ودخل المأمون ببوران بعد قدومه بستة أيام، وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها أم الفضل بن سهل، فلما جلس المأمون معها، نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمرها المأمون أن تجمع، وسألها عن عدد الدرر، فذكرت أنه ألف حبة، فعدت فنقصت عشرًا، فقال المأمون: من أخذها فليردها؟ فجمعه المأمون وجعله في حجرها، وقال لها: هذه نحلتك، فاسألي حوائجك، فأمسكت. فقالت لها جدتها: كلمي سيدك، فقد أمرك، واسأليه حوائجك، فقد أذن لك، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي. وكان قد شخص معه في العسكر، ولم يظهر منه الرضا عليه، ففعل، وسألته في الإذن لأم جعفر في الحج، وجعلت عليها أم جعفر البدنة الأموية، وبنى بها المأمون في ليلته، وأوقد بين يديه في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منًا، فأنكر ذلك وقال: هذا سرف. ووصل الحسن بعشرة آلاف درهم من مال فارس، ففرقها في قواد المأمون وحشمه وأقام المأمون سبعة عشر يومًا، يُعدُّ له في كل يوم، وبجميع من معه ما يحتاجون إليه ممن جميع الأشياء.
وخلع الحسن على جميع القواد والوجوه ووصلهم، فتكون نفقته على جميع ذلك خاصة، سوى ما أنفقه على تجهيز بوران، وما وصله به المأمون، خمسين ألف ألف درهم، وكانت نفقته على الجهات ثمانية وثلاثين ألف ألف درهم.
قال ابن عبدوس: وكان الحسن بن سهل قد رتّب أربعين بغلًا تنقل الحطب إلى حضائر أعدها له، وكانت تنقل في اليوم عدة مرار فمكثت تنقل سنة كاملة. ولما أعرس المأمون ببوران استعمل ذلك الحطب أجمع، وجميع ما قدر على سواه، واضطرهم. الأمر إلى أن قطعوا شعب النخل رَطْبًَا، وصبوا عليها الزيت والأدهان، وأوقدوها في زواج المأمون ببوران: [من الطويل]
ليَهْنِكَ أَصْهَارٌ أَذَلْتَ بعزّهَا … خُدُودًا وجَدَّعْتَ الأُنُوفَ الرَّواغِمَا
جَمَعْتَ بها الشَّملَيْنِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … وَحُزْتَ بِهَا لِلْكِسْرَيَيْنِ المَكَارِمَا
بكوك غدوًا آل النبي وأَوْرَثُوا … الخلافَةَ … كِسْرَى وَهَا شِمَا
وحكى عنه محمد الجهم حكاية منها: أنه كان يسايره - يعني الحسن - حتى أتى داره، ثم أمره بالنزول، وكان يوم نوروز، ثم قال له: إني قد جعلت لكل شيء يهدى إلى اليوم، فأقم عندي غلامك، ليقبضه. قال: فحصل في يدي ما قيمته ألف دينار، فلما أمسينا، وحضر وقت الانصراف، قمت قائمًا، وقلت: أعز الله الأمير، قد قبلت ما وهبته لي، وقبضته، وقد وهبته لمحمد بن الأمير فقال لي: قد قبلها، فانصرف مصاحبًا. فانصرفت، فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله، فأتيته، فقال: إنَّ
стр. 3537
أمير المؤمنين طلب مني رجلًا يوجه به إلى مصر في شيء من أمورها وقد سميتك له، واستنجزت أمره لك بعشرة آلاف دينار صلة لك، ومائة ألف درهم لنفقة طريقك، وثلاثين رأسًا من الظهر، فامض إلى أمره، ثم إن استطبت البلد، فاكتب إليَّ حتى أقلّدكه، وإن كرهته، فاكتب إليَّ حتى أفعل ما أرى، فقبضت ما أمر لي به، وشخصت حتى أتيت مصر، ففرغت مما أمرت به ولم أستطبها فبذل لي على الانصراف مائة ألف دينار، فقبضتها، ثم كتبت إلى الحسن، فأمر لي بعشرة آلاف دينار أخرى، وأذن لي في الانصراف.
وقال أبو عيسى محمد بن سعيد، سمعت عبد الله بن سليمان يقول: لم أر أحدًا قط يقطع بسجلات - غير الخليفة - إلا الحسن بن سهل.
وعنه قال ابن غسان بن عبّاد: إنَّه حضر الحسن بن سهل يومًا، وقد أعطى عطايا جزيلة عظيمة المقدار، فقال له غسان، على سعة نفسه، وإنَّه لما قدم من السند، وصل بعشرة آلاف ألف درهم، فلم يبرح من دار المأمون حتى فرَّقها بأسرها: أيها الأمير لا خير في السرف، فقال له الحسن: مُتعتُ بك، ولا سرف في الخير.
وعن يحيى بن خاقان، قال - وكان يكتب للحسن بن سهل - مر علي ابن هشام برجل للحسن بن سهل فأمر له بألف دابة، وتقدَّم إليَّ بالكتاب له بها، قال: فصادف علي بن هشام، فقال: إنَّ الأمير قد أمر لي بألف دابة، كما علمت، وفكرت فيها، فإذا هي عيال لا أقوم بها، وله عليَّ مؤنه كثيرة لا أطيقها، ولا يحسن بي أن أبيعها، وهي عطية الأمير وأحبّ أن يحتال لي فيها، قال: فلم يفرغ من كلامه حتى أتاني رسول الحسن بن سهل من المصير إليه، فلما دخلت عليه، قال: يا يحيى أعلمت أني فكرت فيما أمرت به لعلي بن هشام فوجدته كما يقول العامة: رزقك الله قليلًا تعوض تعوله، وأنه ليس له فيها حظ، فاكتب له مع ألف دابة ألف غلام، وأقم له إنزال الغلمان، وعلوفة الدواب، قال: ففعلت ذلك.
وقيل لأبي العيناء: ما تقول في الحسن بن سهل، فقال: خلف آدم في ولده فهو يسد خلتهم عليهم، ولقد رفع الله الدنيا من شأنها أن جعله من سكانها.
وفيه يقول يوسف الجوهري الشاعر: [من البسيط]
لَوْ أَنَّ عينَ زُهَيْرٍ أَبْصَرَتْ حَسَنًا … وكيف يصْنَعُ في أَمْوَالِهِ الكَرَمُ
إذا لَقَالَ زُهَيْرٌ حِينَ يُبْصِرُهُ: … هَذَا الجَوَادُ عَلَى العِلاتِ لَا هَرَمُ
فهذه جملة أخبار السهليين، وهم أوسع من البرامكة كرمًا وأنفع ديمًا، وإن كان
стр. 3538
أولئك أطير صيتًا، وأشهر ذكرًا محييًا مميتًا، إلا أنَّ أولئك أرجح عقولًا، وأنجح مأمولًا.
فأما السهليون، فبحور يعبّ عبابها، ويصب سحابها، لا مهات أن تهب، ولا يوقد نار قرى إلا الذهب، فما اصطلى بلهبها إلا من وصل بذهبها، وإذا قصدنا قصد الحق، فأولئك فتحوا الباب لهؤلاء حتى دخلوا، وهؤلاء بنوا كما بنى أولئك، وفعلوا مثل ما فعلوا، إلا أن الحسن بن سهل امتدت أيامه إلى زمن المتوكل، ونزل عن تلك الرتبة التي علت على السماء مظهرًا، ولم يرض درّ الكواكب لحليها جوهرًا، إلا أنه كان محفوظًا له ما تقدم أيام المأمون، وكان يرعى له الفضل بن مروان سالفة ذاك الأوان. فلما وزر ابن الزيات، فقصد بسوء تعمده بإخماد ضوئه، ولم يتمكن منه … عقوبة ولا قدر على الصدر … من رتبته، فلم يلحقه قذى غضاضة، ولا أغض خلقه شجى مضاضة.
ثم نعود إلى تتمة من ذكر من الوزراء بالمشرق، فنقول:
[١٩] أحمد بن أبي خالد (١)
وكان مندول الطارف والتالد، لا يدمه بريل ولا ينصرف عنه.
ولما قتل الفضل بن سهل، قال له المأمون: إنّي كنت عزمت أن لا أستوزر أحدًا
стр. 3539
بعد ذي الرئاستين، وقد رأيت أن أستوزرك، فقال: يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين العامة منزلة يتأملها صديقي، ويرجوها ويخافها عدوّي، ويحذرها، ولا يقال أبلغ العامة، وليس إلا الانحطاط، فاستحسن ذلك منه واستوزره.
قال أحمد بن خالد: لما قدمنا من خراسان مع المأمون، وكنا بعقبة حلوان، كنت فقال لي: يا أحمد إني لأجد رائحة العراق، فأجبته بغير جوابه، فقال: ما هذا جوابي، ولكنّي أحسبك مفكّرًا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فيم فكرت؟ قال: في هجومنا على بغداد، وليس معنا إلا خمسين ألف درهم مع فتنة قد غلبت على قلوب الناس، كيف يكون حالنا إن هاج هيج، أو تحرك متحرك؟ فأطرق مليًا، ثم قال: صدقت يا أحمد ما أحسن ما فكرت!، ولكني أخبرك أنَّ الناس في هذه المدينة ثلاث طبقات: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم. فأما الظالم فليس يتوقع إلا عتابنا، وأما المظلوم، فليس يتوقع إلا أن يُنصَف بنا، ومن خرج منهما فمنزله يسعه.
فوالله ما كان إلا كما قال.
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد وغسان بن عباد لما ظفر بإبراهيم بن المهدي: ما تريان فيه؟، قال أحمد بن أبي خالد لغسان: تعفو عنه، وقال غسان: تقتله، فقال أحمد بن أبي خالد: العفو قبيح أم جميل؟، فقال له غسان جميل، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين أولى الناس بالجميل ما لم يسبقه أحد بمثله، فكان من أمره ما كان.
وحكى ابن عبدوس: أنَّ رجلًا من وجوه الكتاب كان يقال له: صالح بن علي الأجعم طالت به العطلة في أيام المأمون. قال: فبكرت يومًا إلى أحمد بن [أبي] خالد مُغلّسًا لا أكلمه في أمري، فخرج من بابه وبين يديه الشمع قاصدًا دار المأمون، فلما نظرني، أنكر بكوري، وعبس في وجهي وقال: أفي الدنيا أحد يبكر هذه البكرة، ليشغلنا عن أمورنا؟، فقلت له: أصلحك الله ليس العجب منك فيما تلقيتني به، إنما العجب مني إذ سهرت ليلتي، وأسهرت جميع من في منزلي تأميلًا لك، وتوقفًا للصبح
стр. 3540
حتى أصير إليك، لأستغيثك، وعلي إن عدتُ وقفتُ لك بباب، وسألتك حاجة حتى تصير إليَّ معتذرًا، وانصرفت مغمومًا بما لقيني به، مفكرًا فيه، متندمًا على ما فرط مني من اليمين غير شاك في العطب. فأنا كذلك إذ دخل علي بعض الغلمان، فقال لي: الوزير ابن أبي خالد مقبل إليك في الشارع، ثم دخل آخر، فقال: ها هو قريب من الباب، ثم تبادرت الغلمان بين يديه ودخل، فخرجت مستقبلًا له، فلما استقر به الجلوس، قال لي: أمير المؤمنين أمرني بالبكور إليه في بعض مهماته، فدخلت إليه وقد غلبني السهر بما فرط إليك مني، حتى أنكر عليَّ، فقصصت عليه القصَّة، فقال لي: قد أسأت بالرجل، امض إليه معتذرًا مما قلته له، فقلت: أفأمضي فارغ اليدين؟، فقال: تريد ماذا؟ قلت: تقضي دينه، فقال: كم هو؟ فقلت: ثلاثمائة ألف درهم، فأمرني بالتوقيع بها، فوقعت بها، ثم قلت: فإذا قضي دينه رجع إلى ماذا؟ قال: فوقع له ثلاثمائة ألف درهم أخرى يصلح بها أمره، فقلت: فولاية يشرف بها، قال: وله مصر أو غيرها فما يشبهها، فقلت: فمعونة على سفره، فأمر لي بتوقيع بمائة ألف درهم، وهذه التوقيعات لك بسبعمائة ألف درهم، والتوقيع بولاية مصر، ودفعها إليَّ وانصرف.
وكان نهمًا في الأكل فأجرى عليه المأمون في كل يوم لما يريد ألف درهم، ومع هذا لم تكف نهمه، ولا شغلت فمه.
[٢٠] عَمْرو بن مَسْعَدة (١)
أحد كتاب المأمون في وزارته، وله مكانة ومنزلة عنده، واعتمد عليه المأمون في
стр. 3541
وزارته بعد أحمد، وقلّده أمره. وكان من البلغاء الذين إليهم يشار، وبنان كأنه الآذي المشار. وحكى ميمون بن هارون: أنَّ رجلًا مرَّ بقصر عمرو بن مسعدة بعد بنائه بأيام، فقال ألا أخبركم ما أنفق على هذا القصر؟ فقال: أربعة وعشرون ألف ألف درهم.
ومما استجاد له قوله: أما بعد، فلن يعدم من معروفك عندنا أمرين، أجرًا من الله، وشكرًا منا، وخير مواضع ما جمع الأجر والشكر.
ومنه كتاب كتبه إلى المأمون وهو: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم. كفاة راحت أعطياتهم، واختلت لذلك أحوالهم، والتاثت معه أمورهم.
وكان المأمون معجبًا بهذا الكتاب، وكان يقول: استحساني أياه يعينني إن أمرت للجند مثله بعطاياهم لسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه من حل محله في صناعته.
وكتب إلى بعض أصحابه في حق شخص يعزُّ عليه: أما بعد، فوصل كتابي هذا إليك سالم والسلام.
أراد بهذا قول الشاعر: [من الطويل]
يُدِيرُوْنَنِي عَنْ سالم وأُدِيْرُهُمْ … وَجِلْدَةُ بَيْنَ العَيْنِ والأَنْفِ سَالِمُ
يعني أنَّ هذا المحل مني هذا المحل.
ومن كتاب كتبه إلى رئيس [وقد تزوجت أمه فساءه] ذلك: الحمد لله الذي
كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ثم أتى على هذا كتابه (١).
стр. 3542
وقد ساق ابن خلكان هذه الرسالة بتمامها في ترجمة ابن مسعدة (١).
ثم ذكر بيتين ذكرهما إنهما لابن عباد الصاحب في معناهما وهما: [من المتقارب]
عدلت لتزويجهِ أُمَّهُ … فقالَ: فَعَلْتَ حلالًا يَحُوز
فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، حلالًا فَعَلْتَ … وَلَكِنْ سمحت بصدع العجوز (٢)
واعتل عمرو فقال (٣): [من البسيط]
قالوا: أتى الفضل معتلًا، فقلتُ لهم: … نفسي الفداء لهُ مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ
ياليت علته بي غيرَ أَنَّ لَهُ … أَجْرَ العَلِيلِ وَأَنِّي غيرُ مَأْجُورِ
ومرض فعاده المأمون، فتلقاه عمرو وقد كان أبل من علته، فقال مروان بن أبي حفصة (٤): [من الهزج]
صح الجسم يا عَمْرُو … لَكَ التَّمْحِيْصُ والأَجْرُ
ولله علينا الحمـ … ـــدُ والمِنَّةُ والشَّكْرُ
وَقَدْ كانَ شَكَا شَوقًا … إليْكَ النَّهْيُ والأَمْرُ
وَهَا قَدْ جاءَكَ المأمُو … نُ فَابْشِرْ قَدْ نَأَى الضَّرُّ
وكتب حميد الطوسي إلى عمرو بن مسعدة: [من الوافر]
ونَسْتَعْدِي الأمير إذا مَرِضْنَا … فَمَنْ نُعْدِي إِذا ظَلَمَ الأميرُ
ونحن نعوذ بالله من ظلم صاحب المظالم فوقع على رقعته: وأنا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن فضوله، وأنا أحبّ أن يتقرر عندك أن آمل فيك أبعد من اختلس الأمور منك اختلاس من سيرى في عاجلك غرضًا من أجلك، وفي الذاهب من يومك بدلًا من المأمون في غدك.
ومنها:
ذو الحرمة ملوم علي فرحًا، الدالة كمال المحتوم به مذموم على التناسي والاذالة، ومن مذهبي الوقوف بنفسي دون الغاية إلى تقدُّمي إليها حتى الأمرين أحدهما أن الرضا بدون الحق أزيد من الحق، والثاني أني أرى النفس من الحظ زهيدًا إذا أتى
стр. 3543
من جهة الإرهاق، ولي ذمام المودة الصادقة التي تتبعها كل حرمة، وحق الشكر الذي جعله الله رفيًا بالنعم. وأنت فمعدن المعالي وبقية الكرم، فأي سبيل للغدر؟ أم أي موضع للأكف بين حرمتي وعنايتك، ودمائي وكرمك.
ومنها: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه معين بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله.
ووعد عمرو بن مسعدة ماني الموسوس شيئًا، فطلبه فجاءه ماني فوقف بين يديه وأنشد يقول (١): [من البسيط]
هذا ابن عمرو يعيد الله كَنَّتَهُ … والجدُّ مسعدة إيهًا له إيها
لا عيب بالمرء إلا أنَّ زوجَتَهُ … غَضْبَى عليه لشيء ليس يُرضِيهَا
بِوِدِّها أنَّما يجْرِي بفَقْحَتِه … مِنَ المَني وإن لم يكفها فيها
ولما سمع ذلك ابن مسعدة من ماني، قال: صدق والله إيهًا لعمرو إيهًا.
وكانت بينه وبين إبراهيم بن العباس الصولي مدَّة مودة صحبا بها وما بينهما على أحسن حال، فحصل لإبراهيم ضيق يد لبطالة طالت، فبعث له عمرو مائة ألف، فكتب إليه إبراهيم: [من الطويل]
سَأَشْكُرُ عَمْرًا مَا تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي … أَيَادِيَ لَمْ تَمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنَى عن صَدِيقِهِ … وَلا مُظْهِرُ الشَّكْوَى إِذا النَّعْلُ زَلَّتِ
رَأَى خَلَّتِي مِنْ حَيثُ يَخْفَى مَكَانُهَا … فكانتْ قَذَى عَيْنَيْهِ حَتَّى تَجَلَّتِ (٢)
وذكر ميمون بن هارون أن عمرو بن مسعدة خلف ثمانية عشر ألف ألف درهم سوى الأمتعة والكراع والعقار، وبنى قصرًا، أنفق عليه أربعة وعشرين ألف ألف درهم.
[٢١] أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح (٣)
الكاتب في دولة المأمون والصاحب الذي لا تحد به الظنون. وكان المأمون
стр. 3544
يعلمه بتقدم أحمد بن يوسف في البلاغة إذا احتاج إلى كتاب يظهر أمره بكتابته.
وكتب بين يديه مرة فاستحسن خطّه، فقال له: لَوَدَدْتُ أني أكتب مثل خطك، وعلي صدقة ألف ألف درهم، فقال له: لو كان في الخط حظ ما حرمه رسول الله ﷺ .
وقال أحمد بن يوسف: أمرني المأمون بالكتابة إلى جميع الآفاق بإيقاد المصابيح في جميع المساجد، فلم أدر كيف أكتب، فإنه لم يكن أحد سبقني إلى الكتابة في مثل ذلك، فأسلك طريقه، فنمت في وقت القائلة، وأنا مشغول القلب لذلك، فرأيت كأن قائلًا يقول لي، اكتب: «فإنَّ في ذلك أُنْسًَا للسابلة، وإرضاء للمتهجد وبقيًا لمكامل الرتب، وتنزيهًا لبيوت الله عن وحشة الظلم».
ومن شعره: [من المنسرح]
كَمْ لَيْلَةٍ فيكَ لا صباحَ لها … بِتُّ بها قابضًا على كَبِدي
قدْ غُصَّتِ العينُ بالدموعِ وقَدْ … جَعَلْتُ خَدِّي على بَنانِ يَدِي
وَأَنْتَ نَامَتْ عَيْنَاكَ في دَعَةٍ … شَتَّانَ بينَ الرُّقادِ والسَّهَدِ
كأن قلبي إذا ذكَرْتُكُمْ … فَرِيْسَةٌ بَيْنَ سَاعِدَيْ أَسَدِ
وعن محمد بن عبد الملك، قال: وهب أحمد بن يوسف الكاتب على ظهر
стр. 3545
يد ألفي ألف درهم تفاريق.
وقال موسى بن عبد الملك: قال لي أحمد بن يوسف في يوم مهرجان: اكتب إلى الخليفة رقعة مع هذا اللطف - وكان قد أعد شيئًا يهديه إليه - فكتبت فأطلت، فقال: ما أحمله أمير المؤمنين من ثقل قراءة هذه الورقة الطويلة بثقل كل ما أتحفه به، ثم أخذ الدواة فكتب: جرت العادة في مثل هذا اليوم بألطاف العبيد لسادة، وقد بعثت بكذا وكذا.
واحتاج المعتصم - بعظم اختصاص أحمد بن يوسف بالمأمون - إلى العمل على إسقاط منزله على ما ضمنه لمحمد بن الخليل إذا فعل ذلك حتى عمل على إسقاط منزله، ثم قبض من المعتصم ما كان وعده به.
[٢٢] أحمد بن الضحاك الطبري
خيمت برياه المروءة، وأقسمت لا يبرح، وعقلت حوله مطيتها وحلفت لا تسرح، وانتهمت على غيره معانيها، وأبت أن تسرح.
وكان للمأمون ديوان البريد والرسائل والتوقيع، ثم جهزه إلى عبد الله بن طاهر، فخرج من خراسان ومعه مائة بغل تحمل الثقل، ومائة دابة لمركوبه، ومائة غلام أتراك.
سوى ما معه من الفرسان والغلمان، وغير ذلك من الصامت والناطق، فسر به ابن طاهر، ودفع إليه خاتمه، وأمره أن يتقلد الأمور على ما يرى.
ثم وقع بينهما خلاف فحلف لا يتولى لابن طاهر عملًا، وحلف ابن طاهر لا يوليه عملًا، فانصرف أحمد بن الضحاك نحو العراق، ودس عليه ابن طاهر من أفسد غلمانه فاشتراهم منه بمائة ألف درهم، وكانوا قد تقوموا عليه بنحو ألف ألف درهم، كل غلام بعشرة آلاف درهم، وما قاربها.
[٢٣] أبو عباد
واسع الكرم لولا ضيق خلقه، وحرج صدره ونزقه، وكان يكتب هو وعمرو بن مسعدة للمأمون.
قال أبو عباد: دعاني المأمون يومًا، فأعطاني كتابًا، وأمرني أن آتي عمرو بن مسعدة وآخذ خطه بجوابه، ثم أدع الكتاب عندي، ولا أذكره للمأمون إلا إن ذكره لي
стр. 3546
فعلمت أنها مرافعة، وخفت أن لا يكون لي فيها تعلق، فإنني قد كنت شاركت عمرًا في أشياء كثيرة أخذتها أنا وإيَّاه. قال: فأتيت عمرًا، فوجدته يلعب بالشطرنج، فعرفته إنني أحتاج إلى الخلوة، فقال: دعني حتى أفرغ من هذا الدست، فضاق صدري، وقلبت الشطرنج، وقلت: قد سال بنا السيل وأهلكنا وأنت تلعب، ثم أقرأته الكتاب، فضحك، وقال: ويحك ما تستحي أن تخدم رجلًا هذه المدة، ولا تعرف خلقه؟، فقلت: يا هذا، كيف يقدر يجحد؟، ولو جحدت كل شيء ما يقدر يجحد كذا وكذا، وأنا قد شاركتك فيه، فأما أنت، فمهما شئت فقل، وأما أنا فوالله لا أجحد، وأصبر لأمر الله فقال لي: أفتريد أن أطلعك على أشدّ من هذا؟، قلت: وما هو؟، قال: كتاب دفعه إليَّ المأمون منذ سنة، وأمرني فيه بمثل ما أمرك في هذا الكتاب، فعرفت ضيق عَطَنِكَ مما قلت لك عنه، فكدت أموتُ، ثم سألته أن يوقفني على ذلك الكتاب، فأحضره فقرأته، وأنا أنتفض، وهو يضحك، وكان الذي علينا فيها سبع وستون ألف ألف درهم، عليه هو أربعون ألف ألف درهم، وعلي سبعة وعشرون ألف ألف درهم فقلت له: قتلتني والله، وقتلت نفسك، أتظنُّ أنَّ المأمون يدع لنا هذا المال؟ أما أنا فأحتسب نفسي عند الله، وأما أنت فاكتب الجواب. فكتب: لو قصرت بنا هممنا عن هذا المقدار وأضعافه لوسعتنا منازلنا، وما بقي هذا بدلجة في برد أو بهجير في حر يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، ونلقى ما نؤمله به، وعلى يده. ثم قال لي: يا هذا، إنَّ صاحبنا ليس ببخيل، ولكنه رجل يكره أن يعين معروفه، فأراد أن يعلمنا أنه قد علم بما صار إلينا، وسامحنا به على علم منه.
ثم إنه ختم الكتاب بخاتمه، فأخذته، وانصرفت، وأنا في الموت. وبقيت سنة كاملة قلقًا مهمومًا مغمومًا لا أكاد أكل، ولا أشرب حتى بان علي الضعف فرآني المأمون، فقال: مال لك هكذا؟ فقلت: من الكتاب الذي دفعه إليَّ أمير المؤمنين، فقال: أمسك عليك حتى أعيد ما جرى بينكما فيه. ثم قص الحديث حتى كأنه حاضره، فقلت: هكذا كان والله يا أمير المؤمنين، ولقد استقضى لك الذي وكلته بخبرنا، فقال: والله ما قال لي هذا أحد ولكنني ظننته، وعمرو أعلم بنا منك. فدعوت له، وقلت فما أصنع يا أمير المؤمنين؟، قال: حرقه في لعنة الله، وامض آمنًا مصحوبًا في ستر الله.
[٢٤] المعلى بن أيوب
وكان قليل العيوب، جليل الأسلوب، لا يعدل أحد وزنه الراجح، ولا يفصل سعته الناجح.
стр. 3547
واستكتبه المأمون على الجيش، وأجرى له عليه كل سنة ألف ألف درهم فخدم عشر سنين ارتزق فيها عشرة آلاف ألف درهم.
ثم علت حالته وكثر ماله، وحسن في سعة الحال مآله.
[٢٥] عمر بن سموى
وكان لو يقلب في التراب لانقلب ذهبا، أو دعا الأبي الممتنع لما أبي، ولو حلق به إلى الوهاد حالت ربي.
وكان من كتاب المأمون وسلَّمه إلى الفضل بن مروان، ليصادره، فرفق به، فبذل عشرين ألف ألف درهم، فقال له الفضل: بل يكفي عشرة آلاف ألف، فكتب بها خطه، وبلغ المأمون رفق الفضل به، فسلّمه إلى غيره، فعاقبه أشد العقاب، فلم يسمح إلا أن كتب خطه بثلاثة آلاف ألف، كأنه يُعلمه أنه لو كان مستمرًا عنده، لما كتب بهذا المبلغ، فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، قد كنت بلغت بالرفق ما لا يبلغه هذا بالعقوبة له، وعرَّفه بالخبر، وأراه الخط الأول، فعجب المأمون من أمرهما، ثم قال: والله لا كنتما أكثر مروءةٌ مني! ثم أمر بمسامحته، وإطلاق سراحه.
[٢٦] الفضل بن مروان (١)
وزير المعتصم، وكان محظوظًا يقظًا، إلا أنه كان ذا مروءة لا تصدع مروتها،
стр. 3548
ولا تُحلّ حَبْوَتُها يرعى الذمم القديمة لأهلها، ويرى لها سابقة فضلها.
وكتب عن المعتصم إلى المأمون في فتح تفليس وكتابي إلى المأمون كتاب منةٍ للخبر، لا معتد بقيام ولا أثر.
وتوجه مع المعتصم إلى مصر زمان المأمون، لرتق فتقها، وترقيع خرقها، فكتب عنه ألف أمان، أخذ في كل أمان دينارًا، وجعل كتابته مائة ألف دينار.
ولما مات المأمون، قام بأخذ بيعة المعتصم، ثم كان يُسرف في الدالة عليه، ويعارضه في شهواته ولذاته، ويمنعه من الإنفاق، والحرق فيما يجب الإنفاق فيه، فثقل عليه مكانه، فنكبه، وأخذ جميع ماله، ونسي ما مضى من مصالح أعماله.
[٢٧] محمد بن عبد الملك الزيات (١)
وزير المعتصم واتصل به اتصالًا لا ينفصم، وكان ينكر أن يخاطبه باسم الوزارة، ويقول: لست بوزير إنما أنا مدبر جيش.
وكان سهل اللقاء لا يحتجب، إلا أنه كان ظلومًا غشومًا، فلا يزال لائمًا وملومًا.
стр. 3549
وكان يقول الرحمة خور في الطبيعة، ويمنع الشفاعات إليه، ويسد أبواب الذريعة، واتخذ تنورًا من حديد، ليُعذب فيه الناس، فما أفرغ حتى أمسك فيه، وجزاه الله شؤمًا كان ينويه.
ومات لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
وكان المتوكل قد قبض عليه وحبسه، وأخذ جميع أمواله، وعذبه بالسهر، ثم جعله في التنور الذي كان هو صنعه، وعذب فيه ابن أسباط المصري، وأخذ أمواله.
وكان محمد بن عبد الملك بليغًا، ووقع لرجل قلده البريد: اجعل الصدق شعارك، وتجنب الكذب، فإنَّ فيه بوارك، ولا تتقحمن أمرًا إلا بعد تثبت، ولا تكتبن به إلا بعد بحث عنه، وتصحيح له، وترجيح لنقله، ولمن نقله … لك وعليك.
وكتب إلى صديق جفاه: إن اعتللت عليَّ بأشغالك، فإنَّ حقي قسيم تلك الأشغال، فان كنت في خاص نفسك، فإن أداء الحق لإخوانك والصلة لأودائك أعظم اختصاصًا بك، وأليق بوفائك، وإن كانت في عامة أمرك، فان تقدم ما يلزمك
стр. 3550
إداؤه، أرسى بك وأدنى لقربك.
وله شعر جيد، فمنه ما كتب مع شراب أهداه لصديق له في سفر (١): [من الكامل]
مَا إِنْ تَرَى مِثْلِي أَخًا … أَنْدَى يَدًا وَأَدَرَّ جُودَا
تُهْدِي إِلَيْكَ إِذَا خَلَوْ … تَ سُلَاقَةً تُذْكِي وَقُودَا
صَفْرَاءَ صَافِيَةً كَأَنَّ … عَلَى جَوَانِبِهَا العُقُودًا
خُذْهَا إِلَيْكَ كَأَنَّمَا … كُسِيَتْ زُجَاجَتُهَا فَرِيدًا
اسْقِ الصَّدِيقَ بِبَدْلَةٍ … لَمْ يَرْوِ مِنْهَا المَاءُ عُودًا
ومنه قوله (٢): [من المنسرح]
لا تشكي هواك إلا … إليك لو يشفع التشكي
فَرَغَتْ لِي من إسارِ قَلْبِي … ثُمَّ تَشَاغَلْتَ عِنْدَ فَكِّي
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
كَتَبَتْ عَلَى فَصِّ بِخَاتَمِهَا … مَنْ مَلَّ عَنْ أَحْبَابِهِ رَقَدَا
فَكَتَبْتُ في فَصِّي ليَبْلُغَهَا … مَنْ نَامَ لَمْ يَشعرْ بِمَنْ سَهِدَا
قَالَتْ تُعارِضُني بخاتَمِهِ … واللهِ لَا كَلَّمْتُهُ أَبَدًا
ومنه قوله يرثي جارية توفيت وخلفت له طفلًا بعدها (٤): [من الطويل]
ألا مَنْ رَأى الطفل المفارقَ أُمَّهُ … بَعِيدَ الكَرَى عَيْنَاهُ تَنْسَكِبَانِ
فَهَبْنِي عَزَمْتُ الصَّبْرَ عنها لأنَّني … جليدٌ فمن للصبر لابن ثمان
ضعيف القوى لا يعرف الأجر حِسْبَةً … ولا يأتسِي بِالنَّاسِ فِي الحَدَثَانِ
ألا مَنْ إذا ما جئتُ أكرمَ مَجْلِسِي … وإِنْ غِبْتُ عنه حاطني وكفاني
ومن شعره قوله في الشيب وأجاد ما شاء (٥): [من مخلع المنسرح]
وعائبِ عَابَنِي لِشَيْبٍ … لَمْ يَعْدُ لمَّا أَلَمْ وَقْتَهْ
فقلتُ إِذْ عَابَنِي سَفَاهَا … يا عائِبَ الشَّيْبِ لا بَلَغْتَهْ
ومن شعره قوله في ابن أبي دؤاد وقد رآه قائمًا يصلي، وكانت بينهما عداوة (٦):
[من الكامل]
صَلَّى الضُّحَى لمَّا اسْتَفَادَ عَدَاوَتِي … وَرَآهُ يَنْسُكُ بَعْدَهَا وَيَصُومُ
стр. 3551
لا تَحْمِلَنَّ عَدَاوَةٌ ربطها … تَرَكَتْكَ تَقْعُدُ تارةً وتقومُ
وقال: وقد أدخل التنور الذي صنعه ليعذب الناس فيه (١): [من البسيط]
هُوَ السَّبِيْلُ فَمِنْ يوم إلى يوم … كأَنَّهُ مَا تُرِيْكَ العَيْنُ فِي النَّوْمِ
لا تَعْجَبَنَّ رُوَيْدًَا إِنَّها دُوَلٌ … دُنْيَا تَنَقَّلُ مِنْ قَومٍ إلى قَوْمِ
ولما أتى إبراهيم الصولي خبر موته قال: [من الرجز]
لمَّا أَتَانِي خَبَرُ الزَّيَّاتِ … وَأَنَّهُ قَدْ عُد في الأموات
أيْقَنتُ أَنَّ مَوتَه حَيَاتِي
وكان ابن الزيات صديق الصولي، فلما ولي ابن الزيات الوزارة، صادر الصولي بألف ألف درهم: [من المتقارب]
وكنتُ أذم إليك الزَّمانَ … فأصْبحْتُ منك أذمُّ الزَّمَانَا
فوكنتُ أُعِدُّكَ للنائباتِ … فَهَا أَنَا أطلب منك الأمَانَا
* * *
стр. 3552
[بنو خاقان]
ومنهم: بنو خاقان وكانوا في دولة المتوكل نوافذ سهامها، ونوافث أقلامها، بيدهم ملك إمامها، وملك زمامها، وكانوا أبواب الخلافة، وبالفتح فتحها، وزمانهم أوقات الأسمار ووجوههم صبحها.
[٢٨] [الفتح بن خاقان]
وكان الفتح (١) صدر تلك الأيام الحوالي الخوالي، والليالي المضمخة فما تنقش الغواني بالغوالي، وكان مصباح خليفتها، وصاحب وظيفتها، وبأمره منعها، ومنحها، وعقابها، وصفحها.
стр. 3553
وكان المتوكل لا يقدر على مفارقته، ولا يتأنس إلا بموافقته وصحبته. وكان مجراه منه مجرى الأخ أو أقرب، لا يلتذ بغير حضوره، ولا يطرب، حتى أطلعه على أموره وحرمه، وأسكنه معه في دور حُرَمه، وأشركه في شائع أموره، وسائر غمومه وسروره. وكان يحضر معه مجلس الأنس حيث تطرح مؤنة التحفظ، وتؤمن معرَّة التلفظ، ويجالسه في منارة الأفراح، ويراضعه في مراشف الأقداح، وتطوف عليهم سقاتها بحمل نواره، وتعاطي ريقة ما أبقت للغواني سؤرًا. وذلك مجلس كان بعد جعفر بن يحيى قد سُدَّ على الوزراء بابه، وأرخى عمن دون الندماء حجابه، حتى كفل الفتح له كفايته، واستدرك غايته، وأقعده المتوكل على طراحته، وساهمه في اغتنام راحته، حتى كان له من القتل مشاركًا، وقتل معه، وقال:
اقتلوني ومالكا …
فساواه حتى ختم أيامه بأيامه، وساقاه حتى شرب معه كأس حمامه، فقتل معه وطرح موضعه، وقالت الأتراك: إنَّ الفتح قتل المتوكل، وإنَّه أُخذ به وقتل، بل هم قتلوهما وعرفوهما ثم جهلوا فحملوهما. وكان البحتري كثير المدح لهما. ومن شعره في مدح الفتح بن خاقان (١): [من الوافر]
لَقَدْ أَجْرَى الوَزِيْرُ إلى خِلالِ … مِنَ الخَيْراتِ زَاكِيَةِ العِدَادِ
يُحَلُّ بِذِكْرِه عَقْدُ النَّواحِي … ويُفْتَحُ باسمه أقصى البلاد
اذا أَمْضَى عَزِيمَتَهُ لِخَطْبٍ … كَفَاهُ العفو دون الإجتهادِ
стр. 3554
وفيه يقول، وكان قد عبر النهر فكاد يغرق (١): [من الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا الدُّنيا بنا قِصَّةِ الجَدَا … إذا ما بَقِي الفَتْحُ بنُ خَاقَانَ والقطِر
غَمَامُ سُحَابٍ مَا يَعُبُّ لَهُ حيًَّا … ومِسْعَرُ حرب ما يضيعُ لَهُ وِتْرُ
وَمَا لِيَ عُذْرٌ في جحودكَ نعمةً … وَلو كانَ لِيْ عُذْرٌ لَمَا حَسُنَ الغَدْرُ
لَقَدْ كانَ يَومُ النهر إني عظمه … أطلت ونعمى [قَدْ] جَرِى بِهما النَّهْرُ
وَجُزْتَ عليه عابرًا فتَساجَلَتْ … أيادِيهِ لمَّا [أنْ] طَمَى فَوقَهُ البَحْرُ
وفيه يقول (٢): [من السريع]
قدْ جاءَ نصر الله والفتحُ … وشَقَّ عنا الظُّلْمةَ الصُّبْحُ
وكلُّ باب للندى مُغْلَقٌ … فَإِنَّما مفتاحه الفتح
وفيه يقول (٣): [من الخفيف]
مَا تُبَالِي يَدَا الوَزِيْرِ اسْتَهلَّتْ … أمْ رأيتُ العَقِيقَ سَالَتْ شِعابُهُ
بَيْنَ حَقِّ يَنُوبُهُ يُصرِفُ القَصْد … إليه ومُعْتَفٍ يَنْتَابُهُ
وفيه يقول يمدحه ويعيبه (٤): [من الطويل]
عَلَى أي أمرٍ مُشْكِلِ أَتَلَوَّمُ … أُقِيمُ فَأَثْوَى أَمْ أَهِم فَأَعْزِمُ
ومَا مَنَعَ الفَتْحُ بن خاقانَ نَيْلُهُ … ولكنَّها الأقدارُ تُعْطِي وتَحْرِمُ
سَحَابٌ خَطَانِي جُودُهُ وَهُوَ مُسْبِلٌ … وَبَحْرٌ عَدَانِي فِيْضُهُ وَهُوَ مُفْعَمُ
وبَدْرٌ أَضَاءَ الأَرْضَ شَرْقًَا وَمَغْرِبًَا … ومَوضِعُ رِحْلِي مِنْهُ أَسْوَدُ مُظْلِمُ
أَأَشْكُو نَدَاهُ بَعْدَ مَا وَسِعَ الوَرَى … ومَنْ ذَا يَذِمُّ الغَيْثَ إِلَّا مُذَمَّمُ
ومن الخاقانيين:
[٢٩] عبيد الله بن يحيى (٥)
وهو من أركان هذا البيت، وأغصان هذه الشجرة، وله أخبار مسيرة، وآثار كأنها
стр. 3555
بسواد الخيلان على صفحات الخدود مسطرة، أو من الدر الثمين مصورة، وكان ممن أبعد بعد مقتل الفتح بن خاقان، ممن أبعد من أهله، فإنه لما ولي المنتصر، أحاط بهم إلا من واراه الاستتار، أو أراه الرأي طريق الفرار.
وكان عبد الله بن خاقان هو وزير التدبير، وأما الفتح ففوق رتبة الوزير.
ولما أراد المتوكل أن يوزره عين له فيمن عين، فقال له: اكتب لنرى خطك، فقال له: أي شيء أكتب؟ فقال: اكتب ما شئت. فكتب بعد الافتتاح: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١) ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٢) فأعجب المتوكل بذلك، فقدمه، ثم وزره، وكان محظوظا، وفيه حرية، وكرم، ودهاء، وحلم يقيل العثرات، ويتغمد الذنوب الكبار.
عرض رجل له وهو في موكبه، فأخذ بلجام دابته، وقال له: يا زنديق، قال: كذبت ما عبد الله قط، قال: يا فاسق: قال: كذبت ما أنا بفاسق. قال: يا كذاب. قال: صدقت يضطرونا إلى أن نكذب. خل اللجام وانصرف، ثم أمر بقضاء حاجته، ولم يدع أحدا يعرض له ممن كان معه، وعجب من حضر من حلمه.
وكان له أعوان تعينه على أموره، ولا يقف [له] حال، ولا يتأخر له طلب، وامتدت أيامه إلى زمان المعتمد وكانت له بها دولة.
* * *
стр. 3556
[جماعة الوهبيين]
ومنهم:
جماهة الوهبيين، وكانوا أهل مواهب، ولهم في فصاحة اللسان وسماحة البنان مذاهب، إن كتبوا أكبتوا الأعداد، وإن وهبوا أخجلوا على الأرض الأنداء ..
وفيهم يقول أبو تمام (١): [من الخفيف]
كُلُّ شِعْبٍ كُنْتُم بِهِ آلَ وَهْبِ … فَهِىَ شِعْبِي وَشِعْبُ كُلِّ أديب
إِنَّ قَلْبِي لَكُمْ لَكَالكَبِدِ الحُرَّى … وَقَلْبِي لِغَيْرِكُمْ كَالقُلُوبِ
[٣٠] سليمان بن وهب (٢)
وكان على البريد أيام المعتصم، فأهمله، وأخَّره، وعطل سبيله، فكتب إليه مكرم: [من السريع]
أَبْلِغْ سُلَيْمَانَ إذا جئتَهُ … وَلَخِّصِ الأقْوَالَ تلخيصا
هذا جَناحُ المُسْلِمِينَ الَّذِي … وَلَّيْتَهُ أَصْبَحَ مَقْصُوصا
* * *
стр. 3557
[بنو المدبر]
ومنهم:
بنو المدبر وأعيانهم:
[٣٠ - ٣١] أحمد (١) وإبراهيم (٢)
وكان أحمد من كتاب المتوكل، وطالبه لمنادمته، فامتنع من ذلك، ونافق، وأجرى إليه أخاه، فتوقف، فطلب المتوكل إبراهيم ونادمه، واستأثر به، ولازمه. وكان شاعرًا ظريفًا، ونديمًا لطيفًا، فخفَّ على قلبه، ولطف محله منه، وكان لا يقدر على أن يصبر عنه.
стр. 3558
ثم قلده نفقات المختارة التي كان بناها، فجرت على يده نفقات أموال جليلة، كانت سبب تأخيره، وأخذ قليله وكثيره.
ووقف أحمد بن المدبر على ديوان شعر أخيه وقد نكب فقرأه ثم كتب: [من الوافر]
أبا إسحاق إن تكن اللَّيلِي … عَطَفْنَ عليكَ بالخَطْبِ الجَحِيمِ
فَلَمْ أَرَ قَطُّ صَرْفَ الدَّهْرِ نحوي … بمكروه على غَيْرِ الكَرِيمَ
ولإبراهيم بن المدبر شعر، فمما قاله، وهو في الحبس، يذكر طيفًا زاره، ولم يمنعه بابه المغلق، ولا حديده الذي هو به موثق وكان قد رأى في نومه جارية يهواها، وأتته على غِرَّةٍ، غريرَةٌ بعيدٌ مَهْوَاهَا: [من مجزوء الرمل]
بِأَبِي مَنْ باتَ عِنْدِي … طارقًا مِنْ غيرِ وَعْدِ
باتَ يَشكُو شِدَّةَ الشَّو … قِ وَأُشْكُو فَرْطَ وَجْدِي
وَتَجَنَّى فَبَكَى فَانْهَـ … ـلَّ دُرِّ فَوْقَ وَرْدِ
فَيَد تَحْتَ يَدٍ طَـ … ورًَا وَخَدٌ فَوْقَ خَدٌ
ثم بعث بها إلى المسدود، فصاغ لها لحنًا، وغناه للمتوكل، فسأله المتوكل عن قائله، فأعلمه أنها لابراهيم، فأمر بإطلاقه.
стр. 3559
وله أيضًا: [من الطويل]
وَذِي بِدَع في الطَّرْفِ والشَّكْلِ والحُسْنِ … سَكُوتُ إِلَيهِ غَيْرُهُ وَهُوَ مَنْ أَعْنِي
وإني لأَكْنِي بِاسْمِهِ عَنْهُ دَائِبًا … ليَحْسِبَنِي الواشُونَ عَنْ غَيْرِهِ أَكْنِي
وقد ذكره صاحب بغية الألباب، وقال: إنه وزر للمعتمد، ثم تقلد ديوان الضياع
للمعتصم، وأنشد قوله: [من المنسرح]
يَا كَاشِفَ الكَرْبِ بعدَ شِدَّتِهِ … ومُنْزِلَ الغَيْثِ بَعْدَ مَا قَنطوا
لا تُبْلِ قلبي بسُخْطِ بَيْنِهِمُ … فالموتُ دانٍ إذا هُمُ سَخِطُوا
وكان يقول: وددتُ أن أكون قلت بيتي الصولي في رثاء أبيه.
قلت ثم أنشدهما: [من مجزوء الكامل]
أنتَ السَّوَادُ لِمُقْلَةٍ … يُبْكِي عَلَيْكَ النَّاظِرُ
مَنْ شَاءَ بعدك فَلَيَمُتْ … فعَلَيْكَ مِنْهُ أَحَاذِرُ
فان لم يكن فقوله:
ليلة من ليالي الدَّهْرِ فالمت … فيها بدرها ببدري
لم تكن غير شفق وفخر … حتى تولت وهي تكر الدهر
فان لم يكن فقوله: [من الوافر]
ولكن الجواد أبا هشام … وَفِيُّ العَهْدِ مَأْمُونُ المَغِيْبِ
بطيء عنك ما اسْتَغْنَيْتَ عنه … وطَلَاعُ عَلَيْكَ مَعَ الخُطُوب
وقلد المتوكل أحمد بن المدبر الشام، وأجرى عليه في كل شهر مائة ألف وعشرين ألف درهم، وكان أحمد جماعًا حمّالًا للأثقال، لو صودم به الجبل لتقطع، أو زوحم به الفضاء لم يحل منه أجمع، إلا أنه لم يسفر صبحه، ولم يظفر ما جزأ المحامد سبحه، فأصر بسحابه الحمود، وقبر لم يمتع شأوه الخلود.
ومنهم:
[٣٢] إبراهيم بن العباس الصولي (١)
من كتاب المتوكل، وله في البلاغة ما كأنه قد صاغه صياغة. على أدبه
стр. 3560
طلاوة، ولألفاظه حلاوة.
وكان البحتري إذا ذكر إبراهيم الصولي، قال: كاتب العراق، وأنشد من شعره، وتذكر عنده جماعة من الشعراء يوم العاشق: [من مجزوء الرمل]
أحْسَبُ اليَوْمَ حَكَاكَا … إِذْ رأى منكَ جَفَاكَا
فَمَتَى الصَّبْرُ ومِنْكَ الـ … بحرُ فَابْلَغْ بي مداكا
كَبُرَتْ هِمَّةُ عَيْنٍ … طَمِعَتْ في أَنْ تَرَاكَا
أَيُّمَا حَظِّ لَعِيْنِ … أَنْ تَرَى مَنْ قَدْ رَآكَا
لَيْتَ حَظّي مِنْكَ أنْ تعـ … ــلَمَ مَا فِي مِنْ هَوَاكَا
ثم قال: تصرفت هذه في معانٍ من الشعر أحسن جمعها فكتبها عنهم أجمعهم.
وما روى ثعلب شعر كانت غيره وهو له: [من الطويل]
لَنَا إِبْلٌ لومُ يَضِيقُ بها الفَضَا … ويعثر عنها أرْضُها وسَمَاؤُهَا
فَمِنْ دُوْنِهَا أنْ تُسْتَباحَ دماؤُنَا … وَمِنْ دُونِنَا أَنْ تَسْتَدِيمَ دماؤُهَا
حمى … فَالمَوْتُ دُونَ مَرامِهَا … وأيسر خطب يومَ حَقٌّ فَنَاؤُهَا
ومما كتبه إلى بعض أخوانه: فلان ممن يزكو شكره، ويعينني أمره، والضيعة عندي واحدة مرضعها، وسالكة طريقها، وأفضل ما يأتيه ذو الدين الحجى إصابة شكر لم يضع معه أجرًا.
وكتب إلى ابن الزيات: كتبت إليك وقد بلغت المدية المَحَزَّ، وعدت علي الأيام بك بعد عداوتي بك عليها، وكان أسوأ ظني وأكثر خوفي أن يسكن في وقت حركتها،
стр. 3561
وتلف إدارتها، فصرت أضر عليَّ منها، فلف الصديق عن له نصرتي خوفًا منك، وبادر إليه العدو تقربًا إليك.
وكان أحمد بن المدبر قد رافعه بحضرة المتوكل، وعد عليه أمورًا، قال: في غالبها إفكًا وتزويرًا، فقال له المتوكّل: ما تقول؟، فقام وأنشأ يقول: [من الخفيف]
بذّ قولي وصَدَّقَ الأقْوَالا … وأطلاع الوشاة والعذالا
أتُرَاهُ يكون شهرَ صُدُودٍ … وعلى وجهه رأيت الهلالا
فقال المتوكل: زه زه أحسنت والله أحسنت والله، ثم دعاها، ورددها واستحسنها، واستجودها، وقال: اخلعوا على إبراهيم، فخلعوا عليه، وأجازه بجائزة سنية، عجلها له من بين يديه، وأتى بها، وابن المدبر يرى قذى في عينيه، فأحضر له من لحنه قدامه وغنى، ثم قال المتوكل: آتوني بمن يعمل في هذا لحنًا. هاتوا نأكل، وجيئونا بالندماء والمغنين، ودعونا من فضول ابن المدبر، فانصرف إبراهيم إلى منزله محبوًا، وبقي على ابن المدبر بين ضلوعه مخبوًا.
وكان إبراهيم بن العباس هو المتولي لعقد البيعة عن المتوكل لبنيه، والكاتب لليمين المنشيء للكتب، وركب يومئذ بغلًا، فتطيَّر منه الناس، وقالوا: هذا الأمر لا يتم، ولا ينتج، لان البغل لا نتيجة له، لا يلد، ولا يولد، وكانت الفرس تتطير من البغل لذلك.
[٣٣] عبد الله بن العباس
وأخوه عبد الله كان من وجوه الكتاب مقدمًا في خدمة الخلفاء، وله مكانة من الدولة ووجاهة في ديوان الوزراة، وهو وأخوه من صنائع الفضل بن سهل، وكان جدهما صول من السبعة الخراسانية، والدُّعاة إلى البيعة العباسية، وكان رجلًا تركيًا إلا أنه كان ذكيًا، وإياه عنى أخوه [إبراهيم] بقوله، وقد رآه يتحبب لمن يبغضه ويتوالى لمن يرفضه (١):
[من مجزوء الكامل]
خل النفاقَ لأهْلِهِ … وعليك فالتمس الطَّرِيقَا
وارْغَبُ بنَفْسِكَ أن تَرَى … إِلا عَدُوًَّا أَوْ صَدِيقَا
стр. 3562
[بنو مخلّد وبنو صاعد]
بنو مخلد (١)، وبنو صاعد (٢)، ولهم ذكر، وأكتفي من ذكرهم بقول البحتري (٣):
[من الكامل]
وإِذَا رَأَيْتَ شَمائِلَ ابْنَي صَاعِدٍ … أَدَّتْ إِلَيْكَ شَمائِلَ ابْنَي مَخْلَدِ
كالفَرْقَدَيْنِ إِذَا تَأمَّلَ نَاظِرٌ … لَمْ يَعْلُ موضعُ فَرْقَدٍ عَنْ فَرْقَدِ
وقال علي بن الحسين بن عبد الأعلى: أكلت على مائدة الحسن بن مخلد فوجدناها تتجاوز مائة دينار.
وقال محمد بن داود شهدت الحسن بن مخلد يحاسب بلال بن البزار على مائة وعشرين ألف دينار.
ومنهم:
[٣٤] أحمد بن الخصيب (٤)
وزير المنتصر، ثم المستعين، وكان من أقسط وزراء المشرق، لكثرة تبرمه وقلة تفهمه، ونقص حظه من العلم وتعلمه.
стр. 3563
وكان يتردد في رأيه، ويتوقف في إيقاف كل أمر ومضائه، وكان ربما سبقت له إلى جلسائه بادرة غضب لا دخان لها، ولا لهب، ثم يعصب سوء فعله بندمه، ويشعب سوء بؤسه بتلافي كرمه، ومع هذا تقدم الأكفاء، وتخلفوا وراءه، وملك الخلفاء، وهو الذي أخذ البيعة للمنتصر.
وقال الحسن بن مخلد: دخلت عليه زمان المنتصر وعنده أحمد بن إسرائيل، فجرى شيء تعجبت منه، فقلت له: أو ليس من العجب - أعزك الله - أن يكون كذا وكذا؟ فقال لي: وأعجب والله منه يا أبا محمد أن تكون في دار أمير المؤمنين آمنًا مطمئنًا، وأنت بالأمس تضرب عليه وتسعى في تقديم أخيه عليه، وتفعل وتصنع والله إنَّه لعاقل عن ضرب عنقك، فقلت له يا سيدي لا أعدم الله خدمتك. قال: فانقلبت عينه وارتعدت فرائصه ولم يدع شيئًا من القبيح إلا قاله، ثم قال لي: أمزح معك، فيقول لي: ما قلت والله ليسَفِكَنَّ أمير المؤمنين دمك وليشفين صدره منك، فقال له أحمد بن إسرائيل: جعلني الله فداءك، قد أمن الله خدمك أن ينالهم في أيامك دون هذا فضلًا عنه، فانقلب على أحمد، وقال له: وأنت أيضًا تتكلم كأنك ترى مما دخل فيه هذا، أو
стр. 3564
أنه عمل شيئًا، وما علمت أنت أضعافه، ومن كان آفة أمير المؤمنين مع أبيه غيركما، والله لأفعلن بكما، ولأصنعنَّ، قال: فأغاثنا الله بشغل أشغله عنا. وبقينا متوقعين أن يأمر فينا بسوء، فلما فرغ من شغله أخذ ورقتين مما قدامه، وكتب عليهما، استؤمر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه في ذلك، فأمر بإمضائه، ثم رماهما إلينا، فإذا فيهما حوائج كنا سألنا فيها عبد الله بن يحيى من أول ما تقلد الوزارة، فأخره عنا، فقمنا فقبلنا يده، وشكرناه فقال: سبحان الله أتشكران هذا مني، وإني شيء فعلته من قضاء حقكما إلا أني، ربما عجلت في بعض الأوقات مني حدة فاحتملوني.
وقال أبو القاسم يحيى بن زكريا: إنَّ خط أحمد بن الخصيب كان رديئًا جدًا، وإنه كان في ديوانه ابن الإنسان علاف يشبه خَطَّه خطه، فكان يزور عليه، ويأخذ الحمل، فاتصل الخبر بأحمد فأحضره، وقال له: قد اتصل بي ما تفعل، وقد أجريت عليك خمسين دينارًا كل شهر على أن تترك ما أنت عليه، ثم لك عندي مزيد الإكرام. فَعَفَّ مدة، ثم عاود عمله الأول، فقيل لأحمد عنه، فطلب أباه، وقال: إنَّ ابنك ابتدأنا بالإساءة، فجزيناه بالإحسان، وأزلنا ضرورته التي كانت تحمله على ما يعمل، ثم هو قد عاود، ولا يجاورني في هذا البلد، ثم أمره بالمقام ببغداد واستمر بجارية عليه.
وقال أحمد بن أبي الإصبع: اجتمع لبلال البزار عند المتوكل ألف ألف ومائة ألف دينار وما ابتيع منه الأمتعة، فلما قتل المتوكل يئس من المال، فأتى وسألني أن أكلم أحمد بن الخصيب له، ليعطيه نصف ماله، ويأخذ هو النصف، وكتب بذلك رقعة، فأخذتها، وتوجهت وقت خلوة، وجعلت أقلبها بيدي، فنظر إليها، وقال: ما هذه؟ فدفعتها إليه، فقال لي: وهذا المال لبلال؟، فقلت له: نعم، فقال: فاخرج لي حسابه، وصححه، فرآه صحيحًا، فقال لي: إذ كان هذا المال لهذا الرجل فلأي شيء يرضى بنصفه ويعطي نصفه؟ ثم وقع له، به وصرف عليه المال، ولا والله ما رزأه ابن الخطيب شيئًا منه.
ولما ولي المستعين أعطى الكتاب مائة ألف درهم لكل كاتب، وأعطى ابن الخصيب ثلاثمائة ألف درهم، وأشياء أخرى وأمتعه منها فرش الجعفري الذي كان للمتوكل، فحمل على نحو مائتين وخمسين حمل بعير، وزاد في إقطاعه بلادًا يغل كل سنة ألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وأقطع ابنه محمد بن أحمد الخصيب بلادًا تغلُّ في السنة مائتين وخمسين ألف درهم.
стр. 3565
ومنهم:
[٣٥] سعيد بن حميد (١)
وكان المستعين استوزره لما قدم بغداد، وله بلاغة مشهورة، وكتب متداولة، وأشعار كثيرة متناقلة، فمنها قوله في جارية كان يحبها، وتتجافى عليه، فيكثر منه عتبها: [من الطويل]
فِدَاكِ أَبي مالي أراكِ بَخِيلةً … مُقيمًا على علاتِهَا مُستزيدها
فإِنَّكِ كالدُّنيا تُذمُّ صُرُوفُها … ونُوسِعُها عَيْنَا ونحنُ عَبِيدُها
ومنه قوله: [من الكامل]
خَلَتِ المنازِلُ مِنْ أحِبَّتِنا … وَنَأتْ بِهِمْ عَنَّا يَدُ الدَّهْرِ
وأَشَدُّ ما لا قَيْتُ بَعْدَهُمُ … أَنِّي فُجِعْتُ بهم وبالصَّبْرِ
- قلت: وحضره جماعة من أهل الفضل والأدب عند انبلاج الصباح، والأفق قد حالت حالته، وحفَّت بالبدر هالته، والشعاع كأنه حسام مصلت يحاول دوسه، والبدر كأنه غلام من الترك على وجهة فرسه، فقال: صفراء على هذا الحال، فأخذوا في الفكر، فسبقهم، وقال: [من الرجز]
مَحا دُجى الليل أديمُ الفَجرِ … ومَا انْمَحَى منه أديمُ البَدْرِ
كأنه لمَّا رَمَى شُعَاعَةٌ … مُهنَّدٌ يُسَلُّ فَوْقَ نَهْرِ
وانتبه يومًا والديك قد هب من نومه، وهو سكران طافح، والشعرى أيام الجوزاء كرخ جره رامح، وسهيل كأنه كرظمان في نهر الماء، والعيوق سائق ظعن قيد خطاه لا يتسرع، والجوزاء ترقص في مِنْطَقَةٍ مُذْهَبَه و … . في جانب عذير معشبة، فقال: [من المنسرح]
تنبَّه الديك للصبوح وَقَدْ … تأهَّبَ اللَّيْلُ ثُمَّ ما ذَهَبًا
والأفق جوزاؤه تُقابِلُهُ … الشِّعْري كما قام رامِحٌ وَثَبَا
стр. 3566
وَقَدْ رَمَى على محربه العُـ … ــظَمَى سُهَيْلٌ فَغَبَّ أو سَرَبَا
ومُسْتَنِيرُ العيوقِ حيثُ دَنا … كعاجز رام نهضةً فَحَبَا
وَخِلْتَ قَبْلَ الصَّبَاحِ … ... تَدَرَّعَ اللَّيْلُ لِلْوَغَى …
ومنهم:
[٣٦] أحمد بن إسرائيل (١)
ولما استقامت الأمور للمعتز وزره، وألقى إليه مقاليد أموره، ووزره، وأخرج نظراه وصدره.
وحكى عنه إبراهيم بن زكريا النصراني المتطيب، قال: غمزت رجليه ليلتين فوهب لي ستة آلاف دينار، ثم قال لي: أقصص هذا المال لا يطير. فلم أدر ما أراد، فاستفهمته إياه، فقال: تبتاع بع عقارًا يُنتفع بفضله، ويبقى عليك وعلى أهلك أصله. قال: وكان في حضرته بعض كتابه، فقال: يا سيدي هنا ضياع خراب تبتاعها وتعاونه عليها، فقال له: افعل، فابتاعها لي بسبعة آلاف دينار من مال أحمد بن
стр. 3567
إسرائيل، وعمرتها، وعلم العامل بعنايته بي، فتجافى لي عن حق بيت المال، فاستغللتها لي جملة عظيمة، ثم صارت تزيد غلاتها، فقال لي يومًا: أي شيء خبرك في ضياعك، فقلت له: خير، قد ملأت يدي غلتها، ووصلت إلى أملي بفضلك، وطاب قلبي لعواقتي بحسن نظرك، وأخذت في الشكر له، فقال: دع عنك هذا، وخذ في بيعها، فلا يبقى والله عليك، ولا على غيرك من جماعة السلطان شيء. فقلت له: ولم أعزك الله لما تقصده هذه المرأة في الأتراك، يعني قبيحة أم المعتز.
* * *
стр. 3568
[بنو وهب]
ومنهم: بنو وهب، الأخوان:
[٣٧ - ٣٨] سليمان (١) والحسن (٢)
وكانوا سادة، وكبراء، وكتابًا ووزراء، وتقدَّموا تقدَّمًا أخر الأقران والنظراء، وقعدوا وأوقفوا أقدامهم الأمراء، ولاقوا للمدائح، واستقطروا بها الشعراء، حتى كان ابن المعتز ممن مدحهم، وتقلد منهم، وأخذ منحهم. وفيهم يقول (٣): [من الطويل]
لآل سليمان بن وهب صنائعٌ … عليَّ ومعروف لدي تقدما
هُمْ علموا الأيام كيف تسرُّني … وهُمْ رَحَضُوا عَنْ ثوبِ والديَ الدَّما
ولما توفي الحسن بن عبيد الله، كتب ابن المعتز إلى أبيه الوزير عبيد الله: [من الكامل]
قل للوَزِيرِ: لَئِنْ أُصِبْتَ بِحادِثٍ … لَمْ نَخْلُ مِنْ جَزْعِ ومِنْ إقْلاقِ
فَلَقَدْ عتبت الدهر إذْ شاطرتُهُ … بأبي الحسين كَفَى بِهِ مِنْ بَاقِي
وكتب أيضًا معزيه عن ابنه الحسن (٤): [من الكامل]
قُلْ للوَزِيْرِ هُوَ الزَّمانُ وصَرْفُهُ … وَالمَرْءُ … رَاحِلٌ يصير إليه
فَلَقَدْ عَتَبْتُ الدَّهْرَ إِذْ شَاطَرْتُهُ … بأبي الحسين وقَدْ بِرَحْتُ عَلَيْهِ
وأبو محمد الجليل مصابه … لَكِنْ يمينُ المَرْءِ خَيْرُ يَدَيْهِ
ولم يكن منهم إلا كل جواد كريم، ثم حادث من السؤدد وقديم.
стр. 3569
وفي عبد الله يقول ابن الرومي: [من الطويل]
إذا ما عبيدُ الله ضاهاهُ قاسمٌ … فَتَمَّ قديمُ المَجْدِ ضَاهَاهُ حادثه
فتى قبلَ الأموالِ في سُبُلِ العُلا … ليُؤثره المجد السني مَوَارِثُه
تَرَى صاحِبَيْه ذا سؤال تمنعه … فواضله أو ذا سؤال يبَاحِثه
ولا يجتني المستورَ مَنْ لا يزوره … ولا اللُؤلُؤ المنثور مَنْ لا يُحادِثُه
فما فضله والمدحُ دَعوَى ومُدَّعٍ … ولكِنْ هُما مِسْكٌ ذَكِيٌّ ومائِتُه (١)
وفيهم يقول: [من الخفيف]
آلَ وَهْب هُنَنْتُمُ نعمةَ اللهِ … فَمَا زِلْتُمُ لها أشكالا
كانتِ الأرضُ ظُلْمَةً وَحَرُورًا … أَوْسَعَ النَّاسِ فِتْنَةٌ وضَلالًا
فاخْتَرَعتُم مِنَ الذَّكاءِ شُموسًا … وابْتَدَعْتُمْ مِنَ السَّمَاحِ ظِلالًا
سادَةُ النَّاسِ كالجبال وأنتم … كالنُّجوم التي تفوق الجبالًا (٢)
ومن بي وهب:
[٣٩] أحمد بن سليمان بن وهب (٣)
ذكر صاحب بغية الألباء، وعده في أفاضل الأدباء، وقال، إنه تصرف في الأعمال، ونظر السلطان في جناية الأموال.
وأنشد له: [من الكامل]
حُقَّتْ بِسَرْوِ كالقِنَانِ تَلَحَّفَتْ … خُضْرَ الحَرِيرِ عَلى قَوامِ مُعْتَدِلْ
فَكَأَنَّهَا والرِّيحُ حِينَ تُمِيلُهَا … تنوي التعانق ثم يَمْنَعُها الخَجَلْ
ومن نثره جواب كتبه هو:
«وصلت رقعتك، أعزك الله - وكانت كوصل بعد هجر، و وغنى بعد فقر، وظفر بعد صبر، ألفاظها درّ مَشُوف، ومعانيها جوهر موصوف، قد أبحنا أحسن صحبة، وتألفنا أقرب ألفة لا يمحوها إلا دان، فلا تتعب بها الأذهان».
* * *
стр. 3570
ومنهم:
[بنو ثوابة]
بنو ثوابة، كتبوا ثم كانوا فرسان كتابة، استكتبهم عبد الله بن القاسم. وكان أحمد خمارويه بن أحمد بن طولون لما نقل ابنته إلى المعتضد، كتب إليه يذكره بحرمة سلفها بسلفة … ويذكر ما ترد عليه من أبهة الخلافة، وروعة الملك، وسأله إيناسها وبسطها، فأراد عبيد الله أن يجيب عن الكتابة بخطه، فسأله جعفر بن محمد بن ثوابه أن يؤثره بالجواب، فأنعم له بالإجابة، وكتب على البديه كتابًا قال فيه:
«فأما الوديعة فهي بمنزلة شيء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، واحتفاء بسببها، وحياطة عليها، ورعاية لمواتك فيها، ولعمرك أنها الدرة الثمينة، استودعت اليد الأمينة. ثم قال ابن ثوابة للوزير: تسميتي لها الوديعة - أعز الله الوزير - نصف البلاغة».
قلت: ولقد أمرت وأنا بدمشق بكتابة كتاب عن كافة الممالك بها إلى الأمير بكتمر الساقي بملاحظة بنت له كان زوجها يقرب للأمير قوصون، فكتبت عنها في الكتاب بهذه اللفظة، فقلت: وديعة إحسانه، ولم أكن وقفتُ على ما ذكره ابن ثوابة، وأنا ذكرت هذه الاتفاق توارد الخواطر.
وفي بني ثوابة أهاج منها قول أحمد بن علي: [من البسيط]
قالوا: ثُوابة أضْحت وهي ساخطةٌ … قَدْ قُدَّتِ الجَيْبَ مِنْ غَيْظِ وَمِنْ ضَجَرِ
لا تَعْجَبُوا لِقميص قُدَّ من قُبَلِ … فَإِنَّ صَاحِبَهُ قَدْ قُدَّ مِنْ دُبُرِ
ومنهم:
[٤٠] إسماعيل بن بلبل (١)
وزير المعتمد، وكان أخوه الموفق عليه يعتمد، وشرَّفه بالمصاهرة، وخلط نسبه بأنسابه الطاهرة.
стр. 3571
ولما قدم ابن بلبل دار الخلافة، ارتجت الدار، وخرج إليه الموفق بنفسه، وأخذ في زيادة أنسه، ثم كانت المصاهرة.
قال ابن عبدوس: حدثني من كان يكتب لإسماعيل بن بلبل أنه لما وقع الصهر بينه وبين الموفق وزوج عبد الواحد بابنته، أمر بتقدير ما يحتاج إليه للمطبخ، فكان مما يقدر ثمانمائة جدي، فكتب إلى ضياعه بحملها، فيما يحمل منها إليه، وقرب وقت الحاجة، ولم تصل، فاستأذنه كاتبه في ابتياعها، هي وبقية ما طلب، ولم يصل، فأذن له، فابتاعه، ثم وصل المطلوب، فاستأذنه في ردّ ما أخذه على أصحابه للاستغناء عنه، فقال: هذه نذالة، بل اذبح الجميع، ووسع على الناس.
وقال ابن عبدوس كلامًا مختصره: قد كان أيام كتابته لعبيد الله بن سليمان قد قطع على عيسى بن الشيخ في معنى تعلقاته مائة ألف دينار لعبيد اله بن سليمان، وعشرين ألف دينار لنفسه، فلما تم الأمر استأذنه عيسى بن الشيخ في حمل المال فقال: معاذ الله، والله لا أخذت على معروف صنيعة، ثم قال: إنما أردت - بما كنت قررته لي عليه من المال - علامة بمقدار ما فعلته معه.
وفيه يقول ابن الرومي (١): [من البسيط]
قالوا: أبو الصَّقْرِ مِنْ شَيبان، قلتُ لهمْ: … كَلًا لَعَمْرِي وَلَكِنْ مِنْهُ شَيبان
وَكمْ أَبِ قَدْ عَلا بابن ذُرَى شَرَفٍ … كما عَلَتْ بِرَسُولِ اللهِ عَدْنَانُ
ولم أقصر بشيبان التي بلغت … منها المبالغُ أَعْرَاقٌ وأَغْصَان
تلقاهم ورماح الخط دونَهم … كالأسْدِ أَلبَسَهَا الآجامُ خُفَّانُ
سُودُ السَّراوِيل مِنْ طُولِ ادِّرَاعِهِمْ … بيضُ المحاسن والأعراض عنوان
لا يوحش المجد من شيبانَ أنَّهم … قوم يكونون حيثُ المجد من كانوا
المُنْعِمُونَ وما منوا على أحَدٍ … يومًا بنُعْمَى وَلَو مَنُوا بِما مَانُوا
стр. 3572
قَومٌ يُعِيرُونَ مَا كَانَتْ مُغاليةٌ … حتَّى إذا قَدَرَتْ أيديهم هانوا
وفيه يقول (١): [من البسيط]
يفدي أبا الصَّقر إن قاموا بفِدْيَتِهِ … قَومٌ إذا مدفت أفعالُهُمْ صرحا
مهما أتى النَّاسُ مِنْ طَوْلٍ وَمِنْ كَرَم … فإِنَّما دخلوا البابَ الَّذي فَتَحَا
يُعطي المُزَاحَ ويُعْطِي الجِدَّ حَقَّهُمًا … فالموتُ إن جَدَّ والمعروف إن فَرِحَا
في كفِّهِ قَلَم ناهِيْكَ مِنْ قَلَم … نَيْلًا ونَاهِيْكَ مِنْ كَفَّ بها اتَّشَحَا
يَمحو ويكتب أرزاق العباد به … فَمَا المَقادِيرُ إِلَّا مَا وَحَى وَمَحَا
ومنهم:
[٤١] العباس بن الحسن بن أيوب (٢)
وزر للمكتفي، ثم كان به يكتفي، لا يفضّل عليه أحدًا، ولو ظهر فضله عليه كالصباح إذا بدا.
وكان كاتبًا بليغًا، غض الأدب قدر الذهب، حلو الكلام كأن جنى النحل في عبارته، وغمز لواحظ الغيد في إشارته، يتلعب لفظه بالعقول تلعب الرياح، وتتغلب على الأفهام تغلب النهار على ضوء المصباح، ببدائع تهجر بها وشي الربيع، وتفخر على لألاء الفجر الصديع.
ومما كتبه إلى صديق يستدعيه إلى مجلس أنس انقطع للراحة فيه:
стр. 3573
«كتبتها - أعزَّك الله وأدام إمتاعي بك إليك - وقد انتظم شملنا في بكرة، هذا اليوم الغنج البهج، … والسماء كما ترى قد اكتنفتها سحب لا تنجلي ولا تمطر. لا تعرف سحًا ولا طلا، ولا تسكب رذاذًا، ولا وبلًا، ونحن في مجلس دارت كؤبه علينا، وأهديت كؤوسه إلينا، تُرْفُ فيها عروس المدام كأنها خدود غلام. وعندنا شادِ لا يعرف أيهما ألعب بنا نغمه، أم الكؤوس؟ وأوضح وجهه المنير، أم الشموس؟ فبحق ما بيننا من عهود الشباب، وحقوق اللذات والأتراب إلا ما كملت طربنا بحضورك، ووصلت سرورنا بسرورك».
ومما كتبه إلى صديق له في منحة سلة فيها:
«إنَّ الله تعالى ليمتحن العبد لكثرة التواضع له والاستعانة به، ويجد الشكر على ما يوليه من كفايته، ويأخذ بيده في شدَّته؛ لأنَّ دوام النعمة والعافية كلاهما ينظر الإنسان، فيعجب بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه».
وقال محمد بن يحيى: ركب العباس بن الحسن بعد وفاة القاسم بن عبد الله: بيوم - وأنا معه - فاجتاز بدار القاسم، فرأى بابه خاليًا فقال: لئن خلا هذا الباب لطالما امتلأ بالناس. قال: فقلت له: كأنَّ الوزير نطق بلسان ابن ناجية حيث يقول: [من الطويل]
وإن يُمْسِ وحشًا بابه فلربما … تَنَاطَحُ أَفْوَاجًَا إليهِ المَواكِبُ
يُحَيُّونَ بأسًا ما كأَنَّ جَبِيْنَهُ … هِلالٌ بَدَا فانجاب عنه السَّحائِبُ
وما غائِبٌ مَنْ كانَ يَرْجُو إِيَابَهُ … وَلكنَّهُ من ضُمِّنَ اللَّحْدَ غَائِبُ
واستعدى ندماءه إلى روضة يكاد يذري الدمع نرجسها إذا أضحى، ويقطر من شقائقها الدم لا يرقى، جرجار المدام قد طافت به الجواري، ولؤلؤ الطل تضاحك صباب كؤوسها، ويخلط بلحن أنجمه ذهب شموسها، فقال لندماه كلامًا معناه:
هل رأيتم أحسن من يجري دمعته وهو يضحك، أو أعجب من المدام يحيي النفوس وأوداج أباريقه تسفك، فهل من قائل في ذلك؟، قالوا السيد أحق، فقال: [من المنسرح]
стр. 3574
انظر إلى النَّورِ مُعْرِبًا ضَحِكَا … إِذْ أَسْبَلَ النَّو جَفْنَهُ وَبَكَى
وانظر إلى الكأس إذ نَعِيشُ بِهِ … وقد أطَحْنا له دمًا سُفِكَا
وكتب العباس إلى زيادة الله الأغلب - صاحب المغرب - يرغبه في الطاعة، ويخوفة بالمكتفي، وملأ عليه منه، فوجه إليه ابن الأغلب برسل وهدية فيها مائة خادم، وخيل مختارة، ويز كثير، وعشرة آلاف درهم، وألف دينار في كل دينار عشرة دنانير، وعلى الدنانير والدراهم مكتوب من أحد الجانبين: [من الكامل]
يا سائِرًا نحوَ الخليفةٍ قل له … نَمْ قد كَفَاكَ اللهُ أَمرَكَ كُلَّهُ
بزِيادة الله بن عبدِ اللهِ سيْـ … ـفِ اللهِ مَنْ دونَ الخَليفَةِ سَلَّهُ
ومن الجانب الآخر: [من الكامل]
مَا يَنْبَرِي لكَ بالشَّقاقِ مُنافِق … إلَّا استَبَاحَ حَرِيْمَهُ وَأَذَلَّهُ
ووجه إلى العباس بهدايا كثيرة، فلما كان بعد شهر ورد الخبر بانهزام ابن الأغلب من الخارج عليه بالقيروان، ومجيء ابن الأغلب إلى مصر، وإن تعجب بنفسه ورجاله.
стр. 3575
[بنو الفرات]
بنو الفرات، وهم كبراء الوزراء والكتاب الذين تلقوا أمر الخلافة، وأطربوا ببدائعهم لا بالسلافة، وتنقلوا في الممالك فكانوا نواها، وتتبعوا خللها، وكادوا لأواها. وضعوا الأيام بالميراث، وسعوا بالشام المشوات، وخدموا الملوك، ونظموا السلوك، وأفادوا مننًا جسامًا، وكشفوا البدور وجوهًا وسامًا، فما حلُّوا في إقليم إلا/ ٨٦/ وحلُّوا بحلولهم كنفه، وزلوا أقمارهم تحفه، وتدفق في كل مربع منهم عدن فرات، وتأنق كما نشرت عليه خيرات.
[٤٢] [محسن ابن الفرات]
إلا أن محسن بن الفرات (١) كان لا يحسن في فعله، ولا يحسب حساب أحد من جهله، وغرته مسالمة الأيام، ومساعدة الزمان، وكان يحمله على هذا الأسباب سكران سكر سعادة … وسباب، فلهذا كان إذا ذكر عيبه ندم، وإذا أظهر سعته لا يلم، وكان من يقصده لحاجة ترتقت عينا، فإذا أعاب عرض حاجة، ليكون قضاؤها أسهل عليه، وأنهل إلى حمل من يحمله إليه، فإنه كان قصده عن حوائج الناس ويوقف قلمه أن يجري إلا لمبيع، ويصل لا يقطع، فقلَّ موقعه، وتمنوا زوال زمانه، ودانوا في … سوء محضره فعاد شؤمه على ابنه، ورأى به ما كره في نفسه وفيه.