[١٢٨] بديعة (١) الكبرى جارية عريب
وكانت بديعة في الجمال، وسعة للآمال، إلى ضعة غريبة، ولفتات للظنون مريبة، وحركات من حركات عريب قريبة، حتى لأضحت بها تشبه المحسنات، وتنبه اللواحظ الوسنات، قام بها الحسن أتمّ القيام، وجلاها في صفة التمام.
قال الأصفهاني: كانت أحسن أهل دهرها وجهًا وغناءً، وقد ذكرت من أخبارها في كتاب القيان، وكانت تقول شعرًا ليس هو بمستحسن من مثلها.
وكان إسحاق التغلبي (٢) يهواها، وخبره معها مشهور، فلم تفكر فيه حتى التقيا بحضرة المعتصم، ثم عرفت مقداره، وأوصلته إلى وزارته؛ فحدثني عرفة وكيلها قال: لما رأى إسحاق بن أيوب بديعة، وسمع غناءها زاد عشقه بها، ومالت إليه بعد انحراف ونفار، وبغض له، وكانت تبعث بالشعر، فكتبت إليه (٣): [من الخفيف]
كيف أصبحت سيدي وأميري … عِشْتَ في نعمةٍ وحُبُورِ
عَلِمَ اللهُ كيف كان اغتباطي … ونعيمي وبهجتي وسروري
بلقاء الأميرِ لا عَدِمَتْ نَفْـ … ـسي وعَيْنِي لِقاءَهُ مِنْ أَميرِ
فلما أوصلتها، سُرّ بها سرورًا، وخلع علي خلعة نفيسة من ثيابه، ووصلني بثلاثمائة دينار، وبعث معي بهدايا إليها فيها ألف دينار مسيفة، قد أطبقت دينارين دينارين على غالية ودرج كبير من ذهب مملوء مسكًا وعنبرًا وندًا ومائة ثوب من ألوان الثياب وغيرها وكتب إليها (٤): [من الخفيف]
أنا في نعمة بقربكِ تَفْدِيـ … كِ حَيَاتِي مِنْ مُفْظِعاتِ الأُمُورِ
стр. 3327
بَلَغَتْ مُهْجَتِي بقُربِكِ مِنِّي … أَمَلِي كُلَّهُ وتَمَّ سُرُورِي
وَصَلَ اللهُ ذاكَ مَا عِشْنا … هـ وأَبْقَاكِ لِي بَقَاءَ الدُّهُورِ
وحدثني عرفة قال: لما قدم المعتضد من حرب وصيف، دخلت عليه بدعة، فقالت: يا مولاي شيبتك والله هذه السفرة، فقال: دون ما كنت فيه يُشيِّب، فقالت (١):
[من الخفيف]
إِنْ تَكُنْ شِبْتَ يا مَليكَ البَرَايا … لأُمُورِ عايَنْتَها وخُطُوبِ
فلَقَدْ زادك المشيبُ جَمَالًا … فالمشيب البادي كمال الأديب
فابْقَ أَضْعاف ما مَضَى لَكَ في عزّ … ومُلْكِ وخَفْضٍ عَيشِ رَيْبِ
فطرب المعتضد لها، وخلع عليها. وقال لها يومًا: يا بدعة أما ترين الشيب كيف اشتعل في لحيتي ورأسي فقالت: يا سيدي عمرك الله حتى ترى أولادك قد شابوا، فأنت والله في الشيب أحسن من القمر. وفكرت طويلًا ثم قالت هذه الأبيات، وغنت بها: [من المجتث]
ماضَرَّكَ الشَّيْبُ شيئًا … بلْ زِدْتَ فيه جمالا
قَدْ هَذبَتْكَ الليالي … وزِدْتَ فيه كالا
فعش لنا في سُرُورٍ … وانْعَم بعيشك بالا
تزيد في كل يوم … ولية إقالا
في نعمة وسرور … ودَوْلَةٍ تَتَعَالَى
فوصلها بصلات سنية من ثياب ومال وطيب كثير.
ومنهم:
[١٢٩] مثل جارية إبراهيم بن المُدَبَّر (٢)
جارية طالما غنت فأطربت، وسميت مثلًا، وما ضربت، طلبت الشعر،
стр. 3328
وخاضت لُجَجَ البحور، وأضاءت منه بالدُّرَر في النحور. فاقت في الجواري، وفاتت المجاري، وشَغَفت سيدها، وشَغِلت بضرب العود يدها حتى عدت الأضراب، وعدت في التراب الأتراب.
ذكرها صاحب كتاب الإماء (١).
قال الأصفهاني: حدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني إبراهيم بن المدبر، قال: اشتريت جارية شاعرة مدنية يقال لها: مثل، وقد تعالت سني، وكبرت؛ فلما كان الليل، خلوت بها، فأردتها، فلم تنهضني الشهوة، فخجلت منها، فقلت (٢): [من البسيط]
قدْ يُدْرِكُ المُتَمَنِّي بعض حاجتِهِ … وقد يكونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
فقالت مجيبة غير متوقفة بديها (٣): [من البسيط]
وربما فات بعض القومِ أَمرُهُمُ … معَ التأني وكلُّ الحَزْمِ لَوْ عَجِلُوا
فازداد والله خجلي منها، ثم علمت أنّ فيها ما في المدنيات من السبق وإن عجزوا عن بلوغ رجائها، فبعتها كارهًا غير راض.
[١٣٠] [نبت] (٤)
جارية نجور قدُّها المعتدل، وبحور الوهم به على المعتقل، يستنطق ألحاظها الجمود، ويشق نظرها القلوب قبل الجلود. يقل قضيبًا في نَقَا، وتقل صبر أهل التقى. البدر تحت خمارها إلا أنه غير جانح واللهب في وجناتها إلا أنه بين الجوانح. علقت المستوفر لسماعها، وحطّت رجال الركائب للإقامة بعد إزماعها، بحسن غناء ما أوتيته جارية، ولا وعته أذن إلا وأنهلت الدموع جارية.
قال الأصفهاني: كانت مغنية محسنة. وأخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: دخلت على نبت يومًا، وكانت حسنة الوجه والغناء فقلت (٥):
стр. 3329
[من البسيط]
يا نبتُ حُسْنُكِ يُغْنِي بَهْجَةَ القَمَرِ … قَدْ كادَ حُسْنُكَ أَنْ يبتزني بَصَرِي
ووقفت أنا فسبقتني هي فقالت (١): [من البسيط]
وطيبُ نَشْرِكَ مِثْلُ المسكِ قَدْ نَسَمَتْ … رَيَّا الرياض عليه في دُجى القَمَرِ
فنشط طبعي فقلت: [من البسيط]
فَهَلْ لنا مِنْكِ حظ في مواصلةٍ … أو لا فإنِّي رَاضِ مِنْكِ بالنَّظَرِ
فقمت من عندها محتشمًا من انقطاعي عن مساجلتها، ثم عرضت ذلك على المعتمد، فاشتراها، فامتحنها في الكتابة والغناء، فأرضته، وكان أول صوت غنته شعر عريب وصنعتها لعريب في المعتمد وهو (٢): [من الكامل]
سَنَةٌ وشَهْرُ قابِلٌ بِسُعُودِ
وقد مضت الأبيات في أخبار عريب، فأغنت عن إعادتها، فطرب المعتمد، وتبرك بما استفحت به، ثم قال لابن حمدون قارضها بشعر فقال (٣): [من مجزوء الرجز]
ووَهَبْتَ نَفْسَكَ لِلْهَوَى
فقال:
فَجَارَ لمَّا أَنْ مَلَك
فقال لها:
فَصِرْتُ عَبْدًا خاضعًا
فقالت:
يَسْلُكُ بِي حَيْثُ سَلَكْ
ومنهم:
[١٣١] [صاحب جارية ابن طرخان النخاس] (٤)
وكانت شاعرة مغنية، تنظم الشعر وتصنف مذهبه، وتفوق مذهبه، بما يسوغ
стр. 3330
الطرب، ويسول للنفس الأدب. هذا إلى جمال فتّان، وكمال تم فيه الحسن والإحسان، وكان ابن أبي أمية (١) يهواها هوًى يخالط صميمه، ويُخالل صبابته القديمة، فكتب إليها (٢): [من الكامل]
إِنِّي رَأَيْتُكِ في المنام كأَنَّما … عاطَيْتِنِي مِنْ رِيْقِ فيكِ البارد
وكأَنَّ كفَّكِ في يَدَيْ وَكأَنَّنا … بِتْنَا جَميعًا في فراش واحد
ثُمّ انتبهتُ ومُعضداكِ كِلَاهُما … بيدِي اليَمِينِ وفي يمينك ساعدي
قال: فأجابته (٣) [من الكامل]
خيرًا رَأَيْتَ وكُلَّما عانيتَهُ … ستنالُهُ مِنِّي بِراغم الحَاسِدِ
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تبيتَ مُعَانِقِي … وتَظَلَّ مِنِّي فَوْقَ ثَدْي ناهِدِ
ونَبِيْتَ أَنْعَمَ عاشقَينِ تَقَارَضًا … طَرَفَ الحديث بلا مخافة واحِدِ
[١٣٢] [جلنار]
جل نار منها الخدود، وجلنار ثمرة رمان النهود من مولدات الكوفة، وموليات العيون على القلوب المخوفة. شاعرة تأتي بالعجب، ومغنية ترى استقطاع هوى العشاق من بعض ما وجب.
قال عيسى بن الفاشي الكاتب: كانت لأخت راشد جارية يقال لها: جلنار وكانت مليحة الغناء، حسنة الشعر، فحدثني راشد (٤) أخو مولاتها، قال: عشقتها وهمت شغفًا بها، وعلمت أختي بذلك، فحجبتني عنها أشد حجاب، إلا بأن أبتاعها بحصتي من ضيعة ورثتها أنا وهي عن أبينا، وحلفت أن لا تبيعها إلا بذلك، فشاورت
стр. 3331
ثقات إخواني، فعابوا هذا عليّ، ونهوني عن إتيان ذلك، وضننت أنا بالضيعة أن تخرج من يدي، ثم غلبني ما أجده، فقلت (١): [من المتقارب]
أَيُعذَلُ صَبٌ على وجْدِهِ … وقَدْ لَجَّ مَولاهُ في صَدِّهِ
وكيفَ أَرَى الصَّبْرَ عَمَّنْ أَرَى … دُنُوَّ المنِيَّةِ فِي بُعْدِهِ
غَزَالٌ يُنَبِّيكَ قَدَّ القَضِيْبِ … بِحُسْنِ الرَّشَاقَةِ مِنْ قَدِّهِ
إذا عُدِمَ الوَرْدُ في رَوْضَةٍ … فَلَم يُعدَمِ الوَرْدُ مِنْ خَدِّهِ
قال: وبلغني أن الجارية تتعجب من صبري عنها، ومن إيثاري الضيعة على نفسي في حبّها، وتقول: غدر بي، واختار ملكه عليّ. فأجبت أختي إلى ذلك مع الحصة، وتقرر الأمر بيننا، فكتبت إلى الجارية (٢): [من الكامل]
نَزَلَ الوِصَالُ بِسَاحَةِ الهَجْرِ … ومَحَا الوَفاءُ مَعَالِمَ الغَدْر
وغدا اللقاء عليهما بلوائِهِ … وعَلَيْهِ تَخْفِقُ رَايَةُ النَصْرِ
فكتبت إلي (٣): [من الكامل]
ما كانَ أَخْوَفَنِي مِنَ الهَجْرِ … حَتَّى كتَبْتَ إِلَيَّ بالعُذْرِ
فسَكَنْتُ مِنْكَ إِلى مُرَاجَعَةٍ … قَوِيَ الوِصال بها على الهَجْرِ
أَرْجُو وَفَاءك لي ويؤنِسُنِي … أَشياء تعرض منكَ في صَدْرِي
لا شَتَّتَ الرحمانُ شَمْلَ هوًى … متألفٍ مِنَّا على الدَّهْرِ
ثم اشتريتها، وصارت في ملكي، فما آثرت عليها أحدًا طول مقامها عندي، حتى ماتت.
ومنهن:
[١٣٣] خَنْسَاء البرمكية
وكانت لبعض آل يحيى بن خالد تزهى بها الأساور والقلائد. تفتك بلحظها، وتفتن بلفظها، مغنية تهز الجماد، وشاعرة لا تغترف من ثماد لو قيست ببنت عمرو بن الشريد لعرف من أي البحرين يلتقط الفريد.
стр. 3332
قال عمرو بن بانة: كان من جيراني رجل من البرامكة، وكانت له جارية أديبة مغنية يقال لها: خنساء، يدخل إليها الشعراء، فيقارضونها، ويسألونها عن المغاني، فتأتي بكل غريبة وبديعة، فدخل إليها يومًا سعيد بن وهب (١) فحدثها طويلًا.
ثم قال (٢): [من الهزج]
أبيني لي أيا خنسا … ءُ عَنْ خنس من الشعر
وماذا طوله شِبْرٌ … وَقَدْ يُوفِي على الشبر
له في رأسهِ شَقٌ … بِطَوْقٍ بالنَّدَى يَجْرِي
إذا ما جَفَّ لمْ يَنْفَعـ … كِ في بَرٌ ولا بَحْر
وإن بُلَّ أَتَى بالعَجَبِ … المُعْجِبِ والسِّحْرِ
وإني لمْ أَرِدْ فُحشًا … وَرَبِّ الشفع والوتر
ولكنْ صُغْتُ أبياتًا … حَوَت معنى مِنَ السِّر
قال: فغضب مولاها وتغيَّر لونه، وقال لسعيد: أتخاطب جاريتي بالفحش والخنا؟ فقالت الجارية: خفض عليك ما ذهب إلى ما ظننت وإنما يعني القلم. فسُرِّي عنه، وضحك سعيد، وقال: هي أعلم منك بما سمعت، فاحتبسه مولاها عنده يومه، فجعلت تغنيهم تارة، وتقارضهم تارة إلى أن سكروا.
قال عمرو: ثم لقيني مولاها، فسألته عن القصة، فحدثني بها، وأخرج إلي ابتداء سعيد وجوابها تحته وهي: [من الهزج]
أَبَا عُثمانَ حاجَيْتَ بما … قُلْتَ مِنَ الشَّعْرِ
فَتَاة ذلك الشعر … لها صافية الفكر
وفي ظاهره فحش … وليْسَ الفُحْش في الستر
أَرَدْتَ المُخطَفَ المُرهَفَ … إِذْ يَبْرِيهِ مَنْ يَبْرِي
وكتبت البرمكية على عصابتها: [من الطويل]
стр. 3333
ولا خَيْرَ في شكوى إلى غيرِ مُشْتَكِ … ولا بد من شَكْوَى إِذا لَمْ يَكُنْ صَبْرُ
وكانت جارية ماهرة، أديبة شاعرة، تأتي بكل غريب، وتبلغ ما لا يجرجر فيه بعنان، ولا يحدث عن عريب، صفراء من مولدات البصرة، نشأت حيث يرف النخيل، ويرق السلسبيل. وكانت فضل الشاعرة تهاجيها ولا تهيجها، ولا يكفي في الحسن ما ينشره يهيجها، وكان لكل واحدة منهما عصبة من شعراء الوقت يتعصبون لها، وهي لا تتقنع، ويعيبون لديها الأخرى، وما فيهم إلا من يتصنع.
حكى أحمد بن أبي طاهر: كانت فضل تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف، وكان أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي يعاون فضلًا الشاعرة على خنساء، ويهجوها على لسانها، وكان الحفصي والصعيدي يعاونان خنسا، فقال أبو الشبل فيها على لسان فضل (١): [من السريع]
خنْساءُ طِيرِي بجناحَيْنِ … أَصْبَحْتِ معشوقَةَ تَذْلَينِ
مَنْ كان يهوى صاحبًا واحدًا … فأَنْتِ رَهْنَّ بِهَوَى اثْنَيْنِ
هذا الصعيدي وهذا الفَتَى الـ … حَفْصِيُّ زَارَاكِ كَفَرْدَيْنِ
وكنتِ مِنْ هذا وهذا كما … يَنْعَمُ خِنْزِير بخنثين
فقالت خنساء (٢): [من السريع]
ماذا مقال لكِ يا فضلُ بَلْ … مقالُ خنزرن قردن دن
يُكْنى أبا الشَّمْلِ ولكنَّهُ … دَعَوْهُ بالكلبِ بنِ كَلْبَيْنِ
فقالت خنساء في فضل (٣): [من الطويل]
تقولُ لَهُ فَضْلٌ إذا ما تخوَّفَتْ … رُكُوبَ قبيح الذُّلِّ فِي طَلَبِ الوَصْلِ
حرام فتى لَمْ يَلْقَ في الحبِّ ذِلَّةٌ … فقلتُ لها: لا بَلْ حِرامٌ أَبِي الشِّبْلِ
ولها أيضًا فيهما أبيات (٤): [من الكامل]
رَكِبَ الفُحول على منانتها … فَتَمَرَّدَتْ كَتَمَرُّدِ الفَحْلِ
لمَّا كَنَيَت بما كنت بِهِ … وتسمت النقصان بالفَضْلِ
كادت بنا الدُّنيا تمدُّ ضحى … وترى السماء تَذُوبُ كالمُهْل
стр. 3334
فغضب أبو الشبل وهجا مولاها فقال (١): [من الخفيف]
نغم ساوى الغراب ببيت هشام … مُسْعِفٌ بالحَرَامِ أَهْلَ الحَرَامِ
مَنْ أَرَادَ المبيتَ يَبْغِي سِفاحًا … وينالُ المُرادَ تَحْتَ الظَّلامَ
فَهِشَامٌ يُبيحُهُ في دُجَى الليـ … ـل فتاةٌ تُدْعَى فَتَاةَ هِشَامَ
ذَاكَ حِرٌ دَوَاتُهُ لا تُعَرَّى أَبَدًا … مِنْ تَرَدُّدِ الأ الأقلام
وذكر أحمد بن الطيب: أنَّ أبا الشبل كان يهوى خنساء ثم هجاها، فهجرته، فعدل عنها إلى فضل الشاعرة.
ووعد أبو الشبل يومًا خنساء أن تزوره، وجاء مطر شديد منعها من زيارته فقال يذم المطر (٢): [من البسيط]
دع المواعيد لا تَعْرِضْ لِوِجْهَتِها … إِنَّ المَواعِيدَ مَقْرُونٌ بها المَطَرُ
فإنَّ المواعيد للأحباب قَدْ مُنِيَتْ … بِهِ بأَنكر ما يُمنى بِهِ البَشَرُ
كذا الثياب فلا يَغْرُرْكَ إِنْ غُسِلَتْ … صَحْو شديدٌ ولا شَمْسُ ولا قَمَرُ
وإن هممت بأن تلقاك زائرةً … فالغَيْثُ لا شَلَّ مَقْرُونٌ بِهِ السَّحَرُ
وكان سبب القطيعة بينهما أنه سكر عندها، فخاطبها مغلظًا لها في شيء، فقالت بما تدل على الناس بأكثر من شعرك. وأنه لغير طيب. والله لئن شئت، لأهجونك بما يبقى عليك عاره. فغضب، وقال فيها (٣): [من مخلع البسيط]
خنساء قد أَفْرَطت علينا … تَزْعُمُ أَنْ ليسَ لِي مُجير
تاهت بأشعارها وصالت … كأنّما ناكها جَرِيرُ
فخجلت ولم تجبه، وتقاطعا، وقيل بل قالت فيه مبتدئة (٤):
قُلْ لأبي الشِّبْلِ إِنْ أَتَاهُ … مُقذِعُ سَبِّ لَهُ مُجِيْرُ
ههات ما إِنْ لَهُ مُجِيْرٌ … ولا نَصِير ولا ظَهِيرُ
[ومنهم:
[١٣٤] خزامى جارية الطيط المغني] (٥) الملقب بالطيط
كانت حسنة الوجه والغناء، شاعرة بيوتها وثيقة البناء، وكان ابن المعتز يقدمها،
стр. 3335
ويثقف قناتها، ويقومها، ولا يخل باستدعائها، واستئمانها على خفايا السر، واسترعائها.
قال ابن المعتز: كانت خزامى جارية الطيط تألفني، وتنادمني وأنا حدث، ثم تابت من النبيذ، وكانت مغنية حسنة، شاعرة طريفة، نظيفة، فراسلتها مرارًا أستدعيها، فتأخرت، فكتبت إليها وأهديت لها وردًا (١): [من الطويل]
رأيتُكِ قد أَظْهَرْتِ زُهْدًا وتَوْبَة … فَقَدْ سَمَحَتْ مِنْ بَعْدِ تَوْبَتِكِ الخَمْرُ
فأَهْدَيْتُ وَرْدًا كي يُذَكِّرَ رِيحُهُ … لمنْ لمْ يُمَتِّعْنا ببهجَتِهِ الدَّهْرُ
فأجابتني تقول (٢): [من الطويل]
أتاني قَرِيضٌ يا أميري مُحَبَّرٌ … حكى ليَ نَظمَ الدُّرِّ فُصِّلَ بالشَّدْرِ
أَأَنْكَرْتَ يا ابن الأكرمينَ بأَنَّنِي … وقَدْ أَفْصَحَتْ لي أَلسُنُ الدَّهْرِ بالجرر
وآذَنَني شرح الشَّبابِ بِبَيْنِهِ … فيا ليتَ شِعْرِي بَعْدَ ذلكَ مَا عُذْرِي
قال: ومن شعرها (٣): [من مجزوء الرمل]
قُلْ لمن تاه علينا … وجفانا وتعاصى
نلْتَ والرحمان من قلـ … بي بالحُسنِ اختصاصا
فتوق اليوم في قلـ … بي أَنْ تَلْقَى قِصاصا
ومنهم:
[١٣٥] صدقة بن محمد (٤)
من أغنياء أهل الغناء، وأذكياء أصحاب الاعتناء.
ذكره ابن المستوفي في ترجمة البحراني النحوي قال: حدثني صدقة بن محمد الملحن قال: حضرت القاضي أبا حامد الشهرزوري، وقد صنعت لحنًا في أبيات
стр. 3336
البحراني: [من الرمل]
أيها البارق من وادي سَلَمْ … أَبسلمى لَكَ عِلْمٌ قُلْ: نَعَمْ
أَنْتَ لو لم تقتبس من وجهها … هذه الأنوار لمْ تَجْلُ الظُّلَمْ
فأرقنا بقلوب لمْ يُفَقْ … مِنْ هَواها وجُفُونَ لَمْ تَنَمْ
وتَوَلَّتْ ويَدي في كبدٍ … أَوْقِدَ الوَجْدُ عليها فاضطَرَمْ
قال: فجعل يهزه الطرب والارتياح، فيميل مثل النشوان مالت به الراح، ويقول: لمن هذا الشعر الذي دونه السحر؟ فقلت: لأبي عبد الله البحراني، فما زال يستعيده، ويكرره، ويوفيه في الإحسان حقه إلى أن تقوض المجلس عليه، وقمنا وبه ما يعلم الله من الشوق إليه، وهذا اللفظ لابن المستوفي.
ومنهم:
[١٣٦] الحسين بن الحسن بن أبي نصر بن منصور الدهان، زين الدين، أبو عبد الله الموصلي (١)
سابق يوم الرهان، وفائق عرف بكل وردة من الدهان. تنسب إليه محاسن من الأمور، وتقسم من زخرف بنائه بالسقف المرفوع، والبيت المعمور. يجني من أنعامه كل ذات كمام كأنها زهرة في دهانه، وثمرة غريبة من بدائع ألوانه، أتى بالبديع، وأجاد في نغمه ودهانه، فجاء في كل منهما بالصنيع وأبدع فيهما، فقيل: هذه البلابل غنّت، وهذه المصبغات ألوان فصل الربيع.
وكان عالمًا فاضلًا أديبًا حسن الأخلاق، لا يَمَلُّ جليسه محادثته، فريد عصره في
стр. 3337
صناعة الطرب، وعلم الموسيقى، وله فيه مصنف، وسمع منه ابن الغوطي وغيره.
ومن شعره: [من الطويل]
وحُلوِ اللَّمَى مُذْ عاينَ النَّمْلَ قَدْ بَدَتْ … لهُ زُمَرٌ تَبْغِي بِفِيْهِ جَنَى النَّحْلِ
غَدَا جاحدًا قتلي بسيفِ لحاظِهِ … ومِنْ حُمْرَةِ الخَدَّيْنِ لي شاهِدًا عَدْلِ
ومنه: [من الطويل]
رأيتُ حبيبي بُكْرَةً وهوَ مُعْرِضُ … فَسَمَّيْتُهُ فازور يرنو إلى الشرق
فا عاذلي كن عاذري فيهِ رَحْمَةً … فَقَدْ أَظْلَمَتْ مِنْ فَرْطِ هِجْرَانِهِ الطَّرْقُ
ومنه: [من الوافر]
ألا يا سادة ما زال قلبي … لِطُولِ فِرَاقِهِمْ فِي ضِيقِ سِجْنِ
وحق جميل ما أوليتموني … مِنَ الإحسان لمْ يُتْبَعْ بِمَنْ
إليه صادق أنّي إذا ما … ذكرتُكُمْ شَرِقْتُ بماءِ جَفْنِي
فَعَيْنِي مَا رَأَتْ حُسْنًا سِوَاكُمْ … وغيرُ حَدِيثَكُمْ ما راقَ أُذْنِي
فقَدْتُ لِطُولِ غَيبتِكُمْ سُرُوري … ومُذْ فارَقْتُكُمْ واصلتُ حُزني
نَدِمْتُ نَدَامَةَ الكُسَعِيّ لكن … عليأَوْقاتِكُمْ وَقَرَعْتُ سِنِّي
كفى حَزَنِي فِرَاقُكُمُ وحَسْبِي … بِشَوْقِي أَنَّهُ مَا انْفَكَ عَنِّي
ومنه ما يكتب على مقلمة: [من الكامل]
كُلُّ السيوف لها جفونٌ تُنْتَضَى … منها وإِنِّي جَفْنُ كُلِّ يَرَاعِ
واعلم بأن السعي للقلم الذي … لولاه خابَتْ للسيوفِ مَسَاعِي
ومنه: [من الرجز]
يا خالقي مِنْ نُطْفَةٍ مَهِينَةٍ … ومُوْجِدٍ مِنْ عَدَم مقدرتي
يا عُدَّتي في وَحْدَتي يا مُؤنسي … في وَحْدَتِي إِذا نَزَلْتُ حُفرتي
اغْفِرْ ذُنُوبي وتجاوَزْ كَرَمًا … عنى بعفو منكَ واكْشِفْ كُرْبَتِي
ولا تُؤَاخِذْ بذُنُوبِ سَلَفَتْ … لِشِقُوَتِي فَأَنْتَ أَهْلُ الرَّحْمَةِ
وعافني مِنْ مَرَضِي تَصَدُّقًا … وجُدْ على ضَعْفِي ورادد غُرْبَتِي
ومن أصواته ما رواه لي عنه الجمال المشرقي في الراست: [من مجزوء الخفيف]
ــا نار أسود قلبي … ونور أسود عيني
كُنْ راحمًا لمُحِب … اَباحَاكَ الأَسودَيْنِ
توفي يوم الجمعة سابع عشر رمضان سنة سبع وثمانين وستمائة، ودفن بالوردية
стр. 3338
شرقي دار السلام. وكان له اختصاص بالسلطان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.
[ومنهم:
[١٣٧] ياقوت المستعصمي] (١)
وهو الياقوت الذي لا يغلو به سعر، ولا يعرف الدر إن لم ينشد له شعر، بل هو الذي دونه ياقوت الخدود، ودر العقود، ووسائط القلائد. ولا أعني إلا قواعد النهود.
كتب فسلب، وشعر فخلب وغنّى فقيل من أين جاء إلى العراق من وادي سرنديب هذا الجلب.
وكان في الكنف المستعصمي يردّ طرف كل مبهوت، ويوفي حق كل خدمة لا تفوب، وتفرد بكل خاصة. يقول: [من الخفيف]
ألقِنِي في لظى فإِنْ أَحْرَقَتْنِي … فَتَيَقَّنْ أَنْ لستُ بالياقوت
ما تقدم لمناهلته إلا من تأخر، ولا لمباهاته إلا من قيل له هيهات يا عرض أغلى أفخر الجوهر يتكبر، ولا لمضاهاته إلا من صفا حمرة، وتكشف عنه الرماد، وتوقد وجمد. والياقوت يا قوت ما نقص ولا زاد. مجيد في الشعر والموسيقى والحظ. له
стр. 3339
الأدب الكامل والنحو المتقن. أخذ الأدب والنحو عن نجم الدين بن كبوش البصري.
ومن شعره: [من مجزوء الرجز]
بَدَا بِوَجْهِ يُخْجِلُ الشَّـ … ـمْسَ المُنِير المُشْرِقَة
في أُذُنِهِ لُؤْلُؤَةٌ … كأَنَّها والحَلَقَه
قداحةٌ في … وَرْدَةٍ بالياسَمِينِ مُلْحَقَهُ
وله: [من الهزج]
وحمام دَخَلْناه … وفيه قيم حاني
بأنواع مِنَ الخَدْ … مَةِ لا ألوى ولا واني
فَتَمرْيَخٌ بَمَعْرُوفٍ … وتسريح بإحْسَانِ
وله: [من الخفيف]
وَعَدَتْ أَنْ تَزُور ليلًا فَأَلوتُ … وَأَتَتْ بالنَّهارِ تسحب ذَيْلا
قلتُ: هَلًا صَدَقْتِ في الوعْدِ، قالت: … كيفَ صَدَّقْتَ أَنْ تَرَى الشَّمس ليلا
وكان هو وظهير الدين بن محاسن في زيارة كمال الدين عم ظهير الدين المذكور وانتبها وقد برد، فقال: [من البسيط]
جاءَ الشتاء بِبَرْدٍ لا مَرَدَّ لَهُ … ولمْ يُطِقْ حَجَرٌ قاسٍ يُقاسِيهِ
لا الكأس عندي ولا الكانُونُ متقدًا … كِنِّي ظَلَامِي وَكِيسِي قُلَّ مَا فِيهِ
دَعِ الكَبَابَ وخَلَّ الكيس واأسفا … على كِسَاءٍ تَغَطَّى في دياجيهِ
فأعطاه ظهير الدين فروة سمور كانت لابن عمته الكمال؛ فلما سمع الكمال بالأبيات أعطاه عمامة دمياطية ومائة دينار.
ومنهم:
[١٣٨] عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر الأرموي، صفي الدين، أبو الفضائل (١)
مؤلف ضروب أشتات، ومصنف نوب يجمع عليها شتات، خدم الخلافة زمنًا،
стр. 3340
وأخذ الدنيا لأنفاسه ثمنًا، وبلغ من علم الموسيقى مبلغًا ضمّ له ضمن لحده سائب، وحاق به لإسحاق أن يظهر المعائب لو سمعته الوحوش الشوارد لأنِسَتْ، وأوعته لما نبست، وأغنى في واقعة هولاكو بما منح من حسن التدبير، وعن اللفظ في المقادير، بالتلطف مع من أتيحت له لأيدي النهب محلته، وتعتعت له بسنابك الركض حلته، لكنما القدرة أذهبت الحفيظة، وبردت حرق الصدر المغيظة، ثم كان هذا سببًا له إلى هولاكو كواجب به صلته وأوجز منه صلته.
ذكر الشيخ أبو الخير سعيد الذهلي وملخص ما قال: ورد بغداد في زمن المستعصم أبي أحمد، ونزل في رباط ابن النيار، وكتب له مصحفًا بخط منسوب، ووصل إلى المستعصم، فتعرف إليه به، وجعل من الملازمين الباب، يكتب المصاحف، ويعمم أولاد المستعصم، ثم بلغ عنده ما لم ينله عنده أحد من المقربين، وكان ابن سيدانا اليهودي كاتبه، وكان مقصوده منه أن يغنيه في علم الحساب؛ لتقسيم أجزاء الموصلي، ولم يلزم بيده دينارًا، ولا درهمًا. وكان خرجه في سنة واحدة كما ذكر ابن سيدانا ثلاثمائة ألف دينار عوالًا، وكانت له معرفة بسائر العلوم، يغلب عليه الحكميات والرياضيات، وبلغ من الموسيقى ما لم يبلغه أحد من المتأخرين.
وصنّف في عملياته كثيرًا. حفظ له الناس ثلاثين ومائة نوبة، ولم يكن نكتة عويصة إلا وصنّف فيها نوبة مذكورة متداولة بين الناس.
وصنف كتابين في علم الموسيقى أحدهما: («الشرفية») (١) باسم الصاحب شرف
стр. 3341
الدين هارون بن الوزير شمس الدين الجويني، والكتاب الآخر يسمى «الأدوار» (١) وله النظم الرائق، والخط الفائق.
وكان مليح الشكل، عذب الأخلاق، ذا مروءة، وقوة، وكرم نفس، ظريف، لطيف، وكتب عليه ياقوت المستعصمي وابن السهروردي، واشتغل عليه في علم الموسيقى في جماعة من الأعيان.
قال: ومن كتابته السطر الطومار الذي على بركة جامع الكوفة التي عمرها الصاحب علاء الدين الجويني، وكتب درجا للسلطان هولاكو، فأعجبه، ثم وقع ذلك الدرج في يد من عرضه للبيع، فاشتراه بمائة دينار عوال، وفوض هولاكو إليه نظر الأوقاف بجميع العراق وصدرتها، وعظم عند الناس بمنزلة هولاكو.
стр. 3342
ثم توصل خواجا نصير الدين الطوسي بالجوينيين وابتاع منهم صدرية الوقف بسبعين ألف دينار رابحًا، وبأن على الأئمة وأهل الأوقاف فقده؛ لأنه كان محسنًا إليهم، بخلاف من ولي بعده.
ومن شعره: [من الطويل]
لحُسْنِكَ مِنْ كُلِّ العُيُونِ نَصِيبٌ … وأَنْتَ إلى كُلِّ القُلوبِ حَبِيبُ
ومن شعره أيضًا: [من الوافر]
أُلاقي في سُهادِيَ ما أُلَاقِي … وأَنْتُمْ في الكَرى ملء الماقي
ومن شعره أيضًا: [من الخفيف]
يا حياةَ النُّفُوسِ يا مُشْتَهاها … أَنْتَ للعاشقينَ أَقْصَى مُنَاها
قال الذهلي: وصنف عليه قولًا في العشاق طويلًا.
ومن شعره أيضًا: [من الكامل]
هل للمعنى الهائِمِ المُضْنَى الصَّدِي … مِنْ رَاحِمِ أَوْ مُسِعِدٍ أَوْ مُنْجِدِ
عَرَفَ الهَوَى وتَلَطَّفَتْ أَسْرَارُهُ … فَرَثَى ورَقَّ تَوَجُّعًا للمُكْمَدِ
يَصْبُو لِبَثْ جوّى يكادُ زَفِيرُهُ … لولا الرجاء لدى صُمُّ الجَلْمَدِ
ليس الوَدُودُ فتًى يَوَدُّكَ يَوْمَهُ … حَتَّى إِذا اسْتَغَنَى يَمَلّكَ فِي غَدِ
بلْ إِنَّمَا الخِلُّ الوَدُودُ فَتًى إذا … قَعَدَ الزمانُ بصاحِبِ لَمْ يَقْعُدِ
قال الذهلي: وسمع من نظمه جماعة منهم الإمام علي بن سعيد المغربي قديمًا ببغداد. وتوفي في يوم الأربعاء ثامن عشري صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
وحدثني الجمال المشرقي عنه، وذكر عدّة أصوات له، فمنها في شعر
المتنبي (١): [من الكامل]
اليومَ مَوعِدُكُمْ فأَيْنَ المَوْعِدُ … هَيْهاتَ ليس ليومِ مَوعِدِكُمْ غَدُ
والغناء فيه في الزوكند.
وفي هذا البيت: [من الطويل]
لحُسْنِكَ مِنْ كُلِّ القُلُوبِ نَصِيبُ … وأَنْتَ إلى كُلِّ القُلُوبِ حَبِيبُ
والغناء فيه في المحير من النيروز.
وفي هذا البيت: [من الطويل]
стр. 3343
فُؤادٌ بِنارِ الوَجْدِ والنارُ تَحْرِقُ … وَجَفْنُ بِأَمْوَاجِ المَدَامِعِ مُغْرَقُ
والغناء فيه من الراست.
وفي هذا البيت من الزنكلا: [من الكامل]
اصْنَعْ جَمِيلًا ما اسْتَطَعْتَ لأَنَّهُ … لا بُدَّ أَنْ يتحدثَ السُمَّارُ
قال الجمال المشرقي: ولي في المعنى: [من الكامل]
اعْدِلْ إلى فِعْلِ المَكَارِمِ والعُلَا … إِنَّ المكارم للعُلَا أَنْصارُ
وذكر العز حسن الإربلي في تاريخه. قال: جلست مع عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية، وجرى ذكر واقعة بغداد، فأخبرني أن هولاكو طلب رؤساء البلد وعرفاه، وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها، وبيوت ذوي يسارها على أمراء دولته، فقسموها، وجعلوا كل محلة، أو محلتين، أو سوقين باسم أمير كبير، فوقع الدرب الذي كنت أسكنه في حصة أمير مقدم عشرة آلاف فارس اسمه بانوانوين، وكان هولاكو رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر، وينهب مدّة ثلاثة أيام، ولبعضهم يومين، ولبعضهم يوم واحد على حسب طبقاتهم؛ فلما دخل الأمراء إلى بغداد أول درب، جاء إليه الدرب الذي أنا ساكنه، وكان قد اجتمع إليه خلق كثير من ذوي اليسار، واجتمع عندي نحو خمسين جوقة من أعيان المغاني من ذوي المال والجمال، فوقت بانوانوين على باب الدرب، وهو مدبس بالأخشاب والتراب، فطرقوا الباب، وقالوا: افتحوا لنا الباب، وادخلوا في الطاعة، ولكم الأمان وإلا أحرقنا الباب، وقتلناكم، ومعه الزراقون، والنجارون، وأصحابه بالسلاح.
قال عبد المؤمن: السمع والطاعة أنا أخرج إليه، ففتحت الباب، وخرجت إليه وحدي وعلي أثياب وسخة، وأنا أنتظر الموت، فقبلت الأرض بين يديه، فقال للترجمان: قل له من أنت؟ كبير هذا القوم الذي في الدرب؟ قلت: نعم، فقال: إن أردتم السلامة من الموت، فاحملوا إلينا كذا وكذا، وطلب شيئًا كثيرًا، فقبلت الأرض مرّة ثانية، وقلت: كلَّما طلب الأمير يحضر، وقد صار كل من في هذا الدرب بحكمك، فمر جيوشك ينهبون باقي الدروب المعنية، وانزل حتى أضيفك، ومن تريد من خواصك، فاجمع لك كل ما طلبت، فشاور أصحابه، ونزل في نحو ثلاثين رجلان فأتيت به داري، وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة والستور المطرزة بالزركش، وأحضرت له في الحال أطعمة قلايا وشوايا وحلوى، وأكلت بين يديه ششني؛ فلما فرغ من الأكل عملت له مجلسًا ملوكيًا، وأحضرت له الأواني المذهبة من الزجاج الحلبي، وأواني فضة فيها شراب مروّق؛ فلما دارت الأقداح، وسكر قليلًا، أحضرت عشر جوق
стр. 3344
مغاني كلهم نساء، كل جوقة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى، وأمرتهم، فغنوا كلهم على شأن واحد، فأرتج المجلس، وطرب وانبسطت نفسه، وضم واحدة من المغنيات أعجبته، فواقعها في المجلس، ونحن نشاهده، وتم يومه في غاية الطيبة؛ فلما كان وقت العصر، حضر أصحابه بالنهب والسبايا، قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفًا جليلة من أواني الذهب والفضة، ومن النقد والذهب، ومن الأقمشة الفاخرة شيئًا كثيرًا سوى العليق، وهبات العوانية الذين كانوا بين يديه، واعتذرت من التقصير، وقلت جاء الأمير على غفلة، لكن غدًا إن شاء الله أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه، فركب وقبلت ركابه، ورجعت فجمعت أهل الدرب من اليسارة وقلت لهم: انظروا لأنفسكم هذا الرجل غدًا عندي وكذا بعد غد، وكل يوم أريد أضعاف اليوم المتقدم، فجمعوا لي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني فرأى ما أذهله.
وجاء في هذا اليوم، ومعه نساؤه، فقدمت إليه ولنسائه من الذخائر والذهب والنقد ما قيمته عشرون ألف دينار.
وقدمت له في اليوم الثالث لآلئ نفيسة، وجواهر ثمينة، وبغلة جليلة بآلات خليفية، فقلت: هذه مراكب الخليفة، وقدمت لجميع من معه، وقلت: هذا الدرب قد صار يحكمك، فإن تصدقت على أهله بأرواحهم، فيكون له وجه أبيض عند الله، وعند الناس، فما بقي عندهم سوى أرواحهم، فقال: قد عرفت ذلك. ومن أول يوم وهبتهم أرواحهم، وما حدثتني نفسي بقتلهم، ولا سبيهم، لكن أنت تجهز معي قبل كل شيء إلى حضرة القان، فقد ذكرتك له، وقدمت له شيئًا من المستطرفات التي قدمتها لي، فأعجبته، ورسم بحضورك. فخفت على نفسي، وعلى أهل الدرب، وقلت: هذا يخرجني إلى خارج بغداد، ويقتلني، وينهب الدرب، فظهر علي الخوف، وقلت: يا خوند، هولاكو ملك كبير، وأنا رجل حقير مُغنّ أخشى منه ومن هيبته، فقال: لا تخف ما يصيبك إلا الخير؛ فإنه رجل يحب أهل الفضائل، فقلت: أنا في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه؟ قال: نعم، فقلت لأهل الدرب: هاتوا ما عندكم من النفائس، فأتوني بكل ما يقدرون عليه من المغنيات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة.
وهيأت من عندي ماكل كثيرة طيبة، وشرابًا كثيرا عتيقًا فائقًا، وأواني فاخرة كلها من الذهب والفضة المنقوشة، وأخذت معي ثلاثة جوق مغاني من أجمل من كان عندي وأتقنهن للضرب ولبست بدلة من القماش الخليفي، وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت إلى الخليفة، فلما رآني بانوا نوين بهذه الحالة، قال لي: أنت وزير، قلت: بل
стр. 3345
أنا مغني الخليفة ونديمه، لكن لما خفت منك، لبست هذا الثوب المقطع الوسخ، ولما صرت من رعيتك، أظهرت نعمتي وأمنت. وهذا الملك هولاكو ملك عظيم، وهو أعظم من الخليفة، فما ينبغي أدخل عليه إلا بالحشمة والوقار.
فأعجبه مني هذا، وخرجت معه إلى مخيم هولاكو، فدخل عليه، وأدخلني معه، وقال لهولاكو: هذا الرجل الذي ذكرته، وأشار إليّ؛ فلما وقعت عين هولاكو علي قبلت الأرض، وجلست على ركبتي، كما هو من عادة التتار، فقال له بانواين، هذا كان مغني الخليفة، وقد فعل معي كذا وكذا، وقد أتاك بهدية، فقال: أقيموه، فأقاموني، فقبلت الأرض مرة ثانية، ودعوت له، وقدمت له ولخواصه الهدايا التي كانت معي، فكلما قدمت شيئًا، سأل عنه، ثم يفرقه، ثم فعل بالمأكول كذلك، ثم قال لي: أنت كنت مغني الخليفة؟، فقلت: نعم، فقال: أيش أجود ما تعرف في علم الطرب؟ فقلت: أحسن أن أغنّي غناء إذا سمعه الإنسان ينام، قال: فغنّ لي الساعة حتى أنام، فندمت، وقلت إن غنيت له، ولم ينم، قال: هذا كذاب، وربما قتلني، ولا بد لي من الخلاص منها بحيلة، فقلت: يا خوند الطرب بأوتار العود لا يطيب إلا على شرب الخمر، ولا بأس أن يشرب الملك قدحين ثلاثة حتى يقع الطرب في موقعه.
فقال: أنا ما لي في الخمر رغبة؛ لأنه يشغلني عن مصالح ملكي، ولقد أعجبني من نبيكم تحريمه، ثم شرب ثلاثة أقداح كبار؛ فلما احمر وجهه، أخذت منه دستورًا، وغنيته، وكان معي مغنية اسمها صبا لم يكن في بغداد أحسن منها صورة، ولا أطيب صوتًا، فأصلحت أنغام العود على أنغام وضربة جالبة للنوم مع زم رخيم الصوت وغنيت فلم أتم النوبة، حتى رأيته قد نعس فقطعت الغناء بغتة وقويت ضرب الأوتار، فانتبه، فقبلت الأرض، وقلت أنام الملك؟ فقال: صدقت نمت تمن علي، فقلت: أتمنى على الملك أن يطلق لي السميكة، قال: وأيّ السميكة شيء هو؟ قلت: بستان كان للخليفة، فتبسم، وقال لأصحابه: هذا مسكين مغنّ قصير الهمة، وقال للترجمان: لم لا تمنيت قلعة أو مدينة أيش هو بستان؟ فقبلت الأرض، وقلت: يا ملك هذا البستان يكفي، وأنا ما يجيء مني صاحب قلعة، ولا مدينة، فرسم لي بالبستان، وبجميع ما كان لي من المراتب أيام الخلافة، وزادني علوفه تشتمل على خبز ولحم وعليق دواب يساوي دينارين، وكتب لي بذلك فرمانًا مكمل العلائم، وخرجت من بين يديه، وأخذ لي بانواين منه أميرًا بخمسين فارسًا، ومعهم علم أسود هو كان علم هولاكو الخاص به برسم حماية دربي، فجلس الأمير على باب الدرب، وذهب العلم الأسود على أعلى باب الدرب، فبقي الأمر كذلك إلى أن رحل هولاكو عن بغداد.
стр. 3346
قال الإربلي: فكم نابك في النائبة من المغارم؟.
قال: أكثر من ستين ألف دينار ذهب أكثرها ممن كان انزوى إلى دربي من ذوي اليسار، والباقي من نعم موفرة كانت عندي من صدقات الخليفة.
فسألته عن المرتب والبستان قال: أخذه مني أولاد الخليفة، وقالوا: هذه إرثنا من أبينا، والعلوفة قطعها عني الصاحب شمس الدين الجويني وعوضني عنها، وعن البستان ستين ألف درهم.
ومنهم:
[١٣٩] لحاظ المغنية
سحرت فقيل لحاظ، وملأت نفس كل عاشق فغاظ، طالما تجلت فجلت الهموم، وغنت فاقتادت القلب المزموم، وبرزت فتنة للأنام، ومحنة للمستهام إلا أنها لو تقدمت زمانًا، كما لو أنها تقدمت افتنانًا. لأرخصت دنانير، وصرفت عنانا، وأعربت بما لم تدع لعريب امتنانا كانت تلازم مجلس الغناء عند الخليفة المستعصم، وكان يعجبه غناؤها.
قال صفي الدين بن عبد العزيز: حدثتني لحاظ قالت: داعبني الخليفة - يعني المستعصم - يومًا، ونحن في خلوة مداعبة. ظننت أنه يريد مني بعض الأمر، فظهر له مني ما يدل على الإجابة، فتوقّر، وغضب، وقال: ويلك أظننت أني جاد؟ وهل ترين إلا المزاح؟ نعوذ بالله من المعصية!!
قال عبد المؤمن: كان ببغداد رجل يقال له ابن معمر، وكان ناظر ديوان المكوس، وكان يسكن الكرخ، وكان يحمل إليه في كل شهر خمسمائة دينار وانطوى ذلك عن الخليفة، ففي بعض الأيام حضرت لحاظ على عاتقها بين يدي الخليفة مع جماعة من المغنين، فغنت بأبيات أولها: [من الخفيف]
ذَكَرَ الكَرخُ نازحَ الأوطانِ … فاستهلتْ مَدامعُ الأجفانِ
فقال بعض الحاضرين من المغنين: كيف لا يذكر الكرخ من يصل إليه في كل شهر خمسمائة دينار، فسأل الخليفة عن القصة، فأخبروه بالحال، فأمر بنفي المغنية، فنفيت، وعزل ابن معمر عن ولايته، وما زالت تستصفى أمواله (١).
стр. 3347
ومنهم:
[١٤٠] الثوبي
صاحب الأرمال واسمه …
ومن أصواته قوله والشعر له والغناء في السّيكاه: [من الطويل]
أَيَجمُلُ مِنْ بَعْدِ الوِصالِ صُدُودُ … وتُنْسَى مواثيق لنا وعُهُودُ
ويُجْحَدُ ما بيني وبينك في الهَوَى … وَلِيْ مِنْ ضَنَى جِسْمِي عليكَ شُهُودُ
ورُوْحِي نأت يومًا نَأَيْتُمْ وأَقْسَمَتْ … يمينًا بكُمْ إِنْ عُدْتُمُ سَتَعُودُ
ومها أيضًا له والشعر والغناء في السبكاء: [من الوافر]
عَلِيلُ الشَّوْقِ فِيْكِ مَتَى يَصِحُ … وسَكْرَانُ بحُبِّكِ كيفَ يَصْحُو
وأَعْجَبُ أَنْ يكونَ لَهُ شِفَاءٌ … فُؤادٌ مِنْ لِحاظِكَ فيهِ جُرْحُ
وبين القَلْبِ والسُّلْوانِ حَرْبٌ … وبينَ الجَفْنِ والعَبَرَاتِ صُلْحُ
مَزَحْتُ بحبِّكُمْ يا صاحِ جَهْلًا … وكمْ جَلَبَ السَّقامُ عَليَّ مَنْحُ
ومنهم:
[١٤١] الخَرُوف
من ندماء الملك المنصور صاحب جماعته ومغانيه، وأهل الحظوة الذي لم يكن فيها أحد يدانيه والبخت الذي أدناه من صاحب التخت لبلوغ أمانيه، وكان من نجوم مجلسه الطالعة، وغصون حضرته اليانعة وجلساء مدامه، وأخصاء ندامه، وكان سرى الخلائق، يدمث عطف النسيم، وبعث النشوة في شمائل النديم، أصله من مدينة زرع، وقدم دمشق وبرع، وعدّى المنتهين في الغناء من أول ما شرع، وكان جلاء البصر، وسراج هم الخاطر إذا انحصر، خدم البيت الأيوبي، واقتاد بهم الحظ الأبي.
ومن أصواته (١): [من الوافر]
إِنْ غَاضَ دَمعُكَ والرِّكابُ تُساقُ … مَعَ ما بقلبك فهوَ مِنْكَ نِفاقُ
لا تَحْبِسَنْ ماءَ الجُفُونِ فَإِنَّهُ … لكَ يا لَدِيْغَ هَوَاهُمُ دِرْياقُ
стр. 3348
واحْذَرْ مُصاحَبَةَ العَذُولِ فَإِنَّهُ … مُغْرٍ وظاهرُ عَدْلِهِ إِشْفَاقُ
لا يَبْعُدَنْ زَمَنْ مَضَتْ أَيَّامُهُ … وعلى مُتُونِ غُصُونِها أَوْرَاقُ
أَيَّامَ نَرْجِسُنا العُيُونُ وَوَرْدُنا … غَضُّ الخُدُودِ وَخَمْرُنَا الأَرْياقُ
فلئِنْ بَكَتْ عَيْنِي وما شَوْقي إلى … ذاكَ الزَّمانِ فَمِثْلُهُ يُشْتَاقُ
والشعر للشريف البياضي (١).
وحكى لي أبو جعفر بن غانم أنه حضر مجلس صاحب حماة، وهو مخيم ببارين في زمن الربيع، وقد أطلع بدائع النوار وتجلّى بشوائع الأنهار، والروض قد فك عنه حجر الغمام، والنسيم قد مشى في جوانبه مُسبل الأكمام، وأمر بالمغاني فأحضروا فيهم باسر يلوح بكلح، ولبه ذاهب كأنه ما جاء ليغني، وإنما قد قدم الخروف، ووجهه ليذبح، فقال له: ما هذا الذي أراه بك؟ أهذا لمفارقة حماة أم لشيء لدينا تتحاماه؟، أما تنظر إلى فسيح هذا الفضاء، وإلى هذا الجو، وقدّموه بالفضة البيضاء، والخروف مطرق كأنه يرى السكين في يد الذابح والنار تشبُّ في زناد القادح لهوى كان عقده بحماة جديدًا، وفارقه وإن لم يكن النوى رمت به مكانًا بعيدًا، ثم لم يطل به السكوت ولا يتمادى لسانه في اعتقاد الصموت حتى اندفع يغني صوتًا عمله لوقته، ونطق به وخرج من عهدة صمته، وهو: [من الكامل]
قسمًا يأيَّامِ التَّدَانِي ولذَّةِ الـ … وِصَالِ وإنِّي في يميني صادق
ما سرَّ قَلْبِي مُذْ نَأَيْتِ َولا حَلَا … لِي العَيْسُ واللذَّاتُ مِنِّي طالق
وإني أرى هذا الفضاء الذي أرى … فَسِيحًا علينا بعدَكُمْ مُتَضَايِقُ
ما سرَّ قَلبي الرَّوضُ يَزْهُرُ حُسْنُهُ … وأنّى كُفِيتُمْ عاشق ومُفارِقُ
فطرب صاحب حماة حتى مال، وسأله أن يطلعه على حقيقة ما قال: فقص عليه خبره مع سجنه، وما جلبه فراقها عليه من حزنه، وسأله لمن الشعر؟ فقال: والله لا أعرف ولكنه شيء أحفظه؛ فلما عاينت من نكيرك الموت جاء على
стр. 3349
خاطري، فصنعت فيه هذا الصوت. فقال: والله حسن جميل ما صنعت، وإن مساعدتك لسعين، ثم أصبح، فقوض خيامه عائدا، ثم دام له على هواه مساعدا، ثم أمر له بصلة سنية وزاد في راتبه.
وحكي: إن صاحب حماة جلس ليلة على نهر العاصي، والقمر مبدر، والليل قد أصحر أسده المخدر، والمجرة قد كاثرت المجلس بأكوابها، والظلماء قد لعبت أشعة البدر بأثوابها، والصهباء قد ذهبت شح الظلام، والأبارق قد شبت شعل ذلك الضرام، فاستدعى في ذلك المجلس الأسنى واقترح عليه صوتا فيه (١): [من البسيط]
قُم فانتَصِفْ مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ والنُّوبِ … واجمع بكأسِكَ [شَملَ] اللهو والطَّرَبِ
أما تَرَى الليل قد قامت عساكِرُهُ … في الشَّوْقِ يَنْشُرُ أَعْلَامًا مِنَ الذَّهَبِ
والجو يختال في حُجْبٍ مُمَسَّكَةِ … كَأَنَّما البرقُ فيها قَلْبُ ذِي رُعب
فاخلع عِذَارَكَ واشْرَبْ قهوةً مُزِجَتْ … بقهوةِ الرِّيقَةِ المَعْسُولَةِ الشَّنَبِ
والشعر للسري الرفاء.
ومن أصواته المشهورة: [من الطويل]
تُرَى عَلِمَتْ وجْدِي بها رَبَّةُ الخَالِ … وَمَنْ قلبها مِنْ شُغْلِ قَلْبي بها خالي
ومَنْ أَنا صَبُّ في هَوَاهَا مُتَيَّمٌ … وما كنتُ منها قط يومًا على بال
تَنَوَّرْتُها كالبدر أدنى مَزَارِها … فُؤَادي وما أَدْناه لي المنظر العالي
والشعر لشيخنا أبي الثناء محمود الحلبي (٢).
стр. 3350
وكذلك من أصواته (١): [من الطويل]
أَقُولُ وقد ناحَتْ بِقُرْبِي حَمَامَةٌ … أَيا جَارَتا هَلْ باتَ حَالُكِ حَالي
مَعَاذَ الهَوَى ما ذُقْتِ طارِقَةَ النَّوَى … ولا خَطَرَتْ مِنْكِ الهُمُومُ ببال
أَيَحْمِلُ مَخْزُونَ الفُؤادِ قوادِمٌ … على غُصْنِ بان في المسافة عالي
أيا جارتا ما أَنْصَفَ الدَّهْرُ بيننا … تَعَالَي أُقاسِمْكِ الهُمُوم تَعَالِي
تَعَالَي تَرَيْ رُوحًا لديَّ ضعيفةٌ … تَرَدَّدُ في جسم يُعذَّبُ بالي
لقد كنتُ أَوْلَى مِنْكِ بالدَّمعِ مُقْلَةٌ … ولكن دَمْعِي في الشَّدائِدِ غالي
والشعر لأبي فراس الحمداني.
وحكى أنه كان يومًا بين يديه في خاصة من ندمائه إذ أقبل غلام كالبدر في سمائه قد شد وسطه ببند قطع بين خصره وردفه، ومنع بين الواصف ووصفه، وطرفه قد سجا، وغرته تحت طرّته صبح في دجى، وعذاره في خدّه قد شق في الورد بنفسجا، فجاء حتى وقف بإزائه، والوجد به قد أضرم الجوانح، وهاج الولع بالظباء السوانح، فلم يبق إلا من أنشد شعرًا نظمه واستشهد به، وذكر حسن ذلك الغزال السائح من سربه، [و] الخروف مطرق في فكر يسبح في نجحه، وذكر لما ينطق به لسان حججه حتى صاغ لحنًا، واندفع فيه يغني: [من الكامل]
قسمًا بطرتِهِ وحُسْنِ عِذَارِهِ … وبما حَوَاهُ الخَصْرُ مِنْ زُنَارِهِ
وبِحُسْنِ وَجْنَتِهِ وضَوءِ جَبْيْنِهِ … وبِبَدْرِ تَم لاح مِنْ أَزراره
لأخالِفَنَّ عَوَاذِلِي في حُبِّهِ … مهما اسْتَطَعْتُ ولَوْ صَلِيْتُ بِنَارِهِ
والشعر مجهول.
ومن أصواته التي اقترح عليه الغناء فيها (٢): [من الكامل]
أنصفتُهُ مِنْ مُهْجَتي لَوْ أَنْصَفا … وَوَدِدْتُ لو رَاعَى وُدَادِي أَوْ وَفَى
ومِعْتُ مُغْترًا بجوهرِ تَغرِهِ فَصَفا … وكَدَرَ مِنْ حَياتي ما صَفَا
خادَعْتُهُ بحديثِ لِيْنِ قَوَامِهِ فَسَطَا … وهَزَّ عَليَّ مِنْهُ مُثَقَّفَا
فذهبتُ مِنْ يَدِهِ إِلى أَجْفانِهِ فَرَقًا … وسَلَّ عَليَّ مِنْها مُرْهَفًا
والشعر للجلال بن الصفار المارديني (٣)،، ومن هذه القطعة تلو الصوت:
стр. 3351
كالبدر راعَيْتُ حسنه و همسه … لي وجْنَتَيْهِ أَنْ يكونَ مُشَنَّفَا
وكَفَتْهُ خَمْرَةُ رِيْقِهِ ورُضابُهُ … فكفتْهُ أَنْ يَرِدَ العُقَارَ القَرْقَفَا
أَرَأَيْتَ خدًا لا يزيد تلهبًا … فيزيدني إلا عليه تلهفا
أمْ هَلْ سمعتَ بِمَنْ شَكا حُرَقَ الهَوَى … مِثْلي فَدَاوى النار بالنارِ اشْتَفَى
رَشَأ رشيقًا ظَلَّ بحدف خَصْره … رِدفًا عَتَا فَقَضَى لَهُ أَنْ يَضْعُفا
يا نسمةً ضَمِنَتْ تعطَّفَ قَدِّهِ … هَلاّ مَرَرْتِ بقَدِّهِ فَتَعَطَفا
أَحْبَبْتُهُ مُتَجنبًا ووَدَدْتُهُ … مُتجَنيًا وعشقتُهُ مُتَعَفِّفا
فاخْتَرتُ للجسم الضَّنَى وجعلْتُ للـ … قلبِ العَنَا وَرَضِيْتُ مِنْهُ بالجَفَا
ومن أصواته المعروفة له: [من البسيط]
مَنْ مُنْصِفِي مِنْ هِلال يخضعُ القَمَرُ الـ … ساري لهُ وغَزال يصرعُ الأَسَدَا
لِمْ لا تَخَافُ العِدًا أَسْيافَ ناظِرِهِ … وقد رأوا سالفيهِ أُلْبِسا زَرَدَا
وكيف لا في الهَوَى يَنْحَلُّ عَزْمُهُمُ … وبَنْدُهُ فوقَ ذاكَ الخَصْرِ قَدْ عُقِدَا
يا مَنْ حَكَى السَّمْرَةَ الصَّعْدَاءَ قامَتُهُ … كَمْ قَدْ َتنفَّسَ فيكَ العاشق الصُّعَدا
والشعر لابن الدجاجية الدمشقي.
ومن أصواته: [من الكامل]
أَشَذاكُمُ عند الصَّباح يفُوحُ … أَمْ نَشْرُ ليلى قَدْ طَوَتْهُ الرِّيحُ
مِلْنا فَكُلُّ مِنْ تَأَرِّجِ عَرْفِهِ … نَشْوانُ فَوْقَ مَطِيَّةٍ مَعْرُوحُ
فَكَأَنَّما دَارَتْ علينا في السُّرَى … كَأْسٌ على نَعَمِ الحُدَاةِ طَفُوحُ
أَنَسِيمَ ليلَى هَلْ مَرَرْتَ على الحِمَى … ليلًا وليلى في الدِّيارِ تَرُوحُ
وانظر إلى هذه القطعة التي كأنها من قطع الروض المرتع في عنفوان زمن الربيع، وكيف جاءت مع هذا الالتزام خفيفة الموقع قريبة من الخاطر، لا ترى للكلفة عليها، ولا تتطرق للاستهجان.
وكذلك من أصواته في شعر ابن الحجاج.
وحكي أن الملك المنصور صاحب حماة استصحبه معه إلى مصر في بعض سفراته إليها، فحضر يومًا يغنيه، وقد حضر عنده أبو الحسين الجزار الشاعر، واندفع الخروف يغني صوتًا أوله: [من الوافر]
مُرِيقُ دمي وسالب نوم عيني
وطفق يردده ويكرره، فقال له الجزار: لك الأمان يا شيخ أحمد، فضحك صاحب حماة ومن حضر.
قلت: ولم يقع إليّ من هذا الصوت غير ما ذكرت.
حكي أنه كان مع صاحب حماة على مجلس الشراب، وهم ببلاد ماردين، والربيع قد سحب رداءه على الثرى، والسحاب قد أودع في ثغور الأقاح جوهرا، والنسيم قد هب من تحت أعكان الليل مغيرًا؛ والروض قد أخذ زخرفه، والنوار قد نظم أحرفه، والبدر قد طرح تاجه، وألبس الشمس شرفه، والراح قد راقت كأنها وجه حبيب، وطابت كأنها غفلة رقيب، والمدام قد أديرت في عسجدية، والكؤوس قد برقت في تلك الصفيحة الندية، والسقاة كأنها أقمار توشحت الجوزاء مناديل، والأصداغ كأنها محاريب اشتعلت فيها الخدود قناديل؛ فاقترح عليه الغناء في شعر خمري يناسب ذلك المقام، ويحثّ به سوابق كميت تلك المدام فاندفع يغني: [من البسيط]
والكأْسُ يَسْلُبُنِي عَقْلِي وأَهْوَنُ ما … لَهَوْتُ عَنْ ذِكْرِهِ عَقْلي إذا سُلِبا
خَمْرًا يُمَشِّي بَناني وهْيَ فَوْقَ يَدِي … منها بمثلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ مُخْتَضِبا
شربتها غيرَ مَحْمُورٍ ولو طلب الـ … خمارُ روحي بها أعطيتُ ما طلبا
وأَرْبَحُ الناس عندي في تجارَتِهِ … مُحَصِّلٌ يَشْتري بالفِضَّةِ الذَّهَبًا
ومن أصوات الخروف: [من الطويل]
إذا لم تكن تُنهي إلى غيرك الشكوى … فَمَا ثم إلا الصبر فيك على البلوى
وإنِّي وإن أتلفت بالهجرِ مُهْجَتي … لأَرْضى التي تَرْضَى وَأَهْوَى الذي تَهْوَى
стр. 3354
عَرَضْتُ على رُوحِي تِلافِي فَمَا أَبَتْ … وعَرَضْتُ رُوحي للسُّلُو فما السَّلْوَى
ومَنْ لَمْ يَجُدْ بالرُّوحِ في الحب لم تكُن … محبَّتُهُ إلا إذَا حَقَّقَتْ دَعْوَى
والشعر لابن إسرائيل.
ومنهم:
[١٤٢] محمد بن غرة
من مغاني صاحب حماه، ومن يوتى في مغاني حماه، ثم لما هَدَمَتِ الأيام ذلك البيت المعمور، وهدت تلك الجبال الشم حوادث الأمور؛ أتى دمشق ولزم بعض كبرائها، وقطع باقي أيامه البيض في خضرائها، وقضى فيها ما كان بقي ممن أجل سروره، وعجل غروره، وكان ممن يقرّ له أهل صناعته، ويقدر له الذي لا يقدر على إضاعته.
ومن أصواته: [من البسيط]
مَنْ مُنْصِفِي مِنْ عُيُونٍ كُلَّما نَظَرَتْ … إِلى خَلِي فؤاد باتَ في شُغُلِ
إِذا رَنَتْ فسيوفٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ … وإِن رَمَتْ فَسِهامٌ مِنْ بني ثُعَلَ
أنا القَتِيلُ بها والمُستَجيرُ بها … منها فياليتها تقضي علي ولي
وبِي أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرفِ قَامَتُهُ … تُزْرِي إذا مالَ بالعَسَّالَةِ الذُّبُلِ
زها على البَدْرِ في حُسْنٍ وفي شَرَفٍ … وَأَخْجَلَ الغُصْنَ فِي لِيْن وفي مَيَلِ
إذا بدا قال بدر التم: واكَلَفِي … أَوِ انْثَنَى َقالَ غُصْنُ البانِ: واخجَلِي!
والشعر للجماز.
وكذلك صوته في شعره أيضًا: [من مجزوء الرجز]
كَحَلَ جَفْني بالأَرَقْ … ساجي الجفون والحَدَقْ
مُهَفهف كالغُصْنِ قدًا … والعَبْيُر مُنْتَشِقُ
حُلْوُ اللَّمى والمُجْتَنَى … والمُجْتَلَى والمعْتَنَقْ
قدْ سَحَرَتْ أَجْفانُهُ … أَلبابَنا والسِّحْرُ حَقٌّ
وكلَّ طرفي بالبُكا … وكَلَّ قَلْبِي بالقلق
فَمُقْلَتِي ومُهْجَتِي … بينَ دُمُوع وحُرَقْ
стр. 3355
وصوته في شعر الباخرزي (١): [من البسيط]
أَبْقَيْتَ مِنِّيَ رُوحًا ما لها بَدَنٌ … لِذَاكَ زَوَّرْتُ مِنْ رُوحِي لها بَدَنا
يا فالق الصُّبْحِ مِنْ لأَلاءِ غُرَّتِهِ … وجَاعِلَ الليلِ مِنْ أَصْدَاغِهِ سَكَنَا
بصُورَةِ الوَثَنِ استعبدتني وَلَها … فَتَنْتَنِي وقَدِيمًا هِجْتَ لي فِتَنَا
لا غَرْوَ أَنْ أَحْرَقتْ نارُ الهَوَى كَبِدِي … فالنارُ حَقٌّ على مَنْ يَعبُدُ الوَثَنا (٢)
وهذا الصوت أوله من قطعة:
أنت الذي نَقَضَ المِيثَاقَ لستُ أنا … فَدَعْ جَفَاءَكَ إنْ كانَ الوفاء أنا!
ومن أصواته: [من مجزوء الرمل]
أَيُّها الصَّبُّ المُعَنَّى … يتبع الرِّيمَ الأَغَنَّا
كيفَ يَنْجُو مِنْ هَوًى مَنْ … كُلَّ يوم يتَجنى
أَوْدَعَ النَّفْسَ ملاءٌ … مُعْرِضُ أَعْرَضَ عَنَّا
جاد بالهجران منْهُ … وبوَصْلِ الصَّبٌ ضَنا
كل يوم أنا منه … نادِمٌ أَقْرَعُ سِنا
ليس في كَفِّيَ مِنْهُ … غيرُ أَنْ كانَ وكُنَّا
والشعر لأبي نواس.
وكذلك صوته: [من البسيط]
حاشا لوجهكَ يا مَنْ لا أُسَمِّيهِ … مِنْ أَنْ يُقاسَ إِلى مِثْلٍ وتَشْبِيهِ
أَنَّى وكيف ولو كانتْ مَحَاسِنُهُ … للشمس ما طَلَعَتْ مِنْ شِدَّةِ التَّيْهِ
أنظر إلى كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبِ حَسَنٍ … وانظُرْ إِليهِ يَجِدْ أَمْثَالَهُ فِيهِ
стр. 3356
أستغفرُ اللهَ ممَّا قلتُهُ عَبَثًا … إن القَضِيْبَ وإنَّ البدرَ يَحكِيهِ
والشعر مجهول.
وكذلك صوته: [من البسيط]
أحبابنا لا بُليتم بالبِعادِ … ولا خَلَتْ رُبُوعٌ لَكُمْ مِنْكُمْ وَأَوْطَانُ
قَطَعْتُمُ سُبُلَ المَعْرُوفِ فَابْتَدِءُوا … فِي حُسْنِكُمْ فَكَمَالُ الحُسْنِ إِحْسانُ
أَقْسمتُ لا رُمْتُ منهم سَلُوةً أَبدًا … ولا مَلِلْتُ وإن خانوا وإن ماتوا
ما ضَرَّهُمْ لَوْ وَفَوا أَوْ أَنْصَفُوا كَرَمًا … هَيْهاتَ هَيْهاتَ مَا هُمْ لِي كَمَا كَانُوا
والشعر للزكي النابلسي.
وكذلك من أصواته في شعر العفيف التلمساني (١): [من الطويل]
رعَى اللهُ مَرْبَى حاجِرٍ ورُباها … وحيَّا الحَيَا أطلالها وسقاها
ورَاعَتْ إليها الرِّيحُ مِثْلِي عَلِيلَةٌ … لِتَنْقُلَ أَقْوَالَ الغُصُونِ شِفَاها
وشقَّتْ بها ثَوْبَ الشَّقِيْقِ يَدُ النَّوى … وبَدَّدَتِ الأَرْواحُ عَرْفَ شَذاها
إِلَى أَنْ سَرَى سِرُّ الوَشائِعِ شَائِعًا … ويُصْبِحُ رَهْوًا أَرْضُها كَسَمَاها
فَكَمْ ليلةٍ بِتْنَا نُرِي البَدْرَ أُخْتَهُ … بها ويُرِينا في السَّماءِ أَخَاها
تُحالفها من بعده ود … ... ويُشْبِهُها في سنّها وسَنَاها
وكذلك صوته: [من المديد]
стр. 3357
ما هَوَى إِلا لَهُ سَبَبٌ … مِنْهُ يَبْدُو ثُمَّ يَنْشَعِبُ
وكذلك صوته: [من مخلع البسيط]
أَبْعَدْتَنِي عَنْكَ بَعْدَ قُرْبِي … يا ليتَ شِعْرِي ما كانَ ذَنْبِي
لَهْفِي لِعَيْشِ قَدْ كُنْتُ فيهِ … أَدْعُوكَ يا مُنْيَتِي بِلُبِّي
وقال الجمال المشرقي: والشعر لابن الكرخي والغناء فيه في الراست، ونفق به ابن غرّة برهة من العمر، وحصل به جدى كثيرًا.
ومنهم:
[١٤٣] القاضي محمد العواد
ويعرف بابن القاضي أيضًا.
وكان من مغاني صاحب حماة الذين شرفوا إليه بالانتساب، وعرفوا لديه بالاكتساب، وكان ممن يحضر في يده العود ويبيض به وجوه الليالي التي لا تعود، وكان في لسانه ثقال حتى إذا غنّى لم ير مثله في طلاقة اللسان، والطاقة التي ما لأحد في هذا الباب نظيرها من الإحسان، وأتى دمشق بعد انهدام ذلك المغني المشيد، وانقضاض ذلك الركن السديد، فأقام به مسترزقًا، ولباقي أيام عمره فيها منفقًا.
ومن أصواته: [من مجزوء الكامل]
جَنَحَ الحَبِيبُ إلى الصُّدُوْدِ … وَافَى وما وَفَى وُعُودي
وإذا العوارض بالينفـ … سج جاوَرَتْ وَرْدَ الخُدُودِ
وتموَّجَتْ كُتُبُ الرَّوَا … دِفِ تحتَ أَغْصَانِ القُدُودِ
شَاهَدتَ في أَيْدِي الظَّبا … ءِ قِيَادَ أَعْناقِ الأُسُودِ
والشعر مجهول.
وكذلك صوته: [من الكامل]
يا مُسْكِرِي وَجْدًا بكَأْسِ جُفُونِهِ … قُلْ لِي: أَتِلْكَ لَواحِةٌ أَمْ قَرْقَفُ
يا مَنْ حَكَى الغُصْنَ الرَّطِيْبَ رَشَاقَةً … هَلًا عَطَفْتَ فَمِثْلُ قَدِّكَ يَعْطِفُ
بادِرْ جَمَالَكَ بالجَمِيلِ فَرُبَّما … ذَوَتِ المَلَاحَةُ أَوْ أَبَلَّ المُدْنَفُ
واسْبِقْ عِذَارَكَ قَبْلَ أَنْ … يَأْتِي بِعَزْلِ هَوَاك منْهُ ملطف
وكذلك صوته: [من مجزوء الرجز]
هَلْ بَعْدَ جِيرانِ النَّقَا … يَلذُّ للصَّب البقا
стр. 3358
أَوْ تَرْتَضِي أَجْفَانُه … إلا البا والأرقا
وهل يلوم قلبَهُ … إذا قَضَى تشوقا
أهكَذَا حُكْمُ الهوى … لَيْتَ الهَوَى لا خُلِقَا
أضمى القُلُوبَ بالأسى … وبالاد الحدقا
أَقْضِي نَهَارِي أَسَفًا … وعُمْرَ ليلي فَلَقا
والشعر للمجاور.
وله من قصيدة تخف على السامع منها: [من مجزوء الرجز]
مولًى سَمَا بِأَصْلِهِ … على البرايا وسَحَق
جوادُ فَضْلِ ما جَرَى … لِغَاية إلا سبق
لمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعَا … لَى نِدَّهُ ولا خَلَق
وَيْحَ الكُماة إِنْ سَطَا … والفُصَحاءِ إِنْ نَطَق
وفارسُ الخَيْلِ إذا … جدَّ الصَّدَامُ والحَنَق
فَرَّقَها في البِيْدِ بالضَّـ … رْبِ وبالطَعْنِ فَرَقْ
بأَبْيَض بَرْقُ المَنَا … يا في غِرَارَيْهِ التَلَقْ
وأَدْهَم كالليلِ يَب … دُوْ بينَ عَيْنيهِ الفَلَقِ
ومنهم:
[١٤٤] الدهان، محمد بن علي بن عمر المازني، أبو الفضل، شمس الدين (١)
ذو يَدٍ في الأدب غير قصيرة، وذهن لا يتمثل شيئًا إلا أحسن تصويره، لو صوّر نفسه لم يزدها، ولو بدلت بالكواكب صنعته لم يردها، أجاد في صنعته، وواسى بفهمه
стр. 3359
أبا ريده، وأتى بكل بديع الصنعة لا يدني تدبيجها للغمام بعيد السمعة والذي صوّره أقرب شيء إلى الأفهام، ضائع فكره، ويد جاء فيها بألوان ما يسر الناظر، ويسير الديوان مما أبقى من محاسن أدب ودهان، وأمسك منها قلم الشعر والشعر لأنه حاز قصب الرهان، وغادر من أثر به خط ناظر امرئ وسمعه، نشر منها قطع الرياض، ونطف الغدر، إلا أن ذَهَبَ الأصيل طفح على إنائها الفضي من جوانبه، وفاض على ما كان يعاني من غب هاتين الصنعتين؛ فعززهما بثالث، بصون مثانٍ ومثالث، له في كل واحدة من هذه الثلاثة معان لا تتناهى، وصور قبل إبرازها إلى الخارج لا يتصوّرها أحد، ولا يعرف معناها في أي صورة ما شاء ركبها، وفي أي مذهب أراد أذهبها، وكان فريدًا في توقيع الألحان وتنوع الشكر بما يعق من تمام الفدام عن بنت الحان، وكان له بالربوة في وادي دمشق دار نقشها، زمانًا، وأخرج فيها جهد صناعة الثلث، فكتب عليها شعره وذهبها، ثم كان يغنيها إلحانًا. وكان يؤخذ عنه علم الطرب وكان علمًا فيه واحدًا، ومحركًا لا يدع في السماع القائم قاعدًا.
ومن شعره الذي صاغه شعرًا وألحانًا، وجمع فيه محاسن الدهر زمانًا، وأتقن تركيبه كأنما أضرمه إذهابًا، وأنفثه دهانًا، قوله: [من الخفيف]
إِنَّ فَصْلَ الرَّبِيعِ أَطْيَبُ فَضْلٍ … طالع وجْهُهُ بِكُلِّ سَعَادَة
طابَ في فَصْلِ صِيَّةٍ فَلهذا … كُلَّ يَومٍ جماله في زياده
تبرز الأرضُ مِنْهُ فِي سُنْدُسِ الوَشـ … ـي حاكتْ سَحَابُهُ أَبْرَادَه
لم يزل وردُهُ يُغازل للمنشور … حَتَّى شَقَّ الشَّقِيقُ فُؤَادَهُ
وقوله:
يَهِيجُ شَوْقي إليهِ كُلَّما صَدَحَتْ … تَدْعُو هَدِيلًا مَعَ الإِصْباحِ فِي فَنَنِ
حَمَامَةٌ وَجَدَتْ وَجْدِي فَلِي ولَها … قلبانِ شُدًا مَعَ الأَشواقِ في قَرَنِ
قامَتْ تَنُوحُ على سَاقٍ وقُمْتُ عَلَى … ساقٍ أَنُوحُ فَأَشْجَتْنِي وَلَمْ تُعِنِ
والشعر له وكذلك الغناء له فيه.
وله صوت مشهور لم يبق في زمانه من لم يقرّ له فيه إحسانه وهو: [من الرجز]
هَلْ حَيُّها على الغُوَيرِ واحِدُ … أَمْ أَقْفَرَتْ مِنْ زينب المَعَاهِدُ
خَفِيتُ حَتَّى مِنْ سَقَامِي والضَّنَى … لولا أنيني ما رآني العائد
حتَّى رَثَتْ لِي رَحْمَةً حَوَاسِدِي … يَا وَيْحَ مَنْ تَرْتِي لَهُ الحَوَاسِدُ
يا كعبة الحُسْنِ التي أحبُّها … فُؤَادُ مُضناك عليك واقد
كمْ سُقتُ في الهَوَى إليكُمْ مُقْلَتي … والحُرُّ مَنْ يَحفَظُ مَنْ يُعاهِدُ
стр. 3360
والشعر لغيره، والغناء فيه له.
وبتنا ليلة في داره بالربوة وواديها يصفح وزاد بها ينشر البنفسج ينفح، والليل قد رق جلبابه، وعلق في جوّه ربابه، وهو تارة يحيينا من أناشيده، وتارة يطوينا طائره المترنم بتغريده حتى حان الصباح، ونحن لا نظن أن الليل قد نصف، ولا أن فرع الجوزاء قد تهدّل وتقصف، ثم التفت فإذا الصباح قد أشرق، وخمر الفجر قد شبّ إلا أنه ما أحرق، وتلفت يرى بكاء الظل في عيون النرجس ما رقا، والبرق بإزاء الليل الكافر ما رقى، وجبين الصبح سح ماءه وجبين الفجر سقطًا ينضح الشفق دماءه، فاندفع يغني: [من الطويل]
ألا حَبَّذا الوادي وروضُ البنفسج … وطيب شذًا من عَرفِهِ المُتأرج
وأغصان بانٍ في حفا فَيْهِ مُيّدٌ … بِكُلِّ قديم القد غير مُعَوَّج
وأنهار ماء في صفاء ورقّةٍ … يسسيلُ بِهِ مَا بَيْنَ رَوْضٍ مُدَبَّجٍ
كَذَوْبِ لُجَيْن أو كَمَتْنِ مُهَنَّدٍ … يمرُّ مُرورَ الزَّنْبَقِ المُترجرج
إذا قابلته الشمس أبصرتَ مُذْهَبًا … مِنَ الوَشِي يبدو بيرق وزبرج
وإِنْ جَعَدَتْهُ خَطْرَةٌ مِنْ نُسَيْمَةٍ … فيا حُسْنَ مَرأَى مَتْنِهِ المُتموّج
صار إذا رِيحُ الصَّبا نَفَحَتْ بِها … فبعدًا لأطلال الربي بمنعج
وكان له مملوك أفرط في حبه، وأخذ بمجامع قلبه، فغاله فيه حادث الموت، فحزن عليه حزنًا وبدت عن جفنه الغرار، وأحرم قلبه الفرار، فأتى صاحبنا الخطيب الصوفي وكان بينهما صداقة أكيدة، ومزاح فكه.
ثم أنشد لنفسه كأنه يعزيه وإنما قصد أنه يحزنه: [من الطويل]
لئِنْ باتَ يَا دَهَانُ مَمْلُوكُكَ الذي … بلغتَ بهِ في النفس ما كنتَ تَرْتجي
فَمَثْلُهُ بالأصباغ شكلًا وصورةً … وقدأ وردفًا واترك الحزن واملج
فقام الدهان بأقبح خزية وأضرّها، وأعظم كآبة وأشهرها، ثم قاطعه مدة، فلم يكلمه.
ومنهم:
[١٤٥] الكمال التوريزي (١)
سقطت إلينا أخباره سقوط الندى، وبدت لنا بدو البدور على بعد المدى، كان
стр. 3361
إذا غنّى تزلزل زلزل، ونسي جميل جميل وما يتعزل، وترك صوت الأول في بيت عاتكة الذي يتغزل، ولم يرض له معبدًا عبدًا، ولا ابن جامع الذي تضوع نده ندًا، ولا إسحاق إلا الذبيح، ولا ابن المهدي المخلوع الطريح، وكان فرد زمانه في كرم السجايا، وحسن الأخلاق، وسعة النفس.
قالوا: طيب المجالسة لا يمل حديثه، مكثرًا من الأخبار والحكايات والنوادر، عارفًا بأخبار ملوك البيت الجنكز خاني، وخصوصًا أولاد هولاكو بن تولي، وأحوال الوزراء والخواجكية، وله مشاركة جيدة في العلوم العقلية، ودربة بمخاطبة الملوك والأمراء والوزراء والخوانين والخواجكية، والكبراء متقنًا للموسيقى علمًا وعملًا، مجيدًا في صناعة الغناء. لا يُجارى ولا يبارى، ولا يطمع في مضاهاته، ولا مماثلته، ولا مداناته اتصل بالسلطان أبي سعيد، وكان محبًا للغناء والمغاني؛ فلما اتصل به الكمال اقتصر عليه واختص به، وجعل كل أهل هذه الصناعة وسائر الجلساء والندماء دونه، وكان يشاربه ويحضر معه في أخص خلواته، ولا يكاد يصبر عنه ساعة في سائر أوقاته.
وحكى لي خواجا إسماعيل السلامي (١): أنَّ أبا سعيد كان مُغْرى بطول المكث في الحمام والشرب فيه، وجعل له حمامًا، جعل جدره من الزجاج. وكان يدخل إليه ومعه امرأته بغداد، ومشافر وكان كلفًا به، والكمال التوريزي، ويجلس الجلساء والندماء خارج الحمام والسقاء يسقي فإذا وصل الدور إلى الجالسين خارج الحمام، أخرج إليهم من بزكوي بينهم، والمغاني تغنى بالنوبة خارج الحمام، فإذا انتهت النوبة إلى الكمال، غنّى داخل الحمام، وربّما غنّى أبو سعيد، والكمال لا يغني، وربما غنيا معًا.
وذكر أنه استفاد بأبي سعيد، وبالأمراء والوزراء، وأرباب الدولة، وسائر الناس لأجله أموالًا جمة جليلة لا تكاد تحصر، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقى، فعلمه قدر ما احتمله فهمه، ثم ازداد نهمه من هذا العلم وأكثر ملازمة الكمال حتى برع، وصار غاية في ذلك، ورأسًا من رؤوسه، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على
стр. 3362
الكمال، فتارة يُصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت حتى ندر وأجاد، وزاد، وأحسن.
وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظمة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يُغنى به اليوم، ويسمّى «البيشرون»، وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر، ويقبض على وسع عبارة فيسد بأنواع الكلام الملفق الذي لا يحصر بإذن، ولا قافية.
قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها، فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد الله بن الصائغ الأموي المروي، فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية، فإنها لا تنضبط، ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت.
قلت: وهذا الغناء يستلذ في المشارب، وحانات القصب، ولأهل مصر به ولوع، وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إلي من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري (١): [من الكامل]
مَا صَدَّ جَفْنَ العَيْنِ عَنْ إغماضِهِ … إلا بَرِيقٌ لج في إيماضه
خَفَقَ الفُؤَادُ بخفقةٍ فَغَدَا كما … حَكَمَ الهَوَى وقفًا على إمراضه
ما زالَ ثَغْرًا مُغْرَمًا لمعانُهُ … بالمُنْحَنى وغياضه ورياضهِ
واها له من عارض تعرِيضُهُ … لِي بالأَحِبَّةِ كان في إعراضه
ومنها في شعر محمد بن التلمساني (٢) هذا (٣): [من الوافر]
صُدُودُكَ هَلْ لَهُ أَمَل قريبُ … ووَصْلُكَ هَلْ يكونُ ولا رَقِيبٌ
ملوك الحُسْنِ ما صُنْعِي بِطَرْفٍ … تَمَنَّى مِثْلَهُ الرَّشَأُ الرَّبِيبُ
стр. 3363
رَمَى فَأَصَابَ قَلْبِي باجتهادٍ … صَدَقْتُمْ كُلُّ مجتهد مُصيب
وفي تلك الهوادج طاعِناتٌ … سَرَيْنَ وكُلُّ ذِي وَلَهِ حَبِيبُ
ومنها في شعره أيضًا (١): [من الطويل]
تحكم إذا جَارَ الجَمَالُ تَحَكَّما … فما لمُحِبٌ مِنْكَ أَنْ يَتَظَلَّما
حَبيبي إِنْ حَرَّمْتَ سَهْمَكَ فِي الكَرَى … فَقَدْ حَلَّلَتْ عَيْنَاكَ فِي القَلْبِ أَسْهُما
فِدَاؤُكَ صَبُّ فِيْكَ أَسْكَنَهُ الهَوَى … وإنْ كانَ مِنْ سَيْفِ الصُّدُودِ تَكَلَّما!
وما كانَ يَدْرِي حِفْظُ عَهْدِ لغادِرٍ … فما زَالَ يَهْوَى الحُسْنَ حَتَّى تَعَلَّما
ومنها في شعر مجهول: [من الخفيف]
بَرَّحَ السُّقْمُ بِي فليسَ صَحِيحًا … مَنْ رَأَتْ عينُهُ عُيُونًا مِرَاضًا
إِنَّ للأَعْيُنِ المِرَاضِ سِهامًا … صَيَّرَتْ أَنْفُسَ الوَرَى أَغْرَاضَا
قلت: وقد كان سلطاننا حرص على أشخاصه إليه، وطلبه طلب متهافت عليه، فعزم على قصده، وقدمت مسيره للسير، فصده عنها قرارة لحده.
ومنهم:
[١٤٦] محمد بن الكسب
الذي يوقد المصابيح، ويجيء بأسلس من ذهنه، وأطيب في الريح أول ما تخرج مع أبيه، ثم تزيد تزيد الهلال، وتفرد تفرد العذب الزلال، وحصل العجب لما رأى بالكسب من الكسب، وبما سمع من طرب له في الأعضاء ذهب إلا أنه ما له كسب، وكان لا يزال المنصت يتتبع أصواته، لا يمله إكثارها، والمسامع يقول عجبًا للبصر سم سمة تشكر آثارها، اشتغل بصناعة الغناء، حتى بلغ فيها المراتب، وأصبح بها يحسد ابن الكسب ابن السمسماني الكاتب، فأبرّ في تفرّده يمين كل مقسم، وأودى كيد حاسدة وجنسه في اقماع السمسم بدهن أصفى من دهن السليط، وأكثر من تلعبه بالفتيلة في التسليط، وأملى الأصوات، وأمن من المقالي، وحمص قلوب الأعداء كما يقال على المقالي، فسلّم إلى أنه برع في لطافة الشمائل، وشبّ الضرم في ورع المعاطف، كما ترى فعل السليط في القنديل باللهب المتمايل، وجميع أهل صناعته تصفه بالإحسان، وتقرّ له بالتقدم في آخر الزمان.
стр. 3364
وله من أصواته إجادة فيها، وأتقنها كل الاتقان، وجمع فيها بين الشعر والألحان؛ فمن أصواته والشعر للخطيب جمال الدين يوسف الصوفي: [من الكامل]
يا مُقلتي أَيْنَ المَدَامِعُ هاتي … لا تَبْخَلِي بِلآلئ العَبَرَاتِ
هذا الفِرَاقُ عَلَيْهِ قَدْ حَسُنَ البُكا … وتَرَدُّدُ الحَسَرَاتِ واللَّهَفاتِ
بالله يا حادٍ حَدا بأحبَّتِي … وقَضَى على تأليفنا بِشَتَاتِ
مَهْلًا عَلَيَّ فإِنَّ يومَ وَدَاعِهِمْ … مُرٌّ ولكن فيهِ حُلْوُ مَمَاتِ
ورثاه الخطيب جمال الدين يوسف الصوفي النابلسي بقوله: [من الطويل]
تعالوا بِنا نُذْرِي الدُّمُوعَ الجَوَارِيا … ونستوقفُ الحادي ونبكي المَغَانِيا
ونذكر عيشًا مَرَّ حِيْنَ حَلا لنا … بإتمام أُنْسٍ قَدْ خَلَتْ ولَياليا
ونَسأَلُ عَنْ رَوْحِ الحَياةِ وطيبها … مَلَاعِبَ رَبَّاتِ الحِجَابِ الغَوانِيا
فإنا ذَمَمْنا العَيْشَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ … وذكَّرَ بالأَحْزَانِ مَنْ كَانَ ناسيا
ومنهم:
[١٤٧] الكتيلة، بدر الدين، محمد الجتكي المارديني
خطبته الملوك لمجالسها، وخطته مواضع القرناء لمنافستها، ونضرته لنعيمها، وسرته من العوارف بعميمها، وكان بصيرًا بأخلاق العظماء، خبيرًا باستدرار أخلاف الكرماء. ولم يزل جواب أسفار، وجوّال بدر في غروب وأسفار، قليلًا على ظهر المطية ظله، خفيفًا مكانه من الخواطر ومحله، يزاحم في سحابه الوارد، ويتشوق إليه تشوق الظمآن إلى الماء البارد، واليقظان المسهد إلى المقام الشارد.
أتى قلعة الجبل، وحلّ هالات دورها، وحظي بأيام سرورها، هذا وسلطانها يقبل المتاب، ويقبل على المنتاب، ويتلقى القادم بطلاقته، ويفك الرهن من عاقبه، ووجه الزمان ما بسر، والبغاث ما استنسر والراعي لا يخاف الذئب على غنمه، والدم لا يستباح منه إلا ما على الطرف المخضب من غنمه، والقلعة مسرح ظباء، ولا عقرب إلا بصدغ مليحة، ولا سيف يسل إلا بكرة صبيحة، فقطع تلك المدد والدهر غافل، والبر سحابه حافل والبدر في تلك الآفاق طالع غير آفل، ودخان الند يعقد سماء، وجدود الملاح يشرب ماء، ثم مات حيث تلاشى ذماء الجود ومص الثرى بقية الماء من الفرد.
أصله من أبناء الكتاب، وكتب خطًا حسنًا، وقرأ طرفًا من النحو والعربية، وأتقن
стр. 3365
علم الموسيقى، وحفظ كثير [١] من الشعر للقدماء والمحدثين، ونقل الأصوات المشهورة، وحفظ كثيرًا من نوب عبد المؤمن، وانخرط في سلك الندماء وأهل المحاضرات، وملح وندر، وحكى الحكاية والخبر، وخدم ملوك ماردين، واتصل بهم.
وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين، وراج لديه. وسمع به السلطان الناصر، فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن، ويلقي عليهن الأصوات، حتى تخرج به غالب الجواري المحسنات، وكان يتردّد إلى باب الستارة في كل يوم، ويخرج إليه الجواري.
وكان مجيدًا في الغناء، متقنًا في سائر الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك العجمي، وتأليف الأنغام عليه، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب، وكان يقيم بمصر المدة الطويلة، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له، فلا يكاد يصل إلى ماردين، ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه، ويحث في سرعة عوده، فإذا وصل، ضاعف الإكرام، وعومل بأكثر مما يعهد، وحصل بهذا أموالًا جزيلة، ونعمًا كثيرة، والأنزال التي تزيد على عادة مثله. وحضرت مجلس السلطان مرة، وعنده موسى بن مهنا وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه فرأيت موسى بن مهنا على سكونه العظيم، ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتًا سمعه، والصوت من المستطيل: [من البسيط]
يا دارَ عَزَّةَ مَنْ للوالِهِ الباكي … بنظرة يتملّى من مُحَيَّاكِ
ما هَبَّ مِنْ أَيْمَنِ الوَادِي نَسِيمُ صَبًا … إلا وكانَ الهَوَى لعُذْوِيُّ يُمْناكِ
تَحَمَّلِي واحْمِلي يا نوقُ واصْطَبري … على المسيرِ فَهَذَا مِنْ سَجَايَاكِ
ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء حتى هزّه الطرب، ولولا مهابة السلطان الرقصوا؛ فلما فرغ مما هو فيه، أثنى السلطان عليه، وقال لموسى بن مهنا: كيف رأيت؟ فقال: والله ظننت أنه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي، لوقعت عليه. وأمر له السلطان بألف دينار يتجر بها، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائمًا صادرًا واردًا، ومضى يوم عجيب لم ير مثله.
ودخلتُ على السلطان يومًا آخر، وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت: [من الطويل]
سلام على ليلى وليلى بعيدةٌ … ولكنَّها طَيْفٌ إِلى قَرِيبُ
بديعةُ حُسْنِ ما لها مِنْ مُمَائِلٍ … إِذا طَلَعَتْ شَمْسَ النَّهَارِ تَغِيْبُ
كما أَنَّ قَلْبي في البِلادِ مُتَيَّمٌ … كَذَا حُسْنُ ليلى في الحِسانِ غَرِيبٌ