِ إِذا تَقَاعَسَ يحذف
مرَّتْ بِذِي خُشُبٍ كأَنَّ حُمُولَها … نَخْلٌ بيشرِبَ طَلْعُهُ مُتَصَفِّفُ
وغَدَتْ بهم يومَ الفِرَاقِ عَرَامِسٌ … فُتُلُ المَرَافِقِ بالهَوَادِج دُلفُ
بان الخليط وفاتنِي بِرَحِيْلِهِ … خَوْدًا إِذَا ذُكِرَتْ لِقَلبِكَ تَشْغَفُ
وسبب قول الأعشى هذه القصيدة أن الحجاج كان قد أغزاه بلد الديلم، فأسر، ثم إنَّ بنتًا للعلج الذي أسره هويته، وصارت إليه ليلًا، ومكنته، فأصبح قد واقعها ثماني مرات، فقالت: يا معاشر المسلمين أهكذا تفعلون بنسائكم؟، فقال: هكذا نفعل كلنا، فقالت: بهذا الفعل نصرتم، ثم عاهدته أن يصطفيها لنفسه إن خلصته؛ فلما كان الليل حلّت قيوده، وأخذت طرقًا تعرفها حتى نجا، فقال شاعر من أسرى المسلمين يعرّض به: [من الطويل]
فَمَنْ كَانَ يَفْديها مِنَ الأَسْرِ مالُهُ … فَهَمْدانُ يَفْدِيها الغَدَاةَ أُيُورُها
ومن أصوات النصبي: [من المتقارب]
стр. 3297
أيا دهر ويلك ماذا جَمِيلُ … فُؤَادٌ عليلٌ وإِلْفٌ بَخِيلُ
كَأَنِّي أرى شخصه في المِرَاةِ … يَلُوحُ ومالي إليه سبيل
والشعر لأبي الحسن محمد بن محمد البصروي، والغناء فيه من الطريقة من الرمل.
ومنهم:
[١٠٠] وشيحة
جارية من أهل منبج محسنة، وناطقة لسنة كأن أناملها على محضر العود سوسنة، لطيفة تعشق، وطريفة بسهام النواظر تُرشق، لغنائها أحدة الكرى بالهدب، وهبة الصبا بالكتب لم يسعد بها جدّ البحتري حيث حاطت، وإلى منهج التأمير وحلّ منه بعد المتوكل محلّ السمير، ولا قيض له هواها فكان لا يذكر علوية، ولا يتبصر طيفها ولو من علوه، ويمنع برقها أن يشأم وجانب هواها، لم يقل: [من الكامل]
يا دارة علوة من أعالي الشام
ومن أصواتها المشهورة (١): [من المتقارب]
ولمَّا عَبَيْنَ بأوتارِهنَّ … قُبَيْلَ التبلج أيقظتني
عَمَدْنَ لا صلاحٍ عِيدَانِهِنَّ … فأَصْلَحْنَهُنَّ وأَفْسَدْنَنِي
والشعر لأبي الفتح كشاجم والغناء فيه مطلق من الطريقة الثالثة، وهي من خفيف الثقيل.
ومنهم:
[١٠١] إسرائيل اليهودي
أثرى في أهل صناعته وتخوّل، وخلف منهم إسرائيل الأول، إلا أن صنعة دينه وضعته، وضائقة دينه ما وسعته، فكان عند اليهود مجرمًا لكنه أدام درس الزبور، ولبس الحبور حتى أصلح عوج لسانه، وأوضح منهج إحسانه، فصبر لمعاداة أهل دينه واحتسب، وألهاه كثرة ما اكتسب.
ومن أصواته: [من الطويل]
стр. 3298
أيا نَفَحاتِ الرِّيحِ مِنْ أَرْضِ بابلٍ … بِحَقِّ الهَوَى إِلا حَمَلْتِ رَسَائِلي
فإِنَّ لِصَحْرَاءِ الغُوَيْرِ مَنَازِلًا … لأحبابِنا أَكْرِم بها مِنْ مَنَازِلِ
وفيها التي هام الفُؤَادُ بحبّها … وكم سائل لم يحظ منها بِطَائِل
تعلقها بالأمس خِلُوا مِنَ الهَوَى … فَقَدْ شَغَلَتْهُ اليومَ عَنْ كُلِّ شاغل
والشعر لأبي بكر العنبري (١)، والغناء فيه خفيف الثقيل المعلق.
وكذلك صوته في شعر أبي الهندي (٢): [من البسيط]
أبا الوليد أما والله لو علمت … فيك الشمول لما فارقتها أَبَدًا
فلا نَسِيتَ حُمَيَّاها ولذَّتَها … ولا عَدَلْتَ بها مالًا ولا وَلَدًا (٣)
ومنهم:
[١٠٢] يحيى جارية أبي محمد المهلبي
وكانت جارية تملأ العين، وتفرغ العين. لو رآها ابن عيينة، لما لبث بلحظه أن
стр. 3299
يرشقها، أو أبو يزيد البسطامي، لما زاد في بسط عذر من عشقها. هيفاء رَوْدُ بيضاء، تطول بحدق سود مخصرة عقودها، وترف إليها رفيف الخزامى باب كل بحورها، ومن أصواتها: [من المتقارب]
تَأَوَّبَ عنِّي طَيْفٌ أَلَمْ … لِطارِقَةٍ طَرَقَتْ في الظُّلَمْ
تخيَّلَ مِنْها خَيَالِ سَرَى … لتسلبَ حِلْمي بِذَاكَ الحُلُمْ
فَمَا أَنْ لا أَنْسَ إذا أقبلتْ … تَمِيس كغُصْنٍ سَقَتْهُ الدِّيَمْ
على رأسها مِعْجَرٌ أَخْضَرُ … وفي جِيْدِها شَبَحٌ مِنْ بَرَمْ
والشعر لأبي الفرج الأصفهاني (١)، والغناء فيه من خفيف الثقيل المزموم.
وحكى أبو الفرج قال: أنفذ إلي الوزير أبو محمد المهلبي ذات ليلة خمسة آلاف درهم صلة لا أعرف سببها، فلما حضرت مجلسه من الغد على العادة في المنادمة، قلت: لقلد خفت أن يكون الرسول قد أخطأ القصد فيما حمله إلي، وإن كان لا ينكر خطرات كرم الوزير، فقال: إني جلست البارحة على الشرب، وخرجت إلى يحيى وفي يدها عودها وعليها قناع أخضر وفي عنقها مخانق البرم، فذكرت أبياتًا في قصيدة
стр. 3300
أنشدتها معز الدولة وذكر هذه الأبيات. قال: فأنشدتها إياها فغنت فيها، وتقدمت بإنفاذ الدراهم إليك، فقلت: هي الآن صلة أخرى بالسكون إلى علم سببها.
وشكرته على فعله.
ومنهم:
[١٠٣] عنان جارية الناطفي (١)
مهاترة أبي نواس، ومظهرة غرائب الأنفاس، لم يبلغ مبلغها في المولدين امرأة من النساء، ولا حظي بمثلها أحد من الرؤساء، ولا سمع مثل شعرها إلا من الخنساء، وغلبت على هوى الرشيد غلبة أو هنت عرقه، وأوهنت حدقه حتى كان ينصب بها جدول أم جعفر وتمر ماردة وتكفر فنصبت لها أم جعفر أشراك الحيل، ومدت لها طوائل الطيل، وأقامت من أبي نواس لها قرنًا منابذًا، وراميًا إليها سهمًا نافذًا، مقبحًا لحسنها، ومبغضًا لاجنها، حتى سفه رأي الرشيد، ونكد فيها علة عيشه الرغيد.
قال أبو الفرج: نشأت باليمامة وتأدبت، وهم الرشيد أن يبتاعها، ثم منعه هجاء الشعراء لها، وكان ذلك بكيد من زبيدة دخلت عليه وهي تتبختر، فقال لها: أتحبين أن أبتاعك؟، قالت: ولم لا أحبّ ذلك يا أحسن الناس خلقًا وخُلقًا.
قال: أما الخلق فظاهر، وأما الخُلق فما أعلمك به؟ قالت: رأيت شرارة قد
стр. 3301
طاحت من المجمرة حين جاء الغلام بالبخور إليك، فسقطت على ثوبك فأحرقته، فوالله ما قبضت له وجهًا ولا رجعت في جنايته حرفًا. فقال لها: والله لولا أن العيون قد ابتذلتك، لاشتريتك، ولكن لا يصلح للخلافة ما هذا سبيله، فاشتراها طاهر بن الحسين.
وروى الأصمعي قال: بعثت إلى أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر عنان، فإن صرفته عنها، فلك حكمك، قال: فالتمست وقتًا لخطابه، فأعوز وكنت أهابه فلا أقدم عليه ابتدًا، فرأيت يومًا في وجهه أثر الغضب، فانخزلت، فقال: ما لك؟، قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر الغضب، فقال: هذا الناطفي مولى عنان، أما والله لولا أني لم أجر في حكم قط معتمدًا، لجعلت على كل حبل منه قطعة وما لي في جاريته أرب غير الشعر، فقلت: أجل ما فيها غير الشعر، أو يسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى، وترك ذكرها.
وحكى يعقوب بن إبراهيم: أن الرشيد طلب من الناطفي جارية فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فقال له: أعطيتكها على صرف سبعة دراهم بدينار، فأمر أن تحضر، فأحضرت، ثم لم يمض البيع، ولم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها الناطفي، فبعث بمسرور الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، ووقفها على سرير وعليها رداء رشيدي قد جللها، فنودي عليها بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: على مالكها دين، فافتوا في بيعها، فانتهت إلى مائتين وخمسين ألف دينار، فأخذها مسرور، ولم يكن فيها ما يُعاب، فطلبوا لها عيبًا لئن لا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها شيئًا في ظفرها. فأولدها الرشيد ابنين ماتا صغيرين، ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك، وماتت بعده بمدة يسيرة.
وروى ابن عمار أنها خرجت إلى مصر، وماتت بها حين أعتقها النطاف، ورثته بقولها: [من الكامل]
يا دهر أَفْتَيْتَ القُرُونَ ولم تزل … حتَّى رَمَيْتَ بسهمِكَ النَّطافا
وكانت مجيدة في الشعر مقصرة في الغناء، جارت مروان، وأبا نواس، والعباس بن الأحنف، وكان يتعشقها العباس بن الأحنف.
وحكى رجل أن ابن أبي حفصة قال: لقيني الناطفي فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه إليها، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس مروان، وكانت عليلة، فقالت: إني عنه لفي شغل، فأهوى إليها بسوطه، فضربها به، فبكت فرأيت الدموع تتحدر من عينيها،
стр. 3302
فقلت (١): [من السريع]
بكت عنانُ فَجَرَى دمعُها … كالدُّرِّ إِذْ يُسَلُّ مِنْ خَيْطِهِ
فقالت مسرعة بديهة (٢): [من السريع]
فَلَيْتَ مَنْ يضرِبُها ظالمًا … تَيْبَسُ يُمناه على سَوْطِهِ
فقلت للنطاف: أعتق مروان ما يملك إن كان في الأنس والجن أشعر منها.
وأنشدها أبو نواس (٣): [من المنسرح]
عُلِّقْتُ مَنْ لَوْ أَتَى على أَنْفُسِ الـ … ماضينَ والغابرين ما ندما
فقالت (٤): [من المنسرح]
لو نَظَرَتْ عينُهُ إِلَى حَجَرٍ … وَلَّدْ فِيهِ فُتُورُها سَقَما
وحكى أحمد بن معاوية، قال؛ قال لي رجل: تصفحت كتبًا فرأيت فيها بيتًا جهدت جهدي أن أجد أحدًا يُجيزه لي فلم أجده، فقال لي صديق لي: عليك بعنان، فأتيتها فأنشدتها، وهو: [من الطويل]
وما زال يشكو الحبَّ حتَّى رَأَيْتُهُ … تنَفَّسَ مِنْ أَحْشَائِها وتَكَلَّما
فقالت بديهًا: [من الطويل]
ويبكي فأبكي رَحْمَةً لِبُكائِهِ … إِذا ما بَكَى دَمْعًا بكيْتُ لَهُ دَمَا
وحكى الحسن بن وهب (٥) قال: دخلت على عنان يومًا، فسألتني أن أقيم عندها، ففعلت، وأتينا بالطعام والشراب، فأكلنا، وشربنا، وغنتني، فكان غناؤها دون شعرها. فشربت ستة أرطال، ونكتها خمسة، وضجرت، فقالت لي: ما أنصفت شربت ستة، ونكت خمسة فتغافلت وقلت: غني صوتي (٦): [من الطويل]
стр. 3303
خَلِيليَّ ما للعاشقينَ قُلُوب … ولا للعُيون الناظراتِ ذُنُوبُ
ويا معشر العُشَّاق ما أبغَضَ الهَوَى … إذا كانَ لا يَلْقَى المُحِبَّ حَبِيْبُ
فغنت (١):
خَلِيليَّ ما للعاشِقِينَ أُيُورُ … ولا لِحَبيبِ لا يُناكُ سُرُورُ
ويا معشر العُشَّاق ما أبغضَ الهَوَى … إِذَا كَانَ في أَيْرِ المُحبِّ فُتُورُ
فخجلت، وانصرفت.
وكتبت عنان على عصابتها باللؤلؤ: إذا لم تستح، فاصنع ما شئت.
وقال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: أنشدني أبي لعنان (٢): [من الكامل]
نَفْسِي على حَسَرَاتِها موقوفةٌ … فودِدْتُ لو خرجت معَ الحَسَرَاتِ
لو في يَدَيَّ حساب أَيامي إذا … أنفقتُهُنَّ تَعَجَّلًا لوفاتي
لا خير بعدك في الحياة وإنَّما … أبكي مخافةَ أَنْ تَطُولَ حَيَاتِي
ومنهم:
[١٠٤] دنانير جارية محمد بن كناسة (٣)
جارية لا تسام بألوف، ولا تنفر عن ألوف، أجادت في الشعر كل الإجادة، وزادت فيه على الشعراء حتى استعبدت أبا عبادة، وشدت من الغناء شدوًا، وقنعت منه بما جاء عفوًا، وكانت ملهية النواذر، مسرعة البوادر، تشدّ إزارها على الكثيب، وتعدل قوامها إلا على الكئيب.
كانت مولّدة من مولدات الكوفة رباها ابن كناسة، وأدبها، فخرجت شاعرة، أديبة فصيحة، وقيل: إنها كانت تغني، وكان ابن كناسة دينًا صالحًا؛ وهو ابن خالة إبراهيم بن أدهم.
стр. 3304
وذكر علي بن هشام الكلابي؛ قال: كان لابن كناسة صديق له يكني أبا الشعثاء، وكان عفيفا مزاحا فكان يدخل على ابن كناسة يسمع غناء جاريته دنانير، ويعرض لها بأنه يهواها، فقالت فيه شعرا منه (١): [من الرمل]
لأبي الشعثاء حب ظاهر … ليس فيه مطعن للمتهم
يا فؤادي فازدجر عنه ويا … عبث الحب به فاقعد وقم
ومنهم:
[١٠٥] فضل اليمامية (٢)
جارية المتوكل، وهي المعروفة بفضل الشاعرة، أجل أن تكون أخت الخنساء، أو تقع في بخت أحد من الرؤساء، جارت الفحول وجبذت، وقيدتهم الوجول، وصهرت في القريض، وحبرت منه الروض الأريض، وعلقت فيه القرناء.
وقد ذكرها صاحب كتاب الإماء؛ قال (٣): كانت من مولدات البصرة، وبها
стр. 3305
نشأت.
وذكر محمد بن داود: أنها عبدية، وكانت تزعم أن أمها علقت بها من مولى لها من عبد القيس، وأنه مات وهي حامل بها، فباعها ابنه، فولدت بعد بيعها، واسترقت.
وكانت سمراء، حسنة الوجه، والقد والجسم، شكلة، حلوة، أديبة، فصيحة، سريعة الهاجس، حادة الخاطر، مطبوعة في الشعر، متقدّمة فيه، وكانت تجلس في مجلس المتوكل على كرسي، وتقارض الشعراء الشعر بحضوره، فألقى عليها يومًا أبو دلف (١): [من الكامل]
قالوا: عَشِقْتَ صغيرةً فأَجَبْتُهُمْ … أَشْهَى المطي إليَّ ما لم يُركَبِ
كم بين حَبَّةِ لؤلؤ مثقوبةٍ … لُبِسَتْ وحَبَّةِ لؤلؤ لمْ تُثْقَبِ
فأجابته بديها (٢): [من الكامل]
للناسِ أَهْوَاء ولذَّةُ بَعْضِهِمْ … وهَواهُ في الأَمْرِ الذي لم يَصْعُبِ
وتَرَى سِواهُ يُحِبُّ بِكْرًا كاعِبًا … كَمْ بينَ بِكْرِ في القِياسِ وَثَيِّبِ
وكتب إليها بعض من كان يحضرها (٣): [من الطويل]
ألا ليتَ شِعْري أَنْتِ هَلْ تذكرينني … فذكرُكِ في الدنيا إليَّ حَبِيبُ
وهَلْ لي نصيب في فؤادِكِ ثَابِتٌ … كما لَكِ عندي في الفؤادِ نَصِيبُ؟
فلستُ بمتروك فأَحْيَا بِزَوْرَةٍ … ولا النفس عندَ اليَأْسِ عَنْكِ تَطِيبُ
فكتبت إليه (٤): [من الطويل]
نَعَمْ والهَوَى إنني بك صَبَّةٌ … فَهَلْ أَنْتَ يَا مَنْ لا عَدِمْتُ مُنِيبُ
لمنْ أَنْتَ مِنْهُ في الفُؤادِ مُصَوَّرٌ … وفي العَيْنِ نُصْبَ العَين حين تغيب
فيق بفؤادٍ أَنْتَ تُظْهِرُ مِثْلَهُ … علَى أَنَّ بَيْ سُقْمًا وأَنْتَ طبيب
وقال علي بن يحيى: دخلت على المتوكل يومًا، فدفع إلي رقعة، وأمرني بقراءتها، فإذا فيها (٥): [من مجزوء الرمل]
قدْ بَدَا شِبْهُكَ يامو … لَا يَ يَحْدو باللام
стр. 3306
فأجِبْ نَقْضَ لُبَنا … ت اعتناق والتام
قَبْلَ أَنْ يفضحناعو … دَةُ أَرْوَاحِ النَّام
قلت: مليح والله قائلها لمن هي؟، قال: وعدتني فضل البارحة على أن أبيت معها، فسكرت سكرًا شديدًا منعني من التيقظ لها؛ فلما أصبحت وجدت رقعتها في كمي والشعر لها وهو بخطها.
وروى أبو هفان عن رجل. قال: خرجت قبيحة على المتوكل في يوم نيروز، وفي يدها كأس من بلور فيه شراب صاف، فقال: ما هذا فقالت: هديتي إليك في هذا اليوم عرفك الله يمنه، فشربه، وقبل خدّها، فقالت فضل (١): [من السريع]
سُلافَةٌ كالقمر الباهِرِ … في قَدَح كالكوكبِ الزَّاهِرِ
يُدِيرُها خِشْفٌ كَبَدر الدُّجَى … فوقَ قضيب أهيف ناضِر
على فتى أَرْوَعَ مِنْ هاشم … مِثْلِ الحُسَامِ المُرْهَفِ الباتِرِ
وحكى أحمد بن أبي طاهر قال: ألقى بعض أصحابنا على فضل (٢): [من الطويل]
ومُسْتَفْتِح باب البلاء بنظرَةٍ … تزوَّدَ منها قلبُهُ حَسْرَةَ الدَّهْرِ
فقالت (٣): [من الطويل]
فوالله ما يَدْرِي أَيدري بما جَنَتْ … على قَلْبِهِ أَمْ أَهْلَكَتْهُ وما يَدْرِي
وحكى أبو يوسف الضرير، قال: صرت أنا وأبو منصور الباخرزي إلى فضل الشاعرة فحجبنا عنها وما علمت بنا، ثم بلغها خبرنا بعد انصرافنا، فكتبت إلينا تعتذر (٤): [من الطويل]
وما كنتُ أَخشَى أَنْ تُرَى لي زَلَّةٌ … ولكنَّ أَمْرَ اللهِ ما عَنْهُ مَهْرَبُ
أَعُوذُ بحُسنِ الصَّفْحِ مِنْكُمْ وقَلبُنا … بعفو وصَفْحٍ ما تعوَّذَ مُذْنِبُ
فكتب إليها أبو منصور (٥): [من الطويل]
لئِنْ أهديت عيناكِ لي ولإخْوَتِي … لمثلكِ يا فَضْلَ الفَضَائِلِ يعتب
إذا اعتذر الجاني محا العُذْرُ ذَنْبَهُ … وكُلُّ امرئٍ لا يقبلُ العُذْرَ مُذْنِبُ
وحكى عليّ بن الجهم، قال: كنت يومًا عند فضل الشاعرة، فلحظتها لحظة،
стр. 3307
استرابت بها، فقالت (١): [من الرجز]
يَا رُبَّ رَامٍ حَسَنٌ تَعَرُّضُهْ
يَرْمِي ولا يَشْعُرُ أَنِّي غَرَضُه
فقلت (٢): [من الرجز]
إِنِّي فَتَى ليسَ عَهْدُكِ يُمْرِضُهْ
وأَيُّ عَهْدِ مُحْكَمِ لَا يَنْقُضُهْ
فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.
ومن شعرها ما كتبت به إلى سعيد بن حميد، فكان منهما ما كان (٣): [من الكامل]
الصَّبْرُ ينقُصُ والسَّقَامُ يَزِيدُ … والدَّارُ دَانِيَةٌ وأَنْتَ بَعِيدُ
أَشْكُوكَ أَمْ أَشْكُو إِلَيْكَ فَإِنَّهُ … لا يستطيعُ سِوَاهُما المَجْهُودُ
وكتبت (٤): [من الطويل]
وعَيشِكَ لَوْ صَرَّحْتُ باسمِكَ في الهَوَى … لأَقْصَرْتُ عَنْ أَشياء في الجِدِّ والهَزْلِ
ولكنني أُبدي لهذا مَوَدَّةً … وذاكَ وأَخْلُو مِنْكَ خَلْوَةَ ذِي حَبْلِ
مَخَافَةَ أَنْ يُغْرِي بنا قُولُ كَاشِحٍ … عَدُوًّا فَيَسْعَى بالصُّدُودِ على الوَصْلِ
فكتب إليها (٥): [من الطويل]
تَنَامِيْنَ عَنْ لَيْلي وأَسْهَرُهُ وحْدِي … وأَنْهَى جُفُونِي أَنْ تَبُثَّكَ ما عندي
فإن كنت لا تدرين ما قَدْ فَعَلْتِهِ … بنا فانظُرِي ماذا على قاتل العَمْدِ
وحكى القاسم بن زُرزُر قال: قصدت سعيد لحمى نالته، فسألتني فضل أن أساعدها أنا وعريب في المضي إليه للسلام عليه، وأهدت إليه هدايا فيها ألف جدي، وألف دجاجة فائقة، وألف طبق فاكهة، وطيب كثير، وشراب، وتحف حسان.
فكتب إليها سعيد: إن سروري لا يتم إلا بحضورك، فجاءته في آخر النهار، وجلسنا نشرب، واستأذن غلامه بنان، فأذن له، فدخل إلينا، وهو يومئذ شاب طرير،
стр. 3308
حسن الوجه، حسن الغناء، سري الملبوس كثير العطر، شكل، فذهب بفضل كل مذهب، وبان ذلك في إقبالها عليه، وتحققها به، فتنمر سعيد، واستطار غضبًا، وتبين ذلك لبنان، فانصرف وأخذ سعيد، يعذلها ساعة، ويوبخها، تارة، ويزيد في تأنيبها، وهي تعتذر منه، ثم سكت، فكتبت إليه فضل (١): [من مجزوء الكامل]
يا مَنْ أَطَلْتُ تَفَرُّسِي … في وجْهِهِ وتَنَفُّسِي
أَفْدِيكَ مِنْ مُتَدَلَّلٍ … يُزْهَى بقتل الأَنفُسِ
هَبْنِي أَسَأْتُ وما أَسَأْ … تُ بَلَى أَقَرُّ أَنا المُسِي
أَحْلَفْتَنِي أَنْ لا أُسا … رِقَ نَظْرَةً في مجلسي
فَنَظَرْتُ نَظْرَةَ مُخْطِيء … أَتْبَعتُها بتفرُّسِ
ونَسِيتُ أَنِّي قَدْ حَلَفْ … تُ فماعُتُوبةُ مَنْ نَسِي
فقام سعيد لوقته، وقبل رأسها، وقال: لا عقوبة عليك، بل نحتمل هفوتك، ونتجافي عن زلتك.
وغنت عريب في الشعر رملًا وشربا عليه بقية يومهما ذلك، ثم افترقا، وقد أثر بنان في قلبها أثرًا، وعلقته، ولم تزل تواصله سرًا حتى ظهر أمرها، ثم غضب بنان على فضل في أمرٍ، أنكره، فاعتذرت، فلم يقبل فكتبت إليه كأنها تخاطب نفسها (٢):
[السريع]
يا فضلُ صَبْرًا إِنَّها مِيتَةٌ … يَجْرَعُها الكاذب والصَّادِقُ
ظَنَّ بنان أنني خُنْتُهُ … روحِي إِذَنْ مِنْ جَسَدي طالِقُ
[١٠٦] تيماء، جارية خُزَيْمَة بن خازم (٣)
وكانت مدنية شاعرة جريئة، ذا عورة، ضحوك، لعوب كسلى دلال، لا يعمر
стр. 3309
بها لغوب تجرّ على الغواني ذيلًا، وتخسف البدور ليلًا، وتحظى المتيم الذي يقول: [من الطويل]
وخَبَّرْتُماني أَنَّ تيماء مَنزِل لليلى
وأجادت في الشعر، ولم تقصر في العناء، ولم تدع لمن بعدها غير الغناء.
ومن شعرها (١): [من البسيط]
يفديك تيماء مِنْ سُوءٍ يحاذره … فأَنْتَ مُهجتها والسمع والبصر
لئن رَحَلْتِ لقد أبقيت لي حَزَنًا … لم يبق لي مَعَهُ فِي لَذَّةٍ وَطَرُ
فهل تذكرت عَهْدِي في المغيب كما … قدْ شَفْنِي الهم والأحزانُ والفِكَرُ
وحكت أنها عرضت على خزيمة هي ووصيفة بكر حلوة الوجه، فمال إليها، وأقبل علي كالمعتذر، فقال (٢): [من الكامل]
قالوا: عشقت صغيرةً فَأَجَبْتُهُمْ ..
فقلت (٣): [من الكامل]
البيتان
إنَّ المطية لا يَلَذُّ رُكُوبُها … حتَّى تُذَلَّلَ بالزمام وتُرْكَبُ
والدر ليس بنافعِ أَصْحَابَها … حَتَّى تُؤَلَّفَ بالنظام وتُثْقَبُ
هكذا رواهما أبو الفرج في كتاب الإماء.
قالت تيماء: فضحك واشترانا معًا، ثم غلبتها عليه، ولها غناء فيهما.
ومنهم:
[١٠٧] سُكُون جارية طاهر بن الحسين (٤)
وكانت بيضاء، مولدة، بادية السناء، حسنة الوجه والغناء، ربيت في دارين
стр. 3310
لسحر بن محمد، وأخذت الغناء عنه وعن ابنه وبناته وجواريه، وتلقت عن إسحاق وطبقته، واستحسنها إبراهيم الموصلي، وسائر رفقته، وأعجب بها ابن المهدي، واهتز لصوتها الندي، وكانت مبرزة في الشعر تعد من الشعراء، وتلحق منهم بالرجال لا بالنساء، وسمعها إبراهيم الموصلي، فاستحسن طبعها، وقال: ليت شعري هذا السيف لمن يشحذ؟!
وحظيت عند طاهر بن الحسين، ثم غلبتها عليه جارية أخرى انقطع إليها مدة، ثم جاز بحجرة سكون، فوثبت إليه، وقبلت يديه فاستحيا منها، وقال: الليلة أزورك، فتأهبت لذلك، وتزينت وتعطرت ونسي طاهر، فلم يأت إليها، فكتبت إليه (١): [من الوافر]
أَلا يا أَيُّها المَلِكُ الهُمَامُ … لأمرِكَ طاعةٌ ولنا ذِمَامُ
طمعنا في الزيارة والتلاقي … فلم يكُ غيرُ عُذْرِ والسَّلامُ
فلما أتته رقعتها، حركته، وهاجت دواعيه، وأطربته، فقام إليها، ودخل مسارعًا عليها، فأقام عندها ثلاثًا، وأبرم لها حبله الذي كان أنكاثًا، وعاد لها إلى ما كان عليه، وعلى ما لم يزل لديه.
ومنهم:
[١٠٨] فنون جارية يحيى بن مُعَاذٍ (٢)
وكانت كاتبة شاعرة حلوة الوجه والنادرة بارعة في الغناء، عزيزة لاتسام
стр. 3311
بالغلاء، وهي القائلة (١): [من البسيط]
يا ذا الذي لام في تحريق قرطاسي … كمْ مَرَّ مِثْلُكَ في الدنيا على راسي
[ما] الحَزَم تَحْرِيقُةُ إِنْ كُنْتَ ذا أَدَبِ … وإِنَّما الحَزْمُ سُوءُ الظن بالناس
إذا أَتاكَ وقَدْ أَدَّى أَمانَتَهُ … فاحْفَظْ أَساطِيره عَنْ كُلِّ وَسْوَاسِ
واشْقُق كتاب الذي تَهْوَاهُ مُعْتَمِدًا … فَرُبَّ مُفْتَضِحٍ في حِفْظِ قرطاس
ومنهم:
[١٠٩] صرف جارية ابن خُضَيْر (٢)
مول جعفر بن سليمان
وكانت جارية مليحة، وشاعرة فصيحة، ومغنية حسنة الوجه والغناء، كأن الشمس من أخواتها، والورق في لهواتها من مولدات البصرة، ومتوكدات الحسرة.
ولها في الغناء صنعة بديعة، ذكر الهاشمي منه هذا الصوت (٣): [من الطويل]
كريم يغض الطرف فَرْطَ حيائِهِ … ويَدْنُو وأَطرافُ الرِّماحِ دَوَانِي
وكالسيف إنْ لا ينتَهُ لأنَ مَتْنُهُ … وحَدَّاهُ إِنْ خاشَنْتَهُ خَشِنانِ
ولحنه في خفيف الرمل.
стр. 3312
وَكَتَبَ إِلَيْهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمُعَدَّلِ (١): [مِنَ السَّرِيعِ]
حَبَوتُ صِرفًا بِهَوًى صِرْفِ … لأَنَّهَا في غَايَةِ الظَّرْفِ
يَا صِرْفُ مَا تَقْضِينَ مِنْ عَاشِقٍ … بُكَاؤُهُ يُبْدي الَّذِي يُخْفِي
فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ (٢): [مِنَ السَّرِيعِ]
لَبَّيْكَ مِنْ دَاعٍ أَبَا قَاسِمِ … حُبُّكَ يُدْنِينِي مِنَ الحَتْفِ
صِرْفُ الَّذِي يُصْفِيكَ صِرْفَ الهَوَى … وَحُلْيَةٌ جَلَّتْ عَنِ الْوَصْفِ
وَمِنْهُمْ:
[١١٠] نُسَيْمٌ جَارِيَةُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الْكَاتِبِ (٣)
شاعرة مغنية، زاهرة عن الكواكب مغنية، مولدة مولدة لكل صبابة طبعت عليها النفوس، وكآبة وخلعت عليها، فلا ينزع لها لبوس، وهي القائلة في سيدها وقد مات (٤): [من البسيط]
ولو أن حيا هابه الموت قبله … لما جاءه أو جاء وهو هيوب
ولو أن حيا قبله صانه البلى … إذن لم يكن للأرض فيه نصيب
وكذلك هي القائلة فيه (٥): [من البسيط]
نفسي فداؤك لو بالناس كلهم … ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا
وللورى ميتة في الدهر واحدة … ولي من الهم والأحزان موتات
ومنهم:
стр. 3313
[١١١] عارم جارية وليدة النخاس
مولدة من مولدات البصرة، والمولدات في القلوب الحسرة، باعها مولاها، فابتاعها بعض الكتاب، وحلّت منه محلًا لم يبلغه العتاب.
قال الخاركي الشاعر: مرت بي عارم يومًا، وأنا مخمور، فاستوقفتها وقلت لها (١): [من الرجز]
هل لك في أَيْرٍ وأَيْرُ مِثْلِي … ينهض قدامي وفوق رِجْلِي
أَدَقٌ عِرْقَيْهِ كَأَيْرِ بَغْلِ
فضحكت ثم قالت (٢): [من الرجز]
هل لك في أَضْيَقَ مِنْ حِرامكا … مُسْتَحْصَفٍ داخلَهُ كَهَمكا
تموتُ إِنْ أَبْصَرْتَهُ بهمكا
ومنهم:
[١١٢] سلمى اليمامية
جارية أبي عباد، وكانت فتنة للنظر، ومحنة لمن بات من العشق على غرر، وهي القائلة في رياء (٣): [من الكامل]
يا نازحًا شَطَ المَزَارُ [به] … شَوْقِي إِلَيْكَ يَجِلُّ عَنْ وَصْفِي
أَسْهَرْتَ عيني في تَفَرُّقنا … ما التَذَّ بعْدَكَ بالكَرَى طَرْفِي
أُغْفِي لكي ألقاك في حُلُمي … ومِنَ الكَبائِرِ شاكِلٌ تُغْفِي
ومنهم:
[١١٣] مراد جارية علي بن هشام (٤)
مولدة من مولدات المدينة، صفراء كأنها الذهب، هيفاء كأنها مال بها الطرب.
стр. 3314
اشتراها علي بن هشام لما حجّ، وكانت تقول الشعر في معاني فتوحه، وتداني به ما يهتز به من مديحه. وغضبت عليه مرة وهجرته، وتعرض إلى ترضيها، فزجرته، فكتبت إليها (١): [الطويل]
لَئِنْ كان هذا منك حقًا فإنني … مُدَاوي الذي بيني وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرة … طوى وده، والطي أبقى على النشر
فكتبت إليه (٢): [من الطويل]
إذا كُنْتَ في رِقّي هَوىً وتَمَلُّك … فلا بُدَّ مِنْ صَبْرٍ على غُصَصِ الصَّبْرِ
وإغضاء أجفان طُوِينَ على قذى … وإذعان مملوك على الذُّلِّ والقَسْرِ
فذلك خيرٌ مِنْ مُعاصاة مالك … وصبر على الإِعْرَاضِ والصَّدِّ والهَجْرِ
ومنهم:
[١١٤] متيّم الهشامية (٣)
كانت تعبث بالشعر فإذا قالته تجيده، وقادته لا يأتي عليها شريده، وعلى أنه بحر لم يقع إلينا منه إلا فريده.
قال لها المأمون أجيزي (٤): [من الطويل]
تعالي يكُن للكتب بيني وبينَكُمْ … مُلاحظةٌ نُومِي بها ونُشِيرُ
فَعِنْدِي مِنَ الكُتبِ المَشُومةِ خبرة … وعندي مِنْ شُؤْمِ الرَّسولِ أُمُورُ
فقالت (٥): [من الطويل]
جَعَلْتُ كتابي عَبْرَةٌ مُسْتَهِلَّةً … وفي الخدّ مِنْ ماءِ الجُفُون سُطُورُ
وهي القائلة (٦): [من السريع]
يا منزلًا لم تبلَ أَطلاله … حاشا لأطلالك أَنْ تبلى
الأبيات
стр. 3315
وفيه صنعة رمل على طريق النوح، وقد ذكر في أخبار المعتصم.
ومنهم:
[١١٥ - ١١٦] سمراء وهيلانة (١)
شاعرتان فاخرتان، ومولدتان للقلوب مفسدتان من مولدات الحجاز، ومجددات الهوى الذي ما له حجاز، وكانت تجتمع المعارضة الشعراء لهما أهل الأدب ووجوه الكتاب.
قال أبو الشبل البرجمي الشاعر (٢): دخلت إلى سمراء فتحدثنا ساعة، ثم أنشدتها بيتًا لأبي المستهل (٣) في المعتصم (٤): [من المتقارب]
أَقَامَ الإِمَامُ مَنَارَ الهُدَى … وَأَخْرَسَ نَاقُوسَ عَمُّورية
ثم قلت لها أجيزي فقالت (٥): [من المتقارب]
كَسَانِي المَليكُ جَلَابِيْبَهُ … ثيابًا عَلاهَا بِسَمُورِيَهْ
فأعلى افتخاري بها رُتْبَتِي … وأَذْكَى ببهجَتِها نُورِيَهْ
ثم أكلنا عندها، وخرجت من عندها، فأتيت هيلانة، فقالت: من أين يا أبا شبل؟، فقلت: من عند سمراء، قالت: قد علمت أنك تبتدئ بها، وكانت سمراء أجملهما، فقالت: وأعلم أنها لم تدعك حتى أكلت عندها. قلت: أجل، قالت: فهل لك في الشرب؟، قلت: نعم فأحضرت شرابًا، فشربت منه، ثم قالت: أخبرني بما جرى بينكما، فأخبرتها، قالت: هذه المسكينة كانت تجد البرد، واحتاجت إلى سمورية
стр. 3316
فهلا قالت (١): [من المتقارب]
فأضحى به الدينُ مُستبشرًا … وأضحت زناد الهوى مُورِيَة
فقلت لها: أنت في كلامك أشعر منها في شعرها، وشعرك فوق شعراء أهل عصرك.
ومنهم:
[١١٧] ظلوم جارية محمد بن مسلم
وكانت شاعرة ماهرة، وناثرة باهرة، وكاتبة قادرة، ومغنية محسنة، سريعة البادرة، كانت لأبي صالح محمد بن مسلم الكاتب، ثم باعها لبعض الكتاب، فاستفادت عنده طرائق الآداب، واستزادت فوق ما يحتاج إليه في هذا الباب.
قال جعفر بن قدامة: حدثني أحمد بن أبي طاهر: كان محمد بن مسلم لي صديقًا، وكان يقال له أبو الصالحات، فرأيت جاريته يومًا إلى جانبه وعلى رأسها كور منسوج بالذهب مكتوب بخط أحسن من كتب (٢): [من الطويل]
وإني على الود الذي قدْ عَرَفتُمُ … مُقيمٌ عليه لا أَجُولُ على العَهْدِ
وذلك أدنى طاعتي لمحبَّتي … كأيسر ما أُطفِي بِهِ غُلَّةَ الوَجدِ
فقلت لها: ما أملح هذا الشعر الذي على كورك. قالت: هو شعري. أفتحب أن أغنيك به؟ قلت: أجل، فغنته أملح غناء، ثم اشتراها بعد ذلك فتى من الكتاب.
ومنهم
[١١٨] عاذل جارية زينب بنت إبراهيم الهاشمية
من أحسن الناس شعرًا وغناء، وسني وسناء إلى محيا وسيم، وقوام كما عبث بغصن البان النسيم، ورقة معاطف كما تصبب من قطراتها المدام، ولين بشرة كأنما تصوّب من خطراتها الغمام. وكان إبراهيم بن العباس الصولي (٣) بها سكران لا يفيق، ونشوان لا يأنس إلى رفيق.
стр. 3317
قال ابن السخي: وكانت مولاتها زينب بنت إبراهيم - أخت عبد الوهاب بن إبراهيم تقين عليها، وتخرجها إلى الوجوه بسر من رأى، وكانت كاملة في الظرف، وكان إبراهيم بن العباس ممن أخرجها عليه فمالت إليه، وأصفته هواها، فلم يكدر له جوه، ولا تنكر له دوة، وامتنعت من جماعة كان يهوونها، واحتجبت عنهم حتى كأنهم ما كانوا يرونها.
ثم إن إبراهيم علق غيرها جارية كانت للواثق أهداها إليه بعض ملوك الأتراك، فخرجت بعد وفاة الواثق حرة، كانت ولدت منه بنتًا؛ فلما واصلها جفا ظلوم، وظلمها في الوفاء، وأضرمها بنار لا تعاجل الانطفاء؛ فلما رأت تكدره وتبينت تغيره لها، وتنكره كتبت إليه (١): [من المنسرح]
يا ناقِضًا لِلعُهُودِ بِمَنْ … بَعْدَكَ مِنْ أَهْلِ صَبْوَتِي أَثِقُ
واسوأَتا واسْتَحْيَتْ لي أبدًا … أَنْ ذَكَرَ العاشِقونَ مَنْ عَشِقُوا
لا غَرَّني كاتبٌ لَهُ أَدَبٌ … ولا ظَرِيفٌ مُهَذَّبٌ لَبِقُ
قال إبراهيم الصولي: فلما قرأت الأبيات، أخذني مثل الجنون عليها، ثم هجرت الواثقية، وأقبلت عليها، ولم تزل على مصافاة ومواصلة حتى قطع الموت بيننا وقرب حيننا حيننًا.
ومنهم:
[١١٩ - ١٢٠] رَيَّا وَظَمْيَاء
مولدتان يماميتان، هما الشمس وأختها، والحظية وبحبها. غصنا بانة، ومعطفا
стр. 3318
ريحانة، وغزالا سرب، وقسيما شرب، وقمرا هالة، ومقلتا ظبي أفلت من حبالة.
حكى أحمد بن خلف، قال حدثني أحمد بن سهل - وكان أحد كتاب صاعد - قال: سمعت الحسن بن مخلد يحدث أن رجلًا نخاسًا من اليمامة قدم بجاريتين شاعرتين على المتوكل، فنظر إلى إحداهما، فقال: ما اسمك؟ قالت: ريا. قال: أنت شاعرة؟ قالت: كذا زعم مالكي، قال: فقولي في مجلسنا شعرًا ترتجلينه وتذكريني وتذكرين الفتح بن خاقان، فوقفت هنيهة، ثم قالت (١): [من الطويل]
أقول وقد أبصرتُ صورة جعفرٍ … إمامِ الهُدَى والفتح ذا العز والفخر
أَشَمْسُ الضُّحَى أَمْ شِبْهُها وجْهُ جعفرٍ … وبدَرُ السَّماءِ الفَتَحُ أَمْ شَبَهُ البَدْرِ
فالتفت إلى الأخرى، ثم قال: وقولي أنت فقالت: [من الطويل]
أقول وقد أبصرت طلعة جعفر … تعالى الذي أعلاكَ يا سَيِّدَ البَشَرْ
وأكمل نُعْماه بفتح نصيحة … فأنتَ لنا شَمْسُ وفَتْحٌ هُوَ القَمَرْ
فأمر أن تشترى الأولى وتردّ الأخرى، فقالت المردودة: ولم رددتني يا مولاي؟
قال: لأن بوجهك نمشًا، فقالت (٢): [من السريع]
لم يسلم الطَّبي على حُسْنِهِ … يومًا ولا الدر الذي يُوصَفُ
الظَّبي فيهِ خَنَسٌ ظَاهِرُ … والبدرُ فيهِ نُكَتٌ تُعْرَفُ
فاشتراهما معًا، ولم يفرّق لهما مجمعا، إلى أن فرق بينهما الدهر المشتت، وبت اجتماعهما صرف الزمان المبتت.
ومنهم:
[١٢١] بنان جارية المتوكل (٣)
كانت تخجل القمر بصفحتها، والغزال بلمحتها، والقضيب المتأود بقدها،
стр. 3319
والتفاح الجني بخدها، وتغير القلائد بنظمها الذي لا تحليه إلا مبسمها ولا يضاهيه إلا الثريا لمن يتوسمها. لا تجيء عريب لها بإصبع من بنان، ولا دنانير إلا مما لا يدخر للامتنان، ولا سابقة لا يلحق إلا وهي معها في طي عنان.
قال الفضل بن العباس الهاشمي، حدثتني بنان الشاعرة المتوكلية، قالت: خرج المتوكل يومًا يمشي في صحن القصر، وهو يتوكأ على يدي ويد فضل الشاعرة فأنشد (١): [من الطويل]
تعلَّمتُ أسباب الرضا خَوْفَ هَجْرِها … وعلَّمها حُبِّي لها كيف تغضب
ثم قال لنا أجيزا هذا البيت فقالت فضل (٢): [من الطويل]
تصدُّ وأبدي بالمودَّةِ جاهدًا … وتبعد عني بالوصال وأَقْرُبُ
وعندي له العُتْبَى على كُلِّ حالة … فما عنه لِيْ بُدَّ ولا عَنْهُ مَذْهَبُ
ومنهم:
[١٢٢] رِيًا جارية إسحاق (٣)
وكانت مولدة ربيت باليمامة، وتربت على غناء أشجى من تغريد الحمامة، وكانت صفراء كأنما تجر مُعَصفرات الجلابيب، أو تكسى مصفرات الذهب الصبيب. هذا إلى حلاوة توكل بالعيون، وحسن لا يقضى منه عدات الديون.
وكانت شاعرة لو فاوضت النساء، أو أوجبت عليهن الفخر، أو باكت الخنساء
стр. 3320
لما كانت لها عينان تجري على صخر، طالما تمناها متيم لو أن الأيام ساعدت، وظل لا يزيد على أن يقول (١): [من الطويل]
حَنَنْتَ إلى رَيَّا ونفسكَ باعَدَتْ
حكى حماد بن إسحاق الموصلي قال: اشتراها أبي لما حج، وكان يحبّها، ويستحليها، وهي التي تقول فيه (٢): [من مجزوء الخفيف]
يا لذيذ المُعانَقَهْ … يا كثير المُفارَقَة
جُزْتَ يا مُنتهى المُنى … فِيَّ حَدَّ المُوافَقَة
وأنا دُونَ مَنْ تَرَى … لكَ والله عاشِقَه
قال حماد وفيه لحن من الرمل لبعض جوارينا إما صيد، وإما دمن، وكانت قد أخذت عنها الغناء، وسرقته من إسحاق.
[١٢٣] [محبوبة جارية المتوكل] (٣)
كانت ضرّة الشمس ومسرّة النفس، قيد كل ناظر، وأمنية كل خاطر، لو حدرت في الليل قناعها، لابيضت غرابيبه، وانقدت بطلائع الصباح جلابيبه. أحسن من الريم سالفة وحذقًا، وأكثر من الأغصان أعطافًا ومعتنقًا. هذا إلى صفاء فيه لا تناول، وصفاء لا يقاس به السموءل، وإجادة في الشعر لا تعرف لذات خمار، ولا يعد للأخيلية معها إلا ما يحكى في أكاذيب الأسمار، تنحط عنها رتبة علية أخت إبراهيم، وترد عنان وقد أصبحت حدائقها كالصريم.
стр. 3321
قال أبو الفرج في كتاب الإماء (١): كانت مولدة شاعرة، مغنية، متقدمة في الحالين على طبقتها، وكانت حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر للمتوكل في جملة أربعمائة فيهن قيان وسواذج، فتقدمتهن جميعًا عنده؛ ولما قتل، صارت إلى وصيف، فلزمت النُّسْك حزنًا ووفاءً للمتوكل حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعطاه إياها، فأعتقها، وقال: أقيمي حيث شئت، فانحدرت عن سر من رأى إلى بغداد، وأخملت نفسها إلى أن ماتت.
قال: وحدثني جعفر بن قدامة عن علي بن الجهم، قال: كنت يومًا بحضرة المتوكل، وهو يشرب، ونحن بين يديه، إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مُغلّفة بغالية، فقبلتها، وانصرفت عن حضرته إلى مجلسها، ثم خرجت جارية لها، ومعها رقعة، فدفعتها إلى المتوكل، فقرأها، وضحك ضحكًا شديدًا، ثم رمى بالرقعة إلينا فإذا فيها (٢): [من المنسرح]
يا طيبَ تُفَّاحَةٍ خَلَوتُ بِها … تُشْعِلُ نارَ الهَوَى على كَبِدِي
أبكي إليها وأشتكي دَنَفِي … وما أُلاقِي مِنْ شِدَّةِ الكَمَدِ
لوْ أَنَّ تُفَاحَةً بكت لبكتْ … مِنْ رَحْمَةٍ هذه التي بيدي
إنْ كُنْتِ لا تعلمين ما لقيت … نفسِي فَمِصدَاقُ ذاكَ في جَسَدِي
وإِنْ تَأَمَّلْتِهِ عَلِمْتِ بأَنْ … ليسَ لِخَلْقٍ عَليهِ مِنْ جَلَدِ
قال: فما والله أحد إلا استظرفها، واستملح الأبيات، وتقدم المتوكل إلى عريب وسارية أن يصنعا في الأبيات لحنًا، فصنعتا لحنين وغنتا بهما.
وحدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني علي بن يحيى المنجم؛ قال: قال المتوكل لابن الجهم - وكان يأنس به ولا يكتمه شيئًا -: يا علي إني دخلت على قبيحة الساعة، فوجدتها قد كتبت اسمي على بياض ذلك الخدّ فقل في هذا أشياء، وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع، فسبقت عليًا على البديهة وقالت (٣): [من الطويل]
وكاتبة بالمسك في الخَدِّ جعفرا … بنفسي محط المِسْكِ مِنْ حَيثُ أَنَّرَا
لئن كتبت في الخدّ سَطْرًا بكَفِّها … لقد كتبت بالقلب في الحبِّ أَسْطُرا
فيامن للملوك ملك يمينِهِ … مُطِيعٌ له فيما أَسَرَّ وأَظْهَرا
стр. 3322
ويأمنُ مِنْها في المنيةِ جعفر … سقى اللهُ عهدًا من ثناياك جعفرا
وأنشدتها للمتوكل، فبقي علي بن الجهم واجمًا لا ينطق بحرف، وغنت عريب بهذه الأبيات.
وحدثني جعفر، قال: حدثني علي بن يحيى أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله، فصار لوصيف عدة فيهن محبوبة، فأصبح يومًا، وأمر بإحضار الجارية والجواري فأحضرن وعليهن أصناف الثياب والحلي، متزينات متعطرات، سوى محبوبة؛ فإنها جاءت شعثاء متسلبة عليها ثياب بيض فغنين، وطربن، وشرب وصيف وطرب، ثم قال المحبوبة: غنّي، فغنت على العود (١): [من مجزوء الخفيف]
أَيُّ عَيْش يطيب لي … لا أرى فيه جعفرا
مَلِكًا قَدْ رَأَتْهُ عيـ … ني صَرِيعًا مُعَفَّرَا
كل من كان ذا سا … م وحُزْنٍ قَدْ بَرا
غير محبوبة التي … لَوْ تَرَى المَوْتَ يُشْتَرَى
لاشترته بما حَوَتْ … ـهُ جَمِيعًا لتُقْبَرَا
فاشتد ذلك على وصيف، وهم بقتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعتقها وأطلقها حيث أحبت، فلم تزل متسلّبة حتى ماتت.
وحدثني جعفر قال: قال علي بن يحيى المنجم: غاضب المتوكل محبوبة، فاشتد عليه بعدها، ثم حسه يومًا، فحدّثني أنه رأى في النوم أنها صالحته ودعا له بخادم فقال له: اذهب، فاعرف لي خبرها، فمضى، وعاد، فأعلمه أنها جالسة تغني، فقال: ما ترى إلى هذه؟ أنا غضبان عليها وهي تغني، ثم قال: قم معي حتى نسمع ما تغني به، فقمنا حتى انتهينا إلى حجرتها، فإذا هي تغني (٢): [من المنسرح]
أدورُ في القصر لا أرى أحدًا … أَشكُو إليه ما يُكَلِّمُنِي
حتى كأني أتيتُ مَعْصِيةً … ليست لها تَوْبَةٌ تُخَلِّصُنِي
فَهَلْ لنا شافِعٌ إلى ملِكِ … قد زارني في الكَرَى فَصَالَحَنِي
حتَّى إذا ما الصباح لاحَ لنا … عاد إلى الهجرِ فَصَارَمَنِي
قال: وطرب المتوكل، فأحست به، فخرجت إليه، وخرجنا نتبادر، فأعلمته أنها رأته في النوم قد صالحها، وأنها صالحته في النوم، وقد صنعت تلك الأبيات، وغنت
стр. 3323
فيها، وحدّثها بما رأى، فتعجبنا جميعًا، واصطلحا، وأقاما يشربان يومهما.
ومنهم:
[١٢٤] أمل جارية قرين النَّخاس
أخذت من الأقمار غرتها، ولزت بالشمس، فكانت ضرتها. جاءت في غرة الشباب، وجالت من الحسن بجلباب، وأصبحت تترشقها النظرات، وتتشوقها في أوراقها النضرات، لو بدت للأيام، لجلت بكرها الوضاح، أو للبدر لتستر بالغمام خشية الافتضاح.
وحكى أبو حفص الشطرنجي (١). قال: قال لي صالح بن الرشيد (٢): إنَّ لقرين النخاس جارية شاعرة، فاعترضها وعرفني خبرها، فدخلت إلى قرين، فأخرج إلي جارية حسنة، ظريفة، حلوة المنطق، فقلت: ما اسمك؟ قالت: شيء إذا بلغته نلت المنتهى، قلت: إذًا أمل، فضحكت، فقلت يقول لك الأمين (٣): [من مجزوء الكامل]
اسأل المهيمن خالق الخـ … لق الكثير ورازقة
أنْ لا أَمُوتَ بغَصَّتي … يومًا وأَنتِ مُفارقة
فأخذت درجًا وكتبت (٤): [من مجزوء الكامل]
لا بل أراكِ وأنتِ لِي … مملوكةٌ ومُعانقَة
لو كنتُ أَعلمُ أَنَّ نفسكِ … في المحبَّةِ صَادِقَة
لَدَنُوتُ مِنْكِ ولوْ عَلَو … تِ إلى الجبال الشاهقة
стр. 3324
ولهان عندي قول سا … ع ناطق أَوْ ناطة
هل قولهم إلا جميـ … عًا فاسق أَوْ فَاسِقَه
وكذاك نحن فكان ما … ذا عاشقٌ مَعْ عاشِقَه
وقالت: ادفع هذا الجواب إلى الأمين، فأتيته بخبرها وجوابها، فسر به، أمر بابتياعها.
ومنهم:
[١٢٥] رابعة جارية إسحاق بن إبراهيم الموصلي
غراء تستنبز الأيام بصنعها فرعاء تستدم الليالي بفرعها، جيداء لا تلتفت إلى الغزال، غيداء لا تصلح إلا للأغزال، أجلب للعلة من السقم وأجلى من النعم المجلية لآثار النقم، مع سهم ضارب في الشعر والغناء، وخلائق تسام فيها للعلاء.
قال الأصفهاني: كان يقال: إنها أخت مخارق، ويقال: كانت صاحبتها نشأتا في موضع واحد شاعرة مولدة.
وقال: أخبرني جعفر بن قدامة، قال: أنشدني عبد الله بن طاهر لرابعة (١): [من مجزوء الكامل]
قل للأمير المُصْعَبِـ … ي أَخِي المكارم والمنن
والمشتري الحَمْدَ الرَّفِي … ـعَ بما يَجِلُّ مِنَ الثَّمَنْ
إنَّ المُدامَةَ بُكْرَةً … واشرب على الوَجْهِ الحَسَن
واغْنَم سرورك عاجلًا … مِنْ قَبْلِ أَحداثِ الزَّمَنْ
إن لمْ تَكُنْ فَطِنًا لما … قد قلتُ مِنْ هذا فَمَنْ؟ نْ
عيش الفتى شُرْبُ المُدا … م وترك ذاك مِنَ الغَبَنْ
وكتبت بها إلى إسحاق، فقال: لعمري إن ترك ما أشارت بغبن، واصطبح به أيامًا معها وغنت.
ومنهم:
[١٢٦] قاسم جارية ابن طرخان
ربيبة حجر، وحبيبة قلب، لا تروع بالهجر، لو أشارت إلى القمر المخسوف
стр. 3325
لانجلى، أو الشمس في الكسوف لأبرزتها تجتلى. ما خطرت والمسك مكتتم الأقاح، ولا سفرت إلا رأيت صفحات الصفاح، ولا نظرت إلا ذكت اللواعج، وأذكرت بالجبين إلى أوطانها النواعج.
قال الأصفهاني: حكى يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: دخل العباس بن الأحنف على قاسم جارية ابن طرخان، وكانت شاعرة مغنية، فقال لها: أجيزي هذا البيت (١): [من الكامل]
أَهْدَى لهُ أَحبابُهُ أُتْرُجَّةٌ … فبكى وأَشفَقَ مِنْ عِيافَةِ رَاجِرِ
فقالت بديها (٢): [من الكامل]
مُتَطَيْرًا لمَّا أَتَتْهُ لأَنَّها … لونان باطنُهُ مُخالِفُ ظَاهِرِ
ومنهم:
[١٢٧] مَهَا جارية عَرِيب
وكانت جارية تسفر كالقمر الطالع، وتظهر كالنجم ما فيه أمل لطالع، تجلى العقد الرائع، وتحكى الظبي الرائع، تربية مثل عريب وهل تلك، ومن جواريها الحسان ردة في سلك، وكانت تجيد الشعر وتغني، وتريد أمنية المتمني.
قال أبو الفرج الأصفهاني، قال سراع المالكي: كنت أهوى جارية لعريب يقال لها: مها، فكانت في غنائها أديبة شاعرة، فكان سبب عشقي لها أدبها وغناءها، وتعرضتها وقتًا، فكتبت إليها بيتًا قلته (٣): [من البسيط]
كيف احتيالي بنفسي أَنْتِ يَا أَمَلِي … فِي زَوْرَةٍ مِنْكِ قبلَ النَّومِ تُحييني
فوقعت في ظهرها (٤): [من البسيط]
أَنْفِذْ صِحَاحَكَ إِنَّ الشِّعْرَ مُفْسَدَةٌ … بِضاعَةُ الشِّعْرِ مِنْ نَقْدِ المَجَانِيْنِ
فبعتُ ضيعة لي بثلاثين ألف درهم، وأنفقتها عليها.
ومنهم:
стр. 3326
[١٢٨] بديعة (١) الكبرى جارية عريب
وكانت بديعة في الجمال، وسعة للآمال، إلى ضعة غريبة، ولفتات للظنون مريبة، وحركات من حركات عريب قريبة، حتى لأضحت بها تشبه المحسنات، وتنبه اللواحظ الوسنات، قام بها الحسن أتمّ القيام، وجلاها في صفة التمام.
قال الأصفهاني: كانت أحسن أهل دهرها وجهًا وغناءً، وقد ذكرت من أخبارها في كتاب القيان، وكانت تقول شعرًا ليس هو بمستحسن من مثلها.
وكان إسحاق التغلبي (٢) يهواها، وخبره معها مشهور، فلم تفكر فيه حتى التقيا بحضرة المعتصم، ثم عرفت مقداره، وأوصلته إلى وزارته؛ فحدثني عرفة وكيلها قال: لما رأى إسحاق بن أيوب بديعة، وسمع غناءها زاد عشقه بها، ومالت إليه بعد انحراف ونفار، وبغض له، وكانت تبعث بالشعر، فكتبت إليه (٣): [من الخفيف]
كيف أصبحت سيدي وأميري … عِشْتَ في نعمةٍ وحُبُورِ
عَلِمَ اللهُ كيف كان اغتباطي … ونعيمي وبهجتي وسروري
بلقاء الأميرِ لا عَدِمَتْ نَفْـ … ـسي وعَيْنِي لِقاءَهُ مِنْ أَميرِ
فلما أوصلتها، سُرّ بها سرورًا، وخلع علي خلعة نفيسة من ثيابه، ووصلني بثلاثمائة دينار، وبعث معي بهدايا إليها فيها ألف دينار مسيفة، قد أطبقت دينارين دينارين على غالية ودرج كبير من ذهب مملوء مسكًا وعنبرًا وندًا ومائة ثوب من ألوان الثياب وغيرها وكتب إليها (٤): [من الخفيف]
أنا في نعمة بقربكِ تَفْدِيـ … كِ حَيَاتِي مِنْ مُفْظِعاتِ الأُمُورِ
стр. 3327
بَلَغَتْ مُهْجَتِي بقُربِكِ مِنِّي … أَمَلِي كُلَّهُ وتَمَّ سُرُورِي
وَصَلَ اللهُ ذاكَ مَا عِشْنا … هـ وأَبْقَاكِ لِي بَقَاءَ الدُّهُورِ
وحدثني عرفة قال: لما قدم المعتضد من حرب وصيف، دخلت عليه بدعة، فقالت: يا مولاي شيبتك والله هذه السفرة، فقال: دون ما كنت فيه يُشيِّب، فقالت (١):
[من الخفيف]
إِنْ تَكُنْ شِبْتَ يا مَليكَ البَرَايا … لأُمُورِ عايَنْتَها وخُطُوبِ
فلَقَدْ زادك المشيبُ جَمَالًا … فالمشيب البادي كمال الأديب
فابْقَ أَضْعاف ما مَضَى لَكَ في عزّ … ومُلْكِ وخَفْضٍ عَيشِ رَيْبِ
فطرب المعتضد لها، وخلع عليها. وقال لها يومًا: يا بدعة أما ترين الشيب كيف اشتعل في لحيتي ورأسي فقالت: يا سيدي عمرك الله حتى ترى أولادك قد شابوا، فأنت والله في الشيب أحسن من القمر. وفكرت طويلًا ثم قالت هذه الأبيات، وغنت بها: [من المجتث]
ماضَرَّكَ الشَّيْبُ شيئًا … بلْ زِدْتَ فيه جمالا
قَدْ هَذبَتْكَ الليالي … وزِدْتَ فيه كالا
فعش لنا في سُرُورٍ … وانْعَم بعيشك بالا
تزيد في كل يوم … ولية إقالا
في نعمة وسرور … ودَوْلَةٍ تَتَعَالَى
فوصلها بصلات سنية من ثياب ومال وطيب كثير.
ومنهم:
[١٢٩] مثل جارية إبراهيم بن المُدَبَّر (٢)
جارية طالما غنت فأطربت، وسميت مثلًا، وما ضربت، طلبت الشعر،
стр. 3328
وخاضت لُجَجَ البحور، وأضاءت منه بالدُّرَر في النحور. فاقت في الجواري، وفاتت المجاري، وشَغَفت سيدها، وشَغِلت بضرب العود يدها حتى عدت الأضراب، وعدت في التراب الأتراب.
ذكرها صاحب كتاب الإماء (١).
قال الأصفهاني: حدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني إبراهيم بن المدبر، قال: اشتريت جارية شاعرة مدنية يقال لها: مثل، وقد تعالت سني، وكبرت؛ فلما كان الليل، خلوت بها، فأردتها، فلم تنهضني الشهوة، فخجلت منها، فقلت (٢): [من البسيط]
قدْ يُدْرِكُ المُتَمَنِّي بعض حاجتِهِ … وقد يكونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
فقالت مجيبة غير متوقفة بديها (٣): [من البسيط]
وربما فات بعض القومِ أَمرُهُمُ … معَ التأني وكلُّ الحَزْمِ لَوْ عَجِلُوا
فازداد والله خجلي منها، ثم علمت أنّ فيها ما في المدنيات من السبق وإن عجزوا عن بلوغ رجائها، فبعتها كارهًا غير راض.
[١٣٠] [نبت] (٤)
جارية نجور قدُّها المعتدل، وبحور الوهم به على المعتقل، يستنطق ألحاظها الجمود، ويشق نظرها القلوب قبل الجلود. يقل قضيبًا في نَقَا، وتقل صبر أهل التقى. البدر تحت خمارها إلا أنه غير جانح واللهب في وجناتها إلا أنه بين الجوانح. علقت المستوفر لسماعها، وحطّت رجال الركائب للإقامة بعد إزماعها، بحسن غناء ما أوتيته جارية، ولا وعته أذن إلا وأنهلت الدموع جارية.
قال الأصفهاني: كانت مغنية محسنة. وأخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: دخلت على نبت يومًا، وكانت حسنة الوجه والغناء فقلت (٥):
стр. 3329
[من البسيط]
يا نبتُ حُسْنُكِ يُغْنِي بَهْجَةَ القَمَرِ … قَدْ كادَ حُسْنُكَ أَنْ يبتزني بَصَرِي
ووقفت أنا فسبقتني هي فقالت (١): [من البسيط]
وطيبُ نَشْرِكَ مِثْلُ المسكِ قَدْ نَسَمَتْ … رَيَّا الرياض عليه في دُجى القَمَرِ
فنشط طبعي فقلت: [من البسيط]
فَهَلْ لنا مِنْكِ حظ في مواصلةٍ … أو لا فإنِّي رَاضِ مِنْكِ بالنَّظَرِ
فقمت من عندها محتشمًا من انقطاعي عن مساجلتها، ثم عرضت ذلك على المعتمد، فاشتراها، فامتحنها في الكتابة والغناء، فأرضته، وكان أول صوت غنته شعر عريب وصنعتها لعريب في المعتمد وهو (٢): [من الكامل]
سَنَةٌ وشَهْرُ قابِلٌ بِسُعُودِ
وقد مضت الأبيات في أخبار عريب، فأغنت عن إعادتها، فطرب المعتمد، وتبرك بما استفحت به، ثم قال لابن حمدون قارضها بشعر فقال (٣): [من مجزوء الرجز]
ووَهَبْتَ نَفْسَكَ لِلْهَوَى
فقال:
فَجَارَ لمَّا أَنْ مَلَك
فقال لها:
فَصِرْتُ عَبْدًا خاضعًا
فقالت:
يَسْلُكُ بِي حَيْثُ سَلَكْ
ومنهم:
[١٣١] [صاحب جارية ابن طرخان النخاس] (٤)
وكانت شاعرة مغنية، تنظم الشعر وتصنف مذهبه، وتفوق مذهبه، بما يسوغ
стр. 3330
الطرب، ويسول للنفس الأدب. هذا إلى جمال فتّان، وكمال تم فيه الحسن والإحسان، وكان ابن أبي أمية (١) يهواها هوًى يخالط صميمه، ويُخالل صبابته القديمة، فكتب إليها (٢): [من الكامل]
إِنِّي رَأَيْتُكِ في المنام كأَنَّما … عاطَيْتِنِي مِنْ رِيْقِ فيكِ البارد
وكأَنَّ كفَّكِ في يَدَيْ وَكأَنَّنا … بِتْنَا جَميعًا في فراش واحد
ثُمّ انتبهتُ ومُعضداكِ كِلَاهُما … بيدِي اليَمِينِ وفي يمينك ساعدي
قال: فأجابته (٣) [من الكامل]
خيرًا رَأَيْتَ وكُلَّما عانيتَهُ … ستنالُهُ مِنِّي بِراغم الحَاسِدِ
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تبيتَ مُعَانِقِي … وتَظَلَّ مِنِّي فَوْقَ ثَدْي ناهِدِ
ونَبِيْتَ أَنْعَمَ عاشقَينِ تَقَارَضًا … طَرَفَ الحديث بلا مخافة واحِدِ
[١٣٢] [جلنار]
جل نار منها الخدود، وجلنار ثمرة رمان النهود من مولدات الكوفة، وموليات العيون على القلوب المخوفة. شاعرة تأتي بالعجب، ومغنية ترى استقطاع هوى العشاق من بعض ما وجب.
قال عيسى بن الفاشي الكاتب: كانت لأخت راشد جارية يقال لها: جلنار وكانت مليحة الغناء، حسنة الشعر، فحدثني راشد (٤) أخو مولاتها، قال: عشقتها وهمت شغفًا بها، وعلمت أختي بذلك، فحجبتني عنها أشد حجاب، إلا بأن أبتاعها بحصتي من ضيعة ورثتها أنا وهي عن أبينا، وحلفت أن لا تبيعها إلا بذلك، فشاورت