← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

إذا غنّى تزلزل زلزل، ونسي جميل جميل وما يتعزل، وترك صوت الأول في بيت عاتكة الذي يتغزل، ولم يرض له معبدًا عبدًا، ولا ابن جامع الذي تضوع نده ندًا، ولا إسحاق إلا الذبيح، ولا ابن المهدي المخلوع الطريح، وكان فرد زمانه في كرم السجايا، وحسن الأخلاق، وسعة النفس. قالوا: طيب المجالسة لا يمل حديثه، مكثرًا من الأخبار والحكايات والنوادر، عارفًا بأخبار ملوك البيت الجنكز خاني، وخصوصًا أولاد هولاكو بن تولي، وأحوال الوزراء والخواجكية، وله مشاركة جيدة في العلوم العقلية، ودربة بمخاطبة الملوك والأمراء والوزراء والخوانين والخواجكية، والكبراء متقنًا للموسيقى علمًا وعملًا، مجيدًا في صناعة الغناء. لا يُجارى ولا يبارى، ولا يطمع في مضاهاته، ولا مماثلته، ولا مداناته اتصل بالسلطان أبي سعيد، وكان محبًا للغناء والمغاني؛ فلما اتصل به الكمال اقتصر عليه واختص به، وجعل كل أهل هذه الصناعة وسائر الجلساء والندماء دونه، وكان يشاربه ويحضر معه في أخص خلواته، ولا يكاد يصبر عنه ساعة في سائر أوقاته. وحكى لي خواجا إسماعيل السلامي (١): أنَّ أبا سعيد كان مُغْرى بطول المكث في الحمام والشرب فيه، وجعل له حمامًا، جعل جدره من الزجاج. وكان يدخل إليه ومعه امرأته بغداد، ومشافر وكان كلفًا به، والكمال التوريزي، ويجلس الجلساء والندماء خارج الحمام والسقاء يسقي فإذا وصل الدور إلى الجالسين خارج الحمام، أخرج إليهم من بزكوي بينهم، والمغاني تغنى بالنوبة خارج الحمام، فإذا انتهت النوبة إلى الكمال، غنّى داخل الحمام، وربّما غنّى أبو سعيد، والكمال لا يغني، وربما غنيا معًا. وذكر أنه استفاد بأبي سعيد، وبالأمراء والوزراء، وأرباب الدولة، وسائر الناس لأجله أموالًا جمة جليلة لا تكاد تحصر، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقى، فعلمه قدر ما احتمله فهمه، ثم ازداد نهمه من هذا العلم وأكثر ملازمة الكمال حتى برع، وصار غاية في ذلك، ورأسًا من رؤوسه، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على

стр. 3362

الكمال، فتارة يُصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت حتى ندر وأجاد، وزاد، وأحسن. وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظمة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يُغنى به اليوم، ويسمّى «البيشرون»، وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر، ويقبض على وسع عبارة فيسد بأنواع الكلام الملفق الذي لا يحصر بإذن، ولا قافية. قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها، فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد الله بن الصائغ الأموي المروي، فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية، فإنها لا تنضبط، ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت. قلت: وهذا الغناء يستلذ في المشارب، وحانات القصب، ولأهل مصر به ولوع، وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إلي من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري (١): [من الكامل] مَا صَدَّ جَفْنَ العَيْنِ عَنْ إغماضِهِ … إلا بَرِيقٌ لج في إيماضه خَفَقَ الفُؤَادُ بخفقةٍ فَغَدَا كما … حَكَمَ الهَوَى وقفًا على إمراضه ما زالَ ثَغْرًا مُغْرَمًا لمعانُهُ … بالمُنْحَنى وغياضه ورياضهِ واها له من عارض تعرِيضُهُ … لِي بالأَحِبَّةِ كان في إعراضه ومنها في شعر محمد بن التلمساني (٢) هذا (٣): [من الوافر] صُدُودُكَ هَلْ لَهُ أَمَل قريبُ … ووَصْلُكَ هَلْ يكونُ ولا رَقِيبٌ ملوك الحُسْنِ ما صُنْعِي بِطَرْفٍ … تَمَنَّى مِثْلَهُ الرَّشَأُ الرَّبِيبُ

стр. 3363

رَمَى فَأَصَابَ قَلْبِي باجتهادٍ … صَدَقْتُمْ كُلُّ مجتهد مُصيب وفي تلك الهوادج طاعِناتٌ … سَرَيْنَ وكُلُّ ذِي وَلَهِ حَبِيبُ ومنها في شعره أيضًا (١): [من الطويل] تحكم إذا جَارَ الجَمَالُ تَحَكَّما … فما لمُحِبٌ مِنْكَ أَنْ يَتَظَلَّما حَبيبي إِنْ حَرَّمْتَ سَهْمَكَ فِي الكَرَى … فَقَدْ حَلَّلَتْ عَيْنَاكَ فِي القَلْبِ أَسْهُما فِدَاؤُكَ صَبُّ فِيْكَ أَسْكَنَهُ الهَوَى … وإنْ كانَ مِنْ سَيْفِ الصُّدُودِ تَكَلَّما! وما كانَ يَدْرِي حِفْظُ عَهْدِ لغادِرٍ … فما زَالَ يَهْوَى الحُسْنَ حَتَّى تَعَلَّما ومنها في شعر مجهول: [من الخفيف] بَرَّحَ السُّقْمُ بِي فليسَ صَحِيحًا … مَنْ رَأَتْ عينُهُ عُيُونًا مِرَاضًا إِنَّ للأَعْيُنِ المِرَاضِ سِهامًا … صَيَّرَتْ أَنْفُسَ الوَرَى أَغْرَاضَا قلت: وقد كان سلطاننا حرص على أشخاصه إليه، وطلبه طلب متهافت عليه، فعزم على قصده، وقدمت مسيره للسير، فصده عنها قرارة لحده. ومنهم: [١٤٦] محمد بن الكسب الذي يوقد المصابيح، ويجيء بأسلس من ذهنه، وأطيب في الريح أول ما تخرج مع أبيه، ثم تزيد تزيد الهلال، وتفرد تفرد العذب الزلال، وحصل العجب لما رأى بالكسب من الكسب، وبما سمع من طرب له في الأعضاء ذهب إلا أنه ما له كسب، وكان لا يزال المنصت يتتبع أصواته، لا يمله إكثارها، والمسامع يقول عجبًا للبصر سم سمة تشكر آثارها، اشتغل بصناعة الغناء، حتى بلغ فيها المراتب، وأصبح بها يحسد ابن الكسب ابن السمسماني الكاتب، فأبرّ في تفرّده يمين كل مقسم، وأودى كيد حاسدة وجنسه في اقماع السمسم بدهن أصفى من دهن السليط، وأكثر من تلعبه بالفتيلة في التسليط، وأملى الأصوات، وأمن من المقالي، وحمص قلوب الأعداء كما يقال على المقالي، فسلّم إلى أنه برع في لطافة الشمائل، وشبّ الضرم في ورع المعاطف، كما ترى فعل السليط في القنديل باللهب المتمايل، وجميع أهل صناعته تصفه بالإحسان، وتقرّ له بالتقدم في آخر الزمان.

стр. 3364

وله من أصواته إجادة فيها، وأتقنها كل الاتقان، وجمع فيها بين الشعر والألحان؛ فمن أصواته والشعر للخطيب جمال الدين يوسف الصوفي: [من الكامل] يا مُقلتي أَيْنَ المَدَامِعُ هاتي … لا تَبْخَلِي بِلآلئ العَبَرَاتِ هذا الفِرَاقُ عَلَيْهِ قَدْ حَسُنَ البُكا … وتَرَدُّدُ الحَسَرَاتِ واللَّهَفاتِ بالله يا حادٍ حَدا بأحبَّتِي … وقَضَى على تأليفنا بِشَتَاتِ مَهْلًا عَلَيَّ فإِنَّ يومَ وَدَاعِهِمْ … مُرٌّ ولكن فيهِ حُلْوُ مَمَاتِ ورثاه الخطيب جمال الدين يوسف الصوفي النابلسي بقوله: [من الطويل] تعالوا بِنا نُذْرِي الدُّمُوعَ الجَوَارِيا … ونستوقفُ الحادي ونبكي المَغَانِيا ونذكر عيشًا مَرَّ حِيْنَ حَلا لنا … بإتمام أُنْسٍ قَدْ خَلَتْ ولَياليا ونَسأَلُ عَنْ رَوْحِ الحَياةِ وطيبها … مَلَاعِبَ رَبَّاتِ الحِجَابِ الغَوانِيا فإنا ذَمَمْنا العَيْشَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ … وذكَّرَ بالأَحْزَانِ مَنْ كَانَ ناسيا ومنهم: [١٤٧] الكتيلة، بدر الدين، محمد الجتكي المارديني خطبته الملوك لمجالسها، وخطته مواضع القرناء لمنافستها، ونضرته لنعيمها، وسرته من العوارف بعميمها، وكان بصيرًا بأخلاق العظماء، خبيرًا باستدرار أخلاف الكرماء. ولم يزل جواب أسفار، وجوّال بدر في غروب وأسفار، قليلًا على ظهر المطية ظله، خفيفًا مكانه من الخواطر ومحله، يزاحم في سحابه الوارد، ويتشوق إليه تشوق الظمآن إلى الماء البارد، واليقظان المسهد إلى المقام الشارد. أتى قلعة الجبل، وحلّ هالات دورها، وحظي بأيام سرورها، هذا وسلطانها يقبل المتاب، ويقبل على المنتاب، ويتلقى القادم بطلاقته، ويفك الرهن من عاقبه، ووجه الزمان ما بسر، والبغاث ما استنسر والراعي لا يخاف الذئب على غنمه، والدم لا يستباح منه إلا ما على الطرف المخضب من غنمه، والقلعة مسرح ظباء، ولا عقرب إلا بصدغ مليحة، ولا سيف يسل إلا بكرة صبيحة، فقطع تلك المدد والدهر غافل، والبر سحابه حافل والبدر في تلك الآفاق طالع غير آفل، ودخان الند يعقد سماء، وجدود الملاح يشرب ماء، ثم مات حيث تلاشى ذماء الجود ومص الثرى بقية الماء من الفرد. أصله من أبناء الكتاب، وكتب خطًا حسنًا، وقرأ طرفًا من النحو والعربية، وأتقن

стр. 3365

علم الموسيقى، وحفظ كثير [١] من الشعر للقدماء والمحدثين، ونقل الأصوات المشهورة، وحفظ كثيرًا من نوب عبد المؤمن، وانخرط في سلك الندماء وأهل المحاضرات، وملح وندر، وحكى الحكاية والخبر، وخدم ملوك ماردين، واتصل بهم. وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين، وراج لديه. وسمع به السلطان الناصر، فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن، ويلقي عليهن الأصوات، حتى تخرج به غالب الجواري المحسنات، وكان يتردّد إلى باب الستارة في كل يوم، ويخرج إليه الجواري. وكان مجيدًا في الغناء، متقنًا في سائر الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك العجمي، وتأليف الأنغام عليه، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب، وكان يقيم بمصر المدة الطويلة، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له، فلا يكاد يصل إلى ماردين، ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه، ويحث في سرعة عوده، فإذا وصل، ضاعف الإكرام، وعومل بأكثر مما يعهد، وحصل بهذا أموالًا جزيلة، ونعمًا كثيرة، والأنزال التي تزيد على عادة مثله. وحضرت مجلس السلطان مرة، وعنده موسى بن مهنا وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه فرأيت موسى بن مهنا على سكونه العظيم، ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتًا سمعه، والصوت من المستطيل: [من البسيط] يا دارَ عَزَّةَ مَنْ للوالِهِ الباكي … بنظرة يتملّى من مُحَيَّاكِ ما هَبَّ مِنْ أَيْمَنِ الوَادِي نَسِيمُ صَبًا … إلا وكانَ الهَوَى لعُذْوِيُّ يُمْناكِ تَحَمَّلِي واحْمِلي يا نوقُ واصْطَبري … على المسيرِ فَهَذَا مِنْ سَجَايَاكِ ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء حتى هزّه الطرب، ولولا مهابة السلطان الرقصوا؛ فلما فرغ مما هو فيه، أثنى السلطان عليه، وقال لموسى بن مهنا: كيف رأيت؟ فقال: والله ظننت أنه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي، لوقعت عليه. وأمر له السلطان بألف دينار يتجر بها، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائمًا صادرًا واردًا، ومضى يوم عجيب لم ير مثله. ودخلتُ على السلطان يومًا آخر، وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت: [من الطويل] سلام على ليلى وليلى بعيدةٌ … ولكنَّها طَيْفٌ إِلى قَرِيبُ بديعةُ حُسْنِ ما لها مِنْ مُمَائِلٍ … إِذا طَلَعَتْ شَمْسَ النَّهَارِ تَغِيْبُ كما أَنَّ قَلْبي في البِلادِ مُتَيَّمٌ … كَذَا حُسْنُ ليلى في الحِسانِ غَرِيبٌ

стр. 3366

وكان الكتيلة يجيء إليّ في حوائجه التي تكون له عند السلطان، وكان كامل الأدب، وافر المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، يرجع إلى كرم، وطيب أعراق. وكان بينه وبين الكمال التوريزي ما يكون بين أرباب كل فن من المنافسة والحسد، وكان السلطان قد سمع بالكمال، فجاءته الأخبار بأنه فرد من أفراد الدهر في فئة، فبعث إليه من يشخصه إليه، وتطلع إلى مقدمة عليه، فخاف كتيلة من بوادره به، فلم تمتد الأيام حتى جاءت الأخبار بأن الكمال مات فجأة، فشاع ذكر بأن كتيلة ربما دس عليه من قتله ولعل هذا إنما هو من تشنيع العوام، وأقوال الحسدة الطغام، ثم لم يلبث كتيلة بعده إلى أن عاد إلى ماردين فمات ﵀. قلت: ولما انتهيت في ترجمتي هذه إلى هنا وقعت على أصوات له صنع فيها ألحانًا مشهورة مما حدثني به خواجا محمد المارديني، وكان من خلطائه، وأهل صحبته، فمنها شعر الحلاوي (١) وهو (*) [من الكامل]

стр. 3367

أَلِفَ المَلامَ ولامَ عَنْ مِيْثَاقِهِ … رَشَأْ فِرَاقُ النَّفْسِ دُوْنَ فِرَاقِهِ عَذْبُ اللَّمى حُلْوُ الخِلال كَأَنَّما … خُلِقَتْ مَرَاشِفُ فِيْهِ مِنْ أَخْلاقِهِ دَقَّتْ مَعَانِي حُسْنِهِ وَلِقَدِّهِ … عَبِثَ الأَنَامُ مِنَ القَنَا بِدقاقه يَهْوَى الوِصَالَ ولو بأَيْسَرِ مَوْعِدٍ … ويصدُّ حَتَّى الطيفَ عَنْ مُشْتَاقِهِ يا مُحْرِقًا قَلْبًا أَقَامَ بِرَبْعِهِ … أَلا كَفَفْتَ جَفَاكَ عَنْ إِحْرَاقِهِ ومنها في الشعر الحلاوي أيضًا: [من الكامل] أَحْيَا بِمَوْعِدِهِ قتيلَ وَعِيدِهِ … رَشَأْ يَشُوبُ وِصَالَهُ بِصُدُودِهِ قمرٌ يَفُوقُ عَلَى الغَزَالَةِ وَجْهُهُ … وعلى الغَزَالِ بِمُقْلَتَيهِ وَجِيْدِهِ يا ليتَهُ بَعْدَ المَلامِ فَإِنَّهُ … ما زال ذا لَهَجِ بِخُلْفِ وُعُودِهِ يفترُّ عَنْ عَذْبِ الرُّضَابِ حَياتُنا … في وِرْدِهِ والموتُ دُوْنَ وُرُودِهِ قمر أَطاعَ الحُسْنَ مِنْهُ وَجْهَهُ … حتَّى كَأَنَّ الحُسْنُ بَعْضُ عَبِيدِهِ أنا في الغَرَامِ شَهِيدُهُ ما ضَرَّهُ … لَوْ أَنَّ حَبَّةَ وَصْلِهِ لِشَهِيدِهِ وهذه الأبيات من قصيدة فائقة منها مدح الملك الناصر داود: [من الكامل] يا يُوسُفَ الحُسْنِ الذي أنا في الهَوَى … يعقوبه ينمى إلى داوده اشكواليه من الزمان فإنّهُ … مَلِكُ يشيبُ سَطَاهُ رَأْسَ وَلِيدِهِ مَلِك إذا … لاح لواؤُها … هَزَمَتْ كتائبها طَوَالِعُ جُودِهِ غَمَرَتْ مَوَاهِبُهُ العُفاةَ فأصبحتْ … تُرجَى المَواهِبُ مِنْ وُفُودِ وُفُودِهِ وإذا العدو … لَذَن رِمَاحِهِ … فَتَكَتْ ثَعَالِبُها بِغُلْبِ أُسُودِهِ مِنْ كُلِّ أَسْمَرَ في الملاحم طالمًا … عادَى الرَّدَى مُهَجِ الكُماة بِعُودِهِ غَصَبَتْ عَوَاملَها الظلام نُجُومها … والبانُ قَدْ سَلَبَتْهُ لِيْنَ قُدُودِهِ سُمْرٌ إِذا الجَبَّارُ سامَ دِفَاعَها … وَرَدَتْ أَسِنَّتُها بِجَمْع وُرُودِهِ عدناتها صُفْرٌ كوَجْهِ عَدُوِّهِ … بِالنَّصْرِ تَخْفِقُ مِثْلَ قَلْبِ حَسُودِهِ مَلِكٌ أَلَانَ لنا الزمان وإِنَّما … دَاوِدُ مُعْجِزُه لِلِيْنِ حَدِيدِهِ ومن أصوات كتيلة مما ذكر لي صاحبه خواجا محمد المارديني: أن كتيلة غناه بين يدي سلطاننا، فأجزل عطاياه، ورفع على كاهل الجوزاء مطاه: [من الكامل] مَلِكَ المُلوكِ محمَّدٌ أَنْتَ الَّذِي … ذَلَّتْ مُلُوكُ الأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْهِ شَرَفُ المُلوكِ بأن تكونَ عَبِيدَهُ … أَوْ أَنْ يكونوا واقفينَ لَدَيْهِ جَهِدُوا وما دَانَوكَ في أَدْنَى العُلا … هَيْهاتَ إِنْ يصل الملوك إليه وإذا هُمُ بَلَغُوا السَّماءَ مَكَانَةٌ … لمَّا تَرَامَوا في السَّمَاحِ عَلَيْهِ

стр. 3368

والشعر لرجل من أهل ماردين. ومنها صوته في شعر القاضي أبي الحسن: [من الطويل] أَأَيَّامَنا بين الكثيبين في الحِمَى … وَطِيبَ ليالينا الحميدة فيهما صَحِبْنا بها شَرْخَ الشَّبابِ فَدَلَّنا … على أَعْيُنٍ كانتْ عَنِ البَيْنِ نُوَّما فَمِنْ قائل لا آمَنَ الدَّهْرُ حاسدًا … وقائلةٍ لا رَوْعَ البَيْنُ مُغْرَما بَدَتْ صُفْرَةٌ في وجنتيه فلمْ تَزَلْ … مدامِعُهُ حتَّى شَرِينا بها دَمَا ومنها صوته في شعر ابن زريق البغدادي (١): [من البسيط] بالله يا منزل القصف الذي دَرَسَتْ … آثارُهُ وعَفَتْ مُذْ بِنْت أَرْبُعُه هل الزمان معيدٌ فِيْكَ لَذَّتَنا … أَمِ اللَّيالي التي أَمْضَتْهُ تُرجِعُهُ في ذِمَّةِ اللهِ مَنْ أَصْبَحْتَ منزِلَهُ … وجاد غيثًا على مَغْنَاكَ يمرعه مَنْ عِنْدَهُ ليَ عَهْدٌ لا يُضَيِّعُهُ … كمالُهُ عَهْدُ صِدْقٍ لا أُضَيِّعُهُ (٢) وقصيدة ابن زريق التي منها الصوت معروفة مشهورة لها في كل ناد نداء، ولها في كل واد حداء، وجملة مختارها سواه (٣): [من البسيط] لا تَعْذُلِيهِ فإنَّ العَذْلَ يُولِعُهُ … قَدْ قُلْتِ قولًا ولكن لستُ أَسْمَعُهُ جاوزت في لومه حدَّ المُضَرِّ بِهِ … مِنْ حيثُ قدَّرْتِ أَنَّ اللوم يَنفَعُهُ فاستعملي الرفق في تأنيبِهِ بَدَلًا … مِنْ عُنْفِهِ فهو مُضْنَى القلبِ مُوْجَعُهُ يكفيهِ مِنْ رَوْعَةِ [التفنيد] أَنَّ لَهُ … مِنْ الهَوَى كُلَّ يوم ما يُرَوِّعُهُ ما آبَ مِنْ سَفَرٍ إلا وأَزْعَجَهُ … عَزْمٌ إِلى سَفَرٍ بالرُّغْمِ يُرْمِعُهُ كأَنَّما هُوَ في حِلٌ ومُرْتَحَلٍ … مُوَكَّلٌ بقضاءِ الْأَرْضِ يَذْرَعُهُ والله قسم بين الناسِ رِزْقَهُمُ … لم يخلُقِ اللهُ مِنْ خَلْقٍ يُضَيِّعُهُ أستودع الله في بغداد لي قمرًا … بالكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ ودَّعْتُهُ وبودي لو يُعاجِلُنِي … ورد الحمام وأني لا أُوَدِّعُهُ لا أكْذِبُ الله ثَوْبُ الصَّبْرِ مُنْخَرِقٌ … عَنِّي بفُرقَتِهِ لكنْ أُرَتِّعُهُ إنِّي لأَقْطَعُ أَيَّامِي وأُنْقِدُها … لحَسْرَةٍ مِنْهُ فِي قَلْبِي تُقَطِّعُهُ

стр. 3369

لأَصْبِرَنَّ لِدَهْرِ لا يُمَتِّعُنِي … بِهِ ولا بي في حالٍ يُمَتِّعُهُ علمًا بأن اصطبارِي مُعْقِبٌ فَرَجًا … فَأَضْيَقُ الْأَمْرِ إِنْ فَكَرْتَ أَوْسَعُهُ عَسَى الليالي التي أَضْنَتْ بفرقتنا … سمحى سَتَجْمَعُنِي يومًا وتَجْمَعُهُ وإِنْ تَغُلْ أَحَدًا مِنَّا مَنِيَّتُهُ … فما الذي في قضاء الله يَصْنَعُهُ وموضع الصوت يكون أوله تلو: إني لأقطع أيامي وأنفدها .. البيت ومن أصوات كتيلة في شعر البارع (١): [من البسيط] بالله يا ريحُ إِنْ مُكِّنْتِ ثانيةً … مِنْ صُدْغِهِ فَأَقِيمي فيه واسْتَتِرِي وراقبي غَفْلَةٌ مِنْهُ لِتَنْتَهِزِي … لي فُرْصَةً وتَعُودي مِنْهُ بالظَّفَرِ وإنْ قَدَرتِ على تشويش طُرَّتِهِ … فَشَوِّشِيها ولا تُبْقِي ولا تَذَرِي ولا تَمَسِّي عِذَارَيهِ فَيَفْضَحَنِي … بنفحَةِ المِسْكِ بينَ الوِرْدِ والصَّدَرِ وتتمة هذه القطعة: وباكري عَذْبَ وِرْدٍ مِنْ مُقَبَّلِهِ … مُعَلَّلِ الطَّعْمِ بَيْنَ الطَّيْبِ والخَصَرِ ثُمَّ اسْلُكِي بَيْنَ بُرْدَيْهِ على عَجَلٍ … واسْتَبْضِعي الطَّيْبَ وَأَتِيني على قَدَرِ ونَبِّهِيْنِي دُوَيْنَ القَومِ وانْتَقِضِي … عَلَيَّ والليلُ في شَكٍّ مِنَ السَّحَرِ لعلَّ نَفْحَةَ طِيْبٍ مِنْكِ ثانيةً … تَقْضِي لُبَانَةَ قَلْبِ العَاقِرِ الوطر ومن أصواته في شعر الجلال بن الصفار المارديني (٢): [من الكامل]

стр. 3370

يسعى بأبرق ذا من ثغره تجنى … وذا من مقلتيه قاتل عنين إنسانًا هما من لَحْظِهِ … ذا سايف وبِهَدْيِهِ ذا بابل فَمَتَى تَقُومُ قيامَتِي بِوِصَالِهِ … ويَضُمُّ شَمْلَينا مَعَادٌ شَامِلُ وأَكُونُ مِنْ أَهْلِ الخَطايا خَدُّهُ … نارِي وصُدْعَاهُ عليَّ سَلاسِلُ وأولها: أَينَ السُّلُو وما يَرُومُ العادِلُ … مِمَّنْ لهُ بِهَوَاكِ شُغْلٌ شَاغِلُ أَنا ما سَلَوْتُ وَبَرْقُ فِيْهِ خُلَّبٌ … أَسْلُو وعارِضُهُ أَمامِي سَائِلُ ومن أصواته في شعره أيضًا: [من الطويل] وفي حزرم لما حَلَلْنا فِنَاءَها … سُكَارَى حَيَارَى تَحتَ ظِلِّ الغَياهِبْ تبدَّتْ لنا عِنْدَ الصَّباح طَلِيْعَةٌ … مِنَ التَّمْكِ مُرْدٌ فَوْقَ جُرْدِ السَّلَاهِبِ بأيديهِمُ سُمْرٌ طِوَالٌ كأَنَّما … أَسنَّتُها تبغي التقاط الكَوَاكِبِ تَثَنَّوا غُصُونًا في السُّرُوجٍ وأَطْلَقُوا … سِهَامَ لِحَاظٌ مِنْ قِسِيِّ الحَوَاجِبِ والقوا القنَا المُران عنْهُمْ وقَوَّمُوا … قدومًا أَعَدُّواها لِقَرْعِ الكَتَائِبِ ولوْ كَشَفُوا بيضَ العَوارِضِ في الوَغَى … لأغْنَتْهُمُ عَنْ مِثْلِ بِيْضِ القَوَاضِبِ ومن أصواته في شعره أيضًا: [من الكامل] بَرْقٌ بَدَا أَمْ تَغْرُكَ المَنْعُوتُ … أَمْ لُؤْلُؤُ قَدْ ضَمَّهُ يَاقُوتُ يا للنَّصَارَى بَرْقِعُوا شَمَّاسَكُمْ … قبلَ الضَّلالِ فَإِنَّهُ طَاغُوتُ ما قام أُقْنُومُ الجَمَالِ بِوَجْهِهِ … إلا وفي ناسوته اللاهوت يشتاقُهُ قَلْبٌ إليهِ طائِرٌ … صَبُّ وطَرْفٌ حَائِرُ مَبْهُوتُ فاحسن فإِنَّ الحُسْنَ وَصْفٌ زَائِلٌ … واصْنَعْ جَمِيلًا فالجَمَال يَفُوتُ واسْتَبْقِ مِنْ أَهْلِ الغَرَامِ ولا تَجُرُ … فيقِلُدُوكَ دِماءَهُمْ ويموتوا أخبرني الجمال المشرقي - ما معناه: أنَّ أبا كتيلة كان يعرف وزجاجته ما أبرزت، وكانت له معه نوادر تستحسن، ووقائع لا يعرف أنها أحسن. قال: ومنها أنه لما اشتد يافعًا، وأصبح لا يراد منه نافعًا، سلك سبيل العتب في الإدلال، وفرط وأفرط في الاحتمال، حتى أتى إلى بركة كان قد صنعها النجم تجيء

стр. 3371

ملونة بالزجاج مشفقة كالقصور والجام قد اقتمت حروفها وأحكم تأليفها، فأخذ حجرًا بده ورماها به فلمها، وحطّ رتبة حسنها، وحَطَّمَها فقال فيه: [من الرجز] قُلْ للذي ثَلَمَ بُرْكَةً … مَا يَأْخُذُ النَّارَ وَلَوْ هَدَّهَا فَتَحْتَ في أَسْفَلِهِ ثُغْرَةٌ … لو عاش ذُو القَرْنَين ما سَدَّهَا قال: ثم تعدى سوط عدا يقال، وتعالى قدره في بلاد ماردين، فخدم في أعمالها، وختم بتصرفه على مالها، وولي نظر دنيسر، وهمى عليه صوب الرزق فأيسر، ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة، وتعلّما، وكبرا، وتقدما، إلا أن الحمام أتى على مسعود أولًا، وشبابه شارخ وغناؤه لم يصرخ باسمه صارخ، فبقي الذكر لأخيه مفردًا، كأن لم يكن سواه من أبيه. قال: وكان مسعود متعلّقًا بحبائل ابن الملك المنصور صاحب ماردين لا يخاف منه الخبر، ولا يسيل دونه السقر، وكان الملك المنصور قد أخذ ابنة الجنك البغدادية الغنية بغتة من بغداد، وأتى بها إلى ماردين، وتركها بها مقيمة وأهلها لا تعرف أرضًا ابتلعتها، أو سماء اقتلعتها، وكان سبب هذا أنَّ الملك المنصور كان رجلًا جسيمًا، وكان نقص عيار الدراهم بماردين حتى حوّل الدراهم مقدار الثلاثين؛ فلما نزل الأرد ببغداد إذ سافر للقاء القان، فلما كان يوم دخوله إلى بغداد، إذ خرج أهلها ليروه، وكانت ابنة الجنك ممن خرجت؛ فلما مرَّ عليها، قالت لبعض من كان عندها: من هو صاحب ماردين في هؤلاء؟، فقيل لها: هذا، وأشاروا إليه، فنظرت إليه وقالت: كل هذا بثلاثين إلا مارديني هو، فدخلت كلمتها في صماخ أذنه، وأذكت عليها نار إحنه، فطلب بعض خاصة قومه وأمره أن يتعرف أمرها حتى عرفها، ثم علا عليها حتى أحضرها إليه ليلًا؛ لتغنيه، فاخطفها، وأركبها الخيل وسبق بها النهار والليل حتى أتى بها ماردين، وقبرها في بعض دورها، وتركها لا تحفل بأمورها، ثم أحضرها ليسمع غناءها فما رآها حتى رابه أمره، وخامر لبه خمره، وتلف بها جَوّى في الجوانح، وهوى صاد شركة الجوارح، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب، وكانت قد أنست إلى مسعود غدا يقال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلًا إليها إلا بأن حسبن لابن الملك المنصور حبّها، وهوّن عليه قربها، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل، وأتى مع ابنه إليها وباتا يحثان كؤوس الراح عليها؛ فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت، وحدثته ثقاة خبره بالليلة التي جرت، فأحلّ بمسعود المنحوس الحمام، وأورده مورد الموت الحمام وخافت بنت الجنك، فأمسكت خفيها على يديها، وتدلت من الشاتورة

стр. 3372

حتى ثبتت على الأرض قدميها، ولقيه هناك خدمتها، وكانت قد اتعدت مع ثقاة لها منهم إلى هناك بالخيل، وسارت تقطع الآكام، وتسابق السحاب الركام، حتى وافت مدينة سنجار وبها الأمير يحيى بن الجلال، فاستجارت به فأجارها، ووسع تحت نقاط يده وجارها، وأتى الخبر الملك المنصور فقتل صبرًا، ولام أهل مشورته للتدبير، وبعث رسله إلى ابن الجلال، يعتب فضم ظهور المطي، وخصم ألسنة الملي البدري، وأعلمه بما يجد لفرقتها، ويكوي به من نار حرقتها، فبعث بها إليه، فتلقاها وأقرها لديه على أتم الأحوال وأبقاها، وذهب دم ابن غدا يقال هدرا، وكان حمه لها قدرا. ومنهم: [١٤٨] خالد لو أدركه عبد المؤمن، لأخذ عنه النوب، أو السهروردي، لعلم أنه سهروردي وما حصل من العلم إلا على اسم الطرب، لو حضر مجلس ابن المهدي، ليتقن أنه ما اهتدى، أو ماثل ابن بانة لما مال غصنه متأودًا، أو لو طارح الأمير بن طاهر، لود أن يكون من عدته، أو الهذلي لأقرانه لأقصره عن مداه، إلا أن طائفة تغض منه غض الحاسد، وتريد أن يكون لها مثل سيفه الخالد، وهيهات إنما يضرب في حديد بارد، وتظن أنها من أقرانه، ولكن من هو من أقران خالد، لو كان في زمانه سميه خالد بن عبد الله القسري، لبادر العيش، وانتهب، أو عاصر سميه الآخر خالد بن يزيد الأموي، لعلم أن صنعة الطرب والغناء أجدى عليه من صنعة الكيمياء والذهب، فقد خلد له ذكرًا، وخلف له ما يحتاج سامعه معه شكرًا، وأبقى له ما إذا ذكرته به لا أزيد عليه شكرًا. ومن أصواته: [من البسيط] رُدُّوا على مُقْلَتي النَّومَ الذي ذَهَبًا … وخَبِّروني بقلبي أين ذهبا علمت لمَّا رَضِيتُ العَيْشَ مَنزِلَةً … أَنَّ المنامَ على عَيْنَيَّ قَدْ غَضِبا إنِّي لَهُ عَنْ دَمِي المَسْفُوكِ مُعْتَذِرٌ … أَقُولُ حَمَّلْتُهُ مِنْ سَفْكِهِ تَعَبَا هَلْ تَشْتَفِي مَنكَ عَيْنُ أَنْتَ نَاظِرُها … قَدْ نَالَ مِنْها سهاد الليل ما طَلَبَا ما [ذا] تَرَى في مُحِب ما ذُكِرَتْ لَهُ … إِلا بَكَى أَوْ شَكَا أَوْ حَنَّ أَوْ طَرِبَا يَرَى خَيَالَكَ في المَاءِ الزُّلالِ إِذَا … رَامَ الشَّرَابَ فَرَوَّى مِنْهُ مَا شَرِبا (١)

стр. 3373

والشعر للأرجاني (١)، والغناء فيه رمل. وكذلك صوته في شعره أيضًا والغناء فيه دوكاه وهو: [من الكامل] إِنْ كُنْتَ عَنْ نَظَرِ المُحِبِّ تَغِيْبُ … فَهَوَاكَ مِنْ كُلِّ القُلُوبِ قَرِيبُ لَكَ في سُوَيْدَا القَلْبِ أَشْرَفُ مَنْزِلٍ … ما حَلَّ فِيهِ سِوَاكَ قَطَّ حَبِيبُ يا مَنْ يُحَجِّبُ غُرَّةً عَنْ نَاظِرِي … أَنْتَ المُنى والسُّولُ والمَطْلُوبُ وحياةِ وَجْهِكَ إِنَّ جَيْشَ تَصَبُّرِي … ولَّى وجَيْشُ عَزِيمَتِي مَغْلُوبٌ وله صوت في شعر ابن نباتة المصري (٢) والغناء فيه من عراق وهو (٣): [من البسيط]

стр. 3374

نادَى وقَامَتُهُ تَهْتَزُّ بالتِّيْهِ … فَكَادَتِ الشَّمسُ قَيْدَ الرُّمْحِ تَحْكِيهِ وقُمْتُ أَذْكُرُهُ بالظَّبْيِ مُلْتَفِتًا … فقالَ لِي طَرْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيْهِ ما للذي فَتَنَتْ طَرَّفِي مَحَاسِنُهُ … أَضْحَى يُعذِّبُ رُوْحِي وَهِيَ تَفْدِيْهِ ومالعاذِلِ قَلْبي في مَحبَّتِهِ … تَعْبانَ يَدْخُلُ فيما لَيْسَ يَعْنِيهِ القلبُ قَدْ أَسْكَنْ الله الحبيب بِهِ … فما الملام على حالٍ بِمُخْلِيهِ لا يَخْتَشي بيتُ قَلْبِي غَزْوَ لائمة … فإنَّ للبيتِ رَبًِّا سَوْفَ يَحْمِيهِ وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه راست معشق الدقات وهو: [من المديد] زارَ والوَاشُونَ قَدْ غَفَلُوا … رَشًَا مِنْ رِيْقِهِ ثَمِلُ كُلُّ مَخْلُوقٍ لهُ أَجَلٌ … وهَوَاهُ ما لَهُ أَجَلُ صِرْتُ في حُبِّي لهُ مَثَلًا … وحَلَا لِي ذَلِكَ المَثَلُ قلتُ: قَدْ أَتلفتنِي مَلَلًا … قالَ: كمْ قَدْ أَتْلَفَ المَلَلُ وله صوت في شعر ابن عربي، والغناء فيه دوكاه: [من البسيط] نَعَمْ لقَلبِي بِبَاناتِ الحِمَى أَرَبُ … ولِي دُمُوعٌ لِذِكْرَاهِنَّ تَنْتَسِبُ هَبَّتْ لَهُ نَسْمَةٌ مِنْ نَحْوِ كاظِمَةٍ … فَاعْتادَهُ لهُبوبِ النَّسْمَةِ الطَّرَبُ يا سَاكِنِي الجَزْعِ [لي] في حَيْكُمْ قَمَرٌ … طَرْفِي على البُعْدِ يَرْعاهُ وَيَرْتَقِبُ بَدْرٌ بِهِ يَهْتَدِي السَّارِي فَوَا عَجبًا … يَجْلُو الدُّجَى قَمَرٌ بِالشَّمْسِ مُحْتَجِبُ وله صوت في شعره أيضًا والغناء فيه رمل: [من الرمل] مَنْ لقلب بالعيون النُّجْلٍ مُضْنَى … حُسْنُها أَورثَهُ سُقْمًا وحُزْنا وفؤاد ما أَتاهُ خَبَرٌ … عَنْ أُهَيْلِ المُنْحَنَى إِلا وَحنَّا ورَشِيقِ الخَدِّ أَلْمَى أَسْمَرٍ … هَزَّ مِنْ قَامَتِهِ أَسْمَرَ لَدْنَا خِلْتُهُ لمَّا تَبَدَّى غُصُنًا … فَتَجلَّى قلتُ: بدرٌ قَدْ تَثَنَّى وكذلك له صوت في شعره والغناء فيه كوشتا، وهو: [من الخفيف] كل يوم يزيد وجهكَ حُسْنًا … وفُؤَادِي يزيد وجدًا وحُزنا أَنْتَ واللهِ أَحْسَنُ الناسِ شَكْلًا … ما للفظ الجَمَالِ غيرُكَ مَعْنَى لي قلب يَحِنُّ نحوكَ شَوْقًا … وضُلُوعٌ على الصَّبَابَةِ تُحْنَى مَنْ يكُن رَامَ عَنْ هَوَاه سُلُوًّا … فأَنا المُدْنَفُ الكَثِيْبُ المُعَنَّى وله صوت أظنّه في شعره أيضًا، والغناء فيه عراق، وهو: [من البسيط] لو بلغ الشوق هذا البارقُ السَّارِي … أَوْ بَعْضَ وَجْدِي الذي أُخْفِي وَتَذْكَارِي

стр. 3375

ما بِتُ أَرْعى الدُّجَى شَوْقًا إلى قمرٍ … ولا مُعَنِّي بطيف طارق طارِ جيراننا كُنْتُمُ بالرَّقْمتينِ فَمُذْ … بَعُدْتُمُ صارَ دَمْعِي بَعْدَكُمْ جَارِي فَكَمْ أواري عزمًا من جوّى وأسى … زِناده تحتَ أَثناء الحَشَا وارِي وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه ماه يوسليك، وهو: [من الكامل] شَوْقِي إليكَ أُجِلُّهُ أَنْ يُذكَرا … وهوى يَرِقُ لَطَافَةً أَنْ يُنشَرا بيني وبينكم إذا حَكَمَ الهَوَى … فَرْقٌ كما بين الثريا والثرى ريم رمى قَلْبي فأصبح ساكنًا … فيهِ ومَسْكَنُهُ أَصابَ وما دَرَى ساومتُهُ رُوحي وكانتُ مُلكَهُ … فَأَبَى وقالَ: الوقف ما يُشْتَرى وله صوت في شعر محاسن الشعراء، والغناء فيه مبرقع وهو: [من البسيط] أَشكُو إلى اللهِ لا أَشكُو إلى أَحَدٍ … حُزْنًا يُكابده من بعدكم كبدي أحبابنا كيفَ أَسْلُو عَنْ مَحبَّتِكُمْ … وعَقْدُ ودِّكُمُ دِيني ومُعتَقَدِي وبين حُبِّكُمُ والرّوحِ مَعْرِفةٌ … تأكَّدَتْ قبل خلقِ الرُّوحِ والجَسَدِ لا تأْخُذُوا بدمي أجفانَ ظَبْيكُمُ … فالروحُ رُوحِي وَقَدْ أَتْلَفَتُها بيدي وكذلك أيضًا: [من الوافر] بِعادُكَ عَلَّمَ النَّومَ البِعادًا … وكَحَلَ مُقلتي فيك الشهادا أو ويا سهما خيالًا منكَ يَسْرِي … فلو أَرْسَلتَ طيفًا ما أَرَادا وألهبت القُلُوبَ بنارِ شَوْقٍ … أَبَتْ يومَ النَّوى إلا النفادا ولمْ تَتْرُكْ لِذِي طَرْفِ مَنَامًا … يُلِمُّ ولا لِذي جَلَدٍ فُؤادا والشعر للمجاور، والصوت فيه طرف. وكذلك صوته في شعر شيخنا أبي الثناء الحلبي والغناء فيه محير الحسيني: [من الخفيف] أَيُّها المَنْزِلُ الذي كانَ فيهِ … لِتَجَلِّي شُمُوسِهِمْ إِشْرَاقُ والذي كانَ فيهِ بَدْرُ المَسرًا … تِ تمامًا لا يعترِيهِ مُحَاقُ أَوْ حَشُوني مُذْ فارَقُونِي فَهَلْ أَصـ … بحتَ مِثْلي إليهم تَشْتاقُ فابْكِ لِي مُسْعِدًا عليهم فلابًا … سَ إذا ما تساعد العُشَّاقُ وكذلك صوته في شعر ابن نباتة المصري (١): [من مجزوء الكامل]

стр. 3376

يا قلبُ أَنْتَ َومُقْلَتي … مُتَحاربان كما ترى هاتيك تمنعُكَ الهُدُوْ … وَ َوأَنتَ تمنعها الكرى وأنا الذي قاسيت بين … كما العذاب الأكبرا وكذلك صوته في شعره أيضًا والغناء فيه زنكلا: [من الهزج] غَنِيَّ الحُسْنِ خالي الوجنتين … متى يقضي وعود الهجر ديني؟ مَتَى بالشَّغْرِ والخَدَّينِ تحلو … بَوَارِقُ رَامة والرقم شين أَبُبُّكَ أَنَّ عَاذِلِيَ المُعَنَّى … راكَ بعينِ حِبِّ مِثلِ عَيْني فَحَاكَى قَلْبُهُ قَلْبِي خُفُوقًا … وحَكَمَكَ الهوى في الخَافِقَيْنِ وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه راست وهو: [من البسيط] بِي مِنْ جَفَاكِ صَبَاباتٌ وتَسْهيدُ … فهل ليوم وصالٍ مِنْكِ مَوْعُودُ سلي نُجُومَ الدُّجَى تُنْبِيكِ عَنْ سَهَرِي … لتعلمي أَنَّ يومي فيكِ مَفْقُودُ أَوْ فانظري سَقَمِي إِنْ كنتِ مُنكرةً … فالعَيْنُ تَشْهَدُ والأخبارُ تَقْلِيدُ يا ضَرَّةَ الشَّمْسِ عُودِي غيرَ هاجِرَةٍ … عَسَى بِوَصْلِكِ أَنْ يَحْضّر لي عُوْدُ وكذلك له صوت في شعر مجهول والغناء فيه عراق: [من الكامل] حَسْبُ المُحِبِّ فَقَد تَمَزَّقَ صَبْرُهُ … وبَدا لعاذِلهِ المُعَنَّفِ عُذْرُهُ في حُبِّ أَغْيَدَ لم تزل أَجْفَانُهُ … مكسورةً فيها تأَكَّدَ نَصْرُهُ ظبي وغُصْنُ مُقلتاهُ وقَدُّهُ … بَدْرٌ وليلٌ وَجْنتاهُ وشَعْرُهُ أقسى مِنَ الصَّحْرِ الأَصم فُؤَادُهُ … وأَرَقٌ مِنْ شَكْوَى المُتيمِ خَصْرُهُ وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه حسيني وهو: [من السريع] مَنْ عَلَّمَ الغُصْنَ الرَّطِيبَ الدَّلال … حتَّى سَطَا جورًا علينا ومال ومَنْ أَحَلَّ القتل في مَذْهَبِ الـ … حُبِّ وأَفتى أَنَّ هذا حلال يا فتنة العاشقِ مِنْ واضح … يُشْرِقُ في جُنْحِ الدُّجَى كالهلال أَحْوَرَ كالحُورِ ولكنَّهُ … يَنفِرُ مِنْ عَاشِقِهِ كَالغَزَال وكذلك له صوت في شعر مجهول، والغناء فيه عراق: [من مجزوء الكامل] ومُهَقْهَفٍ كالغُصْنِ مائل … مُرِّ الجَفَا حُلْوِ الشَّمائل مِنْ مُقْلتيهِ صَوَارِمٌ … ومِنَ الجُفُونِ لَهُ حَمَائل تَرفُ الدَّلالِ يكاد يُد … ميهِ مِنَ التَّرِفِ الغَلائل كمْ عُنْفَتْ فيهِ الوُشا … ة وأطنبتْ فيهِ العَوَاذِل

стр. 3377

وكذلك له صوت في شعر مجهول، والغناء فيه نكارى: [من البسيط] ناولتها شِبْه خَدَّيها مثشَعْشَعَةً … مِثْلَ الصَّباحِ تُحاكِي ضَوءَ مِقْبَاسِ فقبلتها وقالت وهي ضاحكةٌ … فكيفَ تَسْقِي خُدُودَ الناس للناس قلتُ: اشربي إنَّها دَمْعِي وعاصِرُها … دَمِي وطابخها في الكأس أنفاسي قالت: إذا كنتَ من أَجْلِي بَكَيْتَ دَمًا … فَسَقْنِيها على العينين والراس وكذلك له صوت في شعر مجهول والغناء فيه زاولي: [من الطويل] أَمِنْ أَرْضِ ليلى للنَّسيم هُبُوبُ … فَمِنْ نَشْرِها فِيهِ تَضَوَّعَ طِيبُ تَهُبُّ قَبُولًا والقَبُولُ أَمامَهُ … وتَسْرِي جَنُوبًا والغُرَابِ جَنِيْبُ صَبَا للصبا قَلْبي وكُلُّ مَتُيَّم … يَحِنُّ إذا هَبَّتْ صَبًا وجَنُوبُ وأرتاح منها للرياح إذا سَرَتْ … مِرَاضًا كَأَنِّي للنسيم نَسِيبُ وله صوت في شعر الخطيب يوسف الصوفي، والغناء فيه زنكلا، وهو: [من الكامل] أَبْدَى دَلالُكِ للغَرَامِ دَلائِلا … فَعَصَيْتُ لُوَّامًا ولمتُ عَوَاذِلا وإذا رأيت القلب يَشكُو في الهوى … فَقْرًا إليكِ جَعَلتُ دَمعِي سائلا يهنيكِ أَنَّ الشَّوق أمسى نازلًا … في مُهجتي والصبر أصبح راحلا وتركتِ عَزْمِي مِثْلَ جَفْنِكِ ناحلًا … وجَعَلْتِ جِسْمِي مِثْلَ خَصْرِكِ نَاحِلا وله صوت في شعر شيخنا أبي الثناء، والغناء فيه رمل، وهو: [من الطويل] أَشَوقُ وهُمْ في رَبْع قَلْبِكَ سُكَّانُ … ووَجْدٌ وما شَطَّ المَزار ولا بانوا نَعَمْ هِيَ رُوحٌ أَحْرَقَتها صَبَابَةٌ … فَسَالَتْ دُمُوعًا والجوانح أَجْفَانُ تَمُرُّ بها الأنفاسُ وهيَ رَطِيبَةٌ … وتَرْجِعُ عنْها وهي بالوَجْدِ نِيرَانُ فلو كان هذا الدمع ماء لأعشبتْ … رُبى الحي وامْتَلَتْ مِنْه غُدْرَانُ وله صوت في شيخنا الصائغ بن سباع، والغناء فيه رمل، وهو: [من الكامل] حَبَسَ الهَوَى نَوْمي وأَطْلَقَ أَدْمُعِي … ضَنًَّا بطَيْفِكَ أَنْ يُلِمَّ بِمَضْجَعِي يا ساكِنَ الجَفْنِ القَرِيحٍ أَما تَرَى … حَقًّا لجارِكَ في هَوَاكَ مُضَيِّعي وأنا الفداء لنازح سَكَنَ الغَضَا … مِنْ مُهجتي والمنحنى مِنْ أَضْلعي أبدًا يلوحُ خَيالُه في ناظري … ويَجُولُ طِيبُ حديثه في مَسْمَعِي ولقد شكوت إلى الفِراقِ صَبَابَتي … يومَ النَّوى ووُلُوعَ قَلْبِي المُوْجَعِ فأبى وعيشِكَ أَنْ يَرِقَ لحالتي … أَوْ أَنْ يُجِيبَ هناك سائل أَدْمُعِي

стр. 3378

وله صوت في شعر أبي تمام حبيب بن أوس (١)، والغناء فيه زاولي، وهو: [من الخفيف] حَسُنَتْ عَبْرَتي وطابَ نَحيبي … فِيكَ يا كَنْزَ كُلِّ حُسْنٍ وطِيْبِ لكَ قَدْ أَرَقُ مِنْ أَنْ يُحاكى … بقضيب في النَّعْتِ أَوْ بكتيب جار حكمي في قلبِهِ وهَوَاهُ … بعد ما جارَ حُكْمُهُ في القُلُوبِ كَادَ أَنْ يكتبَ الهوى بينَ عينيـ … هِـ كتابًا هذا حبيبُ حبيبِ وكذلك صوته في شعره، والغناء فيه زاولي، وهو: [من مجزوء الخفيف] لا وَوَرْدٍ بِخَدِّهِ … واعتدالٍ بِقَدِّهِ لا تَعَشَّقْتُ غيرَهُ … لَوْ بَرَانِي بصَدِّهِ إن يكن أَقْسَمَ الهَوَى … بَعْدَ تصحيح وِرْدِهِ فَعَسَاهُ بَعْدَ التَّمَنُّ … ع يرثي لدِهِ وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه حسيني، وهو: [من مجزوء الخفيف] رُبَّ ليلٍ سَهَرْتُهُ … فيكَ لولاك تِمْتُهُ بحَنِين وَلَوْعَةٍ … وبُكاءٍ قَطَعْتُ قَلِقَ العَيْنِ مُفكِرًا … في وصالٍ حُرِمْتُهُ فَلِقَ الْعَيْن بأَبِي وجهك الجَمِي … لُ الذي لا عَدِمْتُهُ وله صوت في شعر ابن مطروح (٢)، والغناء فيه راست، وهو (٣): [من الكامل] أَوْثَقَتِنِي مِنْ ناظريكِ جِراحا … وتركتني لا أستطيعُ بَرَاحَا

стр. 3379

أَحَسِبْتِ أَنِّي سَاليًا لا والذي … أَبْدَى بليلِ الشَّعْرِ مِنْكِ صَبَاحا ما بُحْتُ بالسِّرِّ المَصُونِ وإِنْ سَلَا … غيري وخان عهوده وأباحا لكنَّني حَرَّمْتُ عنكِ تصبري … ورضِيتُ قتلي في هَوَاكِ مُبَاحا وله صوت في شعر البهاء زهير والغناء فيه أصفهان راست وهو (١): [من مجزوء الكامل] يا مُعْرِضًا مُتَعَصِّبًا … حاشاكَ يا عَيني ورُوحي لمْ يَدْرِ ما فَعَلَ البُكا … ءُ عليكَ بالجَفْنِ القَرِيحِ لكَ مِنْ ضَمِيري ما عَلِمـ … تَ تَبِهِ مِنَ الوُدِّ الصَّحِيح فَمتى أفوز بنظرةٍ … مِنْ وَجْهِكَ الحَسَنِ المَلِيحُ وكذلك له صوت في شعره، والغناء فيه حسيني: [من مجزوء الكامل] يا غادِرِينَ أَلم يكن … بيني وبينَكُمُ عُهُودُ ظهرت وبانت لى قضيَّـ … تُكُمْ فَمَا هذا الجُحُودُ وحلفتُمُ ما خُنْتُمُ … وعلى خيانتِكُمْ شُهُودُ يا مَنْ تَبَدَّلَ في الهَوَى … يهنيكَ صاحبُكَ الجَدِيدُ وله صوت في شعر الأمجد (٢) والغناء فيه جاركاه (٣): [من الطويل] تُرَى تَسْمَحُ الأَيَّامُ لِي فَأَرَاكُمُ … وأَشْكُوا إِلَيكُمْ مُنْذُ يَومِ نَوَاكُمُ

стр. 3380

فيا ليتَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ بِنْتُ عَنْكُمُ … ويا ليتَ أَنِّي لا عَرَفْتُ هَوَاكُمُ وأَعظَمُ ما أَلقَاهُ أَنِّي لَمْ أَجِدْ … سُلُوًّا لقلبي عنكُم بِسِواكُمُ وأنّي لأرضى أَنْ أَموتَ صَبَابة … إذا كانَ مَوتِي فِي الْهَوَى مِنْ رِضَاكُمُ وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه جاركاه: [من الكامل] لما بَدَا مُرخَى الذوائب مُسْفِرا … عاينْتُ فوقَ الغُصْنِ ليلًا مُقْمِرا وحسنت لمَّا هنَّ غُصْنَ قَوَامِهِ … سُكْرُ الدَّلالِ صَبابةً وتَذَكَّرَا لمَّا دَجَتْ أَصْدَاغُهُ وتَضَرَّمَتْ … وَجَنَاتُهُ لَبِسَ الجَمَالَ مُشَهَّرا وكأَنَّ بَحْرَ الحُسْنِ لمَّا ماجَ في … خَدَّيْهِ أَلْبَسَ سَاحِليهِ العَنْبَرا وله صوت في شعر الوأواء (١)، والغناء فيه سيكاه (٢): ما حُكْمَ البَيْنُ إِلا جَارَ مُحْتَكما … وَلا انْتَضَى سيفَهُ إِلَّا أَرَاقَ دَمَا الله يعلمُ أَنِّي يومَ بَيْنِهِمُ … نَدِمْتُ إِذْ لَمْ أَمُتْ في إِثْرِهِمْ نَدَما قَدْ سَرَّنِي أَنَّهُمْ قَدْ سَرَّهُمْ سَقَمي … فازْدَدْتُ كيما يُسَرُّوا بِالضَّنَى سَقَما ديارهم خبرتنا بالذي فَعَلُوا … فَرُبَّما جَهِلَ المُشتاقُ ما عَلِما ومنهم: [١٤٩] السهروردي شمس الدين (٣) كتب مثل ياقوت الدر، وزاد عليه، ففضل الرقيق الحر، وباهي الروض، وقال:

стр. 3381

بيدي ما بيدي، ولأخي النرجس، وقال: كيف يدرك وطرفكم قد نعس، وسهروردي وكيف يقاس بي، وقد تطاولت، ولم يبلغ الشجر، أو يشبه بي عزيز غال، وإن قيل ياقوت فهل هو إلا حجر، ووهبه أجاد الخط أتى بأحسن مما أتيت، أو أنه سابق فهل حط معي إذ حط الرهان فأبيت، أو قيل: إنه قد أجاد حتى من علم الطرب فيما ادعيت وسبق، وإن كنت أنت بعده قد طرف وما سعيت فهل شهد إلا بالخط الذي عليه اقتصر، وإلى الخط ما طمح اقتصر، ولا ملأ إلا البصر، وحده بحسن خطه، وقد ملأت السمع والبصر. مولده ببغداد في المحرم سنة أربع وخمسين وستمائة ببغداد، حفظ القرآن وتفقه على مذهب الشافعي، وقرأ العربية، ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية، وفاق الناس في الخط بعد ياقوت المستعصمي. وقيل: إنه كتب قلم النسخ أحسن من ياقوت، وكتب على الشيخ زكي الدين عبد الله، وفاق عليه في الكتابة. قال العلامة تاج الدين بن البشاك: كنت أكتب على ياقوت وأجود قلم النسخ فكان يغير علي ويوقفني على الأصول، وكنت أستزيده، فيوقفني إلى أن بلغت طبقة لم يغير علي فيها شيئا، فاستزدته فلم يزدني، وألححت عليه فقال: ما على مزيد. أتظن أنك تبلغ طبقة شمس الدين السهروردي، فإن نسخه خير من نسخي. قال أبو الخير الذهلي: وأجمع الناس على أنه لم يدرك أحد غايته في كتابات المينا على الآجر وغيره. وكتاباته مشهورة بالروم والعراق وخراسان وفارس وغير ذلك من البلاد، وسمع الحديث على جماعة منهم رشيد الدين أبو عبد الله المقري وعماد الدين أبو البركات ابن الطبال، وأجاز له جماعة، وكان حسن الأخلاق، كثير الحياء، شديد المقال، ذا مروءة وفتوة، وشرف نفس، وتواضع، كثير البشاشة طريقا لطيفا، معمور الأوقات بالاشتغال والأشغال صاحب رأي وحزم وعزم، وتؤدة، وفصاحة، وبلغ في علم الموسيقى، وعمله بالغاية القصوى، واعتراف الفضلاء بإحرازه فيه قصب السبق. أخذ علمه وعمله عن صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع الناس على أنه لم يأت بعده مثله، ومنه استفاد .. وبرز عليه فيه، ووصلت تصانيفه في الموسيقى شرقا وغربا، وكتب بخطه

стр. 3382

ثمانية وسبعين مصحفًا منه خمس ربعات، كل ربعة وقر بعير، وكتب «إحياء علوم الدين» للغزالي، وكتاب «المصابيح» للبغوي ثلاث نسخ، و «عوارف المعارف» لجد أبيه ثلاث نسخ ومشارق الأنوار للصنعاني ثلاث نسخ، وكتاب «الشفاء» لابن سينا في مجلد، والكتاب في نفسه في كثير من النسخ المتوسطة ستة عشر مجلدًا، و «المقامات» ثلاث نسخ و مفصل الزمخشري نسختين، و «نهج البلاغة» أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئًا كثيرًا، وكان حظيًا عند السلطان. وكاتبه سلطان الهند واليمن غير مرة وجماعة من الكبراء على أن يمضي إليهم، فلم يفعل، وكتب عليه خلق كثير منهم السلطان أبو سعيد، والسلطان أتابك، وسلطان، … والوزير غياث الدين محمد بن الرشيد، ونظام الدين الطياري، وأولاد الأئمة، والقضاة، والفضلاء والرؤساء والوزراء، وقصد من البلاد لأجل الخط والموسيقى: [من الرمل] قَدْ قَنِعْنا بخُمُولٍ عَنْ غِنَى … وبعزّ اليَأْسِ عَنْ ذُلِّ التَّمَنِّي فَكَرِيمُ القومِ لا أَسْأَلُهُ … فلماذا يُعْرِضُ الباخلُ عَنِّي وقوله: [من السريع] يا مَنْ بِنُورِ العِلْمِ بَذَلْ … مَتَّعَكَ اللهُ بِمَا خَوَّلَكْ ولا بَرِحْتَ الدَّهْرَ في نِعْمَةٍ … صافية المَشْرَبِ والأَمْرُ لَكُ ما هَيْنَمَتْ رِيحُ الصَّبَا سُحْرَةً … وغَنَّتِ الوُرْقُ ودارَ الفَلَكْ ومنه شعره أيضًا: [من الوافر] بَدَا نَجْمُ السَّعَادَةِ في الصُّعُودِ … وبَشَّرَ بالميامِنِ والسُّعُودِ وحَقَّقَ فيك آمال البرايا … بما أولاكَ مِنْ كَرَم وجُودِ فلاح لنا الفلاحُ وحَلَّ فينا … مَحَلَ الرُّوحِ مِنْ جَسَدِ العَمِيدِ وأَبْقَيْتَ النُّفُوسَ بِظَلِّ أَمْنٍ … يَعُمُّ الخَلْقَ في مُدِنٍ وبِيْدِ بعدل شامل في كُلِّ أَرْضِ … لسلطانِ الزَّمانِ أَبي سعيد ومن أصواته: [من الكامل] ذَكَرَ العُذَيْب ومائلاتِ قِبابِهِ … وقف الفُؤَاد على أليم عَذابِهِ ومَهَب أنفاس الصَّبَا مِنْ جَوِّهِ … فِيهِ شِفَاءُ الصَبِّ مِنْ أَوْجَابِهِ فَدَعِ النَّسِيم يَبثُ مِنْ أنبائه … وعلى دُمُوعِ العَينِ رَدُّ جَوَابِهِ ويشوقُني أَنَّ المُحِبَّ يَشُوقُهُ … لُقيا القريب العهد من أحبابه ويروى الشعر لابن قيس، ويروى لغيره. ومن أصواته: [من الوافر]

стр. 3383

أُعاتِبُهُ فَيَطْرَبُ مِنْ حَياءٍ … وفي الخَدَّيْنِ مِنْ خَجَلٍ دَلِيلُ كَأَنَّ الجُلَّنَا بوجْنَتَيهِ … وماء الياسمين بِهِ يَجُولُ ويَزْعُمُ أَنَّني ما رُمْتُ هذا … ويُطْرِقُ ثُمَّ يُنْكِرُ ما أَقُولُ وكَمْ لامَ العَذُولُ عليهِ جَهْلًا … وأَجْرَى ما جَرَى عشق العَذُولُ والشعر مجهول. وله صوت في شعر ابن قرطايا: [من الطويل] لِذِي السَّالِفِ المِسْكِيّ والمُقْلَةِ الكَحْلَى … رَسِيْسُ هَوًى في الحُبِّ يَبْلَى ولا يَبْلَى عَزِيزٌ عَرَفْتُ الذُّلَّ مِنْ كَلَفِي بِهِ … وكُمْ مِنْ عَزِيزِ في الهَوَى عَرَفَ الدُّلًا كثيرُ التَّجَنِّي ليس ليس عنْهُ سَلُوةٌ … وأَعْجَبُ شيء جائرُ الحكم لا يَسْلَى ومُعتدل كالغُصْن لا عَدْلَ عِنْدَهُ … وَلَوْلَا سَقَامِي في الهَوَى عَرَفَ العَدْلا فلا تَعْذِلُونِي في هَوَاهُ فإِنَّني … حَلَفْتُ بذَاكَ الوَجْهِ لا أَقبلُ العَذْلا دعوني وشَكْوَى الحُبِّ بيني وبينَهُ … فما أَعْذَبَ الشَّكْوَى إِليهِ وما أَحْلَى وكذلك له صوت صنعه في شعر الملك الأمجد صاحب بعلبك (١): [من الطويل] أَحِبَّةَ قلبي بَعْدَ ما بانَ أُنسُكُمْ … وَبِنْتُمْ عَنِ الجَرْعَاءِ كَيْفَ أَكُونُ قَضَى الوجد لي أنْ لا أَزالَ مُسَهَّدًا … إِذا رَقَدَتْ تَحْتَ الظَّلام عُيُونُ أأحبابنا لي بالإيابِ مَوَاعِدٌ … فَحَتَّى مَ تُلْوَى والعِدَاتُ دُيُونُ وحَتَّى مَ أَشكو الهَجْرَ مِنْكُمْ شكايةً … تُعَلِّم صَلْدَ الصَّخْرِ كَيْفَ يكونُ وله شعر في صوت آخر، وهو: [من البسيط] ما ضَرَّ أَهْلَ الحِمَى لَوْ أَنَّهم رَجَعُوا … بانُوا فَأَقْفَرَ مُصْطَافٌ ومُرْتَبَعُ نَأوا فَبَانَ على آثارِ بينِهِمُ … عَصْرُ الشَّبابِ فَمَنْ أَبْكِي وَمَنْ أَدَعُ مناي إصلاح ما يبني وبينَكُمُ … وكلُّ شيءٍ مِنَ الدُّنيا لَهُ تَبعُ أَبَعْدَ ذاكَ التَّدَانِي مِنْ دِيارِكُمُ … أَبِيْتُ والقَلبُ عن لقياكُمُ يَرْعُ وله صوت في شعر ابن الساعاتي (٢): [من الكامل]

стр. 3384

هذا الذي قتل المُحِبَّ وما دَرَى … فَحَذَارِ مِنْهُ وَلَمْ يَفِدْ أَنْ تَحْذَرَا ما كنتُ أحْسَبُ قبلَ لُؤلؤ ثَغْرِهِ … أَنَّ الثَّمِينَ يكونُ مِنْهُ الأَصْغَرَا قاسَمْتُهُ قَسْمَ الجُنُونِ فليتَهُ … يومًا يُقاسِم ناظري سِنَةَ الكَرَى يهتزُّ غُصن نقًا ويُعقِبُ زهرةً … ويَصُولُ قَسْوَرَةً ويَرْنُو جُؤذَرَا غنَّى فَنَاحَ الوُرْقُ مِنْ حَسَدٍ له … وانْقَدَّ قَدُّ الغُصْنِ حِيْنَ تَبَخْتَرَا في خَدِّه المُبيضِ أَسْوَدُ عَارِض … مِنْ خَوفِ جَمْرَتِهِ أَتَتْ فتحيَّرا (١) وكان في آخر عمره يأنف من علم الموسيقى، ولم يكن في لحيته من البياض إلا شعرات يسيرة إلى أن مات، ولم يُحصَن قط - رحمه الله تعالى -. وتوفي في آخر شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وصلى عليه جماعة من الخلفاء، ودفن عند جده، ولم يخلف بعده في سائر البلاد مثله في حسن الخط، وعلم الموسيقى. ومنهم: [١٥٠] الشمس الكرمي محتسب صفد، يحكى عنه العجب، ويحدث بما يهزّ العَذب، ويحير بما لا هو في قوة العجم والعرب. وكان ابنه المعروف ببدر الدين محمد كاتبًا من كتاب صفد في الجهات الديوانية وربما كتب الدرج لبعض المشدين، وكان هذا الشمس ينادم الأمير قلايد بن أيدغدي الألدكزي النائب بها، وكان من كبار الأمراء الظاهرية القدماء. وحكى لي الشيخ الإمام أبو الصفاء الصفدي عن علاء الدين علي داودار الألدكزي: أنه كان يأخذ الدف بيده، ويحلّق به في الهواء، ثم يتلقاه على خمس أنامله، وينقر بكل أنملة منها على نغم، وكان الألدكزي يقول له: إن نادمتني ليلتي كلها، أعطيتك مائة درهم، وكان يكبر منادمته لذلك، وكان يلعب له بالجغانة، وكان

стр. 3385

الدوادار الجاكي ينقل عنه كثيرًا من أصواته، ويلعب بالجغانة، وربّما تخرج عليه؛ لأنه كان كثير النقل عنه. قلت: وحدثني بأمر إلقائه الدف، وتلقيه بأنامله، ونقره بكل أنملة منها في نغم القاضي أبي العباس احمد بن قاضي نابلس: [من السريع] إلى متى أطلُبُ مِنْكَ الوِصال … مَضَى زَمانِي وانْقَضَى بالمطال يا قلب لا تطمع في وصْلِهِمْ … تحصيل ما لم يتحصل مُحال (١) ومنهم: [١٥١] يحيى الغريب الواسطي المشيب بن زاده الديسني، جمال الدين، أبو سعيد المشرقي (٢) رجل من الأبناء، حسن الأنباء، أضرَّ بسهم أصابه، وأطال بفقد عينيه مصابه. وأبوه كردي وأمه من البيت المودودي مات أبوه بألموت، وقدر له أن يحيا به ويموت. قال لي ابنه هذا: إنه أجرم جرمة غيّرت عليه هولاكو، وكان هو الذي اصطنعه، ويسر له من الأمل ممتنعه؛ فلما ارتكب عنق الجريمة ومنّى نفسه العظيمة، أودعه المحبس وأقيم، ثم غامت له سماؤه، وغاضت في خلج السيوف دماؤه، ثم أمر به فصلب، وبما ملكت يداه فسلب، وأتبع حريمه وبنوه أشتاتا، وتقاصى عليه الزمان كما واتي. قال: واشتراني الصاحب شرف الدين هارون بن الجويني، فصرت إليه، وبصرت

стр. 3386

فتقربت إليه بما كان ينفق عليه، وكان ينفق عليه الغناء، ومجلسه مأهول برب كل فضيلة، وبكل من يأوي منه إلى فصيلة، وكان يغشاه من أهل الغناء الأوحد ابن كسبا، وزير البرواناه، وعبد المؤمن بن فاخر الأرموي، والزين ابن الدهان الموصلي، وحسن النأي، وسعد الدين السليكو، والبدر الإربلي، وأبو بكر التوريزي، وكانوا كلهم أئمة في هذا الشأن، وكان الصاحب ابن الجويني رحب الندي كريم إليه، وبيته للطارق والمشاب وكرمه ما بعده على الزمان غياب، وكان قد أخذ عن هؤلاء، وعرف جيد الغناء من رديئه بدليل وعن نظر، فاجتهدت في الطلب، وأجهدت نفسي حتى فقت في الطرب، ثم قدمت هذا البلاد، ووفدت على حضرة السلطان بمصر، واستخدمت على خبر في الخدمة، وفي جملة الخدام والقصاد بالخدمة حتى أصبت في عيني في بعض المواقع، فرتب لي مرتبًا أنا منه أقتات وقنعت بعد الخبز بالفتات. وأخبرني أن مولده ليلة الجمعة المسفرة عن الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وستين وستمائة، وأنه صنّف كتابًا في هذا العلم سماه: «الكنز المطلوب في علم الدوائر والضروب»، ورأيته وحدثني بكثير مما فيه. قلت: وكان الأمير الكامل تنكز قد قربه واستخدمه ليعلم جواريه، وكان يتردد ويجتمع به، وكان قد قيل: إنه هدى له انقطاع إلى ملوك ماردين، ثم ملوك حماة، وله معهم أخبار لا حاجة إلى الإطالة فيها. ومن أصواته هذه الأبيات الثلاثة كل بيت منها في صوت: [من الطويل] أَيَا طَفْلَةً إحدى الكَبائِرِ عِشْقُها … ويا جَنَّةً قَدْ أُوقِفَتْ في جَهَنَّمِ بحقِّكِ رُدِّي الطَّيفَ عَنِّي فَإِنَّهُ … يقولُ بقتل المُسْتَهامِ المُتَيِّمَ ولا تُودِعي الأسرارَ عَنِّي فَإِنَّما … تَصُبّينَ مَاءً في إناءٍ مُثَلَّمَ والغناء فيه في الأول في الزاولي يهبط على النيروز، وفي الثاني في الرزوكند، وفي الثالث في العراق، وفي هذا البيت، وهو: [من الطويل] عَسَى مَنْ كَسَا جِسْمِي السَّقَامَ يَعُودُ … ويُتُنْجَزُ مِنْ بَعْدِ المطالِ وُعُودُ والغناء فيه من أصبهان. وفي هذين البيتين: [من الطويل] يمينًا لقدْ أَسْرَفْتَ يا بدرُ في الصَّدِّ … على مُغْرَم ما حال يومًا عَنِ العَهْدِ وجاوزتَ حَدَّ الهَجْرِ والبُعْدِ والقِلَى … فَهَلْ أَمَدٌ للوصل يقضي مِنَ البُعْدِ والغناء فيه في الراست.

стр. 3387

وفي شعر الشمس الدهان: [من الكامل] فَضَحَ الغُصُون بقَدِّهِ لما انْثَنَى … وسَبَى القلوب بلحظهِ لِمَّا رَنَا وبدا وبدر التم في ظُلُماتِهِ … بَادِي الجَمَالِ وَكَانَ مِنْهُ أَحْسَنَا والغناء فيه في الراست. وفي هذين البيتين: [من السريع] أَصْلُ تلافي من تلافيكُمْ … يا حبَّذا إِنْ كانَ يُرضِيكُمْ عَذَّبْتُمُ قلبي وما خِلْتُهُ … يَشْقَى وقد أصبح يأويكم والغناء فيه في الدوكاه. وأحضر له من أماليه عدة أصوات منها صوت: [من الطويل] وكنتُ [إذا] جئتُ الحِمَى مُتنكّرًا … أَزورُ بِهِ ليلى سَعَيْتُ على خَدِّي قال: وتعلمته من ابن كسبا الأستاذ في بحر الطويل، ضربه من الثقيل الخراساني دائرته ثمانية عشر دورًا، كل دور إحدى عشرة دقة، وربع وثمن دقة، منها ثقال وخفاف، الخفاف ونغمة الراست. صوت من شعر أبي تمام (١): [من الطويل] وأَحْسَنُ مِنْ نَوْرٍ يُفَتِّحُهُ الصَّبا … بياضُ المَطَايا في سواد المطالب قال: وهذا قول صنعته أنا في الاثني عشر نغمًا، والست أوزان، وهو من بحر الطويل أيضًا ضربه من الثقيل الخراساني دائرته اثنان وأربعون كل دور اثنتا عشرة دقة. صوت: [من الوافر] فتى جُبِلَتْ يداه على العطايا … كما جُبِلَ اللسان على الكَلامِ قال: وهو وصنعته أيضًا في الاثني عشر يردا من غير أوز، وهو من الوافر ودائرته ستة وثلاثون دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة، وهو من الضرب الثقيل الخراساني، والشعر للتهامي (٢). صوت: [من الطويل] فؤاد بنار الشوقِ والوَجْدِ مُحْرَقُ … وجَفْنٌ بأمواج المَدامِعِ يَغْرَقُ (٣) وقال: هذا القول استفدته من الأستاذ صفي الدين بن عبد المؤمن؛ عروضه في

стр. 3388

الطويل، وضربه من الثقيل الخراساني، دائرته أحد وعشرون دورًا، كل دور إحدى عشرة دقة وربع دقة وثمن دقة. صوت: [من الكامل] مُرَّ النَّسيمُ على رُبُوعِ دِيارِهِمْ … فَكَأَنَّما كانوا على ميعادِ قال: وهذا قول صنعته أيضًا في نغمة الراست، مظافرًا في أربع برداوات أوازين، ومعنى كونه مظافرًا أنه يظفر من الراست، وهو أول الأنغام إلى العشاق، وهو آخرها، ثم يعود ويظفر من العشاق وهو آخرها إلى العراق وهو ثانيها، ثم يظفر من العراق، وهو الثاني إلى النوى وهو الحادي عشر. ومن المعلوم أن بين الراست والعراق أواز هو النيروزي، وبين النوى والعشاق أوز هو الكواشت دائرته أربعة وعشرون دورًا، كل دور إحدى عشرة دقة وربع، وثمن بالسرح، وضربه الثقيل الخراساني فليعلم. صوت: [من الطويل] ولا تودعي الأسرار عنِّي وإنَّما … تَصُبِّينَ ماءً في إناءٍ مُثَلَّمِ قال: هذا قول صنعته من نغمة العراق، عروضه من الطويل وضربه من خفيف الخراساني، دائرته ستة وثلاثون دورًا، كل دور اثنا عشر. صوت: [من الطويل] رَنا فَانْتَضَى مِنْ جَفْنِهِ كُلَّ لُهْذِمٍ … وَماسَ فَأَزْرَى بالوَشِيجِ المُقَدَّمِ قال: هذا قول صنعته في برد الأصفهاني، وهو من الطويل، وضربه من الثقيل الخراساني، دائرته أربعة وعشرون دورًا، كل اثنا عشر دقة بالشرح. صوت: [من الكامل] اليوم وعدكم فأين الموعِدُ … هيهات ليس ليوم وعدكُمُ غَدُ قال: وهذا قول أفادنيه صفي الدين بن عبد المؤمن وهو من نغم الزيلفكند، وضربه من الثقيل الخراساني، دائرته أربعة وعشرون دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الخفيف] عَبِثَ الشَّوقُ بالرَّكائِبِ والركْ … بِ فلمْ نَدْرِ أَيُّنا المُسْتَهامُ قال: هذا قول أخذته من الأستاذ صفي الدين بن الباصوان النحوي، وهو من بحر المديد، وضربه خفيف المخمس دائرته سبع وعشرون، كل دور اثنتا عشرة دقة، نغمته الزنكلي.

стр. 3389

صوت: [من الطويل] تَمَلَّكْتُمُ قَلْبِي فَصَارَ لِحُبِّكُمْ … حِمّىً فَرَعَى اللهُ الحِمَى وَرَعَاكُمُ قال: قول من بحر الطويل صنعته في نغم البزرل الكبير، وضربه مختلف، وهو من أربع ضروب، دائرته سبع وعشرون دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من السريع] تَبُلُّ خَدِّي كلَّما ابتسمتْ … مِنْ مَطَرِ بَرْقُهُ ثَنَايَاهَا قال: وهذا قول عملته من نغم الرهاوي، يهبط فكند نيروز، وهو من بحر الوافر، وضربه الثقيل الخراساني دائرته أحد وعشرون، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الطويل] يقول وقد قبلته ورشفتُهُ … أَراكَ تُحِبُّ الخَمْرَ والخَمْرُ في فَمِي قال: وهو من بحر الطويل، صنعته في نغم الحسيني من ضرب الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الطويل] عليك اعتمادي في جميعِ أُمُوري … وأَنْتَ مُنى قلبي وأَنْتَ سُرُورِي قال: [وهذا] قول من بحر الطويل، صنعته في نغم المآاه، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته خمسة عشر دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت آخر: [من مجزوء الوافر] لحاظكَ أَيُّها القمرُ … لِقَلب الصَّبٌ قَدْ أَسِرُوا وقدكَ مِنْ مَعَاطِفِهِ … غُصُونُ البَانِ تَسْتَتِرُ قال: وهذا جارخانا من بحر الوافر، صنعته في ماآه، مخلص وضربه تركي رخم، دائرته تسعة أدوار، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الطويل] صَحَا كُلُّ سكران مِنَ العَشْقِ قَلْبُهُ … وَمِنْ هُوَ سكران بِحُبِّكَ لا يَصْحُو قال: وهذا قول استفدته من الأستاذ عجيب الزمان، وهو من بحر الطويل، ونغمه الأبوسليك، وضربه الثقيل الخراساني دائرته اثنا عشر دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الطويل]

стр. 3390

إذا مَا اشْتَهَى الخَلْخَالُ أخبارَ قُرْطِهَا … فَيَا طِيْبَ مَا تُمْلِيْ عَلَيْهِ الضَّفَائِر قال: وهذا قول من الطويل، صنعته في نغم النوى، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته أربعة وعشرون دورًا، كل دور اثنتا [عشرة] دقة بالشرح. صوت: [من الخفيف] طَابَ ذُلِّي ولذ لي فِيْكِ عَذْلِي … وحَلالي بِسَيْفِ حُبِّكِ قَتْلِي وهذا قول أخذته من الأستاذ المعروف بالنقشواني، وهو من بحر الكامل (١)، ونغمه في النيروز، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته أحد عشر دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الوافر] هَلْ لكَ في إغاثة مُسْتَهَامِ … يُقَادُ إلى الغَرامِ بِلا زِمَامِ قال: وهذا القول من الكامل (٢)، ونغمه الشنهاز، وضربه التركي رخم، دائرته واحد وعشرون دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الطويل] تُرَى تَسْمَحُ الأَيَّامُ لِي بِلِقَاكُم … ويَفْرَحُ قَلْبِي بَعْدَ طُولِ جَفَاكُم قال: هذا قول من الطويل، صنعته في نغم الزركشي، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة، بالشرح. صوت: [من الطويل] ولَمَّا تَلاقَيْنَا جَرَتْ مِنْ عُيُونِنَا … عُيُوْنَا كَفَفْنَاهَا بروس الأصابع قال: هذا القول من الطويل، أخذته من الأستاذ سراج الدين الخراساني، ونغمه حجاز، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من المنسرح] كُلُّ جَرِيْحٍ تُرْجَى سلامَتُهُ … إلا فؤادًا دَهَتْهُ عَيْنَاهَا وهذا القول من بحر الوافر (٣)، صنعته في نغم الكواشت، ويضرب في

стр. 3391

أربعة ضروب الأصول، دائرته أربع عشرة دائرة، وأدواره مختلفة بحسب الضروب المتقدمة. صوت: [من الطويل] فؤاد بنار الشَّوْقِ والوَجْدِ مُحَرَّقٌ … وجَفْنٌ بأمواج المدامع مُغْرَقُ قال: وهذا قول أفادنيه أستاذي صفي الدين عبد المؤمن وهو من بحر الطويل، ونغمه اليكاه، دائرته إحدى وعشرون دائرة، كل دور إحدى عشرة دقة وربع، وثمن بالشرح، وضربه الثقيل الخراساني. صوت: [من الكامل] إنَّ الملوك إذا حَلَلْنَ ببلْدَةٍ … كَانُوا كواكبها وأَنْتَ هِلَالُ قال: وهذا القول أفادنيه الأستاذ ابن كُسبا، وهو من بحر الرجز، ونغمه الدوكاه، ويخالط أنغامًا كثيرة، وضربه الثقيل الخراساني ودائرته سبع وعشرون دورًا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح. صوت: [من الطويل] تكلفْتُمُ مِنْ بُعْدِكُمْ شوق واحِدٍ … وحَمَّلتُمُونِي شَوْقَكُمْ كَلَّكُمْ وَحْدِي [قال]: وهذا القول صنعته في نغم السيكاه، وهو من بحر الطويل وضربه الثقيل الخراساني، ودائرته خمسة عشر دورًا، كل دور إحدى عشرة دقة وربع، وثمن دقة بالشرح. صوت: [من الكامل] ليس الوَدُودُ فتًى يَوَدُّكَ يَوْمَهُ … حتَّى إذا استغنى يَمَلُّكَ في غَدِ قال: وهذا قول أفادنيه عبد المؤمن صفي الدين، وهو من بحر الرجز وضربه الثقيل الخراساني، ودائرته خمسة عشر دورًا، كل دور اثنتا عشرة [دقة] بالشرح. صوت: [من الخفيف] كيف يُخْفِي سِرَّ الهَوَى المُستهام … هي حزوى وما الخيام خيام ولئن كانت الخيامُ فَمَا النَّا سُ … بِهِ الناسُ ما الغرام الغرام [قال]: هذا قول مشدود من نغمة النوى على حركات الغناء المعلى الموافق للسبابة المعروفة بالصبرعى، وهي عندهم معروفة. ضربه من الثقيل بالدقة

стр. 3392

المفردة، دائرته اثنا عشر، كل دور ست مفردة. صوت: [من الطويل] تَجَلَّى أَميرُ الحُسْنِ والليلُ قَدْ هَدَا … فأيقنتُ أَنَّ الصُّبْحَ مِنْ وَجْهِهِ بَدَا ولاحَ مُحَيَّاهُ الكريم وقدْ دَجَا … ضَلَالًا فَحَارَ الركب واتَّضِحَ الهُدَى وهذا قول سرح الأرغل الذي يغني فيه الإفرنج، وهو من نغم الماآه، وأبو سليك. ضربه من الثقيل. دائرته أربع وعشرون مفردة. [هذا] آخر أماليه، وقد روى عن جماعة. ومنهم: [١٥٢] حسن الناي وروي عنه: [من المتقارب] إن استحسنت مقلتي غيرَكُمْ … أَمَرْتُ السُّهاد بتعذيبها والغناء فيه من المحيّر. وفاخر به عبد المؤمن، فأخذه هارون بن الجويني، وقيده وجسه، لكونه فخر عليه، فقال: أنا من أضجر من حبسك، ولكن ابعث إلى عبد المؤمن لتحكمه فحفظه خواجا زيتون وركبه البريدي حتى أتى عبد المؤمن؛ فلما دخل عليه، غناه فسأله لمن هو؟ فحكى له فقطع على نفسه، وبعث له معه خلعة وبغلة، فقال: حسن ولدي وأنا علمته. ومنهم: [١٥٣] السُّيْلَكُو وروي عنه [من الخفيف] جُودُوا عليَّ بوصل منكُمُ جُودُوا … عَدِمْتُ صَبْرِي وَعِنْدِي الوَجْدُ مَوْجُودُ والغناء فيه من العزال من الشواذ. وروي عنه: [من الكامل] كم من دم يوم الفِراقِ سَفَكْتُمُ … لمَّا حَدَتْ بِكُمُ الحُدَاةُ وبِنْتُمُ

стр. 3393

والغناء فيه في الرهو. ومنهم: [١٥٤] البدر الإربلي (١) سيد الجنكيين، وكان عند المظفر بماردين، وقتله مجير الدين بن صبرت أستاذ أرسلان الدوادار، ولم يكن مثله. ومنهم: [١٥٥] التاج بن الكندي (٢)

стр. 3394

وروي عنه (١): [من الكامل] بِالخِيْفِ مُخْطَفَةُ الحَشَا … تَهْوَى الغُصُونُ لها القُدُودا أَخَذَ الغزال نفارها … وأَعارَها طَرَفًا وجِيدًا والغناء فيه من العشاق. ومنهم:

стр. 3395

[١٥٦] خواجا أبو بكر النوروزي وروي عنه: [من السريع] يا مَلِكَ الأَرضِ ووالي الزَّمانُ … اِشْرَبْ كُؤوسًا غُيِّبَتْ في الدِنانُ والغناء فيه ضرب الفاختة في بوسليك. ومنهم: [١٥٧ - ١٥٨] علاء الدين دهن الحصى (١)، وأخوه الكمال يوسف (٢) وكلاهما فريد، ومنصف مجيد. كان يوسف أمير المطربين وكان أخوه علي نديم الحضرة، وكانا عند لؤلؤ صاحب الموصل، إلى قوم آخرين وهم: تقي الدين بن بياع الدقيق، وكمال الدين بن الدويك، وخواجا صدر الدين النقشواني. فعلاء الدين: [من الطويل] أُكْتُمُ وجدِي خِيفَةً مِنْ عَوَاذلي … وأُظْهِرُ لِلْواشي النَّمُوم بشاشتي والغناء فيه في الجاركاه. ولأخيه يوسف: [من الكامل] إنْ كُنْتُمُ بصَبابتي لا تعلموا … الله يعلم ما بقلبي مِنْكُمُ والغناء فيه في الرهوى.

стр. 3396

ولابن بياع الدقيق، وهو مصنف ضرب الفاختة: [من الطويل] صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلَا الشَّيبُ رأْسَهُ … فلمَّا علاه قال لِلبَاطِل ابعدِ والغناء فيه زروكند. ولابن الدويك: [من الطويل] عليك اعتمادي في جميع أُمُوري … وأَنتَ مُنى قلبي وأَنتَ سُرُورِي والغناء فيه للعراق. وللنقشواني: [من الطويل] ظَفِرْنا بكم والليلُ مِقْدَارُ هَجْعَةٍ … وغابُوا كَأَنَّا فِي المَنامِ رَأَيْنَاهُمْ والغناء فيه في الحجاز، وهو من المخرج له. ومنهم: [١٥٩] نظام الدين، يحيى بن الحكيم الجعفري الطياري، البغدادي الدار (١)، المقيم الآن بدمشق حيث تشوق ربوتها، وتسوق الصبابة إلى النفوس صبوتها، قديم بمن وراه إلى هذه البلاد آمنين، وأقام

стр. 3397

مشكورًا هذه السنين، وعكف على الحديث النبوي يسمعه، ويكتب أجزاءه وطباقه، ويجد له تبكره وسباقه، وله حديث لا يمل، وأنس على القلوب لا يدل، وفضل أصبح له خلفًا، وكرم لو وصف به غيره، لكان خزفًا، وله مشاركة في الأدب، ومحاسنه تأتي منه بآيات لا يتقاصر بناؤها، وفقرات ظاهر غناؤها؛ فأما صناعة الغناء، فهو محرز قصباتها، ومستمع مضروباتها، لو عرض الموصلي عليه أصواته، لجودها، أو زلزل، لثبت قدمه ووطدها، أو ابن جامع، لأقر له في المجامع، أو معبد، لاعترف له بأنه المفرط، وهو الجامع، وهو من صدور بغداد، وممن يدخل مع خلة أهلها في الأعداد، وله جملة محاسن تغني معرفتها عن التعداد. كان الحكيم نور الدين من الحكماء الفضلاء، والأعيان المتميزين في صناعة الكحل، واتصل بالأردو، وخدم البيت الهولاكي والقان والخواتين والأمراء والخواجكية، واتصل بالوزراء، واختلط في صحبتهم، وعُدّ في جملتهم، وحصل الأموال الجمة والملك والعقار، واقتنى ببلاد المغرب والحلة من ذلك ما يتحصل منه الربع الكبير، والمبلغ الجزيل. واشتغل نظام الدين ولده، وكتب وتأدّب، وأخذ تعليم المنسوب والموسيقى عن السهروردي، وكتب خطًّا حسنًا مليحًا، وتفرد بعمل المشجرات حتى شجر في العلوم على اختلاف أنواعها، وأجاد في الموسيقى وبرز فيه. وسمعت من صناعته المطربة، ورأيت من تشجيره الفائق ملء العين والأذن، وسر البصر والسمع. ودنا من السلطان أبي سعيد بهادر قان ﵀ دنوًا زائدًا، وكان ممن شملته لديه عناية الوزير ملك الوزراء محمد بن خواجا رشيد وتقدّم به، كان لا يزال يحضر مجلسه، ويكون من المقربين إليه، وأهل الحظوة لديه، واستكتبه القان أبو سعيد، وعنه الكتب العربية التي كانت تكتب إلى سلطاننا وإلى السلطان محمد بن طغلقشاه بالهند، وكانت له جملة كبيرة على ذلك مع ما له من المقدمات والإقدارات والرواتب، وكان لا يتلقى المراسيم إلا عن الوزير، ولم يكن كاتبًا مستقرًا للإنشاء إذ لا عادة للقوم بذلك، ولكنه كان في هذا المعنى، ولقد كانت تجيء بخطه الكتب المليحة البليغة بالخط المليح، والألفاظ الفصيحة السهلة التناول القريبة المأخذ على خاطري

стр. 3398

منها في كتاب كبير عن أبي سعيد إلى سلطاننا في معنى الحاج العراقي، وأن توجهه من العراق إلى الحجاز أقرب عليه من توجهه على الشام إلى الحجاز. قال فيه: والقلوب بالإحسان تملك، وأقرب الطرق إلى الله أولى بأن تسلك، وهاتان كلمتان تقوم في المعنى المقصود مقام كتاب مطول، مع خفة موقعهما، وتمكنهما في موضعهما، ولقد كان يقع في كتبه في هذه النسبة كل حسن كان يجري على الطلق ممتد الرسن، وقد جهز مرات أميرًا على المركب العراقي تارة مستقلًا، وتارة شريكًا، وكانت تجيء أخباره بتوجهه. ولما آل الملك إلى موسى قان - الملك القائم من ولد بيد - وضاعف علي باشا بن جنجل القائم بدولته إكرامه، ووفر احترامه، وكان هو والأمير الوزير نجم الدين محمود بن شروين وقاضي القضاة حسام الدين الغوري من خاصة أهل الاصطفاء؛ فلما دارت على موسى قان وعلي باشا الدائرة، وطلّت دمًا، وهما في ثورة تلك الثائرة، تسحب الوزير محمود، والقاضي الغوري، وابن الحكيم منهزمين إلى أبواب سلطاننا، فلتقاهم بنعمة، وتولاهم برحمة، ورتب لابن الحكيم بدمشق راتبًا، وعينت له الربوة، وأقام بها، واستطاب وطنها، وطلب الحديث، واجتهد فيه، ودأب عليه، وكتب الأجزاء والطباق والإثبات بخطه. ثم سافر إلى العراق لاستغلال ملكه، فلم يحصل له لاستيلاء الخراب والأيدي العادية عليه إلا ما قل، فعاد كالخائب. ثم توجه إلى مصر لحديث يستفيده، ورق يشتريه، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى العراق: [من المتقارب] ألا ليتَ شِعْري متى نلتقي؟ … ومِنْ مُدَّةِ الهجرِ كَمْ قَدْ بَقِي؟ لقد طال عهد النوى بيننا … كأَنَّ التَّواصل لمْ يُخْلَقِ ومن شعره، ومن أصواته: [من الطويل] لكم مني الوُدُّ الذي ليسَ يَبْرَحُ … وَلِي فيكُمُ الشَّوقُ الشَّدِيدُ المُبَرِّحُ وكمْ لِيَ مِنْ كُتب ورُسل إليكُمُ … ولكنَّها مِنْ لَوْعَتِي لَيْسَ تُفْصِحُ وفي القلب ما لا أستطيعُ أَبُثُّهُ … ولستُ بِهِ للكُتُبِ والرُّسُلِ أُفْصِحُ

стр. 3399

زَعَمْتُمْ بأَنِّي قَدْ سَلَوتُ هواكُمُ … لقدْ كَذَبَ الوَاشِي الذي يَتَنَصَّحُ ومنهم: [١٦٠] كمال الدين، محمد بن البرهان الصوفي (١) موصلي الأصل، بغدادي الدار من أهل الأقدار، ذكره النظام بالأعظام، وأشار إليه في علم الموسيقى، وقال: إنَّ له يدًا طولى في معرفته، وأنه بلغ منه مبلغًا يقصر عن وصفه، وذكر أنه يصحب أقضى القضاة ابن السباك، وله به اعتلاق أكيد، واعتلاء ما عليه لمثله مزيد. ومنهم: [١٦١] حسين بن علي المطري العزاوي متقن لفضيله، ومتيقن لخير فضيله، ومجيد في صناعة يد وخاطر، وسرور سمع وناظر، قرأ كتب الحكمة ودرسها، وصوّر المشجرات بيده كأنه غرسها، وعرف من الموسيقى ما أخذه بدليل، واطلع منه على علم جليل، وضرب بآلاته كلها لتكميل الأدوات، لا للتكسب والمعيشة، وتزجية زمان يؤمل أن يعيشه، وزين هذا كله بنزاهة نفس تعتاف حتى الجليل، ويعف حتى عن الخليل. إلى صفاء باطن ما تكدر، وصدق وداد ما استحال مثل البكاء وتغير. صحبني بمصر، وقدم علي دمشق، وصور صورة هذا الكتاب، وجاء فيه بعجائب التصوير والاكتساب، وهو أعانه الله ممن قدر عليه رزقه، إلا أن عفافه يقنعه، وحكمته عن المطالب تمنعه، ورياضته تشغله بحسن ما يقرره، وإحسان يده فيما يصنعه. وله أصوات جليلة، منها في قولي: [من البسيط]

стр. 3400

سَعَى بكأسيه كي أُصْلَى بنارَيهِ … بالخدّ والكأس يا سُكري بخَمْرَيْهِ ظَبْيٌّ أَعْنُ أَخذتُ المِسْكَ مِنْ فمه … والعنبر الرَّطْبَ مِنْ خَطَّيْ عِذَارَيْهِ يا سيفَ مُقْلَتِهِ الوَسْنَى غَرَرْتَ بنا … لمّا استبحت فُؤَادِي فِي غِرَارَيْهِ لمْ يَرْضَ قلبي ولا عيني لمسكنه … واشوقَتِي مِنْهُ لَمْ يَلْمُمْ بِدَارَيْهِ والغناء فيه زنكلي. ومنها قولي: [من الخفيف] حدثاني عَنِ الهَوَى العُذْرِيِّ … واطنبا في عِذَارِهِ العَنْبَرِي واستعيرا المُقلَتَيَّ هُجُوعًا … واسأَلا للشَّجِيِّ صَبْرَ الخَلِي وَهَبَا لِي مِنَ السُّلُو قليلًا … أَوْدَعانِي مَعْ كُلِّ صَبٌ غَوِيٌّ قدْ أَخَذْتُمْ صَبْرِي فَهَلًا أَخَذْتُمْ … لِي فُؤَادِي مِنْ طَرْفِهِ البابلي والغناء فيه عراق. ومنها في قولي أيضًا في عراق: [من الرجز] غَنِّ لها بِرَامَةٍ وَلَعْلَعِ … واذْكُرْ لها ما بالحِمَى والأجْرَع وانزل بسكان الكَثِيبِ سُحْرَةً … واقْبِسْ لَهِيبَ نَارِهِمْ مِنْ أَضْلُعِيَ واحْمِلْ إلى أَهْلِ الحِمَى تحيّةٌ … مِنْ عاشق في حُبِّهم، لا يَدَّعِي ولا تَسَلْ سُقيا الحِمَى صَوبَ الحَيَا … يكفِيهِ ما سَقَيْتَهُ مِنْ أَدْمُعِي ومنها في قول لي وهو في عراق أيضًا: [من مجزوء الوافر] هَوَاكُمْ ما لَهُ سَبَبُ … سِوَى قَلْبي كما طَلَبُوا ألا يا عاذلي فِيهمْ … دَعِ العُشَّاق ينتحبوا أَتعجبُ مِنْ ضَنَى جَسَدِي … وحَالِي كُلَّهُ عَجَبُ وقالوا: إنَّني مُضْنى … وحقّ اللهِ ما كَذَبُوا ومنها في قول لي أيضًا: [من الطويل] تَجَلَّتْ فَلاحَ البدر تحت نقابها … وماسَتْ فَفَاحَ الطَّيْبُ طَيَّ ثِيابها قضيب وما غُصْنُ النَّقَا مِثْلَ قَدِّها … ولا لِيْنُهُ فِي الرَّوْضِ مِثْلَ شَبَابِها طلا الظبي لا يشرق لِحَاظ عُيُونِها … كَفَى عينكِ الكَحْلاءَ صِبْغُ خِضابها أَأَهْلِكُ فيها هكذا بصَبَابَتِي … وأَخْشَى أُسُودَ الغِيْلِ حَوْلَ قِبابها نَأَيْتُ إِذا عَنْ حُبِّ سَمْرَاءَ في الهَوَى … إِذا لَمْ أَخُضْ بِيْضَ السُّيُوفِ ببابها يَلَذُّ إلى القتلُ صَبْرًا بأَرْضِها … إذا دفنوني بعد ذا في تُرابها
следующие страницы →