← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

واطَّلَعَتْ نَحْوِي هُناك رابيه … تيَّاهَةٌ على الوهاد آبية قد خضعت من جانبيها الوُهْدُ … كأنّها فَوْقَ الصُّدُورِ نَهْدُ كأنّما تطلب مني المأتى … هذا وقد ولى زمان المشتى وللربيع مذ أتى اعتدال … وللنسيم بينه اعتلال والشمس قد دَبَّ بها السَّقامُ … واليوم لم يَبْقَ له مُقام والليل قد هيًَّا صفَّ عَسْكَرِهْ … وإنّما مَعْروفهُ في مُنكَرِهْ والجو في ردائه المُصَنْدَلِ … والأرض تُذكى باشتعال المندل وَبِمَجْمَرِ الشقيقِ فيها مُوقَدُ … وَشَغَلَ النَّهَارُ فيها تُوقَدُ وَزَهَرُ الفُولِ أَدْعَى بِالحَقِّ … شَبِيهُ أَذْنَابِ الدُّجَاجِ البُلْقِ وَزَهَرُ الكَتَّانِ كَالبَنَفْسَجِ … وَمِثْلُهُ لَوْلا ذَكِيُّ الأَرْجِ تَبْدُو عَلَى أَعْطَافِهِ الشُّرَّافَةُ … ذو هَيْفٍ فِي شَكْلِهِ ظَرَافَهْ كَأَنَّهُ فِي مَائِهِ المُمْتَزِج … زَبَرْجَدٌ رُضِعَ بِالْفَيْرُوزَجِ وَسَائِرُ الزَّرْعِ شِفَافٌ خُضْرٌ … وَبَعْضُهَا لَهَا طِرَازُ نَهْرٍ وَالنَّخْلُ حَوْلَ الدَّيْرِ كَالْعَرَائِسِ … مَجْلُوَّةٌ فِي فَاخِرِ المَلَابِسِ كَأَنَّهُ مُشَمِّرًا فِي هِمَّةٍ … صُفَّ وَقُوفٌ حَوْلَهُ فِي الخِدْمَةِ وثَمَّ من باقي مدود النيل … ماء شبيه الصارم الصَّقيل وافَتْ إليهِ خُلُجٌ مُفَرَّقَةً … واجتمعت جميعها في مَلَقَهُ دائرة قَوْراءَ مثلِ الأُفُقِ … تأوي بها حيتانها في نَفَقِ صافيةٍ كمثل عَيْنِ الدِّيكِ … في غاية الصقال والتفريك قد وَلِعَتْ فيها الرياح بالطرر … فشوّشتها ثم سَالَتْ كالغُرَرْ فسيحة الأرجاء كالميدان … تشُقُها سَوَاحُ الحِيتَانِ فيها من الأسماك أشتات تُرى … تأخُذُ من أنواعهن العنبرا فيها من البلطي والبني … مآكل كالرُّطَبِ الجَنِي والبركة الفيحاء فيها قارب … وفيه صار للشباك ضارب يجري به قاربه على نَفَس … وَهُوَ بِهِ في الماء نارِيُّ القَبَس كأنما أجرى به جوادا … أسرع في الركض وما تمادى كأنه إذا أراد المَرْكَبَا … صل من الحيات يرقى عَقْرَبَا يُسَيِّرُ الحِيتان وسط الماء … كأنها النجوم في السماء يأتي إليها بأضاليل الخدع … لأَجْلِ ما يأخُذُ منها وَيَدَعْ

стр. 387

وَلَمْ يَزَلْ بِخِفَّةٍ فِي الحَرَكَةِ … حَتَّى أَنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ الشَّبَكَة وَكُلَّ مَا يُرِيدُهُ يَصِيدُ … يَا زَرْعَهَا أَنَّ لَكَ الحَصِيدُ وَعَنَّ لِي سِرْبُ مَهَا جَاذِرُ … أجفانها تَضُمُّ مَا نُحَاذِرُ أقمار تُرْكِ فَوقَ شُهْبِ الخَيْلِ … وبَيْنَهَا أَدْهَمُ ضَافِي الذَّيْلِ فجئت حتى صرت فوق الهضبة … وعاينت عيناي تلك الجَلْبَة ويا لها من حَلْبَةٍ لا تُلْحَقُ … تكبو وراءها الرياح السبق كأنَّها أُفْقٌ حَوَى أَقْمَارَا … قد طَلَعُوا فِي أُفْقِهَا نهارا من نَسل خاقان وجنس الترك … قد عوَّدوا ألحاظهم بالفَتْكِ كم فيهم من ساحر الأجفان … قَيْسِي خَدٌ طَرفُهُ يَمَانِي لله إن جرَّد أسياف الحَدَقْ … وبدد الدماء في الخدّ الْيَقَقْ فيها ملاح للعناق خُلِقُوا … ما برزوا للعين حتّى عُشِقُوا وَمِيدُ الأغْصَانِ ثُمَّ تَسْتَبِقُ … طورًا تُخَلَّى ثم طورًا تَعتَنِقْ أغصان بانِ أَمْ هُمُ غزلان … أو الشُّمُوسُ بَلْ هُمُ الولدان قد ركبوا صوافِنَ السَوَابِقِ … وافترقوا لكن فؤاد العاشق منهم فتى يهتز كالرديني … مَنْ لِيَ مِنْهُ لو قَضَيْتُ دَيْني؟ قد أسرج الغمام بالهلال … مُطَهَّمًا في صبغة الليالي يَفْرُقُ شَطْرَي وجهِهِ بغُرَّه … كأنه في وسطها مَسَرَّه أدهم منه في السباق قد بدر … ليل ولكن فوقَ عِطْفَيْهِ قَمَرْ مُبَلْبَلُ الصُّدْع رخيمُ الدَّل … أُريدُ منه للهوى مُعَلِّي له من العُجْبِ جُفُونٌ مُطْبَقَهُ … وآفتي من العيون الضَّيِّقَة لم أر مثل ثغره إِذْ ضَحِكَا … لقد حكاه البرق لكن ما حكى بدرٌ ولا تفصح لي أسماؤه … ذو تَرَفٍ يكاد يجري ماؤُهُ مالي وما للراح أو للأكوس … إذ حل لي بند القباء الأطلس فيا أُخَيَّ إِنْ قَضَيْتُ نَحْيَا … دَعْنِي أموت في هواه حُبًّا أهون بدمع مُقْلَتَيَّ الصَّبِّ … فقد تعشقتُ صَبِيًّا يُصْبِي لما أتاني من بعيد ووقف … لومُتُ عِشْقا فيه كنتُ أحْيَا ما الموتُ فِي هَوَاهُ إِلَّا مَحْيَا … قُمتُ لِلثم أقدام وكف وكان قد حان غُرُوبُ الشمس … وطلع البدر كمثلِ التَّرْسِ

стр. 388

وظَلْتُ ألهيه بأشغال السَّمَر … لعل للذي فعلتُه ثَمَر وقلت هذا مَنْزِلُ نَزِيهُ … ليس له فيما هُنا شَبِيهُ يا مرحبًا شرفتَ هذا المَوْضِعا … وجئتنا والبدر في وقت معا فلونزلته هناك أو هنا … عم بقربك السرور والهنا فانزل بنا واقعد قريرًا ساعة … ولا تخف من فاضح الشَّنَاعَة فلان لي جانبه ثُمَّ ابتسم … وفاح لي طِيبُ رِضَاهُ وَنَسَمْ وقال لي أقِمْ حَوَالَيْنَا الحَرَس … وانحط لي كالسهم عن ظهر الفَرَس فقلتُ: ما تقول في ذا إِنْ مَسَكْ … هذا لنا وجاب من هذا السَّمَكْ؟ وتوقد النار له ليقلى … ومَنْ أتى مزاحمًا في المقلى ونأكل السَّلُّورَ والشَّبُوطا … والفرح والمَسْلُونَ والمَسْمُوطَا هذا وما تضم أكناف السُّفَرْ … وما تكون منه ألطافُ السُّفَرْ فقال لي: دُونَك مَا تُريدُ! … فكان عندي باللقاء عيد هذا وكُنّا قد أَمَرْنَا الطَّاهِي … بأخذ تلك الجلة الزواهي فأتقن الجميع بالتنظيف … وزانها في الوضع والتصفيف وحَطَّ عن أجسامها الجَوَاشنَا … وأظهر الجَمَالَ والمَحَاسِنَا واقتدح النار من الزِّنَادِ … مثل اصطكاك البَرْقِ في العِهادِ يطيرُ من جانبها شَرَارُ … هل منه للرمانة انتشار يُؤَرِّثُ المَوْقِدَ جُلَّ نارِ … كانها شُبَّتْ بِجُلَّنَارِ وبعد هذا صفف المقالي … وكلُّنا نُحِبُّ ذاك القالي وسكب الدهان في الطنجير … كمثل بسط الظَّلِّ في الغدير ثُمَّ قَلى في الطاجن الأسماكا … لولا قليل، لقلي السماكا ونضد الصُّحُونَ ثُمَّ صفّفا … سبائكًا من النار قد صَفَا أعادها بعدَ اللُّجَيْنِ عَسْجَدَا … صَفَرَ ألوانًا لها وَوَرَّدَا وجاء بالملح وبالأبزار … سكارجا تروق للأبصار مصفوفةً لنا على مقدار … كدِرْهَم صف إلى دينار وصَبَّ من أطايب الأخلاص … حقائبًا مسدودة العفاص من حامض مُطَيَّبٍ ومُزّ … وغير ذا من كُلِّ حمض يجزي وَنَضَّدَ البقول في الأطباق … مثل الحرير لف في الأوراق و وَضَعَ الكِماجَ والرُّقاقا … حتى استدار حولها نطاقا

стр. 389

وجاء بالفقاع والمشروب … يَهمُّ في الكيزان بالوثُوبِ ومنه في إنائه مسكوب … كأنه من ذَهَبٍ مصبوب وقربوا الحَلْوَاء مِلْءَ الجام … كمثل قرص الشمس بالتمام فقام لي وَزْنُ سُرُوري وقَسَط … لأن من أحببته قد انْبَسَط ومد عندي يَدَهُ ثُمَّ أَكل … ثُمَّ تنقلنا بمنهوب القُبَلْ فكم أصبنا منه ما أردنا … ولو نشاء بعد هذا زِدْنا! ثم أدمنا حمدنا والشكرا … وهو بما جاد علينا أدرى ثم أتانا الطستُ والغَسُولُ … كأنّه بعنبر مجبول ثم تلاه الطيب والمنديل … يا حبذا ما حَبَّه الرسول حتى إذا ما نزل السلطان … واشتغل الغَوْعَاءُ والعِلْمانُ ونام كل مستكنا في الخيم … ونَكَّرَ الآفاق جلباب الظُّلَم وأمن الراهب والقسيس … وانشق عن موتاهم الناووس وأوقدوا في البيعة القنديلا … ورجعوا المزمار والإنجيلا وزينوا الهيكل بالقُرْبانِ … وصففوا الشموع والقناني وسَكَبُوا الصهباء في الإبريق … صفراء أو حمراء كالعقيق وصبّها في الكاس مثل اللَّهَبِ … ممتدة مثل شريط الذهب يسعى بها مُقَرْطَقٌ مُزَنَّرُ … شبه الغزال الخِشْفِ أحوى أحور من فتية داموا على الإنجيل … مَنْ لي بهم لو أنهم من جيلي وبعضهم دب له عذار … كأنه من صده اعتذار وفيهم ذاك الغزال النافرُ … خليفة الملاح وهو الظافر لما بدا منه الصباح السافر … تستر الليل فقيل الكافر أو بِنْتُ قِسِّيس عليها مِسْحُ … كالليل قد أقبل فيه الصبح بمعصَم فيه دلال وتَرَفْ … كَأنَّه من ماء خديها اعترف فاتنة من الظباء العين … قد ناصبت بدينها لديني ماذا أقول في بديع صُنْعِها … والبدر في الظلماء حشو درعها؟ غصن رطيب دب فيه الراح … ومِنْ جَنى خُدُودها التَّفَاحُ آفة كل مسلم وكافر … وفتنة في أول وآخر ياما جرى منها وياما يَجْرِي … مِنَّا ومنها من بكًا وهَجْرِ فَمُذْ هَدَتْ عنا عيون الناس … ثُرْتُ به في غفلة الحُرَّاسِ

стр. 390

وقلتُ، قُمْ حتى نروح في الغَلَسْ … في خُلْسة، فأطيب العيش الخُلَس فالدير قد آن له أن يُفتحا … وكان قد أُغْلِقَ عمدًا من ضحى قمنا إليه تحت ستر الليل … نوازعًا نَرْمِي على سُهَيْلِ وقد علا هيكله القنديل … كأنّه لرأسه إكليل وثَمَّ في الدير لنا صَدِيقُ … منهمك في السكر لا يُفِيقُ لكنَّهُ لخوفه قد كانا … ما شرب الصهباء حتى الآنا وعنده جميع ما نطلبه … وصوت أوتار له تُطرِبُهُ وهو إذا تبطن السلافه … لم تستطع مليحةٌ خِلافَة لأنه عرف كل راهبه … بمكره أنّ الحياة ذاهبه وكلُّ ما تريد منه يحصل … وَفْقَ المُنى مسارعًا يستعجل فانهض وقُمْ وطب ولا تُوَنِّي … واقتل بما شئتَ سِوى التجنِّي فقم بنا انهض ودَعِ العُذالا … كم ذا القعود هكذا كُسَالى لِنَغنم الصحة والفراغا … ونشرب العُمْر لنا ما انساغا ولم أَزَلْ بِهِ بِهِ حَتَّى نَزَلْ … شاباش لي! صِدْتُ الغَزَالَ بالغَزَلْ خدعته فانطاع لِي الغُلامُ … وكان ما قد كان، والسلام وبت مسرورا بذاك الخشف … وفوق ما وصَفْتُ منه المَخْفِي وكان لي غُلَيم ظريف … حلو الكلام فكه خفيف جميع ما يقوله مُجُونُ … ما كان مثله ولا يكون حديثه ليس عليه من حَرَج … لنابه الفالُ وقد سُمِّي فَرَج قلت له: كأنني ممن ندم … لأجل ذاك الظبي لما أَنْ طَعِمْ ويحك لم أطعمت هذا ذا السمك … فقال: لولاه لما كان المسك جعلته لصيده كالفخ … لأجل ذا أبصرته مُسْتَرْخِي يا شاطر البلاد أنت القيم … فعلت ما لا تستطيع الأسهم لا شك قد أتقنت علم السحر … وصدت صيد البر بعد البحر ومما قلته فيه: [من الطويل] وبالدير يوم أبيضُ لِي كاسمه … وقد طلعت من جانب الدير أقمار وقد جُلِيَتْ في الكأس صهباء مُزَّةٌ … تَكَشَّفَ منها في الدُّجُنَّةِ أستار وبالدير ديرانيَّةٌ بَرَزَتْ لنا فتم لنا … فيها حديث وأسمار جَلَتْها كأنَّ الطُّور جانب كأسها … وإلا ربي دَارِينَ من دونها دار

стр. 391

وقلتُ: [من المتقارب] ولم أَنْسَ بالدير يومًا لنا … وعيش السرور بهِ يُنْتَهَبْ ففضَّضَ أبكاره باللُّجَيْنِ … وموه أصاله بالذهب وكأس المُدام علينا تطوف … بحمراءَ صافيةٍ كاللَّهَبْ يطوف بها من بَنَاتِ القُسُو … س باخلةُ الكَفِّ ليستْ تَهَبْ مُبَتَّلَةٌ بين رهبانها … لألحاظها في حَشَانا رَهَبْ مسيحيَّةٌ طَلَعت في المسوح … كصبح أَحَلَّ وليلٍ ذَهَبْ وقد غاب عَنَّا عِيانُ الرقيب … وجاد الزمانُ بما قد وَهَبْ فرَشْفُ اللَّمى خُلَس بيننا … وعض الخُدُود لدينا نَهُبْ دير ريفة - وهو بصعيد مصر، فوق سيوط، لا ببعيد على الجبل الغربي المطل على ريفة. وهناك عدة ديارات المشهور أكبرها. والبقية كالقلالي. وهو من الأبنية القديمة المحكمة. ولأهله رزق من أطيان تُزرع. وتستغل. جارية بتواقيع السلاطين ثابتة في حساب الدواوين. وهو دير مذكور. وله أخبار، وفيه حكايات وأشعار. يُحكى أن شاعرًا مغربيًا، يُعرف بابن الحداد (١)، مرَّ به وهو مُصعِد إلى قوص، ليحج من جهة عيذاب في البحر. فرأى ديرانية اسمها نويرة. كأنما أذكاها في قلبه نَظَرُها، وشَبَّها في جوانحه من خدودها المُحَمَّرة نَضَرُها. فألقى عندها عصا سفره، ولقي عندها منتهى ما يُؤَمِّل من ظَفَرِه. وترك الحج كأنّه ما تعنّى له من أقصى بلاده، ولا نوى إليه السفر في رحلته وزاده وقال فيها (٢): [من الكامل] ورأت جفوني مِنْ نُوَيْرَةَ كاسمها … نارا تُضِلُّ، وكُلُّ نارِ تُرْشْدُ

стр. 392

والماء أنت، ولا يصح لقابض! … والنار أنتِ، وفي الحَشَا تتوقَّدُ ولما طال مقامه، وقفت عليه وسألت عن سبب إقامته فقص عليها الخبر، ونص العبر. وأعلمها أنه إنَّما أتى ليحج، فلما رآها أقام، وتطلَّبَ ما يعالج به السقام. فقامت غير متباطية، ووَثَبَتْ كالظبية العاطية. وظنَّتْ أنّه لم يُصَبْ، وأنه مد لها شَرَكه وَنَصَبْ. فلما رأى ما رَابَ من شُفورها، وإعراض ظبيتها الأدماء وسرعة نفورها، أسال عبرته، ووالى حسرته. ثم قال (١): [من الطويل] حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي … عن الرشا الفرد الجمال المثلث ولا تسأمي ذكراه، فالذِّكْرُ مُؤْنِسي … وإن بَعَثَ الأشواق من كل مَبْعَث أحقًا وقد صرحت ما بي أنه … تبسم كاللاهي بنا المُتَعَبِّثِ؟ وأقسم بالإنجيل إنِّي لَكاذِبٌ … وناهيك دمعي من مُحِقِّ ومُحْنِثِ ورآها يومًا بين صواحبها، كما أطلَعَتْ ليلةٌ القَمَرَ بين كواكبها. فلما دنا منهنَّ للحديث تنحتْ، وبَخِلتُ عليه بكلامها وشَحَّتْ، فقال (٢): [من الطويل] وبين المسيحيات لي سامريَّةٌ … بعيد على الصبّ الحنيفي أن تدنو مُثَلِّثَةٌ قد وحد الله حسنها … فتني من قلبي بها الوجد والحُزنُ فطي الخمارِ الجَوْنِ حُسْنُ كَأَنَّما … تَجَمَّع فيه البدر والليلُ والدَّجْنُ وفي مَعْقِد الزنّار عقد صبابتي: … فمن تحته دِعْصُ ومن فوقه غُصْنُ ثم إنه صارت لا تراه إلا احجبت، وهيهات للشموس أن حُجِبَتْ. فزاد بها بلباله، وعظم اختباله. فلما كان يوم عيد من أعياد النصارى، طلعت تلك الدمى، كأنجم السما، وبرزت تلك الديرانية في أترابها، وخرجت كالصباح المسفر من وراء حجابها. فوقف عليهن وقال (٣): [من مجزوء الوافر] عَسَاكِ يحق عِيسَاكِ … مُرِيحَةُ قلبي الشاكي فإنَّ الحسن قد ولًا … ك إحيائي وإهلاكي وأولعني بصلبان … ورهان ونساكِ ولم آتِ الكنائس عن … هوى فيهنَّ، لولاك فهل تدرين ما تقضى … على عَيْنَيَّ عيناكِ؟ وما يذكيه من نار … بقلبي نورك الذاكي؟ حَجَبْتِ سَنَاكِ عن بَصَرِي … وفوق الشمس سيماك؟

стр. 393

وفي الغُصْن الرطيب وفـ … ـي النقا المرتج عِطْفَاكِ وعند الروضِ خَدَّاكِ … وفي رَيَّاهُ رَيَّاكِ الحانات وكانت سوى هذه الديارات حانات بمواضع شتّى لها أخبار، وفيها أشعار. وأشهرها ما نذكره هنا ونلحقه من الديارة بأمثاله، ونضيفه منها إلى أشكاله. وهي: حانة الطائف (١) - كانت في الجاهلية. وكان خَمارها يُسمّى ابن بجرة. وكانت قريش وسائر العرب تقصده، فتشرب في حانته. وتمتار منه وتحمل إلى أوطانها، وتورد أحياءها مواقر إبله لتضرب بأعطانها. وفي ابن بجرة يقول أبو ذويب (٢): [من الطويل] فلو أن ما عند ابن بُجْرة عندها … من الخمر لم تَبْلُلْ لَهَاتِي بناطل فتلك التي لا يُذْهِبُ الدهرُ حُبَّها … ولا ذكرها ما أرزمتْ أُمُّ حائل وإن حديثًا منك لو تبذلِينَهُ … جنى النحل في ألبانِ عُودٍ مَطافِل مطافيل أبكار حديث نتاجها … يُشَابُ بماء مثل ماء المفاصل لعَمْرِي! لأنتَ البيتُ أُكرِمُ أَهْلَهُ … وأجلس في أفيائه بالأصائل حانة بني قُرَيْظَة - وكان خمارها في جوارِ سَلامِ بن مِشْكَم. وكان عزيزًا منيعا. ولما انصرف أبو سفيان بن حَرْب من غزوة السَّوِيق، نزل على ابن مِشْكَم. فأكرمه واحتبسه عنده ثلاثة أيام. وبعث إلى جاره الخمار، فابتاع كل ما في حانوته، وسقاه أبا سفيان ومن معه من قريش. فقال أبو سفيان: [من الطويل] سقاني وروّانِي كُمَيْتًا مُدامةً … على ظما مِنِّي، سَلامُ بن مِشْكَمِ تخيرته أهل المدينة واحدًا … لِحِلْفٍ فلم أُغْبَنْ ولم أَتَنَدَمَ

стр. 394

حانة هجر وتُعرف بحانة ريمان. وهي مذكورة. وقال فيها الراعي النُّمَيْرِي (١): [من الطويل] وصَهْباءَ من حانوت رَيْمَانَ قد غَدَا … علي ولم ينظر بها الشَّرْقَ صابحُ، تُبَصر عنها اليوم كأس روية … وبَرْدُ العَشَايَا والقِيانُ الصَّوادِح وبتنا على الأنماط، والبيض كالدمى … تُضِيءُ لنا لَباتِهِنَّ المصابح إذا نحن أنزفنا الخوابي، عَلّنا … مع الليل ملثوم من القار طافح حانات الحيرة وهي أربع حانات: حانة عَوْنٍ (٢) - وكان عَوْنٌ ظريفًا، طيّب الشراب، نظيف الثياب. وكان فتيان الكوفة يشربون في حانوته، ولا يختارون عليه أحدًا. وشَرِب عنده ليلة أبو الهندي الشاعر (٣)، حتى طلع الفجر وصاحت الديوك، على أنه يصبح يوم شك. فقيل إنه

стр. 395

من رمضان. فقال (١): [من الوافر] شربت الخمر في رَمَضانَ حتّى … رأيت البدر للشعرى شريكا فقال أخي: الديوك منادِياتٌ! … فقلت له: وما يُدري الديوكا؟ حانة دَوْمَة (٢) - وعن أبي عبيدة قال: مرّ الأفيشر (٣) بخمارة في الحيرة، يقال لها دومة، فنزل عندها، واشترى منها شرابًا. ثم قال: لها جَوِّدِي لي الشراب حتَّى أُجَوِّد لكِ المديح. ففعلت. فأنشأ يقول (٤): [من الوافر]

стр. 396

أَلَا يَا دَوْمَ، دام لكِ النعيم! … وأسمر ملء كفّكِ مستقيم، شديد الأسْرِ يَنْبِضُ جانباه … يُحَم كأنه رجل سقيم، يُروّيه الشراب فيزدهيه … وينفُخُ فيه شيطانٌ رَجِيمُ قال: فظنّت الخمارة أن هذا مدح. فسُرَّتْ به وزادته في الشرب. وقالت: ما قال في أحد أحسن من هذا. حانة جابر (١) - قال ابن الصَّلصال: كان أبو نواس يأتي الكوفة، يزورني. وكان يأتي بيت خمار بالحيرة، يقال له جابر: لطيف الخلقة، نظيف الثياب، نظيف الآلة، يُعتق الشراب سنينَ. فقدم علينا مرَّةً، وقد نهاه الأمين عن الشراب. فسأل عني، فقيل: هو بالحيرة. فوافاني، وفي يدي شيء من شراب جابر، عجيب الحسن والرائحة. فقال لي: يا أبا جعفر، لا يجتمع هذا والهم في صدرٍ واحد! قال: وكان شديد العُجب يضرب الطنبور. وكان إذا جاءني جمعتُ له ضُرَّاب الطنابير. وكانت الكوفة معدنهم. وكان يسكر في الليلة الواحدة سَكَراتٍ. فوجهتُ فجمعت له منهم جماعة، وأحضرته شيئا من ذلك الشراب. فقال لي: ألم تعلم ما حدث علي؟ قلت: وما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب وتوعدني عليه! ثم أنشدني قصيدته التي فيها: [من الخفيف] أيها الرائحان باللَّوْم، لُومَا … لا أذُوقُ المُدامَ إِلا شَميما إلى أن انتهى إلى قوله: فكأني وما أحَسنُ منها … قَعَدِيٌّ يُحَسِّنُ التَّحْكِيما كَلَّ عن حملِهِ السَّلاح إلى الحر … ب فأوصى المطيق أن لا يقيما فقلتُ له: أقم معنا كما حكيت من نَقْل القَعَدِيَّة. قال: أفعل. وصرنا إلى حانة جابر. فقلتُ: شعرا ذكرت فيه ما قاله لي وأنشدته إياه، وهو قولي: [من الكامل] عَتَبَتْ عليك محاسن الخمر، … أم غيرتك نوائب الدهر؟ فصَرَفْتَ وجَهَكَ عن مُعَتَقَةٍ … تفترُّعَنْ دُرِّ وعَنْ شَذْرِ يسعى بها ذو غُنَّةٍ غَنِجٌ … متكحل اللحظات بالسِّحْرِ ونَسِيتَ قولك حين تمزجها … فتريكِ مثل كواكب النَّسْرِ: لا تَحْسَبَنَّ عُقار خابِيةٍ … والهم يجتمعان في صَدْر فقال: هاتها في كذا وكذا من أُمّ الأمين! ومد يده، فأخذ القدح وشرب معنا. ثم

стр. 397

شخص إلى الأمين. فقال له: أين كنت؟ قال: عند صديقي الكوفي. وحدثه الحديث. قال: فما صنعت حين أنشدك الشعر؟ قال: شربت والله يا أمير المؤمنين. قال: أحسنتَ وأجملتَ. فاشخص حتّى تحمل إليّ صديقك هذا. فقدم إلي فحملني إليه. فلم أزل معه حتى قتل. حانة شهلاء (١) - وكانت يهودية من أهل الحيرة. وحكي أنَّ الأُقَيْشِرَ كان يألفها، وكان يشرب في دارها. فجاءه شُرْطيّ فدقَ الباب. فقال: اسقني وأنت آمن. فقال: والله! ما آمَنُك. وهذا النقب في الباب، فأنا أسقيك منه. فوضع له أنبوب قَصَبٍ في النقب، فصب فيه النبيذ من داخل، والشَّرْطِيّ يشرب من خارج. فقال الأقيشر (٢): [من الرمل] سأل الشرطي أَنْ نَسْقِيَهُ، … فَسقَيْناه بأنبُوبِ القَصَبْ إنما لِقْحَتُنا خابية، … فإذا ما مُرْجتْ كان العَجَبْ لبن أصفر صافٍ طعمه … يَنْزِعُ الباسور من عَجبِ الذَّنَبْ إِنَّمَا نَشْرَبُ من أموالنا، … فاسألوا الشَّرْطِيّ: ما هذا الغَضَب؟ حانات العراق - وهن أربع حانات: حانة طيزنَا بَاذَ (٣) - وكان خمارها سرجس و. وحكى سليمان بن نوبخت قال: حججت واستصحبت أبا نواس، بعد امتناع منه ونِفَار وشرط علي أن أتقدم معه الحاج إلى القادسية، فنقيم نشرب بطيزنا باد. فنزل على خمار كان يألفه، فشرب يومه وليلته. ثم انتبه يقول (٤): [من الوافر] وخَمَّارِ انَحْتُ إليه لَيْلًا … قَلائِصَ قد وَنِينَ من السِّفَارِ فَتَرْجَمَ، والكرى في مُقْلتَيْهِ … كمخمور شكا ألم الخُمارِ: أبن لي كيف صرت إلى حريمي، … ولون الليل ملتَبِس بِقارِ؟ فقام إلى العقار فسد فاهَا … فعاد الليلُ مُسْوَدّ الإزار

стр. 398

ثم جلس يشرب. فلم يزل كذلك حتى ورد علينا أوائل الحاج. وحجوا. ثم عادوا. فرحلنا معهم إلى بغداد، على أننا كنا حُجَّاجًا معهم. حانة قطر بل - وكان خمارها ابن أذين. حكى أبو الشبل البُرْجَمِي قال: اجتمعت بأبي نواس في النوبختية. فسلمت عليه، وسألته عن خبره، وتحدّثنا طويلًا. ثم قال: أتساعدني حتَّى نَمْضِيَ إلى موضع طيب؟ قلت: أين هو؟ قال: بِقُطرُ بلَ. فقلت: ضاقت الدنيا حتى نسافر؟ فقال لي: إن هناك خمارًا ظريفًا لبقًا مساعدًا، عنده شراب عتيق وغلمان صباح. فامض بنا. فمضيتُ حتى أتى حانة خمار. فقال لي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال: هذا ابن أذين الذي أقول فيه (١): [من مجزوء الرمل] اسقني يا ابنَ أَذِين … منْ شَرَابِ الزَّرَجُونِ اسقني حتى ترى بي … جِنّةً غيرَ جُنُونِ عُلِّقَتْ في الدن حتى … هي في رقة ديني ولنا ساق عليه … جُبَّةٌ من ياسمين من قال: فأقمنا عنده ثلاثة أيام، في أنزه موضع ومع أكيس خادم. ثم انصرفنا. حانة الشَّط (٢) - قال حَمَدُ بن حَمدون (٣): كان الواثق يحب المواخير، وما قيل فيها، وما غُنِّيَ به في ذكرها. فعقد حانتين: إحداهما في دار الحرم، والأخرى على الشط. وأمر بأن يختار له خمار نظيف جميل المنظر، حاذق بأمر الشراب، ولا يكون إلا نصرانيًا من أهل قُطرُبلَ. فأُتِيَ بنصراني، له ابنان نظيفان مليحان وابنتان بهذه الصفة.

стр. 399

فجعلهم الواثق في الحانتين، وضمّ إليهم خَدَما وعِلْمانا وجواري رومية. وأخدم النساء حانة الحرم، والرجال حانة الشطّ. ونقل إليهما طرائف الشرب، وفرشهما من فرش الخلافة، وعلق عليهما الستور، وجعل فيهما الأواني المُذْهَبَة والدنان المدهونة. فكانتا أحسن منظر وأبهاه. فلما فرغ منهما، أمر بإحضار المغنين والجلساء. ولم يَدَعْ أحدا يصلح من ضُرَّابِ الطنابير إلا أحضره. وحضرنا، وخرج الخمار، هو وأولاده معه، عليهم الأقبية المسَهَّمَة، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة، ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكيزان والمنازل في الصواني. وأُخْرِجَتْ تلك الدنان المُذْهَبَة، وقد طُيِّنت رؤوسها تطيينا نظيفا، يعبق منه الطيب. فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالسا، فنزلت، كما يفعل في الحانات وجعل يؤتى بالأنموذجات، فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء. فيختار كل منهم ما يشتهيه. فيأخذ دَنَّا. ويجيء إلى الخمار ويكتال منه بمكيال في إنائه، كما يفعل في المواخير، ويعود إلى موضعه فيجلس ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبهه من الرياحين. فكان أحسن يوم رأيته. فشرب الواثق شربًا كثيرًا وأمر للخمار بألف دينار، ولزوجته بألف دينار، ولكل واحد من أولاده بخمسائة دينار. ولم يبرح أحد منا إلا بجائزة سنية. وحكى الحسين بن الضحاك في حكاية له أن الواثق قال له: هل لك في حانة الشَّط؟ قال: فقلت إي والله يا أمير المؤمنين. فقام إليها فشرب هناك وطرب. وما ترك أحدًا من الجلساء والمغنين والحَشَم، إلا أمر له بصلة. وكان من الأيام التي سارت أخبارها، وذكرت في الآفاق. فلما كان من الغد، غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئًا، إن كنت قلته في يومنا هذا الماضي. فأنشدته: [من البسيط] يا حانة الشط قد أكرمت مثوانا … عُودِي بيوم سُرور كالذي كانا [لا تُفقدينا دعابات الإمام ولا … طيب البطالة إسرارًا وإعلانا] ولا تَخَالُعَنا في غير فاحشة … إذا تُطربنا الطنبور أحيانا وسَلْسَلَ الرطل عمرو ثم عم بنا … السُّقْيا فألحق أُخرانا بأولانا سفيًا لعيشِكِ من عَيْشِ خُصصت به … دُونَ الدَّساكر من لذات دنيانا قال: فأمر لي الواثق بصلَةٍ سنيّة مجدّدة، واستحسن الشعر، وأمر أنْ يُغَنّى فيه.

стр. 400

حانة خُوَيث (١) - وتُعرف بحانة بزيع، وهو خادم المتوكل. وكانت عزيزة لا يعرض لها أصحاب المعاون. وكانت حسنة البناء، مؤزرة مسقفة بالساج. وإلى جانبها بستان نُزْه حَسَنٌ لبَزِيعِ. وكان يتخذ فيها آلة الشراب. وكان فيها خمار يهودي، لا يبيع إلا شرابًا مختارا سريًا، لا يبيعه أحدًا من العامة والوضعاء. وكانت حانته لنزه الخاصة والسَّرَاة من الناس. وكانت موصوفة بالحسن والنظافة. وفيها يقول عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن الزيات، وكان قد دعاه بزيع إليها، ومعهما جِنِّيُّ الخادم، وكان نهاية في الحسن، وحَسَنَ الغِنَاء: [من الطويل] سقانا بَزِيعُ والسَّمَاكُ مُشَرِّقُ … ونجم الثرَيَّا في السماء مُحَلِّقُ كُمَيْتًا كَأَنَّ المِسْكَ حَشْوُ كؤوسها … بها الشَّمْلُ مجموع فما يَتَفَرَّقُ سُلافَةَ كَرم أخلص الدَّهْرُ لونها … يُضيء لها الليل البهيم ويُشْرِقُ وقلت للِجُنِّيّ: هَلُمَّ فَغَنّني! … «أرِقتُ، وما هذا السُّهادُ المُؤَرِّق؟» فغنى غناء حرّك القَلبَ حُسْنُه … ولما يحركه الشراب المُصَفَّقُ حانة سجستان (٢) - حكي أن أبا الهندي لما ضُرب عليه البَعْثُ إلى سجستان، كان يلزمها ويشرب عندها مع نديم له. فشربا يوما حتى سكرا وناما. فلما هب هواء السَّحَرَ، انتبه أبو الهندي، والزق مطروح، قد بقي فيه شطر الشراب. فأقامه وصبّ منه في كأس. وجاء إلى نديمه فحركه وقال (٣): [الطويل] تَصَبَّحْ بوجه الراح والطائرِ السَّعْدِ … كُميتًا وبَعْدَ المَزْج في صِفَة الوَرْدِ تَضَمَّنَها زِقٌ أَرْبُّ كأنه … صريع من السُّودانِ ذُو شَعَرٍ جَعْدِ ولما حللنا رأسه من رباطه … وفاض دمًا كالمسك أو عَنْبرِ الهِنْدِ وجدناه في بعض الزوايا كأنه … أخو قِرَّةٍ يهتزُّ من شدة البرد أخو قِرَّةٍ يُبدي لنا وجه صفحة … كلون رقيق الجلد من وَلَدِ السِّندِ حانات الشام وهي اثنتان: حانة عزاز - وكانت بتل عَزَاز.

стр. 401

حكى إسحق، قال: كنتُ مع الرشيد، حين خرج إلى الرقة. فدخل يومًا يشرب مع النساء. فخرجتُ ومضيتُ إليه. فنزلتُ عند خمارةٍ هناك، لها زوج قس. ولها منه بنت. لم أر مثلها قَطُّ جمالًا، ولا مثل بنتها وأخرجت إلي شرابًا لم أر مثل حسنه وطيب ريحه وطعمه. فأجلستني في بيت مرشوش فيه ريحان غض. وأخرجت بنتها تخدمني كأنها خُوطُ بانٍ، أو جدل عنان، لم أر أحسن منها قدًا، ولا أسهل خدًا، ولا أشرق وجهًا، ولا أبدع طَرْفًا، ولا أحسن كلامًا، ولا أتم تمامًا. فأقمت عندها ثلاثًا، والرشيد يطلبني، فلا يقدر عليّ. ثم انصرفت. فذهبَتْ بي رُسُله إليه. فدخلت عليه، وهو غضبان. فلما رأيتُه خَطَرْتُ في مشيتي ورقصت، وكانت في رأسي فَضْلةٌ قوية من السكر، وغنَّيْتُ في شعر في بيت الخمارة صنعت فيه لحنًا. وهو (١): [من الخفيف] إنَّ قلبي بالتل، تل عَزَازِ، … عند ظبي من الطباء الجوازي شادن يسكن الشام وفيه … مع شكل العِرَاقِ ظَرْفُ الحجاز يا لقومي لبنْتِ قَس أصابت … منك صَفْوَ الهوى ولست تجازي حَلَفَتْ بالمسيح أن تُنجز الو … عد، وليست تهتم بالإنجاز قال: واللحن في هذا الشعر خفيفٌ رَمَلٌ بالوسطى. قال إسحق: فسكن غضبه. ثم قال لي: ويحك! أين كنت؟ فأخبرته فضحك وقال: عُذْرٌ، والله! وإنّ مثل هذا لَطَيِّبٌ، إذا اتفق أَعِد غناءك! فأعدتُه. فأُعْجِبَ به، وامرني أن أغنيه ليلتي كلها، أعيده أبدا، ولا أغني أنا ولا غيري سواه. وأمر المغنين بأخذه. فما زلت أغنيه ويشرب عليه إلى الغداة. ثم انصرفنا. فصلَّيْتُ ونمتُ. فما استقررتُ جنبا حتى وافاني رسول الرشيد، يأمرني بالحضور. فركبتُ ومضيتُ. فلما دخلت إذا أنا بابن جامع يتمرّغ على دكان في الدار، لغلبة النبيذ والسكر عليه. فقال لي: أتدري لِمَ دُعِينَا؟ قلت: لا. قال: نصرانيتك الزانية، عليك وعليها لعنة الله! فضحكت. فلما خرج إلينا الرشيد، أخبرته بالقصة. فضحك وقال: صدق. أعيدوه جميعًا، ولا تغنوا غيره. فإني اشتقت إلى ما كنا فيه لما فارقتموني. فغنيناه جميعا يومنا كله، حتى نام في موضعه، سُكْرًا. ثم انصرفنا. حانة هُشَيْمة (٢) - وكانت بدمشق. وكانت تخدم الوليد بن يزيد في شرابه وتتولّى

стр. 402

اتخاذه له. وكان يقال: إنه لم يُرَ أعرف منها به، ولا أنظف آلةً وصنعةً، ولا ألبق في الخدمة. وقد ذكرها [الوليد بن] (١) يزيد في شعره إذ قال (٢): [من الخفيف] قد شَرِبْنا وحنت الزماره، … فاسقني يابدَيْحُ بالقُرْقاره من شراب كأنه دم خشف … عتَّقتهُ هُشَيْمَة الخماره اسقني! اِسْقِني فإنّ ذُنُوبي … قد أحاطت فما لَهَا كَفَّاره وعُمِّرَتْ حتى أدركت الرشيد وماتت في أيامه. ماتت يوم مات الكسائي [النحوي] والعباس بن الأحنف الشاعر. فصلى المأمون عليهم (٣). وها قد ذكرنا ما اتصل بنا علمه، ووقع إلينا خبره، وبه تم الفصل السادس. وهو آخر فصول الباب الأول من القسم الأول. ولله الحمد وبه التوفيق.

стр. 403

وهذه صورة لوح الرسم يشتمل على مجموع الكرة برًا وبحرًا، وعامرًا وخرابًا ووضع الأقاليم في مواضعها ووقوع جمليات البلاد حيث وقعت شرقًا وغربًا أتينا بها على سبيل الجملة لا على التفصيل لضيق الدائرة هنا وسيأتي بمشيئة الله تعالى كل شيء على ما يجب في مكانه ومن الله نستمد التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل

стр. 404

الباب الثاني: في ذكر الأقاليم السبعة وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: في تقسيمها ونحن نبدأ - بحمد الله - هذا الفصل بما قيل في تقسيم معمور الأرض من خط الاستواء إلى نهاية العمارة في الشمال على الأقاليم السبعة على ما قيل في ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ الإقليم الأول (١) سعته سبع درجات وثلثا درجة وثمن درجة بالتقريب؛ يعني بسعته عروض ما وقع فيه من البلاد. وأن الإقليم الثاني سعته سبع درجات وثلاث دقائق بالتقريب. وأن الإقليم الثالث سعته ست درجات وثمن درجة بالتقريب. وأن الإقليم الرابع سعته خمس درجات وسبع عشرة دقيقة بالتقريب. وأن الإقليم الخامس سعته أربع درجات وربع وثمن وعشر درجة بالتقريب. وأن الإقليم السادس سعته ثلاث درجات ونصف وثمن درجة بالتقريب. وأن الإقليم السابع سعته ثلاث درجات وثمان دقائق بالتقريب. ويزعم هؤلاء أن نهاية المسكون إلى خمس وخمسين درجة لا يتجاوز مداها، وما الأمر كذلك، ولوح الرسم على هذه المقالة كلها، فإنه رسم عرض كل إقليم عشر درجات فزيادة ما في لوح الرسم على ما زعم هؤلاء خمس عشرة درجة. ونحن رسمنا هذا الكتاب على ما في لوح الرسم على تجزئة عشر درجات عرض كل إقليم تقريبًا، ويزداد على هذا ما يزداد على الأقاليم السبعة جنوبًا وشمالًا. وقد تقدم مما استخرجناه من لوح الرسم ولم أكن وقفت على ذكره في تأليفه. ثم رأيت الملك المؤيد عماد الدين أبا الفداء إسماعيل صاحب حماة (٢) رحمه

стр. 405

الله تعالى - قد ذكر ذلك في كتابه المسمى «بتقويم البلدان». قال (١): واعلم أنَّ ثمَّ بلادًا كثيرةً ليست من الأقاليم السبعة؛ وهي البلاد التي وراء الإقليم الأول من الجهة الجنوبية، وكذلك البلاد التي خلف آخر الإقليم السابع من جهة الشمال وإلى نهاية العمارة في الشمال. وقد ذكر في جداول هذا الكتاب مما وقع من وراء خط الاستواء في الجنوب مما هو بالبحر الشرقي بالهند والصين (٢): جزائر الرانج، وجزيرة سرنديب، وجزيرة لامري، وجزيرة كلة، وجزيرة المعراج - وهي مربعة - وجزيرة مسلة، وجزيرة سقطرة وجمكوب، وجبال قامرون. ومما وقع من وراء الأقليم السابع في الشمال صوداق، وجزيرة برطانية، وقد رسم لكل واحد عرضًا لم يبلغ به ما يوصيه مكانه من لوح الرسم، وقد ذكر سعة الأقاليم على نحو ما ذكرناه في أول هذا الفصل. ثم قال: «وقد رأينا غالب واضعي الكتب المؤلفة في الأطوال والعروض من الزيجات وغيرها لا يحافظون فيها على إثبات الأماكن في مواضعها من الإقليم بل يثبتون بعض أماكن الإقليم في الإقليم الآخر. ومن تأمل ذلك وكشفه تحقق صحة ما ذكرناه». انتهى كلامه. وقد ذكر شارح رسالة حي بن يقظان (٣) ما يؤيد ما ذكرنا من عمران ما وراء خط

стр. 406

الاستواء بالجانب الشرقي، وقال: إنّه أعدل من الأقليم الرابع، وزعم أنه يتولّد هناك الإنسان من غير أم ولا أب؛ وعلل ذلك باعتدال طينتها وصحة هوائها؛ ولم يذكر هذا القول وإن كان باطلًا إلا للاحتجاج بوجود معمور وراء خط الاستواء في الجانب الشرقي؛ لأنَّ هذا الحكيم إنّما قدّر إمكان هذا بجزيرة من جزائر الهند، وهو مؤكد لما استخرجنا من لوح الرسم مما هو مقدّر في العرض بإقليم ونصف من الإقليمين المرسومين في لوح الرسم وراء خط استواء بعروض رسمها لهما وعلى مثل هذا قول الملك المؤيد أبي الفداء إسماعيل صاحب حماة - رحمه الله تعالى - مما تقدَّم ذكره. وقد ذكر عند رسم عرض كل مكان منه له عرض جنوبي - يعني مما أخذ من خط الاستواء إلى الجنوب -. وقد يقال إنَّ غانة في الجانب الغربي خارجة عن خط الاستواء في الجنوب (١)؛ ولعل هذا لا يصح، فمن تأمل بعد ما بين سجلماسة وما هو على سمتها من غانة، وما هو على سمتها ظهر له ذلك؛ لأن سجلماسة وما سامتها في الإقليم الثالث بلا شك، ومدى ما بينها وبين غانة وما سامتها لا يتجاوز به غاية الإقليم الأول، بل غاية ما يكون على أول الإقليم الأول. وقال شارح رسالة حي بن يقظان (٢): «وأما من منع التولد في ما يلي خط

стр. 407

الاستواء من جهة الجنوب لشدّة الحرارة؛ فقوله مردود بأدلة ظاهرة منها أن الحرارة لا تكون إلا للحركة أو لملاقاة جسم حار أو لشدَّة الضوء والشمس في طبعها ليست بحارة، ولا لها شيء من الكيفيات المزاجية لبساطتها، ولا يقبل الضوء إلا الأجسام الصقيلة والغير والأجسام الكثيفة بعدهما. وأما الأجسام الشفافة فلا تقبله فتبين من ذلك أنَّ الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجسامًا أخرى تماسها؛ لأنها لا تماس الأرض وليست حارة [الطبع ولا] (١) الأرض أيضًا تسخن بالحركة؛ لأنها ساكنة بطبعها، ولا الشمس أيضًا تسخن الهواء فتسخن الأرض؛ لأنَّ في وقت الظهيرة تجد الهواء القريب من الأرض أبرد من الهواء البعيد عنها في السطوح العالية فتبيَّن أن تسخين الشمس بالإضاءة المنكوسة لانعكاس الشعاع. وقد قام الدليل أن البقاع التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام في رأس الحمل والميزان، ويكون جنوبهم ستة أشهر وشمالهم ستة، ويزول عنهم بسرعة فلا يستمر تأثيرها فتسخنهم وليست كذلك في الآفاق المائلة. انتهى كلام شارح رسالة حي بن يقظان في ذلك، ونحن قد أوردناه بمعناه وإن لم يكن بلفظه لما فيه من إقامة الدليل على إمكان العمارة هناك. [والذي يظهر أن ما وراء خط الاستواء إلى جهة الجنوب يكون بمزاج ما وراءه إلى جهة الشمال، وإنما وقع الاختلاف منه في تباين المراح ما سار منها أرضه وسماؤه، فمن السماء إختلاف ممرّ الكواكب على سمت الرأس السيارة والثوابت واختلاف القطبين، ومن الأرضية اختلاف البقاع بالكيفيات في قبول الحرارة من الشمس والترطب من القمر في قبول الحرارة من الشمس والترطب من القمر، وغير ذلك مما تستفيده الكيفيات باختلاف أمزجتها، فإننا نرى بلدين لا يكادان يختلفان كبغداد ودمشق وبغداد أشدّ حرارة من دمشق وأنَّ ذلك لأسباب أرضية - كما قلنا - وقد يكون في جهات أخرى أسباب سماوية وقد يجتمعان] (٢). وأما ما هو من وراء الإقليم السابع فمرئي مشهود، وحدّث به كثير من التجار والمتجولين في البلاد. وسكانه يسكنون الحمامات أو ما هو شبيه بالحمامات مما يتخذ فيه مواقد النار، ولا يكاد ترى به الشمس لتوالي الأنواء، وكدر الجو مما يركبه من الغمائم والصّباب المتراكم المتراكب كالظلمات.

стр. 408

وأما كلامنا الآن فهو على الأقاليم السبعة المقسومة، وقد قيل في معنى قوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١) إن المراد بقوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ هو الأقاليم السبعة. ثم اختلف هل الإقاليم السبعة هي المقسومة على هذا التقسيم الجغرافي أو ناحية ناحية لا على التقسيم الجغرافي؟ ونحن نبدأ بذكر ما ذهب إليه من قال: «إنها ناحية ناحية»، وإن لم يكن المرجح لنفرغ منه، ونفرغ البال للراجح المعمول عليه. فأما من قال: إنها ناحية ناحية، فقال: الصين، وصين الصين، وخراسان وخراسان أرض [و] الهند والسند أرض، وفارس والجبال والعراق وجزيرة العرب أرض، والشام وأرمينية وما والاها أرض، ومصر وإفريقية والغرب أرض، والحبشة وما والاها أرض، والأندلس وما جاورها من بلاد الجلالقة والأنكبرد أرض. وليس هذا بشيء، ويرد على هذا بلاد كثيرة في الجنوب والشمال وما بين ذلك؛ اللهم إلا أن يجعل مجاورة كل أرض محسوبة منها. وقال بعضهم: بل هي أرض فوق أرض متلاصقة كطبقات البصلة طبقة راكبة على طبقة مقعر أحدها على محدّب الآخر بتلاصق ملتزم لاخلاء بينه ولا دليل على ذلك. وإذا كانت الطبقة راكبة [على] أخرى من جنسها ومن غير خلاء لم تتميّز طبقة من طبقة، والصحيح ما ذهب إليه (٢) من قال: إنها أرض فوق أرض متباينة بخلاء كالسماوات سماء فوق سماء؛ ويدل على ذلك ما رواه البيهقي بسند الثقاة عن أبي هريرة، قال (٣)؛ قال رسول الله ﷺ : أتدرون ما هذه فوقكم؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فانها الرقيع سقف محفوظ، وموج مكفوف بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين الأخرى مثل ذلك حتى عدَّ سبع سماوات، وغِلَظُ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: هل تدرون ما هذه التي تحتكم؟، قالوا: الله ورسول الله أعلم، قال: فإنّها الأرض بينها وبين التي تليها مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع سماوات وغلظ كل أرض مسيرة خمسمائة عام.

стр. 409

وروي عن البيهقي عن الحاكم بسنده عن أبي ذر، قال؛ قال رسول الله ﷺ ما بين كل سماء إلى التي تليها خمسمائة عام، وللأرض مثل ذلك. وروى الحاكم بإسناد حسن عن ابن عباس (١)، قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. وروى الحاكم (٢) أيضًا له شاهدًا بسند شرط البخاري أو مسلم عن ابن عباس، في قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣). قال: في كل أرض نحو إبراهيم. وعن أبي الدرداء، قال؛ قال رسول الله ﷺ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام وكتب مثيل ذلك. وروى الأزرقي - في كتاب أخبار مكة (٤) - عن مجاهد، قال: لقد خلق الله موضع البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وإنَّ قواعده لفي الأرض السابعة. وقال مجاهد: إنَّ هذا البيت أحد أربعة عشر بيتًا في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت بعضهن مقابل بعض. ذكره النووي. وقال كعب الأحبار: إنَّ الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن؛ ثم جعل ما بين كل سمائين كما بين السماء والأرض وجعل كتفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه؛ إسناده صحيح] (٥). وهذه الأحاديث التي ذكرناها صريحة في ذلك غير قابلة للتأويل، ولا سبيل لأحد إلى ردّها، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٧). وقال النبي ﷺ في فعل الغاصب (٨): «من غصب شبرًا من أرض طوقه الله من سبع أرضين». [وقال لعائشة: «يا حميراء أما علمت أنَّ العبد إذا سجد الله طهر الله له موضع سجوده إلى سبع أرضين».

стр. 410

وقال (١): «من سرق من الأرض شبرًا جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى أسفل الأرض»] (٢). فثبت بذلك كله بالقول الجزم الذي لا تردد فيه، إنها أرض فوق أرض لا إنها قسمة الأقاليم، لا على قول من قال: إنها ناحية ناحية - كما ذكرنا - ولا على قول من يقول: إنها إقليم إقليم على ما في التقسيم الجغرافي - كما نذكره؛ فتأكد بما ذكرناه من الأحاديث بطلان ذينك القولين. وإن هذه الأرض المدحوة المشينا عليها، الباطشة أقدامنا فوقها بأسرها من المشرق إلى المغرب أرض واحدة من السبع أرضين المشار إليها في قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. وحينئذ تكون الأقاليم كلها أجزاء مقسمة من أرض واحدة - والله أعلم - وقد قدمنا القول إنَّ المعمور أقل من الثلث وأكثر من الربع، ورأى الشريف أنه الربع. قال (٣): وهذا الربع المسكون قسَّمه العلماء سبعة أقاليم؛ كل إقليم منها مار من المغرب إلى المشرق موازيًا لخط الإستواء، وليست هذه الأقاليم بخطوط طبيعية، لكنها خطوط وهمية موجودة بالعلم النجومي؛ وهو مبتد في ابتدائه من الغرب وعليه نعمل - وبالله التوفيق - في التقسيم؛ لأنها في فلك حركته من الغرب إلى الشرق، وقد نبهنا عليه. قال البيهقي - وقد ذكر هذه الأقاليم السبعة وصدورها بالمشرق خير من أعجازها وأذنابها بالمغرب مقسومة من لدن امتداد خط الإستواء إلى خط ما يقارب الأم المستديرة بالأرض في نهاية العمارة حيث تسمّى الأم هناك جبل قاقوتا قسمت سبعة أقاليم بأربعة عشر جزءًا؛ كل إقليم على جزئين؛ كل إقليم جزء بنصف إقليم أحد عروضها كتمام ارتفاع الحمل والميزان؛ كل جزء بخمس ردجات؛ لكل إقليم عشر درجات هي عرض البلاد الواقعة منه، ثم تتفاوت في الزيادة والنقص على مقدار مواقعها منه تأخذ من قبة أرين متشاملة. يبدأ الجزء الأول خمس درجات ثم يزيد خمسًا خمسًا إلى أن يكمل في آخر السابع سبعين درجة. وقد ضرب صاحب جغرافيا في لوح الرسم خطًا لعروض الأقاليم؛ بدأه من قبة

стр. 411

أرين ومده من قبة أرين في الجنوب وراء خط الاستواء مقدار إقليمين بأربعة أجزاء، ثم قطعه هناك ولم يتجاوزه. وحد من قبة أرين في الشمال - على العمران والخراب - مغلغلًا إلى البحر المحيط؛ فأما ما وراء خط الإستواء إلى الجنوب من الأجزاء الأربعة المعدودة بإقليمين - المشار إليها هنا وفيما تقدّم من هذا الكتاب - فإنّه وقعت عماره بالنصف الشرقي تقريبًا في ثلاثة أجزاء منها مقدرة العرض بإقليم ونصف إقليم؛ لو بسط في النصفين على خط واحد يمر من المشرق إلى المغرب لكان بنصف ذلك؛ فيكون بنصف وربع إقليم. وقد علم صاحب جغرافيا على الأجزاء الأربعة في ذلك الخط التام ارتفاع الحمل والميزان فيها ما يذكر الجزء الأول المار مع الإقليم الأول في جنوبه [لا] هي خمس درجات، والجزء الثاني الذي يليه في جنوبه [بي] هي عشر درجات؛ والجزء الثالث الذي يليه في جنوبه [يه] وهي خمس عشرة درجة، والجزء الرابع الذي يليه في جنوبه [ك] وهي عشرون درجة. وذلك المقدّر بإقليمين من وراء خط الاستواء، وقطع من هناك الخط. وأما في الأجزاء من قبة أرين متشاملًا إلى البحر المحيط فهو الواقع فيه مجموع الأقاليم السبعة المقسومة، وبه جلّ المعمور، بل كل المعمور وسنبين عروضه التي رسمها صاحب الجغرافيا على خط العروض في لوح الرسم، وعدتها من لدن قبة أرين قاطعًا الجبل الأم إلى البحر المحيط ثمانية عشر جزءًا مقدرها تسعة أقاليم لكل جزئين بإقليم فمن ذلك الأقاليم السبعة؛ وهي التي رسم مقدار العرض على أجزائها من [ل] إلى [ع]؛ وهو من خمس درجات إلى سبعين درجة - على ما ذكرناه -. ومن ذلك جزء مقدر بنصف إقليم معمور يمر مع الإقليم السابع من المشرق إلى المغرب حسبما علم عليه في خط العروض [عه] بخمسة وسبعين درجة ونهاية هذا الجزء الجبل الأم المسمى هناك بجبل قاقوتا. ومن ذلك وراء خط الجبل في الخراب ثلاثة أجزاء مقدّرة بإقليم ونصف كلها خراب منقطعة لا عمارة فيهان وقد علم على أوّلها الملاصق للجزء، والمعمور وراء الإقليم السابع [ف]، وهي ثمانون درجة، وعلم على ثانيها [فه] وهي خمس وثمانون درجة، وعلم على ثالثها [ص] وهي تسعون درجة، وبه تم خط العروض. وإذا أنهينا الكلام في ذلك على الجملة نذكر ما علم عليه في عروض أجزاء الأقاليم السبعة المقسومة على أربعة عشر جزءًا على ما هو بجزء جزء إلى نهايتها على أنني غير مسلّم أنّ العمارة تبلغ ذلك، وإنما كلامنا على ما صوّر

стр. 412

في لوح الرسم، فنقول - وبالله التوفيق -: إنه من أوّل ما قسم الأقاليم السبعة وجَزًَا أجزاءها كل جزء بخمس درجات علم عليها في خط العروض ما نبيّنه؛ فأوّلها وهو المار مع خط الاستواء من شماليه علم عليه [لا] بخمس درجات؛ وثانيها الذي يليه من شماليه [س] بعشر درجات؛ وثالثها الذي يليه من شماليه [يه] بخمس عشرة درجة؛ ورابعها الذي يليه من شماليه [كـ] بعشرين درجة؛ وخامسها له بخمس وعشرين درجة؛ وسادسها [ل] ثلاثين درجة؛ وسابعها [له] بخمس وثلاثين درجة؛ وثامنها [م] بأربعين درجة؛ وتاسعها [مه] بخمس وأربعين درجة من حساب الجمل؛ وعاشرها [ن] بخمسين درجة؛ وحادي عشرها [نه] بخمسة وخمسين درجة؛ وثاني عشرها [س] بستين درجة، وثالث عشرها [سه] بخمس وستين درجة؛ ورابع عشرها [ع] بسبعين درجة وبه تمت الأجزاء الأربعة عشر، وهو تمام الأقاليم السبعة المقسومة. [وعلى تقدير التسليم في بلوغ المعمور إلى ذلك في آخر الإقليم السابع فيكون من المفروض الذي لا حقيقه له؛ إذ لا يمكن بلوغ المعمور الممكن سكنه إلى هذا الحد] (١). وأما الطول فقد ضرب صاحب الجغرافيا له خطا - هو المسمى خط الإستواء - بدأ به من البحر المحيط في أوّل المغرب إلى البحر المحيط في آخر المشرق. بدأ به آخذًا على قبّة أرين؛ وبقيت أرين وسط خط الطول ووسط خط العرض. وقسم هذا الطول بأجزاء كل جزء بخمس درجات هي أول هذا الخط على البحر المحيط في المغرب إلى أن ينتهي في آخر هذا الخط على البحر المحيط بالمشرق إلى مائة وثمانين درجة علم عليها صاحب الجغرافيا في لوح الرسم [قف]؛ وذلك بنصف ثلاثمائة وستين درجة التي هي مجموع درج الفلك، تمر الأجزاء المقسومة في خط العروض عليها برا وبحرًا من أول ما رسم من غاية الجزءين المقدرين وراء خط الإستواء بأنقص لما تخطفه الدائرة شرقًا وغربًا حتى يقع خط الإستواء على أطولها خطا من المغرب إلى المشرق لم تخطفه الدائرة بتضايقها كما خطفت في أطوال الأقاليم شرقًا وغربًا مع ما تخطفه خرجات البحر المحيط في الربع الغربي الآخذ إلى الشمال فيكون هناك أقصر مدى الخطوط. وليس هذا موضع تجريد مقداره - والله أعلم بغيبه -.

стр. 413

الإقليم الأول: يأخذ في الغرب من جزيرة بكلوطة المجرّرة في المحيط على مجالات الحبشة، على مجالات النوبة شاقًا للبحر الهندي إلى مدينة الفضّة من الصين في الشرق إلى جزيرة المجزرة في البحر المحيط. الإقليم الثاني: يأخذ في الغرب من جزيرة غرطوبا المجزرة في البحر المحيط على زبيد شاقًا البحر الهندي على مدينة ضينيا العليا من الصين في الشرق إلى جزيرة قلعة الفضة المجزرة في البحر المحيط. الإقليم الثالث: يأخذ في الغرب يأخذ من جزيرة قوموش المجزرة في البحر المحيط على بر العدوة على إفريقية على برقة على مصر على أطراف الحجاز والشام شاقًا القلزم على سجستان وبلاد الهند على الصين إلى جبال النشادر من الصين في الشرق إلى جزيرة العلوية المجزرة في البحر المحيط. الإقليم الرابع: يأخذ في الغرب من أول جزائر الخالدات المجزرة في البحر المحيط، يشق البحر الشامي، ويدخل في جنوبي الأندلس على صقلية على حلب وبلاد الجبل آخذًا على بخاري فيما وراء النهر على السند على قراقوم إلى صين الصين في الشرق إلى البحر المحيط. الإقليم الخامس: يأخذ في الغرب من بقايا جزائر الخالدات المجزرة في البحر المحيط على معظم الأندلس على القسطنطينية الكبرى ومدائن الروم على فرغانة وطبرستان على صنم الخطا المجموع إليه في الشرق إلى البحر المحيط. الإقليم السادس: يأخذ في الغرب على جزيرة الحجر المجزرة في البحر المحيط على قرم على البلقان على صحاري القبجاق في الشرق على بلاد يأجوج ومأجوج. الإقليم السابع: يأخذ في الغرب من جزيرة الغنم وجزيرة النساء وجزيرة الرجال وجزيرة مرطايا

стр. 414

المجزرات في البحر المحيط على بلاد اللآن والأص والجركس والبلار والماجار على بلاد أسحرت على بحيرة الشياطين في الشرق إلى طرف سد يأجوج ومأجوج وبه تمام الأقاليم السبعة. وجميع مدن الأرض داخلها إلا ما شد مما هو خارج عنها مما هو وراء خط الإستواء في الجنوب، وما خرج وراء الإقليم السابع من الشمال؛ وإنما المدن مقسمة في هذه الأقاليم على ما وقعت فيه. وقد ذكرنا هذه الأقاليم - آخذةً من الشرق - على ما رسمه صاحب جغرافيا في لوح الرسم، وعلى كل هذا قسم الشريف كتاب آجار؛ وإن لم يكن شرط كتابنا في وضعه، ولله غيب السماوات والأرض علم الإنسان ما لم يعلم وهو أعلم أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا لا إله إلا هو وهو حسبنا ونعم الوكيل. * * * الفصل الثاني: فيما وقع في الأقاليم السبعة من المدن والجزائر العامرة برًا وبحرًا وتصويرها بأشكالها ونحن نشرع في رسم الأقاليم السبعة إقليمًا إقليمًا، نبدأ بالأوّل إلى أن نختم بالسابع؛ فما شقّ منه بحرًا صورنا من البحر مقدار ما أخذ الإقليم منه، فإن اعترضت به جزيرة ( … ... ) (١) من الإقليم المصوّر - وبعضها ما وقع قبله أو ثانيًا بعده - صوّرنا في كل إقليم مقدار ما وقع منها فيه، ولم نسم اسمها إلا حيث وقع معظمها، ولا نذكر من المدن إلا أشهرها، أو ما لا بدّ لهذا التأليف من ذكره والله يهدي عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 415

وهذه صورة الإقليم الأول: وهو الآخذ مع خط الإستواء على شماله من البحر المحيط بأقصى الغرب إلى البحر المحيط بأقصى الشرق. وعرضه من خمس درجات إلى عشر درجات - على ما شرحنا - تتفاوت ما بين ذلك عروض الأراضي به على وقوعها منه.

стр. 416

الإقليم الأول والذي وقع في هذا الإقليم الأوّل من البلاد والجزائر العامرة مما اشتهر اسمه مما وقع بالبحر الهندي (١) وفروعه (٢) الخارجة منه، وما اتصل به من البحر المحيط (٣) في الشرق والغرب نذكره. وأوّل ما نبدأ من الغرب على خط الأقاليم بلاد مقزارة (٤) الذهب، ومن مدنها مدينة أوليل (٥)، وبها الملاحة التي تمد جميع بلاد السودان. قال الشريف (٦): ولا نعلم ببلاد السودان ملاحة سواها. ومدينة مالي (٧).، ومدينة بريسي (٨)، وبنيت على شاطئ النيل بها الأبنوس، وبلاد لملم (٩)، ومن مدنها مدينة ملل (١٠)، وبلاد غانة، ومن مدنها مدينة غانة (١١) وهي كبيرة مقصودة .. ولما صنف الشريف كتابه آجار (١٢) ذكر (١٣): ان لملكها من ذرية صالح بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ وإسلامها قديم؛ وهي متصلةٌ ببلاد ونقارة (١٤) الذهب. قال الشريف (١٥): فما كان على عهده والذي يعلمه: أهل المغرب الأقصى علمًا يقينًا أنَّ له - يعني ملكها - في قصره لبنة ذهب وزنها يكون ثلاثين رطلًا، تبرة واحدةً خلقها الله - تعالى - خلقة عامة من غير أن تسبك في نار ولا تطرق بآلة، وقد نفذ فيها ثقبًا، وهي مربط الفرس الملك.

стр. 417

قال: وهي من الأشياء الغريبة التي ليست عند غيره ولا صحت إلا له، وهو يفخر بها. ومن مدن غانة غربيل، وتيرقي (١) وهي مدينة كبيرة، ومراسة، وسمغارة، وجزيرة ونقارة (٢) محيط بها النيل، وطولها ثلاثمائة ميل، وعرضها مائة وخمسون ميلًا، يركبها النيل في زمان زيادته، ويخرج أهلها عنها؛ فإذا نزل الماء عنها رجع أهلها إليها، وبحثوا أرضها، واستخرجوا التبر؛ وسنذكره في مكانه مفصلًا - إن شاء الله تعالى -. وبلاد بغامة (٣) ومن مدنها كوغة (٤)، ولسان أهلها بالبربرية وشربهم من عيون يحفرونها، ولهم بصر ثاقب بالأرض التي في باطنها الماء، ويد طولى في إنباطه. ومدينة كوكو (٥) وهي مشهورة الذكر في بلاد السودان، وهي على نهر يخرج من جهة الشمال فيمر بها، ويقال: إنه مما يمد النيل. قال الشريف (٦): ولملكها بأسٌ وقوة وزي كامل، ولباس عامة أهلها الجلود يسترون بها عوراتهم. قال (٧): وينبت في ارضها عُود الحيَّة ومن خاصته أنه إذا وضع على جحر الحية خرجت إليه مسرعةً، ثم إنَّ ماسك هذا العود يلحقه قوة في نفسه فيأخذ به من الحيات ما شاء من غير أن يدركه شيء من الجزع. ثم قال: والصحيح عند أهل الغرب الأقصى وأهل وارقلان (٨) أنَّ ذلك العود إذا مسكه ماسك بيده أو علّقه في عنقه لم تقربه حيّة البتة. وهذا مشهور، وصفته كصفة العاقر قَرَحًا مفتولًا لكنه أسود اللون. وقال ابن (٩) البيطار فيه: إذا سقي منه نصف درهم شفى من كل سُم حار وبارد يَفعَلُ ذلك وجيًا، وإذا أمسكه أحد بيده لم يعد عليه شيء من الحيات.

стр. 418

قال: وزعم قوم إنَّ من أمسكه بيده إن وقعت عينه على حية أُسبتَتْ ولم تتحرك عن موضعها فإذا مُضغ وتُفل في فم الأفعى ماتت، وسيأتي ذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى -. وبلاد كانم ومن مدنها مدينة جيمي (١) - وهي صغيرة - تجاور النوبة، ومدينة زغاوة (٢) وقاعدتها مدينة قامانان بها مسكن ملكها. وبلاد التاجوين (٣) وهم قوم مجوس لا دين لهم. وبلاد النوبة وقاعدتها دنقلة (٤) ومن مدنها مدينة كوشة (٥)، ومدينة علوة (٦)، ومدينة بلاق (٧). وبلاد البجة، وبلاد الحبشة ومن أكبر مدنها مدينة جنبيشة (٨)؛ وهي مدينة كبيرة متحضرة لكنها في برية بعيدة من العمارات؛ وهي متصلة بالنهر الذي يمد النيل، وهو يشق بلاد الحبشة وعليه مدينة مركطة، ومدينة النجاعة (٩). وزعم الشريف (١٠): أنَّ هذا النهر يمر مغربًا مع الشمال حتى يصل إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل، وعليه تزرع بوادي الحبشة زروعهم. قال الشريف: وقد وَهَمَ أكثر المسافرين في هذا النهر حين قالوا: إنه النيل؛ وذلك لما رأوا مشابهته للنيل في زيادته ونقصه أوقات زيادة النيل ونقصه. وقال: إنَّ هذا ذكره بطليموس الأقلودي في كتابه المسمى بالجغرافيا. ومن مدنها مدينة زالغ (١١)، ومدينة منقونة (١٢)، ومدينة واقنت (١٣) - وأظنها

стр. 419

أوقات _ (١) ومدينة باقطي (٢). قال الشريف: النجاغة في برية، وشرب أهلها من الآبار، وماؤها يجف في أكثر الأوقات حتى لا يوجد (والغالب على أهل هذه البلدة أنهم طلاب) (٣) معادن الذهب والفضة في جبل مورس (٤)؛ ولهذا يقطنها القاطن. قال الشريف وبين هذا المعدن وبين أسوان نحو خمسة عشر يومًا. وبلاد البربرة أعلى صعيد مصر وبه معدن الزمرد. وبلاد اليمن ومن مدنها به مدينة صنعاء (٥)، ومدينة زبيد (٦)، ومدينة المهجم (٧)، ومدينة مرباط (٨)، وأرض حضرموت وشبام (٩) أرض، وتهامة، وبلاد عاد. وبالبحر الهندي من اليمن جزيرة سقطرى (١٠)، وإليها ينسب الصبر السقطري وأهلها يونان، لا يُعرف اليوم يونان على صحة سواهم؛ لأنَّ أرسطو أشار على الإسكندر بإجلاء أهلها وإسكان طائفة من اليونان بها لحفظ الصبر لعظيم منفعته. قال الشريف: وهي محسوبة من اليمن. وأرض الزنج ومن مدنهم مدينة بزونة (١١)، وأهلها كفرة لا يعتقدون شيئًا، ومآكلهم خبيثة كالأحناش والضفادع والفئران والوَرَل وأم حبين وغير ذلك. ومن مدنهم مدينة ملندة (١٢) وأهلها سحرة يصيدون بالسحر، ويسحرون الحيوان الضاري حتى لا يضر إلا من أرادوا ضره؛ والآساد والنمور لا تعدو عليهم لسحرهم، واسم الساحر بلغتهم المقنقا (١٣).

стр. 420

ومن مدنهم منبسة (١) وأهلها يستخرجون الحديد، ولهم كلاب حمر يغلبن السباع ويصيدون النمور، وبها يسكن ملك الزنج. ومدينة البانس (٢) - وهي كالقرية - وأهلها يعبدون الرجيم؛ وهو طبل كبير مجلد من وجه واحد واحد يربطون به شريطًا يَجْذِبونَهُ، فيصوّت صوتًا مائلًا يسمع على نحو ثلاثة أميال. وللعرب في قلوب الزنج مهابة فإذا رأوا اعرابيًا سواء كان تاجرًا أو غيره سجدوا له وسارعوا إلى نجازه وقضاء إربه. وسنذكر (٣) ما وقع من هذا الإقليم من الجزر بالبحر الهندي؛ فمن ذلك ما وقع في القلزم الخارج منه؛ فمن ذلك جزيرة كمران (٤)، وجزيرة دهلك، وجزيرة سواكن. وليس بها مملكة مشهورة ولا متاجر مَذكورة؛ وكل أهلها مسلمون قائمون بالإسلام، ويجلب منها إلى مصر أغنام حسان تقتنى بها للفرجة لا للأكل والنتاج. وكان لدهلك ذكر زمان أبي السداد مالك بن أبي الفياض، وكان يميل إلى الإنشاء والإنشاد وهو الذي قصده الأعزُّ بن قلاقس ومدحه؛ فمن قصيدة مدحه بها (٥): كأنا وأفواه الفجاج تمجنا … إلى مالك من كل أرض مالك هو البحرُ تُستمطى البحار ركائبًا … إليه وتستجرى الرياح السوابك فإن أخي إن حييتُ غرة وجهه … فكم قلت إني دون ذلك هالك إليك رفعنا مُحصنات من الثنا … وكم رجعت حاشاك وهي فوارك

стр. 421

إذا خدمت بالشكر أبواب مالك … شَدَتْ يده إني لمالك مالك وقال في أبيه من أخرى، وقد انتصر على أبي حربة، وهو خارجي خرج عليه، واستنصر بنصارى الحبشة فكسر ابن أبي السداد: [من البسيط] الله أعطاك في أعدائك الظفرا … فلم تبق لهم نابًا ولا ظُفُرا قلدتهم مِنَنا حتى إذا عَجَزَتْ … عنها رقابهم قلّدتهم بترا سروا إليك فلما أصبحوا حَكَمَتْ … بيض الظبا أنَّهم لا يحمدون سُرى جاؤوا صفوف قراع فانتقمت وما … أبر جودك لو جاؤوا ضيوف قرى جعلتهم جزرًا للطير حين أبوا … أن يطلبوا بلسان الطَّاعَةِ الجُزرا يسعى أبو حَرْبةٍ في رتبةٍ مُنعت … فلو أبوا ألف رمح رامَها قهرا وتستخف أمانيه منيته حتى … يروم ثريا الأفق وهو ثرى حتى انتحاه أبو الفياض منتحيًا … كالعَضْبِ مَا مَسَّ مِنْ أطرافِهِ بَتَرا جنى فلما أراه الفتح غائبة … ولى واهدى إليك الرأس مُعتذرا فَلْيَهنكَ الفَتحُ مُخضرًا جوانبه … تكاد تقطف من أنبائه الزهرا سَلِمْتَ إذ سرت بالإسلام معتصمًا … وَجَابَ إِذْ بالنصارى جاء منتصرا وقال فيه من أخرى (١): [من البسيط] وفاض لي من أبي الفياض بحر ندى … أتى سحابًا من المعرُوفِ سَحابا غضنفر لا يزال الماضيان له … إن حادث الدهر نابَ الظُّفْرَ وَالنَّابَا نَهَّابُ أعدائِهِ وَهَابُ أَنعُمِهِ … أحسن بحاليهِ نَهابًا ووهابا أتت إليه بنات الفكر قاصدة … وكم أبت قبل خُطارًا وخطابا توقدتُ فَلَوَ أَنَّ الدَّهْرَ يَنشُدُها … في شهر كانون ظنُّوا آبَ قد آبا وأما سواكن ففيها الشريف زيد بن أبي نمى الأدريسي الحسنى في طاعة صاحب مصر، وسيأتي ذكره هناك. وأما ما وقع في البحر الهندي فسنذكره؛ فمن ذلك جزائر الرانج (٢) يقال: إِنَّ تكسيرها ألف ميل ومائتا ميل ذات زرع خصب وضرع وماء كثير، وبها مغائص اللؤلؤ وأفاويه الطيب، وبها جبل يُسمى ويرة (٣) يأوي إليه عبّادها (٤).

стр. 422

وبلاد سفالة (١) الذهب ومن مدنها مدينة بتهنة (٢) ويتصل بذلك جزر فيها الشجر، وفي البحر المجزرة به يوجد العنبر الكثير الطيب الرائحة. قال الشريف (٣): وقد توجد فيها العنبرة من قنطار وأكثر وأقل. قال: وهي شيء تقذف به عيون في قعر البحر مثل ما تقذف عيون هيت بالنفط فإذا اشتد هيجان الريح رمي به إلى الساحل. قال: وقد وهم فيه بعض الناس حتى ظنّه رجيع دابة، وليس هو إلا ما ذكرناه. وذكر (٤) أنَّ هارون الرشيد بعث قومًا إلى اليمن ليبحثوا على العنبر ما هو على الحقيقة، فأخبر أهل عدن وشومة (٥) إنه شيء تقذف به عيون في قعر البحر، فيسوقه الموج إلى الساحل صغيرًا وكبيرًا. وجزيرتا خرتان ومرتان وبها ينبت اللبان. قال الشريف (٦): وأهلها يتكلمون بألسنة عادية قديمة. ثم جزر الهند وهي ما لا تُحصى كثرة، ومن أجلها سرنديب (٧)، وبه جبل الراهون (٨)، ومن مدنها مرقايا (٩)، وقد زينة (١٠)، وما خولون، وفرسقوري. وأول جزيرة القمر فيما خرج عن خط الاستواء معظمهما وبه مدنها وأنهارها.

стр. 423

وجزيرة الرامي (١) وطولها فيما يذكر سبعمائة فرسخ، وبها زروع ومعادن وطيب، وبها الكركدن؛ وهو دون الفيل وفوق الجاموس في عنقه عوج كعنق الجمل لكنه بخلاف اعوجاج الجمل ورأسه فيما يلي يديه، وله قرن في وسط جبهته، وفيما يذكر له أنه يوجد في بعض هذه القرون إذا شُقت صورة إنسان أو صورة طائر أو غيره من الصور التي توجد فيه من أوله إلى آخره، ويصنع منه نصب سكاكين الموائد فإذا وضع الطعام وكان به سمّ عرق ذلك النصاب، فعلم أن ذلك الطعام مسموم. قال الشريف (٢): وجزيرة الزامي طيبة الرُّبى، مُعتدلة الهواء، عذبة الماء، فيها عدة بلاد وقرى ومعاقل. وجزيرة كولي (٣)، وجزيرة الديبل (٤) - ومدينتها بشكار (٥) وجزيرة مايط (٦) وجزيرة تنومة (٧)، وجزيرة سلاهط (٨)، وجزيرتا قمار (٩) وكلاهما به منابت العود، وأغلاهما قيمة الصنفي. وأما قمار فمملكة جليلة تعد في الممالك الكبار، وجزيرة سبومة (١٠) وبها زروع وحبوب عظيمة، وأنوع من الطيور المأكولة التي لا توجد بالهند إلا فيها. وجزيرة عاشوراء (١١) المقابلة للوقين (١٢) فرضة الصين إلى الهند، وجزائر السيلا والسيلان (١٣)، ويقال: من دخل السيلا استوطنها ولم يُرد الخروج منها لطيب ثراها

стр. 424

وكثرة خيراتها، وبها معادن الذهب التي لا توجد في مكان أكثر مما هي به. قال الشريف (١): حتى يتخذ أهلها منه سلاسل كلابهم وأطواق قردوهم. قلت: وقد ذكر كربيبرس الدوادار المنصوري في تاريخه المسمى «زبدة الفكرة» أنه وصل في سنة اثنتين وثمانين وستمائة رسول بونكيا - صاحب سيلان - إلى الباب المنصوري قلاوون - واسمه الحاج «سابور عثمان» - بكتاب منه في حق ذهب لم يوجد من يقرأه؛ وإنّما أخبر الرسول محضره أنه يتضمن طلب المودة، وأنه يجهز كل سنة عشرين مركبًا هدايا. وقال: إنَّ له سبعة وعشرين قلعة خزائنها مملوءة جواهر وياقوت والمغاصات عنده، وكلّما يحصل منها فهو له؛ هذا ملخص ما ذكره. ثم جزائر الواق واق (٢) ودونها ينعطف البحر فتحاذي الصين، ويكون البحر هناك أصعب ما يكون، ثم تقع به جزيرة الموجة (٣) - أم جزائر الصين - وأهلها بيض ونساؤهم أجل نساء الأمم ذوات شعور طوال، وبها خيل كثيرة يقاتلون عليها من عاداهم، ويوجد عندهم دابة المسك، ودابة الزباد، وتنتهي هناك إلى البحر المحيط. ويقع فيما يحاذيه من بر الصين مما هو في الإقليم الأول مدينة خانفو (٤)، ومدينة كوابلة (٥)، ومدينة شغلا، ومدينة مانطو. ثم جزائر الخالدات بالبحر المحيط، وبه تم الإقليم الأول، ولله الحمد والمنة.

стр. 425

وهذه صورة الإقليم الثاني: وهو الآخذ مع الإقليم الأول على شماليه من البحر المحيط بأقصى الغرب إلى البحر المحيط بأقصى الشرق.
следующие страницы →