← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

علي مشقّة، فقال: وما يشق عليك من ذلك؟ إن رأيت أن تلبس شيئًا من ثيابنا دعوت به، وإلا أمرت بإحضار ثياب من منزلك، فأقام، ونهض الفضل، فدعا بوكيله، وأمر له بحمل المال، وتسليمه إلى خادم محمد بن إبراهيم، وتسليم الحق الذي فيه الجوهر إليه بخاتمه، وأخذ خطه بذلك، ففعل الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده إلى المغرب، وليس عنده شيء من الخبر. ثم انصرف إلى منزله فرأى المال وأحضر الخادم الحق، فغدا على الفضل يشكره فوجده قد سبقه في الركوب إلى دار الرشيد، فوقف ينتظره، فقيل له: خرج من الباب الآخر، قاصدًا منزله، فانصرف عنه، فلما وصل إلى منزله أنفذ إليه/ ٢٧/ الفضل ألف ألف درهم، فغدا عليه فشكره وأطال، فأعلمه أنه بات ليلته، وقد طالت عليه غمًا بما شكاه، إلى أن لقي الرشيد فأعلمه حاله، فأمره بالتقدير له، ولم يزل يعاكسه حتى تقرر الحال معه على ألف ألف درهم، وإنه ذكر أنه لم يصلك بمثلها قط، ولا زادك عن عشرين ألف درهم، فشكرته وسألته أن يصك بها صكًا بخطه، ويجعلني الرسول، فقال له محمد: صدق أمير المؤمنين، أنه لم يصلني قط بأكثر من عشرين ألف دينار، إنَّما تهيأ بك، ولك وعلى يدك، وما أقدر على شيء أقضي به حقك، ولا شكرًا أؤدي به معروفك، غير أن «عليَّ وعلي أيمانًا مؤكدة، إن وقفت بباب أحد سواك أبدًا، ولا سألت غيرك حاجة أبدًا، ولو استفيتُ التراب، فكان بعد ذلك لا يركب إلى غير الفضل، إلى أن حدث من أمرهم ما حدث، فصار لا يركب إلى غير دار الخليفة، ويعود إلى منزله، فعوتب بعد تقضي أيامهم في إتيان الفضل بن الربيع، فقال: والله لو عُمِّرتُ ألف عام، ثم مصصْتُ الثماد، ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحيى، ولا سألتُ أحدًا بعده حاجة حتى ألقى الله تعالى، فلم يزل على ذلك إلى أن مات» (١). قال عبد الله بن ياسين: حدثني أبي قال: كنا عند الفضل بن يحيى فخضنا في الشعر، فإذا هو أروى الناس له، وأجودهم طبعًا فيه، فقلت له: أصلحك الله لو قلت شيئًا من الشعر، فإنَّه يزيد في الذكر، وينبه. قال: هيهات شيطان الشعر أخبث من أن أسلطه على عقلي (٢). قال أبو النجم القائد أحد الدعاة، قلت لإبراهيم الموصلي: صف لي ولد يحيى. فقال لي: أما الفضل فيرضيك بفعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل دون ما يجد، وأما موسى فيفعل بحسب ما يجده، فيفعل ما لا يجد (٣)

стр. 3502

وكان يكتب ليحيى بن خالد عبد الله بن سوار بن ميمون فقال: فدعاني يحيى يومًا فقال: اجلس فاكتب. فقلت: ليس معي دواة فقال: رأيت صاحب صناعة تفارقه آلته! وأغلظ في حرف أراد به حضّي على الأدب، ثم دعا بدواة، فكتبت بين يديه كتابًا إلى الفضل في شيء من أموره، فظن أني متثاقل عن الكتابة بسبب تلك المخاطبة، وأراد إزالة ذلك فقال لي: عليك دين؟ فقلت: نعم. قال: كم هو؟ قال: قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فأخذ الكتاب ووقع بخطه: [من الطويل] وكلكم قد نال شبعًا لبطنه … وشِبْعُ الفتى لؤم إذا جاع صاحبة إن عبد الله ذكر أن عليه دينًا يخرجه منه ثلاثمائة ألف درهم، فَقَبْلَ أن تضع كتابي هذا من يديك، فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله من أخص مال قِبَلَكَ، إن شاء الله تعالى. قال: فحملها لي الفضل وما أعلم لها سببًا غير تلك الكلمة (١) .. ودخل محمد بن زيدان على الفضل بن يحيى، فقال له الفضل، من الذي يقول: [من الطويل] سأرسل بيتًا قد وسمتُ جبينَهُ … يُقطِّعُ أعناق البيوتِ الشَّوَارِدِ أقامَ النَّدى والجُودُ في كل منزلٍ … أَقَامَ به الفضل بن يحيى بن خالد فقال: سلم الخاسر، فقال: لا تسمه خاسرًا، وسمه سلمًا الرابح، وأمر له بألف دينار. ثم غلب سلم على الفضل بن يحيي، وكثرت مدائحه إياه، وعظم إحسان الفضل إليه (٢). وكان يحيى بن خالد يقول: «الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون» (٣). وكان يقول: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة (٤). ومنهم: [١٥] جعفر بن يحيى (٥) وكان الرشيد يسمي جعفرًا أخي، ويدخله معه في ثوبه، وقلده بريد الآفاق ودور

стр. 3503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3504

الضرب والطرز في جميع الكور. وكان جعفر بليغًا كاتبًا، وكان إذا وقع، نسخت توقيعاته، وتدورست بلاغاته. حكى علي بن عيسى بن يزد انيروز أنه جلس للمظالم، فوقع في ألف قصة ونيف، ثم أخرجت ففرّقت على العمال والقضاة، وكتاب الدواوين، فما وجد شيء منها ينكر، ولا شيء يخالف الحق، قال علي: «فحدثت بهذا الحديث إسحاق بن إبراهيم، فقال: حدثني عمرو بن مسعدة بهذا الحديث». قال ثمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، وقد جمع الجد والهزل، والجزالة والحلاوة، وافهامًا يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني عن الإشارة، لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة. وقال ثمامة [بن أشرس]: ما رأيت أحدًا قط كان يتحبَّس، ولا يتوقف، ولا يتلجلج، ولا يرتقب لفظًا استدعاه من تعذر، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعاصى عليه بعد طلبه إلا جعفر بن يحيى. وفيه تقول عنان جارية الناطفي (١):

стр. 3505

بَدِيهتُهُ وفكرتُهُ سواءٌ … إِذا الْتَبَسَتْ على الناس الأمور وصدر فيه للهم اتساع … إذا ضاقَتْ من الهم الصُّدُورُ وأَحْزَمُ ما يكُونُ الدَّهْرَ رَأْيًَا … إذا عَجَزَ المشاوِرُ والمُشِيرُ (١) وقد ذكر حمدون النديم لجعفر بن يحيى شعرًا، وأنشدت منه بيتين لم يقع لي غيرهما، وما فيهما طائل: [من البسيط] نزفت دمعي فإن كانَ الفِراقُ غدًا … فكيْفَ أبْكِي ودمع العين منزوف وا سوأتا من عيون العاشقين إذا … إذا دخلتُ ودمع العين مذروف قال ثمامة: قلت لجعفر: ما البيان؟ فقال: أن يكون الكلام محتطًا بمعنى له، مجليًا عن مغزاه، مخرجًا من الشوكة غير مستعان عليه بالفكرة. ووقع جعفر بن يحيى على رقعة لعمرو بن مسعدة: «إذا كان الإكثار أبلغ، كان الإيجاز تقصيرًا، وإذا كان الإيجاز كافيًا، كان الإكثار عيًا». ودفع رجل رقعة إلى جعفر ذكر فيها قصده إياه بأمل طويل، ورجاء فسيح، فوقع على ظهرها: هذا يمت بحرمة الأمل، وهي أقرب إلى الوسائل، وأثبت الوصائل، فليعجل له من ثمرة ذلك عشرون ألف درهم، وليمتحن ببعض الكفاية، فإن وجدت عنده، فقد ضم إلى حقه حقًا، وإلى حرمته حرمة، وإن قصر عن ذلك فعلينا معوّله وإلينا موئله، وفي مالنا سعة له (٢). ووقع إلى عامل له يأمره باليقظة والحذر: كن مني على مثل ليلة البيات. ووقع في رقعة لأهل فارس، وقد رفعوا يشكون جور عاملهم: [من الطويل] ضمنتُ لكم إن لم تُعُقْني عوائق … بأنَّ سماء الجور عنكم ستُقْلِعُ ورفع رجل إلى جعفر بن يحيى يسأله الاستعانة، وكان يعرفه ويخبره، فوقع على ظهر رقعته: [من الرمل] قَدْ رأيناك فما أعجبْتَنَا … وَبَلونَاكَ فلمْ نَرْضَ الخبر (٣).

стр. 3506

وكان جعفر بن يحيى يقول: الخط سمط الحكمة، به تفضل شذورها، وينظم منثورها. ووقع على كتاب لعلي بن عيسى بن ماهان، وقد كتب إليه معتذرًا من أشياء بلغته عنه: [من الطويل] كأنا وقد كنَّا صَدِيقًَا مُؤانِسًا … تَبَاعَدَ بينانا فدام إلى الحشر (١) وقد وقع في كتاب آخر لعلي بن عيسى: حبَّب الله إليك الوفاء الذي أبغضته، وبعض إليك الغدر الذي أحببته، فما جزاء الأيام أن تحسن ظنك بها، وقد رأيت غدراتها ووقعاتها عيانًا وإخبارًا، والسلام. ووقع على رقعة لمحبوس: العدوان أوثقه، والتوبة تطلقه. وكان الأصمعي يألف جعفر بن يحيى، ويأنس به، ويختص بقربه، وله فيه مدائح كثيرة، وحكايات توصف، وتقريظ وتفضيل، فمن شعره فيه: [من المتقارب] إذا قيل: مَنْ للندى والعُلا مِنَ النَّاسِ؟ قيل: الفتى جعفر وما إن مدحت فتى قبلَهُ … ولكِنْ بَنُو برمك جَوْهَرُ (٢) وقال جعفر يومًا لخادمه: خذ معنا ألف دينار فإني أريد أن أمر بالأصمعي، وأنزل عنده، فإذا حدثني وأضحكني، فضع الكيس في حجره، ثم صار إليه ومعه أنس بن أبي منيح، فحدثه الأصمعي بكل شيء، فلم يضحك، وانصرف، فقال له أنس ابن أبي منيح: إنه قد أضحك بجهده، فلم تضحك، وليس من عادتك رد شيء قد أمرت بإخراجه من بيت مالك. فقال له جعفر: ويلك قد وصلنا هذا الرجل بخمس مائة ألف درهم، ولم أدخل له بيتًا قبل هذه الدفعة، ورأيت «حُبَّه» مكسورًا، وعليه برنكان منجرد عنه مصلّى وسخ، وكل ما عنده ربِّ، وأنا أرى أن لسان النعمة أنطق من لسانه وإن ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مديحه وهجائه، فعلام أعطيه الأموال، إذا لم تظهر الصنيعة عنده، ولم تنطق النعمة بالشكر عنه، ثم أنشد نصيب (٣): [من الطويل]

стр. 3507

فَعَاجُوا فأثنوا بالذي أنتَ أهله ولو سكَتُوا أَثْنَتْ عليك الحقائب (١) وكأن جعفرًا نظر ما بعد فإنَّ الأصمعي قد هجا البرامكة فيما بعد، وكفر نعمهم وقال عند نكبتهم: [من المتقارب] إذا ذكر الشرك في مجلس … أضَاءَتْ وُجُوهُ بني برمَكِ وإِنْ تُلِيَتْ عندَهُمْ آيَةٌ … أتُوا بالأحاديث عن مَزْدَكِ (٢) ورد الرشيد إلى هرثمة بن أعين الحرس، وكان إلى جعفر بن يحيى، فقال له جعفر، ما انتقلت عني نعمة صارت إليك. وقلد الرشيد جعفرًا إلى ما كان يتقلده من الدواوين، التوقيع والسر بالجزيرة والشام. وأمره أن يتخذ خيلًا يجريها في الحلبة، فأجرى جعفر يومًا خيله بالرقة، فسبقت خيل الرشيد، فغضب فقال العباس بن محمد الهاشمي لجعفر: يا أبا الفضل، ما أحسن الشكر، وادعاه للمزيد من أين لك هذا الفرس السابق؟ فقال له: إنه من خيلك. فقال له: والله لأرْضِيَنَّكَ، ثم أقبل على الرشيد فقال: كنت يا أمير المؤمنين مع أبي العباس السفاح، ونحن في الميدان، وقد أرسلت الخيل. فبينا نحن ننتظر إذ طلع فرس

стр. 3508

سابق، قد غطاه القتام فما ترى علامته؟ فقال عيسى بن علي، وقال غيره لي: ثم طلع اخر على تلك الصفة، فنظروا فإذا هي لخالد بن برمك، وقد أخذ قصبات السبق. فقال خالد: مر يا أمير المؤمنين بقبضها. فقال له: هي لنا عندك. فإنك عدة من عددنا. فسُرِّي عن الرشيد. وزال الغضب عنه. ثم استخلف الرشيد جعفرًا بالرقة، وخرج مجاورًا، فاعتمر عمرة شهر رمضان، وأقام بالحرم حتى حجّ، وانصرف على طريق البصرة، وخرج منها إلى الجزيرة يريد الرقة. ثم هاجت بالشام عصبة في سنة ثمانين ومائة، فقال الرشيد لجعفر: إما أن تخرج أنت إليها، وإما أن أخرج أنا إليها. فشخص جعفر بالرقة يريد الشام، فتبعه الرشيد، وخرج معه جميع من بحضرته من الإخوة والأشراف، وفيهم عبد الملك بن صالح، فلما ودعه عبد الملك قل له جعفر: اذكر حاجتك. قال له: حاجتي أعزك الله أن تكون كما قال الشاعر: [من الطويل] وكوني على الواشينَ لَدَّاءَ شَغْبَةً … كما أنا للوَاشِي أَلَدُّ شَغُوبُ فقال له جعفر: بل أكون كما قال الآخر: [من الرمل] وإذا الوَاشِي أَتَى يَسْعَى بِهَا … نَفَعَ الوَاشِي بِمَا جَاءَ يَضُرُّ (١) فقال منصور النميري ذلك قصيدة اخترت منها أبياتًا وهي (٢): [من الطويل] لقد أُوقِدَتْ بالشام نيرانُ فِتْنَةٍ … فَهَذَا أوَانُ الشَّامِ تُخْمَدُ تَارُهَا اذا جَاشَ مَوْجُ البَحْرِ من آلِ بَرْمَكِ … عليْها خَبَتْ شُهَبَانُهَا وِشَرَارُهَا رَماهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ بجَعفرٍ … وفيهِ تَلاقَى صَدْعُهَا وانجبارُهَا رماها بميمون النقيبةِ ماجِدٍ … تُراضُ بها قُحْطَانُهَا وَنِزَارُهَا وفيه يقول: [من الطويل] إذا ما ابن يحيى جعفرٌ قَصَدَتْ لَهُ … مُلمَّانُ خَطْبٍ لَمْ تَرُعْهُ كِبَارُها لقد نشأت بالشام منكَ غمامةٌ … يُؤَمَّلُ جَدواها ويُخْشَى دمارها فَطُوبَى لأهْلِ الشَّامِ يَا وَيْلَ أُمِّهَا … أَتَاهَا حياها أو أتاها بوارها غدا بنجوم السَّعْدِ من حلّ رَحلَهُ … إِليكِ وعزَّتْ عُصْبَةٌ أَنْتَ جَارُهَا فإِنْ سَالَمُوا كَانَتْ غمامة نائل … وغيث وإلا فالدماء قطارها

стр. 3509

ثم سار جعفر إلى الشام فأصلحها، وظفر بجماعة ممن سعى بالفساد، وشرد آخرين حتى استقامت أمورها. وله خطبة خطبها ذكرتها من بين كلامه لسدادها وهي: الحمد لله الذي لم يمنعه غناه عن الخلق من العائدة عليهم، ولم تمنعه إساءتهم من الرحمة لهم، والرأفة بهم. دعاهم من طاعته لما يحييهم، وزادهم من معصيته عما يرديهم. كلفهم من العمل دون طاقتهم، وأعطاهم من النعم فوق كفايتهم، فهم فيما حملوا مخفف عنهم، وفيما حوَّلوا موسّع عليهم، وصلى الله على سيدنا محمد نبي الرحمة المبعوث إلى كافة الأمة وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس، فإني أوصيكم بالألفة، وأحذركم الفرقة، وآمركم بالاجتماع، وأنهاكم عن الاختلاف. قال الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١). فأمر بالجماعة في أول الآية، ثم لم ينقض حتى نهى عن الفرقة، توكيدًا للحجة، وقطعًا للمعذرة. إن الفرقة تنشئ بينكم إحنًا يطلب بها بعضكم، بعضًا، وإن الجماعة تعقد بينكم ذممًا، يحمي بها بعضكم بعضًا، حتى تكون المكاثرة لواحدكم كالمكاثرة لجماعتكم، فمتى طمع عدو فيكم إذا كانت النائبة تعمكم إن غفل بعضكم حرسه بقيتكم، وإن غربت طائفة منكم منعها تآلفكم. إنه لم يجتمع ضعفاء قط إلا قَوُوا حتى يمتنعوا، ولم يتفرق أقوياء قط إلا ضعفوا حتى يخضعوا، واجتماع الضعيفين قوة تدفع عنها، وافتراق القويين مهانة يتمكن منها غافل الجماعة لا تضره غفلته، لكثرة من يحفظه، ومسقط الفرقة لا ينفعه سقطه، لكثرة من يطلبه، وصاحب الجماعة يدرك أَرْشَهُ من الخدش والشجة، وصاحب الفرقة يذهب حقه في النفس والحرمة (٢). وفي جعفر بن يحيى يقول مسلم بن الوليد (٣). في قصيدة طويلة عند انصرافه من

стр. 3510

الشام (١): [من البسيط] اسْتَفْسَدَ الدَّهْرُ أَقْوَامًَا فَأَصْلَحَهُمْ … مُحَمَّلٌ لِكِتَابِ اللهِ مُحْتَمِلُ كَأَنَّهُ قَمَرُ أو ضَيْغَمْ هَصِرٌ … أو حَيَّةٌ ذَكر أو عَارِضُ هَطْلُ لا يَضْحَكُ الدَّهْرَ إلا حينَ تَسْأَلُهُ … وَلَيْسَ يَعْبِسُ إِلَّا حَيْنَ لا يُسَلُ سَدَّ الخَلِيفَةُ أَطْرَافَ الثُّغُورِ بِهِ … وَقَدْ تَهَتَكَ وَاسْتَرْخَى لَهَا الطَّوَلُ كُلُّ البَرِيَّةِ مُلْقٍ نَحْوَهُ أَمَلًا … للرُّغْبِ والرُّهْبِ مَوْصُولًا بِهِ الآمَلُ دَاوَى فِلَسْطِينَ مِنْ أَدْوائِهَا بَطَلُ … في صُورَةِ المَوْتِ إِلَّا أَنَّهُ رَجُلُ سَلَّ المَنُونُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاصِلِهِ … مِثْلَ الحَقِيقِ تَرَامَى دُوْنَهُ الشُّعَلُ أمَّنْتَ بالشَّامِ أَرْوَاحًَا وأَفْئِدَةً … قَدْ حَلَّ مُسْتَوْطِنَا أَوْطَائِهَا الوَجَلُ حدث ميمون بن هاورن قال: قال لي الحسن خالي قال: إنه كان لجعفر بن يحيى كاتب، فبلغه عنه خيانة، فأراد أن يوقع به، فقلت له: أنشدك الله أن تفعل، فإنه إن بلغ أمير المؤمنين هذا، ضيّع أمره وماله، فكيف تراه يضبط مالي وأمري، ولكن دعه الآن، ثم اعزله فيما بعد، وتتبعه في يسير. فقبل رأيي ولم يعزله في ذلك الوقت. وقال ابن عبدوس في كتاب «الوزراء والكتاب»: وجدت بخط أحمد بن إسماعيل نطاحة، حدثني يحيى بن يعقوب النصراني، قال: حدثني سعيد بن حميد قال: لم تزل كتب الملوك والرؤساء تجري في التوقيعات على أن يوقع الرئيس في القصة بما يجب فيها، ويذكر المعاني التي يأمر بها، ولم يكن للكاتب غير ذلك الأمر شيء أكثر من أن يكسو تلك الجملة من التوقيع ألفاظًا يشرحها ويقرب من العامة فهمها، ولا يخرجها عن معنى ما قصده الرئيس، إلى أيام الرشيد، فإنَّ المتظلمين كثروا على باب جعفر بن يحيى، وتأخر جلوسه أيامًا، فبعث يحيى إليه يسأله بحياته أن يجلس لهم فجلس، وكانت القصص قد كثرت، فنفض أكثرها. وجاء رسول الرشيد يأمره بالمصير إليه، فقال للرسول: قل له يا سيدي الساعة أجيء. ونظر فيما بقي، وجاءه رسول آخر يستحثّه فقال له: قل له يا سيدي قد بقي بين يدي شيء يسير، فجاءه رسول آخر ثالث فقال: يقول لك أني جائع، وأنا منتظرك للطعام، فدع كل ما بين يديك، واقبل إليَّ، وأنا منتظرك. وكان في القصص قصة طويلة دقيقة الخط، رديئة. وكان جعفر كلما وقعت

стр. 3511

عينه عليها، عزلها استثقالًا لها، وقدَّر أن يكون نظره فيها بعد الفراغ، فوافاه الرسول الثالثة وهي في يده، وأعجله أن يستتمها، وكان يحتاج في فهمها إلى مدة، وكره أن يتأخر عن الرشيد، وكره وقد رئيت في يده أن يطرحها فيما لم ينظر فيه، فوقع في ظهرها: «يعمل في ذلك بما يُعمل به في مثله على سنن الحق وقصده، وجهة الإنصاف وسبيله»، إن شاء الله تعالى. فورد على الكتاب من هذا التوقيع ما لم يرد مثله، وصار ذلك رسمًا للرؤساء في التوقيع بالألفاظ الجميلة (١). وكان عبد الله المأمون في حجر محمد بن خالد بن برمك، فنقله الرشيد إلى جعفر بن يحيى، فأشار على الرشيد بيعته للمأمون بعد محمد، وقام بالأمر حتى عقد له، وشخص معه من الرقة إلى مدينة السلام، حتى أكد البيعة له، وأخذ الأيمان على بني هاشم والوجوه بها. وكاتب العمال في جميع النواحي بذلك، ثم انصرف إلى الرقة (٢). وتكلم سهل بن هارون بحضرة جعفر بن يحيى، فأغرب وأعرب، فقال له جعفر: أي شيء هذا الكلام، وأنت من دهشان؟ فقال له سهل هي أقرب إلى البادية من بلخ. وهذا الكلام قد روي أن المتكلم به مالك بن شاهي، وأن جعفرًا قال له: أتتكلم بهذا الكلام، وأنت من أهل نفر؟ قال: أقرب إلى البادية من بلخ. وصنع أبان بن عبد الحميد بن لاحق مولى الرقاشيين كتاب «كليلة ودمنة» شعرًا، وأهداه إلى جعفر بن يحيى، فوهب له مائة ألف درهم (٣). وذكر إسحاق الموصلي قال: قال لي إبراهيم بن المهدي: خلا جعفر بن يحيى يومًا في منزله، وحضر ندماؤه وكنت فيهم، فتضمخ بالخلوق، ولبس الحرير، وفعل بنا مثل ذلك، وتقدم إلى الحاجب بحفظ الباب إلا من عبد الملك بن نجران، فوقع في أذن الحاجب عبد الملك ومضى صدر النهار، وبلغ عبد الملك بن صالح مقام جعفر في منزله، فركب إليه فوجه الحاجب إلى جعفر: قد حضر عبد الملك، فقال: يؤذن له، وهو يظنه ابن نجران، فدخل عبد الملك بن صالح في سواده، وفلنسوته، فلما رآه جعفر اسود وجهه ورانا على حالنا، وكان لا يشرب النبيذ، وكان ذلك سبب موجدة الرشيد عليه؛ لأنه كان يلتمس منادمته فيأبى، فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر، فدعا غلامه فناوله سواده، وقلنسوته، وأقبل حتى وقف على باب

стр. 3512

المجلس الذي نحن فيه، فسلم، وقال: افعلوا بنا ما فعلتم بأنفسكم، فدنا منه خادم، فألبسه حريرة، فجلس ودعا بطعام فأكل، ودعا بنبيذ فأتوه برطل فشربه، وقال لجعفر: ما شربته قبل اليوم، فليخفف عني! فدعا له برطلية، فجعلت بين يديه، وجعل كلما فعل من ذلك شيئًا سُرِّي عن جعفر. فلما أراد الانصراف، قال له جعفر: سل حاجتك، فما تحيط مقدرتي بمكافأة ما كان منك! فقال: إن في قلب أمير المؤمنين مني إحنة، فتسأله الرضا عني. قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. قال: وعلي دين، أربعة آلاف درهم تقضى عني، قال: إنها لعندي حاضرة، ولكن جعلتها من مال أمير المؤمنين، فإنّها أنبل لك، وأحبّ إليك. قال: وإبراهيم ابني أحب أن أشدّ ظهره من أولاد الخلفاء. قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته الغالية. قال: وأحبّ أن يخفق لواء على رأسه. قال: قد ولاه مصر. وانصرف عبد الملك. ونحن نتعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان. وقلت: لعله أن يجاب إلى ما سأله من الحوائج فكيف بالتزوج أن يطلق لجعفر أو لغيره ذلك! فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد، ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، وخرج إبراهيم، وخلع عليه، وزوج، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وخرج جعفر، فأشار علينا باتباعه إلى منزله، فلما صرنا إليه قال: تعلقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك، فأحببتم علم آخره. وأني لما دخلت على أمير المؤمنين، وقمت بين يديه، ابتدأت القصة كيف كانت من أولها إلى آخرها، فجعل والله يقول: أحسنت حتى أتممت خبره. قال: فما صنعت به؟ قال: فأخبرته ما سأل، وما أجبت له، فجعل يقول: أحسنت أحسنت! وقال مخارق: غدوت يومًا إلى إبراهيم بن ميمون الموصلي، وكان يوم دجن، فأصبت بين يديه قدورًا تغرغر وأباريق تزهر، وهو كالمهموم، فسألته عن حاله، فقال: لي ضيعة، وإلى جانبها ضيعة تباع ثمنها مائتا ألف درهم، وإن دخل فيها غيري أفسد علي ضيعتي، وما أقول: إن ثمنها ليس يمكنني، لكن لست أسمح بإخراج شيء في منزلنا. فأمسكت عنه وأتممت يومي عنده، وغدوت على يحيى بن خالد فلقيته. فسألني عن خبري في أمسي، فخبرته الخبر، فأضحكه ما قال إبراهيم، وانصرفت لإبراهيم، لأعرفه الخبر، فوجدت المال قد سبق إليه، فقلت له اشتر الآن الضيعة، فقال لي: لكل جديد لذة، وهذا مال، جديد، ولست أحبُّ إخراجه. قال: فحدثه يحيى بن جعفر بن يحيى الخبر، فأضحكه، وبعث بالمال إليه، ثم صرت إليه، فقلت: اشتر الآن الضيعة فقال: العجلة من عمل الشيطان، دعني أستمتع بهذا المال مدَّة. ثم صرت إلى الفضل بن

стр. 3513

يحيى، فحدثته بالحديث، فابتاع له الضيعة ووزن ثمنها، ووجه إليه بمثل الثمن، ووجه إليه بالصك (١)، فصرت إلى إبراهيم فوجدته فرحًا مسرورًا بوصول المال وحصول الضيعة في ملكه، فبلغ ذلك جعفرًا، فقال: والله لا يزيد علي الفضل، فأمر له بثلاث مائة ألف درهم حملت إليه في ساعتها. وفي جعفر بن يحيى يقول أشجع السلمي (٢): [من المتقارب] يحبُّ الملوك ندى جعفرٍ … ولا يَصْنَعُونَ كَمَا يَصْنَعُ وكيف ينالُونَ غاياتِهِ … وهم يجمعون ولا يَجْمَعُ وليس بأوْسَعِهِمْ في الغِنَى … ولكنَّ مَعْرُوفَهُ أَوْسَعُ (٣) وحكي أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبي يومًا: بلغني أن فيك سرفًا. فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء الظن بالمعبود، وإني لأهم بالإمساك، فأذكر قول أشجع في جعفر، وذكر هذه الأبيات، فأمر له المأمون بمائة ألف درهم، وقال له: استعن بها على مروءتك. / ٣٧/ وحكي أنَّ الرشيد قام عن مجلسه يريد الدخول إلى بعض حجره، وأنَّ جعفرًا أسرع، فرفع الستر، وأنَّ الرشيد تأمل عنقه، فقال له: ما تتأمل في يا أمير المؤمنين؟ فقال: حسن عنقك، وحسن موقع الجربان عليه، فقال: لا والله ما تأملت إلا موقع سيفك منها، فقال له: أعيذك بالله من هذا القول، واعتنقه وقبله. فلما قتله بعد ذلك، قال للفضل بن الربيع: قاتل الله جعفرًا، وذكر هذا الخبر، وقال: تأملت عنقه لموقع السيف منها (٤). (٥) وفي طويل عنقه يقول أبو نواس يهجوه (٥): [من البسيط] قَالُوا: امْتَدَحْتَ فَمَاذَا اعْتَضْتَ قُلْتُ لَهُمْ … خَرْقَ النِّعَالِ وإِبْلَاءَ السَّرَاوِيلِ قَالُوا فَسَمٌ لنا هذا فقلْتُ لَهُمْ … وَصْفِي له يَعْدِلُ التَّصْرِيحَ فِي القِيْلِ ذَاكَ الأَمِيرُ الذي طالَتْ عِلاوَتُهُ … كَأَنَّهُ ناظِرُ في السَّيْفِ بالطُّولِ (٦). ولأبي نواس في جعفر، أهاج كثيرة بلغته، فتعمدها بحلة، وقابلها بفضله، وأجازه عليها ووصله بسنيها، منها قوله (٧): [من الطويل]

стр. 3514

لقَدْ غَرَّنِي مِنْ جَعْفَرٍ حسنُ بابِهِ … ولم أَدْرِ أَنَّ اللَّوْمَ حَشْرُ إِهَا بِهِ فَلَسْتُ وإِنْ أخْطَأْتُ في مدح جعفرٍ … بأوَّلِ إنسان خرا في ثيابِهِ فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال له: اغسل ثيابك بهذه الدراهم. وقد كان جعفر بن يحيى كريمًا، ولا يستحق الهجو، ولكن الشعراء لا تملك ألسنتهم، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح، وأدلَّ دليل على كرمه أن أبا نواس، على حذقه، وتقدمه في الصناعة، لما أراد هجاءه، لم يجد له ما يعيبه به إلا طول عنقه، ولو وجد غير هذا لقاله، والعيب في الخلق دون العيب في الخُلُق، ثم لما هجاه ثانيًا بما ذكرنا لم يعب خلقًا ولا خلقًا غير أنه تحمل فيه قوله: إنَّ اللؤم حشو إهابه ولو كان وجد خُلقًا ذميمًا لقاله في هجائه، وذمه بأوابده، ولكنه لم يجد إلا ملء سمعه وبصره. على أنه قد كان يقال: إنَّ جعفر بن يحيى مبخّل، وما ذاك كذاك، وإنما كان كرم أبيه يحيى وأخيه الفضل يغمران البحار كثرة. وكان جعفر دونهما على كرمه المفرط، وجوده الزائد، مع قربه من الخليفة أكثر من قربهما، فلهذا بخل وإلا فهو كنز السماح، ورسيل البحر إذا سح، والغمام إذا ساح. وتنازع الفضل بن الربيع وجعفر بن يحيى يومًا بحضرة الرشيد فقال جعفر للفضل: يا لقيط. فقال الفضل: اشهد يا أمير المؤمنين، فقال جعفر للرشيد: تراه عند من يقيمك هذا الجاهل شاهدًا يا أمير المؤمنين، وأنت حاكم الحكام؟! قال إسحق بن سعد القطربلي: أخبرنا أبو حفص عمر بن فرج قال: انصرفت مع عمرو بن مسعدة يومًا من الشماسية، والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة فلما صرنا بإزاء قصر جعفر بن يحيى قال لي عمرو: يا أبا حفص، سرت وجعفر كمسيرنا هذا، فلما نظر إلى البناء، قال لي: يا أبا الفضل والله أني لأعلم أن هذا ليس من بناء مثلي، ولكن قلت: إن بقي لي فهو قصر جعفر، وإن شره السلطان إليه في وقت من الأوقات، فهو قصر جعفر، وإن مضت عليه الأيام، فإنَّما يقال: قصر جعفر. ويبقى لي اسمه وذكره. ولعل أن يمر به بعض من لنا عنده، معروف فيترحم علينا. ثم قال: فوالله لكأنَّ جعفرًا كان ينظر إلى ما آلت إليه الحال فيه! وقد حكي أن السبب كان في بناء جعفر هذا القصر أن متظلمًا من أهل أصبهان تظلم إلى يحيى بن خالد من عامله بها، وقال له: إنَّه ظلمني، وأساء معاملتي، وأخذ ما لا يجب له مني، وهدم شرفي، فقال له يحيى: قد علمت ما تظلمت منه خلا هدم شرفي ففسر لي ذلك، فقال له الرجل: أنا من بني رجل كان بني قصرًا جليلًا،

стр. 3515

وكان ينسب إليه، فكان الرائي إذا رأى القصر وجلالته، وعلم أني من ولد الباني له، عرف بذلك قديم نعمتي، وجلالة أولي فهدمه. فاستحسن يحيى ذلك منه، وقال للفضل وجعفر: لا شيء أبقى ذكرًا من البناء، فاتخذوا منه ما يبقى لكم ذكرًا. فاتخذ جعفر قصره، وكذلك الفضل، وأمر يحيى بإيفاد مستحث مع المتظلم، يطالب العامل بإعادة بناء قصره، وإنصافه في ظلامته (١). قال إسحاق بن سعد: وحدثني أبو جعفر محمد بن علي كاتب عمر بن فرج، عمن حدثه ممن أدرك البرامكة، وكان يخبر كثيرًا من أمرهم، قال: لما قارب جعفر بن يحيى الفراغ من بناء قصره هذا، صار إليه ومعه أصحابه فيهم مويس بن عمران، وكان عاقلًا كاملًا، فطاف به، واستحسنه، وقال من حضره من أصحابه، وأكثروا فيه القول، ومويس بن عمران ساكت فقال جعفر: ما لك لا تتكلم، فقال: فيما قال أصحابنا كفاية، وتكرار القول مما لا يُحتاج إليه، وكان جعفر ذكيًا، فعلم أن تحت قوله شيئًا، فقال له: أنت فقل، فقال: هو ما قالوا، قال: أقسم لتقولن. قال: فإذا أبيت الآن إلا أن أقول، فتعتزل ناحية. فقال له تصبر على الصدق، قال: نعم، قال: بل تختصر، قال: أسألك بالله إلا خرجت من دارك هذه، فمررت بدار لبعض أصحابك تشبهها، أو تقاربها، ما أنت قائل؟ قال فهمت ما أردت، فما الرأي، قال: هو رأي واحد إن أخرته عن ساعتك هذه فأنت ولم تلحقه، قال: وما هو؟ قال: لا شك أن أمير المؤمنين قد طلبك، وسأل عن خبرك، وضجر لتخلفك، فأطل اللبث هاهنا، ثم امض إليه من فورك، فادخل عليه، وعليك أثر الغبار، فإذا سألك عن خبرك، فقل: صرت إلى الدار التي بنيتها للمأمون، ثم اتبع لك القول بما أنت أعلم به. وقد كان جعفر اتخذ في هذا القصر ثلاثمائة وستين مقصورة وكتب إلى كل ناحية يعمل فيها الفرش، فأمر أن يتخذ له ما يحتاج إليه لبنائه من الفرش على ذرعه، ومقاديره. وكان قد كثر القول في البناء والفرش، فأقام في الدار الشارعة مدة، ثم مضى من فوره، فدخل إلى الرشيد، فسأله عن خبره، فقال: كنت في الدار التي اتخذتها للمأمون على دجلة، وتفقدت بعض ما احتجت إلى تفقده فيها، فقال: أو للمأمون بنيتها؟ قال: لما شرفني أمير المؤمنين بأن جعله في حجري، واستخدمني له، وعرفت محله من قلبك، أردت بأن أبني له بناء يشبه هذا المحل، ومع ذلك فإني كتبت بأن يتخذ لجميع البناء فرش في جميع النواحي التي تستعمل فيها الفرش على مقادير، وبقي شيء لم يتهيأ اتخاذه،

стр. 3516

فقدرنا أن نعول فيه على خزائن أمير المؤمنين إما عارية، وإما هبة، فزال بذلك التشنيع الواقع عليه كله، وأمره بنزولها. رأى أن يطلق للمأمون الانتقال إليها، فانتقل إليها جعفر بن يحيى. ولما عزم جعفر على بناء قصره هذا شاور أباه يحيى بن خالد، فقال: هو قميصك، إن شئت فوسعه، وإن شئت فضيقه، وأتاه وهو بين يديه وهو يبتني داره هذه، وإذا الصناع ينقضون حيطانها، فقال: إنَّك تغطي الذهب بالفضة. فقال له جعفر: في كل أوانٍ يكون ظهور الذهب أصلح، ولكن هلا ترى عيبًا. قال: نعم مخالطتها دور السُّفّل والسُّوقة. وحكي أن جعفر بن يحيى لما عزم على الانتقال إلى داره، وهو القصر، جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتًا من الليل، فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان ينزل فيه إلى قصره، والطريق خالية، والناس هادون، فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلًا قائمًا، وهو يقول: [من الوافر] تَدَبَّرَ بالنجوم وليسَ يَدْرِي … وربُّ النجم يفعل ما يُرِيدُ فاستوحش ووقف، ودعا بالرجل، فقال له: أعد عليَّ ما قلت، فأعاده، فقال له: ما أردت بهذا؟ فقال له: والله ما أردت به معنى من المعاني، ولكنه شيء عرض علي، وجاء على لساني في هذا الوقت، فأمر له بدنانير ومضى لوجهه، وقد نغص عليه سروره (١). قال إسحاق بن سعد: سمعت عمر بن فرج الرُّخَّجي، ومن الحارث بن بستنخر حالًا لطيفة جدًا، وأنه وصف جلالة الحارث ونبله وفضله، قال: فقلد جعفر بن يحيى في بعض الأوقات الحارث ضياعه بالأهواز، وكان لها قدر جليل فسعي به إليه، وقيل: إنه قد قطع من أمواله أموالًا جليلة، وإنَّ فرج الرخجي يعلم ذلك، وإنّه ستر ما بلغه، فأحضر فرجًا، فجاءه وسأله، واستحلفه صدقه عن ذلك، فأحضر جعفر أبي وخلا به، وسأله عن أمر الحارث، وما بلغه عنه، فأنكره، فاستحلفه عنه بالطلاق، فحلف له به، فلما خرج من عنده، قال لي: قل لفلانة الحرة، وكانت عنده تسترمي، فقلت لها: ذاك، وزال عن الحارث ما كان أشرف عليه. ثم حج الرشيد، وحج معه يحيى بن خالد، وابناه الفضل وجعفر، فلما صار بالمدينة جلس الرشيد، ومعه يحيى بن خالد فأعطى أهلها العطاء، ثم جلس بعده محمد، ومعه الفضل بن يحيى فأعطاهم العطاء، ثم جلس عبد الله، ومعه جعفر بن يحيى، فأعطاهم العطايا، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطية، وكان أهل المدينة

стр. 3517

يسمون ذلك العام عام الثلاثة أعطية، ولم يروا مثل ذلك قط إلا في أيام البرامكة (١). في نحو من ذلك يقول ابن مناذر: «فتظلم بغداد … »، الأبيات، وقد تقدمت. وكان جعفر بن يحيى طالب [محمدًا الأمين] لما حلف للمأمون في بيت الله الحرام أن يقول: خذلني الله إن خذلته. فقال ذلك ثلاث مرات. فحكي عن الفضل بن الربيع فيما حدث ميمون بن هارون محمدًا قال له: في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: أيا أبا العباس هو ذا أجد في نفسي أن أمري لا يتم، فقال له: ولم ذاك أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت له: سبحان الله في مثل هذا الموضع؟ فقال لي: هو ما قلت لك. ولما أنفق الرشيد في تلك الحجة الأموال الجليلة، نفد ما كان معه، فقال ليحيى بن خالد: يا أبه احتل لي مالًا. فأخذ له من النجار مالًا، فاستزاده، فقال: يا أمير المؤمنين إنا بمكة وما نجد، فلقي جعفر بن يحيى عمر بن حبيب القاضي، وكان انقطاعه إلى يحيى، فقال له: ما صنع بك صديقك، يعني أباه، فقال: وكيف أعزك الله؟ قال: طلب منه أمير المؤمنين مالًا، فلم يحمل إليه حتى أتاه بعض خدمه بمائة ألف دينار، فقبضها بين يديه، وقال له: اصرف هذا يا أمير المؤمنين في بعض ما تحتاج، فلما رآه استكثره وأحب الرشيد جمع المال، وفرغ مما كان قصد له من توكيد بيعة أبنية، وأخذ الأيمان لكل واحد منهما على صاحبه، وعلى الناس لهما. قال موسى بن يحيى ابن خالد: فخرج أبي إلى الطَّواف وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلق بأستار الكعبة، ويردد هذا الدعاء، ويقول: اللهم إن ذنوبي جمة، ولا يحصيها غيرك، ولا يعرفها سواك، اللهم إن كنت معاقبي، فاجعل عقوبتي في دار الدنيا، وإن أحاط بذلك سمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ رضاك مني. قال: وعلق الرشيد الكتب بالعهد لابنيه في البيت الحرام، وانصرف فنزل الأنبار، ودعا الرشيد صالحًا صاحب المصلَّى حين تنكر للبرامكة، فقال له: اخرج إلى منصور بن زياد فقل له: قد صحت عليك عشرة آلاف ألف درهم، فاحملها إليَّ في يومك هذا، وانطلق معه، فإن هو دفعها إليك كاملة قبل مغيب الشمس من يوم هذا، وإلا فاحمل إليَّ رأسه، وإياك ومراجعتي في أمره. قال صالح: فخرجت إلى منصور، وهو في الدار، فعرفته الخبر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي، ثم حلف والله لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم، فكيف بعشرة آلاف ألف؟ فقال له صالح: خذ في عملك، فقال له: امض بي إلى منزلي

стр. 3518

حتى أوصي، وأتقدم في أمري، فما هو إلا أن دخل حتى ارتفع الصياح في منازله، فأوصى وخرج وما يه دم ولا لحم، فقال لصالح: أمض بنا إلى أبي علي يحيى بن خالد، لعل الله أن يأتينا بفرج من جهته، فمضى معه، فدخل على يحيى وهو يبكي، فقال له يحيى: وما وراءك؟ فقلق يحيى بأمره وأطرق مفكّرًا، ثم دعا خازنه، فقال له: كم عندك؟ فقال: خمسة آلاف ألف درهم، فقال له: أحضرني مفاتيحها، فأحضرها. ثم وجه إلى الفضل ابنه فقال له: إنَّك كنت أعلمتني أنَّ عندك - فداك أبوك - ألفي ألف درهم، قدَّرت أن أشتري بها ضيعة، وقد أصبت لك ضيعة يبقى ذكرها، وتحد ثمرتها، فوجه إلينا بالمال، فوجه به ثم قال للرسول: امض إلى جعفر، فقل له: - فداك أبوك - وجه إليَّ ألف ألف درهم لحقِّ لزمني، فوجه إليه به، ثم قال لصالح: هذه ثمانية آلاف ألف درهم، ثم أطرق إطراقه، لأنه لم يكن بقي عنده شيء، ثم رفع رأسه إلى خادم له على رأسه وقال له: امش الى دنانير وقل لها: وجهي إي بالعقد الذي كان أمير المؤمنين قد وهبه لك. فجاء به، فإذا عِقْدٌ لعظم الذراع. فقال له: اشتريت هذا لأمير المؤمنين بمائة وعشرين ألف دينار، فوهبه لدنانير، وقد حسبته عليك بألفي ألف درهم، وهو تمام حقك، فانصرف وخلّ صاحبنا، ولا سبيل لك عليه. قال صالح: فأخذت ذلك، ورددت منصورًا معي، فلما صرنا بالباب أنشد منصور متمثلًا: [من الوافر] فما بُقْيًا عليَّ تركتماني … ولكن خفتما صَرَدَ النبالِ قال صالح: ما على وجه الأرض رجل أنبل من رجل كنا خرجنا من عنده، ولا سمعت بمثله قط فيما مضى، ولا يكون مثله فيما بقي ولا على وجه الأرض أخبث سريرة، ولا أردأ طبعًا من هذا النبطي، إذ لم يشكر من أحياه. قال صالح: وصرت إلى الرشيد، فقصصت عليه القصة، فقال لي الرشيد: أما إنِّي علمت أنه إن نجا، لم ينج إلا بأهل هذا البيت. وقال لي: اقبض المال، وأرجع العقد، فإني لم أكن أهب هبة وترجع إلى مالي. قال صالح: ولم أطب نفسًا بترك تعريف يحيى ما قاله منصور، فقلت له لما رأيته بعد أن أطلت في شكره، ووصف ما كان منه: وقد أنعمت على غير شاكر، قابل أكرم فعل بألأم قول. قال: وكيف ذلك؟ فأخبرته بما كان منه، فجعل والله يطلب له المعاذير ويقول: يا أبا علي إن المنخوب القلب ربما سبقه لسانه بما ليس في ضميره، وقد كان الرجل في حالة عظيمة. فقلت له: والله ما أدري ما أمريك أعجب! أمن أوله أم من آخره؟ ولكني أعلم أنَّ الدهر لا يخلف مثلك أبدًا (١).

стр. 3519

قال: ثم لم ألبث حتى بلغت جعفرًا الخبر فسألني، فقصصت عليه ما كان. فقال: يا هذا لا تسرع إلى ملامة الرجل، ولمنا إذ لم نجعل المال له صلة، وندفع أمير المؤمنين عنه! ثم لوى رأس دابته عائدًا إلى باب الرشيد، وأنا معه، فتركني بالباب ودخل، ثم لم يكن بأسرع من عوده وبيده توقيع الرشيد بإعادة المال عليه، ثم قال: اذهب به إلى الرجل، ثم قال: خذ المال صلة لك بارك الله لك فيه، قلت: يأبى الله إلا أن يكون ابن يحيى! قلت: والبيت الذي تمثل به منصور بن زياد من أبيات اللعين المنقري يهجو فيها جريرًا وهي: [من الوافر] سأقضي بين كلب بني كليب … وبين القَيْنِ من ابْنَيْ عِقال فإنَّ الكلب مطعمه خبيث … وإِنَّ القَيْنَ يعمل في سَفَالِ كلا العبدين قد عَلِمَتْ مَعَدُّ … لئيمُ الأصل من عم وخال فما بُقْيَا عَلَيَّ تَرَكْتُمانِي … وَلكنْ خِفْتُمَا صَرَدَ النَّبَالِ وكان أبو الشمقمق قد صار إلى منصور بن زياد يسأله أن يبره وكان منصور ضيقًا بخيلًا، فوهب له عشرة دراهم، وأمره بالعودة إليه، ليبره فأخذها، وقام وهو يقول هذا: [من السريع] لولا ابن منصور وأفضالُهُ … سَلَحْتُ في لِحْيَةِ منصور فبلغ ذلك محمدًا فقال: إنَّما خفنا هذا، وما أفلتنا منه (١). وإنما حكيت هذه الحكاية، وإن لم يكن موضع ذكرها، ليعرف بها لؤم منصور، وكرم البرامكة الغيوث البحور «والضد يظهر حسنه الضد»: وصدر البيت: [من الكامل] «ضدان لما استجمعا حسنا» وحكي أن ابن منصور بن زياد أفسد نية جعفر بن محمد بن الأشعث على بني يحيى بن خالد، وضربه عليه، فتكلم فيه يحيى، وصار إليه جعفر بن محمد، فقال له، لا تحوجني فأكفر نعمتك. وكان جعفر بن يحيى يساعد الرشيد على كل شيء يطالبه، وكان الفضل يمتنع عليه، وكان لا يشرب النبيذ، فظن الرشيد أنه يعيب عليه، فكان يعتب عليه في ذلك،

стр. 3520

وكان يحيى بن خالد ينكر على جعفر دخوله مع الرشيد فيما يدخله فيه، ويتخوف عليه من عاقبته. وذكر سعد بن هريم أن يحيى كتب إلى جعفر يومًا في شيء عتب عليه منه من هذا الجنس: «إنما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك، … وإن كنت أخشى أن تكون التي لا شروى لها». وقال يحيى للرشيد غير مرة: يا أمير المؤمنين، إني أكره مداخلتك جعفرًا، ولست آمن أن ترجع العاقبة علي في ذلك منك، فلو أعفيته، واقتصرت به على ما يتولاه من جسيم أعمالك، كان ذلك أحب إليَّ، وأولى بتفضيلك عليه، وآمن عليه عندي. فقال له الرشيد: ليس بك هذا، ولكنك تحبّ أن تقدم الفضل عليه (١). وقال صاحب كتاب الوزراء: حدثني بختيشوع بن جبريل، قال: حدثني أبي، وكان صنيعة البرامكة: أنه دخل على الرشيد يومًا، وهو جالس على بساط، وكان على مشرعة باب خراسان فيما بين الخلد والفرات، وأم جعفر من وراء ستر يعني وزبيدة حاضرة من وراء ستر فقال لي: أم جعفر تجد شيئًا، فاشر عليها بما تعمل به، قال: فبينا أنا أنظر في ذلك إذ ارتفعت ضجة عظيمة، فسأل عنها، فقيل له جعفر بن يحيى ينظر في أمور المتظلمين، فقال: بارك الله عليه وأحسن جزاءه، فقد خفّف عني، وحمل الثقل دوني، وناب منابي وذكره بكل جميل، وفعلت أم جعفر مثل ذلك، ولم تدع شيئًا يذكر به أحد من الجميل إلا ذكرته به، فامتلأت سرورًا وقلت في ذلك ما أمكنني وخرجت مبادرًا إلى يحيى بن خالد، وكنت آتيه بالأخبار، فخبرته بذلك، فسر به! ومضت مدة، ثم جاءني رسول الرشيد يومًا، فصرت إليه، فوجدته جالسًا في ذلك المجلس بعينه، وأم جعفر من وراء الستر، والفضل بن الربيع بين يديه، وأم جعفر قد وجدت شيئًا، فأمرني بتأمل حالها والمشورة عليها بما أراه، فإني لفي ذلك إذا ارتفعت ضجة شديدة، فقال الرشيد: ما هذا؟ فقيل: جعفر بن يحيى بن خالد ينظر في أمور المتظلمين، فقال: فعل الله به وجعل يذمه ويسبّه أشد سب، استبد بالأمور دوني على غير رأيي، وعمل بما أحبه

стр. 3521

دون محبتي، وتكلمت أم جعفر بأغلظ من كلامه، وثلبته بأكثر مما يثلب به أحد. فورد علي من ذلك، مورد، أقام وأقعد، ثم أقبل علي الرشيد، وقال: يا جبريل: إنه لم يسمع كلامي غيرك وغير الفضل، وليس الفضل ممن يحكي شيئًا منه، وعلي وعلي لئن تجاوزك لأُتْلِفَنَّ نفسك، قال: فبرأت إليه من ذكره، وأكبرت الإقدام على حكاية شيء جرى في مجلسه، وانصرفت، ولم أصبر، وقلت في نفسي: إن تلفت في الوفاء فلا أبالي، وصرت إلى يحيى بن خالد، فعرفته بما جرى فقال لي: أتذكر وقد جئتني في يوم كذا من شهر كذا، وأنا في هذا الموضع، فحكيت لي عن أمير المؤمنين الإحماد والثناء والشكر والدعاء، وعن أم جعفر مثل ذلك؟ فقلت: نعم وعجبت من حفظه الوقت فقال: إنَّه لم تكن منه في تلك الحال التي أحمدها ولا كان منه في تلك ما لم يكن منه هذا. ولكن المدة إذا آذنت بالانقضاء جعلت المحاسن مساوئ، ومن أراد أن يتجنى قدر، ونسأل الله حسن الاختيار. وكان جبريل صنيعة البرامكة، وكان يقول للمأمون كثيرًا: هذه النعمة لم أفدها منك ولا من أبيك هذه أفدتها من يحيى بن خالد. ولما أحس يحيى من الرشيد بالتغير، ركب إلى صديق له من الهاشميين ليشاوره في أمره، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أحب جمع المال، وقد كبر ولده، فأحب أن تعقد لهم الضياع، وقد كثر على أصحابك عنده، فلو نظرت إلى ما بين أيديهم من ضياع وأموال، فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت بها إليه رجونا لك السلامة، ولهم في ذلك من مكروهه، فقال يحيى: جعلني الله فداك! لأن تزول النعمة عنِّي أحبّ إليَّ من إزالتها عن قوم كنت سببها إليهم (١). وسمع رجل يحيى بن خالد، وهو يتضجّر بالعمل، ويستعفي منه، فقال له رجل كان يختص به منهم، أعيذك بالله أن يعلم أمير المؤمنين أنه مستغن عنك طرفة عين، ولا تفلح بعدها أبدًا، ودعه يظنُّ أنَّ ملكه يزول بزوالك، وأن صرفك ما لا يجوز، ولا يكون، فلم يقبل يحيى ذلك. ووصل الضجر إلى الرشيد والاستعفاء، فهلك وبنوه، وكان أسرعهم هلكًا، وأشنعهم صرعة جعفر. وحكي عن عبد الله بن زياد الكاتب: أنَّه لما أحس يحيى بالتغير من الرشيد، صار إلى معاذ بن مسلم، فدخل على دابته إلى مجلسه فقام إليه معاذ، وأكب عليه يحيى يكلمه، فلما فرغ من حديثه ولى منصرفًا، وعاد معاذ إلى مجلسه، فقال لمن حضر: أتدرون ما قال لي يحيى: فقالوا: لا. قال: جئت أشكو إليك أمير المؤمنين، فقلت:

стр. 3522

في ماذا؟ فقال: كان سألني أن أصرف له في السنة أربعة آلاف ألف درهم لخاص نفقاته ليصرفها فيما أحب، ففعلت، ثم سألني أن أزيد فزدته، فجعلتها ستة آلاف، ثم استزادني في وقت بعد آخر، ثم سألني اليوم أن أصيرها عشرة آلاف درهم، فأي بيت مال يبقى على هذا؟ وقد أشرت عليه بأن يداريه ويرفق به، ولا يسخطه. ودخل يحيى بن خالد على الرشيد لما ابتدأت حاله في الفساد، وهو خال، فعرف خبره وانصرف، فقال الرشيد لبعض الخدام الحق يحيى. فقل له: خنتني فاتهمتني! فلحقه فقال ذلك، فقال يحيى للرسول، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة، ووالله ما انصرفت عنك في خلوتك إلا تخفيفًا عنك. وهذا كلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: «إذا انقضت المدة كان الهلاك في العدَّة». أي الاستعداد. وأخذ هذا الكلام ابن الرومي الشاعر: [من الكامل] غَلِطَ الطَّبِيب علي غلطة مورد … عجزت مواردهُ عَنِ الإصدار والناسُ يَلْحَوْنَ الطَّبيب وإِنَّما … غَلَط الطبيب إصابة المقدار وذكر محمد بن زكريا العلاني قال: حدثني مهدي بن سابق قال: رأى يحيى بن خالد في منامه قبل نكبته كأن قائلًا يقول له: [من مجزوء الخفيف] أنعموا آلَ برمك … وأنظروها مَتَى هيه يوشك الدهر أن يحلـ ـل … عليكم بداهية وكان الرشيد بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان قلد علي بن عيسى بن ماهان خراسان لتكثير وقع عنده على الفضل في الأموال، فقتل علي بن عيسى وجوه أهل خراسان وملوكها، وجمع أموالًا جليلة، فحمل إلى الرشيد ألف بدرة معمولة من الحرير، فيها عشرة آلاف ألف درهم، فلما وصلت إليه سرَّ بها، وأحضر يحيى بن خالد، فقال له: يا أبت أين الفضل عن هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين: إنَّ سبيل خراسان أن يُحمل إليها المال، لا أن يُحمل منها، والفضل أصلح نيَّات رؤسائها، واستجلب طاعتهم، وعلي بن عيسى قتل صناديد أهل خراسان وطَرَاخِنَتِها، وحمل أموالهم، ولو قصدت الدرب من دروب الصيارف بالكرخ، لوجدت فيه أضعاف هذا، وسينفق أمير المؤمنين مكان كل درهم عشرة، فثقل هذا القول منه على الرشيد، فلما انتقض أمر خراسان، وخرج رافع بن الليث، واحتاج الرشيد إلى النهوض إليها بنفسه، فخرج حتى صار إلى طوس، وجعل يتذكر هذا الحديث، ويقول: صَدَقَنِي والله يحيى ونصح، فلم أقبل منه، لقد أنفقت مائة ألف ألف درهم وما بلغت شيئًا (١).

стр. 3523

وكان يحيى بن خالد ولى رجلًا بعض أعمال الخراج، فدخل به إلى الرشيد، ليراه ويوصيه، فقال الرشيد ليحيى ولولده: أوصياه، فقال له يحيى: وفّر واعمر. وقال له جعفر: أنصف وانتصف، فقال له الرشيد: أعدل وأحسن. واستأذن جعفر بن يحيى الرشيد في العمرة في سنة خمس وثمانين ومائة، فأذن له، فشخص في شعبان، وأقام إلى الحج، وانصرف، ولم يزل جعفر بن يحيى مع الرشيد على حاله من الأنس به والانبساط إليه، إلى أن ركب في يوم الجمعة مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة إلى الصيد، وجعفر معه يسايره خاليًا به، وانصرف ممسيًا على تلك الحال إلى القصر الذي كان ينزله بالأنبار، وهو معه، فضمه إليه، وقال: لولا أني أريد الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك، فصار جعفر إلى منزله، وواصل الرشيد الرسل إليه بالألطاف إلى وجه السحر، ثم هجم عليه مسرور الخادم ومعه سالم أبو عصمة، فَحُمِلَ وَرِبَتْ عنقه، وأُتِيَ الرشيد برأسه، وكانت سِنُّه سبعًا وثلاثين سنة، وأنفذ الرشيد جثته إلى مدينة السلام، مع هرثمة بن أعين ومسرور وسالم الخادمين، فقطعت نصفين وصلبتا على الجسرين، ونُصب رأسه بمدينة السلام. وحبس الفضل ومحمد وموسى بنو يحيى، ووكل سلام الأبرش بباب يحيى، ولم يتعرض لمحمد بن خالد، ولا لأحد من أسبابه. قال الجهشياري: حدثني عبد الواحد بن محمد الحضيني قال: حدثني أبو حازم القاضي قال: قد صح عندي أن جعفر بن يحيى كان مصلوبًا وفي رجليه قيد، فكنت أعجب من ذلك حتى سألت عيسى عن ذلك، فذكر أن مسرورًا لما هجم عليه وعرفه ما أمر به، قال له: يا أبا هاشم: الحرمة والمودة، فقال له: ما لي في أمرك حيلة! فقال له جعفر: فهذه خمسون ألف دينار اقبضها، واحملني معك غير مقتول، وأعلم أمير المؤمنين بأنك قد امتثلت ما أمرك به، فإن أمسك عني تركتني حتى يسألك عني، فتعلمه أنك قد أشفقت من قتلي خوفًا من أن يكون ما أمرك به من عمل النبيذ، أو بإرادة يندم عليها، فاستظهرت بتركي، وتمضي بعد ذلك ما يأمر به، وإن تكن الأخرى، فأنت من المال في حل. ففعل مسرور ذلك، وحمله إلى مضرب الرشيد بالعُمْرِ، فوكّل به فيه واستظهر بأن قيد، ثم دخل على الرشيد وهو جالس على كرسي ينتظره، فلما رآه قال: ما فعلت؟ فقال: امتثلت أمر أمير المؤمنين، قال: فأين رأسه يا بن الفاعلة؟ فرجع مسرور يعدو حتى أخذ رأسه في بريكة قبائه وألقاها بين يديه، وحُمِلَتْ جثته والقيد في رجليه. قال سلام الأبرش: ولما دخلت على يحيى بن خالد في ذلك الوقت، فهتكت الستور، وجمعت المتاع، قال لي غير متغيّر، ولا مضطرب: يا أبا سلامة، هكذا تقوم

стр. 3524

الساعة! ثم بلغه خبر قتل جعفر فقال: الحمد لله، فإني بفضل ربي واثق، وبالخيار منه لي عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم. وما ربك بظلام للعبيد، وما يغفر الله أكثر، والحمد لله على كل حال. وأنفذ الرشيد مسرورًا الخادم، والحسين الخادم، وأبا صالح بن يحيى بن عبد الرحمن الكاتب، وإبراهيم بن حميد الكاتب، لقبض أموالهم وعقاراتهم وضياعهم بالعراق، فكانت مدتهم في الوزارة سبعة عشر سنة. وذكر مسرور الخادم أنه دخل على جعفر في ليلة، وهي الليلة التي قُتل فيها، وبين يديه أبو زكار الأعمى المغني وهو يغني: [من الوافر] عداني أن أزورك غير بُعْضٍ … مُقامُكَ بينَ مُصْفَحَةٍ شَدَادِ فلا تبعد فكلُّ فتّى سَيَأتِي … عليه الموتُ يَطْرُقُ أو يغادي فقلت له: يا أبا الفضل الذي جئت له والله من ذلك، قد والله طَرَقَك الأمر، فأجب أمير المؤمنين، قال: دعني حتى أوصي، فتركته حتى أوصى بما أراد، وأعتق مماليكه، وأتتني الرسل تستحثني على قتله، فحملته. وقال الرقاشي في قتله: [من الطويل] الآنَ اسْتَرَحْنَا واستَراحَتْ رِكابُنا … وأمسكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كَان يَجْتَدِي فقل للمطايا قد أمنتِ من السُّرَى … وقَطع الفَيافِي فَدْفَدًا بَعْدَ فَدْفَدِ وقُلْ للمنايَا قَدْ ظَفِرْتِ بِجَعْفَرٍ … ولن تَظْفَرِي مِنْ بَعْدِهِ بِمُسوَّدِ وقُلْ للعَطَايَا بَعْدَ فَضْلٍ تعطَّلي … وقُلْ للرزايا كل يوم تجددي وَدُونَكَ سيفًا برمكيًا مُهنَّدًا … أُصِيْبَ بسيف هاشمي مُهنَّدِ وقال فيه أيضًا: [من الوافر] على المعروف والدُّنيا جميعًا … بدولة آل بَرْمَكِ السلامُ وما أبْصَرْتُ قبلَكَ يا بن يحيَى … حُسامًا قده السيفُ الحُسَامُ وقال أبو حزرَة: [من الخفيف] ما رَعَى الدَّهْرُ آل برمكَ لمَّا … أَنْ رَمَى مُلْكَهُم بأمر بديع إنَّ دهرًا لم يَرْعَ حقًَّا ليَحيَى … غيرُ راع حقًا لآل الربيع وقال آخر: [من الرمل] يا بَنِي بَرْمَكَ وَاهَا لَكُمْ … ولأيَّامِكُمُ المُقْتَبَلَة كانت الدنيا عروسًا بكُمُ … فَهِيَ الآنَ تَكُولٌ أَرْمَلَةُ (١)

стр. 3525

وقال محمد بن الحصين الأهوازي: كنا مع جعفر بن يحيى بالرقة ونحن بين يديه يومًا، وهو يأمر وينهى، إذ خلا بأنس بن أبي شيخ ناحية، ونحن نراه، فأدخل صاحب الشرطة رجلًا من أهل الذمة، فوقفه من بعيد، ودنا من جعفر فقال له: لقد أحضرت الرجل الذي أمرت بإحضاره، قال: فقطع ما كان فيه من أُنس، والتفت فنظر إليه. قال: وكان الرشيد أمر أهل الذمة بتغيير الملبوس والمركوب. قال له وهو رافع صوته: ما اسمك؟ قال: فلان قال: ابن من؟ قال: ابن فلان فقال: أنت الحراني؟ قال: نعم. قال: الرقعة التي رفعتها رقعتك؟ قال: نعم. قال: وما فيها عنك وأنت تقوله؟ قال: نعم، فأطرق جعفر ساعة، ثم التفت إلى صاحب الشرطة، وقال: خذه إليك فإن أمير المؤمنين قد أمرك أن تقتله وتصلبه، قال: فارتعنا لذلك القول، ولم نعرف الرجل ولا ما في برقعته. فأخذ صاحب الشرطة بيده، فقال: أنس بن أبي شيخ: أصلبه على أطول عود بالرقة، فالتفت الحراني وقال: إن شاء على أطول عود، وإن شاء على أقصره، ليس والله يركبه بعدي غيرك (١)! قال: وكان في الرقعة رفاعة على البرامكة. وقال أبو قابوس عمرو بن سليمان الحيري: يخاطب الرشيد ويرققه على الفضل بن يحيى بن خالد، ويذكر مقتل جعفر: [من الوافر] أمين الله هب فضل بن يحيى … لنفسِكَ أَيُّها المَلِكُ الهُمَامُ وما طَلَبِي إليكَ العفوَ عَنْهُ … وَقَدْ قَعَدَ الوُشاةُ بِهِ وقاموا أرى سبَبَ الرضا عنه قويًَّا … على الله الزيادة والتمام نذرتُ عليَّ فيه صيام شهر … فإن تمَّ الرضا وجَبَ الصّيام وهذا جعفر بالحسر يمحو … مَحاسِنَ وجهه ريحٌ قَتَامُ أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفةِ لا تَنَامُ لَطِفْنَا حولَ جِذْعِكَ واسْتَلَمْنَا … كما للنَّاس بالحجر استلام وما أبصرتُ قبلك يا بن يحيَى … حُسامًا قده السيفُ الحُسامُ عقاب خليفةِ الرَّحْمَنِ فخرٌ … لِمَنْ بِالسَّيْفِ صَبَّحَهُ الحِمَامُ قال: كان مسرور صديقًا للبرامكة جميعًا خلا جعفرًا، فإنه كان يعاديه، وكان قد

стр. 3526

جرى بينهما كلام بحضرة الرشيد، فشتمه جعفر وقرفه بشيء تبرأ منه مسرور، وحلف على بطلانه ثم قال لجعفر: إن كنتَ كاذبًا فَقَتَلَكَ اللهُ بسيفي هذا!! فذكر الفضل بن مروان أن مسرورًا ضرب عنق جعفر بذلك السيف. وحكى حمزة بن حنيف قال: كنا مع علي بن عيسى بن ماهان في الوقت الذي نزل فيه بالبرامكة، وكان من معاداتهم على ما لا غاية وراءه، وكان مسرورًا بنكبتهم، فعدنا له في يوم من الأيام، فوجدناه على قصره يبكي وينشد بيتين وهما: [من السريع] إنَّ المساكين بني برمك … صُبَّتْ عليهم غيرُ الدَّهرِ وللورى في أمرهم عِبْرَةٌ … فليعتبر ساكن ذا القصر قال: ثم لم يلبث حتى نكبه الرشيد عقيب البرامكة، ولم يزل في الحبس إلى أن أطلقه الأمين. وحكى الأصمعي قال: لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلًا فراعني، وأعجلني الرسل، فزادوا في وجلي، فصرت إليه، فلمَّا مَثلتُ بين يديه، أومأ إليَّ بالجلوس، فجلست، ثم قال: [من الكامل] لو أن جعفر خاف أسبابَ الرَّدَى … لَنَجَا بِمُهْجَتِهِ طِمِرٌ مُلْجَمُ ولكان من حَذَرِ المنُونِ بحَيثُ لا … يرجو اللحاق بِهِ العُقابُ القَشْعَمُ لكنه لما تقارَبَ يَومُهُ … لمْ يَدْفَع الحدثان عنه مُنَجِّمُ ثم قال لي: الحق بأهلك يا ابن قريب فنهضت ولم أحر جوابًا، وفكرت فلم أعرف لما كان منه معنى، إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه. وحكى إسحاق فقال: قال الرشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى وصلبه: اخرج بنا ننظر إلى جعفر، فلما وصل إليه، جعل ينظر ويتأمله وينشده: [من المتقارب] تقاضاك دهرُكَ ما أسْلَفَا … وكذَّرَ عيشَكَ بعد الصَّفَا فلا تَعْجَبَنَّ فإن الزَّمان … رهين بتفريق ما أَلَّفَا قال إسحاق: فنظرتُ إليه ثم قلت: يا جعفر أصبحنا به، ولقد كنت في الجود غاية، فنظر إلي الرشيد كالجمل الصؤول: [من السريع] ما يُعجِبُ العالم من جعفر … ما عاينوه بعد ما كانا مَنْ جَعفر أو مَنْ أبوه، ومَنْ … كانَتْ بَنُو بَرْمَكَ لولانا وكان جعفر قد اتخذ دنانير للصلة زنة كل دينار مائة دينار ودينار، وكتب على

стр. 3527

أحد وجهيها: [من المتقارب] وأصْفَرَ من ضرب دار الملوكِ … يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدًا … إذا نالَهُ مُعْسِرٌ يُوسِرُ ولما أوقع الرشيد بالبرامكة، لم يجد لهم إلا القليل، فسأل عن أموالهم، فقيل له: أذهبوها في المكرمات. وقال إسماعيل بن صبيح: كنت يومًا أكتب بين يدي يحيى بن خالد في أيامه، فدخل عليه ابنه جعفر، فلما رآه أشاح بوجهه عنه، وقطَّب، وتكره رؤيته، فلما انصرف قلتُ: أطال الله بقاك، أتفعل هذا بابنك، وحاله من أمير المؤمنين حاله لا يقدم عليه ولدًا ولا وليًا؟ فقال: إليك عنِّي أيها الرجل، فوالله ليكونَنَّ سبب هلاك هذا البيت. فلما كان بعده مديدة أخرى دخل عليه جعفر وأنا عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، فأعدتُ عليه القول، فقال لي: أدن مني الدواة، فأدنيتها، فكتب كلمات يسيرةً في رقعة وختمها ودفعها إليَّ وقال: لتكن عندك، فإذا دخلت سنة سبع وثمانين ومضى المحرم، فانظر فيها، فلما كان في صفر أوقع الرشيد فيهم ما أوقع، فنظرتُ في تلك الرقعة، فكان الوقت الذي ذكره (١). ثم ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة، وتحسر على ما فرط منه في أمرهم، وقال لخواصه: لو وثقت بصفو نياتهم لأعدتهم! وكان أكثر ما يقول: حملونا على نصائحنا وكفاتنا، وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم، فلما صاروا إلى مكانهم لم يُغنوا شيئًا. فهذه جملة من أخبار البرامكة وأيامهم، وكانت دولتهم الكريمة، وصولة الجود على العدم، وغاضت بعدهم نجوم السماحة، وغارت نجوم الفصاحة، وخفَّ وقار الثبات وجف ورق النبات، وأبى ضرع الكرم أن يدر لحالب، ودر الحمد أن ينتقل لجالب، وطمست أقمار البادي، وحبست أمطار الوادي، وذهبت الأيدي والأيادي، وسكتت همامهم الأسد العوادي، وغَلَّ المعروف يده في عتقه، وغرَّ الساري المدح وضوح طرقه، ونزلت وقاه مضرة، ونسفت أطواد الحجي وخسفت بدور الدجى، إلا بقية ذكر تلاقى أيامهم الزاهية، وَرِمَ بخضاب البكاء عليهم لمم. الدموع الساكبة، فما ماتوا حتى أبقوا لهم ذكرًا لا يموت، وشكرًا غير موقوت، حتى صار سمر الحاضر والبادي، والرائح والغادي، ولا يجري لهم ذكر في محفل إلا أثنى عليهم من

стр. 3528

حضر، ويصفهم ويثني عليهم عنان الثناء من يعرفهم، ومن لا يعرفهم: [من الكامل] كَفَلَ الثناء لهم برد حياتهم … لما انقضوا فكأنهم ما ماتوا * * * وأما بقايا وزراء الشرق فمنهم: [١٦] الربيع بن العباس (١) ولم يكن له رتبة وزارة ولا كتابة، وإنما كان حاجبًا، وذكرناه في الوزراء، لمؤازرته للخلفاء، ومشاركته في كثير من الأمور .. وكان من الشيعة العباسية، وأخباره معروفة، وقد تخلل في تضاعيف هذا التصنيف ما هو حلية جيدة، وعليه صفات مجيدة. ومنهم:

стр. 3529

[١٧] الفضل بن ربيع (١) وولي الوزارة لهارون الرشيد بعد البرامكة، وكان من أكبر الساعين في دمارهم، والمساعدين على خراب ديارهم، ثم ما سدُّوا مسدهم، ولا بلغوا أشدهم. وكان الرشيد قد عزم على الفصاد، ثم قال لجلسائه: أي شيء تهدون لي؟ فقال

стр. 3530

كل رجل منهم: قد أعددت كذا وكذا. واحتال الفضل بن ربيع في التخلص إلى منزله، فرهن حقه في قطيعة الربيع عند عون الجوهري على تحفة سنية، وقال له: إني أريد أن أهديها إلى الخليفة، فصيّر لي من ثمنها عشرين بدرة جددًا في أكياس ديباج منجمة مفضضة. وكان عون الجوهري يحفظ للربيع يدًا، فقال للفضل: أطابت نفسك أن تخرج عن جميع نعمتك في هدية يوم؟ فأعلم أنَّ له عند الرشيد مواعيد، فقال عون: إنَّ عندي عبدين روميين أحدهما ناقد، والآخر وازن جميلي الصورة، مراهقون، وقد وهبتهما لك، وأحضر تابوت أبنوس محلى بفضة، وصير البدر فيه مع الطيارات، والموازين والصبحات، ثم أقفله بقفل فضة، وغشاه بديباج، وكسا الغلامين من الديباج المذهب، وألبسهما المناطق المذهب المرصع بالجوهر، والمناديل المصرية، ووجه بهما وبالتابوت المملوء بالبدر مع من يحمله إلى دار الندماء، فلما فرغ الرشيد من فصاده، قال: اعرضوا عليَّ هداياكم، فقدمت هدية يحيى بن خالد وبنيه من فاكهة،

стр. 3531

ومشام، وما أشبه ذلك، وعرض غيرهم هداياهم، فقال الرشيد للفضل بن الربيع: أين هديتك يا عباسي؟ - وبذلك كان يدعوه - فقال: أحضرها يا أمير المؤمنين! ثم قال للفراشين: احملوها، فحملوها … راع الرشيد لما رآه، وكشفوا عن التابوت، فاستحسنه، ثم أحضر الغلامان، ففتح أحدهما القفل وأخرج الموازين والصبحات، وأخرج الآخر البدرة وفتح بدرة ووزنها، وشرع الآخر ينقد، فلم يدر الرشيد ما يستحسن واستطار فرحًا، وأمر بحمل المال، وإدخال الغلامين إلى دار النساء، ليفرقا المال على ما يأمرهما به، ثم قال للفضل: ويلك يا عباسي من أين لك هذا؟ قال: ستعرفه يا أمير المؤمنين فقال: لتقولن، فقال: بعتُ حقي من قطيعة الربيع لأشتري ما رأيتك قد فصدت وأنت مغموم، فقال: والله لأسرنَّكَ، فقام فدخل إلى دار النساء، وانصرف جعفر يجر رجليه. وحكي عن الفضل بن الربيع أنَّه قال: صرتُ إلى يحيى بن خالد، فسألته حاجة فتعذر علي فيها، فقمت وقلت: [من الطويل] متى وعَسَى يَثْنِي الزَّمَانُ عنانَه … بتصريف حالِ والزَّمانُ عَشُورُ نُقَضِّي لبانات وتشفى حسائك … وتحدث من بعدِ الأُمُورِ أُمُورُ قال: فقال يحيى: نعم يحدث الله من بعد الأمور أمورًا، أقسمت عليك لترجع، وهذه الحاجة علي في مالي إلى أن أكلم الخليفة، فما بت حتى وافتني (١). ثم أخذ الفضل بن الربيع في السعي على البرامكة، فلما آل أمرهم إلى ما آل، كان الفضل بن الربيع ممقوتًا من الرشيد، وسائر الناس. وحضر يومًا بعد نكبة البرامكة جنازة أم حمدونة بن علي فذكر البرامكة فأطارهم، ووصفهم، ثم قال: كنا نعتب عليهم، فقد صرنا نتمناهم، ثم أنشد متمثلًا: [من الطويل] عَتَبْتُ على سَلْمِ فَلَمَّا فقدْتُهُ … وَجَرَّبْتُ أَقْوَامًَا بَكَيْتُ عَلَى سَلْمِ (٢) وكان الفضل بن الربيع رجلًا سمحًا كريمًا، إلا أنه كره لواقعة البرامكة، ولم يسلّم إليه الرشيد خاتمة، ولا سلّمه إلى أحد غير البرامكة، بل كانت الكتب تحضر إلى بين يديه، ويختمها هو بيده. وكان الفضل بن الربيع محافظًا على خدمة الرشيد وحضرته، لا يبالي ما سوى ذلك، فضاع ما وراء بابه، واختلت الأمور.

стр. 3532

ثم كان هو القائم ببيعة الأمين، وتدبيره، وسدَّ خلله، وترقيع أموره، وهو الذي أخذ له البيعة لما مات الرشيد بطوس، وأتاه أبو نواس، فأنشده هذه [الأبيات]: [من الطويل] تَعَزَّ أبا العباس عَنْ خير هالِكِ … وَأَكْرِمِ مَيْتٍ كَانَ أَوْ هو كَائِنُ وفي الحَيِّ بالمَيْتِ الذي غُيِّبَ الثَّرَى … فَلَا أَنْتَ مَغْبُونٌ وَلَا الدَّهْرُ غَابِنُ ولم يكن عند الأمير إلا حاجبًا، ولكنه قام بكل الأمور، وتحدث في سائر الملك. وكان لأبي نواس إليه ميل، وفيه يقول: [من البسيط] لَقَدْ نزلت أبا العباس منزلةً … ما إِنْ تَرَى خَلفَها الأبصارُ مُطَّرَحَا وَكَلْتَ بالدهرِ عَيْنَا غَيْرَ غافلةٍ … مِنْ جُودِ كَفَّكَ فَأَسُ كُلَ مَا جَرَحَا وفيه يقول ويذكر تمكنه من الأمين: [من الطويل] لَعَمْرُكَ ما غاب الأمينُ مُحَمَّدٌ … عن الأمرِ يُغْنِيهِ إِذا شهدَ الفَضْلُ ولولا مواريث النبوةِ إنَّها … لها دونَهُ ما كَانَ بَيْنَهُمَا فَضْلُ ولهذا نقم المأمون عليه، ثم صلح أمره معه فيما بعد. وقد أكثر القراطيسي هجاءه، فمما قاله فيه: [من الهزج] لئِنْ أخطأت في مدْحِـ … ــكَ مَا أخطأتُ في مَعْنَى لقد أحلَلْتُ حاجاتي … بواد غر ذي زَرْعٍ (١) * * * ومنهم دولة السهيليين.: فمنهم: [١٨] الفضل بن سهل ذو الرئاستين (٢) وزير المأمون، والقائم بأمره حتى استخلف، وثبتت قواعد ملكه، وكان له مثل

стр. 3533

أبي مسلم للسفاح، ولم يكن في وقته أبصر منه بالنجامة، وله فيها الأحكام العجيبة، والمصادفات الموافقة، فقل أن أخطأ له حدس، أو كذب له قول، مع ما كان له من وفور البلاغة، وعظم الشجاعة، وسماحة اليد، وسعد الجد، وإضاءة الزند، وإضاعة الند، إذا قيل إنه له ند. ولما قَتَلَ طاهر بن الحسين محمدًا الأمين، وأنفذ رأسه إلى المأمون، قال الفضل بن سهل: ما فعل بنا طاهر، سل علينا سيوف الناس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به أسيرًا، فبعث به عثيرًا. ثم أمر المأمون أن ينشأ كتاب طاهر يقرأ على الناس، فكتب عدة كتب لم تَرضِ ذا الرئاستين، فكتب أحمد بن يوسف كتابًا نسخته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «أما بعد، فإنَّ المخلوع، وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق حكم الإسلام بينهما في الولاية والحرمة لمفارقة عصمة الدين وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين، يقول الله - جل اسمه - فيما اقتص علينا: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح﴾ (١)، ولا صلة لأحدٍ في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله، وكتبت وقد قتل الله المخلوع ورداه رداء بغيه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من وعده، والحمد الله الراجع إلى أمير المؤمنين بعلوم حقه، المكائد له خير عهده، ونقض عقده حتى ردَّ الله به الألفة بعد فرقها، وأحيا الأعلام بعد دروسها، وجمع به الأمة بعد شتاتها .. والسلام». فلما عرضت النسخة على ذي الرئاستين رجع نظره فيها، ثم قال لأحمد بن يوسف: ما أنصفناك، ثم أجزل له العطاء (٢). وكان الفضل بن سهل شيخًا سَرِيًَّا، نبيل النفس، كثير الأفضال، يذهب مذاهب

стр. 3534

البرامكة في ذلك، وإنما كان غليظ العقوبة، مقدامًا إذا أنكر، حَسَنَ الرجوع إذا استوطن. وكان يبغض السعاة ويعصيهم، وإذا أتاه ساع قال له: إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا، أقلناك. ومنهم: [١٨] الحسن بن سهل (١) وتقلد الوزارة للمأمون. وكان كاتبًا بليغًا، لسنًا، لسانه من عصبه، وقلمه من سحبه، ولا يجري السير إلا على مدى قدمه، ولا يمضي السيف إلا بشبا قلمه، ويروي المسامع من كلامه الرقراق، بساعات محاضرته، أيام الفراق.

стр. 3535

وخطب المأمون إليه ابنته بوران، واسمها خديجة فقال: يا أمير المؤمنين؟ إني وإن كنت عبدك، وكانت أمتك بوران، فإنَّ الدهاقين لا يزوجون بناتهم إلا في منازلهم، فإن رأى أمير المؤمنين، أن يكمل تشريفي قصد منزله والذي ملكنيه، فعقد أمراسه فيه، ودخل بها فأجابه إلى ذلك، وعمل عليه، وقصد فم الصلح في شهر رمضان سنة عشر ومائتين في زورق ركبه من قصره حتى أرسى على باب الحسن بفم الصلح. وكان قد قدم العباس بن المأمون على الظهر، ومعه العسكر والنقل، فتلقاه الحسن، فأومأ الحسن لينزل، وحلف كل واحد منهما على صاحبه، واعتنقا، وهما على دوابهما. ووافي المأمون فأكل هو والعباس بن المأمون، ودينار بن عبد الله قائمًا على رؤوسهم حتى فرغوا من طعامهم. ثم دعا المأمون بشراب فأتي بجام من ذهب فيه شراب، فشرب، ثم عقد العقد، ونثر الحسن في ذلك اليوم كل شيء له يجري على ملكه من الكراع، والرقيق، والبزاة، والكسي، والطيب، والضياع والعقارات والجواهر، والدنانير، والدراهم، وكان ذلك مثبتًا كله في رقاع فيها ذكر هذه الأصناف، وجعلت في أكر عنبر ثم نثرت، وكان كل من التقط شيئًا من تلك الرقاع بصنف صار إلى خازن ذلك الصنف فقبض منه.

стр. 3536

ودخل المأمون ببوران بعد قدومه بستة أيام، وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها أم الفضل بن سهل، فلما جلس المأمون معها، نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمرها المأمون أن تجمع، وسألها عن عدد الدرر، فذكرت أنه ألف حبة، فعدت فنقصت عشرًا، فقال المأمون: من أخذها فليردها؟ فجمعه المأمون وجعله في حجرها، وقال لها: هذه نحلتك، فاسألي حوائجك، فأمسكت. فقالت لها جدتها: كلمي سيدك، فقد أمرك، واسأليه حوائجك، فقد أذن لك، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي. وكان قد شخص معه في العسكر، ولم يظهر منه الرضا عليه، ففعل، وسألته في الإذن لأم جعفر في الحج، وجعلت عليها أم جعفر البدنة الأموية، وبنى بها المأمون في ليلته، وأوقد بين يديه في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منًا، فأنكر ذلك وقال: هذا سرف. ووصل الحسن بعشرة آلاف درهم من مال فارس، ففرقها في قواد المأمون وحشمه وأقام المأمون سبعة عشر يومًا، يُعدُّ له في كل يوم، وبجميع من معه ما يحتاجون إليه ممن جميع الأشياء. وخلع الحسن على جميع القواد والوجوه ووصلهم، فتكون نفقته على جميع ذلك خاصة، سوى ما أنفقه على تجهيز بوران، وما وصله به المأمون، خمسين ألف ألف درهم، وكانت نفقته على الجهات ثمانية وثلاثين ألف ألف درهم. قال ابن عبدوس: وكان الحسن بن سهل قد رتّب أربعين بغلًا تنقل الحطب إلى حضائر أعدها له، وكانت تنقل في اليوم عدة مرار فمكثت تنقل سنة كاملة. ولما أعرس المأمون ببوران استعمل ذلك الحطب أجمع، وجميع ما قدر على سواه، واضطرهم. الأمر إلى أن قطعوا شعب النخل رَطْبًَا، وصبوا عليها الزيت والأدهان، وأوقدوها في زواج المأمون ببوران: [من الطويل] ليَهْنِكَ أَصْهَارٌ أَذَلْتَ بعزّهَا … خُدُودًا وجَدَّعْتَ الأُنُوفَ الرَّواغِمَا جَمَعْتَ بها الشَّملَيْنِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … وَحُزْتَ بِهَا لِلْكِسْرَيَيْنِ المَكَارِمَا بكوك غدوًا آل النبي وأَوْرَثُوا … الخلافَةَ … كِسْرَى وَهَا شِمَا وحكى عنه محمد الجهم حكاية منها: أنه كان يسايره - يعني الحسن - حتى أتى داره، ثم أمره بالنزول، وكان يوم نوروز، ثم قال له: إني قد جعلت لكل شيء يهدى إلى اليوم، فأقم عندي غلامك، ليقبضه. قال: فحصل في يدي ما قيمته ألف دينار، فلما أمسينا، وحضر وقت الانصراف، قمت قائمًا، وقلت: أعز الله الأمير، قد قبلت ما وهبته لي، وقبضته، وقد وهبته لمحمد بن الأمير فقال لي: قد قبلها، فانصرف مصاحبًا. فانصرفت، فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله، فأتيته، فقال: إنَّ

стр. 3537

أمير المؤمنين طلب مني رجلًا يوجه به إلى مصر في شيء من أمورها وقد سميتك له، واستنجزت أمره لك بعشرة آلاف دينار صلة لك، ومائة ألف درهم لنفقة طريقك، وثلاثين رأسًا من الظهر، فامض إلى أمره، ثم إن استطبت البلد، فاكتب إليَّ حتى أقلّدكه، وإن كرهته، فاكتب إليَّ حتى أفعل ما أرى، فقبضت ما أمر لي به، وشخصت حتى أتيت مصر، ففرغت مما أمرت به ولم أستطبها فبذل لي على الانصراف مائة ألف دينار، فقبضتها، ثم كتبت إلى الحسن، فأمر لي بعشرة آلاف دينار أخرى، وأذن لي في الانصراف. وقال أبو عيسى محمد بن سعيد، سمعت عبد الله بن سليمان يقول: لم أر أحدًا قط يقطع بسجلات - غير الخليفة - إلا الحسن بن سهل. وعنه قال ابن غسان بن عبّاد: إنَّه حضر الحسن بن سهل يومًا، وقد أعطى عطايا جزيلة عظيمة المقدار، فقال له غسان، على سعة نفسه، وإنَّه لما قدم من السند، وصل بعشرة آلاف ألف درهم، فلم يبرح من دار المأمون حتى فرَّقها بأسرها: أيها الأمير لا خير في السرف، فقال له الحسن: مُتعتُ بك، ولا سرف في الخير. وعن يحيى بن خاقان، قال - وكان يكتب للحسن بن سهل - مر علي ابن هشام برجل للحسن بن سهل فأمر له بألف دابة، وتقدَّم إليَّ بالكتاب له بها، قال: فصادف علي بن هشام، فقال: إنَّ الأمير قد أمر لي بألف دابة، كما علمت، وفكرت فيها، فإذا هي عيال لا أقوم بها، وله عليَّ مؤنه كثيرة لا أطيقها، ولا يحسن بي أن أبيعها، وهي عطية الأمير وأحبّ أن يحتال لي فيها، قال: فلم يفرغ من كلامه حتى أتاني رسول الحسن بن سهل من المصير إليه، فلما دخلت عليه، قال: يا يحيى أعلمت أني فكرت فيما أمرت به لعلي بن هشام فوجدته كما يقول العامة: رزقك الله قليلًا تعوض تعوله، وأنه ليس له فيها حظ، فاكتب له مع ألف دابة ألف غلام، وأقم له إنزال الغلمان، وعلوفة الدواب، قال: ففعلت ذلك. وقيل لأبي العيناء: ما تقول في الحسن بن سهل، فقال: خلف آدم في ولده فهو يسد خلتهم عليهم، ولقد رفع الله الدنيا من شأنها أن جعله من سكانها. وفيه يقول يوسف الجوهري الشاعر: [من البسيط] لَوْ أَنَّ عينَ زُهَيْرٍ أَبْصَرَتْ حَسَنًا … وكيف يصْنَعُ في أَمْوَالِهِ الكَرَمُ إذا لَقَالَ زُهَيْرٌ حِينَ يُبْصِرُهُ: … هَذَا الجَوَادُ عَلَى العِلاتِ لَا هَرَمُ فهذه جملة أخبار السهليين، وهم أوسع من البرامكة كرمًا وأنفع ديمًا، وإن كان

стр. 3538

أولئك أطير صيتًا، وأشهر ذكرًا محييًا مميتًا، إلا أنَّ أولئك أرجح عقولًا، وأنجح مأمولًا. فأما السهليون، فبحور يعبّ عبابها، ويصب سحابها، لا مهات أن تهب، ولا يوقد نار قرى إلا الذهب، فما اصطلى بلهبها إلا من وصل بذهبها، وإذا قصدنا قصد الحق، فأولئك فتحوا الباب لهؤلاء حتى دخلوا، وهؤلاء بنوا كما بنى أولئك، وفعلوا مثل ما فعلوا، إلا أن الحسن بن سهل امتدت أيامه إلى زمن المتوكل، ونزل عن تلك الرتبة التي علت على السماء مظهرًا، ولم يرض درّ الكواكب لحليها جوهرًا، إلا أنه كان محفوظًا له ما تقدم أيام المأمون، وكان يرعى له الفضل بن مروان سالفة ذاك الأوان. فلما وزر ابن الزيات، فقصد بسوء تعمده بإخماد ضوئه، ولم يتمكن منه … عقوبة ولا قدر على الصدر … من رتبته، فلم يلحقه قذى غضاضة، ولا أغض خلقه شجى مضاضة. ثم نعود إلى تتمة من ذكر من الوزراء بالمشرق، فنقول: [١٩] أحمد بن أبي خالد (١) وكان مندول الطارف والتالد، لا يدمه بريل ولا ينصرف عنه. ولما قتل الفضل بن سهل، قال له المأمون: إنّي كنت عزمت أن لا أستوزر أحدًا

стр. 3539

بعد ذي الرئاستين، وقد رأيت أن أستوزرك، فقال: يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين العامة منزلة يتأملها صديقي، ويرجوها ويخافها عدوّي، ويحذرها، ولا يقال أبلغ العامة، وليس إلا الانحطاط، فاستحسن ذلك منه واستوزره. قال أحمد بن خالد: لما قدمنا من خراسان مع المأمون، وكنا بعقبة حلوان، كنت فقال لي: يا أحمد إني لأجد رائحة العراق، فأجبته بغير جوابه، فقال: ما هذا جوابي، ولكنّي أحسبك مفكّرًا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فيم فكرت؟ قال: في هجومنا على بغداد، وليس معنا إلا خمسين ألف درهم مع فتنة قد غلبت على قلوب الناس، كيف يكون حالنا إن هاج هيج، أو تحرك متحرك؟ فأطرق مليًا، ثم قال: صدقت يا أحمد ما أحسن ما فكرت!، ولكني أخبرك أنَّ الناس في هذه المدينة ثلاث طبقات: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم. فأما الظالم فليس يتوقع إلا عتابنا، وأما المظلوم، فليس يتوقع إلا أن يُنصَف بنا، ومن خرج منهما فمنزله يسعه. فوالله ما كان إلا كما قال. وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد وغسان بن عباد لما ظفر بإبراهيم بن المهدي: ما تريان فيه؟، قال أحمد بن أبي خالد لغسان: تعفو عنه، وقال غسان: تقتله، فقال أحمد بن أبي خالد: العفو قبيح أم جميل؟، فقال له غسان جميل، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين أولى الناس بالجميل ما لم يسبقه أحد بمثله، فكان من أمره ما كان. وحكى ابن عبدوس: أنَّ رجلًا من وجوه الكتاب كان يقال له: صالح بن علي الأجعم طالت به العطلة في أيام المأمون. قال: فبكرت يومًا إلى أحمد بن [أبي] خالد مُغلّسًا لا أكلمه في أمري، فخرج من بابه وبين يديه الشمع قاصدًا دار المأمون، فلما نظرني، أنكر بكوري، وعبس في وجهي وقال: أفي الدنيا أحد يبكر هذه البكرة، ليشغلنا عن أمورنا؟، فقلت له: أصلحك الله ليس العجب منك فيما تلقيتني به، إنما العجب مني إذ سهرت ليلتي، وأسهرت جميع من في منزلي تأميلًا لك، وتوقفًا للصبح

стр. 3540

حتى أصير إليك، لأستغيثك، وعلي إن عدتُ وقفتُ لك بباب، وسألتك حاجة حتى تصير إليَّ معتذرًا، وانصرفت مغمومًا بما لقيني به، مفكرًا فيه، متندمًا على ما فرط مني من اليمين غير شاك في العطب. فأنا كذلك إذ دخل علي بعض الغلمان، فقال لي: الوزير ابن أبي خالد مقبل إليك في الشارع، ثم دخل آخر، فقال: ها هو قريب من الباب، ثم تبادرت الغلمان بين يديه ودخل، فخرجت مستقبلًا له، فلما استقر به الجلوس، قال لي: أمير المؤمنين أمرني بالبكور إليه في بعض مهماته، فدخلت إليه وقد غلبني السهر بما فرط إليك مني، حتى أنكر عليَّ، فقصصت عليه القصَّة، فقال لي: قد أسأت بالرجل، امض إليه معتذرًا مما قلته له، فقلت: أفأمضي فارغ اليدين؟، فقال: تريد ماذا؟ قلت: تقضي دينه، فقال: كم هو؟ فقلت: ثلاثمائة ألف درهم، فأمرني بالتوقيع بها، فوقعت بها، ثم قلت: فإذا قضي دينه رجع إلى ماذا؟ قال: فوقع له ثلاثمائة ألف درهم أخرى يصلح بها أمره، فقلت: فولاية يشرف بها، قال: وله مصر أو غيرها فما يشبهها، فقلت: فمعونة على سفره، فأمر لي بتوقيع بمائة ألف درهم، وهذه التوقيعات لك بسبعمائة ألف درهم، والتوقيع بولاية مصر، ودفعها إليَّ وانصرف. وكان نهمًا في الأكل فأجرى عليه المأمون في كل يوم لما يريد ألف درهم، ومع هذا لم تكف نهمه، ولا شغلت فمه. [٢٠] عَمْرو بن مَسْعَدة (١) أحد كتاب المأمون في وزارته، وله مكانة ومنزلة عنده، واعتمد عليه المأمون في
следующие страницы →