ونَشْكُو الذي نلقاه مِنْ أَلَمِ الهَوَى … وهيهات ما عند الحبيبِ تَشَوُّقِي
ومنها قولي: [من مجزوء الرمل]
يا أخلائي بنجدٍ … لِي فُؤَادٌ مُسْتَهامُ
وجُفون قدْ جَفَاها … بعدَ أَجْفانِي المَنَامُ
إِنْ وَصَلْتُم فَسُرُورٌ … واغْتِباط والتامُ
أَوْ هَجَرْتُم وكُفِينا … فَعَلى الدنيا السلام (١)
стр. 3467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد: فهذا السفر الحادي عشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
تناول فيه تراجم عدد كبير من أعيان الوزراء، معتمدًا فيه على كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ:
١ - مخطوطتا أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول رقم ٣٤٢٣ ص ٤٢٢ - ٥٣٢، ورقم ٣٤٢٤ رقم ٣٤٢٤ ورقة ٥٥ - ١٢١.
وهما نسختان قديمتان وقفهما السلطان العثماني محمود خان وعليهما ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
واللتان قام بنشرهما تصويرًا العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م وكانتا (الأصل) في عملنا.
٢ - مخطوطة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول رقم ٢٧٩٧ وأولها يقابل الصفحة ١١٤ من نشرة الدكتور سزكين.
* * *
стр. 3468
أما طريقتي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الكتاب.
هذا ما استطعت أن أقدمه للقارئ الفاضل والباحث الكريم.
أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد.
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 3469
[الوزراء]
وإذا قد انتهينا إلى ذكر الأدباء، وانتهينا إلى أن نغازل بهم عيون الأبناء، فسنذكرهم على ما قدمنا به القول من ذكر أعيان الوزراء، وطوائف الكتاب، والخطباء والشعراء.
ونبدأ بالوزراء ثم بالكتاب؛ لأنهم منهم، ولكنهم هم وإن نأوا في القسمة عنهم، ولهذا نأتي به لفيفًا، ونلقي منهم قولًا خفيفًا، ونذكر ما لو أنفقت الآفاق من أصائلها مثلي أحد ذهبًا، ما أرك لأحدٍ منهم أمدًا، ولا الهلال نصيفًا، لنميط عن محاسنهم قناع الثرى، ونخرج دفائنهم وقد أعيت مطالبها أطماع الورى، وتطمح لهم نجومًا تزينت بمقلها السما، وتعاطي مدامًا سح شبهها الما.
وها أنا أذكر من كل الوزراء والكتاب من القطر أناسًا هم زينة ذلك القطر وأنواره، وثمره المطعم وفواره، وأبينه على شيء من حاله، بما أذكر عنه أوله، ولا أستوعب … وأوله، وإنما أمثله عنوانًا، وأسلكه في درج ذلك القطر صِنْوانًا.
* * *
стр. 3470
[مشاهير الوزراء بالجانب الشرقي]
وأول ما نقول: إنه لم يكن للوزارة رتبة تُعرف مدَّةَ بني أمية، وصدرًا من دولة أبي العباس السفاح، بل كان ممن أعان الخلفاء على أمرهم. يقال: فلان وزير فلان، بمعنى أنه مؤازر له لا أنه متولي رتبة خاصة تجري لها قوانين، ويُنظم بها دواوين.
فأما وزير آل محمد ﷺ .
[١] أبو سلمة الخلال (١)
فإنه كان رأسًا من رؤوس الشيعة الهاشمية. وكان ذا الرأي فيهم، فقيل: وزير آل محمد ﷺ وكان من أكابر الدعاة للدولة، وأعظم السعاة في استتباب الأمر.
فلما رأى أبو العباس السفاح قدمه وكبره، وأورد رأيه وأصدره رَجُلًا … واستخرج درّةً، فحسد لتمكنه، وعمل على مأخذه من مأمنه.
ثم كان السفاح لا يرى إفساد صنعته، ولا يأمن تكدير بواطن شيعته، فكان يلبسه على علله، ويسدّده على خلله، وأبو سلمة مع هذا ليس بوزير له فلم … ولائه أمر منوط.
стр. 3471
ثم إنه وزره على باطن يكنّه له، ليتخذ بالوزارة إليه سبيله، ويتوجه له عليه شبهة يصلب بها وجهه، حتى أخذه تلك الأخذة الفذة.
فأمَّا مَنْ بعده من وزراء المشرق قديمًا وحديثًا فسنبدأ من لدن عبد الملك بن مروان؛ لأنه أول من حكم هذه الأمة قواعد الملك، وعظم عوائد السلطان، إذ لم يستتب الأمر لأحد بعد عثمان بن عفان ﵁ كما استتب له، إذ كان منه إلى معاوية خبط عشواء، وليل لم يلمع بالأضواء.
فأما معاوية، فإنه وإن كان قد لم الشعث، وأزال الشغب، واستقل بالأعباء، واضطلع بالملك، فانه كان قد تخلق بالمداهنة أيام محاربته عليًا ﵇ لاستمالة الأهواء إليه، وجع القلوب عليه، فصار له خلفًا، لما سُلَّمَ إليه، وسلم من النازع ثم استمر عليه حتى مضى به زمانه وانقضت عليه أيامه.
وكان عمرو بن العاص أجل ندرًا، وأعظم قدرًا مع أن يجري معه مجرى الوزارة وإن كان له وزرًا وردءًا، إذ كان لا يزال كالممتن عليه، لانحيازه إلى جهة مع مماثلته له في شرفه في قريش، وسابقته في الإسلام ظانًا له لولاه لما نال الملك، ولا قدر على منازعة علي - كرم الله وجهه - في حق الخلافة.
وكان لا يزال حاله معه شبيهًا بحال أبي مسلم الخراساني مع أبي العباس السفاح.
فأما من تقدم معاوية من الخلفاء الراشدين إلى عهد النبوة فأولئك ما وزروا إلا من كانوا تبعًا لرأيهم فيما استشاروا فيه من مفرد الأمر لا في الأمر المطلق، فلهذا بدأنا بالوزراء من لدن عبد الملك.
فمنهم:
[٢] رَوْحُ بن زِنْبَاع (١)
كتب لعبد الملك بن مروان. وكان مجراه في الوزارة مجرى الإعانة لا مجرى الولاية، وكان كأنه أجل الملوك، لمكاتبته من الخلفاء، وكثرة أتباعه، وعظم أشياعه، وعجز السيوف عن يراعه.
стр. 3472
وذكر صاحب كتاب الوزراء والكتاب (١) أنه قد كلَّم يزيد بن معاوية له ولقومه أن يلحقهم في العطاء بإخوانهم، فقال له: إن أجمع على ذلك قومك، فنحن جاعلوك حيث شئت، فبلغت الدعوى عدي بن الرّقاع فقال: [من البسيط]
إِنَّا رَضِيْنَا وَإِنْ غَابَتْ جَمَاعَتُنَا … مَا قَالَ سَيِّدُنَا رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعِ
стр. 3473
يَرْعَى ثَمَانِيْنَ أَلْفًَا كَانَ مِثْلَهُم … فَمَا يُخَالِفُ أَحْيَانَا عَلَى الرَّاعِي
ثم كان روح بن زنباع من عبد الملك بن مروان كالقسم له في ملكه، ولما قلّد عبد الملك أخاه بشرًا العراق، ضم إليه روح بن زنباع، فثقلت وطأته على بشر، فلم يقدر على صرفه عنه إلا بأن يحتال بإدخال رجل إلى بيته، وكان لا يدخله أحد سواه، فكتب على حائطه هذا: [من البسيط]
يَارَوْحُ مَنْ لِدَنَانِيرٍ مُحَرَّسَةٍ … إِذَا نَعَاكَ لأَهْلِ المَغْرِبِ النَّاعِي
إِنَّ الخَلِيفَةَ قَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ … فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ يَا رَوْحُ بْنَ زِنْبَاعِ
فلما رآه روح أتى بشرًا، فاستأذنه في الرجوع إلى الشام، فجعل بشر يحبسه، ويسأله أن يقيم فيأبى، فأذن له، فلما دخل [على] عبد الملك، قال: الحمد لله على سلامتك يا أمير المؤمنين، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، فقال له: ثقلت والله على بشر وأهل العراق، فاحتالوا في الراحة منك.
ذكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١) في تاريخ
стр. 3474
الإسلام (١)، قال: كان
روح بن زنباع إذا خرج من الحمام أعتق رقبة.
وأمره يزيد على جند فلسطين، وشهد يوم راهط مع مروان.
وكانت له دار بدمشق عند طرف البزوريين.
وقال مسلم ﵀: له صحبة، ولم يتابع مسلمًا أحد، وأبوه زنباع بن روح بن سلامة له صحبة.
ومنهم:
[٣] نصر بن سيار (٢)
وكان يتقلد ديوان خراسان.
ثم انتهى إلى أنه كتب إلى الوليد يُعلمه بظهور المسودة، فكتب إليه:
إني قد أقطعتك خراسان، فافعل فيها ما شئت.
وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بسارة قرب الري، وعمره خمس وثمانون سنة.
стр. 3475
وكان مشرفيًا مُرهفًا، وسمهريًا منعنا، وأسدًا باغرًا، وبطلًا لو قيل رأيه رد صاغرًا، بل سود بني العباس، واختلاف ذات بين بني مروان لأمر سبق له القدر، وكانت البدرة فيه لمن بدر ﴿ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (١)، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مقْدُورًا﴾ (٢).
ومن كتاب كتبه إلى مروان: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنها قد شرعت ولم تتبين، ومبادرة الدواء في أول الداء أنجح، وآفة الرأي التردد والسلام.
ومنهم:
[٤] عبد الحميد بن يحيى (٣)
وهو إمام المتقدمين، ورسائله كافية للمتعلمين. وكتب لهشام بن عبد الملك، واستمر حتى كتب لمروان بن محمد، وهو القدوة، وبه الأسوة، ورسائله مشهورة يتناقلها الكتاب، ويتداولونها جيلًا بعد جيل.
стр. 3476
ومن كلامه:
الناس رجلان، رجل دق خطره، وحسنت معاملته، فعامله السفلة فسفل، وضيع عامل أهل الدين والأدب فتأدب.
ومنه يُعزّي هشامًا بامرأة من نسائه:
إن خير ما أنعم الله على خلفائه ما رزقهم الشكر عليه، والدنيا دار متاع/ ٦/ وبلغة، وما فيها عوار بين أهلها، ثم منقول عنهم، وإنَّ الله تعالى أمتع أمير المؤمنين من مؤنسته وقرينه متاعًا إلى أجَلٍ مُسمَّى، ثم قبض العارية وليها، وأعطى عليها في المنقلب، وأرجح في الميزان، وأكفى في العوض، فإنا لله وإنا إليه راجعون. أحتسب مصيبتك يا أمير المؤمنين على الله، فإنَّ مواهِبَ الله أجزل، وثوابه أفضل، فامض على رؤيتك في الخبر، فإنَّ ما عند الله لا يبلغه كلام ولا يحصيه حساب.
ومنه:
أما بعد، فان أمير المؤمنين استخلصك لنفسه بعد أن غلب رأيه على هواه فيك، وبعد أن ما بك بينك وبين القرناء مضمارك، وزيفهم أخبارك، فجعلك عينه التي تبصر بها، وسمعه التي يسمع به، ويده التي يبطش بها، فما زادك تقريبًا إلا ازددت إلى الناس قربًا، ولا زادك بسطًا وإيناسًا إلا زدته هيبة وإجلالًا. ولا زادك تمكينًا إلا ازددت في الرعية عدلًا، لا تحملك النصيحة له على ظلم رعيته، ولا يحملك العدل في رعيته على إهمال حقوقه، ولا يستخفّك الفرح، ولا يكملك الحزن، تجري الأمور على السداد، ولا يمنعك أن تذهب بها في مذاهبها استشعارًا لحذر العواقب.
ومنه:
الناس أصناف مختلفون منهم عِلْقُ مَضِنَّةٍ لا يباع، ومنهم غل مطية لا يبتاع.
وساير يومًا مروان على دابة، فقال له: كيف سيرها؟، فقال له: همتها أمامها، وسوطها عنانها، ما وَنَتْ قط إلا حلمًا، ولا ضُرِبَتْ قط إلا ظلمًا.
ومن شعره: [من السريع]
أَبْكِي عَلَى ذَا وَابْكِي لِذَا … بُكَاءَ المُوَلَّهَةِ الشَّاكِلِ
стр. 3477
فَتَبْكِي مِنْ أَيْنِ لَهَا قَاطِع … وَتَبْكِي مِنْ أَيْن لَهَا وَاصِلِ
وكان المنصور يقول: غَلَبَنا بنو مروان بثلاثة أشياء. بالحجاج بن يوسف، وعبد الحميد بن يحيى، والمؤذن البعلبكي.
ومنهم:
[٥] طلحة بن زريق (١)
كان يكتب للإمام إبراهيم بن محمد إلى الدعاة، ويقرأ كتبهم إليه، وهو أخو مصعب بن زريق - جَدّ طاهر بن الحسين - وقد كانت لهم دولة ملك، وصولة سلطان، وامتدت لم أيام موصوفة، وأقلام تبري الرماح قصباتها النحيفة، ثم كانت لآخرهم سيوف ذللت الدول، وداست مفرق البطل.
ومما كتبه عن الأيام في جواب إلى بعض رؤوس الشيعة، ليستأذنه فيمن قدر عليه من عُمال بني أمية: أما بعد فلا تمر بشجرة … يكنك، إلا فعلت، وإياك أن يتميل الثمرة والسلام.
ومنهم:
[٦] [أبو] أيوب المورياني (٢)
كان وزيرًا متقلدًا لأبي جعفر المنصور في آخر أيام بني أمية حين جرد للسياط على ما كان انكسر عليه من ضمان كان ضمنه منهم، ففداه أبو أيوب بنفسه، وبذل ماله دونه حتى خلص منهم، … فكان يعدّها له يدًا ويشكره إلى أن بدا له ما بدا.
стр. 3478
وكان لأبي أيوب كاتب خاص به اسمه محمد بن الوليد، وكان كاتبه هذا حريصًا على أخذ الرشا، فكتب إلى طريف على لسان أبي أيوب بحمل مائة ألف دينار إليه فحملها إليه ولم يعلم بها أبو أيوب، ثم اتفق أن أبا أيوب أشار على المنصور بصرف طريف، وتولية غيره، ففعل ذلك، ثم إن أبا أيوب أخذ في محاسبة طريف والتضييق عليه، فحنق عليه طريف - وفي ظنه أن ذلك المال وصل إليه - فلما وصل إلى المنصور، أخرج إليه الكتاب الوارد عليه بطلب ذلك المال، فقرأه ثم دفعه إلى أبي أيوب، فقال: هذا خط كاتبي وخاتمي، ولا علم لي بشيء من أمره، فقال له أبو جعفر: هذا أشدُّ من الأمرين أن يكون مائة ألف دينار يأخذها كاتبك من رجل واحد!.
ومنهم:
[٧] عبد الجبار بن عدي
كان نبعة سهام، ولمعة برق تدل على ضرام، وقد كان يكتب لخلفاء بني أمية، ثم كتب للمنصور.
ثم لما مات قال المنصور: ما أخلقنا أن يكون قد دفن الكلام مع عبد الجبار، ولا نجد أحدًا يقوم مقامه، ولا يسد مسده.
ومن كلامه: إياك أن يعود جوابك دون بلوغ الأرب، وحصول الطلب، ولا تقل هم كثيرون، فما يحاذر لا يهوله كثرة الغنم.
ومنهم:
[٨] عبد الله بن المقفع (١)
وهو الغاية في البلاغة، وهو أشهر من أن يُوصف، ومهما وصف به لا يُنصف، وبه يُضرب المثل. وكان من كتاب دولة المنصور.
стр. 3479
ثم استأزر به علي بن عبد الله، فلما خرج علي بن عبد الله على المنصور، وكان ابن المقفع وهو المقترح على المنصور ما يكتبه لعلي بن عبد الله في الأمان، فحقدها عليه، وقال: سواء لدي ابن المقفع وعلي بن عبد الله.
وجده مولى لسفيان بن معاوية.
ثم كان منه ما كان، وقال ابن المقفع وهو في تلك الحال يخاطبه: [من الوافر]
إِذَا مَا مَاتَ مِثْلِي مَاتَ شَخْصٌ … يَمُوْتُ لِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيْرُ
وَأَنْتَ تَمُوْتُ وَحْدَكَ لَيْسَ يَدْرِي … بِمَوْتِكَ لا الصَّغِيْرُ وَلا الكَبِيرُ
ومنهم:
[٩] أبو عبد الله معاوية بن عبد الله بن يسار (١)
وزير المهدي وكاتبه، وموضع أنسه، وصاحبه، ومدانيه واحد لا يقاربه. ولما وفد عبد الله بن الحسين على المهدي معزيًا عن المنصور ومهنئًا بالخلافة، فتكلم بكلام أعده أُعجب الناس به واستحسنوه، فبلغه ذلك، فقال لشبيب بن شبة: إني والله ما لقيت إلى هؤلاء، ولكن سل أبا عبد الله عما تكلمت به، فسأله شبيب، فقال له: ما أحسن ما
стр. 3480
تكلم، ولكنه لم يبعد بكلامه أن اخذ مواعظ الحسين ورسائل غيلان فنفخ منها كلامًا، فأخبر شبيب عبد الله بذلك، فقال: الله أبوه، فوالله ما أخطأ حرفًا، ولا تجاوزت ما قال.
واعتذر إلى عبد الله رجل فأطال، فقال: ما رأيت عذرًا هو أشبه ذنب باستئناف من هذا الرجل.
وكان يقول: اليأس حر، والرجاء عبد.
وكان يقول: إني لأشكر حسن الخلطة، ولين اللفظة.
وهو الذي لا يخوض البحار في ضحضاحه، ولا يشبه ماء الآجن بسماحه، لولا بلبسه يكر أثقل عطفه، ومحلفه بينه سمر أنفه، لكان الذي ينقطع به النمل، ولا يشتغل بأحد قبله ولا بعده.
وقد كان رفع عليه إلى المهدي: أنَّ له ألف دراج سمور، وبقية الأوبار، وسوى ما لا وبر له، وسوى غيرهما من الأصناف التي يديرها.
وحكي أن الفضل بن يحيى كان شديد الكبر فعوتب في ذلك، فقال: هذا شيء حملت نفسي عليه لما رأيته من عمارة بني حمزة، فإن أبي كان يضمن فارس من المهدي، فحل عليه ألف ألف درهم، فأخرج ذلك كاتب الديوان عليه، فأمر المهدي عبد الله أن يزيد بمطالبته، وقال له: إن أدى يحيى المال قبل المغرب من يومنا هذا وإلا فأتني برأسه، فكان المهدي مغضبًا عليه، وكانت حيلتنا لا تبلغ عُشْرَ المال، فقال: يا بني إن كانت لنا حيلة من قبل عمارة بن حمزة، وإلا فأنا ميت فامض إليه فلم يعرني الطرف.
ثم تقدم من ساعته بحمل المال فحمل فأديناه، فلما مضى شهران جمعنا المال، فقال لي أبي: امض به إلى الشريف الحرّ الكريم، فمضيت إليه، فلما عرفته خبر المال غضب، ثم قال: اكتب قسطارًا لأبيك، فقلت: لا، ولكنك أحييته، ومننت عليه بهذا المال، وقد استغنى فقال: هو لك، فعدت إلى أبي، فقال: لا والله ما تطيب نفسي لك
стр. 3481
به، ولكن لك منه مائتا ألف درهم فتشبهت به حتى صار لي خُلُقًا لا يتهيأ لي مفارقته.
ومنهم:
[١٠] ابن طهمان، يعقوب بن داود (١)
وكان معمور الباطن بالورع والزهد المتبع، ولم تكن زخارف الأنام تَطَّبِيهِ، ولا غروس الدنيا تصبيه.
كتب أولًا لنصر بن سيار، ثم بقي بطلًا وَزَرَ للمهدي، وبلغ منه ما لم يبلغه
стр. 3482
ووزيره، حتى كان يُقال: يعقوبُ بن داود الخليفة، والمهدي الوزيرُ.
وكان المهدي يقول (١): يعقوب بن داود أخي في الله ووزيري.
وفي ذلك يقول سلم الخاسر (٢): [من البسيط]
قُلْ لِلإِمَامِ الَّذِي جَاءَتْ خِلافَتُهُ … تُهْدَى إِلَيْهِ بِحَقِّ غَيْرَ مَرْدُودِ
نِعْمَ المُعِيْنُ عَلَى التَّقْوَى أُعِنْتَ بِهِ … أَخُوكَ فِي اللهِ يَعْقُوبُ بنُ دَاوُدِ
وحج يعقوب بن داود في صحبة المهدي، وأخذ منه أمانًا للحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وأحضره إيَّاه، فأحسن إليه المهدي، ووصله بمال كثير، وأقطعه أرضًا من الصوافي بالحجاز، وأحمد الناس فعل يعقوب في ذلك (٣).
وأنفذ يعقوب بن داود الأمناء إلى العمال في جميع الآفاق، فلم يكن ينفذ شيء من كتب المهدي حتى ترى كتابًا من يعقوب بن داود إلى أمينه بإنفاذه.
وغلب يعقوب بن داود على أمر المهدي كله واقتصر المهدي على ملاذه حتى قال بشار بن برد: [من البسيط]
بَنِي أُمَيَّة هُبُوا طَالَ نَوْمُكُمُ … إِنَّ الخَلِيفَةَ يَعْقُوْبُ بنُ دَاوُدِ
ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ يَا قَوْمُ فَالْتَمِسُوا … خَلِيفَةَ اللهِ بَيْنَ النَّارِ والعُودِ (٤)
وكان يعقوب بن داود جوادًا كريمًا معطاءً، وأتت إليه امرأة من اليمامة قد كاتبت على نفسها وولدها وأهل بيتها على ألف دينار، فلما مثلت بين يديه، قالت: [من الوافر]
وَبَاعِثِ أَحْمَدٍ فِيْنَا رَسُوْلًا … يُعَلِّمُنَا الحَرَامَ مِنَ الحَلالِ
لَشَهْرَا نَحْوَ يَعْقُوْبِ سَرَيْنَا … فَأَدَّيْنَا إِلى وَقْتِ الهِلَالِ
أعِنِّي يَا فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي … وَعَمِّي لا أُحَاشِيْهِ وَخَالِي
يُبَشِّرُنِي بِنُجْحِيْ كُلُّ طَيْرٍ … جَرَى لِيْ عَنْ يَمِينٍ أو شِمَالِ
فقال لها: صدقت طيرُك، وأعطاها ألف دينار وأمر لها أن يوفى مال كتابتها، وأن تقدم عليه بأهلها، ففعلت ذلك، فأجرى عليها وعليهم الرزق، وما زالت في عياله إلى أن مات.
стр. 3483
وذكر المفضل العمري: أنَّ المهدي حجّ في بعض السنين فمر بميل وعليه كتاب فوقف فقرأه فإذا هو: [من البسيط]
للهِ دَرُّكَ يَا مَهْدِيُّ مِنْ رَجُلٍ … لَوْلَا اتِّخَاذُكَ يَعْقُوْبَ بنَ دَاوُدِ
مَاذَا الَّذِي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِيْنَ بِهِ … أو مَا الَّذِي يَبْقَى مِنَ الجُوْدِ
فقال لبعض من كان معه اكتب معه على رغم أنف الكاتب لهذا، وتعسًا لجده (١).
ثم كان يعقوب بن داود قد ضجر بموضعه، وكان يقول للمهدي: والله يا أمير المؤمنين شربة خمر أشربها أتوب [إلى] الله منها أحبَّ إليَّ مما أنا فيه، وإني لأركب إليك، وأتمنى يدًا خاطئة تصيبني في طريقي فاعفني (٢)، وول من شئت، فليس دنياك بعوض لي من آخرتي. فيقول له: اللهم عفوًا، اللهم اصلح قلبه، ثم آل أمره معه إلى ما آل.
ولما أوقع به المهدي، أدخل عليه، وقال له: يا يعقوب! قال: لبيك يا أمير المؤمنين تلبية مكروب يغضبك، فقال له: ألم أرفع من ذكرك وأنت خامل، وأعلي من قدرك وأنت غافل، وألبسك من نعم الله ما لم أجد لك بحمله يدين من الشكر، فكيف رأيت الله أظهر عليك، ورد كيدك إليك؟! فقال: يا أمير المؤمنين إن كان بعلمك، فتصديق معترف بذنب، وإن كان بما كسبته نمائم الباغين وأقوال الحاسدين، فعائذ بفضلك، فقال: والله لألبسنك من الموت قميصًا لا يخلق الدهر جدته، يا غلام المطبق، فولّى وهو يقول: المودة رحم، والوفاء كرم، وأنت بها جدير (٣).
وليعقوب بن داود شعر فمنه ما قاله وهو مقيم بمكة بعد إخراج الرشيد له: [من مجزوء الرمل]
طَلِّقِ الدُّنْيَا ثَلَاثًا … وَاطَّلِبْ زَوْجًا سِوَاهَا
إنَّها زَوْجَةُ سُوْءٍ … لا تُبَالِي مَنْ أَتَاهَا (٤)
[١١] الفيض بن أبي صالح (٥)
وزير المهدي.
стр. 3484
وقال الكندي: سمعت يحيى بن خالد يقول: كان الفيض بن أبي صالح يعلّم الناس الكرم، وكان يحيى يهضم نفسه إذا ذكر الفيض بن أبي صالح، ويقول: كيف لو رأيتم الفيض بن أبي صالح (١).
قلت: كان يعلم بكرمه الخواطر المنى، ويحفّز بنعمه مواهب الغنى، آية متولد، وغاية مرجو، لا يكسب المال إلا لينفقه، ولا يجمعه إلا ليفرقه، ولا يستجد الثوب إلا ليهبه لا ليخلقه، لا بشكر عليه نعمه، وإن جلت، ولا يمتلئ له سماء خزائن إلا ألقت ما فيها وتخَلَّتْ، كرمًا خلق له طباعًا، وجودًا يدعه يبيتُ يطوي حشاه جوعًا، والناس شباعًا.
وفيه يقول أبو الأسد (٢) التميمي: [من الطويل]
وَلَائمةٍ لَامَتْكَ يَا فَيْضُ فِي النَّدَى … فَقُلْتُ لَهَا لَمْ يَقْدَحِ اللُّومُ فِي البَحْرِ
أَرَادُوا لِيَثْنُوا الفَيْضَ عَنْ عَادَةِ النَّدَى … وَمَنْ ذَا الَّذِي يَثْنِي السَّحَابَ عَنِ القَطْرِ
مَوَاقِعُ جُوْدِ الفَيْضِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ … مَوَاقِعُ مَاءِ الْمُزْنِ فِي البَلَدِ القَفْرِ
كَأَنَّ وُفُوْدَ الفَيْضِ حِيْنَ تَحَمَّلُوا … إِلَى الفَيْضِ أَوْفُوا عِنْدَهُ لَيْلَةَ القَدْرِ
وحكي أن الفيض بن صالح، وأحمد بن الجنيد، وجماعة من الكتاب والعمال خرجوا من دار الخليفة، فتقدم الفيض، وتلاه أحمد بن جنيد، فنضحت دابة الفيض على ثياب أحمد بن جنيد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله دابة بغيضة، ولا أدري بأي حق وجب لك التقدم علينا؟ فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء، ووجه إليه عند مصيره إلى منزله بمائة، تخت في كل تخت قميص وسراويل، ودراعه، ومبطنة، وطيلسان، وعمامة، وشاشية، وقال لرسوله: أوْجَبَ لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا الوجه به إليك عوضًا بما أفسدناه من ثيابك.
وحكي أنَّ داود كاتب زبيدة حبس وكيلًا لها على مائتي ألف درهم تأخرت لها
стр. 3485
عنده، فكتب الوكيل إلى صديقين له يسألهما في الحديث له، فركبا إلى كاتب زبيدة بسببه، فلقيا الفيض بن أبي صالح مصادفة في الطريق، فسألهما: إلى أين ركبا؟، فحدثاه بحديث الرجل، فسار معهما، وهو لا يعرف ذلك الرجل حتى أتى كاتب زبيدة فحدثوه، فكتب اليها بخبرهم، فبعثت تقول: لا سبيل إلى إطلاقه إلا أداء المال، فاعتذر إليهم، فقام الرجلان لينصرفا، فقال لهما الفيض: ويحكما من رجلين كأننا ما جئنا إلا لنؤكد حبس الرجل، لا والله ولكن نؤدي عنه المال، ثم أخذ الدواة وكتب إلى وكيله بالمال ودفع الرقعة إلى كاتب زبيدة ثم قال له: ها قد أعطيناك المال، فسلّم إلينا صاحبنا، فكتب إلى زبيدة بالخبر، فبعثت تقول: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد ما كان منه، فما برح حتى أخذ الرجل، ثم دفع إليه المال، وقال: شيء خرجت لك عنه لا أعود فيه.
ومنهم:
[١٢] عمر بن بزيع (١)
وكان من كتاب الهادي، وكان صاحب فكر غوّاص، وفهم قناص، وأدب محاضر، وجواب حاضر.
حكى مخارق أنه كان مع الهادي يومًا - وهو يتصيد - فرمى، فأصاب سبعة اطلاق، ثم رمى الثامن، فأصاب الصيد، وانقطع الوتر، فاغتم لذلك، وتطير منه، وضجر، فنزل عمر بن بزيع، فوقف بين يديه، ثم قبل الأرض، وحمد الله، فقال الهادي: أي موضع حمد هذا؟ فقال له: الحمد لله على أن كانت العين بالقوس، ولم تكن بك يا أمير المؤمنين فسّري عنه، واستحسن ابن بزيع، ووصله بجملة من المال (٢).
وكتب إلى صديق إليه يوصيه: كل مالك حِلٌّ. وإياك وسرعة المبادرة، وبطء الفكر، فذاك يورطك، وذاك يؤذيك فيه زيادة الحذر إلى ما يسخطك، والسلام.
* * *
стр. 3486
[البرامكة]
ومنهم البرامكة، وكانوا ﵏ البحور الزواخر، والغيوث السواكب، والجناب المخصب، والربيع الممرع، والجبال الشواهق، والنجوم اللوامع، والبدور الكوامل.
وكانوا أمة كرم، وملة فضل، وكعبة جود، وقبلة أمل، ومحل قصد، ومحط وفد، وصفاء صفا، ومروة مروءة، وركز لائذ، ومقام عائذ، لم يقدمهم مثلهم، ولا الأيام تظفر بنظيرهم. وقد قال ابن سعيد - وهو المتعصب للمغاربة: فأما إذا ما افتخر أهل المشرق بالبرامكة مددنا لهم الأعناق خضوعًا، وأغضينا العيون حياء، وسلّمنا إليهم وقلنا: هذا ما لا يدفع.
قلت: ولم يكن منهم صغير ولا كبير ولا خفيّ ولا سمير إلا وهو يتسامى إلى الغايات ولا يقنع إلا بالنهايات حتى قيل فيهم: [من الوافر]
إذا ما البرمكي أناف عشرًا … فهمَّتُه وزير أو أمير
وكانوا يتنافسون في الصنائع، ويتهافتون على المعروف، ويتقاسمون على العفاة/ ١٤/، ويتساهمون على الوقود، ويتسابقون الآمال، ويبادرون السؤال، ويواثبون البحر، ويطاولون السحاب، ولا يقبض لهم ندى، ولا يجف لهم جود، ولا يذوى لهم معروف، ولا يهوى لهم معلم، ولا يبلى لهم ثوب صنيع. اغتنموا للناس هبوب ريحهم - وانتهزوا لهم فرصة إمكاناتهم، وتتبعوا بمعروفهم خلل الإخوان وداووا بوجوههم سقم الزمان، لا يقنعون لمن أملهم بالقليل، ولا يرضون له باليسير، يبسطون أيديهم بالعطاء، ويتوسطون له إلى الخلفاء.
وحكي أن بعض الوزراء رأى في يد جليس له كتابًا فيه أخبار البرامكة فقال له: أقرأ علي ما في هذا الكتاب فقال له: أخبار البرامكة، فقرأ أنباء من مكارمهم، فقال له الوزير: هذا مما كَذَبَه الوراقون فقال له الرجل: فهلًا كذبوا عليكم؟! فخجل الوزير واستحيا. ولم يكن منهم إلا من يجمع المكارم، ويدبّ له البرق خجلًا من وجوه الغمائم، وكانوا كما قال فيهم ابن مناذر:
[من الطويل]
أَتَانَا بَنُو الأَمْلاكِ مِنْ آلِ بَرْمَكِ … فَيَا طِيبَ أَخْبَارٍ وَيَا حُسْنَ مَنْظَرِ
стр. 3487
إِذَا نَزَلُوا بَطْحَاءَ مَكَّةَ أَشْرَقَتْ … بيَحْيَى وَبِالفَضْلِ بْنِ يَحْيَى وَجَعْفَرِ
فَتُظْلِمُ بُغْدَادٌ وَتَجْلُو لنَا الدُّجَى … بمَكَّةَ مَا عِشْنَا ثَلَاثَةُ أَقْمُرِ
فَمَا خُلِقَتْ إِلا لِجُودٍ أَكُفُهُمْ … وأَرْجُلُهم إلا لأَعْوَادِ مِنْبَرِ
ومهما قيل في وصفهم فهم أكثر منه، ومن ذا يعد الرمل، ويحصر الحصى، وبذكرهم يتضوع الندى في كل محفل، وتتعطر الأندية في المشرق والمغرب، وما محاسن شيء كله حسن.
فمنهم:
[١٣] خالد بن برمك (١)
وهو أساس هذا البيت، ومعدن هذا الذهب، وبحر هذه الدرر، ومطلع هذه الأنجم، ومنبع هذه الأسهم، وكلّهم حذوا حذوه، ونحوا نحوه، وأشبهوا فيه أباهم فما ظلموا وعملوا منه بما علموا، وهو ممن تقدمت له الرياسة في زمان بني
стр. 3488
مروان، ويقال: انه ولي على زمان عبد الملك شيئًا من أمور الديوان ثم كان له في الشيعة الهاشمية مكان منيف.
وكان له على عهد السفاح سعد مقبل.
وكان ثمامة يقول: «كان أصحابنا يقولون لم تكن ترى عين لجليس خالد دارا، إلا خالد بناها له، ولا ضيعة إلا خالد ابتاعها له، ولا ولدًا إلا وخالد ابتاع له أمة إن كانت أمه، ولا حرَّة إلا وخالد مهرها عنه، ولا دابة إلا وخالد حمله عليها، أو من نتاج دابة حمله عليها».
وكان أبو حبيش النميري عند خالد بن برمك في يوم نيروز، وهو على فارس، قد جاءته هدايا فيها جامات ذهب وفضة فأنشده: [الخفيف]
لَيْتَ شِعْرِي أَمَا لَنَا فِيْكِ حَظٌّ … يَا هَدَايَا الأَمِيرِ فِي النَّيْرُونِ
مَا عَلَى خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ فِي الجُوْ … دِ نَوَالٌ يُنِيلُهُ بِعَزِيزِ
لَيْتَ لِي جَامَ فِضَّةٍ فِي هَدَايَا … هُ سِوَى مَا بِهِ الأَمِيرُ مُجِيْزِي
إِنَّما أَبْتَغِيْهِ لِلْعِسَلِ المَمْـ … زُوْجِ بِالمَاءِ أَوْ لِشُرْبِ العَجُوْزِ
فأمر له بما كان بين يديه من جامات الفضة، فبلغت أربعمائة ألف درهم الذي لا يعدله في السرد وواحدهم القيام مقام الكل ولا مردا برأ من مناقبه بما كثر. وحصلوا من فرصة على ما انتهى بك المجد وبناه، وإذا الحمد كان كل ناطق إنما غناه ذو الحلم إلا أنه الذي لا يجنح، وربّ العلم إلا أنه الذي لا يبرح، وأخو الذكاء إلا أنه الذي في زيادة لا يقدح. نطق بالحكمة في مقاله، ونعق غراب البين في ماله، وكرم شمائل،
стр. 3489
وعظم أثر إلا معلقًا نجاد سيفه بحمائل.
وكان قد استوزره المهدي لابنه هارون الرشيد فكان يقوم بأمره. فلما صارت الخلافة إلى الهادي، أراد خلع أخيه الرشيد والعهد إلى ابنه جعفر، فدعا بيحيى، فلما وصل إليه أكرمه ورفق به وقال له: أنت الذي يقول فيك القائل: [من الخفيف]
لَوْ يَمَسُّ البَخِيْلُ رَاحَةَ يَحْيَى … لَسَخَتْ كفُّهُ بِبَذْلِ النَّوَالِ
لَسْتُ يَحْيَى مُصَافِحًَا حِيْنَ أَلْقَى … إِنَّنِي إِنْ فَعَلْتُ أَتْلَفْتُ مَالِي
فقال له: تلك راحتك يا أمير المؤمنين وقبل يده ورجله فأمر له بإقطاع مصر، ووجه له بعشرين ألف دينار، ثم ناظره في خلع هارون، فقال له يا أمير المؤمنين: إنَّك إن حملت الناس على نكث الإيمان، هانت عليهم أيمانهم وجرأتهم على حل العقود التي تعهد عليهم، ولو تركت الأمر على بيعة أخيك بحاله، وبويع بحضرته من بعده، لكان أوكد لبيعته! فقال له: صدقت ونصحت، وأنا أنظر في هذا، ثم صرفه: ثم لم تطب نفسه، ودعا بيحيى فحبسه، فتلطف لأن يدعو به ويخليه، ففعل به ذلك، فلما خلا به قال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان ما نعوذ بالله منه قبل بلوغ جعفر، وقد خلعت هارون هل تتم الخلافة لمن لم يبلغ الحلم؟ قال: لا. قال: فدع هارون حتى نبايعه عفوًا فالله الله يا أمير المؤمنين، فإنَّك إن فعلت هذا وحدث ما نعوذ بالله منه وثب على هذا الأمر أكابر أهلك وخرج الأمر عن ولد أبيك. ووالله لو لم يكتب المهدي عقدًا لهارون لوجب أن تعقد له، ليكون الأمر في بني أبيك، فسكن منه بهذا الأمر وأطلقه (١).
وحكي أن خالد بن برمك لما انصرف من فارس قصد باب المهدي ومعه ابنه يحيى، والحاجب إذ ذاك معاذ بن مسلم، فسلم خالد على معاذ فصافحه، ثم مد مد يحيى يده إليه ليصافحه فقبض معاذ يده، فقال له خالد: لم قبضت يدك يا أبا الحسن عن ابن أخيك؟ فقال: أكره أن أتلف مالي! أليس قال أبو حبيش: [من الخفيف]
«لست يحيى مصافحًا حين ألقى»
البيت المقدم ذكره.
ولما صار الأمر إلى الرشيد، كانت الدواوين كلّها إلى يحيى بن خالد مع الوزارة، خلا ديوان الخاتم، فإنه كان إلى أبي العباس الطوسي، ثم ولاه جعفر بن محمد بن الأشعث، ثم دفع الخاتم إلى يحيى بن خالد، فقلّده الفضل ابنه، ثم أحب
стр. 3490
الرشيد تقليد جعفر بن يحيى الخاتم فقال ليحيى: «إنني أريد أن أوقع بها توقيعًا لا يجري مجرى العزل للفضل، فكتب عنه يحيى: إن أمير المؤمنين رأى أن ينقل خاتم الخلاف من يمينك إلى شمالك».
وكان الرسم في الكتب الذي ينفذ من ديوان الخراج أن يكون باسم الخليفة، فلما ولي يحيى بن خالد صارت باسمه.
وقلد اسماعيل بن صبيح ديوان السر. ولما قلّد هارون الخلافة دعا بيحيى بن خالد، وكان يخاطبه بالأبوة - وعلى ذلك أجراه في خلافته - وقال له: يا أبت أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك، وحسن تدبيرك، وقد قلّدتك أمر الرعية،، أخرجته من عنقي إليك، فاحكم بما ترى، واستعمل من رأيت، واسقط من رأيت، فإني غير ناظر في شيء معك، وكان يحيى والفضل وجعفر ينظرون في أمور المسلمين وحوائجهم، لا يحجب أحد عنهم، ولا يلقى لهم ستر، ويجلسون في كل يوم لا يركبون فيه، جلوسًا عامًا إلى انتصاف النهار. وفي هارون ويحيى يقول إبراهيم الموصلي: [من الطويل]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمس كانت سقيمةً … فلمَّا وَلِي هارونُ أَسْفَرَ نورُها
بيمن يمين الله هارون ذي النَّدَى … فهارونُ وَاليها ويحيى وزيرها
فأمر يحيى بن خالد يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب، فأنشأ الكتب إلى العمال بالولاية للخليفة الرشيد، وإقرارهم على أعمالهم، فكتب في ذلك كتبًا مشهورة أجادها.
وقام يحيى بالأمور، وكان يعرض على الخيزران ويورد ويصدر عن أمرها.
ونظر يحيى في أمور السجن فأطلق بشرًا كثيرًا، فاحتفر القاطول فاستخرج نهرًا سماه أبا الجند، وأنفق عليه عشرين ألف درهم، وأقطع سدنة الكعبة على ذلك النهر لكل رجل مائة وعشرون جريبًا، وأخرج توقيعه إلى الديوان بإثبات كل من بلغ الحلم من أهل خراسان بغير أمر محدود.
وكان يحيى أوَّل من أقرَّ من الوزراء، وكان أول من زاد في الكتب: «وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ ».
وأنشأ في ذلك كتابًا في ذكر فضل الأنبياء ﵈، واختصاص نبينا ﷺ من بينهم بالتفضيل والكرامة، وإضافته اسمه ﵇ إلى اسمه في الصلوات والأذان وأمر الله تعالى العباد بالصلاة عليه، وذكره في خطب أعيادهم ومفترض صلواتهم التي هي قوام دينهم ورؤوس أعمالهم، وأنه أحب أن يستن بما سنه
стр. 3491
الله ورسوله ﷺ بأن [يُصدر] في كتبه مقرونًا بحمد الله تعالى وذكره، وكان ذلك في سنة ثمانين ومائة، وكان الرشيد ساخطًا على إبراهيم بن ذكوان الحراني، فأمر بحبسه وقبض أمواله، فحبسه يحيى عنده في داره وكفه عنه. ولم يزل يتلطف له إلى أن استكتبه لمحمد بن سليمان بن أبي جعفر، وكان يلي البصرة فأشخصه معه.
وأمرت الخيزران أن يُقتل من كان يتسرع إلى خلع الرشيد ودعا ببيعة جعفر بن موسى الهادي، فقال يحيى: أوخير من ذلك؟ فقالت: وما هو؟ قال: نرمي بهم نحور الأعداء فإن دفعوا عن أنفسهم، كان لهم عنا شغل، وإن أصابهم العدو كنت قد استرحت منهم! فأمن له في ذلك، فتخلص القوم جمعًا. وفي يحيى يقول مروان بن أبي حفصة هذا: [من الطويل]
إذا بَلَغَتْنَا العِيْسُ يحيى بن خالدٍ … أَخَذْنَا بِحَبْلِ اليُسْرِ وَانقَطَعَ العُسْرُ
سَمَتْ نَحْوَهُ الأَبْصَارُ منَّا ودُونَهُ … مَفَاوِزَ تَغْتَالُ النِّيَاقَ بِهَا السَّفْرُ
فَإِنْ نَشْكُرِ النُّعْمَى الَّتِي عَمَّنا بِها … فَحَقَّ عليْنَا مَا بَقَيْنَا له الشُّكْرُ
وفيه يقول أبو قابوس [عمر بن سليمان الحيري]: [من البسيط]
رَأَيْتُ يحيى أَتَمَّ الله نِعْمَتَهُ … عليهِ يأتي الذي لم يأته أحد
يَنْسَى الذي كانَ مَنْ مَعْرُوفِهِ أبدًا … إلى الرجال ولا يَنْسَى الذي يَعِدُ (١)
وكان يحيى أحسن إلى روح بن معمر المطلي، ويكنى أبا وائل حتى خص به، فقال روح: [من السريع]
قَرَّبَني يحيى إلى نفسه … وليس لي منه مَكانٌ قَرِيبٌ
فقلتُ للنَّفس صلي شُكْرَهُ … بالشَّكْرِ للهِ فَنِعْمَ المُجيب
فلما سمعها قال: والله لأصلنَّ بِرَّك كما وصل لي شكرك! ثم أضعف ما كان يجريه عليه.
وكان يحيى يقول لولده: لا بد لكم من كتاب وعمال وأعوان، فاستعينوا بالأشراف، وإياكم وسفلة الناس، فإن النعمة على الأشراف أبقى، [وهي] بهم أحسن، والمعروف عندهم أشهر، والشكر منهم أكثر (٢).
وكان ليحيى ابن يقال له: إبراهيم، وكان جميلًا يُقال له لجماله: دينار آل برمك، فتوفى وسنه تسع عشرة سنة، ويحيى غائب في بعض أسفاره، فصلى عليه عبد
стр. 3492
الصمد بن علي، ووجد عليه يحيى، فاغتم به فقال أبو المنذر العروضي يرثيه: [من الخفيف]
ما ترى حاملوه حين أقلُّوا … نَعْشَهُ للواء أو للقاء
فليقل فيك باكياتُكَ ما شِئْـ … ــنَ صباحًا وعند كل مَسَاءِ
لا يُعنّفْنَ في المقال ولكن … مُسعدات بذاك غير خفاء
كل حيّ رهنُ المنون ولكنْ … ليْسَ مَنْ ماتَ منْهمُ بِسَواءِ
وكان يحيى أحضر مؤدّب ابنه هذا، ومن كان ضم إليه من كتابه وأصحابه، فقال ما حال إبراهيم؟ قالوا: قد بلغ من الأدب كذا، ونظر في كذا! قال: ليس عن هذا سألت إنَّما سألت: هل اتَّخذتم له في أعناق الرجال مننًا، وحببتموه إلى الناس؟ قالوا: لا.
فقال: فبئس العشراء والأصحاب أنتم، وهو إلى هذا أحوج منه إلى ما فعلتم.
وتقدم بحمل خمسمائة ألف درهم وأمر بتفريقها عنه (١). وفي ذلك يقول سلم الخاسر من قصيدة: [من مجزوء الكامل]
وفتى خَلًا من مالِه … وَمِنَ المُروءَةِ غَيْرُ خَالِي
أعطاك قبلَ سُؤالِهِ … فَكَفاكَ مَكْرُوهَ السُّؤال
وكتب خالد إلى يحيى المتولي على أذربيجان إلى يحيى بن خالد بن برمك: أما بعد: «فما حقوقًا قد منعت وأموالًا قد تحيفت، فان رسمت ببيع ذلك وكشفه، بلغ ما يوفي على خراجها. فلما وقف يحيى بن برمك على الرقعة كتب في ظاهرها: وقفنا على هذه الرقعة المذمومة، وسوق السعاة عندنا بحمد الله كاسدة، وألسنتهم لدينا معقولة، وما بعثناك إلى الناحية لتحيي العظام النخرة، وإلا لتبيع الآثار المذمومة، فخذ الناس على قانونهم، وطالبهم بما في ديوانك، ودع التكشف والتتبع، فهذه مدة تمضي، وأيام تنقضي، فإنه ذكر جميل، أو حزن طويل، وحسبي وحسبك قول جرير: [من الوافر]
وكنت إذا نزلت بدار قوم … رحلت بخزية وتركت عارا
وعن إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عن أبيه قال: كتب إليَّ وكيلي أنَّ الضيعة الفلانية، وكانت تجاور ضيعتي، قد انقطع أمرها عن أربعة آلاف دينار، وقد سألت صاحبها الانتظار عليَّ إلى ورود جواب كتابي، فإن أنت وجهت المال، وإلا خرجت الضيعة من يدك، وورد عليَّ الكتاب في الليلة التي صبحتها نوبتي في بيتي، وكانت نوبة يحيى بن خالد في بيته، إلا أنه كانت عادتي إلا أبرح في ذلك اليوم من
стр. 3493
بيتي، فورد عليَّ ما أسهرني، لأنَّ المال لم يكن عندي، ولم اكن أقدر على احتياله في ذلك الوقت القريب، فضربت الأمر ظهرًا لبطن، فلم أجد غير يحيى بن خالد، فبكرت إليه، فاستأذن لي بالحاجب، فدخلت وفي يده المسواك، فلما رآني، سر وابتهج، وقال: أحسنت والله أحسنت اليوم نوبتي ونوبتك، فنأخذ في أمرنا ولا ندخل معنا غيرنا! فقلت له: يا سيدي الحمد لله الذي وفقني لمحبتكِ، ولكني والله بكرت لغير ذلك، قال: وما هو؟ قلت كتب إليَّ وكيلي البارحة بكذا وكذا، ووالله لا أقدر على المال، ولم أجد من أفزع إليه غيرك، فبكرت أسألك استلافه لي من بعض المعاملين لترده تحت يدك من رزقي، قال: دعنا الآن من هذا، ودع وهات يا غلام ما حضر، فجيء بالطعام وأكلنا، وأنا كأني أكل لحمي، ثم رفع وجيء بالشراب، وأنا في فكري، فلما كان وقت العصر، وقد أيست، وعلمت أنَّ الحيلة قد قلت، وأني أحتاج أن أحضر غدًا الدار، قال: يا إبراهيم عندك صبية تغنّي؟ قلت: لا والله يا سيدي. قال: ولا لبعض الجواري والأهل؟ فقلت لا. ثم ذكرت صبية لبعض أمهات أولادي ما وضعت يدها على العود إلا أنَّها مطبوعة ولها حُلَيْقٌ، فقلت: صبية ريض، وليست بشيء! قال: لا تبال يبكر إليك من يطلبها منك وإياك أن تقصر عن مائة ألف دينار! قلت: يا سيدي إنما قيمتها مائة دينار! قال: لو أنها تساوي درهما لا تنقصها من ماية ألف دينار، وإياك أن تنقص من ذلك شيئًا! فقلت في نفسي: هذا رجل قد غلب عليه النبيذ، ولم يكن بحاجتي عنده موضع، فهو يسخر مني، فانصرفت مكروبًا، وغلب علي السهر إلى وقت السحر، فهومت قليلًا، ثم قمت للصلاة، وقد كنت استظهرت بأن ابتعت الصبية عند منصرفي من مولاتها/ ٢١/ بمائتي دينار، وقلت هو ذا أنا أنام، فكل من جاء أصرفه عني، إلا أن يجيء رجل من صفته كذا وكذا. قال: وكان يحيى وصفه لي فأنبهني، ويئست من الضيعة، وأخرجتها من قلبي، فما طلعت الشمس جيدًا حتى أنبهني الغلام. قال: قد جاء الرجل فأذنت له، فطلب الصبية، فأخرجتها، وسامني، فاستمت مائة ألف دينار، فاستكثر ذلك مني وأعطاني ثلاثين ألفًا، وأنا لست أصدق، ثم لم يزل يزيدني حتى بلغ خمسين ألفًا. فقلت: أحضر المال؟ فقال: هاهو! وحمله إليَّ وتسلم الجارية، فحلّلت من المال أربعة آلاف دينار، ووجهت بها إلى الوكيل، وتركته على جملته، وقلت: لا بد للرجل من أن يرجع يسترده ويردّ الجارية، ولكن نحصل ثمن الضيعة، ويقع النظر فيه. وركبت إلى دار السلطان فأقمت إلى الليل، وانصرفت. وسألت عن الرجل، فقيل لي: لم يرجع، فحمدت الله، وبت وبكرت إلى يحيى، فشكرته. فلما رآني قال: هات حديثك، فحدثته فقال:
стр. 3494
إنا لله، أي شيء عملت؟ ذهبت منك خمسون ألف دينار، ثم أشار إلى الغلام، بشيء فمضي وجاء ومعه الجارية، فقال: تعرف هذه؟ قلت: نعم يا سيدي هذه التي من الله بك عليَّ بها في أمرها، خذها وهو ذا يجيئك من يطلبها، فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فأخذت بيدها وجاءني من يطلبها فبعتها منه بثلاثين ألف دينار، وعدت إلى يحيى، فسألني وخبرته فلامني أيضا، فشكرته وقلت: استحييت من الله أن آخذ أكثر من هذا، فأخرج الجارية ومعها كسوة وطيب بألوف دنانير، وقال: قد تبركت لك بها، فالآن خذها لنفسك، ففعلت فهي والله أم طياب ابني. قال: فقلت له: ما قصة هؤلاء مع هذه الجارية؟ فقال:
ويحك! أما الأول، فخليفة صاحب مصر، وهو مقيم على بابي منذ سنة يسألني، فسألته حاجة بمائة ألف دينار، وأنا لا أسأله، فلما شكوت إليَّ ما شكوت، فقلت له: صبية عند إبراهيم، فاشترها لي ولو ثبت على مائة ألف لوزنها لك، ولكنك ضيعت. وأما الثاني، فخليفة صاحب، فارس، وقصته قصة الأول، فدعوت له وشكرته وانصرفت (١).
وعرض ليحيى رجل من أهل الشام من بني أمية، فترجل له، فرأى شيخًا وسيمًا له رواء وهيبة، فلما عاد إلى مجلسه دعا به وسأله عن سببه، فأخبر أنه رجل من بني أمية وأنَّ مسألته التي إليها يقصد وصوله إلى أمير المؤمنين! فقال له يحيى: الصدق أولى بي، وأمير المؤمنين يستثقل هذا النسب، فانظر ما تلتمسه، فإن تكن مظلمة رددتها، وإن تكن صلة بذلتها، وما بين ذلك من الحوائج فغير معتذر إليك في شيء منها.
فقال: الذي سألت ما سمعت أيها الوزير، وإني لأعلم أنكم يا آل برمك معادن الخير، فإن سهل أن تذكرني له فعلت، وإنْ ردَّ، فقد قضيت أيها الوزير ما عليك، وأوجبت عليَّ شُكْرَك، آخر الليالي الغوابر. فذَكَرَهُ يحيى للرشيد، وخبره بما دار بينهما. فأمره بإيصاله إليه، فلما وقعت عين الأموي عليه استأذن في الكلام، فأذن له فتكلم وأحسن وأبلغ، ثم أنشد يقول: [من الرمل]
يا أَمِينَ اللهِ إِنِّي قَائِلٌ … قولَ ذِي رأي ودين وَحَسَبْ
لَكُمُ الفضل علينا ولنا … بِكُمُ الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يَتْلُو هاشمًا … وهما بعد لأم ولأب
فَصِلُوا الأَرْحَامَ مِنَّا إِنَّما … عبدُ شَمْس عم عبد المطلب
فأحسن الرد عليه، وأسنى صلته، ووصله يحيى أيضًا، وأجرى له رزقًا في بلده، ورده إليه (٢).
стр. 3495
ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالديلم، وقوي أمره فشق على الرشيد ذلك، واهتم همًا شديدًا، فاستشار يحيى بن خالد، فأشار بتجهيز ابنه الفضل، فأنهض إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفًا، وأنهض معه وجوه القواد، وولاه كور الجبل في سنة ست وسبعين ومائة ٧٩٢ م.
ففيه يقول أبو قابوس الحيري: [من الطويل]
رأى الله تفضيل ابن يحيى بن خالد … ففضَّلَهُ والله بالنَّاسِ أَعْلَمُ
له يومُ بُؤْسٍ فِيْهِ للنَّاسِ أَبْؤُسٌ … ويوم نعيم فيه للنَّاسِ أنْعُمُ
فيمطر يوم الجود من كفِّهِ الغِنَى … ويمطر يوم البؤس من كفه الدَّمُ
فجعل الفضل محمد بن منصور بن زياد خليفته بباب الرشيد ومضى نحو الديلم، وواصل كتبه إلى يحيى بن عبد الله ورسله، بالرفق والاستمالة والتحذير والترغيب والترهيب، وبسط الأمل إلى أن أجاب يحيى إلى الصلح والخروج على أمان، وأخذ له بخط الرشيد أمانًا أنفذ نسخته إلى الفضل، فكتب بذلك إلى الرشيد فسره وحَسُنَ موقعه منه، وكتب الأمان ليحيى، وأشهد على نفسه القضاة والعدول، فأنفذه إلى الفضل. وقدم عليه يحيى بن عبد الله، فقدم به إلى الرشيد معه، فلقيه بكل ما أحب، وأسنى جائزته، وأكثر بره وعطاءه، وأنزله منزلًا سَريًَّا، وبر الفضل بن يحيى، وشكر فعله في ذلك (١).
وفيه يقول مروان بن أبي حفصة (٢): [من الطويل]
стр. 3496
ظَفِرْتَ فلا شلَّتْ يد برمكيَّةٌ … رَتقْتَ بها الفتق الذي بَيْنَ هَاشِمِ
على حين أعيَا الرَّائِقِينَ التِنَامُهُ … فكفُّوا وقالوا: ليس بالمتلاءمِ
فأَصْبَحْتَ قَدْ فَازَتْ يَدَاكَ بِخُطَّةٍ … من المجد باق ذكرها في المياسم
وَمَا زَالَ قِدْحُ المَجْدِ يَخْرُجُ فائزًا … لَكُمْ كُلَّمَا ضُمَّتْ قِدَاحُ المُسَاهِم (١)
وفيه يقول أبو ثمامة الخطيب: [من الطويل]
سَعَى النَّاسُ في إصلاح ما بين هاشم … فأعياهم الرتْقُ الذي رَتَقَ الفضل
كأنَّ بني العباس في ذاتِ بينهم … وآل عليّ لم يكن بينهم ذَحْلُ
[١٤] الفضل بن يحيى (٢)
وكان هو الجواد السمح، الملآن الجواد بالمنح، يتستر الغيث منه خجلًا بغمامه، ويتطاول النجد ليعد من فيض أنعامه، مع فرط تيه وتكبر على ما يأتيه.
стр. 3497
يقول مروان بن أبي حفصة (١): [من الطويل]
ألَمْ تَرَ أَنَّ الجُودَ مِنْ لَدْنِ آدَم … تَحَدَّرَ حتى صار في راحة الفَضْلِ
إذا ما أبو العباس راحَتْ سَمَاؤُهُ … فيَا لَكَ مِنْ هَضْلٍ وَيَا لَكَ من وَبْلِ
وقال فيه أيضًا (٢): [من الطويل]
إذا أُمُّ طِفْلِ راعَهَا جُوعُ طِفْلِهَا … غَذَتْهُ بذكرِ الفَضْلِ فَاسْتَطْعَمَ الطَّفْلُ
لِيَحْيَا بِكَ الإسْلامُ إِنَّكَ عُروَةٌ … وإِنَّكَ مِنْ قَوْمٍ صَغِيْرُهُمُ كَهْلُ
فوصله بمائة ألف درهم، وحمله وكساه، ووهب له جارية يقال لها «طيفور» كاسية خالية، فقيل إنه حصل له سبعمائة ألف درهم ما بين وَرِقٍ وعُرُوض.
стр. 3498
ومدح أبو نواس الفضل بن يحيى في عدة قصائد طوال أجاد فيها فمنها
التي أولها (١): [من الطويل]
أرَبْعَ البِلَى إِنَّ الخَشُوعَ لَبادِ … عليكَ وإِنِّي لَمْ أَخُنْكَ وَدَادِي
وفيها يقول:
رأيْتُ لِفَضْلٍ في السَّمَاحَةِ هِمَّةً … أَطَالَتْ لَعَمْرِي غَيْظَ كلِّ جَوَادِ
تَرَى النَّاسَ أَفوَاجًَا إلى بَابِ دَارِهِ … كَأَنَّهُمُ رِجْلا دَبِّي وَجَرَادِ
فيوم لا يخافُ الفقير ندى الغنى … ويوم رقابٍ بُوكِرَتْ لِحِصَادِ
سلام على الدُّنْيا إذا ما فقدْتُمُ … بني بَرْمَكَ من رَائِحِينَ وغَادِ
بفَضْلِ بن يحيى أشرقتْ سَبُلُ الهدى … وآمَنَ رَبِّي خوف كلِّ بِلادِ
ومنها قصيدة أولها (٢): [من الطويل]
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد … هواكِ لعلَّ الفَضْلَ يَجْمَعُ بينَنَا
وللفضل صولات على صلب ماله … تَرى المالَ فيها بالمَهانَةُ مُذْعِنا
وللفَضْل حِصْنٌ في يديه مُحَصَّنٌ … إذا لَبِسَ الدَّرْعَ الحَصِينَةِ وَاكْتَنَى
نَفَرْنا فَكَمْ حط البَرَامِكَ مَعْدَنًَا … من الجود إذ لَمْ نَلْقَ للجُودِ مَعْدِنَا
وفيه يقول إبراهيم بن إسحق الموصلي (٣): [من البسيط]
لَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ الفَضْلِ مَعْرِفَةٌ … فضل بن يَحْيَى، لأعداني على الزَّمَنِ
هو الفتى الماجد الميمُونُ طائرُه … والمشتري الحمد بالغَالِي مِنَ الثَّمَنِ
ذا يصلح للفرسان، فذكر له أمر المال، فقال له: أما لك بيتٌ يَسَعُهُ؟ ثم خلاله.
ولما وصل الفضل إلى خراسان، حين ولاه الرشيد أمرها، بسط بساط العدل، وأزال سيرة الجور وبنى الحياض والمساجد والرباطات، وأحرق دفاتر البواقي، وزاد الجند عشر مئات والقواد خمسينيات، ووصل الرواد والقواد والكتاب بعشرة آلاف درهم، وأمر بهدم بيت النوبهار، فلم يقدر على هدمه لشدة وثاقته، وعظم المؤونة فيه، فهدم منه قطعة وبنى فيها مسجدًا، واستخلف عمر بن جميل على خراسان، ثم انصرف إلى العراق، فتلقاه الرشيد ببستان أبي جعفر، وأمر الشعراء بمدحه والخطباء بذكر فضله، وكان قد شخص مع الفضل إبراهيم بن جبريل على شرطه، فوجهه إلى كابل ففتحها، وأفاد مالًا عظيمًا، ثم ولاه سجستان، ووصل إليه تسعة آلاف ألف
стр. 3499
درهم، وحصل في يده من خراجها أربعة آلاف ألف درهم، فلما انصرف الفضل إلى العراق، لحق به إبراهيم بن جبريل، وبنى داره، وسأل الفضل أن يزوره، ليريه نعمته عليه، وأحضر المال، فلما حضر الفضل عرض عليه تحفا وهدايا جليلة، وذكر له حال المال، فأبى أن يقبل منه شيئا، وقال له: لم آتك، لأسلبك النعمة! فقال له: أيها الوزير، نعمتك علي ظاهرة، ولك عندي مزيد، ولم يزل يسأله أن يكرمه بقبول شيء منه، فقبل سوطا سجزيا، وقال هذا يصلح للفرسان، فذكر له أمر المال، فقال له: أما لك بيت يسعه؟ ثم خلاه وانصرف (١).
وكان أبو الهول الحميري هجا الفضل بن يحيى، ثم أتاه راغبا فيما بعد إليه، فقال له الفضل: بأي وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقى الله به، وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، فضحك ووصله (٢).
وذكر محمد بن الحسن بن مصعب: أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان، فرق بينهم أموالا، وأخذ البيعة بالعهد لمحمد بن الرشيد، وسماه الأمين، فبايع له الناس (٣).
وفي ذلك يقول فيه منصور النمري (٤):
ما كنت أوفي شبابي كنه غرته … حتى انقضى، فإذا الدنيا له تبع!
стр. 3500
أمستْ بمرو على التوفيق قد صَفَقَت … على يد الفضل أيدي العجمِ والعَرَبِ
ببيعة لولي العهد أحْكَمَهَا … بِالنُّصْح منه وبالإشفاق وَالحَدَبِ
قَدْ وَكَدَ الفضل عقدًا لا انتقاض لَهُ … لمصطفى من بني العباسِ مُنْتَخَبٍ (١)
فأجازه بثلاثمائة ألف درهم.
وكان الفضل بن يحيى لا يشرب النبيذ ويقول: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما ذقته أبدًا (٢).
وقد حكى عبد الملك بن مروان مثل هذا الكلام في مصعب بن الزبير؛ لأنه وصفه وفضله وقال في كلامه: كانت عنده عقيلتا قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، ثم هو أكثر الناس مالًا جعلت إليه الإمارة، وضمنت أن أوليه العراق، وقد علم أني سأفي له لصداقة كانت بيني وبينه، فأبى وحمى أنفًا وقاتل حتى قتل، فقال له بعض من حضره: إنه كان يصيب الشراب. فقال: ذاك قبل أن يطلب المروءة، فأما مذ طلبها فلو ظَنَّ أنَّ الماء ينقص من مروءته ما ذاقه.
وركب الفضل بن يحيى يومًا من منزله بالخلد يريد منزله بباب الشَّمَّاسِيَّة، فتلقاه فتى من الأبناء ومعه جماعة من الناس ركبان قد تحمَّلُوا لإملاكه، فلما رآه الفتى نزل وقبل يديه، ولم يعرفه، فسأل عنه، فعرّف به فسأل عن مبلغ الصداق، فعرف أنه أربعة آلاف درهم للنفقة على وليمة، فقال الفضل لقهرمانه: أعطه أربعة آلاف درهم ثمن منزل ينزله، وأربعة آلاف درهم للنفقة على وليمته، وأربعة آلاف درهم يستعين بها على العقد الذي عقده على نفسه (٣) ..
وكان محمد بن إبراهيم الإمام قد ركبه دين، فركب إلى الفضل بن يحيى ومعه حق فيه جوهر، وقال: قصرت بنا غلاتنا، وأغفل أمرنا خليفتنا، وتزايدت مؤونتنا، ولزمنا دين احتجنا لأدائه ألف ألف درهم، وكرهت بذل وجهي للناس، وإزالة عرضي لهم، ولك من يعطيك منهم، ومعي رهن ثقة بذلك، فان رأيت أن تأمر بعضهم بقبضه، وحمل المال إلينا. فدعا الفضل بالحق فرأى ما فيه، وختمه بخاتم محمد بن إبراهيم الإمام، ثم قال: نُجْحُ الحاجة أن تُقيم في منزلك عندنا اليوم، فقال له: إنَّ في المقام
стр. 3501
علي مشقّة، فقال: وما يشق عليك من ذلك؟ إن رأيت أن تلبس شيئًا من ثيابنا دعوت به، وإلا أمرت بإحضار ثياب من منزلك، فأقام، ونهض الفضل، فدعا بوكيله، وأمر له بحمل المال، وتسليمه إلى خادم محمد بن إبراهيم، وتسليم الحق الذي فيه الجوهر إليه بخاتمه، وأخذ خطه بذلك، ففعل الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده إلى المغرب، وليس عنده شيء من الخبر. ثم انصرف إلى منزله فرأى المال وأحضر الخادم الحق، فغدا على الفضل يشكره فوجده قد سبقه في الركوب إلى دار الرشيد، فوقف ينتظره، فقيل له: خرج من الباب الآخر، قاصدًا منزله، فانصرف عنه، فلما وصل إلى منزله أنفذ إليه/ ٢٧/ الفضل ألف ألف درهم، فغدا عليه فشكره وأطال، فأعلمه أنه بات ليلته، وقد طالت عليه غمًا بما شكاه، إلى أن لقي الرشيد فأعلمه حاله، فأمره بالتقدير له، ولم يزل يعاكسه حتى تقرر الحال معه على ألف ألف درهم، وإنه ذكر أنه لم يصلك بمثلها قط، ولا زادك عن عشرين ألف درهم، فشكرته وسألته أن يصك بها صكًا بخطه، ويجعلني الرسول، فقال له محمد: صدق أمير المؤمنين، أنه لم يصلني قط بأكثر من عشرين ألف دينار، إنَّما تهيأ بك، ولك وعلى يدك، وما أقدر على شيء أقضي به حقك، ولا شكرًا أؤدي به معروفك، غير أن «عليَّ وعلي أيمانًا مؤكدة، إن وقفت بباب أحد سواك أبدًا، ولا سألت غيرك حاجة أبدًا، ولو استفيتُ التراب، فكان بعد ذلك لا يركب إلى غير الفضل، إلى أن حدث من أمرهم ما حدث، فصار لا يركب إلى غير دار الخليفة، ويعود إلى منزله، فعوتب بعد تقضي أيامهم في إتيان الفضل بن الربيع، فقال: والله لو عُمِّرتُ ألف عام، ثم مصصْتُ الثماد، ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحيى، ولا سألتُ أحدًا بعده حاجة حتى ألقى الله تعالى، فلم يزل على ذلك إلى أن مات» (١).
قال عبد الله بن ياسين: حدثني أبي قال: كنا عند الفضل بن يحيى فخضنا في الشعر، فإذا هو أروى الناس له، وأجودهم طبعًا فيه، فقلت له: أصلحك الله لو قلت شيئًا من الشعر، فإنَّه يزيد في الذكر، وينبه. قال: هيهات شيطان الشعر أخبث من أن أسلطه على عقلي (٢).
قال أبو النجم القائد أحد الدعاة، قلت لإبراهيم الموصلي: صف لي ولد يحيى. فقال لي: أما الفضل فيرضيك بفعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل دون ما يجد، وأما موسى فيفعل بحسب ما يجده، فيفعل ما لا يجد (٣)
стр. 3502
وكان يكتب ليحيى بن خالد عبد الله بن سوار بن ميمون فقال: فدعاني يحيى يومًا فقال: اجلس فاكتب. فقلت: ليس معي دواة فقال: رأيت صاحب صناعة تفارقه آلته! وأغلظ في حرف أراد به حضّي على الأدب، ثم دعا بدواة، فكتبت بين يديه كتابًا إلى الفضل في شيء من أموره، فظن أني متثاقل عن الكتابة بسبب تلك المخاطبة، وأراد إزالة ذلك فقال لي: عليك دين؟ فقلت: نعم. قال: كم هو؟ قال: قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فأخذ الكتاب ووقع بخطه: [من الطويل]
وكلكم قد نال شبعًا لبطنه … وشِبْعُ الفتى لؤم إذا جاع صاحبة إن عبد الله ذكر أن عليه دينًا يخرجه منه ثلاثمائة ألف درهم، فَقَبْلَ أن تضع كتابي هذا من يديك، فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله من أخص مال قِبَلَكَ، إن شاء الله تعالى. قال: فحملها لي الفضل وما أعلم لها سببًا غير تلك الكلمة (١) ..
ودخل محمد بن زيدان على الفضل بن يحيى، فقال له الفضل، من الذي يقول: [من الطويل]
سأرسل بيتًا قد وسمتُ جبينَهُ … يُقطِّعُ أعناق البيوتِ الشَّوَارِدِ
أقامَ النَّدى والجُودُ في كل منزلٍ … أَقَامَ به الفضل بن يحيى بن خالد
فقال: سلم الخاسر، فقال: لا تسمه خاسرًا، وسمه سلمًا الرابح، وأمر له بألف دينار.
ثم غلب سلم على الفضل بن يحيي، وكثرت مدائحه إياه، وعظم إحسان الفضل إليه (٢).
وكان يحيى بن خالد يقول: «الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون» (٣).
وكان يقول: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة (٤).
ومنهم:
[١٥] جعفر بن يحيى (٥)
وكان الرشيد يسمي جعفرًا أخي، ويدخله معه في ثوبه، وقلده بريد الآفاق ودور
الضرب والطرز في جميع الكور.
وكان جعفر بليغًا كاتبًا، وكان إذا وقع، نسخت توقيعاته، وتدورست بلاغاته.
حكى علي بن عيسى بن يزد انيروز أنه جلس للمظالم، فوقع في ألف قصة ونيف، ثم أخرجت ففرّقت على العمال والقضاة، وكتاب الدواوين، فما وجد شيء منها ينكر، ولا شيء يخالف الحق، قال علي: «فحدثت بهذا الحديث إسحاق بن إبراهيم، فقال: حدثني عمرو بن مسعدة بهذا الحديث».
قال ثمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، وقد جمع الجد والهزل، والجزالة والحلاوة، وافهامًا يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني عن الإشارة، لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة.
وقال ثمامة [بن أشرس]: ما رأيت أحدًا قط كان يتحبَّس، ولا يتوقف، ولا يتلجلج، ولا يرتقب لفظًا استدعاه من تعذر، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعاصى عليه بعد طلبه إلا جعفر بن يحيى.
وفيه تقول عنان جارية الناطفي (١):
стр. 3505
بَدِيهتُهُ وفكرتُهُ سواءٌ … إِذا الْتَبَسَتْ على الناس الأمور
وصدر فيه للهم اتساع … إذا ضاقَتْ من الهم الصُّدُورُ
وأَحْزَمُ ما يكُونُ الدَّهْرَ رَأْيًَا … إذا عَجَزَ المشاوِرُ والمُشِيرُ (١)
وقد ذكر حمدون النديم لجعفر بن يحيى شعرًا، وأنشدت منه بيتين لم يقع لي غيرهما، وما فيهما طائل: [من البسيط]
نزفت دمعي فإن كانَ الفِراقُ غدًا … فكيْفَ أبْكِي ودمع العين منزوف
وا سوأتا من عيون العاشقين إذا … إذا دخلتُ ودمع العين مذروف
قال ثمامة: قلت لجعفر: ما البيان؟ فقال: أن يكون الكلام محتطًا بمعنى له، مجليًا عن مغزاه، مخرجًا من الشوكة غير مستعان عليه بالفكرة.
ووقع جعفر بن يحيى على رقعة لعمرو بن مسعدة: «إذا كان الإكثار أبلغ، كان الإيجاز تقصيرًا، وإذا كان الإيجاز كافيًا، كان الإكثار عيًا».
ودفع رجل رقعة إلى جعفر ذكر فيها قصده إياه بأمل طويل، ورجاء فسيح، فوقع على ظهرها:
هذا يمت بحرمة الأمل، وهي أقرب إلى الوسائل، وأثبت الوصائل، فليعجل له من ثمرة ذلك عشرون ألف درهم، وليمتحن ببعض الكفاية، فإن وجدت عنده، فقد ضم إلى حقه حقًا، وإلى حرمته حرمة، وإن قصر عن ذلك فعلينا معوّله وإلينا موئله، وفي مالنا سعة له (٢).
ووقع إلى عامل له يأمره باليقظة والحذر: كن مني على مثل ليلة البيات.
ووقع في رقعة لأهل فارس، وقد رفعوا يشكون جور عاملهم: [من الطويل]
ضمنتُ لكم إن لم تُعُقْني عوائق … بأنَّ سماء الجور عنكم ستُقْلِعُ
ورفع رجل إلى جعفر بن يحيى يسأله الاستعانة، وكان يعرفه ويخبره، فوقع على ظهر رقعته: [من الرمل]
قَدْ رأيناك فما أعجبْتَنَا … وَبَلونَاكَ فلمْ نَرْضَ الخبر (٣).