شَطَّ المَزَارُ بحدوى وانتهى الأَمَلُ … فَلَا خَيال ولا عَهْدٌ ولا طَلَلُ
أَلَا رَجَاءٌ فما نَدْرِي أَنُدْرِكُهُ … أَمْ يستمرُّ فَيَأْتِي دُونَهُ الأَجَلُ
والشعر لعمرو بن أحمر الباهلي (١)، والغناء فيه من الهزج.
ثم أتبعته بصوت أخر صنعته: [من الطويل]
إذا ما كَتَمْنَا الحُبَّ نَمَّتْ عُيُوننا … علينا وأبدته العيونُ السَّوَاكِبُ
وإِنْ نَحْنُ أَخْفَيْنا ضَمَائِرَ حُبِّنا … أَشارتْ بتسليم علينا الحَوَاجِبُ
والشعر فيه مجهول.
فبكى عبد الرحمن لبكائها، وطفق يضمها إليه، ثم أقبل على جواريه، فقال: هلا كان فيكن واحدة فعلت مثل فعلها، ثم أمرت بأن تخرج معه، فأبت، فقالت: والله لا خرجت إلا أنا وصويحباتي، قال: فليخرجن، ثم خرجن معه، فلم يكن أحسن من ذلك المربع، ولا من أيام مضين فيه.
وحكي أن عبد الرحمن نظر إلى جارية عند بعض نسائه الحرائر، فأحبها، وفطنت الحرة لذلك، فحجبت الجارية عن نظرة، وطالت مدة حجابها، وزيادة ما يجده من الجوى بها، ونمى الخبر في جواريه، واستفاض حال غرامه بها، وعدم قراره لأجلها، فصنعت رداح صوتًا، وجودته، ثم دخلت عليه وهي تغني به والصوت: [من الطويل]
تمسك بحبِّ الأَخْيَلِيَّةِ وَاطَّرِحْ … عدا الناس فيها والوشاة الأدانيا
стр. 3432
فَإِنْ يَمْنَعُوا لَيْلَى وَحُسْنَ حَدِيثِهَا … فَلَمْ يَمْنَعُوا مِنِّي البُكَاءَ وَالقَوَافِيَا
يَلُومُكَ فِيهَا اللَّائِمُونَ فَصَاحَةً … فَلَيْتَ الهَوَى باللائِمِينَ مَكَانِيَا
لَوَ أَنَّ الهَوَى فِي حُبِّ لَيْلَى أَطَاعَنِي … أَطَعْتُ وَلَكِنَّ الهَوَى قَدْ عَصَانِيَا
والشعر لتوبة بن الحمير (١)، والغناء فيه كان في مذهب شيخي، لم يتمالك معه عبد الرحمان أن فاضت عينه بالبكاء، وقال: ما الحيلة يا رداح؟ قالت: عزيمة مثلك. قال: هيهات أن تنفع العزيمة، ولكن قد يجيء في أحداث الدهر ما لا يتوقعه المنتظر، فنقل المجلس إلى تلك الحرّة، فقالت: هو ولي النعمة، وأنا أمته، والجارية، احداث الدهر. قالت فاحمد الله يا أمير المؤمنين، وخر ساجدًا، ثم نهض حتى دخل على الحرة فشكر لها، ثم ضم الجارية إليه، واسنى جائزة رداح، وتماثل حاله، وكان قد يئس من الصلاح.
ومنهم:
[١٧٧] خُلَيْدٌ مَوْلَى الأَدَارِسَة
ومحيي تلك الأطلال الدارسة، كان يحيى به كل أرض يحلها، ويهتز أذن كل سامع يطلها، أكثر إحياء لهامد الثرى من المطر، وأهز للقدود من كل رديني تأطر.
حكي أنه حضر مجلس المأمون أحد مواليه، وشرع يغنيه في شعر رثي به بعض أعاديه، فحمت حماليقه بنار الغضب، وأخذ منه العود، ثم ضرب به خلاف ما ضرب، فأصاب عينه، فأساء فيها الأثر، ونكت بها نكتة على أن العود الضارب فيها عثر، ثم أقبل عليه بالرضا واعتذر، وآنسه أنسًا أزال عنه الحذر، ثم أولى إليه الجوائز ونبه له الحسد حتى من أهل الجنائز، فكان لا يرى ذلك العمى في عينه إلا كالحور، ولا يزال نظراؤه تضعف أيديهم عن جس العود الخور، وحسدته الناظر سجرًا إليه كالحول، ويقول من للحول بالعور، وكان على عوره بصيرًا بالصنعة، مطلًا للدمع الذي لا يقال له صرعه.
ومن أصواته: [من الوافر]
أَلَمْ تَرَها تُرِيكَ غَدَاةَ تَأَنَّتْ … بِمَاءِ العَيْنِ مِنْ كَرَم وَحُسْنِ
стр. 3433
فأَعْطَتْ كلَّما سُئِلَتْ شَبَابًا … فأَنْبَتَهَا نَباتًا غَيْرَ حَجْنِ
فقلتُ: وكيف صادتنِي سُلَيْمَى … ولمَّا أَرْمِها حَتَّى رَمَتْنِي
أَلَا يَا لَيْتَنِي حَجَرٌ بِوَادٍ … أَنامُ وليتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي
والشعر للنمر بن تولب (١)، والغناء فيه في سادس الهزج.
وكذلك صوته في شعر الكميت بن زيد، ودست عليه الشيعة الأموية من قتله لأجل تغنيه به، وهو هذا (٢): [من الطويل]
أَلَمْ تَرَنِي مِنْ حُبِّ آلِ محمَّدٍ … أَرْوحُ وأَغْدُو خائفًا أَتَرَقَّبُ
على أَي جُرْم أَمْ بِأَيَّةِ سِيرةٍ … أَعَنَّفُ في تَقْرِيظِهِمْ وَأَكَذَّبُ
أُناس بهمْ عَزَّتْ قُرَيشُ فَأَصْبَحُوا … وفيهم بناء المكرمات المُطَنَّبُ
وهم رمموها غير ظار وأسلبوا … عليها بأطراف القنا وتجلبوا
فإن هي لم تصلح لحي سواهم … فإن ذَوِي القُرْبَى أَحَقُّ وَأَقْرَبُ
وإلا فقولوا غيرها تتعرَّفُوا … نَوَاصِيها تَرْدَى بِنا وهيَ شُرِّبُ
والغناء فيه في ثقيل الرمل، وكان يتغنى به أيام استظهار الأدارسة فأصبح قتيلًا ملقى على باب داره.
ومنهم:
[١٧٨] سعدى جارية المعتمد بن عباد (٣)
وكانت جارية يسعد بها ضجيعها، وينعم ولو ورد مدامه نجيعها. فاتنة الطرف
стр. 3434
كأنها مهاة، أو أمنية مشتهاة، لو تجلت لمحيا البدر سافرة لتبرقع، أو لمرأى الشمس، لأمتع. لو طرقت جريرًا، لما قال: ارجعي بسلام، أو لاقت جميلًا، لما قنع بالكلام، أو كانت في عصمة ابن ذريح، لما أطاع فيها أباه، أو لاحت لابن الملوح، لنسي ليلى حتى أنها لم تمثل بكل سبيل إليه، زادت ملك ابن عباد حسنًا، وطلعت في سمائه القمر أو أسنى.
ولها أصوات بها تغني، فمنها: [من البسيط]
لولا عُيُونٌ مِنَ الواشِينَ تَرْمُقُنِي … وما أُحاذِرُ فيها قُوْلَ حُرَّاسِ
لَزُرْتُكُمْ لأكافيكم بِجَفْوَتِكُم … مَشيًا على الوَجْهِ أَوْ سَعيًا على الرَّاسِ
стр. 3435
والشعر للمعتمد (١)، والغناء فيه.
وحكي أن المعتمد عزم على إخراج حظاياه من بلد إلى آخر، فخرجن في أول الليل كأنهنَّ النجوم الطوالع، وخرج يشيعهن، وقلبه لا موامر صبره غير طالع. فسايرهن ليلة حتى قوّض بناء الليل، وأقبل الصباح في كتيبته الشهباء مبتوت الحبل، فرجع وقد صدعت أحشاءه مغارب تلك النجوم، وأغرت مقلته سحاب تلك الدموع السجوم، فقال (٢): [من الكامل]
سايرتُهُمْ والليلُ غُفْلٌ ثوبُهُ … حتَّى تَبَدَّى للنواظر مُكلما
فوقفتُ ثَمَّ مُوَدِّعًا وتَسَلَّمتْ … مِنِّي بِهِ الإصباح تلك الأَنْجُما
ثُمَّ بعث بها إلى سُعْدَى وأمرها أن تغني فيها صوتًا، فغنت فيه. ومن أصوات سعدى المشهورة لها: [السريع]
إنَّ الذي هامَتْ بِهِ النَّفْسُ … عاوَدَها مِنْ سُقْمِها نُكْسُ
كانت إذا ما جاءَهَا المُبْتَلَى … أَبْرَأَهُ مِنْ كَفِّها اللَّمْسُ
واتاني الوجه الجميلُ الَّذِي … قَدْ حَسَدَتْهُ الجن والإنس
إن تكن الحُمَّى أَضَرَّتْ بِهِ … فَرُبَّما تنكَسِفُ الشَّمْسُ
والشعر للعباس بن الأحنف (٣)، واقترحه المعتمد عليها وقد دخل على جارية له رآها مدنفة مصفرة لتوالي الحمى، قد امتقع بالصفرة بياض، صفحتها، وردى الغبار محاسن لمحيها، فبرزت كالشمس في الكسوف والقمر في الخسوف، ولوحها هجير الحمى، ثم فارقها ووجهها كأنه الدينار المَشُوف. وكان المعتمد لا يزال على جواريه يقترح، والأزند خواطرهن تقتدح.
ومنهم:
[١٧٩] ميمون الجوهري
وهو ممن جهر به الداء، وجار بتفضيله الأعداء، لاذ بآل جوهر حتى نسب إلى
стр. 3436
ولائهم، وحسب واحدًا منهم لما غمره من آلائهم، وكان نديمًا لا يمل له محاضرة، ولا تفي الروايات المعدة بأجوبته الحاضرة، وكان الغناء أغلب فتونه عليه، وعيونه التي لا تحصى ما ينظر منها لديه، وداخل بها رؤساء الأندلس وكبراءه، وداني علماءه ووزراءه، وأمر أمره، فعلا قدره، وجالس أمراءه، وكان مما جرى القال بتسميته ميمون النقيبة، ممنون الدغيبة، ما خالك أحدًا إلا سَمَق، ولا خالط إلا من ظنَّ أنه من السماء وإن رمق.
وله صنعة في أصوات منها: [من الطويل]
وجَفْنِ سلاحٍ قَدْ رُزِئْتُ فلمْ أَمُتْ … عليه ولم أَبْعَثْ إليه البواكيا
وفي جوفه مِنْ دَارِمٍ ذُو حَفِيظَةٍ … لَوَانَّ المَنايا أَنْسَأَتْهُ لَيَالِيا
والشعر للفرزدق (١)، والغناء فيه في ثقيل الرمل.
وكذلك صوته: [من المنسرح]
ياليلةٌ بِتُّ في دَيَاجِيْها … أَسْقَى مِنَ الرَّاحِ صَفْوَ صافِيها
ما إِنْ تَشاءُ العَينُ أَنْ تَرَى حَسَنًا … إلا رَأَتْهُ في وَجَهِ ساقيها
وصيفة للغلام تَصْلُحُ لِلْـ … أمرين كالغُصْنِ في تَشَنِّيها
في قُرْطَقٍ زَانَةٌ تحرسها … قَدْ عَقْرَبَتْ صُدْنَها مَدَارِيها
والشعر لأبي نواس (٢) والغناء فيه في الهزج.
ومنهم:
[١٨٠] طريف بن عبد الله السميع القابسي
وكان مغني أهل بادية، ومطرب حي أسمع صوته كل عادية، أول ما ألف ما عهده حيث تنصب الخيام، وينصب عليه الحيام، ثم دخل مدن إفريقية، وقد وافاها أقوام [من] مصر، كان فيهم من تلبس بالغناء كان ترفع به عقيرته، وتحل به حقيرته، فانحاز إلى فتنهم، ودخل بينهم مثل هيأتهم، فأصغى إليهم بسمعيه، ودخل غناؤهم دبر أذنيه، فأساء إليهم ناسيًا ما كان تعلّم، سالبًا سواه، وأن يتم، وأسف على زمنه الذاهب، وجهل كل طريق إلا تلك المذاهب، فأعمل الرحلة إلى مصر وماله رفيق إلا
стр. 3437
ظله، ولا له طريق إلا حيث قذف به جهله وأتى مصر وبها دماء من أهل هذا الشأن تخلفوا على حفر اللحود، وسلاله مصل الثرى بقية الماء من العود، إلا أنهم فاتوا أهل كل جادة، فعاد عنهم موقورًا، ورجع، وقد جمع عطاء موفورًا.
ومن أصواته: [من الطويل]
ونحنُ بطحنا يوم ألف فلم تعد … سليم بن منصور بشهباء فيلق
غداة أسرنا في الجبال مُلوكَهُمْ … غُناةٌ بني الصباح وابن المخلق
صبحناهم والشمس خضراء غضَّةٌ … بذاتِ اللَّظَى حَدَّ السَّنانِ المخرق
غداةَ ابتقرنا بالسُّيوفِ أَجِنَّة … مِنَ الحرب في منتوجة لم تطرق
والشعر المليح بن الحكم الهذلي (١) والغناء فيه.
وروى له صوت آخر، وهو هذا: [من المنسرح]
ما ضر جيراننا إذا انْتَجَعُوا … لَوْ أَنَّهُمْ قبل بينهم رَجَعُوا
إِنَّ لُبَيْنَى قَدْ ضَرَّ أَقْرَبُها … ولوْ أَرَادُوا أَنْ يَنفَعُوا نَفَعُوا
هم باعدوا بالذي كَلِفْتُ بِهِ … أَليس بالله بئس ما صَنَعُوا
بانوا فقد فُجِّعُوا لبينِهِمُ … ولم ينالوا بحُزْنِ من فجعوا
والشعر للأحوص بن محمد (٢) والغناء فيه.
وكذلك صوته: [من الطويل]
تَلُومينني في طارق بعدَ هَجْعَةٍ … تجيء به دامي الأطل طليح
تنكل ثوب الليلِ عَنْهُ كَأَنَّهُ … مِنَ الضُّرِّ مِنْ كلتا يديه جريح
فإن كنت قد أنكرت يومًا خلائقي … فإن اجتماعًا بعدهُ لَقَبِيحُ
والشعر الأعرابي مجهول، والغناء فيه في ثقيل الرمل.
ومنهم:
[١٨١] زيد الغناء بن المُعلَّى بن عبد العظيم
روح عناء، ودرج إحساء، ويوح اجتلاء، عرف بالغناء حتى أضيف إليه، واقبض
стр. 3438
تعريفًا عليه، ودعا به بين ندمائه، ثم أطلق عليه، فكان أشهر أسمائه، وكان إذا غنى أوقف الطير، وعقل المنطلق على السير، فرغ لها باله، وهيج بلباله حتى أتقنه إتقانًا صار به علمه عنده مستقرًا، وعمله عليه مستمرًا، وعمل فيه أعمالًا نقلت، وأطلقت يده التي على العود عقلت.
وحكي أنه حجّ، وأتى منى، فوقف عد جمرة العقبة، وقد كظ المحصب، وبان البنان العاطل والمخضب، وقد شغل الأيدي حصى الجمار، وملأ العيون سنى الأقمار، ثم اندفع يغني، فانصرف إليه كل نظر، وبقي دأب كل من حضر؛ فلما فرغ من صوته، عاد إلى رمي الحصاب، وعرف العاطل من ذات الخضاب.
ومن أصواته: [من الطويل]
خصيم الليالي والغواني مظلمُ … وعَهْدِي والغواني مُذمَّمُ
رأيتُ سواد الرأس واللهو تحيةٌ … كَلَيلٍ وحلم بات رابيه ينعم
وصفراء بكر لا فداها مُغَيَّبٌ … ولا سِرُّ مَنْ خَلَّتْ حَشَاهُ مُكَتَمُ
هيَ الوَرسُ في بِيْضِ الكؤوس فإنْ بَدَتْ … لعينيك في بِيْضِ الوُجُوهِ فَعَنْدَمُ
سَقَتْني بها بيضاءُ فَوْها وكَأسُها … شَبِيهًا مَذاقًا عندَ مَنْ يتطعَمُ
مِنَ الهِيفِ لو شاءَتْ لقامَتْ بكَأْسِها … وخاتَمُها في خَصْرِها يتختم
والشعر لابن الرومي (١) والغناء فيه.
وجملة هذه القصيدة التي منها الصوت جميلة منها في المدح (٢):
بنُو مُصْعَبٍ فينا سَماءٌ رَفِيعَةٌ … لها دُرَرٌ ليستْ يَدَ الدَّهْرِ تُعدَمُ
سَماءُ أَظَلَّتْ كُلَّ شيءٍ وأَعلمتْ … سَحَائِبَ شَتَّى صَوْبُها المالُ والدَّمُ
ليمدَحَكُمْ مِنَ شاء جهدَ مَدِيحه … فللشعر فيه بعده متردمُ
أناس إذا دَهْرٌ تبسَّمَ مَرَّةً … فَعَنْهُمْ وعَنْ آبائهم يتبسم
يُرَى أَبَدًا فيهم جوادٌ مُعذل … وليس يُرَى فيهم بخيلٌ مُلَوَّمٌ
ولم أَرَ مالًا حازَهُ مِثْلُ عَزْمِهِمْ … يَرُوْحُ ويَغْدُو وهُوَ نَهْبٌ مُقَسَّمُ
تحكم في أَمْوَالِهمْ مَنْ أَطَاعَهُمْ … وأَسيافهم فيمنْ عَصَى تتحكم
стр. 3439
نجوم الدُّجَى منها شِهَاب على العدا … ومنها سماك للعتاق ومرزم
أَعمُّهُمُ مَدْحًا واختصُّ مِنْهُمُ … أَخاهُمْ عبيد الله والحق يلزم
يُعَدُّ إذا عُدَّ المُلُوكُ مبدا … كما عُدَّ رأسًا للشهورِ المُحَرَّمُ
فتى ليسَ مِنْ يوم يمرُّ ولا يُرَى … لنُعماهُ فيها أَوْ لبؤساهُ أَنْعمُ
تمر العطايا والمنايا لأَهْلِها … على هَيْبَةٍ مِنْهُ ولا يَتَنَدَّمُ
فتى عَزْمُهُ سيفٌ حُسَام وسيفُهُ … قَضَاءُ إذا لاقى الضَّرِيبَة مُبْرَمُ
يباشر أطراف القَنَا وهوَ حاسِرٌ … ويلقى لسان الدم وهو مُلامُ
هوَ الغُرَّةَ البيضاء مِنْ آلِ مُصْعَبٍ … وهُمْ بَعْدَهُ التَّحْجِيلُ والناسُ أَدْهُمُ
ومنهم:
[١٨٢] جارية تميم جد المعز بن باديس (١)
جارية طار بلبها الهوى، وطاف بقلبها الجوى، ورمى بها الأغراب مراميه، وأطال بها النوى لياليه، حتى سارت بتشتيت الفراق، وصارت إلى المغرب من العراق، ثم كانت لا تزال تتذكر نادي ذلك الفريق، وتنادي بلسان عرائها نار ذلك الحريق، وتتلفت إلى العراق، وظل ريفه الظليل، ومبسم مرآه الجميل، وظبائه الخادر، ولها
стр. 3440
بينهم مقيل فنان حسرة بين عوادها، ويبكي وإنما بدت قطعة من فؤادها، إلى أن عادت بلطيف الحيلة إلى أكناف تلك الجميلة، فذهب بحق صبابتها باطله، واكتفى كل ذي دين وماطله.
وحكي أنَّ أبا الحسين بن الأشكري المصري قال: كنت رجلًا من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه فأرسل إلى بغداد، فابتيعت له جارية فائقة، رائقة الغناء؛ فلما وصلت إليه، دعا جلسائه، قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغَنَّتْ: [من الكامل]
وبدا لهُ مِنْ بَعْدِ ما اندملَ الهَوَى … بَرْقٌ تأَلَّفَ مَوْهِنًا لمعانه
يبدو كحاشيةِ الرِّداءِ ودُونَهُ … صَعْبُ الدُّرَى مُتَمَنِّعُ أَرْكَاتُهُ
فَمَضَى لينظر كيف لاح فلم يُطِقُ … نظرًا إليهِ وصَدَّهُ أَشْجانُهُ
فالنار ما اشتعلت عليهِ ضُلُوعُهُ … والماءُ ما سَمَحَت بِهِ أَجْفَانُهُ
قال: فطرب الأمير تميم ومن حضر طربًا شديدًا.
قال: ثم غنت: [من البسيط]
أستودع الله في بغدادَ لِي قَمَرًا … بالكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ
وهذا [البيت] لمحمد بن زريق الكاتب. فاشتد طرب تميم، وأفرط جدًا، ثم قال لها: تمني ما شئت فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: والله لا بد أن تتمني علي الوفاء أيها الأمير، فقالت: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني بهذه النوبة في بغداد، فامتقع لونه، وتغير وجهه، وتكدر المجلس، وقام، وقمنا.
قال ابن الأشكري: فلقيني بعض الخدم، وقال لي: ارجع؛ فالأمير يدعوك، فرجعت، فوجدته جالسًا ينتظرني، فسلمت عليه، وقمت بين يديه، فقال: ويحك أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير، فقال: لا بد من الوفاء لها، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها، فقلت: سمعًا وطاعة.
قال: ثم قمت، وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية سوداء له، تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل أدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق؛ فلما وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها،
стр. 3441
فقالت: تقول لك ستّي: أين نحن؟، فقلت لها: نزول بالقادسية، فانصرفت إليها، فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتًا قد ارتفع بالغناء منها، وغنت: [من مجزوء الكامل]
لَمَّا وَرَدْنا القادسيـ … ـة حيث مُجْتَمَعُ العِرَاقِ
وشممتُ مِنْ أرضِ الحجا … زِ نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمنْ أُحِبُّ … تجميع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقا … ءِ كما بكيتُ مِنَ الفِرَاقِ
لم يبق لي إلا تجشم … هذه السبع الطباق
حتى يطول حديثنا … بصفاتِ ما كَنَّا نُلاقي
قال: فتصايح الناس من أقطار القافلة أعيدي بالله أعيدي. قال: فما سمع لها كلمة.
قال: ثم نزلنا الياسرية وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل بها الناس، فيبيتون ليلتهم، ثم يبكرون لدخول بغداد؛ فلما كان وقت الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: ما لك؟، فقالت: إنَّ سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك وأين هي؟ فقالت: والله ما أدري. قال: فلم أحس لها أثرًا بعد تلك، ودخلت بغداد وقضيتُ حوائجي، وانصرفت إلى الأمير تميم، فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه، واغتم له غمًا شديدًا، ثم لم يزل ذاكرًا لها أسفًا عليها.
ومن أصواتها هذا: [من مجزوء الكامل]
يا أَيُّها السَّاقِي الهَوَى … ضَجرًا بأَنْ صَدَّ الحَبِيبُ
اسْمَعْ فِإنّي قائِلٌ … قَولًا سيعرفه اللبيب
الحب داء ما تليـ … نُ بمثلِ حُرْقَتِهِ القُلُوبُ
والحبُّ ليس لهُ سِوَى … مَنْ قَدْ كَلِفْتُ بِهِ طبيب
والشعر لأبي نؤاس، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الهزج.
ومن أصواتها: [من الطويل]
تذكرت ريا وانبرى لَكَ حُبُّها … ومِنْ دُونَها الأعداء خُزُرٌ عُيُونُها
وحَنَّتْ قَلُوصِي آخر الليلِ حَنَّةً … فيا رَوْعَةً ما راعَ قَلْبِي حَنِينُها
حبت في عِقاليها وشامَتْ عُيُونُها … سَنَى البرقِ عُلويًا فَجُنَّ جُنُونُها
стр. 3442
فقلتُ لها جنّي فكلُّ قريبةٍ … مُفارقها لا بدَّ يومًا قَرِينُها (١)
والشعر للصمة بن عبد الله (٢)، والغناء فيه في أول الثقيل.
وهذا القول من قطعة جملتها ثمانية أبيات وتمامها:
وقلت لها حنّي رويدًا فإنَّني … وإياكِ تُخفِي عَوْلَة سنبينها
فما بَرِحَتْ حَتَّى ارْعَوَينا لصوتها … وحتى انبرى مِنَّا مُعِينٌ يُعِينُها
ظَلِلْتُ بها أبكي بعينٍ حَزِيْنَةٍ … مراها الهَوَى حَتَّى استهلت جُفُونُها
تَعَزَّ بِصَبْرٍ أَنْ تُلامَ فإنَّما … على النفس ما جَرَّتْ وللنفسِ دَيْنُها
ومنهم:
[١٨٣] الكسو أحمد بن محمد بن أحمد اللخمي من أهل تونس
قال شيخنا أبو حيان حضرت معه في بستان كان استدعاني إليه الكاتب أبو الحسن ديسم، وكان يحسن الضرب بالعود والغناء، وأنشدنا لنفسه هذا: [من الرمل]
كُلُّ معنّى مِنْ مَعَانِيهِ بَدَا … لستُ أَسْلُو عَنْ هَوَاهُ أَبَدًا
مُطلقُ الحُسْنِ خَلا عَنْ شَبَةٍ … وأَنا في الحُبِّ مِمَّنْ قُيّدا
إِنَّ غَيّي في هَوَاهُ رَشَدٌ … وضَلَالِي فيه لا شلَّ هُدَى
стр. 3443
شَهِدَ الكونُ لهُ أَجْمَعُهُ … لا تَرَى في حُبِّهِ مَنْ فَنَّدا
وأنشدنا أيضًا مما قاله في السماع: [من مخلع البسيط]
ماذا يُريدُ العَذُولُ مِنِّي … صُمَّتْ عِنِ العاذِلينَ أُذُنِي
بمُهْجَتي شادِنٌ رَبِيبٌ … يسبي البرايا بكل فن
رَشَا كناسٍ قَضِيبُ آس … رياض حُسْنِ هِلَالُ دَجْنِ
قَلْبي مُقيمٌ على هواه … إِنْ ضَجَّ أَوْ لَجَّ في التَّجَنِّي
فَحَدِّثُوا بِالدَّلالِ عَنْهُ … وحدثوا بالخُضُوع عَنِّي
قال: ولما توفي الدعي المسمّى بالفضل ملك إفريقية، كان هذا ابن الإمام يمدحه، ويهجو من عاداه، ويصرّح بذلك في تونس؛ فلما قتل الدعي وتولى أبو حفص، قتله لما كان بلغه من ذمه وهجوه.
ومنهم:
[١٨٤] أبو عبد الله الشلالجي
تعاللت كي أَشْجَى وما بكِ عِلَّةٌ … تُريدينَ قَتْلِي قَدْ ظَفِرْتِ بِذَلِكِ
وقولك للعوَّادِ كيفَ تَرَوْنَهُ … فَقَالوا: قتيلًا قلتُ: أيسر هالك
لئِنْ ساءَنِي أَنْ يُلْتِني بِمَسَاءَةٍ … لقَدْ سَرَّنِي أَنِّي خَطَرْتُ بِبالِكِ
وهذا آخر معروف بالغناء بالجانب الغربي على ما أنفذنا فيه وسع الحيلة وتسمحنا فيه؛ لتكثير الفئة القليلة، وقد تكلفنا له فوق الجهد والطاقة، ودخلنا فيه من الباب والطاقة.
стр. 3444
[مشاهير أهل الغناء بمصر]
فأما مصر فإنها وإن حوت الجماهير، وجمعت المشاهير، فإن أفراد أهل الغناء أقل من وجود الصديق، وجود الزمان بالعيش الخالي من الترنيق، ومنهم أناس سنذكرهم، ونعرفهم ولا ننكرهم.
ومنهم:
[١٨٥] ناطقة جارية الزاغوني
جارية تفتك بالمهج، وتقتل ولا إثم عليها ولا حرج، وهزت من قدها رمحا، وسلت من أجفانها سيفًا لا يعرف صفحا، فملكت القلوب عنوة، وكانت في أفق الدور الأموية شمس صباحها وبدر صباحها، وكأس شمولها، وقصارى مأمولها، إلى أن غلبت الأهواء، وأعلت وأغلت الدواء، وأضحت تجاوب في قتل أهل الغرام بها عودًا إلى أن ينطلق له لسان، ولا يسفك بمثل إشارته دم إنسان، وكانت أيام الأخشيد تغشى مجلس ابن الفرات، وتجاور منه في جانب النيل الفرات، وكان يصلها بالمواهب، ويقدمها على كل مواظب، ثم قطعها أيام المعز، وكان لها لا يبز.
ومن أصواتها المشهورة: [من الطويل]
إذا كنت ذا نفس جواد ضميرها … فليس يضير الجُودَ أن كنتَ مُعدِما
رآني بعين الجود فانتهز الذي … أردتُ ولم أَفْعَرْ إليه بها فَمَا
ظلمتُكَ إنْ لَمْ أَجزِكَ الشكر بعد ما … جعلت إلى شكري نَوَالَكَ سُلَّما
وأنك لم تترك بذاك ذخِيرَةً … لغيركَ مِنْ شُكري ولا مُتَلَوِّما
والشعر لمسلم بن الوليد (١)، والغناء فيه في مزموم الرمل.
стр. 3445
ومنهم:
[١٨٦] بديع جارية المحلمي
وكانت جارية سمراء، تحكي الأسمر البرني قدًا وكأنه أنبوب، والأبيض اليزني طرفًا تقد به القلوب، كأنما خُلقت من ليل كله سحر، وسواد طرف ملؤه حور، ألذ من الظل للمحرور، وأحسن من اختلاط مسك وكافور، وكان سيدها قد أخذها بالتأديب، واقتنصها من البر اقتناص الظبي الربيب، واشتراها صغيرة من مولدات الصعيد، وحظي بها أنه سعيد، ولقيت أهل التعليم، وبقيت تفهم بالإيماء فهم التكليم، حتى كانت إذا نطقت أذابت صبر الجليد، وألانت قلب الجلمد والحديد.
ومن أصواتها المشهورة: [من الرمل]
يُدَلُّ الطَّرْفُ مِنَ النَّوم السَّهَرْ … حِيْنَ صَدَّ الظَّبْي عَنِّي وَهَجَرْ
رَشَا أَوْدَعَ قَلْبِي حَسْرَةٌ … وحَمَى عَيني من الدَّمْعِ النَّظَرْ
وله شعر شتيت بيته … وبعينيهِ مِنَ السَّقْمِ حَوَرْ
بأبي ذاك حبيبًا هاجِرًا … لم يَدَعْ في الحُبِّ عَنْهُ مُصْطَبَرْ
والشعر لابن الرومي (١) والغناء فيه مزموم الرمل.
وكذلك من أصواتها: [من الكامل]
بانَ الخَليطُ وفاتني برحيلِهِ … جودٌ إِذا ذُكِرَتْ لقلبِكَ يَشْغَفُ
تجلو بمسلوك الأراك منصبًا … عَذْبًا إذا ضحكت تهلَّلَ يَنْطِفُ
وكأَنَّ رِيْقَتَها على علل الكرى … عَسَلٌ يُصفّى في القلال وقَرْقَفُ
وإذا تنوء إلى القيام تَدَافَعَتْ … مِثْلَ النَّزِيْفِ تَنُوءُ ثُمَّتَ تضعف
والشعر لأعشى همدان (٢)، والغناء فيه في ثاني ثقيل.
ومنهم:
[١٨٧] صافية، جارية بدر أمير الجيوش (٣)
وكانت شمسًا لا تصلح إلا لبدر، وقلبًا لا يضم إلى كل صدر، ولا تطرف له عنها
стр. 3446
عين غافية، ولا تكدّ [ر] له في النطف صافية، وكانت تزرى بالقضيب، وتسبي بالبنان الخضيب، وتسفه رأي الملك الضّلِّيل (١) إذ قال (٢): [من الطويل]
أَفاطمُ مَهْلًا بعضَ هَذا التَّدَلُّلِ
والصادق الحب جميل إذا شكا من حب بثينة التململ، لا يعلق له بغيرها أمل، ولا يرى إلا أنها بها قديم تمامه، وكمل لا تلائم جنبه إذا فقدها المضاجع، ولا إذا وجدها قال جفنه للنوم حتى أنت راجع. وكانت قُمرية مجلسه، وأيكة دوحه النابت في مغرسه.
ولها أصوات في أشعار مختارة، وكانت لا تميل إلا إلى هذا ومثله، ولا تعجب إلا به وشبهه، ومن أصواتها المشهورة: [من الطويل]
وإن دمنا لا تعلمين حنينه … علي الحي جاني مثل غير سالم
ولكن لعمر الله ما ظَلَّ مسلمًا … لِغُرِّ الثَّنايا واضحاتِ المَراغِمِ
رَمَيْنَ فَأَقْصَدْنَ القُلُوبَ ولَمْ نَجِدْ … ذمامًا يُرَى إِلا حَوى في الحَيَازِمِ
وخبركِ الواشونَ أَنْ لا أُحِبّكُمْ … بَلَى وستور الله ذاتِ المَحارم
والشعر لأبي حية النميري (٣)، والغناء فيه في ثاني الرمل.
ولها أصوات في شعر الصمة بن عبد الله كان يقترح عليها، فمنها هذا: [من الطويل]
لَعَمْرِي لَئِنْ كنتُمْ على النأي والقِلَى … بِكُمْ مِثْلُ ما بي إنكُمْ لصَدِيقُ
إذا زَفَراتُ الحُبِّ صَعَدْنَ في الحَشَا … رُدِدْنَ ولم ينْهَجْ لَهُنَّ طَرِيقُ
стр. 3447
ومنها أيضا: [من الطويل]
إذا ما أَتانا الرِّيحُ مِنْ نَحْوِ أَرْضِها … أَتَتْنا بِرَيَّاها وطابَ هُبُوبُها
أَتَتْنا بِريحِ المِسْكِ خالطَ عَنْبَرًا … وريحٍ خُزَامَى باكَرَتْها جَنُوبُها
ومنها أيضا: [من الطويل]
نَظَرْتُ وطَرْفُ العَينِ يَتَّبِعُ الهَوَى … بِشَرْقِيّ بُصْرَى نَظْرَةَ المُتَطَاوِلِ
لأبْصِرَ نارًا أُوْقِدَتْ بَعْدَ هَجْعَةٍ … لِرُؤْيا بذاتِ الرَّمْثِ مِنْ بَطْنِ حَائِلِ
ومنها أيضا: [من الطويل]
خَلِيلي قوما فاشرفا القَصْرَ فَانظُرَ … بأَعيانِنا هَلْ يُؤْنِسانِ بِهِ الرَّنْدَا
فإنّي لأخْشَى إِنْ عَلَوناهُ عَلْوَةً … ويشرق أَنْ يَزْدَادَ ويَحكُما وجدا
نَظَرْتُ وأَصْحَابي ندورة نظرة … فلو لمْ تَفِضْ عينايَ أَبْصَرنَا نَجْدَا
إِذا مَرَّ رَكْبٌ يُصْعِدُونَ ظَنَنْتُنِي … مَعَ الرائحين المُصعدينَ لَهُمْ عَبْدًا
وكلها في أمان.
ومنهم:
[١٨٨] عُيَيْنَا، جارية بدر أمير الجيوش
وكانت جارية حائرة، فاتنة فاترة، تتلفت تلفت الريم، وتسفر إسفار الصباح في الليل البهيم، بمحيا لو غاب البدر ثم أسفرت أطلعته، وعيون لو نظرت إلى سرب المها صرعته، مع إحسان في كل ضرب، وأجفان تقيم كل حرب، وطرف ما كان مثله لعريب جارية المأمون ولا لبدعة، وهي التي مثلها في الدنيا لا يكون، وكان بدر يرى أنها شمس نهار وأسنى أقماره، ولها عدة أصوات مشهورة، فمنها هذا: [من الطويل]
وهلْ خُلَّةٌ مَعْسُولَةُ الطَّعْمِ تُجْتَنَى … مِنَ البيض إلا حيثُ واش يكيدها؟
مَعَ الواصلِ الوَاشِي وَهَلْ تجتني يد … جنا النحل إلا حيثُ نَحْلُ يذودها
والشعر لابن الرومي (١)، والغناء فيه في الثقيل.
стр. 3448
ولها صوت في شعر الصمة بن عبد الله (١): [من الطويل]
أَمَا رَدَّ رِدِّي منه الوصل بينا … ولا تُشْمِتِي في الكاشِحِينَ الأعاديا
أَمَا رَدَّ لا والله ما بِي عَنِ البُكَا … عَزَاءٌ وما فيه شفاء لما بِيَا
والغناء فيه رمل مزموم.
ولم يقع إلينا من أصواتها سواهما.
ومنهم:
[١٨٩] مغني الصالح بن رزيك (٢)
وكان لا يزال يغشى مجلسه، ويستدعي أنسه، ويشغله عن كل حاضر، وكان مجيدًا في علم الغناء، إذا غنّى اطرح الوقار، ورمى الأوائل بالاحتقار، وكان يغنيه غناء عامًا، ويدنيه إدناء تامًا، وصنع عدة أصوات في مواضع من شعره كان يقترحها عليه، ويقترحها من إضاءتيه، وكان لا يزال حباؤه متكاثرًا لديه، متواترًا تواتر المطر المسكوب إليه.
وحكي أنه غنّى يومًا بين يديه (٣): [من البسيط]
стр. 3449
وَدُعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ … وهلْ تُطِيقُ وداعًا أَيُّها الرَّجُلُ
فوثب القاضي الفاضل (١)، وكان إذ ذاك يكتب للصالح وأنشأ يقول (٢):
دَعُوا هُرَيْرَةَ إِنْ حَلَّتْ وإِنْ رَحَلَتْ … فِيْكُمْ تَحِلُّ وعَنْكُمْ ليسَ تَرْتَحِلُ
فمتى على فَتْرَةٍ للجُوْدِ عارِضَة … فما رَأَى الناسُ إِلَّا أَنَّكُمْ رُسُلُ
دُمْتُمْ لنا وأَدامَ اللهُ دَوْلَتَكُمْ … وسُخْرَتْ لكمُ الأَمْلاكُ وَالدُّوَلُ
هذا شجاع وهذي مِصْرُ في يَدِهِ … والعمرُ والحُسْنُ والإقبالُ مُقْتَبِلُ
فوقعت منه وممن حضر ألطف موقع، وأمر المغني، وصنع فيه صوتًا، وغنى به لوقته.
ومنهم:
[١٩٠] سرور، جارية العزيز (٣)
وكانت لا تعدل بها امرأة، ولا تذكر بقبيح إلا كانت عنه مبرأة، وكانت جارية
стр. 3450
لامرأة بالقاهرة علمتها الخط، وحفظتها القرآن، وعلمتها النحو واللغة والأدب، وروتها الأشعار، ووفرتها على تصفح الأخبار، وأخذتها بصناعة الغناء، حتى فاقت كل جارية كانت تسمى، ولا يماثل بها ظلوم وأمثالها إلا ظلمًا، ورآها العزيز زمان أبيه فَهَوِيها، ولم يقدر على ملك رقها، خوفًا من أبيه حتى ملك السلطنة ووليها، وكانت بينهما مدة حياة أبيه مراسلات وأشاير، وعلامات وأماير.
حكي أنها أهدت إليه مرّة أكرةً من العنبر فيها رز من الذهب، فلم يفهم معناه، ولا كشف مُعَمَّاه، فأخبر الفاضل، وكان لا يكتمه من أمره حاضره ولا غائبه، ولا آئبه ولا ذاهبه، فأنشده الفاضل (١): [من السريع]
أَهْدَتْ لكَ العَنْبَرَ في وسطِهِ … رُزُ مِنَ التِّبْرِ خَفِيُّ اللجام
والتَّبْرُ في العَنْبَرِ مَعْناهُما … زُرْ هكذا مختفيًا في الظلام
وكتبت إليه مرة أخرى رقعة تعرض عليه فيها أن يشتريها، وكتبت في أولها قول ابن الرومي (٢): [من المنسرح]
كَدُرْ بِشَخْصِي مَنِ اصْطَنَعْتَ … مِنَ الناسِ وإن لم أزنك لم أشن
ماحَقُّ من لان صدره لك بالـ … ود لقاء بجانب خشنِ
فلم يكن له هم إلا مشتراها أول ما ملك.
ومن أصواتها المشهورة: [من الكامل]
ومُهَفْهَفٍ حُلْوِ اللَّمَى خَيْثٍ … سَبَقَتْ محاسنُهُ إلى الوَصْفِ
стр. 3451
كالليل قد جُمِعَتْ كَوَاكِيهُ … في مَوْضِعِ التَّقبيل والرَّشْفِ
والشعر لابن الخلال المصري (١)، والغناء فيه لها.
وحكي أن العزيز هوي عليها جارية اسمها ألوف، فتبدل بها حال سرور، وتنكرت عليها بسببها من أحوال العزيز أمور؛ فلما رأت إزورار جانيه، وتقلص أنسه من جانبه، أخلدت إلى القطيعة وعصت فيها نفسها المطيعة، فأخذته العزة حتى صار انجماعه غضبًا، وفتوره عنها لهبًا، وهم بإخراجها من داره، فخافت بأس اقتداره وأتت إليه قبل اقتداره، ولم تكلمه حتى ترامت على قدميه واندفعت تغني بين يديه: [من البسيط]
وأَنْتُمُ النَّخْلَةُ الطُّولى التي بَسَقَتْ … قِدْمًا وبُورِكَ مِنْهَا الأَصْلُ والطَّرَفُ
فإِنْ زَوَى عني الجُمَّارُ طلعته … فلا يُصبني بحدّي شَوْكَةِ السَّعَفُ
والشعر لابن الرومي (٢)، والغناء فيه خفيف الرمل، فلم يتمالك العزيز نفسه حتى ضمها إلى صدره، وقبلها، وبلغها من عود عاطفته أملها، ثم ردع إليها الكرة وترك هوى ألوف، ولا أليف لها إلا طول الحسرة.
ومنهم:
стр. 3452
[١٩١] فُتُون العادليّة (١)
جارية تعيب البدر إذا بزغ، وتعين الشيطان إذا نزغ، بصورة جَلّ خالقها، وجلب الكرى المُشَرّد ليراعها عاشقها، أقتل من الصدود، وأقل رضًا من الشيء المعدود،/ ٤١٢/ بتأت يُعْذَر به من أحبّها، وملك قلبه حُبّها.
أهديت من ملك الروم إلى الملك العادل ودنت فأسكت ناديها كلّ مُجادل، وكانت حاذقة بالضرب بأنواع الملاهي، مُغلبة للمُباهي، إلى طيب مجالسة، وإمتاع مؤانسة، وابتداءات مُبهتة وأجوبة مُسكتة، وكانت زينة القصر، وجليلة ذلك العصر.
ومن مشاهير أصواتها: [من مجزوء الكامل]
أَدرِ المُدَامَةَ يا نديم … واطرَب فقد رَقّ النَّسيم
واملًا كؤوسك واسقني … صفراء صانعها حكيم
من كف أهيف كالقَضِيْـ … بِ كلامُهُ العَذْبِ الرَّحِيمِ
ومن العجائب طَرَفُهُ … ليَ مُسقم وهو السقيم
стр. 3453
رقت معاقِدُ خَصْرِهِ … وكأنّه جِسمي الأليم
دبَّتْ عقارب صُدغه … فلذاك عاشقه سليم
والشعر لابن محارب من قصيدة يمدح فيها الصاحب بن شكر (١)، ومنها في المدح:
ومَدِيْحُ مَولانَا الوَزِيـ … رِ هو الصِّرَاطُ المُستقِيمُ
يُرْوَى بِرَاحَتِهِ الصَّدَى … ويُرَى بطلعتِهِ النَّعِيمُ
وله حديث مَكَارِمٍ … تُرْوَى ومُسْنَدُها قَدِيمُ
في كَفِّهِ القَلَمُ الذي … وجه الزَّمانِ بِهِ وسيم
وخطابه الحَقُّ المُبيـ … نُ وخَطْبُهُ النَّيأُ العَظِيمُ
قبل يديهِ مُبادِرًا … فَبِيُمنِهِ يُشْفَى الكَلِيمُ
وكذلك من أصواتها في شعر الباخرزي (٢): [من المتقارب]
أَرُوحُ وفي القَلْبِ منِّي شَجِّى … وأَغْدو وفي القَلْبِ مِنِّي شَجَنْ
أُبَكِّي ولا طَوْقَ لِي بالفِرَاقِ … إذا ذاتُ طَوْقٍ بَكَتْ في فَنَنْ
فللماءِ مِنْ مُقْلَتي ما بَدَا … وللنارِ مِنْ مُهْجَتي ما كَمَنْ
ومَنْ لجُفُونِي بشيءٍ نَسِيتُ … وأَحْسَبُهُ كانَ يُدعى الوَسَن
стр. 3454
وحكى أنها دخلت عليه بكرة يوم، والصباح المقبل قد ركض جبينه في أحشاء الشجر، ونفض العنبر المغلف على أصداغ الطرر، والشمس قد همت بأن تحدر النقاب، ثم تمنعت وتطلعت من الألقاب، والفضاء قد أصبح فضيًا، والروض قد أضحى سماويًا أرضيًا، والطير قد هتف للإعجاب، وبشر بتقشع الظلام المنجاب، والماء قد رفض إذ تكشفت السماء، ولم يبق بينه وبينها حجاب، فسر بزيارتها، وقدح زند فجره المشرق بإنارتها، واستدعى منها الغناء فغنت: [من الخفيف]
مَرْحَبًا بِالصَّبَاحِ لمَّا وَافَى … وانْتَضَى في الدُّجَى لَهُ أَسْيافا
رافعًا في الظلامِ جُنْحَ دُجاهُ … عاجِلًا مِثْلَ ما رفعت السجافا
مِثْلَ سيف الدين المليكِ المُفَدَّى … عندما جاءَ شَقَّقَ الأَسْدَافا
كانَ كُلُّ الزمان بالظلم ليلًا … فَمَحَاهُ وأَطْلَعَ الإنصافا
فأعجبه الشعر والغناء وهما لها، ثم سألها حاجتها، فذكرت أسيرًا في يد الإفرنج سئلت فيه الفداء، فعجل به.
ومنهم:
[١٩٢] عَجِيبَة، مغنية الكامل (١)
وكانت في نساء زمانها عجيبة، وفي أوانس أخدانها غريبة. من المغاني
стр. 3455
المشهورات، الغواني المذكورات. شغف بها الملك الكامل على دثور عقله، ووفور فضله، وكان لا يصبر عنها ليلة من الليالي، ولا يدع استمرارها ولو بين مشتجر العوالي، وكانت ظريفة تأخذ بمجامع القلوب، وتخلب صوادف النفوس، وكانت تطلع إلى الملك الكامل، وجنكها محمول معها، وورائها الجواري والخدم، وكانت تحضر مجلسه سرًّا وعلانية، وتغنيه على الجنك وبالدف، وبها قَدَحَ فيها ابن عين الدولة القاضي لما قال له الملك الكامل في قضية من القضايا: أنا أشهد عندك بكذا، فقال السلطان: يأمر، وما يشهد، فأعاد عليه السلطان القول، وأعاده القاضي عليه الجواب؛ فلما زاد الأمر، قال له السلطان: أنا أشهد تقبلني أنت أو لا؟ فقال: لا ما أقبلك، وكيف أقبل وعجيبه تطلع إليك بجنكها كل ليلة، وتنزل ثاني يوم بكرة، وهي تتمايل على أيدي الجواري والخدم، وينزل ابن الشيخ من عذرك أنجس مما نزلت.
فقال له السلطان: يا كنفرخ - وهي لفظة شتم بالفارسية - فظن ابن عين الدولة أنه قال له: كل فراخ، فقال: ما في الشرع كل فراخ اشهدوا على أني قد عزلت نفسي. وقام فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل، وقال له: المصلحة إعادته؛ لئلا يقال: لأي شيء عزل القاضي نفسه؟، قال: لأنه شهد السلطان عنده فما قبله، فيقال: لأي شيء ما قبله؟ فيقال: لأجل عجيبة، فتمضمض بنا العوام، وتطير بها الأخبار إلى بغداد، وإلى الملوك، فقال له: صدقت، ونهض إلى القاضي، فترضاه، وأعاده إلى القضاء، وتأخر الأمر الذي كان يريد أن يشهد به.
عدنا إلى ذكر عجيبة
والذي نعرف من أصواتها: [من البسيط]
رِفْقًا عَلَيَّ أَبْقَيْتِ مِنْ رَمَقِي … لا تَيْأَسِي لِي بِأَنْ أَبْقَى وَلَا تَبْقِي
هَيْهَاتَ أَيْنَ النَّقَا مِنْ مُوجَعٍ كَمِدٍ … عَلَيْكِ صَبِّ بِنَارِ الشَّوْقِ مُحْتَرِقِ
стр. 3456
يا سائلي عَنْ دَمِي لا تَطلبوا أحدًا … بعدي بِهِ فَدَمِي المسفوك في عُنُقِي
إِنِّي حَمَلْتُ على نفسي لشِقْوَتِها … مِثْلَ الجبالِ مِنَ البَلْوَى فَلَمْ تُطِقِ
فَمَنْ رَأَى ليتَ شِعْرِي مِثْلَ مَوقِعِنا … يومَ النَّوَى أَبْحُرًا تجري مِنَ الحُرَقِ
يا آمري في دُمُوعِي بعد ما فَنِيَتْ … بأَنْ أَصُونَ وأَحْمِي مَا عَسَاهُ بَقِي
والشعر لابن الحجاج.
وحكي أنه أمر بها فأحضرت، والغيم قد فرَّق في السماء قطعه، وطرّز مُذْهَبُ البروق خلعه، وتشرين قد أرسل نجائب السحاب محبرة، والخريف قد جاء وراياته المختلفة مبشرة، وثغر الروض قد راق، ووقت السرور قد لاق، ولمى النهر قد حلا في فم من ذاق، وحرّ الهجير قد خمد لهيبه، وسبح الفحم قد آن في المواقد لهيبه، والبثوث قد هيئت للكن، والمنازل قد قربت إلى الدن، والراووق قد رفعت صلبه المعلقة، والكؤوس بنُطَفِ الماء مخلقة وغير مخلقة، وقد حصل العود والعود، وأزلف المجلس لتطلع فيه طوالع السعود، واندفعت تغني بصوت صنعته في بعض المشارقة، وصدعت به صباح تلك الشارقة، وهو هذا: [من الطويل]
مشوق إذا ما ارْتَاحَ هَيَّجَهُ الحُبُّ … وصَبُّ لَوَيْلِ الدَّمْعِ فِي حَدِّهِ صَبُّ
وإن لاحَ وَهْنا بَرْقُهُ مِنْهُ يَنْثَنِي … وفي جَفْنِهِ لِلدَّمْعِ مِنْ خَدِّهِ غَرْبُ
نَضَا عَضْبَ جَفْنَيْهِ على عِذَارِهِ … فَمِنْ مُهْجَتِي جَفْنُ وَمِنْ جَفْنِهِ عَضْبُ
يُعَذِّبُ قَلْبي ظالمًا عَذْبُ ظَلْمِهِ … ولكنْ تَعْذِيبِي لمرشَفِهِ عَذْبُ
فلم يبق في المجلس إلا من مال ودبَّ للسكر بطربها في مفاصلهم نمال.
واستدعى بها يومًا، وهو بداره بالفسطاط المطلة على النيل، وقد نضدت رواشنها، وتلبثت قدامها أنواع المسك، وبرزت وعليها جوانها، والنيل قد صفا مشربه، وخفي بتكاثر الأمواج مسربه، والبرق قد كحل جفن السحاب بمروده، والليل قد رد في عين الشمس من إثمده، والهلال بقطع الغيم قد احتجب، والهلال المولى قد بلل جناحه ليطير، وهذا من العجب في وقت غفل عنه الرقيب، ولم يحضره إلا مثل إسحاق أو حبيب، وأقبلت تحدثه وتغنيه، وتفتح على يديه السؤل وتمنيه. ومما غنته من أصواتها والشعر قديم: [من المنسرح]
دَعْهُ يُداري فنِعْمَ ما صَنَعَا … لولم يكن عاشقًا لما خَضَعَا
стр. 3457
وَكُلُّ مَنْ في فُؤَادِهِ وَجَعٌ … يَطْلُبُ شَيْئًا يُسَكِّنُ الوَجَعَا
وَارَحْمَتَا لِلْغَرِيبِ في البَلَدِ النَّـ … ـــازِحِ مَاذَا بِنَفْسِهِ صَنَعَا
فَارَقَ أَحْبَابَهُ فَمَا انْتَفَعُوا … بِالعَيْشِ مِنْ بَعْدِهِ وَلا انْتَفَعَا
ودام معها ليلته كلها، والبدر لا يعرف السرار، والبحر لا يدرك له قرار، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها، وتلتهب قلوبها الحرار، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم، وقطرت أعطاف السحب متصببة، وجرت دموع النرجس في خدود الشقيق مصوبة، وقارب طلوع الصباح، والجو بين برديه، وسيف البرق بين غمديه، واضطرب النسيم مدبدبا مبلبلا تلك الحدائق، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق، فأشرف الملك الكامل، ومن مجر الرعد قد هول، والصباح الآتي قد قص ذيل الليل وقصر منه ما طول، فدعاها إلى الصبوح، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح، فلما دارت به الحميا، وذكرته هندا وميا، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب، فصنعت في شعر ذي الرمة (١): [من الطويل]
أَرَانِي إِذَا هَوَّمْتِ يَا مَيُّ زُرْتِنِي … فَيَا نِعْمَا لَوْ أَنَّ رُؤْيَاكِ تَصْدُقُ
يَلُومُ عَلَى مَيِّ خَلِيلِي وَرُبَّمَا … تَجُورُ إِذَا لامَ الشَّقِيقُ وَتَحْرِقُ
غَدَاةَ أُمَنِّي النَّفْسَ أَنْ يُسْعِفَ النَّوَى … بِمَيِّ وَقَدْ كَادَتْ مِنَ الوَجْدِ تَزْهَقُ
لَهَا جِيْدُ أُمِّ الخِشْفِ رِيْعَتْ فَأَتْبَعَتْ … وَوَجْهُ لَقَرْنِ الشَّمْسِ رَيَّانُ يُشْرِقُ
فوقع منه موقعا كاد يجتذبه، ويأخذ بسمعه إليه، ولو أراد أنه يجتنيه، ثم أفاض عليها سجاله ووسع في الكرم عليها محاله. ومما ينتقى من محاسن هذه القصدية المختار منها الصوت: [الطويل]
وَتِيهَا تُوَدِّي بَيْنَ أَرْجَائِهَا الصَّبَا … عَلَيْهَا مِنَ الظَّلْمَاءِ جُلٌّ وَخِنْدِقُ
عُلِّلَتِ المَهَارِي بَيْنَهُمَا كُلَّ لَيْلَةٍ … وَبَيْنَ الدُّجَى حَتَّى رَآهَا تُمَزَّقُ
فَأَصْبَحْتُ أَجْتَابُ الفَلاةَ كَأَنَّنِي … حُسَامٌ جَلَتْ عَنْهُ المَدَارِسُ مُخْفَقُ
طَرَاقُ الخَوَافِي في وَاقِعٍ فَوْقَ رِيعَةٍ … نَدَى لَيْلَةٍ في رِيْشِهِ يَتَرَقْرَقُ
стр. 3458
ومنهم:
[١٩٣] الكُرْكِيَّة، مغنية الظاهر بيبرس (١)
وكانت من أبرع النساء نطقًا، وأبدع أهل الغناء حذقًا، تجيد لمختلف الأصوات التآلف، وتجوز الغاية في الثقيل والخفيف، وتأتي بما بعد بدعة في زمانها، ولم تتفرد به فريدة في أوانها، ولا تجيء دنانير حبة في ميزانها، هذا إلى قريحة قادرة، وحلاوة في نادرة، وسرعة جواب، وصنعة إتقان لا يخرج اللحن فيها عن صواب.
حكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي عنها قال: لو كنت أستحسن أخرج خبية لأضحكت به الحزين الثكاكل وقيدت به الجحود الناكل، وبهذا ومثله كانت تستلين من الظاهر وأهل دولته أولئك الصخور، ويستنزل أولئك الشم، وما منهم كل مختار فخور، وهيهات إن كان يندى لأحد منهم راحة، أو تبل لواحد منهم يد بسماحة.
ومن أصواتها: [من الكامل]
سَنَّ الظُّبَى مِنْ طَرْفِهِ الوَسْنانِ … ورَمَى فَرَاشَ سِهامَهُ ورَمَانِي
стр. 3459
وبَدَا فَذَابَ البَدْرُ مِنْ جَسَدِ لَهُ … فَلذَاكَ ما يَنْفَكُ مِنْ نُقْصَانِ
ماءُ النعيم يَرِفُ في وَجَناتِهِ … يسقي رياض شقائق النُّعْمَانِ
قالتْ عُقُودُ نُهُودِهِ لِقَوَامِهِ … مَنْ أَنْبَتَ الرُّمَّانَ في المُرَّانِ
والشعر للتاج بن نصر بن مظفر بن محاسن بن علي بن نصر الله الدمشقي (١) المزوق الذهب.
وكذلك صنعت لحنًا كانت تغني به في شعر ابن الحلاوي: [من الطويل]
حَكَاهُ مِنَ الغُصْنِ الرَّطيبِ وَرِيْقُهُ … وما الخَمْرُ إلا وجْنَتَاهُ ورِيقُهُ
هلال ولكن أُفْقُ قَلبي مَحَلُّهُ … غَزَالٌ ولكنْ سَفْحُ عَيْنِي عَقِيقُهُ
وأَسْمَرُ يحكي الأَسْمَرَ اللَّدْنَ قَدُّهُ … عِذارًا سَقَى قَلبَ المُحِبِّ رَشِيْقُهُ
على خده جَمْرٌ مِنَ الحُسْنِ مُضْرَمٌ … يَشِبُّ ولكن في فُؤادي حَرِيقُهُ
أَقَرَّ لَهُ مِنْ كُلِّ حُسْنٍ جَلِيلُهُ … ووَافَقَهُ مِنْ كُلِّ مَعْنَى دَقِيقُهُ
стр. 3460
على سالِفَيْهِ للعِذارِ جَدِيدُهُ … وفي شَفَتَيْهِ لِلسُّلافِ عَتِيْقُهُ
وكذلك صوتها في شعر راجح الحلي (١): [من الوافر]
فُؤَادٌ عَنْ هَوَاكُمْ لا يَحُولُ … وجسمٌ لَا يُخَفِّيْهِ النُّحُولُ
فكيف يُمِيلُني عنْكُمْ مَلَامٌ … ويطمع في مُخَادعتي عَذُولُ
أبَى لِي أَنْ أَبِيْتَ صحيحَ قَلْبٍ … نَسِيمٌ مِنْ خِيَامِكُمُ عَلِيلٍ
سأَبْعَثُ في القُلُوبِ لكمْ سَلامًا … رَجاءَ أَنْ تُقابِلَهُ قَبُول
أُحَمِّلُها تحياتي إليكُمْ … لوَ انَّ الريح تفهم ما أقول (٢)
وهذه من أول قصيدة طنانة في كل سمع، ومنها:
ومِمَّا شاقني لَمَعَانُ بَرْقٍ … طَرِبْتُ لَهُ وقَدْ جَنَحَ الأَصِيْلُ
تَبسّم في عُبُوسِ الدّجْنِ حَتَّى … تَحَدَّرَ دَمْعُ دِيمَتِهِ الهَطُولُ
أراني بالفُراتِ نَخيل أَرْضِي … وغاب ولا الفُراتُ ولا النَّخِيلُ
يقول منها:
وذِي أَمَلٍ يَحُبُّ بِهِ المَطَايا … وأَدْنَى السَّيرِ وَخَدٌ أَوْ ذَمِيلُ
أقولُ لهم: هَلُمَّ فأَيُّ عُذْرٍ … لِسَعْيِكَ أَنْ يُحَارِبَكَ الدَّلِيلُ
أَمَامَكَ ظِلُّ عِزّ الدِّينِ فَانْزِلْ … بِأَبْلَجَ لا يُضامُ لَهُ نَزِيلُ
وَرَاءَكَ أَيُّها الراجي مَدَاهُ … فَدُونَ بُلُوغِهِ طَرْفُ يَهُولُ
تَزَحْزَحْ عَنْ طريق العيب واطلبْ … نَجَاةٌ لا يُغَيِّرُكَ السَّؤُولُ
به شاه أرمن السلطان يُعْلِي … دَعَائِمَ مُلْكِهِ وَبِهِ نَصُولُ
رعينًا في جباب أبي سعيد … رياضًا لا يَحُولُ بها المُحُولُ
تُراوِحُ زَهْرَهُ ريحُ النُّعَامَى … ويُضْحِكُ نَوْرَهُ الغَيْثُ الهَطُولُ
стр. 3461
فلا عِدِمَتْ قَوَافِي الشَّعْرِ مَوْلًى … إلى الآمالِ أَنْعُمُهُ تَمِيلُ
وكذلك صوته في شعره أيضًا (١): [من الطويل]
مَلَكْتَ كما شَاءَ الهَوَى فَتَحكَّمِ … وإلاّ فَفِيمَ الهَجْرُ لِي وإلى كَمِ
ولَوْ جَحَدَتْ عَيْناكَ قلبي وأَنْكَرَتْ … أَقرَّ بِهِ خَيُّ العِذَارِ المُنَمْنَم
متى تسمح الأيام منك بعطفَةٍ … وهلْ في فَتَى مِنْ رَاحَةٍ لِمُتَيَّم
وهَبْنِيَ أرضَى بالخيالِ وَزَوْرَةٍ … فَمَنْ لِيَ [إِذا] يَجْفو بِجَفْنٍ مُهوم؟
وهذه من قصيدة مدح بها المعظم عيسى (٢):
وفي شُعَبِ الأَكْوَارِ إبنا مُطلب … شعارُهُمْ تَرْصِيعُ شِعْرٍ مَنَمْنَم
هداهُمْ غُلامٌ مِنْ خُزَيمةِ عالم … بقطع الفيافي بالمطيِّ المُحَرَّمِ
إلى ملك من دوحة شاذويةٍ … يفيء إلى ورد من الجُودِ مُفْعَم
إلى الأبلج الطلق [الأغر] الذي به … غدا مشرقًا من دَهْرِنا كَلُّ مُظْلِمَ
إلى مَنْ كَأَنَّ الأيدين بظلّهِ … مِنَ الأَمْرِ ما بينَ الحَظِيمِ وَزَمْزَمَ
стр. 3462
تُرِيهِ وجُوهَ الغَيْبِ مِرآةٌ فِكْرِهِ … فَيُؤْمِنُهُ مِنْ كُلِّ ظَنِّ مُرَجَمِ
ويَغْشَى غمار الموت في كلِّ مَعْرَكٍ … يَرَاعٌ لَهُ قَلْبُ الخَمِيسِ العَرَمْرَمِ
ويُطْرِبُهُ خَلْعُ النُّفُوسِ على العَنَا … إِذا رَنَّحَتْ أَعْطافَها حُمْرَةُ الدَّمِ
لهُ نَشْوَةٌ في الجُودِ ليست لحاتِمٍ … وشِنْشِئَةٌ في المَجْدِ ليستْ لأَخْرَم
يقول منها في وصف القصيدة:
فَدُوْنَكَها أَحْلَى مِنَ الأَمْنِ مَوْقِعًا … وأَطْيَبَ مِنْ وَصْلِ إِلى قَلْبِ مُغْرَمِ
إذا حَدَّثَتْ أَبْياتُها عَنْ عُلاكُمُ … غدتْ أُمّ أَوْفَى دِمْنَة لَمْ تَكَلَّمَ
ومنهم:
[١٩٤] الزركشي، أبو عبد الله، ناصر الدين الفقيه الحنفي
فقيه بارع، ونبيه لكلِّ عُلا قارع، هذا على أنه أتقن علم الموسيقى وحققه، وأجال النظر في فنها ودققه، ووقف منها على طرق الأوائل التي عفا أثرها، وذهب أكثرها، وبقيت كمدارج النمل الخوافي، ومناهج الرمل تحت السوافي.
حدثني ابن كر عنه: أنه كان في صناعة الزركش بدمشق، ثم كان فقيهًا بالمدرسة الشبلية بسفح قاسيون بين ظهراني الفقهاء، ويجتمع إليه أهل الطرب والإلهاء، ودام على هذه المدة، ثم تخرصوا له المعايب وأرادوا ترديته بالمثالب، فأتى مصر واتخذها دارًا وقرارًا حتى مات.
قيل: وكان واحد زمانه لا يقصر عن الأوائل. قال: وهو ممن أخذت عنه، واستفدت منه، وكنا نجتمع ونتذاكر ونتغدى ونبكر صبيحة كل يوم، يسمع كل واحد منا صاحبه، ولم أر مثله، وحدثني عنه غيره.
وله أصوات منها (١): [من الخفيف]
خَبَّرُوها أَنِّي مَرِضْتُ فقالت: … أضنى طارفا شكا أَمْ تَلِيدا
وأشاروا بأَنْ يَعُودَ وِسَادِي … فَأَبَتْ وهي تشتهي أَنْ تَعُودًا
وأَتَتْني في خِفَّةٍ وهي تَشْكُو … أَلَمَ الوَجْدِ والمَزارَ البَعِيدًا
وكذلك صوته في شعر الحاجري (١) وهو هذا (٢): [من الطويل]
بحقِّكَ ذَكِّرْها العَقِيقَ لَعَلَّها … تَجِدْ رَاحَةً في عَوْدِها وسُرَاها
إذا ما حَدَا الحَادِي بِنَجْدٍ تَمَاثَلَتْ … كَأَنَّ سُلافًا في النشيد سقاها
كأنكم يومَ الرَّحيلِ رَحَلتُمُ بنَومي … فعيني لا تَلَدُّ كَراها
وكنت شحيحًا من دموعي بقَطْرَةٍ … فَقَدْ صِرْتُ سَمْحًا بَعْدَكُمْ بِدِماها
وكذلك صوته في شعر ابن حجاج وهو هذا: [من البسيط]
نامي هنيئًا لعينيكِ الرُّقادُ فَمَا … أَمْسَيْتُ أَعرف إلا السُّهْدَ والأَرقا
وإِنْ أَرَدْتِ حَيَاتِي فَاحْفَظِي رَمَقِي … إِنْ كانَ عِنْدَكِ شَيْءٌ يُمسكُ الرَّمَقَا
يا شامتًا إذ رأى قلبي رَهِينَ أَسَى … وشَرُّ ما فيهِ أَنَّ الرَّهْنَ قَدْ غَلِقا
إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ شَخْصَينا مُرَاغَمَةٌ … فَثَمَّ قلبان لا والله ما افترقا
ومنهم:
[١٩٥] ابن بكر، أبو عبد الله الشيخ شمس الدين، محمد البغدادي الأصل، المصري الدار والمولد.
هو في علم الموسيقى فرد لا يخلف، لحق بالأوائل وما تخلف وأتى ببدائع الألحان وما تكلف لا يجتبي على مثله الوجود في بردتيه، ولا يجني شبيه
стр. 3465
النهار بكرة وأصالة له بوردتيه. يطرب قبل الإنشاد، ويحرّك حتى الجماد، وتخرس له أصوات المثاني والمثالث، وما يتنحنح، ويهتز المغاني والأغاني، وما يتزحزح.
نقل مذاهب القدماء كابن المهدي وإسحاق، وجد طوالع تلك الأهلة التي أكلها المحاق. لا يمر به صوت مما ذكره أبو الفرج الأصفهاني إلا ويجيء به ويجيده، ويعيده ويزيده.
وصنف كتابًا يقال له: أحسن ما صنّف لجمع، وشنّف لسمع، وقد خطأ الفارابي في هذا العلم، وأنكر عليه أهل المعرفة، ثم سلموا إليه أنه إنما قاله عن علم.
وابن كرّ هذا من بيت امرأة تناقل سلفه في بغداد إرثها حتى ملكها التتار، فلزم أبوه مصر، فأجري عليه راتب عاد إلى ابنه هذا بعضه، وهو الآن في زاوية قريب المشهد الحسيني بالقاهرة المعزية، أقطعها من وقفه، ووقف أبيه، وله عزة نفس وشمم عفاف، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانًا له لا استرزاقًا به. وله بي صحبة أعرف حقها له، كان يتردد إليّ، ويتودد، ويتفقد ولا ينفقه، ولقد غنى فأضحك، وغنّى فأبكي، وغنّى، فأنام فرأيت بعيني منه ما سمعته أذناي عن الفارابي، فصدق الخَبَرَ الخُبْرُ، وحقق العين الأثر، ورأيت منه واحدًا، سبحان من وهبه ما لا هو في قدرة البشر.
وله أصوات في أشعار لي، فمنها قولي: [من الكامل]
أَفْدِي حَبيبًا قد فُتِنْتُ بحبِّهِ … لو كان يرثي للمُحِبِّ إِذا شَكَا
والله ما هبَّتْ نَسِيمُ دِيارِهِ … إِلا اعْتَلَقْتُ بذيلها مُتَمسكا
يا عينُ أَنتِ شَكِيَّتِي في حُبِّهِ … لمَّا نظرتُ لهُ وأَنتِ المُشْتَكَى
قالت: عليكَ بأَدْمُعِي فَأَجَبْتُها … لو كانَ دَمْعِي البَحْرَ أَفْناهُ البُكَا
ومنها قولي: [من الطويل]
قِفَانِي على الوادي أُوَدِّعُ مُهْجَتِي … وأستودع الأحباب مِنِّي ما بَقي
فيا ليت شعري هل نعود إلى الحِمَى … ويجمعنا سَفْحُ الكَثِيبِ فنلتقي
ويُعقَلُ في ظِلِّ النَّخِيل رِكابُنا … ونشربُ مِنْ ماءِ الغَدير ونَسْتَقي
стр. 3466
ونَشْكُو الذي نلقاه مِنْ أَلَمِ الهَوَى … وهيهات ما عند الحبيبِ تَشَوُّقِي
ومنها قولي: [من مجزوء الرمل]
يا أخلائي بنجدٍ … لِي فُؤَادٌ مُسْتَهامُ
وجُفون قدْ جَفَاها … بعدَ أَجْفانِي المَنَامُ
إِنْ وَصَلْتُم فَسُرُورٌ … واغْتِباط والتامُ
أَوْ هَجَرْتُم وكُفِينا … فَعَلى الدنيا السلام (١)
стр. 3467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد: فهذا السفر الحادي عشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
تناول فيه تراجم عدد كبير من أعيان الوزراء، معتمدًا فيه على كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ:
١ - مخطوطتا أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول رقم ٣٤٢٣ ص ٤٢٢ - ٥٣٢، ورقم ٣٤٢٤ رقم ٣٤٢٤ ورقة ٥٥ - ١٢١.
وهما نسختان قديمتان وقفهما السلطان العثماني محمود خان وعليهما ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
واللتان قام بنشرهما تصويرًا العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م وكانتا (الأصل) في عملنا.
٢ - مخطوطة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول رقم ٢٧٩٧ وأولها يقابل الصفحة ١١٤ من نشرة الدكتور سزكين.
* * *
стр. 3468
أما طريقتي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الكتاب.
هذا ما استطعت أن أقدمه للقارئ الفاضل والباحث الكريم.
أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد.
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 3469
[الوزراء]
وإذا قد انتهينا إلى ذكر الأدباء، وانتهينا إلى أن نغازل بهم عيون الأبناء، فسنذكرهم على ما قدمنا به القول من ذكر أعيان الوزراء، وطوائف الكتاب، والخطباء والشعراء.
ونبدأ بالوزراء ثم بالكتاب؛ لأنهم منهم، ولكنهم هم وإن نأوا في القسمة عنهم، ولهذا نأتي به لفيفًا، ونلقي منهم قولًا خفيفًا، ونذكر ما لو أنفقت الآفاق من أصائلها مثلي أحد ذهبًا، ما أرك لأحدٍ منهم أمدًا، ولا الهلال نصيفًا، لنميط عن محاسنهم قناع الثرى، ونخرج دفائنهم وقد أعيت مطالبها أطماع الورى، وتطمح لهم نجومًا تزينت بمقلها السما، وتعاطي مدامًا سح شبهها الما.
وها أنا أذكر من كل الوزراء والكتاب من القطر أناسًا هم زينة ذلك القطر وأنواره، وثمره المطعم وفواره، وأبينه على شيء من حاله، بما أذكر عنه أوله، ولا أستوعب … وأوله، وإنما أمثله عنوانًا، وأسلكه في درج ذلك القطر صِنْوانًا.
* * *
стр. 3470
[مشاهير الوزراء بالجانب الشرقي]
وأول ما نقول: إنه لم يكن للوزارة رتبة تُعرف مدَّةَ بني أمية، وصدرًا من دولة أبي العباس السفاح، بل كان ممن أعان الخلفاء على أمرهم. يقال: فلان وزير فلان، بمعنى أنه مؤازر له لا أنه متولي رتبة خاصة تجري لها قوانين، ويُنظم بها دواوين.
فأما وزير آل محمد ﷺ .
[١] أبو سلمة الخلال (١)
فإنه كان رأسًا من رؤوس الشيعة الهاشمية. وكان ذا الرأي فيهم، فقيل: وزير آل محمد ﷺ وكان من أكابر الدعاة للدولة، وأعظم السعاة في استتباب الأمر.
فلما رأى أبو العباس السفاح قدمه وكبره، وأورد رأيه وأصدره رَجُلًا … واستخرج درّةً، فحسد لتمكنه، وعمل على مأخذه من مأمنه.
ثم كان السفاح لا يرى إفساد صنعته، ولا يأمن تكدير بواطن شيعته، فكان يلبسه على علله، ويسدّده على خلله، وأبو سلمة مع هذا ليس بوزير له فلم … ولائه أمر منوط.