← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

ولابن بياع الدقيق، وهو مصنف ضرب الفاختة: [من الطويل] صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلَا الشَّيبُ رأْسَهُ … فلمَّا علاه قال لِلبَاطِل ابعدِ والغناء فيه زروكند. ولابن الدويك: [من الطويل] عليك اعتمادي في جميع أُمُوري … وأَنتَ مُنى قلبي وأَنتَ سُرُورِي والغناء فيه للعراق. وللنقشواني: [من الطويل] ظَفِرْنا بكم والليلُ مِقْدَارُ هَجْعَةٍ … وغابُوا كَأَنَّا فِي المَنامِ رَأَيْنَاهُمْ والغناء فيه في الحجاز، وهو من المخرج له. ومنهم: [١٥٩] نظام الدين، يحيى بن الحكيم الجعفري الطياري، البغدادي الدار (١)، المقيم الآن بدمشق حيث تشوق ربوتها، وتسوق الصبابة إلى النفوس صبوتها، قديم بمن وراه إلى هذه البلاد آمنين، وأقام

стр. 3397

مشكورًا هذه السنين، وعكف على الحديث النبوي يسمعه، ويكتب أجزاءه وطباقه، ويجد له تبكره وسباقه، وله حديث لا يمل، وأنس على القلوب لا يدل، وفضل أصبح له خلفًا، وكرم لو وصف به غيره، لكان خزفًا، وله مشاركة في الأدب، ومحاسنه تأتي منه بآيات لا يتقاصر بناؤها، وفقرات ظاهر غناؤها؛ فأما صناعة الغناء، فهو محرز قصباتها، ومستمع مضروباتها، لو عرض الموصلي عليه أصواته، لجودها، أو زلزل، لثبت قدمه ووطدها، أو ابن جامع، لأقر له في المجامع، أو معبد، لاعترف له بأنه المفرط، وهو الجامع، وهو من صدور بغداد، وممن يدخل مع خلة أهلها في الأعداد، وله جملة محاسن تغني معرفتها عن التعداد. كان الحكيم نور الدين من الحكماء الفضلاء، والأعيان المتميزين في صناعة الكحل، واتصل بالأردو، وخدم البيت الهولاكي والقان والخواتين والأمراء والخواجكية، واتصل بالوزراء، واختلط في صحبتهم، وعُدّ في جملتهم، وحصل الأموال الجمة والملك والعقار، واقتنى ببلاد المغرب والحلة من ذلك ما يتحصل منه الربع الكبير، والمبلغ الجزيل. واشتغل نظام الدين ولده، وكتب وتأدّب، وأخذ تعليم المنسوب والموسيقى عن السهروردي، وكتب خطًّا حسنًا مليحًا، وتفرد بعمل المشجرات حتى شجر في العلوم على اختلاف أنواعها، وأجاد في الموسيقى وبرز فيه. وسمعت من صناعته المطربة، ورأيت من تشجيره الفائق ملء العين والأذن، وسر البصر والسمع. ودنا من السلطان أبي سعيد بهادر قان ﵀ دنوًا زائدًا، وكان ممن شملته لديه عناية الوزير ملك الوزراء محمد بن خواجا رشيد وتقدّم به، كان لا يزال يحضر مجلسه، ويكون من المقربين إليه، وأهل الحظوة لديه، واستكتبه القان أبو سعيد، وعنه الكتب العربية التي كانت تكتب إلى سلطاننا وإلى السلطان محمد بن طغلقشاه بالهند، وكانت له جملة كبيرة على ذلك مع ما له من المقدمات والإقدارات والرواتب، وكان لا يتلقى المراسيم إلا عن الوزير، ولم يكن كاتبًا مستقرًا للإنشاء إذ لا عادة للقوم بذلك، ولكنه كان في هذا المعنى، ولقد كانت تجيء بخطه الكتب المليحة البليغة بالخط المليح، والألفاظ الفصيحة السهلة التناول القريبة المأخذ على خاطري

стр. 3398

منها في كتاب كبير عن أبي سعيد إلى سلطاننا في معنى الحاج العراقي، وأن توجهه من العراق إلى الحجاز أقرب عليه من توجهه على الشام إلى الحجاز. قال فيه: والقلوب بالإحسان تملك، وأقرب الطرق إلى الله أولى بأن تسلك، وهاتان كلمتان تقوم في المعنى المقصود مقام كتاب مطول، مع خفة موقعهما، وتمكنهما في موضعهما، ولقد كان يقع في كتبه في هذه النسبة كل حسن كان يجري على الطلق ممتد الرسن، وقد جهز مرات أميرًا على المركب العراقي تارة مستقلًا، وتارة شريكًا، وكانت تجيء أخباره بتوجهه. ولما آل الملك إلى موسى قان - الملك القائم من ولد بيد - وضاعف علي باشا بن جنجل القائم بدولته إكرامه، ووفر احترامه، وكان هو والأمير الوزير نجم الدين محمود بن شروين وقاضي القضاة حسام الدين الغوري من خاصة أهل الاصطفاء؛ فلما دارت على موسى قان وعلي باشا الدائرة، وطلّت دمًا، وهما في ثورة تلك الثائرة، تسحب الوزير محمود، والقاضي الغوري، وابن الحكيم منهزمين إلى أبواب سلطاننا، فلتقاهم بنعمة، وتولاهم برحمة، ورتب لابن الحكيم بدمشق راتبًا، وعينت له الربوة، وأقام بها، واستطاب وطنها، وطلب الحديث، واجتهد فيه، ودأب عليه، وكتب الأجزاء والطباق والإثبات بخطه. ثم سافر إلى العراق لاستغلال ملكه، فلم يحصل له لاستيلاء الخراب والأيدي العادية عليه إلا ما قل، فعاد كالخائب. ثم توجه إلى مصر لحديث يستفيده، ورق يشتريه، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى العراق: [من المتقارب] ألا ليتَ شِعْري متى نلتقي؟ … ومِنْ مُدَّةِ الهجرِ كَمْ قَدْ بَقِي؟ لقد طال عهد النوى بيننا … كأَنَّ التَّواصل لمْ يُخْلَقِ ومن شعره، ومن أصواته: [من الطويل] لكم مني الوُدُّ الذي ليسَ يَبْرَحُ … وَلِي فيكُمُ الشَّوقُ الشَّدِيدُ المُبَرِّحُ وكمْ لِيَ مِنْ كُتب ورُسل إليكُمُ … ولكنَّها مِنْ لَوْعَتِي لَيْسَ تُفْصِحُ وفي القلب ما لا أستطيعُ أَبُثُّهُ … ولستُ بِهِ للكُتُبِ والرُّسُلِ أُفْصِحُ

стр. 3399

زَعَمْتُمْ بأَنِّي قَدْ سَلَوتُ هواكُمُ … لقدْ كَذَبَ الوَاشِي الذي يَتَنَصَّحُ ومنهم: [١٦٠] كمال الدين، محمد بن البرهان الصوفي (١) موصلي الأصل، بغدادي الدار من أهل الأقدار، ذكره النظام بالأعظام، وأشار إليه في علم الموسيقى، وقال: إنَّ له يدًا طولى في معرفته، وأنه بلغ منه مبلغًا يقصر عن وصفه، وذكر أنه يصحب أقضى القضاة ابن السباك، وله به اعتلاق أكيد، واعتلاء ما عليه لمثله مزيد. ومنهم: [١٦١] حسين بن علي المطري العزاوي متقن لفضيله، ومتيقن لخير فضيله، ومجيد في صناعة يد وخاطر، وسرور سمع وناظر، قرأ كتب الحكمة ودرسها، وصوّر المشجرات بيده كأنه غرسها، وعرف من الموسيقى ما أخذه بدليل، واطلع منه على علم جليل، وضرب بآلاته كلها لتكميل الأدوات، لا للتكسب والمعيشة، وتزجية زمان يؤمل أن يعيشه، وزين هذا كله بنزاهة نفس تعتاف حتى الجليل، ويعف حتى عن الخليل. إلى صفاء باطن ما تكدر، وصدق وداد ما استحال مثل البكاء وتغير. صحبني بمصر، وقدم علي دمشق، وصور صورة هذا الكتاب، وجاء فيه بعجائب التصوير والاكتساب، وهو أعانه الله ممن قدر عليه رزقه، إلا أن عفافه يقنعه، وحكمته عن المطالب تمنعه، ورياضته تشغله بحسن ما يقرره، وإحسان يده فيما يصنعه. وله أصوات جليلة، منها في قولي: [من البسيط]

стр. 3400

سَعَى بكأسيه كي أُصْلَى بنارَيهِ … بالخدّ والكأس يا سُكري بخَمْرَيْهِ ظَبْيٌّ أَعْنُ أَخذتُ المِسْكَ مِنْ فمه … والعنبر الرَّطْبَ مِنْ خَطَّيْ عِذَارَيْهِ يا سيفَ مُقْلَتِهِ الوَسْنَى غَرَرْتَ بنا … لمّا استبحت فُؤَادِي فِي غِرَارَيْهِ لمْ يَرْضَ قلبي ولا عيني لمسكنه … واشوقَتِي مِنْهُ لَمْ يَلْمُمْ بِدَارَيْهِ والغناء فيه زنكلي. ومنها قولي: [من الخفيف] حدثاني عَنِ الهَوَى العُذْرِيِّ … واطنبا في عِذَارِهِ العَنْبَرِي واستعيرا المُقلَتَيَّ هُجُوعًا … واسأَلا للشَّجِيِّ صَبْرَ الخَلِي وَهَبَا لِي مِنَ السُّلُو قليلًا … أَوْدَعانِي مَعْ كُلِّ صَبٌ غَوِيٌّ قدْ أَخَذْتُمْ صَبْرِي فَهَلًا أَخَذْتُمْ … لِي فُؤَادِي مِنْ طَرْفِهِ البابلي والغناء فيه عراق. ومنها في قولي أيضًا في عراق: [من الرجز] غَنِّ لها بِرَامَةٍ وَلَعْلَعِ … واذْكُرْ لها ما بالحِمَى والأجْرَع وانزل بسكان الكَثِيبِ سُحْرَةً … واقْبِسْ لَهِيبَ نَارِهِمْ مِنْ أَضْلُعِيَ واحْمِلْ إلى أَهْلِ الحِمَى تحيّةٌ … مِنْ عاشق في حُبِّهم، لا يَدَّعِي ولا تَسَلْ سُقيا الحِمَى صَوبَ الحَيَا … يكفِيهِ ما سَقَيْتَهُ مِنْ أَدْمُعِي ومنها في قول لي وهو في عراق أيضًا: [من مجزوء الوافر] هَوَاكُمْ ما لَهُ سَبَبُ … سِوَى قَلْبي كما طَلَبُوا ألا يا عاذلي فِيهمْ … دَعِ العُشَّاق ينتحبوا أَتعجبُ مِنْ ضَنَى جَسَدِي … وحَالِي كُلَّهُ عَجَبُ وقالوا: إنَّني مُضْنى … وحقّ اللهِ ما كَذَبُوا ومنها في قول لي أيضًا: [من الطويل] تَجَلَّتْ فَلاحَ البدر تحت نقابها … وماسَتْ فَفَاحَ الطَّيْبُ طَيَّ ثِيابها قضيب وما غُصْنُ النَّقَا مِثْلَ قَدِّها … ولا لِيْنُهُ فِي الرَّوْضِ مِثْلَ شَبَابِها طلا الظبي لا يشرق لِحَاظ عُيُونِها … كَفَى عينكِ الكَحْلاءَ صِبْغُ خِضابها أَأَهْلِكُ فيها هكذا بصَبَابَتِي … وأَخْشَى أُسُودَ الغِيْلِ حَوْلَ قِبابها نَأَيْتُ إِذا عَنْ حُبِّ سَمْرَاءَ في الهَوَى … إِذا لَمْ أَخُضْ بِيْضَ السُّيُوفِ ببابها يَلَذُّ إلى القتلُ صَبْرًا بأَرْضِها … إذا دفنوني بعد ذا في تُرابها

стр. 3401

والغناء فيه محير. ومنها في قولي: [من مجزوء الكامل] يا حَبيبي وعَيْنِي … خُل هِجْرِي وبَيْنِي أنت مِنْ أَوْفَى البَرَايا … لا تُماطِلني بديني ما أتى منك [ف] عِنْدِي … فَوْقَ رَأْسِي ثُمَّ عَيْنِي فاسقني خَمْرةَ ريقٍ … مِنْ جَني الجَنَّتَيْنِ والغناء فيه محير. ومنها في قولي: [من مجزوء الخفيف] في الحَشَا مِنْكَ نار … وأسـ وادكار طار قلبي اشتياقًا … مالقلبي قَرَارُ طارَ قَلْبي أَنْتَ غَضٌ رَطِيبٌ … أَينَ مِنْكَ الثمار عَيَّرُوني بحبي … ليس في الحُبِّ عَارُ والغناء فيهما محير. ومنها في قولي: [من الكامل] لاموا عليك وما قلوبُهُمُ مَعِي … كَلًا وَلَا عَبَرَاتُهُمْ فِي مَدْمَعِي يا مَنْ تَلَفَّتَ كالغَزَالِ بَلَحْظِهِ … حَسْبِي التفاتُكَ يا غَزَالُ وَمَطْمَعِي هَبْ أَنَّ سُخْطَكَ لا يزالُ بناظري … مَنْ ذَا الذي أَغْرَى بذكرِكَ مَسْمَعِي يا هاجري كُنْ كيفَ شِئْتَ فَإِنَّني … وحياةِ عَيْنِكَ لستُ أَمْلِكُ أَدْمُعِي والغناء فيه في الرمل. ومنها في قولي: [من الطويل] أحبابنا ما هكذا كُنْتُمُ لنا … ما بَيْنَنا لا تُسْمِتُوا حاسدًا بِنَا وما في وفاكمْ مِنْ ضنّى أَوْ حُضُورِكُمْ … لَقَدْ لَذَ لِي فِي حَبِّكُمْ مَلْبَسُ الضَّنَى وأَنتُمْ بَقِيتُمْ لا عَدِمْنا وصالَكُمْ … أَوْفَى البَرِيَّة على هَجْرَكُمْ عِنْدَنا وقلتُمْ بأَنَّا في غنّى عَنْ وِصالِكُمْ … على كلِّ حالٍ ما لنا عنكُم غِنَى والغناء فيه سيكاه. ومنها في قولي: [من الرجز] مُتَيَّمٌ فيكَ على نارِ الجَوَى … تَشُبُّ نيرانُ حَشَاهُ بالهَوَى باللهِ خَفِّفْ عَنْهُ بعض ما بِهِ … لَوْ أَنَّه مِنْ جَبَلٍ كَانَ هَوَى

стр. 3402

وَخَلِّهِ إِذا غَوَى في حالِهِ … فَهَلْ رَأَيْتَ عاشقًا وما غَوَى إيه ورَدَدْ طِيْبَ ذِكْرَاكَ لهُ … وغَنَّ للعشاق إلا في النوى والغناء فيه عشاق. وحدثني ما معناه: أنه كان قد صنع قانونًا اقتناه، وكان ربما غنى عليه، وأخوه الأديب أبو علي حاضر يسمعه، ويجني له من عوده ثمر السرور أجمعه، ثم فقد أخوه ذلك القانون، وطوى منه طرب المسامع والعيون، فأفكر فيه أية ذهب؟ وما الذي اختطف أوقاته به وانتهب؟ ثم وقع على الخبر في ذهابه، وفجيعة أترابه بإطرابه، فإذا به كان قد رأى صبيًا فتنه بحسنه، واستماله بميل غصنه، جعل ذلك القانون صداقه، وخلا معه، وعقد عليه عناقه، وبات معه مستبدلًا من نظر الخلوة بجهر الخلوة، فساء ذلك أخاه، وثوره ونخاه، وقال: ما أحوجك إلى بلد يصونك، وإخراج العزيز الغالي من مكنونك، وهَبْكَ رأيت ظبيًا سانحًا، أعجزت وأنت أنت عن صيده، وقد سنح، وإمساكه، وقد جنح، وهل خلقنا لغير هذا، أو عرفت سهامنا إلى غيره نفاذًا، ونحن نصل من الصيد إلى ما لا يصل إليه الطير، ولا النشاب، ولا غيرهما من مثل هذه الأسباب، ثم حضره في أرجائه، وفسره على هجائه فقال: [من الكامل] لِي في دمشق أَخٌ قليلُ عَقْلُهُ … لا بل سليبُ الذِّهْنِ كَالمَجْنُونِ أفعاله أبدًا خرافٌ كلُّها … لكنْ يَنِيكُ العِلْقَ بالقانون

стр. 3403

ومنهم: [مشاهير أهل الغناء في بلاد المغرب] [١٦٢] غُرَير (١) جارية الحكم بن هشام (٢) جارية لو أماطت نقابها للبدر لتلثم، ولو عاطت رضابها البزي، لتأثم، ولو ألمت بحبها عزة الميلاء لما مالت، أو دعت لُبْنَى للبُت ما قالت، أو أسفرت لابن الرقيات لما رابه من ليلى أذى، أو جليت على بقية العشاق لعذر جميل إذا قال (٣): [من الطويل]

стр. 3404

رمى الله في عيني بثينة بالقذى مع سرعة بوادر، وطرف نوادر، وحسن غناء، يجر الأفئدة بأشطان، وينفذ إلى القلوب بسلطان، وينفث السحر فلا غرو إذا قيل: إنَّ الغناء مزمار الشيطان. ومن أصواتها: [من الطويل] وإني لأستحيي القُنُوعَ ومذْهَبي … فسيحُ وأَيّ الشُّح إلا على عرضي وما كانَ مِثْلِي يعتريك رجاؤه … ولكنْ أَسَاءَتْ شِيمَةٌ مِنْ فَتًى مَحْضِ وإني وأشواقي إليك تهمُّنِي … لكَلمُكتفي مِنْ زُبْدَةِ الماء بالمخض والشعر لمسلم بن الوليد (١)، والغناء فيه من أول الثقيل. وكذلك صوتها: [من الخفيف] يا شبابي وأَينَ منِّي شَبَابِي … آذَنَتْني أَيَّامُه بانقضاب ومُعَرِّ عَنِ الشَّبابِ مُوَاسٍ … بمشيب اللذات والأصحاب قُلتُ لما انتحى يعدُّ أساةً … مِنْ مُصابٍ شَبَابُهُ فَمُصَابِ ليسَ يأسُو كُلُوم غير كُلُومي … ما بهِ ما به وما بي وما بي والشعر لابن الرومي (٢)، والغناء فيه في الهزج. وكذلك صوتها: [من المجتث] تأَمَّلِ العَيبُ عَيْبٌ … وليس في الحقِّ رَيب فكُلُّ خَيْر وشر … دُونَ العَوَاقِبِ غَيْبُ وإنما كُلُّ شيءٍ … شَبِيْبَةٌ ثُمَّ شَيْبٌ لا تَحْقرَنَّ شُبيبًا … كمْ جَرَّ نفعًا شبيب والشعر لابن الرومي (٣) والغناء فيه … وحكي أن الحكم كان يهوى جارية من جواريه اسمها حين، فخرج مرة إلى الصحراء متنزهًا والربيع قد وشى الجلابيب، ووشع مجر ذَيَّاك الكثيب، فنزل والأصل قد اعتلت كأنها تشكو فراق حبيب، والشمس قد جعل نصب عينها المغيب. وكان قد حلف حينًا، ورآه فبات لا يطعم النوم جفونه، ولا يلمس الرقاد عيونه،

стр. 3405

فاستدعى ملهياته؛ ليشغلنه ليلته بطربهنّ، وكانت عزيز شاعرة مغنية لبيبة، أديبة فطينة، كثيرة الرواية، ففطنت لحال مولاها، وما وجده لفراق حنين، ووجهه من القلق لوشيك البين، فصنعت لحنًا في شعر بعض الأزد؛ وهو أبو عدي عامر بن سعيد أحد بني النمر بن عثمان: [من الطويل] أَلا مَنْ لنفس لا تُؤَدَّى حقوقها … إليها ولا ينفك غلا وثيقها عَصَتْ كلَّ ناءِ مُرْشِدٍ عَنْ غُوَاتِهِ … فإنَّ لها في الغَيِّ نَحْبًا يُسُوقُها إذا استدبرتْ مِنْ غَيْها عَطَفَ الهَوَى … عليها أمورًا صَعْبَةً ما تُطيقها وقد دهديت بالحي دار مشِيئَةٍ … وصرف النَّوى أشتانها وصفوقها ألا طرقتنا أمُّ سَلْمِ وأَرَّقَتْ … فيا حَبَّذا إلمامها وطُرُوقُها فيا ليتني حُمَّتْ لنفسي مَنِيَّتِي … ولمْ يتَعَلَّقْنِي لِحِينٍ عُلُوقُها ورددته حتى أجادته؛ فلما استدعى الحكم، جواريه، دخلت غرير من باب المضرب، وهي تغني هذا الصوت، فاهتز الحكم حتى خرج عن فرشه، وقال: لله أنت يا غرير ما أبصرك بمواقع البلوى، وأعرفك بمواضع الشكوى. لمن الشعر؟ فقالت: إنه لرجل من بني النمر بن عثمان، فقال: والله أنت أحق به منه؛ إذ أتيت به كأنما صيغ لما نحن فيه، ثم أمرها بإعادته، وبعث لوقته من أحضر حينًا وأقام في متنزهه أيامًا كأنما كانت أحلامًا، وأمر الغرير بعشرة آلاف، وأمرت لها حين بمثلها، ثم كانت تصفيها الود مدة حياة الحكم. وحكى أنه استدعى بها في غرة يوم طلعت شمسًا في صباحه وكأسًا لاصطباحه، وكان الحكم لا ينال اللذات إلا سرًا، ولا يلم بالشراب حتى يلقي عليها سترًا، ولا يجالس إلا من داخل ستارة، ولا ينافس في القمر إلا من دائرة دائرة، خوفًا من فضيحة الاشتهار، وفرارًا من علن الإظهار، وظل يقترح يومه عليها، وعلى سائر جواريه الأصوات، ويحث المدام بها في الخلوات، إلى أن صدع الليل زجاج النهار، وبان في جفن عين الشمس الانكسار وشرعت تنكر الجواد، وتقبل شيعة الليل من الشرف بشعار السواد. قال الحكم: هل فيكم من ينظم في هذا الشعر؟ فبدرت غرير فقالت: [من الخفيف] قد تقضى النهارُ إِلا بَقَايَا … مِنْ شُعاع مُخلّف للأصيل وأتانا الظلام من قبل الشر … قِ فأهلًا منه بخير نزيل دام هذا وذا بطولِ بَقَاءِ الـ … حَكَم السيد الفتى المأمول

стр. 3406

فوقع شعرها منه موقع الاستحسان، ووصلها بما غمرها به من الإحسان، ثم أمرها، فصاغت فيه لحنًا، وغنت فيه ليلتها كلّها، وهو يوالى عليه الكؤوس، ويحثها حتى أحرقت فحمة الليل جمرة الشموس؛ فلما أصبح يزيد التكور إلى الرواق للجلوس على سريره، ويكمله بتصريف الأوامر تمام شكوره، أمر لعزيز بعشرة آلاف درهم، وكارة جليلة من القماش، وزاد في قدر جرايتها، ثم نقلها إلى خواص خطاياه، وأمهات أولاده، وبقيت على هذا حتى ماتت وهي ضجيعته، وعلى وساده. ومنهم: [١٦٣] غرير جارية الحكم بن هشام (١) جارية تفتن البصر، وتعقل اللسان بالحَصَر، وتفوت رام رامة، وتتّهم بشبهها خادر تهامة، وتصمي الأحشاء من حذقها بقسي ما لها وتر، وتشب جمر القلوب من جفنها بما فتر، وتغني والحمام قد أخذت في أهزاجها، والبروق قد علنت بماء السحاب مزاجها، فتهزّ القدّ أكثر من هزّ الأغصان، وتكلف اللحن الشحيح بذل ما صان، ولهذا كان هواها حكمًا على الحَكَم، ومستنطقًا لعبراته، وقد أسكته إلبكم، فكان لا يصبر على نأيها، ولا يصبر عن نايها، يظنّ أنفاسها أنفاسه التي هي مدد الحياة، وسبب وجوده في الدنيا وبقياه. ولها صناعة في أصوات منها: [من المنسرح] كانَ رَحِيلِي مِنْ أَرْضِكُمْ عَجَبًا … وحادثًا مِنْ حَوادِثِ الزَّمَنِ من قبل أَنْ أَعرض الفِرَاقَ على قَلْبِي … وأن استعد للحَزَنِ والشعر للعباس بن الأحنف (٢)، والغناء فيه من الثقيل الأول. وحكي: أن الحكم كان يهوى جارية له لا ترى القمر إلا طالعًا في لبتها، ولا الرائي إلا في محبتها، ثم تنكر لها، فتجنت عليه، وتثنت إلا أنها ما ألوت إليه، فعز لديه هجرانها، وأعرض عنها، وفي أحشائه نيرانها، ثم لم يجد إلا أن أغلظ في عتابها، وظنّه سببًا لمتابها، فزادت عليه تأبيًا كدر عيشه، ونكد عليه نكدًا ضعضع خيشه، وكان لا يتسلّى، ولا يهنأ بعيش ولا يتملّى، ولم يجسر أحد على خطابه، وكف جامح عتابه،

стр. 3407

حتى أمر جواريه أن تغنيه، فغنين حين فرغن، وما أغنين، فلما انتهت النوبة إلى غرير، اندفعت تغني هذا: [من الطويل] بزينب أَلِمم قبل أن يرحَلَ الركب … وقُل إن تمنيت فما مَلَكَ القَلْبُ وقُل: إِنْ أَنَلْ بالحُب منها مَوَدَّةً … فما فَوقَ ما لاقيتُ مِنْ حُبِّكُمْ حُبُّ وقل في تجنيها لك الذنب إنَّما … عتابكِ إن عاتبت ليس له عتب فَمَنْ شَاءَ رام الهجرَ أَوْ قَالَ ظالمًا … لذي وُدِّهِ ذَنْبٌ وليس له ذَنْبُ والشعر لنصيب (١)، والغناء فيه ثاني الرمل؛ فقام لوقته، وصالحها، ووهب غريرًا، وواصلها، وقال: هلا منكن واحدة فعلت فعلها. وهذا الصوت من قصيدة طائلة وهي: خليليَّ مِنْ كَعْبٍ أَلِمَّا هُدِيتُما … بزينب لا يفقدكُما أَبدًا كَعْبُ ومل يوم زوزاها فإِنَّ مَطِيَّنا … غَدَاةَ عَدٍ عَنْها وَعَنْ أَرْضِها نُكْبُ فقُولا لها لم يُبْقِ حبًّا ولمْ يَدُم … على الحال إلا أَنْ يكونَ لَهُ عَتْبُ وقولا لها ما في البِعادِ لِذِي الهَوَى … رَوَاحُ وما فيها لصَدْعِ الهَوَى شَعْبُ وقولا لها يا أُم بكرٍ أحله … مُساعفة في وَصْلِنَا أَنْتِ أَمْ حَرْبُ وقولا لها أن أجزي بالنصب منكم … سلامًا ففيما قد كلفت بكُمْ نَصْبُ فقد كنتُ أعصي فيكِ أَهل قرابتي … وأَشْغَبُ بالأقصى الذي قولُهُ شَغْبُ وأُغْضِي كثيرًا عَنْ نَوَاحِي مَقالِهِ … أَمَضٌ لها جِلْدِي كَمَا يُؤْلِمُ الضَّرْبُ وقد أنكرتني الأرض بعد اغتباطها … بمعرفتي والأرض طيبةٌ خِصْبُ وقد قال ناسٌ حَسْبُهُ منْ طِلابِها … فقلتُ: كذبتم ليس لي دونَها حَسْبُ ومن قبل ما قالوا صَبَا فَرَددَتُهم … بقولي: ألم يلقوا امرًا فيكم يصبو وعلّقتها غرًا حديثًا ولم تُرِدْ … شَبَابًا على أَيَّام كان له أتب إلى اليوم حتَّى عادَ في رأسِيَ الخَلَا … سَرِيعًا وأَقْرانِي مَفَارِقُهُمْ شُهْبُ ومنهم:

стр. 3408

[١٦٤] بهجة جارية الحكم (١) جارية تخجل الشمس فتتبرقع بالشفق، ويفصح النسيم، فلا غرو بسعيه إذا خفق. كانت إذا اندفعت للغناء، فتقت ما على المسامع من الغشاء، وطفقت تزيد، وحبابه جارية تنقص، وصفقت الجداول والأغصان ترقص وانقطعت سلامة القس في ديرها، وقلت فضل بالنسبة إليها، فكيف حال غيرها؟ وكانت تذكر البقية المروانية سالف الأيام، وطائف خيال زمانهم، وفي طاعاتهم الأنام، فيذكر باقيهم أباه الأملاك، ويقول كما قال جده عبد الملك: نحن كذلك، فسعى مدامعه البشام، وأسف لطيب أيام، لو تكون له بالشام، وهي الأيام لا تدور، ولا تصفح عمن أضرَّ واعتذر، سلبتهم جلباب ذاك الأوان، وفعلت بهم فعلها بصاحب الأيوان، إلا أنهم عمروا الأندلس بالملاذ، وغنوا بها عن دمشق وبغداد، وداموا بها إلا أن كل نعيم إلى نفاد. ولها أصوات، فمن مشهور قولها: [من مجزوء الرمل] يا شَبِيةَ البدرِ في الحُسْ … نِ وفي بُعْدِ المنال جُدْ فَقَدْ تَنْفَجِرُ الصَّخْ … رَةُ بالماء الزلال والشعر لابن الرومي (٢)، والغناء فيه في الهزج. وحكي: أن الحكم جلس في مجلس له يمتد فيه طلق النظر في فسيح الفضاء، وقد خلا يلذاته، وأقبل على أنسه وجمع جواريه، واقترح عليهن الأصوات، وجعل بينهن الخيار، فلم تبق واحدة منهن حتى بلغت جهدها، فما أتت به؛ فلما تصرم المجلس أو كاد، وبرز جنح العصر في مجسد من جساد ورق ليصدع زجاجته، وبرق نهر النهار لأنفته من محاجته أقبل عليهن، وقال لهنَّ: أيتكن تصنع لحنًا في شعر من أشعار عشاق العرب يحسن لدي موقعه، ويزلف له في قلبي موضعه، حكمت لها على صاحباتها، وأجبتها إلى ما تمنت، فلم يبق منهن إلا من صنع لحنًا، وأبدع فيه حسنًا، وهو لا يقبل عليه، ولا يلتفت إليه، حتى اندفعت بهجة تغني هذا: [من الطويل] وإني لتعروني لذكراكِ هِزَّةٌ … لها بينَ جِلْدِي والعِظامِ دَبِيبُ وما هُوَ إِلا أَنْ أَرَاهَا فَجَاءَةٌ … فَأَبْهَتَ حَتَّى ما أَكَادُ أَجِيبُ

стр. 3409

وأُصْرَفُ عَنْ رَأْيِي الذي كنتُ أرتأي … وأَنْسَى الذي أَعْدَدْتُ حِينَ يَغِيبُ ويُظْهِرُ قلبي عُذْرَها ويُعِينُها … عليّ فَمَا لي في الفُؤَادِ نَصِيبُ وقدْ عَدِمَتْ نَفْسِي مكانَ شِفائِها … قريبًا وهل ما لا يُنالُ قَرِيبُ لئن كانَ بَرْدُ الماء أبيض صافيًا … إليَّ حَبِيبًا إِنَّها لَحَبِيبُ والشعر العروة بن حزام العذري (١)، والغناء فيه ثاني الرمل. فطرب الحكم ومال وقال: والله كأني لهذا كنت أحاول، وله أتطلب، ثم حكم لها على كل من تغنت، وأنجز لها ما تمنت. ومن أصواتها هذا: [من الطويل] وإني لمخزون عَشِيَّةَ جِئْتُها … وكنت إذا ما جِئْتُها لا أُعَرِّجُ فلما التقينا لَجْلَجَتْ في حديثها … ومِنْ آيَةِ الهَجْرِ الحديثُ المُلَجْلَجُ والشعر لأبي دهبل الجمحي (٢)، والغناء فيه في ثاني الرمل مزموم. وحكي أنها حضرت يومًا لديه، وكان قد وجد الفراق جارية له كانت استأذنته في الخروج للتنزه في بعض القصور، وشعرت لما في نفسه، فغنت: [من الطويل] أأحبابنا قد أنجز البينُ وعدَهُ … وشيكًا ولمْ يُنْجَز لنا منكم وعْدُ أأطلال دار العامرية باللوى … سَقَتْ رَبْعَكِ الأنواء ما فعلت هندُ بنفسِي مَنْ عَذَّبْتُ نفسي محبَّة … وإن لم يكن [منها] وصال ولا وُدُ حبيبٌ مِنَ الأَحْبَابِ شَطَّتْ بِهِ النَّوَى … وأَيُّ حبيب ما أَتَى دونَهُ البُعْدُ! والشعر للبحتري (٣)، والغناء فيه في الثقيل الأول، فقال لها: لكأنك كنت في صدري، ثم أمر لها بمائتي دينار، وقطعًا من الجوهر. وكذلك من أصواتها: [من البسيط] بانوا فكانت حياتي في اجتماعِهِمُ … وفي تفرقهم قلبي وإقصادي وفي الحدودِ غَمَامَاتٌ بَرَزْنَ لنا … حتَّى تصيدَ منَّا كلُّ مُصْطَادِ وهنَّ ينبذن من قول يُصِبْنَ بِهِ … مواقع الماءِ مِنْ ذِي الغُلَّةِ الصَّادِي يَقْتُلْنَنَا بحديث ليس يعلمُهُ … مَنْ يَتَّقِينَ ولا مكنونه بادي

стр. 3410

والشعر للقطامي (١)، والغناء فيه مزموم. ومن محاسن القصيدة التي منها هذا الصوت: حَلُّوا بأخصر قد مالت سرارتُهُ … مِنْ ذِي غَناء على الأعراض أنضادي ما لي أرى الناس مُزْوَرًا فحولُهُمُ … عَنِّي إِذا سَمِعوا صَوتي وإنشادي فطالما دبَّ عَنِّي سيرُ جُرد … يُصْبِحْنَ فَوْقَ لسان الرائح الغادِي فلا يُطيقونَ حَمْلِي إِنْ هَجَرْتُهُمُ … وإِنْ مَدَحتُهم لم يبلغوا آدي مَنْ مُبْلِغْ زُفَرَ القَيْسِيَّ مِدْحَتَهُ … مِنَ القُطامي قولًا غَيْرَ أقادِ أنّي وإن كان قومي ليس بينَهُمُ … وبين قومِك إلا ضربة الهادي مُثْنِ عليك بما استيقنتَ مَعْرِفَتي … وقد تعرَّض منِّي مُثْقَل بادي فلن أُنَبِّيك بالنعماء مشتمة … ولستُ أُبَدِّلَ إِحْسانًا بإفساد وما نَسِيتُ مَقامَ الورد يجلسُهُ … بيني وبينَ خَفِيفِ الغاية العادي لولا كتائب من عمر و تصولُ بها … أُرْدِيتَ يا خيرَ مَنْ يبدو له البادي إذ الفوارس من قيس تسكنهم … حَوْلِي شُهُودٌ وما قَومِي بِشُهَّادِ إذ يعتريك رجال يسألون دمي … ولوْ أَطَعْتَهمُ أَبْكَيتَ عُوَّادِي والصيد آل نُفَيْلٍ خَيرُ قومِهِمُ … عِنْدَ الشتاء إذا ما ظُنَّ بالزَّادِ يا قَوْمُ قومِي مَكانِي مَنْصِبٌ لَهُمُ … ولا يظنون إلا أنني رادي وَلَا كَرَدِّكَ ما لي بَعْدَ كريت … تبدى السناة أعدائي وحسادي لا يُبْعِدِ الله قومًا مِنْ عَشِيرَتِنا … لمْ يُجْدِ لونًا على الجُلَّى ولا العادي محمية وحفاظًا انهمْ شِيَمٌ … كانتْ لقومي عادات مِنَ العادي لمْ تَرْأَ قومًا هُمُ شرًّا لأخْوَتِهِمْ … منَّا عَشِيةَ يَجْرِي بِالدَّمِ الوَادِي مُسْتَلْبِثِينَ وما كانت أَناتُهُمُ … إلا كما لَبِثَ الضَّاحِي عَنِ الغَادِي حتى إذا ذَكَتِ النيران بينَهُمُ … للحرب يُوقَدْنَ لا يُوقَدْنَ للزَّادِ بقُرْبِهِمْ لِهَدْمِيَّاتٌ يُقرِّبُها … ما كانَ خاط عليهمْ كُلُّ زَرَّادِ أَبْلِغْ ربيعة أَعْلاها وأَسْفَلَها … أَنَا وقَيْسًا تَوَاعَدْنَا لِمِيعَادِ فكانَ قَومي ولمْ تُغْدَرْ لهمْ ذِمَمٌ … كصاحِبِ الدِّيْنِ مُسْتَوفِ ومُزْدَادِ

стр. 3411

ومنهم: [١٦٥] مهجة جارية الحكم (١) جارية تجلو القمر إذا غاب، ويحلّ ظبيها الكانس في غاب، تدني الرغاب، وتلهي بأشجان طربها السغاب، وهو المتمني ورضا المختلي لا يعدوها الاقتراح، ولا يعدلها حبيب وقت راح. إلى ذكاء فطنة لا تقتدحها خواطر النساء، ولا يقترحها الفحول على الخنساء. لو مر بها ذو الرمة لما كان سواها عليه ينفق، ولا وصف غيرها هاني ينفق. ولها أصوات منقولة مشهورة: [من الطويل] سأُعْرِضُ عَمَّا أَعْرَضَ الدَّهْرُ دُوْنَهُ … وأَشربُها صِرْفًا وإِنْ لامَ لُوَّمُ فإني رأيتُ الكأس يا سَلَّمَ خُلَّةً … وَفَتْ لِي ورأسي بالمَشِيْبِ مُعَمَّمُ وصَلْتُ فلمْ تَبْخَلْ عليَّ بِوَصلِها … وقدْ بَخِلَتْ بالوَصْلِ تَكْنِي وَتَكْتُمُ ومن هَاذِم اللذاتِ إِنْ حانَ بَعْضُها … لِيُرغِمَ دَهْرًا ساءَهُ فهوَ أَرَعْمُ والشعر لابن الرومي (٢)، والغناء فيه. وكذلك صوتها وهو ومما اقترح الحكم أن يغنى فيه: [من الوافر] أَلا زارت وهل منّي هُجُودُ … وليتَ خَيالها بمنّى يَعُودُ حَصَانٌ لا المُرِيبُ لها خَدِيْنٌ … ولا يفشى الحديث ولا يَرودُ ويَحْسُدُ أَنْ نَزُورَكُمُ ويرضى … بدونِ البذلِ لَوْ رَضِيَ الحَسُودُ فلا بُخْلٌ فيُؤنِسُ مِنْكِ بُخْلٌ … ولا جُودٌ فينفعُ مِنْكِ جُودُ شكونا ما عَلِمْت فَمَا أَوَيْتُمْ … وباعَدْنا فَمَا نفعَ الصُّدُودُ هوى بتهامة وهوى بنَجْدٍ … فَلَبَّتْنِي النَّهائِمُ والنُّجُودُ والشعر لجرير (٣) والغناء فيه. وحكي أن بعض جواريه سألته في الخروج إلى بعض متنزهات قرطبة النائية فأذن

стр. 3412

لها على كره منه لفراقها، ثم قال: والله لا تذهبين حتى أراك عندي الليلة كلها. ثم أحضر جواريه الغناء، وقضى معها ليلة متلألئة السنى؛ فلما صدح الصباح، وفتح النهار بابًا كان في الليل مرتجًا، أزمعت الجارية على الخروج، وقد قدمت المراكيب، وجاء الصبح بموعده القريب، أخذ الحكم كالإفكل، وعلاه النحيب، ثم أنشد متمثلًا قول ذي الرمة (١): [من الطويل] أفي الدار تبكي أَنْ تَحَمَّلَ أَهْلُها … وأَنتَ امرؤ قد حكمتكَ العَشائِرُ وجعل يردد هذا البيت وقال لجواريه: أيتكن سبقت إلى عمل لحن في هذا البيت وما يضم إليه فلها حكمها، فابتدرت مهجة وغنت ثم سوغها الحكم ما تمنت. والصوت: أفي الدار تبكي أَنْ تَحَمَّلَ أَهْلُها … وأَنتَ امرؤٌ قد حكمتك العشائر فلا ضَيْرَ أَنْ تستعبر العينُ إنَّني … على ذاك إلا حوله الدمع صابر وإن لابني بأمي مِنْ دُوْنِ صُحْبَتِي … لكِ الدهرُ مِنْ أُحْدُوثَةِ النَّفْسِ ذاكِرُ وأن لا ينام الركب تهويم وقعة … من الليل إلا اعتادني منكَ زائر والصوت من قصيدة من غرر [قصائد] ذي الرمة، ومنها: لقد نامَ عَنْ ليلى لقيط وشاقَنِي … مِنَ البَرْقِ عُلْوُيُّ السَّنَى مُتياسر أَرِقْتُ لهُ والثَّلْجَ بيني وبينَهُ … وحومان حُزْوَى فالحمول البواكِرُ أجدَّتْ بأغباش فأضحت كأَنَّها … مَوَاقِرُ نَخْلِ أَوْ طَلُوحٌ نواظر وتحتَ العَوَالي في القَنَا مُسْتَظِلَّةٌ … ظباءٌ أعارتها العيون الجآذر هي الأدم حاشا كلَّ قَرْنٍ ومِعْصَمِ … وساقٍ وما ليت عليه المازِرُ وغير التحمي دُونَها ما وراءها … ولا يَحْتَطِبْها الدهر إلا مَخاطِرُ قطعت بحلفاء الدفوف كَأَنَّها … مِنَ الحقبِ ملساء العَجِيبَةِ ضَامِرُ إذا القومُ راحُوا رَاحَ فيها مُقَارِفٌ … إذا شَرِبَتْ ماءَ المَطِيِّ الهَوَاجِرُ وماء تجافَى الغَيْثُ عنْهُ فَمَا بِهِ … سواء الحمام الحصين الخصر حاضر وردت وأرداف النجومِ كَأَنَّها … وراءَ السّماكين النهي واليَعَافِرُ على نضوة تهدى بركب تطوَّحوا … على قلص أبصارُهُنَّ عَوَائِرُ وحكي أن الحكم اقترح عليها أن تصنع صوتًا في شعر أبي تمام وهو هذا (٢): [من الطويل]

стр. 3413

أنا ابن الذين استرضع المَجْدُ فِيهُمُ … وسُمي منْهُمْ وهوَ كَهْلٌ ويافع مَضَوا وكأَنَّ المكرمات لديهُمُ … لِكَثْرَةِ ما وَصُوا بِهِنَّ شَرائِعُ فأَيُّ يَدٍ في المَجْدِ مُدَّتْ فلَمْ تَكُنْ … لها راحَةٌ في مَجْدِهِمْ وأَصابِعُ هُمُ استودَعُوا المَعْرُوفِ مَحْفُوظ مالِنا … فَضَاعَ وما ضاعَتْ لَدَينا الصَّنَائِعُ فصنعت في ثقيل الرمل، فلم يقع في نفسه بموقع، فقالت: سأصوغ له لحنًا غير هذا، فقال: هيهات قد تكدر علي صفوه، ولكن انظري شيئًا تصنعين فيه سواه فصنعت في قول أبي تمام (١): [من الطويل] جَرَى حَائِمٌ في حَلْبَةٍ مِنْهُ لَو جَرَى … بها القطرُ قالَ الناسُ: أَيُّهما القَطْرُ فتي ذخر الدنيا أناس ولم يَزَلْ … لها باذلًا فانْظُرْ لِمَنْ بَقِيَ النُّخْرُ؟ فمن شاء فليفخر بما كانَ مِنْ نَدًى … فليس لحي غيرنا ذلكَ الفَخْرُ جَمَعْنَا العُلا بالجُودِ بعد افتراقها … إلينا كما الأيام يجمعها الشَّهْرُ فلما تغنت به اهتز الحكم حتى كاد يخرج عن السرير، وقال لها: أحسنت، والله وأجملت وزدت على ما في أمنية نفسي، وأمر لها بمائة دينار لكل بيت، فقامت بأربعمائة دينار. وجمع الحكم يومًا جواريه وأمرهن أن يغنين في شعر الفرزدق (٢): [من الوافر] وقالوا: إن عرضت فَأغْنِ عنا … دموعًا غير راقية السجامِ وكيف إذا رأيت ديار قوم … وجيران لنا كانُوا كِرَامَ أُكَفْكِفُ عَبْرَةَ العَينين مني … وما بعد المدامع من لمام فعملن فيه أصواتًا أخذن ألحانها، وأقمن أوزانها، وكانت مهجة أوقعهن على ما في نفسه، فقال لهن: اقترحي حكمك؟، فقالت: أن لا يغنين اليوم إلا من أصواتي، فأمرهن بذلك، وأمرها بأن تلقي عليهن حتى حفظن ذلك عنها، ثم غنينه ذلك اليوم بأصواتها، فأجزل صلتها، ووصل سائرهن. وهذا الصوت من قصيدة هجا الفرزدق فيها جريرًا، ومدح هشام بن عبد الملك، فمنها هجاء جرير (٣)

стр. 3414

وبيض كالدمى قدْ بِتُ أَسْرِي … بهنَّ إلى الخَلَاءِ عَنِ النِّيامِ مشين إليَّ لَمْ يَطْمِثْنَ قَبْلِي … وهُنَّ أَصَحُ مِنْ بِيْضِ النَّعَامَ وبِتْنَ لَدَيَّ فِيهِ مُصَرَّعاتٍ … وبتُ أَفضُ أَغْلاق الختام كأَنَّ مَفالِقَ الرُّمانِ فيه … وجَمْرَ غَضًا فَعَدْنَ عليه حامي ومنها في مدح هشام (١): وغيَّرَ لَوْنَ رَاحِلَتِي وَلَوْنِي … تَرَدِّي الهَوَاجِرِ واغْتِمامي يَقُولُ بَنيَّ هَلْ لكَ مِنْ رِحِيلٍ … لقوم مِنْكَ غيرِ ذَوي سَوَامِ فينهض نهضة لبنيكَ فيها … غنّى لَهُمُ مِنَ المَلِكِ الشَّامِي أَعِينِي مَنْ وَرَاءَكِ مِنْ رَبِيعِ … أَمَامَكِ مُرسَلٍ بيدي هشام يدي خير الذين رموا وماتوا … إمام وابنُ أَمْلاكِ عِظَامَ إلى مَ تَلَفَّتِيْن وأنت تحتي … وخير الناسِ كُلِّهِمُ أمامي مَتَى تَرِدِي الرّصافَةَ تستريحي … مِنَ التَّهجير والدبرِ الدَّوامِي وتُلْقِي الرَّحْلَ عنكِ وتستغيثي … بغيثِ اللهِ والمَلِكِ الهُمامِ وحبل اللهِ حَبْلكَ مَنْ يَنَلْهُ … فَمَا لِعُرَى يديهِ مِنْ انفصام بذاك يد ربيع الناس فيها … وفي الأخرى الشُّهورُ مِنَ الحَرَامِ وإنَّ الناس لولا أنتَ كَانُوا … حَصَى حَزنٍ تَبَدَّدَ مِنْ نظام وليس الناسُ مُجْتَمِعِينَ إلا … لخندف في السّتورة والخِصَامِ وبشَّرَتِ السَّماءُ الأَرْضَ لَمَّا … تَحَدَّثنا بإقبال الإمام إلى أهل العراق وإِنَّما هُمْ … بقايا مِثْلُ أَشلاء الرمام أَتانا زائر كانتْ عَلَينا … زيارَتُهُ مِنَ النِّعَمِ الحِسَامَ فجَاءَ بِسُنَّةِ العُمُرَيْنِ فيها … شِفَاءٌ للصدورِ مِنَ السَّقامِ راك الله أَوْلَى الناسِ طُرًّا … بأَعْوَادِ الخِلافَةِ والسَّلام رأيتَ الظُّلمَ لمَّا قامَ جُدَّتْ … عُرَاهُ بشَفْرَتي ذَكَرٍ حُسامَ إذا ما سار في أَرضِ تَرَاها … مظلمة عليهِ مَنَ الغَمَامِ وهذه في القصيدة أبيات طائلة في وصف الناقة والسير وهي: تَزِفُ إذا العُلا قلقت عليها … زفيف الهادِجاتِ مِنَ النَّعَامِ

стр. 3415

كَأَنْ أَقمارًا علقت بُراها … معلقةً إلى عمد الزخام كأن العنكبوت يبيتُ يبني … على الأشداق مِنْ زَبَدِ اللُّغامِ رحوف الليل قد بقيت وكَلَّتْ … مِنْ الآداب فاترة النعام فما بلغت بنا إلا جريضًا … تَبَقَّى في العِظامِ وفي السَّنامِ كَأَنَّ النَّجْمَ والجوزاء يسري … على آثارِ صَادِيَةٍ أوام كأَنَّ العِيْسَ حين أُنخنَ هَجرًا … مُفَقَّأة نواظرها سوامي ومن أصواتها في شعر ابن الدمينة هذا (١): [من الطويل] لقد كان في الهجران لي أجر … لقد مضى لي الهجر في الهجران منذ زمان فَوَالله ما أَدْرِي أَكُلُّ ذَوِي الهَوَى … على ما بنا أَمْ نحنُ مُبْتَلِيانِ ومنهم: [١٦٦] فاتن جارية الحكم (٢) جارية قرطبة بمحاسنها قرطبة، وأفرطت في التمايل بأصواتها المطربة، لو أسفرت، لا تهمت في طلاها كل أم خشف، ولو سقت المحرور بسوى رضابها لم يشف، حجبت بستور الخلائف الأموية حيث دالت دولتها وعادت صولتها، وسلت من وراء البحر الأخضر سيوفها، فراع بريقه في بغداد أهل السواد، وخاف كل راكب على كل عود رقاه الأعواد، وكانت تشف كما تشف الشمس وراء الغمام، وتبدو بدو البدر التمام. ومن أصواتها المشهورة: [من الطويل] إذا حانَ مِنَّا بعدَ مَيّ تَعْرُضُ … لنا حَنَّ قلب بالعصابة مولع وما يرجعُ الدَّهرُ الزمان الذي مَضَى … وما للفتى في دِمْنَةِ الدار مجزع عَشِيةَ مالي حيلةٌ غيرَ أَنَّنِي … بلفظ الحَصَى والحَظ في الدار مُولَعُ أخطُ وأَمْحَو الخَطَّ ثُمَّ أُعِيدُهُ … بكفّيَ والغربان في الدار وقع

стр. 3416

والشعر الذي الرمة (١) والغناء فيه. [من الطويل] وخَرْقٍ إذا الآل استجارت بَهَاؤُهُ … بهِ لَمْ تَكَد في حَوْزَةِ السَّيْرِ تَنجَعُ قطعت ورقراقُ السَّرابِ كَأَنَّهُ … مَنَابِتُ في أرجائِهِ تَتَرَبَّعُ وقد ألبس الآل الأياديم وارتقى … على كلِّ نَشْرِ مِنْ حَوَافِيهِ مقنع بمُخْطَفَةِ الأَحشاءِ أَزْرَى بنيها … جداب السُّرَى بالقوم والطَّيرُ هُجَعُ إذا انجابتِ الظَّلماءُ أَضْحَتْ رؤوسُهُمْ … عليهنَ مِنْ طُولِ الكَرَى وهيَ طُلْعُ يُقيمونَها بالجهد خالًا وينتحى … بها نشوة الإدلاج حينًا فيركع قَرَى كُلَّ مغلوب يمدُّ كَأَنَّهُ … بخيلين منْ مَشْطوبَةٍ يتنوّع على مسلهمات بجانب سَقْيِها … غرائب حاجات وبهماء بَلْقَعُ بدا نابها مِنْ أَهْلِها وهيَ بدن … فقد جعلت في آخر الليل تُصرَعُ وما مِلْنَ إلا ساعة في مغوّرٍ … وما بِتْنَ إلا تلك والصُّبْحُ أَدْرَعُ إذا أبطأت أيدي امرئ القيس بالقِرَى … عَنِ الركب جاءت حاسرًا لا تقنع كأَنَّ مُناخ الراكب المُبتَغِي القِرَى … إذا لَمْ يَجِدْ إلا امرء القيس بَلْقَعُ ومنهم: [١٦٧] فاتك جارية الحكم بن هشام عقيلة حجب وعقيدة نجب بيضاء حمراء، غراء قمراء، فاتر لفظها، فاتك لحظها، اكتنفتها الستور الأموية، وكفتها أن تعدل معها أحد بالسوية، ورقت تلك السرر، وراقت لها نطف تلك الغدر، وكانت زهرة زهراتها، وثمرة سراتها. وحكى أنها بلغت من الأدب ما نطق لسانها، وحقق إحسانها، وولعت بصناعة الغناء حتى كانت بأفق الأندلس بدل بدل ونظير ما ضرب به مثل مثل، وأمل المقترح، وزيادة على أمل أكثر ماله للقدود من نوافح الضياء، وسوافح الأنواء. ومن أصواتها: [من الطويل] أَمِنْ رَسْمِ دارٍ مَرْبَعٌ ومَصِيفُ … بعينيكَ مِنْ ماءِ الشُّؤُونِ وَكِيفُ تذكَّرتُ فيها الحَيَّ حَتَّى تَبَادَرَتْ … دُمُوعِي وأَصْحابي عليَّ وُقُوفُ

стр. 3417

يقولون: هل يبكي مِنَ الشَّوقِ حَازِمٌ … وإن بانَ حِبُّ بالنَّوَى وأَلِيفُ فَلأيًا أَزَاحَتْ عِلَّتِي ذاتُ مَنسم … بكيتُ لها إِثْرَ الفِرَاقِ وَحِيْفُ والشعر للحطيئة (١)، وفيه تحريف كلم، والغناء فيه من المزموم. ومن تمام هذا الشعر: [من الطويل] إليكَ سعيد الخيرِ حَيْثُ مهامها. . . يقابلنني آل بها وتنوف فلولا الذي العاصي أبوهُ لِمَا ثَوَتْ … بحورانَ مِذْعَانُ العَشِي عَصُوفُ وذاك أصيل اللُّبِّ غضٌ شَبَابُهُ … كريم لأيام المَنُونِ عَرُوفٌ إذا هم بالأَعْدَاءِ لَمْ يَثْنِ هَمَّهُ … حَصَانٌ عليها لؤلؤ وشُنُوف حَصَانُ لها في البيتِ زِيٌّ وَبَهْجَةٌ … ومَشْي كما تمشي القطاة قطوف ولو شاءَ وارى الشَّمْسَ مِنْ دُونِ وَجْهِهِ … حِجابٌ ومَطْوِيُّ السراة مُنِيفُ ولكن إذلالًا بشَهْباءَ فَحْمَةٍ … لها لقح في الأعجمين كشوف إذا قادها للموت يوم تتابَعَتْ … أُلُوفٌ على آثارِهِنَّ أُلُوف فصفوا وما ذِيُّ الحَدِيدِ عليهم … وبِيْضٌ كأولاد النعام كَثِيف خفيف المعى لا يملأُ الهمَّ صَدْرَهُ … إِذا سُمْتَهُ الزاد الخَبِيثَ عَيُوفُ وحكي أن الحكم دخل عليها وهي نائمة، وقد كحلت أجفانها بسباتها، وصقل صفائح وجناتها، قد وسدها سكر الدلال اليمين والشمال، وجلا منها إطراح اللثام ما تحت الخُمُر والغلائل، وقد كلل الجبين لؤلؤ العرق، واجتمع الحسن فيها كما اتفق، فاختلس منها قبلةً، أكل بها ما وجد من الحلاوة في صحن خدها، ثم ضمها إليه ضمة دخل بها بين ترابيها وعقدها، وهي لا تتيقظ كأنها مخمورة ولا تنفك من يده كأنها مأسورة، ثم لم يزل يقبلها في مضجعها ويقلبها، ولا يرثى لتفجعها حتى ذبل ورد مراشفها، وانتهب عناقيد سوالفها، فانتبهت كأنها ظبية مذعورة، وقامت تهتز كأنها غصن بان ممطورة، ثم قالت: [من الخفيف] مَنْ أَبَاحَ التقبيل واللثمَ خَدِّي … فَجَنَى رِيقَتِي وَذَبَّل ورْدِي ليتَ مَنْ جاءَ آخر الليلِ نَحْوِي … كانَ حِبِّي مِنْ أَوَّلِ الليل عندي فقال: الحكم لله أنت إذ قمت ولله أنت إذ قلت ثم أمرها فغنت فيها، ولم يزل يردد الصوت ويستعيده ويستطيبه ويستجيده حتى كان ذلك لها يومًا معدودًا، وعيدًا

стр. 3418

لا عيب فيه إلا أنا لم نره مشهودًا. ومنهم: [١٦٨] أفلح الرباني ممن قدم على الحكم. رجل لا يمل منه سمير، ولا يحل مثله في ضمير. قدم على الملك الهمام، وتقدم الصفوف إلى الأمام، وسلطان الحكم يومئذ زاخر العباب، فاخر الجلباب، وطائره ميمون، وزائره ما عليه إن فاته المأمون، وقد أزلفت له بقرطبة الجنان، وزخرفت الأفنان، والحكم ينفض عن الحكم وَسَنه، ويسكت من الرق لسنه، وأياديه بيض، وغواديه تفيض، وأعاديه إذا ذكرت ذكره تحيض، فاشترى إليه ما لم يجده عنده ابن أبي سفيان سائب خائر من الأيادي، ولا عند ابن يزيد عمرو الوادي. ومن أصواته: [من الطويل] دَعِ القَلْبَ واسْتَبْقِ الحَيَاءَ فإِنَّمَا … تُبَعِّدُ أَوْ تُدْنِي الرِّبَابُ المَقَادِرُ أَمَتْ حُبَّهَا واجْعَلْ رجاءَ وِصالِها … وعِشْرَتِها كبُغْضِ مَنْ لا يُعاشِرُ وهبها كشيء لم يكنْ أَوْ كَنَازِحِ … بِهِ الدارُ أَوْ مَنْ غَيَّبَتْهُ المَقابِرُ فكالناسِ عُلِّقْتَ الرَّبابَ فلا تَكُنَّ … أَحاديثَ مَنْ يَبْدُو وَمَنْ هُوَ حاضِرُ والشعر لعمر بن أبي ربيعة (١). ومنهم: [١٦٩] رغد جارية المغيرة بن الحكم جارية لم تكن أيام وصلها هي العيش لما سميت رغدا، ولا جعلت لليوم غدًا. متعت القلوب بصفائها، وجمعت بين العيون وإغفائها ووصلت إلى البقية الأموية وقد سلبوا رداء الخلافة، وقربوا من ردي الهلك فأحيت الذماء، وأحرزت الدماء، فكانت تضيء في مجالس القوم إضاءة السمع المتقدم، وتجلس من تعنت المنتقد إلا أنها كانت حاكمة على المغيرة، لو كلفته بذل نفسه لما بخل، وألجأته إلى ما دخل فيه الوليد لدخل، حتى كادت تكون المبيرة، وتنهب غارتها لب المغيرة، ويحكى عنها

стр. 3419

كمال أدب كانت أتقنته، وإتقان طرب حسنته، وتمام جمال أوتيت منه أوفر الحظوظ، وأوفى ما يرى من الحسن الملحوظ، وفضل أدوات وإجادة في شعر وأصوات. ومن شعرها الذي لحنته: [من الخفيف] أَينَ أَيامُنا بِجِلِّقَ … . كانَ ذاكَ الزَّمانُ للدهرِ عَيْنا ومستتونا واسهر وكل عين … لا تَهَنَّا العَادِي ولا قرَّ عَيْنا ومن أصواتها المشهورة: [من الطويل] إذا قُمْنَ أو حاولنَ مَشيًا تأطرًا … إلى حاجةٍ مالت بهنَّ الرَّوادِفُ فلمَّا هَمَمْنا بالتفرُّقِ أَعْجَلَتْ … بقايا اللُّباناتِ الدُّمُوعُ الدَّوَارِفُ فأَتْبَعْتُهنَّ الظرف متبل الهوى … كأَنِّي يُعانيني مِنَ الجِنِّ طائف وكل الذي قد قُلْتُ يومًا لَقِيتُكُمْ … على حَذَرِ الأعداء للقلب شاغفُ والشعر لعمر بن أبي ربيعة (١)، والغناء فيه في الثقيل الأول: [من الطويل] لقد هاج هذا القلب عينًا مريضة … أحالت فدى ظلَّتْ بهِ العين تمرح صَحَا القلبُ عَنْ سلمى وقدْ بَرَّحَتْ بِهِ … وما كانَ يلقى مِنْ تُماضر أبرح إذا سايرت أسماء قومًا ظَعانيًا … فأسماءُ مِنْ تِلكَ الظَّعَائِنِ أَمْلَحُ تقولُ سُلَيْمي: ليس للبين راحةٌ … بَلَى إِنَّ بعض البينِ أَشْفَى وَأَرْوَحُ والشعر لجرير (٢)، والغناء فيه في الرمل المزموم. وهذه قصيدة هي [من] قلائده أولها: [من الطويل] أَجَدَّ رواحُ الحيّ أَمْ لا تروّحُ … نَعَمْ كلُّ مَنْ يعف بِجُمل يتبرح إذا ابتسمت أبدتْ غُروبًا كأَنَّها … عوارض زمن تستهل وتلمح ومنها في وصف السير في وقت قيظ: أعانفنا ماذا تُعَنِّفُ قَدْ مَضَتْ … موارحُ قُدَّامَ المَطِيِّ وسُنَّحُ نقيس بقيَّاتِ النطاف على الحَصَى … وهنَّ على طَيِّ الحَيَازِيم جُنَّحُ يوم مَنَ الجَوزاء مُسْتَوْقِد الحَصَى … تكادُ صَياصِي العَيْنِ منه تصيح شديد اللَّظى حامي الوَدِيْعَةِ رِيحُهُ … أَشَدُّ لظَّى مِنْ شَمْسِهِ حين يصبح نصبت له وجْهِي وَعَنْسًا كَأَنَّها … من الجهد والإسادِ قَرْمٌ مُلَوَّحُ

стр. 3420

ومن أصواتها: [من البسيط] إنا محيُّوكَ فاسلم أَيُّها الطَّلَلُ … وإِنْ نَأَيْتَ وإن طالت بك الطول إني اهتديت لتسليم على دِمَن … بالغمر غَيَّرَهُنَّ الأعصر الأول فهنَّ كالحلل الموشى ظاهرها … أو كالكتاب الذي قدْ مَسَّهُ بَلَلُ كانت منازل منّا قد يحلُّ بها … حتّى يغير دَهْرٌ خائن خيل أمست عليه ترتاح الفؤاد لها … وللرواسم فيها بَيْنَنا عَمَلُ والعيش لا عيش إلا ما يُقَرِّبُهُ … عين ولا حال إلا سوف ينتَقِلُ والشعر للقطامي، عمرو بن شييم بن عمرو التغلبي (١)، والغناء فيه. وهو هذه الأبيات من كلمة له طويلة طائلة أغار مسلم بن الوليد على سرحها، وجهد نفسه حتى اطلع على صرحها، ومنها: والناسُ مَنْ يَلْقَ خيرًا قائلون له … ما يَشْتَهِي ولأم المخطئ الهَبَلُ قد يُدرك المتأني بعض حاجَتِهِ … وقد يكونُ مَع المُستعجل الزَّلَلُ ومنها في وصف الأينق: حتَّى تَرَى الحُرَّةَ الوجناءَ لاغِبةً … والأرجوي الذي في خَطْوِهِ خَبَلُ خوضًا يدير عُيُونًا ماؤُها سربٌ … على الخُدُودِ إذا ما اغرورق المُقَلُ تَرْمي الفِجَاجَ بها الركبانُ مُعْتَرِضًا … أَعناق بزلها مرخى لها الجدل لَوَاغِب الطَّرف مَثْقَوبًا جوانبها … كأنَّها قُلُبٌ غادية مكل يمشين رَهْوًا فلا الأعجاز خاذِلَهُ … ولا الصدور على الإعجاز تَتَّكِلُ يَتْبَعْنَ شامِيَّةَ العَيْنينِ تحسَبُها … مجنونةً أم تَرَى ما لا تَرَى الإِبلُ ومن أصواتها المشهورة: [من الطويل] تغنّ بِرَيَّا يابن سعد فإنَّما … تُلَامُ على الصَّمْتِ النِّسَاءُ الحَرَائِرُ غناء يَظَلُّ الجُودُ مِنْهُ كَأَنَّما … على رأْسِهَا مِنْ سَوْرَةِ السَّمْعِ طَائِرُ والشعر للصمة بن عبد الله القشيري (٢)، والغناء فيه: [من المنسرح] لا النوم أَدري بهِ ولا الأَرَقُ … يَدْرِي بِهَذَيْنِ مَنْ بِهِ رَمَقُ إِنَّ دُموعي مِنْ طُول ما استبقتْ … كَلَّتْ فَمَا تستطيعُ تَسْتَبِقُ

стр. 3421

ولي مليك لم تبدو صُورَتُه … مُذ كان إلا صَلَّتْ له الحَدَقُ تقبيل وجنتيهِ وخِفْـ … ـتُ أَدْنُو مِنها فأَحْتَرِقُ والشعر للصنوبري (١)، والغناء فيه ثاني الرمل. ومنهم: [١٧٠] سليم مولى المغيرة بن الحكم رجل سعد بمواليه، وصعد حتى رأى النجم يليه، خلطوه بأنسابهم، وخلوه معدودًا في أحسابهم. أخذ الطرب عن رسل أتوه من قبل النصارى، وأمر بتأخيرهم، ووكل بهم إلى حين مسيرهم، وأتقن الفن وحقق الظن. ثم أتى المغيرة بن الحكم بجارية عراقية كانت قد انتخبت له من تلك الخادر، وأنت تقيم بحسنها عذر العاذر، وكانت تطارحه الغناء حتى برع، وجمع الغناء العراقي مع ما جمع، وكانت تجري بينهما في مجلس المغيرة مؤاخذات أرق من نسمات الأسحار، وأعطر من نفحات الأشجار، آهًا عليها كيف لم تنقل وتجلس شواردها ويعقل. ومن أصواتها به: [من البسيط] أَمِنْ خُلَيْدَةَ وَهْنا شَبَّتِ النارُ … ودُّونَها من ظلام الليل أستارُ باتَتْ تَشُبُّ وبتنا الليلَ نَرْقَبُهَا … تعنى قلوب بها مَرْضَى وأَبصارُ فَمَا أُبَالِي إِذا أَمْسَيْتِ جَارَتَنا … مُقِيمَةً ما أقامَ الناس ما سَارُوا يا أَيُّها اللائمي فيها لأَصْرِمَها … كَثَّرْتَ لَوْ كانَ يُغْنِي عَنْكَ إكثارُ فاقْصِد فلستَ مُطاعًا إِنْ وشَيْتَ بها … لا القلب سال ولا في حبها عارُ والشعر للأحوص بن محمد الأنصاري (٢)، والغناء فيه ثاني الرمل. وهذه القطعة من قصيدة فيها أبيات مختارة منها (٣): جود متبلة يصح العبير بها … كأَنَّها رَوْضَةٌ ميناء مِحْبارُ

стр. 3422

لو دبَّ حَوْلِيٌّ ذَرِّ تحتَ مِذرعها … أضحى بها مِنْ دَبِيْبِ الذَّرِّ آثارُ كأَنَّ خَمْرُ مُدام طَعْمُ رِيقَتِها … مما ينير خَلايا النَّحْلِ مُشْتَارُ ومنها في المديح (١): لولا يزيد وتأميلي خلافتَهُ … لقلتُ ذا مِنْ زَمانِ الناسِ إِدْبار إِنِّي أَرَى زَمنًا للمُرْجِفِيْنَ بِهِ … عِزُّ وفيهِ لأَهلِ الدِّينِ إِضْرَارُ أَعَزُّ لو قامَ في ظَلْماءَ داجِيَةٍ … وَهْنًا لَحَانَ لِدَاجِي الليل إسفَارُ إِنْ يُنْسَبُوا فهوَ إِنْ عَدُّوا لأربعةٍ … خَلائِفٍ كُلّهم للدين أَنْصار وحضر مرة مجلس الحكم، وقد قعد مقعد الخلافة، وقد أتي بكتب جاءت بها التجار من بلاد المشرق، وقد حملت رياضتها إلى نوءه المغدق فرمى بطرفه ديوانًا منه قد ضمن شعر المفلتين الثلاثة الذين فضلوا في الجاهلية، ومنهم المسيب بن علس بن مالك (٢) خال الأعشى، فأخذه الحكم بيده وفض مرتج أغلاقه، وتأمل ما فيه من نفائس أعلاقه، فرأى منها كلمته (٣): [من الكامل] بان الخليط ورقعَ الخرقُ … ففُؤادُهُ في الحَيَّ مُعْتَلق منعوا طلاقهم ونابِلُهُمْ … يومَ الفِراقِ فَرَهْنُهُمْ غَلَقُ قَطَعُوا المَزَاهِرَ واسْتَتَبَّ بهم … يومَ الرَّحيلِ لِلَعْلَعِ طرق رجلا يتابع خلفها رجل … نشط العقال قواه منطلق للعبقرية فوقها صُبُحٌ … كَدَمِ النَّبِيحِ نَجِيعُهُ دُفُقُ وكأنَّ ظَعْنَهُمُ مقفيةٌ … نخل ابن يا من موقر سُحق وكأَنَّ ظَعْنَهُمُ الغَدَاةَ غَدَوا … والآلُ تَسْتُرُهُمْ وَتَنْخَرِقُ جَبار عبدان أمر لهُ … دُوْنَ الفُراتِ مُدَعْدَعُ منق

стр. 3423

عَلَتِ الغُدُوقُ عَلَى كَوَافِرِهَا … مُتَلَفِّعُ بِاللِّيفِ مُنْتَطِقُ خُمْرِ الكَبَائِشِ قَدْ يَنُوءُ بِهَا … وَهُوَ الخِضَابُ كَأَنَّهُ عَلَقُ فأمره أن يغني فيها بقوله: [فـ] رَمَيْنَنَا فِي كُلِّ مُرْتَقَبِ … تَحْتَ الجُدُورِ وَسَيْرُهُمْ نَسَقُ غِيدٌ سَوَالِفُهَا وَأَوْجُهُهَا … بِيْضٌ وَفَوَقَ صُدُورِهَا الحُقَقُ تَبَلَتْ فُؤَادَكَ إِذْ عَرَضْتَ لَهَا … حُسْنٌ بِرَأْيِ العَيْنِ ما تمق بِمُهَا يَرِفُّ كَأَنَّهُ بَرَدٌ … نَزَلَ السَّحَابَةِ مَاؤُهُ غَدَقُ وَالْوَجْهُ دِيْنَارٌ وَمُنْسَدِلٌ … يَغْشَى الضَّجِيعَ لِنَشْرِهِ عَبَقُ بَانَتْ وَصَدْعُ بِالفُؤَادِ لَهَا … صَدْعَ الزُّجَاجَةِ لَيْسَ يَتَّفِقُ فصنع فيه صوتًا في مزموم الرمل حرّك به الحكم، وسائر أهل المجلس، وامتد الرجاء المطمع بعد القنوط المؤيس، وألقى إليه بمطرف خز بنفسجي كان عليه مبطنًا بالفنك، وأمر له بمائتي دينار، ومر يوم له لم ير مثله. [١٧١] وَضِيْحُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى طلع به في ذلك الأفق كوكبه الغارب، ورجع سحابه الغارب، وبلغ أمره المؤيد هشامًا، وما كانت فترت جمرته، ولا فتنت إمرته، فأمر باستدنائه، واستدعى به لأجل غنائه؛ فلما حضر مجلسه المهيب، وأحس بباسه المتوقد اللهيب، انقلب رجاؤه قنوطًا، وانقطع مما كان به منوطًا، إلى أن سكن، وأزال/ ٣٨٨/ بالبسطة انقباضه فأظهر الصناعة التي كانت إليه معزوة، وولّت الهموم التي أصبحت به معزوة، فأحيا من القلوب رميمًا، وطرح عن النفوس عظيمًا، ثم أخذ العود وضرب به ضربًا كان شفاء للفهم السقيم، ودرياقًا للقلب السليم، فتهلل وجه المؤيد حتى ظهر البشر على جبينه، وأمل له من الذهب بمثل يمينه. ومن أصواته: [من الكامل] لِمَنِ الدِّيارُ كَأَنَّها لَمْ تُحْلَلِ … بين الكناس وبينَ طَلْحٍ الأَعْزَلِ ولقد أَرَى بكِ والجديد إلى بلى … موت الهوى وشفاء عين المُجْتَلِي ولقد أَرَى بك والمطيُّ خَوَاضِعٌ … وكَأَنَّهنَّ قَطا فلاةً مُحَقَّلُ

стр. 3424

يا مرناجية السلامُ عليكُمُ … قبلَ الرَّوَاحِ وقبل يومِ العُذْلِ لو كنتُ أعلم أن آخر عَهْدِكُمْ … يومُ الرَّحِيلِ فَعَلْتُ ما لَمْ أَفْعَلِ أَوْ كُنْتُ أَرْهَبُ وَشْكَ بين عاجل … لقنعتُ أَوْ لسألت ما لم أَسْأَلِ والشعر الجرير (١)، والغناء فيه، وهذه من طنانات جرير ومنها في هذا: أَعْدَدْتُ للشعراء سُمًّا ناقعًا … فَسَقِيْتُ آخِرَهُمْ بكأس الأَوَّلِ لمَّا وضَعْتُ على الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِي … وعلى البَعِيثِ جَدَعْتَ أَنْفَ الأَخْطَلِ أخْزَى الذي سَمَكَ السماءَ مُخَاشِعًا … وبنى بناءك بالحضيض الأسفل فامدح سَرَاةَ بَنِي فقيمِ إِنَّهُمْ … قَتَلُوا أَباكَ وتَارُهُمْ لَمْ يُقتل ودع البَرَاجِمَ أَنْ شَرَّكَ فيهُمُ … مُرٌّ عواقِبُهُ كَطَعْمِ الحَنْظَلِ بات الفرزدق يستجيرُ لنفسِهِ … وعَجانُ جَعْتَنَ كالطَّرِيقِ المعمل أين الذين عددت أن لا يدركوا … بمجرجعن يا ابن ذاتِ الرّمل أسلمت جعثن إذ تُجَرُّ بِرِجْلِها … والمنقري يدوسها بالمنشلِ تهوي استها ويقول يالَ مُجاشِع … ومَشَقُّ نقبتها كعين الأقبل لا تذكروا حُلَلَ المُلوكِ وأَنْتُمُ … بعدَ الزُّبير كحائض لم تغسل ما كان ينكرُ في يدي مجاشعٌ … أَكل الخزير ولا ارتفاع الفيشلِ حكي أنه ممن كان محمد بن عبد الرحمن خليفة الأندلس يحلفه برعايته، ويلحظه بعنايته، وكان قد سافر عنه مدة أطال شقتها، وحمل وقرأ عبابه شقتها، ثم أن له العود إلى ذلك الندى، وقرب بحيث شم سوابق عرفه الندي، ولم يبق إلا مرحلة يقطعها، وسوط مطية تمتد به أذرعها، فهاجه قرب الدار إليه شوقًا، وطار به إليه سوقًا، فصنع لحنًا في شعر الحسين بن مطير (٢): [من الطويل] ولمَّا تَنَكَّبْنا الكَثِيبَ وأَطْلَعَتْ … لنا السُّدَّةُ العلياء قلت لصاحبي أَلَا فانشرح صدرًا فلم يَبْقَ بَيْننا … وبينَ المُنى إلا كَنَاخَةِ راكب ورفع عقيرته تغني في النداء، وصاغه بين غناء الركبان والحداء، وسمعها في النفر من منه حفظها، وأدّاها كما منه تلفظها، فما أتى وضيح باب محمد بن عبد

стр. 3425

الرحمن إلا وقد سبق بها الخبر إليه، كأنما ألقتها الريح في أذنه، فحين دخل عليه قال له: لينشرح صدرك، فلم يك قد كان بقي بينك وبين المنى إلا إناخة راكب، فهات الآن ما صنعت. فاندفع يغني فيه، ومحمد بن عبد الرحمن يميل حتى كاد يسقط عن السرير، ثم عجل له بتخت من القماش وثلاثمائة من الدنانير. ومنهم: [١٧٢] ابن سعيد كامل أثمرت بالسرور أنامله، وتم تمام البدر كامله، وشغل أوقاته بالطرب فجاءت طيوره سانحة، وجادت له بالأيام مانحة، ولزم المؤيد بن هشام، وقد وطأ البلاد بهيبته، وسر العباد بأوبته، وكان في عنفوان ملكه كجده هشام بالشام، وقد بسط ظله على الأنام، وأجار بعدله من الأيام، وكان يحضر مجلسه الخاص حيث يكون رواق الليل سجافه ورقيب السمع سميره، وبطون الجواري سريره، وكان منه بألا يتحاشى، ولا يجد منه إيحاشًا، وكان يدخل على جواريه الحجاب ويعلمهن ما ظهر من الإعجاب، ويلقي عليهن غناء يطرب سامعه ويكبر نقوط كل حاضر يجري مدامعه. ومن أصواته المشهورة (١): [من الوافر] تكلَّمْ أَيُّها الطَّلَلُ القديمُ … عَفَتْ فيهِ أَجيرة فالْحَرِيمُ تأبد ما بدا للريح مِنْه … وآلاء بتيمن لا تَرِيمُ إذا ما قلت أقصر عن صباه … فكان كحين يحتضر القسيم تَأَوَّبَهُ خيالُ مِنْ سُلَيمي … كما يعتاد ذا الدَّيْنِ الغَرِيمُ والشعر لسلمة بن الخرشب الأنماري (٢)، والغناء فيه خفيف الرمل. وكذلك صوته: [من الطويل] سَقَى طَللَ الحَيِّ الذي أَنْتُمُ بِهِ … بِشَرْقِيّ سَلع طيف والربيع

стр. 3426

مضَى زَمَنُ والناسُ يستشفعونَ بي … فَهَلْ لِي إِلى لُبْنَى الغَدَاةَ شَفِيعُ فسوف أُسلِّي النفس عنكِ كما سَلَا … عَنِ البلد النائي البعيد يروع يقولونَ: صَبُّ بالنِّساءِ مُوَلَّعٌ … وهَلْ ذاكَ مِنْ فِعْلِ الرِّجَالِ بَدِيعُ والشعر لقيس بن ذريح (١)، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الهزج. وكذلك صوته: [من الكامل] ومُتَيَّم جَرَحَ الفِرَاقُ فُؤَادَهُ … فالدَّمْعُ في أَجْفَانِهِ يَتَرَقْرَقُ هزَّتْهُ ساعةُ فُرْقَةٍ فَكَأَنَّما … في كلِّ عُضْوِ مِنْهُ قلبٌ يَخْفِقٌ والشعر لابن المعتز (٢). ومنهم: [١٧٣] حِصْنُ بن عَبْد بن زياد أصله من برّ العدوة، ودخل الأندلس متمسكًا بالعودة، وكان مطربًا أورد الأنس الوافر، ورد السرور النافر، ورق به قلب الليل على أنه كافر، وسجع قول القلب، وكان أجبن من صافر، ولج بلاد النصارى وتوغل في ولوجها، وسكنها وسكن إلى علوجها، ثم عاد إلى حوز المسلمين ورجع ما كسب إلا الغناء بعد طول سنين، فاتصل بالعالي، واتصف باقتناء الغالي، فأعلى العالي كعبه، ولم شعبه، وكان لا يزال يحضره في خلواته، وتجنبه نزع هفواته. ومن أصواته: [من الطويل] دَعَتْنا بكَهْفٍ دُونَ حنفاء دعوةً … على عَجَلٍ دَهْمَاءُ والركب رائح إذا الناس قالوا: كَيْفَ أَنْتَ وقَدْ بَدَا … ضمير الذي بِي قُلْتُ للناس صالح ليرضى صَدِيقُ أَوْ ليسخَطَ كَاشِحٌ … وما كُلُّ مَنْ سَلَّفْتَهُ الوُدَّ نَاصِحُ وإِنِّي لَتَلْحَانِي عَلَى أَنْ أَحَبَّها … رِجَالُ تُعَرِّيْهُمْ قُلُوبٌ صَحَائِحُ والشعر لتميم بن أبي مقبل (٣)، والغناء فيه مزموم الرمل.

стр. 3427

وكذلك صوته: [من الكامل] نامَ الخَلِيُّ وما أُحِسُّ رُقَادي … والهمُّ مُحتضرٌ لَدَيَّ وسادي مِنْ غيرِ ما قَسم ولكنْ شَقَّنِي … هَمُّ أَرَاهُ قَدْ أَصابَ فُؤَادِي ومِنَ الحَوادِثِ لا أَبَا لَكَ إِنَّنِي … ضَرَبَتْ عليَّ الأَرض بالأَسْدَادِ لا أهتدي فيها لموضع بُلْغَةِ … بينَ العِرَاقِ وبينَ أَرْضِ مُرادِ والشعر للأسود بن يعفر النهشلي (١)، والغناء فيه ثاني الثقيل. ومنهم: [١٧٤] ساعدة بن بريم مطرب تعلق بالسها، وعلق بالمسامع بما ألهى، وكان لنوافر القلوب مؤلفا، ولم يقدم وراءه مخلفا. حكي أنه كان من أبناء النصارى، اطلع في سواد المسوح قمرًا زاهرًا، وسكن الديارات فأعاد ذوائها يانعًا زاهرًا، وخلا في جانب مكانه فحل عزائم البرهان، وشدّ زناره على غصن بان، ففتن بحسنه القسوس، وجرى في حبه ماهون حرب البسوس، فترك النصرانية، وأسلم إسلامًا الله يعلم ما وراءه، وماذا صرف إليه فيه أراعده، ثم غوى الغناء وطلبه، وتتبعه ليجلبه، وركب فيه ثبج البحر وقد لانت عريكته، وألقيت أريكته، ثم بلغ من هيجه مبلغًا أفضى فيه إلى التلف، وانتقم منه أضعاف ما سلف، إلا أنه سلم على لوح من ألواح المركب، وقد ظن أن روحه فيما ينكب، فخرج إلى مصر، ثم أتى إلى الشام والعراق، وورد ما راق، وود ما طلبته ما تضيق به الأوراق. ومن مشاهير أصواته: [من الطويل] إِذَا حَضَرَتْ مِنْ ذِكْرِ بُثْنَةَ حَضْرَةٌ … عَصَتني شُؤونُ العَينِ فانهل ماؤها فإِنْ لَمْ أَزُرْها عادني الشَّوقُ والهَوَى … وإنْ زُرْتُها شَفَ الفُؤَادَ لقاؤها! وإن قلت أسلوها تعرَّض طيْفُها … وعاوَدَ قَلْبِي مِنْ بُثَيْنَةَ دَاؤُها وكيف بنفس أنتِ هيجتِ سُقْمَها … ويمنعُ مِنْها ما يَبِينُ شِفَاؤُها

стр. 3428

لقد كنتُ أَرْجُو أَنْ تَجُودَ بنائلٍ … فَأَخْلَفَ نفسي في الرُّعُودِ رَجَاؤُها إِذَا قُلْتُ قَدْ جادتْ لنا بَنَوالِها … أَبَتْ ثُمَّ قالت: حِطَّةٌ لا أساؤُها والشعر الجميل (١)، والغناء فيه، وهذا الصوت من قصيدة من العزّ منها هذا: أعاذلتي فيها لَكِ الوَيْلُ فأَقْصِرِي … من اللوم عنِّي اليوم أنتِ فداؤُها إذا قَعَدَتْ في البيتِ يُشْرِقُ بيتُها … وإنْ بَرَزَتْ يزداد حُسْنًا فناؤها قطوف ألوف للحجالِ يَزِينُها … مَعَ الدَّلِّ منها جسمُها وحَياؤُها فَهَذا ثَنائي إن نأت وإذا دَنَتْ … فكيف علينا لَيْتَ شِعْرِي ثَنَاؤُها ومنهم: [١٧٥] المُجدَّع مولى أم سليمان بن الحكم ذكر غلب عليه التخنيث، ورجل شارك النساء في التأنيث، وكان جد خبيث، وبحد سرى حثيث، إلا أنه لا يسري إلا إلى حان ولا يسير إلا بحذاء ألحان، قَبحَ عند الامتحان، ونقص عند الرجحان، وكان لا يرى إلا عقير عُقار، أو عقيب خمار، أو في نادي نسوة، أو جاعلًا نفسه لهنَّ أسوة، يغلّ بالخضاب يده، ويغلف بالسواد حاجبيه، ويلبس فاخر الثياب على خزي يحسده، ويقلد عنقه بالعقود، ليته بالسيوف قلده، وكان مع هذا الدبر الذي فنيت فيه الزبر، وقُدَّ به قميصه من دبر زنام زمر وإمام غناء مشيته الأمر، ومنبع طرب يسكر مثل ابنة الأعناب، ومنبت عيدان يا قبح ما يجني جناة الحسن من عناب. ومن أصواته: [من الخفيف] أقفرت بعد عبد شمس كَدَاءُ … فَكَدِيٌّ فالركن فالبطحاءُ فمنى فالحمار من عبدِ شَمْسٍ … مُقْفِرَاتُ فيلدحٌ فَحِراءُ قد أراهم وفي المواكب إذ يغـ … دُونَ حِلْمٌ ونائِلُ وبَهَاءُ وحسان مِثْلِ الدمى عبشيما … ت عليهنَّ بهجة وحياءُ حبَّذا أَنْتَ حِينَ قومِي جَمْيِعٌ … لمْ تُغَرِّقْ أُمُورَها الأهواء

стр. 3429

قبلَ أنْ تَطْمَعَ القَبَائِلَ في مُلْـ … ـكِ قُرَيش ويشْمَتَ الأَعْدَاءُ والشعر لعبد الله بن قيس الرقيات (١)، والغناء فيه من خفيف الرمل. وهذه الأبيات في قصيدة غراء منها: أَيُّها المُشتهي فَنَاءَ قُريش … بيدِ الله عمرها والفناءُ إِنْ تُوَدَّعْ مِنَ البلادِ قُرَيس … لا يكُن بعدهم لحي بَقَاءُ أو يقفى ويترك الناس صَارُوا … غَنَمَ الذِّنْبِ غاب عنها الرُّعاءُ هلْ تَرَى من مُخَلَّدٍ غيرَ أَنَّ … اللهَ يَبْقى وتذهب الأشياء يأمل الناسُ في غَد رغب الدَّهـ … ـر أَلًا في غَدٍ يكون القضاء فَرَضِينا فَمُتْ بدائِكَ عَنَّا … لا يُميتن غيرك الأدواء لو بكتْ هذهِ السماءُ على … حيٍ كريمٍ بكتْ علينا السَّماءُ قلت: وفي هذه القصيدة ذكر حمزة، وعلي وجعفر، والزبير، وابن الزبير ﵃. ومن العجب أن يغني شاعر بني أمية في شعر فيه ذكر هؤلاء، وإن لم يأت في الصوت. ومنهم: [١٧٦] رداح جارية عبد الرحمن المستظهر (٢) وكانت أي هيفاء رداح، وسمراء تنتضى من جفونها السود بيض الصفاح، ذات

стр. 3430

جمال يغير البدر إن أسفرت، ودلال يغير الغصن إن خطرت، وغنج يعيد سحر بابل إن نظرت، هذا إلى نغم يعلّم الحمائم في الأراك، ويوقع العشاق في الأشراك، ويفعل فعل البابلي، ويغسل حتى قلب الجلي، ويغسل النار في الجوانح، ويشعر طرفها الكاسر بأن الظباء تصيد الجوارح. قيل: إنه كان يقال: إنها بدعة القيان، وإنها بهذا كانت تدعى، ويحكى عنها لطائف وظرائف، ولها شعر ليس بطائل، ولها أعمال صنيعة وأصوات بديعة، فمنها هذا: [من الطويل] أَتعرفُ رَسْمًا كاطَّرَادِ المَذَاهِبِ … لِعَمْرَةَ وَحْشا غير موقوفِ راكب ديار التي كادت ونحنُ على مِنْى … تَحِلُّ بِنَا لولا نجاء الركائِبِ تبدى لنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمَامَةٍ … بَدَا حاجِبُ مِنْها وضَنَّتْ بحاجِبِ ولم أرها إلا ثلاثًا على مِنّى … وعهدي بها عَذراء ذاتَ ذوائب والشعر لقيس بن الخطيم (١) والغناء فيه. ومن هذه القصيدة: فلما رأيتُ الحرب حَرْبًا تجدَّدت … لبستُ مع البُرْمَينِ ثوبَ المُحارِبِ رجال متى تدعوا إلى الموتِ يُرْقِلُوا … إليهِ كإرْقالِ الجِمالِ المَصَاعِبِ إذا فزعوا مدُّوا إلى الليل صارخًا … كَمَوْجِ الأَتِيُّ المُزْبِدِ المُتَرَاكِبِ صَبَحْنَاهُمُ الأطام حَوْلَ مُزَاحِم … قوانس أولى بيضها كالكَوَاكِبِ إذا ما قَرَرْنا كان أسوء قارنًا … صُدُود الخُدُودِ وازورار المَنَاكِبِ إذا قصرت أسيافنا كانَ وصلنا … إلى نسَبٍ مِنْ جدع غَسَّانَ ثَاقِبِ صَبَحْنَاهُمُ شَهْباءَ بيرقُ بَيْضُهَا … سن مفاخيل النِّساءِ الهَوَارِبِ فأبنا إلى أبياتنا ونسائنا … وما مَنْ تَرَكْنا في بغات بآيب وحكي أن عبد الرحمن عزم على التفسح في بعض الظواهر مدة يقيم بها في مضارب نصبت له على نهر يروق إنحداره، وربيع بقل في وجنة الروض عذاره، وكان الشتاء قد كلح، وساء به مزاج الزمان ثم صلح؛ فلما عزم على الخروج أتين جواريه لوداعه ورداح بينهن قد اغرورقت مقلتها بالمدامع، وقطعت لديها أعناق المطامع، فوقفت وقفة المتغني، ثم اندفقت في صوت صنعته تغني: [من البسيط]

стр. 3431

شَطَّ المَزَارُ بحدوى وانتهى الأَمَلُ … فَلَا خَيال ولا عَهْدٌ ولا طَلَلُ أَلَا رَجَاءٌ فما نَدْرِي أَنُدْرِكُهُ … أَمْ يستمرُّ فَيَأْتِي دُونَهُ الأَجَلُ والشعر لعمرو بن أحمر الباهلي (١)، والغناء فيه من الهزج. ثم أتبعته بصوت أخر صنعته: [من الطويل] إذا ما كَتَمْنَا الحُبَّ نَمَّتْ عُيُوننا … علينا وأبدته العيونُ السَّوَاكِبُ وإِنْ نَحْنُ أَخْفَيْنا ضَمَائِرَ حُبِّنا … أَشارتْ بتسليم علينا الحَوَاجِبُ والشعر فيه مجهول. فبكى عبد الرحمن لبكائها، وطفق يضمها إليه، ثم أقبل على جواريه، فقال: هلا كان فيكن واحدة فعلت مثل فعلها، ثم أمرت بأن تخرج معه، فأبت، فقالت: والله لا خرجت إلا أنا وصويحباتي، قال: فليخرجن، ثم خرجن معه، فلم يكن أحسن من ذلك المربع، ولا من أيام مضين فيه. وحكي أن عبد الرحمن نظر إلى جارية عند بعض نسائه الحرائر، فأحبها، وفطنت الحرة لذلك، فحجبت الجارية عن نظرة، وطالت مدة حجابها، وزيادة ما يجده من الجوى بها، ونمى الخبر في جواريه، واستفاض حال غرامه بها، وعدم قراره لأجلها، فصنعت رداح صوتًا، وجودته، ثم دخلت عليه وهي تغني به والصوت: [من الطويل] تمسك بحبِّ الأَخْيَلِيَّةِ وَاطَّرِحْ … عدا الناس فيها والوشاة الأدانيا

стр. 3432

فَإِنْ يَمْنَعُوا لَيْلَى وَحُسْنَ حَدِيثِهَا … فَلَمْ يَمْنَعُوا مِنِّي البُكَاءَ وَالقَوَافِيَا يَلُومُكَ فِيهَا اللَّائِمُونَ فَصَاحَةً … فَلَيْتَ الهَوَى باللائِمِينَ مَكَانِيَا لَوَ أَنَّ الهَوَى فِي حُبِّ لَيْلَى أَطَاعَنِي … أَطَعْتُ وَلَكِنَّ الهَوَى قَدْ عَصَانِيَا والشعر لتوبة بن الحمير (١)، والغناء فيه كان في مذهب شيخي، لم يتمالك معه عبد الرحمان أن فاضت عينه بالبكاء، وقال: ما الحيلة يا رداح؟ قالت: عزيمة مثلك. قال: هيهات أن تنفع العزيمة، ولكن قد يجيء في أحداث الدهر ما لا يتوقعه المنتظر، فنقل المجلس إلى تلك الحرّة، فقالت: هو ولي النعمة، وأنا أمته، والجارية، احداث الدهر. قالت فاحمد الله يا أمير المؤمنين، وخر ساجدًا، ثم نهض حتى دخل على الحرة فشكر لها، ثم ضم الجارية إليه، واسنى جائزة رداح، وتماثل حاله، وكان قد يئس من الصلاح. ومنهم: [١٧٧] خُلَيْدٌ مَوْلَى الأَدَارِسَة ومحيي تلك الأطلال الدارسة، كان يحيى به كل أرض يحلها، ويهتز أذن كل سامع يطلها، أكثر إحياء لهامد الثرى من المطر، وأهز للقدود من كل رديني تأطر. حكي أنه حضر مجلس المأمون أحد مواليه، وشرع يغنيه في شعر رثي به بعض أعاديه، فحمت حماليقه بنار الغضب، وأخذ منه العود، ثم ضرب به خلاف ما ضرب، فأصاب عينه، فأساء فيها الأثر، ونكت بها نكتة على أن العود الضارب فيها عثر، ثم أقبل عليه بالرضا واعتذر، وآنسه أنسًا أزال عنه الحذر، ثم أولى إليه الجوائز ونبه له الحسد حتى من أهل الجنائز، فكان لا يرى ذلك العمى في عينه إلا كالحور، ولا يزال نظراؤه تضعف أيديهم عن جس العود الخور، وحسدته الناظر سجرًا إليه كالحول، ويقول من للحول بالعور، وكان على عوره بصيرًا بالصنعة، مطلًا للدمع الذي لا يقال له صرعه. ومن أصواته: [من الوافر] أَلَمْ تَرَها تُرِيكَ غَدَاةَ تَأَنَّتْ … بِمَاءِ العَيْنِ مِنْ كَرَم وَحُسْنِ

стр. 3433

فأَعْطَتْ كلَّما سُئِلَتْ شَبَابًا … فأَنْبَتَهَا نَباتًا غَيْرَ حَجْنِ فقلتُ: وكيف صادتنِي سُلَيْمَى … ولمَّا أَرْمِها حَتَّى رَمَتْنِي أَلَا يَا لَيْتَنِي حَجَرٌ بِوَادٍ … أَنامُ وليتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي والشعر للنمر بن تولب (١)، والغناء فيه في سادس الهزج. وكذلك صوته في شعر الكميت بن زيد، ودست عليه الشيعة الأموية من قتله لأجل تغنيه به، وهو هذا (٢): [من الطويل] أَلَمْ تَرَنِي مِنْ حُبِّ آلِ محمَّدٍ … أَرْوحُ وأَغْدُو خائفًا أَتَرَقَّبُ على أَي جُرْم أَمْ بِأَيَّةِ سِيرةٍ … أَعَنَّفُ في تَقْرِيظِهِمْ وَأَكَذَّبُ أُناس بهمْ عَزَّتْ قُرَيشُ فَأَصْبَحُوا … وفيهم بناء المكرمات المُطَنَّبُ وهم رمموها غير ظار وأسلبوا … عليها بأطراف القنا وتجلبوا فإن هي لم تصلح لحي سواهم … فإن ذَوِي القُرْبَى أَحَقُّ وَأَقْرَبُ وإلا فقولوا غيرها تتعرَّفُوا … نَوَاصِيها تَرْدَى بِنا وهيَ شُرِّبُ والغناء فيه في ثقيل الرمل، وكان يتغنى به أيام استظهار الأدارسة فأصبح قتيلًا ملقى على باب داره. ومنهم: [١٧٨] سعدى جارية المعتمد بن عباد (٣) وكانت جارية يسعد بها ضجيعها، وينعم ولو ورد مدامه نجيعها. فاتنة الطرف

стр. 3434

كأنها مهاة، أو أمنية مشتهاة، لو تجلت لمحيا البدر سافرة لتبرقع، أو لمرأى الشمس، لأمتع. لو طرقت جريرًا، لما قال: ارجعي بسلام، أو لاقت جميلًا، لما قنع بالكلام، أو كانت في عصمة ابن ذريح، لما أطاع فيها أباه، أو لاحت لابن الملوح، لنسي ليلى حتى أنها لم تمثل بكل سبيل إليه، زادت ملك ابن عباد حسنًا، وطلعت في سمائه القمر أو أسنى. ولها أصوات بها تغني، فمنها: [من البسيط] لولا عُيُونٌ مِنَ الواشِينَ تَرْمُقُنِي … وما أُحاذِرُ فيها قُوْلَ حُرَّاسِ لَزُرْتُكُمْ لأكافيكم بِجَفْوَتِكُم … مَشيًا على الوَجْهِ أَوْ سَعيًا على الرَّاسِ

стр. 3435

والشعر للمعتمد (١)، والغناء فيه. وحكي أن المعتمد عزم على إخراج حظاياه من بلد إلى آخر، فخرجن في أول الليل كأنهنَّ النجوم الطوالع، وخرج يشيعهن، وقلبه لا موامر صبره غير طالع. فسايرهن ليلة حتى قوّض بناء الليل، وأقبل الصباح في كتيبته الشهباء مبتوت الحبل، فرجع وقد صدعت أحشاءه مغارب تلك النجوم، وأغرت مقلته سحاب تلك الدموع السجوم، فقال (٢): [من الكامل] سايرتُهُمْ والليلُ غُفْلٌ ثوبُهُ … حتَّى تَبَدَّى للنواظر مُكلما فوقفتُ ثَمَّ مُوَدِّعًا وتَسَلَّمتْ … مِنِّي بِهِ الإصباح تلك الأَنْجُما ثُمَّ بعث بها إلى سُعْدَى وأمرها أن تغني فيها صوتًا، فغنت فيه. ومن أصوات سعدى المشهورة لها: [السريع] إنَّ الذي هامَتْ بِهِ النَّفْسُ … عاوَدَها مِنْ سُقْمِها نُكْسُ كانت إذا ما جاءَهَا المُبْتَلَى … أَبْرَأَهُ مِنْ كَفِّها اللَّمْسُ واتاني الوجه الجميلُ الَّذِي … قَدْ حَسَدَتْهُ الجن والإنس إن تكن الحُمَّى أَضَرَّتْ بِهِ … فَرُبَّما تنكَسِفُ الشَّمْسُ والشعر للعباس بن الأحنف (٣)، واقترحه المعتمد عليها وقد دخل على جارية له رآها مدنفة مصفرة لتوالي الحمى، قد امتقع بالصفرة بياض، صفحتها، وردى الغبار محاسن لمحيها، فبرزت كالشمس في الكسوف والقمر في الخسوف، ولوحها هجير الحمى، ثم فارقها ووجهها كأنه الدينار المَشُوف. وكان المعتمد لا يزال على جواريه يقترح، والأزند خواطرهن تقتدح. ومنهم: [١٧٩] ميمون الجوهري وهو ممن جهر به الداء، وجار بتفضيله الأعداء، لاذ بآل جوهر حتى نسب إلى
следующие страницы →