ولما قدم ابن بلبل دار الخلافة، ارتجت الدار، وخرج إليه الموفق بنفسه، وأخذ في زيادة أنسه، ثم كانت المصاهرة.
قال ابن عبدوس: حدثني من كان يكتب لإسماعيل بن بلبل أنه لما وقع الصهر بينه وبين الموفق وزوج عبد الواحد بابنته، أمر بتقدير ما يحتاج إليه للمطبخ، فكان مما يقدر ثمانمائة جدي، فكتب إلى ضياعه بحملها، فيما يحمل منها إليه، وقرب وقت الحاجة، ولم تصل، فاستأذنه كاتبه في ابتياعها، هي وبقية ما طلب، ولم يصل، فأذن له، فابتاعه، ثم وصل المطلوب، فاستأذنه في ردّ ما أخذه على أصحابه للاستغناء عنه، فقال: هذه نذالة، بل اذبح الجميع، ووسع على الناس.
وقال ابن عبدوس كلامًا مختصره: قد كان أيام كتابته لعبيد الله بن سليمان قد قطع على عيسى بن الشيخ في معنى تعلقاته مائة ألف دينار لعبيد اله بن سليمان، وعشرين ألف دينار لنفسه، فلما تم الأمر استأذنه عيسى بن الشيخ في حمل المال فقال: معاذ الله، والله لا أخذت على معروف صنيعة، ثم قال: إنما أردت - بما كنت قررته لي عليه من المال - علامة بمقدار ما فعلته معه.
وفيه يقول ابن الرومي (١): [من البسيط]
قالوا: أبو الصَّقْرِ مِنْ شَيبان، قلتُ لهمْ: … كَلًا لَعَمْرِي وَلَكِنْ مِنْهُ شَيبان
وَكمْ أَبِ قَدْ عَلا بابن ذُرَى شَرَفٍ … كما عَلَتْ بِرَسُولِ اللهِ عَدْنَانُ
ولم أقصر بشيبان التي بلغت … منها المبالغُ أَعْرَاقٌ وأَغْصَان
تلقاهم ورماح الخط دونَهم … كالأسْدِ أَلبَسَهَا الآجامُ خُفَّانُ
سُودُ السَّراوِيل مِنْ طُولِ ادِّرَاعِهِمْ … بيضُ المحاسن والأعراض عنوان
لا يوحش المجد من شيبانَ أنَّهم … قوم يكونون حيثُ المجد من كانوا
المُنْعِمُونَ وما منوا على أحَدٍ … يومًا بنُعْمَى وَلَو مَنُوا بِما مَانُوا
стр. 3572
قَومٌ يُعِيرُونَ مَا كَانَتْ مُغاليةٌ … حتَّى إذا قَدَرَتْ أيديهم هانوا
وفيه يقول (١): [من البسيط]
يفدي أبا الصَّقر إن قاموا بفِدْيَتِهِ … قَومٌ إذا مدفت أفعالُهُمْ صرحا
مهما أتى النَّاسُ مِنْ طَوْلٍ وَمِنْ كَرَم … فإِنَّما دخلوا البابَ الَّذي فَتَحَا
يُعطي المُزَاحَ ويُعْطِي الجِدَّ حَقَّهُمًا … فالموتُ إن جَدَّ والمعروف إن فَرِحَا
في كفِّهِ قَلَم ناهِيْكَ مِنْ قَلَم … نَيْلًا ونَاهِيْكَ مِنْ كَفَّ بها اتَّشَحَا
يَمحو ويكتب أرزاق العباد به … فَمَا المَقادِيرُ إِلَّا مَا وَحَى وَمَحَا
ومنهم:
[٤١] العباس بن الحسن بن أيوب (٢)
وزر للمكتفي، ثم كان به يكتفي، لا يفضّل عليه أحدًا، ولو ظهر فضله عليه كالصباح إذا بدا.
وكان كاتبًا بليغًا، غض الأدب قدر الذهب، حلو الكلام كأن جنى النحل في عبارته، وغمز لواحظ الغيد في إشارته، يتلعب لفظه بالعقول تلعب الرياح، وتتغلب على الأفهام تغلب النهار على ضوء المصباح، ببدائع تهجر بها وشي الربيع، وتفخر على لألاء الفجر الصديع.
ومما كتبه إلى صديق يستدعيه إلى مجلس أنس انقطع للراحة فيه:
стр. 3573
«كتبتها - أعزَّك الله وأدام إمتاعي بك إليك - وقد انتظم شملنا في بكرة، هذا اليوم الغنج البهج، … والسماء كما ترى قد اكتنفتها سحب لا تنجلي ولا تمطر. لا تعرف سحًا ولا طلا، ولا تسكب رذاذًا، ولا وبلًا، ونحن في مجلس دارت كؤبه علينا، وأهديت كؤوسه إلينا، تُرْفُ فيها عروس المدام كأنها خدود غلام. وعندنا شادِ لا يعرف أيهما ألعب بنا نغمه، أم الكؤوس؟ وأوضح وجهه المنير، أم الشموس؟ فبحق ما بيننا من عهود الشباب، وحقوق اللذات والأتراب إلا ما كملت طربنا بحضورك، ووصلت سرورنا بسرورك».
ومما كتبه إلى صديق له في منحة سلة فيها:
«إنَّ الله تعالى ليمتحن العبد لكثرة التواضع له والاستعانة به، ويجد الشكر على ما يوليه من كفايته، ويأخذ بيده في شدَّته؛ لأنَّ دوام النعمة والعافية كلاهما ينظر الإنسان، فيعجب بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه».
وقال محمد بن يحيى: ركب العباس بن الحسن بعد وفاة القاسم بن عبد الله: بيوم - وأنا معه - فاجتاز بدار القاسم، فرأى بابه خاليًا فقال: لئن خلا هذا الباب لطالما امتلأ بالناس. قال: فقلت له: كأنَّ الوزير نطق بلسان ابن ناجية حيث يقول: [من الطويل]
وإن يُمْسِ وحشًا بابه فلربما … تَنَاطَحُ أَفْوَاجًَا إليهِ المَواكِبُ
يُحَيُّونَ بأسًا ما كأَنَّ جَبِيْنَهُ … هِلالٌ بَدَا فانجاب عنه السَّحائِبُ
وما غائِبٌ مَنْ كانَ يَرْجُو إِيَابَهُ … وَلكنَّهُ من ضُمِّنَ اللَّحْدَ غَائِبُ
واستعدى ندماءه إلى روضة يكاد يذري الدمع نرجسها إذا أضحى، ويقطر من شقائقها الدم لا يرقى، جرجار المدام قد طافت به الجواري، ولؤلؤ الطل تضاحك صباب كؤوسها، ويخلط بلحن أنجمه ذهب شموسها، فقال لندماه كلامًا معناه:
هل رأيتم أحسن من يجري دمعته وهو يضحك، أو أعجب من المدام يحيي النفوس وأوداج أباريقه تسفك، فهل من قائل في ذلك؟، قالوا السيد أحق، فقال: [من المنسرح]
стр. 3574
انظر إلى النَّورِ مُعْرِبًا ضَحِكَا … إِذْ أَسْبَلَ النَّو جَفْنَهُ وَبَكَى
وانظر إلى الكأس إذ نَعِيشُ بِهِ … وقد أطَحْنا له دمًا سُفِكَا
وكتب العباس إلى زيادة الله الأغلب - صاحب المغرب - يرغبه في الطاعة، ويخوفة بالمكتفي، وملأ عليه منه، فوجه إليه ابن الأغلب برسل وهدية فيها مائة خادم، وخيل مختارة، ويز كثير، وعشرة آلاف درهم، وألف دينار في كل دينار عشرة دنانير، وعلى الدنانير والدراهم مكتوب من أحد الجانبين: [من الكامل]
يا سائِرًا نحوَ الخليفةٍ قل له … نَمْ قد كَفَاكَ اللهُ أَمرَكَ كُلَّهُ
بزِيادة الله بن عبدِ اللهِ سيْـ … ـفِ اللهِ مَنْ دونَ الخَليفَةِ سَلَّهُ
ومن الجانب الآخر: [من الكامل]
مَا يَنْبَرِي لكَ بالشَّقاقِ مُنافِق … إلَّا استَبَاحَ حَرِيْمَهُ وَأَذَلَّهُ
ووجه إلى العباس بهدايا كثيرة، فلما كان بعد شهر ورد الخبر بانهزام ابن الأغلب من الخارج عليه بالقيروان، ومجيء ابن الأغلب إلى مصر، وإن تعجب بنفسه ورجاله.
стр. 3575
[بنو الفرات]
بنو الفرات، وهم كبراء الوزراء والكتاب الذين تلقوا أمر الخلافة، وأطربوا ببدائعهم لا بالسلافة، وتنقلوا في الممالك فكانوا نواها، وتتبعوا خللها، وكادوا لأواها. وضعوا الأيام بالميراث، وسعوا بالشام المشوات، وخدموا الملوك، ونظموا السلوك، وأفادوا مننًا جسامًا، وكشفوا البدور وجوهًا وسامًا، فما حلُّوا في إقليم إلا/ ٨٦/ وحلُّوا بحلولهم كنفه، وزلوا أقمارهم تحفه، وتدفق في كل مربع منهم عدن فرات، وتأنق كما نشرت عليه خيرات.
[٤٢] [محسن ابن الفرات]
إلا أن محسن بن الفرات (١) كان لا يحسن في فعله، ولا يحسب حساب أحد من جهله، وغرته مسالمة الأيام، ومساعدة الزمان، وكان يحمله على هذا الأسباب سكران سكر سعادة … وسباب، فلهذا كان إذا ذكر عيبه ندم، وإذا أظهر سعته لا يلم، وكان من يقصده لحاجة ترتقت عينا، فإذا أعاب عرض حاجة، ليكون قضاؤها أسهل عليه، وأنهل إلى حمل من يحمله إليه، فإنه كان قصده عن حوائج الناس ويوقف قلمه أن يجري إلا لمبيع، ويصل لا يقطع، فقلَّ موقعه، وتمنوا زوال زمانه، ودانوا في … سوء محضره فعاد شؤمه على ابنه، ورأى به ما كره في نفسه وفيه.
стр. 3576
وذكر أبو الفرج الأصفهاني، قال: قال لي أبو عبد الله يحيى الكاتب: إليَّ يكتب أبو الحسن بن الفرات أبا علي بن مقلة في رواية الثالثة، ولم أدخل إليه، ولا كاتبه متوجعًا له، ولا راسلته في شيء خوفًا من ابن الفرات مع ما بيني وبين ابن مقلة من … الكوفة الأكيدة، فلما طال تمكينه كتب إليَّ رقعة في أولها: [من الطويل]
تُرَى حُرِّمَتْ كُتبُ الأخِلاءِ بينَهُمْ … أَبِنْ لِيْ أم القرطاسُ أَصْبَحَ غَالِيًا
فما كانَ لَوْ سأَلْتَ كيفَ حَالُنا … وقد دهمَتْنَا نَكْبَةٌ هِيَ مَا هِيَا
صَدِيقُكَ مَنْ راعاكَ عِنْدَ شِدَّةٍ … وكُلُّ تَراهُ في الرَّخاءِ مُرَاعِيَا
فَهَبْكَ عَدُّوِي لا صَدِيقِي فَرُبَّما … يكادُ الأعادي يَرْحَمُونَ الأَعَادِيَا
ثم عطفها على رقعة إلى الوزير فيها: أقصرت أطال الله بقاء الوزير، ولا امتحن له صبرًا عن الاستعطاف والشكوى حتى تناهت المحنة والبلوى في النفس والمال والجسم والحال إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمحترم، وحتى أفضيت إلى الحيرة والتبلد وعيالي إلى الهلكة والتلدُّد، وما أقول إن حالًا أتاه الوزير - أيده الله في أمري - إلا بحق واجب، وظن صادق غير كاذب، إلا أن القدرة تذهب الحفيظة والاعتراف، وتزيل الافتراق، وربّ المعرفة تورثه أهل الفضل والدين والإحسان إلى المسمى من أفعال المتَّقين على كل حال، فلي ذمام وحرمة، وتأميل وخدمة، إن كانت الإساءة تصنعها، فرعايته الوزير أيده الله بحفظها، وإن رأى الوزير أن نلحظ عنده بعض رأفته، وينعم بإحياء مهجته، وبتخلصها من العذاب الشديد، والجهد الجهيد ويجعل له من معروفه نصيبًا، ومن البلوى فرجًا قريبًا، فعل إن شاء الله.
قال يحيى الكاتب: فأقامت الرقعة في كمي أيامًا لا يمكن من عرضها إلى أن خلوت به يومًا، ثم قلت له: قد عرف الوزير - أيده الله - ما بيني وبين [ابن] مقلة من الألفة التي جمعتنا عليها خدمته، والله ما كاتبته، ولا راسلته، ولا قضيت له حقًا بمعونة، ولا غيرهما منذ سخط الوزير عليه، وهذه رقعته بدن عليه، وطيها رقعة إلى الوزير إن أذن عرضها عليه، فقال: هاتهما فأخذهما فقرأهما، فقلت: اسأل الوزير أن يكتم علي ذلك عند أبي أحمد - يعني المحسن أبيه - فإني أخافه، فقال: أفعل، ثم قال: والله يا أبا عبد الله لقد تناهى هذا الرجل في السعي على دمي ومالي وأهلي، ثم قال: والآن، وحق محمد وآله ﵈ لا جرى على ابن مقلة مكروه بعد هذا، وأنا آخذه من يد المحسن، وأنفذه مع سليمان بن الحسن إلى فارس، وأجريه مجراه في الأمر بحراسة نفسه، وباقي حاله. فلما كان في غد أنفذ من انتزعه من حبس المحسن، وأخرجه إلى فارس هو وسليمان، فسلما، وأمسك المقتدر علي بن محمد بن الفرات
стр. 3577
وانتهبت أمواله، وحصل منها سبعة آلاف ألف دينار، وأبقى عليه أملاكه، وكانت غلاتها في السنة ألف ألف دينار، فكان يشغلها وهو معزول. وذكر ذلك ابن عبدوس في كتاب الوزراء.
وكان أبو محسن ضجورًا، وكانت أولاده قد تحمل عليه، وكل منهم يسعى لمن يرتشي منه، وكان يتولى العمل الواحد عدة من العمال في الأيام القليلة، حتى أنه ولي مياه الكوفة، في شهر واحد سبعة من العمال، فقيل فيه: [من الوافر]
وزيرٌ قد تكامل في الرَّقاعَهُ … يُولِّي ثُمَّ يعزل بعد ساعة
وإن هل الرشا اجتمعوا عليه … فخيرُ القوم أوفَرُهُم بضاعة
ومنهم:
[٤٣] علي بن عيسى بن داود بن الجراح بن الحسن البغدادي الكاتب (١)
وزير المقتدر والقاهر. وزير جل ماله، وكل أعماله حفظ حين أضيعت المناصب، وبقي ماله له حين ارتجع مال الغاصب، وكان لا يزال مطفيًا لمواقع شرار، ومخفيًا لطوائع سرار، يرى خير أيامه لا يوم نَدًى عرفه ساكب، وجولة طلبة علم المواكب، وكان في أيام عطلته، وزمان تعرى منكبه من حلسه، أكثر مما هو موسوم الأيام محل المعاطف بالرتبات
стр. 3578
العظام، لوفور دخل لا يكاثر، ولا يقاس بالسحاب الممطر إن كاثر.
قال الفاضل أبو الصفاء الصفدي (١): كان على الحقيقة غنيًا، شاكرًا، صدوقًا، دينًا، خيرًا صالحًا عالمًا، من خيار الوزراء. وهو كثير البر والمعروف والصلاة والصيام، ويجالس العلماء. توفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ووزر للمقتدر مرتين، وكان يستغل ضياعه في السنة سبعمائة ألف دينار، ويخرج منها في وجوه البر ستمائة ألف دينار، وينفق أربعين ألف دينار على خاصته، وكانت غلته عند عطلته ولزوم بيته نيفًا وثمانين ألف دينار، ينفق على نفسه وخاصته ثلاثين ألف دينار، ويصرف الباقي في وجوه البر.
стр. 3579
قال الصولي: لا اعرف أنه وزر لبني العباس وزير يشبهه في زهده، وعفته، وحفظ القرآن، وعلمه بمعانيه، وكان يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا أعلم أني خاطبت أحدًا أعلم منه بالشعر.
وكان يوقع بيده في جميع ما يحتاج إليه، ولما عزل في وزارته الثانية، وولي ابن الفرات، لم يقنع المحسن بن الفرات إلا بإخراجه عن بغداد، فتوجه إلى مكة وأقام به مهاجرًا.
وقال في نكبته: [من الطويل]
وَمَنْ يَكُ عَنِّي سائلًا لِشَمَاتَةٍ … لِمَا نَالَنِي أَوْ سَامِعًا غَيْرَ سَائِلِ
فقد أبرزت منّي الخُطوبُ بِزَجْرِهِ … صَبُورًا عَلى الأَهْوالِ تِلْكَ الزَّلازِلِ
إذا سُرَّ لَمْ يُبطيء وليس بنَكْبَةٍ … إذا نزلت بالخاشع المُتَصَابِلِ
ولما حبس كان يلبس ثوبه، ويتوضأ للصلاة، ويقوم ليخرج لصلاة الجمعة، فيمنعه الموكلون، فيرفع يده إلى السماء، ويقول: اللهم اشهد لي أنني أريد طاعتك، ويمنعني هؤلاء. وأشار/ ٨٩/ على المقتدر أن يقف العقار ببغداد على الحرمين والثغور، وعليها ثلاثة عشر ألف دينار في كل شهر، والضياع الموروثة بالسواد، وعليها نيف وثمانون ألف دينار، ففعل ذلك وأشهد على نفسه وأفراد ابده الموقوف ديوانًا، وسماه ديوان البر. وخدم السلطان سبعين سنة لم يُزل فيها نعمة عن أحد، وأحصي له أيام وزارته نيف وثلاثون ألف توقيع من الكلام السديد، ولم يقتل أحدًا، ولا سعى في دمه.
وكان على خاتمه مكتوب:
«لله صنع خفي … في كل أمر نخاف»
وعزى ولد القاضي أبي الحسن عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف، فلما أراد الانصراف قال: مصيبة قد وجب أجرُها خير من نعمة لا يؤتى شكرها.
وكان يُجري على خمسة وأربعين ألف إنسان خيرات تكفيهم (١)
стр. 3580
ومنهم:
[بنو مقلة]
بنو مقلة، وقد صاروا مثلًا يُضرب إذا قيل لأحدٍ، خطك ما هو مليح، أو لفظك ما هو فصيح، قال: كأني ابن مقلة.
ورأيت لهم كتابة يأخذ بالعين حسنها، ورأيت منها درجًا بقلم التوقيعات الكبير على ورق الموز ما رأيت أحلى من ورقه موقعًا منها، ولا أعلق بالقلوب من حسنها، حلت القلوب في شغافها، وأخذت من المحاسن بمجامعها لا بأطرافها، وهي على الطريقة القديمة، لا تخلو من آثار التوليد من الكوفي في غاية من تحرير السطور والحروف المناسبة في المقادير والبياضات.
ومنها خلص علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب (١) طريقه، ولخص أقلامه، مع ما زاد من تهذيب، وأبدع من تذهيب، ثم خالف أوضاعها وسماها.
ولبني مقلة، مع جودة الخط، جودة اللفظ الفائق نثرًا ولفظًا، الرائق مُدام لَمَاهُ لمن وشقا … فيما كتبه أبو علي، إذ كان الشكر ترجمان النية، ولسان الطوية، وسببًا إلى الزيارة، وطريقًا إلى السعادة، فألبس آثارها على الساكن مع الصحب أفصح من لسانه، وبيانها عند الجحود أبلغ من شأنه، والوزير يسع العالم بإحسانه، ويستغرق الشكر بامتنانه، ويستخدم الدهر عزمه، ويؤدب الأيام حزمه، وهو - أيده الله - كعبة الفضل،
стр. 3581
وغمامة وبل. الليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار من خوفه مطرقة، يحمده أولياؤه، ويشهد له بالفضل أعداؤه، ولا يصل الشك إلى سريرته، ولا ترقد عن الحق غير بصيرته، كالقمر السعد، والأسد الورد.
وفيه يقول:
إِنْ سَارَ سَارَ لِوَاءُ النَّصْرِ يَقْدُمُهُ … أَوْ حَلَّ حَلَّ بِهِ الإِقْبَالُ وَالكَرَمُ
يلقى العدول العدا بجيوش لا يقادمها … كثر العساكر إلا أَنَّهَا هِمَمُ
وقد حكى أبو علي بن مقلة (١) قال: من ظريف ما اتفق في نكبتي التي أخرجت منها إلى الوزارة أني أصبحت وأنا محبوس مقيد في حجرة من دار ياقوت - أمير فارس - وقد لحقني من اليأس من الفرج، وضيق الصدر ما أقنطني، وكاد يغلب على
стр. 3582
عقلي، وكان معي رجل آخر في المجلس إلا أنا على سبيل برمه وأكرم، فدخل علينا كاتب لياقوت كان يأتينا من جهته، فقال الأمير يقرأ عليكما السلام، ويتعرف أخباركما، ويسأل هل لكما حاجة؟ فقلت له: اقرأ عليه¬ السلام، وقل له: قد اشتهيت والله أن أشرب على غناء طيب، ورأيه في ذلك. فأقبل المحبوس معي يخاصمني، ويقول لي: يا هذا ما في قلوبنا فضل والله لهذا، فقلت للكاتب: أبلغ عني ما قلت لك. فذهب، ثم جاء وقال: الأمير يقول لك كرامة وغزارة، أي وقت شئت، فقلت: الساعة، فلم يمض ساعة حتى جاءوا بالطعام، فأكلنا. ثم أتوا بالمشام والفاكهة والنبيذ والمغنى، وصفف المجلس، وجلست والمحبوس معي مقيد، وقلت له: تعال حتى نشرب ونتفاءل بأول صوت يغنى به لنا في سرعة الفرج مما نحن فيه، فعله يصح لنا الفأل، فقال: أما أنا فلا أشرب قلم أزل أرفق به حتى شرب، وغنت المغنية، فكان أول صوت غنته: [من الطويل]
تواعَدَ للبَيْنِ الخَليطُ لينبتُوا … وقَالوا لِدَاعِي الدُّودِ مَوْعِدُكَ السَّبْتُ
ولكنهم بَانُوا ولم أَدْرِ بَغْتَةً … وأَقطَعُ شيء حين فاجأكَ البَغْتُ
فقال لي: ما هذا مما يتفاءل به، فقلت: إن هو إلا مُبَارَك، ولعل الله تعالى أن يمن علينا بالفرج/ ١١/ يوم السبت، قال: ثم شربنا يومنا وسكرنا، وانصرفت المغنية، ومضت بقية أيام ذلك الأسبوع، فلما كان يوم السبت لم يمض من النهار إلا دون الساعتين، فإذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعت وقمت إليه، فقال لي: أيها الوزير الله الله، في واحد يهنيني بالوزارة، ولم يكن قد تقدمت عندي مقدمة علم بشيء من ذلك، فأخرج لي كتابًا من القاهر، يعلمني فيه بتقليدي الوزارة، ويأمرني بالنظر في أمر فارس، واستصحاب ما يمكن من المال، فحمدت الله وشكرته، وإذا الخادم واقف، فتقدمت إليه، ففك قيدي، وقيد الرجل، وخرجت، فجلست، فنظرت في الأعمال والأموال، وجمعت مالًا جزيلًا في أيام يسيرة، وقررت أمر
стр. 3583
البلد، وسرت، وذلك الرجل معي، وقد فرج الله عني.
وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة قطعت يد الوزير أبي علي بن مقلة وكان سببه أنه سعى في القبض على ابن رائق، وأقامة بحكم موضعه، وأعلم ابن رائق بذلك، فجسه الراضي لأجل ابن رائق، وترددت الرسل بين الراضي وبين ابن رائق، وآخر الأمر أنهم أخرجوا ابن مقلة وقطعوا يده في منتصف شوال، وعولج فبرئ، وعاد يسعى إلى الوزارة، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب.
ثم بلغ ابن رائق سعيه، وأنه يدعو عليه، فقطع لسانه، وضيق عليه في الحبس، ولم يكن عنده من يخدمه، ومات في شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بدار الخلافة.
ثم أن أهله سألوا فيه، فنبش، وسلّم إليهم، ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث مرات، لثلاث من الخلفاء: المقتدر، والقاهر، والراضي، وسافر ثلاث مرات: اثنتين إلى شيراز وأخرى في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات، ونبش.
ومنهم:
[٤٤] رئيس الرؤساء، أبو القاسم، علي بن مسلمة (١)
كان لا يبارى له قلم، ولا يجارى له إلى موقف نصر علم، ولا تقعد به همته عن ورود المجرَّة، وقعود عليائه على الأسرة، وإنما غلبت عليه شهوة سابق القدر، وراشق
стр. 3584
القضاء الذي لا ينفع معه حَذرٌ، فَجَرَّ عليه البلاء سَخفه، وجَرى عليه حتفه، وأوقعه في مصيبة تردُّ صخورها عِظامه، ويحل مقدورها نِظامه، وزر للخليفة القائم بعد عَميد الرؤساء بسعي ذي السعادات، وزير الملك أبي كاليجار؛ لأنه كان سيّء الرأي، فسعى فَهْدُ الأمر سعيه حتى أبرمه.
وانتمى رئيس الرؤساء إلى السلطان طُغرلبك، وردت في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وأربعمائة إلى الخليفة جوابًا عن رسالة الخليفة، وشكر إنعام الخليفة، عليه بالخِلع والألقاب، وأرسل طُغرلبك إلى الخليفة عشرين ألف دينار عينًا وأعلاقًا نفيسة من الجوهر، والثياب، والطيب، وغير ذلك وأرسل إلى الحاشية خمسة آلاف دينار، وألفي دينار لرئيس الرؤساء، فأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب وأمرهم بإكرامهم.
وكانت سبب وحشة البساسيري من رئيس الرؤساء أنَّ قريش بن بدران كان قد سار إلى حِلل الباسيري، وكبس أصحابه، ونهب أمواله، وفتح السوق، وأسرف في إهلاك الناس.
ثم إن قريش بن بدران بعث صاحبيه أبا الغنائم وأبا سعيد المحليان إلى الخليفة القائم في رمضان سنة ثلاث وأربعين، فاستوحش البساسيري، وأراد أخذهم، فلم يمكن منهم، فبدت الوحشة والبغضاء بينهم، ونسب الأمر كله إلى رئيس الرؤساء، لأن القائم كان لا يخرج عن رأيه، ولا يورد ويصدر إلا به، فرأيت على هذا الأمر ما رأيت من خلع القائم، وإقامة الخطبة للمستنصر العبيدي، حتى آل الأمر إلى خروج القائم من بغداد، واستجارته، وتمادى الحال إلى سنة حتى عاد الأمر لطُغرلبك، ولما دالت الدولة للبساسيري، أمسك رئيس الرؤساء.
стр. 3585
ومنهم:
[٤٥] فخر الدولة ابن جهير (١)
أفق سماء لا يعدّ نجومه، ونور سماح لا يردُّ سجومه، تألفت أقمار بينه وأشرقت مفاخر بيته لمبتنيه، وطلعت بنوره بدور أندية، وصدور مواكب واليه. دنت له سحب الخلافة، ثم أقلعت وأعنتها إليهم منصرفة، وأسنتها لديه معترفة وسرف بصهر ما وطدت الممالك، ولا وطئت المسالك إلا لقدمه، فكان لا يحوز زنده إلا وقد، ولا يحفو أحد إلا وقد، حتى آلت به الوزارة إلى الملك، وآت يجري بسعادته الفلك، وكان رجل دهر لا يفلفل له رجل، ولا يقل له مساقًا على قدم إلا والهلال خجل، بعزائم لا سهه (٢)، وعظائم لا تشبه. وزر للقائم، ثم عزل ثم أعيد في سنة إحدى وستين وأربعمائة.
ولما عاد مدحه صردر (٣) بقوله: [من الرجز]
قد رجع الحقُّ إلى نصابه … . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القصيدة المعروفة.
стр. 3586
وتزوج ابن جهير بنت نظام الملك بالري، وعاد إلى بغداد، وكان هذا سبب عوده إلى الوزارة حتى قال القائل: [من البسيط]
قُلْ للوزير: لا يفر عَنْ هَيْبَتِهِ … وإِنْ تَعَاظَمَ واسْتَعْلَى بِمَنْصِبِهِ
لولا ابْنَةُ الشيخ ما اسْتُوزِرْتَ ثَانِيَةً … فَاشْكُرْ جَزَا صَوْتِ مَولانَا الوَزِيْرِ بِهِ
ثم علت مكانته عند القائم، واعتمد عليه وأسرَّ بواطنه إليه، وقرب أقرباءه، وبعث ولده عميد الدولة بن جهير بالخلع إلى السلطان ألب أرسلان، وإلى ولده ملك شاه.
وكان السلطان قد طلب من الخليفة أن يجعل ولده ملك شاه ولي عهده، فأذن له، وسيرت له الخلع من عميد الدولة، وأمر بأن يخطب سفر خاتون ابنة السلطان ألب أرسلان لولي العهد المقتدي، فلما حضر بحضرة السلطان خطبها فأجيب، وعقد النكاح بظاهر سينابور، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح للمقتدر، ونظام الملك الوكيل في العقد قِبَلَ السلطان، ونثرت الجواهر والذهب.
ثم عاد عميد الدولة من عند السلطان إلى عند ولده ملك شاه، وهو ببلاد فارس، فلقيه بأصبهان، فأفاض عليه الخلع، فلبسها، وسار بها إلى أبيه، ثم أتى عهد الدولة بغداد، وكان ذلك كله سنة أربع وستين وأربعمائة.
ولما بويع المقتدي قام فخر الدولة بأخذ البيعة له في جماعة كانوا معه، فأقر فخر الدولة على الوزارة، وسيّر ابنه عميد الدولة إلى السلطان ملك شاه لأخذ البيعة له، وأرسل معه من خالص ماله من أنواع الهدايا والتحف ما يجلّ عن وصفه.
ولما توفيت بنت نظام الملك زوجة فخر الدولة دفنت بدار الخلافة إكرامًا لأبيها وزوجها، وجلس للعزاء لها ثلاثة أيام، ودام على وزارته وأمور الخلافة تمضى بإشارته حتى قدم أبو نصر القشيري بغداد سنة إحدى وسبعين، وذكر مذهب الأشعري فقامت عليه الحنابلة، وظهرت دفائن الإحن، وقامت الفتن ونسب أصحاب نظام الملك هذا إلى الوزير بن جهير لميله إلى الحنابلة فكتب أبو الحسن الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام الملك: [من الرمل]
يا نِظَامَ المُلْكِ قَدْ حَلَّ ببغداد النِّظَامُ … وَابْنُكَ القاطِنُ فيها مُستَلانُ مُسْتَضَام
وبِهَا أَوْدَى لَهُ قَبْلًا غُلامٌ وَغُلامُ … والَّذِي مِنْهُمْ تَبَقَى سَالِمًَا فِيهِ سِهَامُ
ا قوام الدِّينِ لَمْ يَبْقَ بِبَغْدَادَ مَقامُ … عَظَمَ الخَطْبُ فللحَرْبِ اتَّصَالُ وَدَوَامُ
فَمَتَى لَهُ يحسم الرأْي أيادِيْكَ الجِسَامُ … وَيَكِفُّ القَوْمَ في بغدادَ قَتْلُ وانْتِقَامُ
فلما سمع نظام الملك ما جرى، وقصد مدرسته والقتل بجوارها، مع كون ابنه
стр. 3587
مؤيد الملك فيها، عظم عليه، فبعث رسالة إلى المقتدي تتضمن الشكوى من ابن جهير، ويسأل عزل فخر الدولة، وأمر كوهرانين الشحنة، بأخذ أصحاب ابن جهير، وإيقاع المكروه بهم، فأتى الخبر بني جهير، فسار عميد الدولة إلى العسكر؛ لاستعطاف نظام الملك، وتجنب الطريق، وسلك الجبال خوفًا من لقاء كوهرانين.
وأتى كوهرانين بغداد واجتمع بالمقتدي، وأبلغه رسالة نظام الملك، فأمر ابن جهير بلزوم بيته، ووصل عميد الدولة والعسكر السلطاني.
ولم يزل نظام الملك يستصلح، حتى عاد إلى ما ألفه منه، وزوجه بابنته - بنت له - وعاد إلى بغداد، على أنَّ الخليفة يرد أباه إلى الوزارة، فلم يرده واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين.
ثم إن نظام الملك أرسل الخليفة في إعادة بني جهير، وشفع إليه فيهم، فاستوزر عميد الدولة، وأذن لأبيه فخر الدين في فتح بابه والتصرف في نفسه، وذلك في سنة اثنتين وسبعين، ثم عزل في سنة خمس وسبعين، وتوجه بأهله كلهم إلى نظام الملك، لطلب منه لهم، فأكرمهم وفوض السلطان إلى فخر الدولة ديار بكر، وخلع عليه وأعطاه الكوسات، وسير معه العساكر، وأمره بأن يأخذها من بني مرون ويخطب بها لنفسه.
ثم إن السلطان أمده بولده عميد الدولة، وبعث معه قسيم الدولة أقسنقر - جد نور الدين - فأخذ الموصل وغيرها، وانقرضت دولة بني مرون.
وكان عسكره قد أوقعوا بحلل العرب نحو آمد حتى أفْتك سيف الدولة صدقة نساءهم وأولادهم، وأسدى مكرمة شريفة مدح بها.
ومما قال السنبسي: [من الوافر]
كَمَا أَحْرَزْتَ شكر بَنِي عَقيلٍ … بآمد حين كَظَّهُمُ الحِذَارُ
غَداةَ رمَتْهُمُ الأَتْرَاكُ طُرًَّا … بشُهْب في حوافرها ازْوِرَارُ
فما جَبَنُوا ولكن فاضَ بحرٌ … عظيم ما يقاومه البحار
فَحِينَ تنازلوا تحت المنايا … وفيهنَّ الرزية والدِّمَارُ
مَنَنْتَ عليهمُ وَفَكَكْتَ عنهم … وفي .......... انتشار
ولولا أنْتَ لم يَنْفَكَ مِنْهُمْ … أسيرُ حين أعقله الإسار
ولد بالموصل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وتوفي بها سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
стр. 3588
ومنهم:
[٤٦] أبو شُجاع، محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم ظهير الدين الروذاوري (١)
قرأ الفقه على الشيخ أبي إسحاق، وتأدب، ووزر للمقتدي، بعد عميد الدولة ابن جهير، وأخمل ذكره الشهير، وخطا والبرق على أثره، وسرى [و] الجوزاء قرط في لجامه أو عدة أيام في الوزارة سنين ثم عزل عنها، وأنشد لما عزل: [من الوافر]
تولًاها وليس لهُ عَدُوٌّ … وفارقها وليس لهُ صَديق!
وكان أمره مع الناس بخلاف ما ظن.
حكى ابن خلكان: أنه خرج بعد عزله ماشيًا يوم الجمعة إلى الجامع من داره، فانثالت عليه العامة تصافحه، وتدعو له، وكان ذلك سببًا لإلزامه بالقعود في داره.
ثم أخرج إلى روذاور، فأقام مدَّة، ثم خرج حاجًا، فخرجت العرب على الركب الذي هو فيه، بقرب الربذة، فلم يسلم من الرفقة، فحج وجاور بالمدينة الشريفة حتى مات، ودفن عند القبة التي فيها إبراهيم ﵇.
وكان سبب عزله أنه كان ينتقص بالسلطان، وبنظام الملك، ويتكلم فيهما.
[ولما] جاءت البشرى بأنَّ السلطان فتح سمرقند، قال: أي بشرى هذه؟! كأنه
стр. 3589
فتح بلاد الروم، أو قاتل كفار اليهود. جاء إلى قوم مسلمين استباح نساءهم وأموالهم، وأخذ ملكهم وديارهم، فأرسل إلى الخليفة في عزله، فعزله.
قال العماد الكاتب: ولما كان عصره أحسن العصور، وزمانه أقصر الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعبًا شديدًا في أمور الشرع، سهلًا لينًا في أمور الدنيا، لا يأخذه في الله لومة لائم.
ثم قال: ذكر ابن الهمداني في المذيل، فقال: كانت أيامه في الأيام سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية، وأعمها أمنًا، وأشملها رخصًا، وأكملها، ولم يعادلها سرور، ولم يغادرها بؤس، ولم يشنها مخافة، وقامت للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام ما أعادت سالف الأيام، وكان أحسن الناس خطأ.
قال ابن السمعاني: وكان يرجع إلى فضل كامل، وعقل وافر، ورزانة ورأي صائب، وكان له شعر رقيق مطبوع.
وقال: سمعت من أثق به، أنَّ الوزير أبا شجاع وقت أوان ارتحاله من الدنيا حمل إلى مسجد رسول الله ﷺ فوقف عند الحضيرة وبكى وقال: يا رسول الله، قال الله تعالى: «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا» ولقد جئتك معترفًا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك، وبكى، ورجع، وتوفي من يومه.
ومن شعره: [من الكامل]
لأُعَذِّبَنَّ العينَ غيرَ مُراقبٍ … فِيها بَكَتْ بالدمع أم فاضتْ دَمَا
وَلأَهْجُرَنَّ من الرُّقاد لذيذهُ … حَتَّى يعود على الجفون مُحرَّمَا
هي أوقعتني في حبائل فِتْنَةٍ … لَوْ لَمْ تَكُنْ نَظَرَتْ لَكُنْتُ مسَلِّمَا
سَفَكَتْ دَمِي فَلأَسْفِكَنَّ دُمُوعَها … وهي التي بدأت فكانت أظْلَمَا
ومنه قوله: [من الطويل]
أيذهبُ جُلُّ العُمْرِ بيني وبينَكُمْ … بغَيْرِ لقاء إِنَّ ذا لَشَدِيدُ
فإِنْ سَمَحَ الدَّهْرُ الخَؤُونُ بوَصْلِكُمْ … على فَاقَتِي إِنِّي إذا لسعيدُ
وله تصانيف منها «ذيل تجارب الأمم».
قال عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير: رجل لو لم يجن عليه لسانه، ومهن بقبيح إساءته إحسانه، لما جاذبته السعاة عنانها، ولا جاوزته عيانها، ولو لم يكن نوادر كلامه بوادر كلامه، ولا أخذ بلفتات/ ٩٧/ اللسان الطائحة، وصفحات البغضاء
стр. 3590
اللائحة حتى لقم جر الأوزار، ونفح إلى دار البوار.
وزر للمقتدي بعد عزل أبي شجاع، وكان السلطان ونظام الملك يذكران أبا شجاع، كما تقدم ذكره في ترجمته.
[٤٧] أبو سعيد بن موصلايا (١)
ولما عُزل أبو شجاع، استناب المقتدي أبا سعيد بن موصلايا كاتب الإنشاء في الوزارة، وطلب عميد الدولة ليوزره، فسير إليه، وركب إليه نظام الملك وهنياه بالعودة إلى الوزارة، وأكثر الشعراء تهنئة، فأخذ في العمارة، وتعمير البلاد، وتوطين الرعايا، وبنى سور الحريم، وأمر فزينت بغداد لفراغه.
وكان عادلًا، حليمًا، كريمًا، إلا أنَّه كان عظيم الكبر يكاد يعد كلامه، وكان إذا كلم إنسانًا كلامًا هنا ذلك الرجل بكلامه، إلا أنه كان يهب الألف عينًا من الذهب، والخيل المسومة، والأقمشة الثمينة حتى ذهب الكرم بماله كله، ولم يزل على جاهه ووجاهته … طرفه ونباهته، حتى عادى الدولة السلجوقية، فعمل عليه، ورمي بسهامها، فما أخطأت لَبَّتَه ونحره، فعزل في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وقبض عليه وعلى أخوته، وأخذ عليه خمسة وعشرون ألف دينار.
ولم يزل محبوسًا بدار الخلافة إلى أن توفي في سادس عشر شوال منها، ومولده سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
стр. 3591
ومنهم:
[٤٨] سديد الملك، أبو المعالي بن عبد الرزاق، الملقب عضد الدين (١)
غز لم تره التجارب، ولم ترضه المآرب، ولم تروه الأيام وما فيها ري لشارب، ولم ترمه مطالبة على أمله ولا ما يقارب، لم تسع دائرة تدبير الخلافة همته، ولا مضت على قدر سيوفها عزمته، فجذب رداؤه الذي تقمص جلبابه، وتقلص ظله الذي يُقيل سحابه، واستمطر ربابه.
ووزر للخلافة سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وورد عليه أهله من أصفهان، وتصرف، ولكن لم يبسط له يد.
ثم قبض عليه في منتصف رجب سنة ست وتسعين، ونقل إليه أهله إلى دار محبسه، ولم يضيق عليه؛ لأنه لم يعد له ذنب إلا جهله بقواعد ديوان الخلافة؛ لأنه قضى عمره في أعمال السلاطين، وقواعد لا تشبه قواعد الخلفاء، وكان قد سكن في دار عميد الدولة بن جهير، وجعل له فيها مجلسًا عامًا يحضره الناس لوعظ المؤيد عيسى الغزنوي، فلما رآه المؤيد في دار بني جهير أنشده ارتجالًا: [من الوافر]
سديد المُلكِ سُدْتَ وخُضْتَ بحرًا … عَمِيقًَا فاحفظ فيه زوجك
وأحي معالم الحراب واجْعَلْ … لسانَ الصَّدق في الدنيا فتوحك
وفي الماضينَ مُعْتَبَرُ فأسرِح … مروجَكَ في السلامة جموحك
стр. 3592
ثم قال له: يا سديد الملك من شرب مزنة السلطان احترق شفتاه، ولو بعد زمان، ثم أشار إلى الدار، وقرأ ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ (١).
قال: فقبض على سديد الملك بعد أيام قلائل، وبقي في الاعتقال، وهرب ولحق بالحلة السيفية. ثم وصل إلى مخيم السلطان بركياروق فولاه الإشراف على ممالكه.
ومنهم:
[٤٩] زعيم الرؤساء أبو القاسم بن جهير
ركن من البيت الجهيري، ثم يحل من طائف، ولم يخل من لطائف، نهضت به جدود الآمال العوائر، وعمرت معالم الأفضال الدوائر، بهمة يحلّق حيث حلق العقاب، ويحلُّ حيث لا تصل الرؤوس منه إلى مواطئ الأعقاب، لا يضيق به فتر عن مسير، ولا مدى سير عن مصير.
لما قبض المستنصر على سديد الملك استقدمه من الحلة، وكان قد لجأ إلى سيف الدولة صدقة، وكان قد فرَّ إليه من ثغر السور في حال غفلة، فلما قدم بغداد خرج إليه جميع أرباب الدولة واستقبلوه، فلما مثل بين يدي الخليفة ورآه، خلعت عليه الخلع التامة، ولقب قوام الدين، فخرج وجلس في الديوان، وقرئ عهده بحضوره.
وتوفي سنة سبع وخمسمائة، ووزر بعده الرئيس أبو منصور بن أبي شجاع.
ومنهم:
[٥٠] جلال الدولة أبو علي ابن صدقة (٢)
وزير يفرح له الدست، ويطرب صرير قلمه طرب الرست، تقلبت به أحوال الدهر تسقيه شهدًا وصابا، وتريه سرورًا ومصابا، آونةً تدعوه في الكفاءة مهذبًا، وآونة تدعه في الفلاة مزيدًا، فذاق طعم يومه، وتقلب تحت حكمه.
стр. 3593
ثُمَّ كان انتِهاؤُه إلى أَحسَنِ حالَة، وأنعم، وأكرم … . من كان يؤمِّل أن يصير إليه، وكان المسترشد به يسترشد، وبسببه يستنجد، وكان لا يعقد له راية بيد، يمينًا باعقد وسقنا به لا يفعل ما ينتقل.
ثم قبض المسترشد عليه واستناب في الوزارة النقيب شرف الدين علي بن طراد الزينبي.
وأرسل السلطان إلى الخليفة، ليؤزر نظام الدين، وزير السلطان وهو أخو شمس الملك عثمان، فاستوزر في شعبان سنة ست عشرة وخمسمائة.
وكان قد وزر للسلطان محمد سنة خمسمائة، ثم عزله، ولزم دارًا استخدمها ببغداد، فلما خلع على نظام الدين، وجلس في الديوان، طلب أن يخرج ابن صدقة عن بغداد، فطلب ابن صدقة من الخليفة أن يسير إلى الحديثة عند سليمان بن مهارش، فأجيب سؤاله، فخرج عليه في الطريق إنسان من التركمان المفسدين اسمه يونس الخرامي، فأسره، ونهب أصحابه، فخاف الوزير أن يعلم به دبيس، فيبذل له مالًا، ويأخذه منه للعداوة السابقة بينهما، فقرر أمرًا مع يونس على ألف دينار، حمل إليه منها ثلاثمائة دينار، وأخذ البقية على أنه يرسلها إليه من الحديثة، وأرسل إلى عامل بلد الفرات في تخليصه، وإنفاذ من يضمن الباقي الذي عليه، فأعمل الحيلة له وأحضر إنسانًا فلاحًا، وألبسه ثيابًا فاخرة وطيلسانًا، وأركبه وسير معه غلمانًا، وأمره أن يمضي إلى يونس، ويدعي أنه قاضي بلاد الفرات، ويضمن الوزير منه على ما بقي من المال، فسار إليه، وضمن الوزير، وقال له: أقيم عندك إلى أن يصل المال مع صاحب لك تنفذه مع الوزير، فاعتقد يونس صدق ذلك. وأطلق الوزير، ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل إلى الحديثة قبض على من معه منهم، فأطلق يونس ذلك الفلاح، وأعاد المال الذي أخذه، وعلم أن الحيلة قد تمت عليه.
стр. 3594
وكان الوزير لما سار من عند يونس، لقي إنسانًا أنكره، فأخذه فرأى معه كتابًا من دبيس إلى يونس يبذل له ستة آلاف دينار، ليسلم الوزير إليه، فكان خلاصه من أعجب الأشياء.
ثم إن السلطان نقم على وزيره شمس الملك بن نظام الملك وقتله، وكان قريبه الشهاب أبو المحاسن وزير السلطان سنجر قد مات بعزل المسترشد نظام الدين أحمد. وعاد ابن صدقة إلى وزارته، وأحلَّه في دست صدارته في سنة سبع عشرة وخمسمائة.
وتوفي مستهل رجب سنة ثلاث وعشرين، وكان حميد الطريقة، متواضعًا، محبًا لأهل العلم، مكرمًا لهم، وله شعر متوسط.
ولما مات استنيب ابن طراد الزينبي في الوزارة، وخلع عليه، ولما طالب بظالم ابن صدقة، كتب إلى المسترشد: [من الطويل]
بِقَسْمِ امرِئٍ فيكَ كيفَ نَسِيْتَنِي … وأنتَ … رعي الحقوق حقيق
وما ذاك إلا أن شِيْمَتَكَ العُلا … وليس لها يومًا إلي طريق
فلما وقف عليها، وصله بمال، ووعد بظهور الإنعام عليه.
ثم خلع المسترشد حين عاد من جهة دبيس، وكان قد هرب إليه، فلما دخل عليه أنشده: [من الطويل]
بَدَأْتَ بِنُعْمَى ثُمَّ وَالَيْتَ فِعْلَها … وواصَلْتَهَا في حالةِ البُعدِ والقُرْبِ
ولم تُخْلِنِي مِنْ حُسْنِ رَأيِكَ إِذْ سَطَا … بي الدهر واسودتْ لَهُ أَوْجَهُ الخَطْبِ
فأقْرَرْتَ عين الأولياء بأوْبَتي … وأَرْغَمْتَ أعْدائِي وأوطأتَهُم عَقْبِي
فلما وصل دبيس مع الملك طغرل من مصر، خرج المسترشد لدفعهم، وأقام ابن صدقة في العسكر مقابل شهربان إلى أن تفرق العسكر عن دبيس، وانفصل عن الملك، وأتى الحريان دبيسًا، وصل إلى حلوان مصعدًا فكتب ابن صدقة إلى المسترشد: [من البسيط]
ولي وقد ألجَمَ الخطّيُّ منطقه … بسكْنَةٍ تَحْتَهَا الأحشاءُ فِي صَخَبِ
مُوَكَّلًا ببقاع الأرضِ يشرفها … مِنْ خِفَّةِ الخَوفِ لَا مِنْ خِفَّةِ الطَّرَبِ
أصله المملوك هذه الخدمة من مقابل شهرايان، وقد لاذ العدو بأكناف حلوان مستعدًا سلامته، مستر خصًا مهجته يقول لمن غرَّه، بجلائه، وجمعه بإفكه وكذابه: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١).
стр. 3595
وحكى ابن النجار، قال: لما خرج الوزير ابن صدقة من محبسه إلى الدار المعروفة بالزينبي، استأذن في الدخول أولاده وخواص أصحابه، قال: فدخلنا عليه، وسألناه عن حاله، فقال: لما حُملت إلى دار السياطة، جاءني خادم معه للمسترشد مكتوب الخليفة بإطابة قلبي، وأني ما نقلت إلى دار إلا … وحفظًا بمهجتي، وأحضرني دواة ودرجًا، لأستدعي ما أحتاج إليه، فسألت إنفاذ مصحف، ومصلى، وشي من المجاميع، فجاءني خادمان بذلك، فمددت يدي إلى أخذ المجلدات، فإذا هو بخط أبي عبد الله بن مقلة، وعلى ظهره مكتوب لأخي أبي علي: [من الوافر]
أُفَكِّرُ في الَّذي أَلْقَى وَصَبْرِي … فَأَحْمَدُ هِمَّتِي وَأَلُومُ دَهْرِي
وَمَا قَصَّرْتُ في حالي وَلَكِنْ … لِرَبِّ النَّاسِ أَمْرٌ فَوقَ أَمْرِي
فعجب من الاتفاق.
ثم أخذ مجلدًا آخر فإذا على ظهره مكتوب بخط المستظهر: [من الرجز]
مَا هُوَ إلا اللهَ فَارْفَعْ طَرْفَكَا
يَكْفِيكَ رَبُّ النَّاس ما أهَمَّكَا
فأعجبني، وسكنت إلى الفأل، وأيقنت بالخلاص، وكان الخليفة قصد إنفاذ هذه الكتب، ولم أعرف إن كان قصدها، فسألته: إن حسن … وإن كان اتفاقًا فهو أحسن.
ولوى ابن الإقفاصي قبره فلثمه وانشد: [من الطويل]
يَزُورُكَ فِي نوى خشوع وذلَّة … كَأَنَّكَ تُرْجَى فِي الشَّرِيحِ وَتَرْهَبُ
وترى بما قد كتبت مُمْتَدِحًا بِهِ … فَيُحْزِنُنَا مِنْكَ الذي كان يطرب ومنهم:
[٥١] أنو شروان بن خالد شرف الدين (١)
وزير كان لا يعبأ بمنصبه على أنه كان خليل ولا يرفع على مخصبه، ومرآه جميل، وكان له ببديع الأدب اعتناء، ومن فروع الطلب اجتناء، حتى كان ناديه لا يزال
стр. 3596
للأدباء مجمعًا، وللأولياء مرتعًا، وسحاب كرمه ينهمر، وحرم بيته للحاج المعتمر. وزر للمسترشد والسلطان محمود، وللسلطان مسعود، وكان مستقيل من الوزارة إلى ذلك، ثم يُخطب لها فيجيب كارهًا، وهو الذي كان السبب في عمل المقامات الحريرية. وكان رجلًا عاقلًا، شهمًا، دينًا، خيَّرًا، وكان يتشيع إلا أنه لم يظهر عنه غُلُّو ولا سب، ولا تعصب لأجل ذلك.
وكان إذا وَلِيَ عَدَل وأنْصَفَ، وكشف ظلم من جار وأجحف، ثم إذا نزع رداء الوزارة على معاناة الأدب، وله فيه يد ليست بالعليا.
وتوفي في صفر سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة معزولًا ببغداد، وحضر جنازته وزير الخليفة، فَمَنْ دونَه، ودفن في داره، ثم نقل إلى الكوفة، فدفن بمشهد علي - كرم الله وجهه ..
ومنهم:
[٥٢] الشريف علي بن طراد الزينبي (١)
شرف الدين أبو الحسن، من بيت الشرف الرفيع، ولؤلؤ النسب الشريف لا
стр. 3597
الصدف الوضيع. طلع قمرا في الأسوة العلوية، وكوكبا في أفق الذرية الدلاية، وشد عضد الخلافة العباسية، منه شقيق نسب وشقيق قربى كلامها الأدب.
ولم تزل الوزارة تعرض عليه عقيلتها، وتبث لديه عقيدتها حتى وسمها بسمته، وعقد عليها، وأصبحت في عصمته.
وزر مرات. وزر للمسترشد، والراشد، والمقتفي، وكان تارة يكون نائبا عن الوزارة، وتارة وزيرا مستقلا بالوزارة، وكان هو أحد من أشار بخلافة المقتدي على ما هو مذكور، وتخالف هو والسلطان على إقامته، واتخذت بينهما الصداقة.
ولما تزوج الخليفة بفاطمة أخت السلطان مسعود على صداق مبلغه مائة ألف دينار، كان الوكيل في قبول النكاح عن الخليفة وزيره الشريف ابن طراد المذكور، والوكيل عن السلطان في العقد وزيره كمال الدين الدركرسي.
قال ابن الأثير: جرى بين المقتفي وبين ابن طراد منافسة. وسببها أنه كان يتعرض على الخليفة في كل ما يأمره به، فنفر الخليفة منه، فغضب، ثم خاف، فقصد دار السلطان في سمرية، وقت الظهر، ودخل إليها، فاحتمى بها، فأرسل إليه الخليفة في العود إلى منصبه، فامتنع فكانت الكتب تصدر باسمه.
واستنيب قاضي القضاة الزينبي - وهو ابن عم الوزير - وأرسل الخليفة إلى السلطان رسلا في معنى الوزير، فرخص له السلطان في عزله، فأسقط اسمه من الكتب، ورفع يد نائبه وأقام بدار السلطان.
ثم توفي ابن طراد في رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة معزولا. ودفن بداره، بباب الأزج، ثم نقل إلى الحرمة.
стр. 3598
ومنهم:
[٥٣] يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن (١)
من ولد ابن هبيرة الشيباني، عون الدين أبو المظفر الحنبلي، فرد في الأئمة الأعلام. كان يتمذهب للإمام أحمد بن حنبل، وله تصانيف مشهورة مفيدة، لا أدعي حضورها لأنها عديدة، وقد شدَّ الله به أزر الخلافة بعد أن كانت تهَلْهَلَ بردها، وتناثر عِقْدُها، قام مع المقتفي قيام أبي مسلم مع المعرق في خؤولة عبد المدان، وابن العاصي مع ابن أبي سفيان، وشمر له تشمير كاتبان في نصر افريدون، وطاهر بن الحسين في قتل أعداء المأمون، حتى سل مهج السلجوقية، وحط درج الدولة الشرقية،
стр. 3599
وجد لبلوغ الأرب، وأسجد سحبان العجم لعمائم العرب، وجلا عن أقطار بغداد أمها وأجلى عن نهار دجلة المشرق ظلمها، حتى أجلى للمقتفي ذرى منبره، وجلى للمقتفي بذي كوثره، وكان على شغله الشاغل بحمل هذه الأثقال، ومدافعة تلك السحب الثقال، لا يزال منتاب الأندية بالعلماء، معمور الأفنية، لإفاضة النعماء، ومع هذا كله يقوم بالعبادة دجى الليلة الظلماء، وبكل ما وليه من أهل الأرض إلى رب السماء، ولا يرى ما أدركه بجميل سعيه إلا بأسنة المقادير، وأدنته منه سابق المشقة لا التدبير، وقد مر في ذكر المقتفي من حاله ما حلا، وظن من خلايا الفعل منه ما حلا.
قال ابن خلكان: إن أصله من قرية من عمل دجيل تعرف الآن بدور الوزير، نسبة إليه، دخل بغداد، واشتغل بها، وجالس الفقهاء والأدباء، وسمع الحديث، وتفنن وحفظ ألفاظ البلغاء، وتعلم الإنشاء، وقرأ الأدب على ابن الجواليقي، والفقه على ابن الفراء، وصحب الزبيدي الواعظ، وسمع الحديث من ابن ملة الأصفهاني، وأبي القاسم بن حصين الكاتب، ومن بعدهما، وحدث عن المقتفي وغيره، وسمع منه خلق كثير منهم: أبو الفرج بن الجوزي. وتنقل في الوظائف حتى ولي ديوان الزمام، ثم ترقى إلى الوزارة.
قال: وكان سبب توليته أن السعودي ويلدكز السلطان قصد بغداد بجموع كثيرة، وصدرت منه فتن عظيمة، فشرع الوزير ابن صدقة في تدبير الحال، فأخفق مسعاه، فاستأذن الخليفة ابن هبيرة في أمرهم، فأذن له يخاطب هؤلاء، وأحسن التدبير حتى
стр. 3600
كفَّ شَرَّهُم، ثم قوي عليهم حتى نهبت العامة أموالهم. وجرت المقادير في هذا لرفع ابن هبيرة، ووضع ابن صداقة، فلما انقضى هذا/ ١٠٤/ المهم استدعى المقتفي ابن هبيرة بكتاب على يد أميرين، فركب إلى دار الخلافة، وتسامع الناس بوزارته، فلما وصل إلى باب الحجرة، استدعي فدخل، وقد جلس له المقتفي بميمنة التاج، فقبل الأرض وسلم وتحدثا ساعة، ثم خرج، وقد جهز له الشريف على عادة الوزراء، فلبسه. ثم استدعي ثانيًا، ودعا بدعاء، أعجب الخليفة، ثم انشد يقول: [من الطويل]
سَأَشكُرُ عَمْرًا مَا تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي … أَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ
رَأَى خَلَّتِي مِنْ حَيْثُ يَخْفَى مَكَانُها … وكَانَتْ بِمَرْأَى مِنْهُ حَتَّى تَجَلَّتِ
وهذان البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي، وإنما غير عجز البيت الثاني؛ لأن أصله «وكانت قذى عينيه» فلم يرد مخاطبة الخليفة.
قال: ثم خرج، فقدّم له حصان أدهم الغرة، محجل، كامل العدة بالحلي، وخرج بين يديه طائفة من الأمراء، وأرباب المناصب والخدم، والحجاب، والطبول تضرب أمامه، والمسند محمول وراءه على عادتهم في ذلك، ودخل الديوان، ونزل على طرف الإيوان، وجلس في الدست، وقرأ ابن الأنباري العهد، ثم قرأ القرآن، وأنشد الشعراء، وذلك يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وكان عالمًا، فاضلًا، ذا رأي صائب، وسريرة صالحة،. وظهر منه في أيام ولايته ما شهد له بكفايته، وحسن مناصحته، فشكر له ذلك، ولحظ بعين الرعاية، وتوفرت له أسباب السعادة.
وكان مكرمًا لأهل العلم، يحضر مجلسه بحضوره، ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره، وصنف كتبًا منها: الإفصاح في شرح معاني الصحاح، وشرح الجمع بين الصحيحين، وكتاب المقتصد، وغير ذلك.
ولما أتى السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه، وزين الدين علي أبو المظفر - صاحب إربل - لحصار بغداد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، جد المقتفي في حفظ البلد، وقام ابن هبيرة في هذا القيام الذي يعجز عنه غيره، وأمر المقتفي، فنودي ببغداد من جُرح له خمسة دنانير، فحضر بعض العامة عند ابن هبيرة مجروحًا، فقال له: هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئًا، فعاد إلى القتال، فضرب في جوفه، فجرحت أمعاؤه، فعاد إلى ابن هبيرة، وقال: يا مولانا أبصر يرضيك هذا؟ فضحك منه، وأمر له بصله، وأحضر له من عالجه.
ومضت أيام المقتفي وابن هبيرة نظام جمعها، وتمام طاعتها، فلما آل الأمر إلى
стр. 3601
المستنجد دخل عليه ابن هبيرة وبايعه - وكان خائفًا منه - فأقره على وزارته وأكرمه، ثم لم يزل على منصبه حتى أتاه أجله.
وحكى ابن الأثير: أن ابن هبيرة ولي يوم الأربعاء رابع ربيع الآخرة سنة أربع وأربعين، كان القمر على تربيع، قيل له: لولا أخرت لبس الخلافة لهذه التربيعات، فقال: وأي سعادة أكثر من وزارة الخليفة في ذلك اليوم.
ومنهم:
[٥٤] أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن البلدي شرف الدين (١)
تحمل بالوزارة إثمًا، وابتدع … سودت الصحف والأيام، وسولت الحتف والآثام، وأعادت ما كان نُسي من المظالم، فتقرب به ما أبعده، وقام بما أقعده، فسلب ما لَبِسَ له جِلْدَ النَّمْرِ، وحُصِرَ لا يُؤذن له فيعترف، ولا يُقبل منه فيعذر.
قال ابن الأثير: كان ناظرًا بواسط، فبان عن همة عالية، وسيرة سديدة في تعميرها، وتشميرها، وسداد عملها. فأحضر المستنجد وزيره سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وكان عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء قد تحكم تحكمًا عظيمًا، فأمر الخليفة ابن البلدي بكفّ يده وأيدي أهله وأصحابه، ففعل ذلك، ووكل بتاج الدين أخي أستاذ الدار، وطالبه بحساب نهر الملك، وكان يتولاه من أيام المقتفي، وكذلك فعل بغيره، فحصل أموالًا جمة، وخاف أستاذ الدار على نفسه، فحمل مالًا كثيرًا.
قال غير ابن الأثير: ملأ الخزائن، وعمر البلاد، وثمر الأموال، إلا أنه قاد
стр. 3602
الناس بالعنف، وحكم بالعسف وامتدَّ في غلو الجور، فاتفق عليه ابن رئيس الرؤساء ويزدن المقتفوي، لما كان قد استحكم بينهما وبينه من العداوة؛ لأنَّ المستنجد كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلها، فيظنان أنه هو الذي سعى بها، فلما مرض المستنجد، وأرجف بموته، ركب الوزير بن البلدي، معه الأمراء والأجناد بالعدة، ولم يتحقق خبر موته، فبعث ابن رئيس الرؤساء يقول له: إنَّ أمير المؤمنين قد خف ما به من المرض، وأقبلت العافية، فخاف الوزير من دخول دار الخلافة بالجند، فعاد إلى داره، وتفرق من كان معه.
وكان ابن رئيس الرؤساء ويزدن قد استعد لما ركب الوزير بالعسكر خوفًا منه، فلما عاد غلق أستاذ الدار باب الدار، وأظهر وفاة المستنجد، وبايعا المستضيء، وبلغ الخبر ابن البلدي، فأُسقط في يده، وقرع بعوده سنه ندمًا حيث لا ينفعه الندم، فجاء من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة للمستضيء، فمضي إلى دار الخلافة، فصرف إلى مكان، وقطع قطعًا، وألقي في دجلة وأخذ جميع ما في داره، فرئي فيها خطوط المستنجد يأمره بالقبض عليهما، وخط ابن البلدي الوزير يراجعه في ذلك، ويصرفه عنه. فلما وقف ابن رئيس الرؤساء ويزدن عليهما، علما ببراءته مما كانا يظنان به، وندما على التعجيل عليه.
[٥٥] ابن رئيس الرؤساء (١)
ووزر بعده ابن رئيس الرؤساء، ثم لم يلبث حتى عزل؛ لأن قايماز أكره المستضيء على عزله، فعزله، ثم أمر المستضيء بإعادته إلى الوزارة، فمنعه يزدن، وأغلق باب النوبى وباب العامة، وبقيت دار الخلافة كالمحاصرة، فأجاب المستضيء إلى ترك وزارته، فقال يزدن: لا أقنع إلا بإخراجه من بغداد، فأمر بالخروج منها، فلجأ إلى شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل، فأخذ إلى رباطه، ونقله
стр. 3603
إلى دار أقام بها، ثم عاد إلى بيته.
ثم لما آل الأمر إلى إقامة يزدن بالحلة، خلع المستضيء على ابن رئيس الرؤساء وأعاده إلى الوزارة، وذلك سنة سبعين وخمسمائة.
ومنهم:
[٥٦] محمد بن علي بن أحمد بن المبارك، مؤيد الدين، أبو الفضل المعروف بابن القصاب (١)
الوزير، وزير الإمام الناصر، وحلَّ من الأيام محلَّ الروح الباصر، وكان من الدولة العباسية في سويداء إقبالها، وسواد شعارها، وخب خلبها، بعزم يسري منه في جحفل لجب، وبحزم يرى بصره ما يخفى ويحتجب.
وكان قد كتب الأشياء بالديوان العزيز، وكتب من شاء بالتقدم والسرير، وكان ذا فضل متناصر، وفعل غير قاصر.
стр. 3604
ومن نثره قوله:
«وسالك موهبة خصتك، وعمت الورى، وأولتك يدًا أهزلها الغمام والنهى، وأولتك نعمًا لا أصنعها إلا أنها كما ترى».
وقوله:
«وأقبل الأخوان بقبل بسمة، يراك ودخان النرجس لا يفتح على أحد عنسه، حتى راك وأكل المشور أصابعه، ومما يندم ودح الشقيق وامتلأت ثيابه من دم فعجل ولا يفرح، وأسرع ولا ينتظر القدح».
ومن شعره قوله: [من السريع]
طَالَ مُقَامِي بِثَرَى فارس … منْ غيرِ نفع فالرواحَ الرواح
ما آفة الإنسان إلا المُنَى … طُوبَى لِمَنْ طَلَّقَهَا وَاسْتَرَاحْ
أمَّلْتُهُم ثُمَّ بالتهم … وَلَاحَ لِي أَنْ لَيْسَ فِيْهِمْ فَلاح
وتوفي في أول شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
ومنهم:
[٥٧] ابن مهدي العلوي، نصير الدين
وزير لو أنصف، لكان خليفة، ولو وصف لكان البحر حليفه، ومن خالص تلك السلامة، وخالد تلك الجلالة، أغرق في الشرف نسبًا، وأشرق في السدف كوكبًا، وهطلت أنواؤه، وبطلت أسنة النجوم لما بطلت أضواؤه، وطالما علقت به آمال، وعبقت به صَبًا وشمال وأملت له أيام كان يظن أن يزل منها ما فات أباه، ويدرك منها ما يرد الآفات شباه، وتعجل منه مهدي الأمة المنتظر، ويورد منه شربه المحتضر، ويرد الخيل تدمى نحورها، والجيوش تنتظم بحورها، لولا ما عُرِف من تنكر الأيام، وتعدد المطالب على الكرام، وهي الليالي «والسيل حرب للمكان العالي».
قال ابن الأثير: فيه من الرأي من بيت كرم، وقدم بغداد أيام مؤيد الدين بن القصاب الوزير، ولقي من الخليفة قبولًا كثيرًا، جعله نائب الوزارة، ثم جعله وزيرًا وحكمه، وجعل ابنه صاحب المخزن.
وقال غيره: وبسط يده وتصرف وأعطي فأسرف، وحصل مالًا طائلًا، وجملًا جزيلة، وكانت أعداؤه توصل إلى الخليفة أمره، وتعري خاطره عليه.
قال ابن الأثير: فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس
стр. 3605
وستمائة عزله وأغلق بابه.
وكان سبب غلق بابه أنه أساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة، منهم سنقر وجه السبع، أمير الحاجب، فهرب من يده إلى الشام سنة ثلاث وستمائة، وأرسل يعتذر من هربه، ويقول: إنني هربت من يد الوزير أن لا يبقى أحد في خدمة الخليفة من مماليكه، ولا شك أنه يريد يدعي الخلافة.
وقال الناس في ذلك، فأكثروا: [من الطويل]
ألا مُبْلِغ عَلَي الخَلِيفَةَ أَحْمَدًا … تَوَقَّ وقِيْتَ السُّوءَ مَا أَنْتَ صَانِعُ
وَزِيْرُكَ هَذَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فِيْهُمَا … فَعَالُكَ يَا خَيْرُ البَرِيَّةِ ضَائِعُ
فإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ سُلالَةِ أَحْمَدٍ … فَهَا وزير في الخلافة طَامِعُ
وإنْ كَانَ فِيْمَا يَدَّعِي غَيْرَ صَادِقٍ … فَأَضْيَعُ مَا كَانَتْ لَدَيْهِ الصَّنَائِعُ
فعزله.
وقيل في سبب ذلك غير ما ذكرناه.
ولما عزل أرسل إلى الخليفة يقول له: إني قدمت، وليس لي دينار، ولا درهم، وقد حصل لي من الأموال والأعلاق النفيسة ما يزيد على خمسمائة ألف دينار، وأسأل أن يؤخذ مني الجميع، وأمكن بالمقام بالمشهد أسوة بالعلويين. فأجابه الخليفة: بأننا ما أنعمنا عليك بشيء، فنوينا استعادته منك، ولو كانت ملء الأرض ذهبًا، ونفسك في أمان الله وأماننا، ولم يبلغنا ما يستوجب ذلك غير أن الأعداء قد أكثروا فيك، فاختر لنفسك موضعًا تنتقل إليه موقرًا محترمًا، فاختار أن يكون تحت الاستنظار في جانب الخليفة، لئلا يتمكن منه عدو فيذهب نفسه، ففعل ذلك.
وكان حسن السيرة قريبًا إلى الناس حسن اللقاء لهم والانبساط معهم، عفيفًا عن أموالهم غير ظالم لهم، فلما قبض عاد وجه السبع من مصر وكان في خدمة الملك العادل، وعاد قشتمر، وأقيم في الوزارة فخر الدين أبو البدر محمد بن أحمد بن أسنا إلا أنه لم يكن متحكمًا.
ثم عزل وتوفي سنة سبع عشرة وستمائة.
ومنهم:
[٥٨] ابن العلقمي (١)
محمد بن أحمد بن علي، مؤيد الدين أبو طالب وزير ليته لا وزر، وارتفع ليته
стр. 3606
رُضَّ بالحجر، وتصرَّف ليته صرف، وجهل أمره وليته عرف، وكمن كمون الأرقم، وسقى الناس من كأسه العلقم، وحمله تحامله على أهل السابقة الأولى على قطع شجرة الإسلام، وقلع مدن دار السلام، إذ كان في أهل من كبراء الدولة من يقف في طريق رفضه ويرد عن كل ما ردّه السيء أو بعضه، وهو يأبى إلا أن يزيد في غُلُوّه، ليُبدل الإسلام كفرًا، وأخذ في ممالأة التتار، وموالاة ما يعجل الدمار، حتى كانت تلك الكتابة التي هي في صحيفة عمله، وجرَّ تلك البلية بحبل حيله، وجلب تلك الرزايا، وصب تلك البلايا، وفعل في أكثر الدنيا ما لم يفعل بختنصر في البيت المقدس، ولا الضحاك بن الهراسب حين يمجس، وكلف أمة محمد ﷺ ما لم يكلفه فرعون لبني إسرائيل، ولا سامه أهل مكة إبرهة عام الفيل، فإنه لم يكن يقيم بلية مثل بليته، ولا عرفت في قضايا الأيام مثل قضيته، فكم من نفوس ذهبت، ونفائس نُهِبَتْ، ونعم أجفيت، وحُرَمٌ سبيت، وأبكار افتُضَّتْ، وأموال من الذهب ذهبت ومن الفضة فُضَّتْ، ونجوم من القصور أهويت، وأبنية نقضت وأفنية مع سكانها مضت، حتى بكت عروس الخلافة، وذهبت بقايا أهل الرحمة والرأفة. كل هذا بسوء فعل هذا المجرم والكافر.
стр. 3607
المقرّ بالشَّهادة، كأنه مسلم، وزير التدمير لا التدبير، وعون إبليس في التعكيس، وما … من الخطر وكان فيه على الإبر، وسلط فيه عقاربه الضارية، وبثَّ إليه مصائبه السارية، وما جرأه عليه إقدامه من سفك الدماء المحرَّمة، وجناه على كل مسلم ومسلمة، وتهوّر فيه تهور من لا تعاوده الندامة، وتصور أنه إذا بات لا يبعث يوم القيامة، وهو آخر وزراء القوم، ومن أرّخ عليه اللعنة إلى اليوم.
ولي وزارة المستعصم بعد ابن الناقد في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وكان فاضلًا، رئيسًا، عالي الهمَّة، مغاليًا في التشيُّع، وذلك الذي حمله على فعل ما فعل، فإنه حصل بينه وبين الدَّوادار شحناء بسبب المذاهب، لأنَّ الدَّوادار كان مغاليًا في السنَّة، وعضده بعض أولاد الخليفة، فحصل عن ابن العلقمي الوزير الضغن، ما حمله على السعي في دمار الإسلام، ولم يُراقب الله تعالى، وانضم إلى هذا ركون الخليفة له، وعدم تيقظه، فتمَّ للوزير مراده.
ثم ندم على فعله، لأنه كان قد تقرر بينه وبين هولاكو؛ لأن هولاكو إذا ملك العراق … فيه، ويقتل الخليفة وحاشيته … لا غير، فلما جرى ما هو مشهور عومل الوزير، بأنواع الهوان من صغار التتر، فضلًا عن الكبار منهم.
حكى أنه كان قاعدًا في الديوان لتنفيذ الأشغال، فدخل بعض من لا يوبه إليه من التتار راكبًا فرسه إلى أن وقف بفرسه على البساط الذي الوزير عليه جالس، وخاطبه بما يريد، واتفق أن بال الفرس على البساط فصاب رشاش البول ثياب الوزير.
وكان مع هذا الهوان يظهر قوة النفس، لكونه بلغ مقصوده ممن أراد.
وحكى بعض البغاددة، قال له: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه حمية للشيعة، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب الفواحش من ألوف من نسائهم، وافتضت الأبكار من بنات الشرفاء مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فضلًا عن غيرهم. فقال: بعد أن قتل الدوادار، ومن كان على رأي مثله، لا مبالاة بذلك.
ولم يظل مدة بعد واقعة بغداد، وقدم على قدم، وكانت له يد في صناعة الإنشاء، حكى ابن الأثير: إنه أول ما كان كاتبًا للإنشاء، ثم استنيب في الوزارة، ثم وزر للمستعصم، وبعث المستعصم إليه بشدَّة أقلام، قيل: فكتب إليه: قبل المملوك الأرض شكرًا للأنعام بأقلام قلمت عنه أظفار الحدثان، وقامت له حرب صرف الزمان مقام عواسل المران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات السبق يوم رهانها، فيا الله كم … ذمام عقدها، وكم بحر سعادة أصبح في مدادها ومدَّها، وكم مناد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فُلَّتْ مضاربها بمرهفاتها، والله ينهض
стр. 3608
المملوك بفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر ما أولاه من جميل رأيه، وجزيل حبائه: [من البسيط]
خَوَّلَتَنِي نِعَمًا كَادَتْ تُعِيْدُ لَنَا … عصرَ الشَّبَابِ وتُدْنِي مِنْه أَيَّامَا
تُعْطِي الأَقَالِيمَ مَنْ لَمْ يُبْدِ مَسْأَلَةٌ … يومًا فَلا عَجَبٌ أن يُعْطَ أقلاما
إِذَا نُسِبْنَ إلى خَطَّ فَإِنَّ لَهَا … سنّى إِذا عَمِلَتْهُ يَحْزِقُ الهَامَا
بالحَمْدِ والشَّكْرِ أُجرِيها لِدَوْلَتِكُمْ … فَالرَّأيُ يَحْصُدُ مِنْ أَعْدَائِهَا الهَامَا
وكتب إلى التاج محمد بن الصلايا العلوي، يخدمه بدعاء ليلي، وثناء عطر مندلي، وينهي أنه خدم بها من النيل إلى سامي مجدك الأثيل، ومحل سوقه يغني عن التفصيل، وإبان شدَّة القرم إلى شريف تلك الشّيم، ويعرض بعد الدعاء لأيامه، لا أخلى الله من إنعامه، وقد نهب الكرخ المكرم، وديس البساط النبوي المعظم، وقد نهبوا العترة العلوية، واستأسروا العصابة الهاشمية، وقد حسن التمثل بقول شاعر من غيره: [من الوافر]
أُمورٌ تَضْحَكُ السُّفهاء منها … ويَبْكِي من عواقبها اللَّبِيبُ
فلهم أسوة بالحسين حيث نهب حرمه، وأريق دمه، ولم يعثر فمه.
أَمَرْتُهُمُ أمري بِمُنْعَرَج اللوى … فَلَمْ يَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الغَدِ
وقد عزموا -لا أتم الله- عزمهم، ولا أنفذ أمرهم - على نهب الحلة والنيل، بل سولت لهم أنفسهم أمرًا فصبر جميل، وينهي أن الخادم أسلف لهم الإنذار، وعجل لهم الإعذار وخاطبهم إسرارًا، وراسلهم جهارًا: [من الوافر]
أرى تحت الرماد وميض نارٍ … ويوشِكُ أَنْ يكونَ لها ضَرَامُ
وإن لم يُطْفِهَا عُقلاء قومٍ … يكونُ وَقُودُهَا جُثَتْ وَهَامُ
فقلتُ من التعجبِ لَيْتَ شِعْرِي … أَيَقْظأنْ أُمَيَّةُ أم يَنامُ
وكان جوابي بعد خطابي: لا بد من الشنيعة، ومن قتل جميع الشيعة، ومن إحراق كتابي الوسيلة والذريعة.
وكن لما نقول سميعًا ولما نأمر مطيعًا، وإلا جُرّعنا الحمام تجريعًا، بكلامك كلام، ولسلوتك سلام، ولنتركن في بغداد أجمل من الحناء عند الأضلع، والخاتم عند الأقطع، ولتنبذنّ نبذ الفلاسفة محذورات الشرائع، وتلقى إلقاء أهل القرى أسرار الطبائع، فلأفعلن بك كما قال المتنبي: [من البسيط]
قَوْمٌ إِذا أَخَذُوا الأقلامَ عَنْ غَضَبٍ … ثُمَّ استَهَدُّوا بِها ما بالمنيَّاتِ
نالُوا بِها مِنْ أَعَادِيهِمْ وَإِنْ بَعُدُوا … مَا لا يُنَالُ بِجَدِّ المَشْرِفِيَّاتِ
стр. 3609
﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١): [من الكامل]
وَوَدِيْعَةٍ مِنْ آلِ بيتِ مُحَمَّدٍ … أَوْدِعْتَها إِذْ كُنْتُ مِنْ أُمنائها
فإذا رأيتَ الكوكبين تَقَاربًَا … فالجَدْيُ عِنْدَ صَبَاحِهَا وَمَسَائِهَا
فَهُنَاكَ يُؤخَذُ ثَارُ آلِ مُحَمَّدٍ … بِطلابها بالتُركِ مِنْ أعدائها
وكن لهذا الأمر بالمرصاد، وترقب أول النحل وآخر صاد، والمساعدة بالدعاء والخير يكون إن شاء الله تعالى.
ومن شعره قوله: [من الكامل]
مَنْ لَمْ يَرَ الوَجناتِ أَوَّلَ نَظْرَةٍ … والكأس مُتْرَعةٌ بِكَفِّ الساقي
وَتَغازُل الألحَاظِ عِنْدَ فُتُورِها … لَمْ يَدْرِ كيفَ مَصَارِعُ العُشَّاقِ
وقوله: [من السريع]
قدْ عُقْرِبَتْ صُدْغَاهُ واسْتُجْمِعَتْ … عَسَاكِرُ النَّمْلِ عَلَى الأَشْنَبِ
فقد الحاجب للعارِض … أن يكتب الأسود في الأشهب
يا أمراء الحُسْنِ لا تَرْكَبُوا … فالقَمَرُ الأرضي في عَقْرَبِ
وتوفي يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وستمائة (٢).
فمنهم:
[٥٩] أبو سعيد [ميمون] عبد الواحد بن علي بن ماكولا
كان له أدب كأنما فتق عنه الكمام، أو مُجَّ الندى عليه الغمام، ولم يزل عقده وثيق السبب، وعهده وريق الجنى، كأنما صُبَّ عليه الغيث من صَبَب.
وزر لجلال الدولة أبي طاهر بن بويه، وهو من بيت كتابة، وفضيلة، وأدب، ومجد، وسؤدد، وعلو رتب.
стр. 3610
وكان أبو سعيد عارضًا لعضد الدولة في ديوان جيشه، ثم نقم عليه جلال الدولة، وقبض عليه، وأخذ له ثلاثمائة ألف دينار عينًا غير الخيل، والقماش، وسائر العروض. وتوفي في ذي القعدة سنة عشر وثلاثمائة.
ومن شعره قوله: [من الطويل]
وإنَّ لِقاءَ الشُّجَاعِ لَهَيِّنٌ … وَلكِنْ جَمِيلُ الضَّيْمِ مِنْهُ شَدِيدُ
إِذا كَانَ قَلْبُ القِرْنِ يَنْبُو عَنِ الوَغَى … فَإِنَّ جَنَانِي جَلْمَدٌ وشَدِيدُ
ومنهم:
[٦٠] ابن العميد أبو الفضل، محمد بن أبي عبد الله الحسين بن محمد الكاتب (١)
ولي الوزارة وشرفها في أمورها، وصرفها، وساد الكبراء، وسام درر الكواكب يبغي السراء، وترك سعي الربح وراءه خافقًا … الغمام خلفه دافقًا، حتى حط بالسماء، رجل رحلته رجل داره البدر، وداس بحوافر خيله على ساحته.
وكان أبوه عميد خراسان … ما سن فيها من إحسان، صدرًا من صدورها، وبدرًا من بدورها.