← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

رُضَّ بالحجر، وتصرَّف ليته صرف، وجهل أمره وليته عرف، وكمن كمون الأرقم، وسقى الناس من كأسه العلقم، وحمله تحامله على أهل السابقة الأولى على قطع شجرة الإسلام، وقلع مدن دار السلام، إذ كان في أهل من كبراء الدولة من يقف في طريق رفضه ويرد عن كل ما ردّه السيء أو بعضه، وهو يأبى إلا أن يزيد في غُلُوّه، ليُبدل الإسلام كفرًا، وأخذ في ممالأة التتار، وموالاة ما يعجل الدمار، حتى كانت تلك الكتابة التي هي في صحيفة عمله، وجرَّ تلك البلية بحبل حيله، وجلب تلك الرزايا، وصب تلك البلايا، وفعل في أكثر الدنيا ما لم يفعل بختنصر في البيت المقدس، ولا الضحاك بن الهراسب حين يمجس، وكلف أمة محمد ﷺ ما لم يكلفه فرعون لبني إسرائيل، ولا سامه أهل مكة إبرهة عام الفيل، فإنه لم يكن يقيم بلية مثل بليته، ولا عرفت في قضايا الأيام مثل قضيته، فكم من نفوس ذهبت، ونفائس نُهِبَتْ، ونعم أجفيت، وحُرَمٌ سبيت، وأبكار افتُضَّتْ، وأموال من الذهب ذهبت ومن الفضة فُضَّتْ، ونجوم من القصور أهويت، وأبنية نقضت وأفنية مع سكانها مضت، حتى بكت عروس الخلافة، وذهبت بقايا أهل الرحمة والرأفة. كل هذا بسوء فعل هذا المجرم والكافر.

стр. 3607

المقرّ بالشَّهادة، كأنه مسلم، وزير التدمير لا التدبير، وعون إبليس في التعكيس، وما … من الخطر وكان فيه على الإبر، وسلط فيه عقاربه الضارية، وبثَّ إليه مصائبه السارية، وما جرأه عليه إقدامه من سفك الدماء المحرَّمة، وجناه على كل مسلم ومسلمة، وتهوّر فيه تهور من لا تعاوده الندامة، وتصور أنه إذا بات لا يبعث يوم القيامة، وهو آخر وزراء القوم، ومن أرّخ عليه اللعنة إلى اليوم. ولي وزارة المستعصم بعد ابن الناقد في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وكان فاضلًا، رئيسًا، عالي الهمَّة، مغاليًا في التشيُّع، وذلك الذي حمله على فعل ما فعل، فإنه حصل بينه وبين الدَّوادار شحناء بسبب المذاهب، لأنَّ الدَّوادار كان مغاليًا في السنَّة، وعضده بعض أولاد الخليفة، فحصل عن ابن العلقمي الوزير الضغن، ما حمله على السعي في دمار الإسلام، ولم يُراقب الله تعالى، وانضم إلى هذا ركون الخليفة له، وعدم تيقظه، فتمَّ للوزير مراده. ثم ندم على فعله، لأنه كان قد تقرر بينه وبين هولاكو؛ لأن هولاكو إذا ملك العراق … فيه، ويقتل الخليفة وحاشيته … لا غير، فلما جرى ما هو مشهور عومل الوزير، بأنواع الهوان من صغار التتر، فضلًا عن الكبار منهم. حكى أنه كان قاعدًا في الديوان لتنفيذ الأشغال، فدخل بعض من لا يوبه إليه من التتار راكبًا فرسه إلى أن وقف بفرسه على البساط الذي الوزير عليه جالس، وخاطبه بما يريد، واتفق أن بال الفرس على البساط فصاب رشاش البول ثياب الوزير. وكان مع هذا الهوان يظهر قوة النفس، لكونه بلغ مقصوده ممن أراد. وحكى بعض البغاددة، قال له: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه حمية للشيعة، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب الفواحش من ألوف من نسائهم، وافتضت الأبكار من بنات الشرفاء مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فضلًا عن غيرهم. فقال: بعد أن قتل الدوادار، ومن كان على رأي مثله، لا مبالاة بذلك. ولم يظل مدة بعد واقعة بغداد، وقدم على قدم، وكانت له يد في صناعة الإنشاء، حكى ابن الأثير: إنه أول ما كان كاتبًا للإنشاء، ثم استنيب في الوزارة، ثم وزر للمستعصم، وبعث المستعصم إليه بشدَّة أقلام، قيل: فكتب إليه: قبل المملوك الأرض شكرًا للأنعام بأقلام قلمت عنه أظفار الحدثان، وقامت له حرب صرف الزمان مقام عواسل المران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات السبق يوم رهانها، فيا الله كم … ذمام عقدها، وكم بحر سعادة أصبح في مدادها ومدَّها، وكم مناد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فُلَّتْ مضاربها بمرهفاتها، والله ينهض

стр. 3608

المملوك بفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر ما أولاه من جميل رأيه، وجزيل حبائه: [من البسيط] خَوَّلَتَنِي نِعَمًا كَادَتْ تُعِيْدُ لَنَا … عصرَ الشَّبَابِ وتُدْنِي مِنْه أَيَّامَا تُعْطِي الأَقَالِيمَ مَنْ لَمْ يُبْدِ مَسْأَلَةٌ … يومًا فَلا عَجَبٌ أن يُعْطَ أقلاما إِذَا نُسِبْنَ إلى خَطَّ فَإِنَّ لَهَا … سنّى إِذا عَمِلَتْهُ يَحْزِقُ الهَامَا بالحَمْدِ والشَّكْرِ أُجرِيها لِدَوْلَتِكُمْ … فَالرَّأيُ يَحْصُدُ مِنْ أَعْدَائِهَا الهَامَا وكتب إلى التاج محمد بن الصلايا العلوي، يخدمه بدعاء ليلي، وثناء عطر مندلي، وينهي أنه خدم بها من النيل إلى سامي مجدك الأثيل، ومحل سوقه يغني عن التفصيل، وإبان شدَّة القرم إلى شريف تلك الشّيم، ويعرض بعد الدعاء لأيامه، لا أخلى الله من إنعامه، وقد نهب الكرخ المكرم، وديس البساط النبوي المعظم، وقد نهبوا العترة العلوية، واستأسروا العصابة الهاشمية، وقد حسن التمثل بقول شاعر من غيره: [من الوافر] أُمورٌ تَضْحَكُ السُّفهاء منها … ويَبْكِي من عواقبها اللَّبِيبُ فلهم أسوة بالحسين حيث نهب حرمه، وأريق دمه، ولم يعثر فمه. أَمَرْتُهُمُ أمري بِمُنْعَرَج اللوى … فَلَمْ يَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الغَدِ وقد عزموا -لا أتم الله- عزمهم، ولا أنفذ أمرهم - على نهب الحلة والنيل، بل سولت لهم أنفسهم أمرًا فصبر جميل، وينهي أن الخادم أسلف لهم الإنذار، وعجل لهم الإعذار وخاطبهم إسرارًا، وراسلهم جهارًا: [من الوافر] أرى تحت الرماد وميض نارٍ … ويوشِكُ أَنْ يكونَ لها ضَرَامُ وإن لم يُطْفِهَا عُقلاء قومٍ … يكونُ وَقُودُهَا جُثَتْ وَهَامُ فقلتُ من التعجبِ لَيْتَ شِعْرِي … أَيَقْظأنْ أُمَيَّةُ أم يَنامُ وكان جوابي بعد خطابي: لا بد من الشنيعة، ومن قتل جميع الشيعة، ومن إحراق كتابي الوسيلة والذريعة. وكن لما نقول سميعًا ولما نأمر مطيعًا، وإلا جُرّعنا الحمام تجريعًا، بكلامك كلام، ولسلوتك سلام، ولنتركن في بغداد أجمل من الحناء عند الأضلع، والخاتم عند الأقطع، ولتنبذنّ نبذ الفلاسفة محذورات الشرائع، وتلقى إلقاء أهل القرى أسرار الطبائع، فلأفعلن بك كما قال المتنبي: [من البسيط] قَوْمٌ إِذا أَخَذُوا الأقلامَ عَنْ غَضَبٍ … ثُمَّ استَهَدُّوا بِها ما بالمنيَّاتِ نالُوا بِها مِنْ أَعَادِيهِمْ وَإِنْ بَعُدُوا … مَا لا يُنَالُ بِجَدِّ المَشْرِفِيَّاتِ

стр. 3609

﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١): [من الكامل] وَوَدِيْعَةٍ مِنْ آلِ بيتِ مُحَمَّدٍ … أَوْدِعْتَها إِذْ كُنْتُ مِنْ أُمنائها فإذا رأيتَ الكوكبين تَقَاربًَا … فالجَدْيُ عِنْدَ صَبَاحِهَا وَمَسَائِهَا فَهُنَاكَ يُؤخَذُ ثَارُ آلِ مُحَمَّدٍ … بِطلابها بالتُركِ مِنْ أعدائها وكن لهذا الأمر بالمرصاد، وترقب أول النحل وآخر صاد، والمساعدة بالدعاء والخير يكون إن شاء الله تعالى. ومن شعره قوله: [من الكامل] مَنْ لَمْ يَرَ الوَجناتِ أَوَّلَ نَظْرَةٍ … والكأس مُتْرَعةٌ بِكَفِّ الساقي وَتَغازُل الألحَاظِ عِنْدَ فُتُورِها … لَمْ يَدْرِ كيفَ مَصَارِعُ العُشَّاقِ وقوله: [من السريع] قدْ عُقْرِبَتْ صُدْغَاهُ واسْتُجْمِعَتْ … عَسَاكِرُ النَّمْلِ عَلَى الأَشْنَبِ فقد الحاجب للعارِض … أن يكتب الأسود في الأشهب يا أمراء الحُسْنِ لا تَرْكَبُوا … فالقَمَرُ الأرضي في عَقْرَبِ وتوفي يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وستمائة (٢). فمنهم: [٥٩] أبو سعيد [ميمون] عبد الواحد بن علي بن ماكولا كان له أدب كأنما فتق عنه الكمام، أو مُجَّ الندى عليه الغمام، ولم يزل عقده وثيق السبب، وعهده وريق الجنى، كأنما صُبَّ عليه الغيث من صَبَب. وزر لجلال الدولة أبي طاهر بن بويه، وهو من بيت كتابة، وفضيلة، وأدب، ومجد، وسؤدد، وعلو رتب.

стр. 3610

وكان أبو سعيد عارضًا لعضد الدولة في ديوان جيشه، ثم نقم عليه جلال الدولة، وقبض عليه، وأخذ له ثلاثمائة ألف دينار عينًا غير الخيل، والقماش، وسائر العروض. وتوفي في ذي القعدة سنة عشر وثلاثمائة. ومن شعره قوله: [من الطويل] وإنَّ لِقاءَ الشُّجَاعِ لَهَيِّنٌ … وَلكِنْ جَمِيلُ الضَّيْمِ مِنْهُ شَدِيدُ إِذا كَانَ قَلْبُ القِرْنِ يَنْبُو عَنِ الوَغَى … فَإِنَّ جَنَانِي جَلْمَدٌ وشَدِيدُ ومنهم: [٦٠] ابن العميد أبو الفضل، محمد بن أبي عبد الله الحسين بن محمد الكاتب (١) ولي الوزارة وشرفها في أمورها، وصرفها، وساد الكبراء، وسام درر الكواكب يبغي السراء، وترك سعي الربح وراءه خافقًا … الغمام خلفه دافقًا، حتى حط بالسماء، رجل رحلته رجل داره البدر، وداس بحوافر خيله على ساحته. وكان أبوه عميد خراسان … ما سن فيها من إحسان، صدرًا من صدورها، وبدرًا من بدورها.

стр. 3611

ثم كان ابنه مطر قحوطها، ووطر شروطها، وعماد دولها، وعتاد دخولها، لا تصدأ أوامر الملوك إلا تابعه لآرائه، رابعة على خطر آيه، تناضل بسهامه، وتناصح بسهامه، وتدخر منه للنوائب فراجًا للكرب، وولاجًا على الأدب، ومجليًا للغماء، ومجليًا بالنعماء، وكان رحيب الفناء، قريب الغناء، مُدْنِيًا للمنى، ومحبًا للغنى، لا يستأذن على ماله … بآماله، وكانت كوكب السابع، وخاطر أحفظ من الوعاء الصحيح، ختم عليه بالطابع. قال ابن خلكان (١): نعت والده بالعميد، على عادة أهل خراسان في مجرى التعظيم، وكان فيه أدب. وكان ولده أبو الفضل هذا وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه. وزر له بعد وفاة الوزير أبي علي التميمي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وكان متوسعًا في علوم الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسل، فلم يقاربه أحد في زمانه، وكان يسمى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرئاسة جليل المقدار. وقال الثعالبي: كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. ولما رجع الصاحب بن عباد من بغداد، قال له ابن العميد: كيف وجدت بغداد؟ قال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، وكان يقال له: الأستاذ. وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة، ومدحوه بأحسن المدائح، وورد عليه أبو الطيب المتنبي أرجان بقصائد وإحداها التي أولها: بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصْبِرَا … وَيُكَاكَ إِنْ لَمْ يَجْرِ دَمْعُكَ أَوْ جَرَى فأعطاه ثلاثة آلاف دينار. وورد عليه أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي الذي امتدحه بقصيدة أولها: بَرُحُ اشتياق وادكار … ولهيب أناس حِرَارُ فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس، وهو حافل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان فوقف بين يديه، وأشار

стр. 3612

بيده إليه، وقال: أيها الرئيس إني لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق انتظارًا لصلتك، والله ما بي من الحرمان، ولكن شماتة الأعداء، قوم نصحوني فاغتششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم، وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم، إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم سنامًا، وأنورهم شعاعًا، وأشرفهم بقاعًا. فحار ابن العميد وشُدِه، ولم يدر ما يقول، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه، وقال: يا هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه. فقال ابن نباتة: أيها الرئيس هذه نفثة صدرٍ دَوِيَ منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني إذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله تعالى، ولقد نافرت ابن العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قرى عائم ولجاج قائم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينقض مرّة الحليم، ويبدد شمل الصبر، هذا وما استقامتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول، ولا سألتك مدحي، ولا كلفتك تقريضي. فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء والحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال، ولم تدعني بلسان المقال. فثار ابن العميد مغضبًا، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن العميد ابن نباتة، وهو في صحن الدار مارًا يقول: والله إنّ سفّ التراب، والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهينًا له، ومشتريه مماكسًا فيه، فلما سكن غضب ابن العميد، وثاب إليه حلمه التمسه من الغد، ليعتذر إليه، ويزيل آثار ما كان فيه، فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها، وكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات في صفر، وقيل في المحرم بالري، وقيل ببغداد سنة ستين. وذكر أبو الحسن الصابي أنه توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.

стр. 3613

وكان أبو الفرج حمد بن محمد الكاتب مكينًا عند مخدومه ركن الدولة، وله الرتبة العالية لديه، وكان ابن العميد لا يوفيه حقه من الإكرام، فعاتبه، فلم يفد، وكتب إليه: [من السريع] مالَكَ مَوْفُورٌ فَمَا بالُه … أَكْسَبَكَ التِّيهَ على المُعْدِمِ وَلِمْ إذا جِئْتَ نَهَضْنا وَإِنْ … جِئنا تَطَاوَلْتَ [وَلَمْ] تتمم إِنْ كُنْتَ ذَا علم فَمَنْ ذَا الَّذِي … مِثْلَ الَّذِي تَعْلَمُ لِمْ يَعْلَمِ وَلَسْتَ فِي المعاير في دَوْلَةٍ … ونَحْنُ مِنْ دُونِكَ في المقسم وَقَدْ وَلِيْنَا وَعُزِلْنَا كَمَا … أَنْتَ فَلِمْ نَصْغُرَ وَلَمْ نَعْظُمَ تَكَافَأتْ أحوالنا كُلُّها … فَصِلْ على الأطرافِ أَوْ فَاصْرِمِ وللصاحب بن عباد فيه مدائح كثيرة، وكان ابن العميد قد قدم مرةً إلى أصبهان والصاحب بها فكتب إليه: [من مجزوء الكامل] قالُوا: رَبِيعَكَ قَدْ قَدِمْ … قُلتُ: البِشَارَةَ أَنْ سَلمْ هذا الربيع أخو الثَّنا … أم الرَّبِيع أخُو الكرم قالُوا: الَّذي لَيْسُوا لَهُ … أمنَ المُقِلَّ مِنَ العَدَم قُلْتُ: الرَّئيس ابنُ العَمِيـ … ـــدِ إذًا، فَقَالُوا لِي: نَعَمْ وكان ابن العميد كثير الإعجاب بقول بعضهم: [من الطويل] وَجَاءَتْ إِلَى سِتْرٍ على البابِ بَيْنَنا … نَخَافُ وَقَدْ نَامَتْ عليه الولائد لتَسْمَعَ شِعْرِي، وَهُوَ يَقْرَعُ قَلْبَهَا … بِوَحْيِ تُؤدِّيْهِ إِليَّ القَصَائِدُ إذا سَمِعَتْ مَعنَى لَطِيفًَا تَنَفَّسَتْ … لَهُ نَفَسًَا يَنْقَدُّ مِنْهُ القَلائِدُ ولابن العميد شعر منه قوله: رأيت في الوجه طاقة … سوداء عيني بحبها رؤيتها فقلتُ: لبيض … بالله … إلا رحمت وحدتها فقلت: لست السواد يكون … فيه البيضاء ضرتها ومنه قوله: [من مجزوء الكامل] آخ الرِّجَالَ مِنَ الأَبَا … عِدِ والأقارب لا تُقَارِب إِنَّ الأقارب كالعقا … رِبِ بلْ أَضَرُّ مِنَ العَقَارِب ومنه قوله: [من البسيط] لَو كُنْتُ أَمْلِكُ قَلْبِي كُنْتُ أَعْذِلُهُ … أَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ رُوْحِي كُنْتُ أَنْهَاهَا

стр. 3614

أَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ مِنْ عَيْنَيَّ دَمْعَهُمَا … لَمَا بَكَيْتُ بِهَا مَنْ لَيْسَ يَهْوَاهَا وقوله وقد قدمت إليه أترجة: [من الطويل] وأَتْرُجَّةٍ فِيها طَبَائِعُ أَرْبَعٌ … وللشَّرْبِ في حَالَاتِهَا لِلْهَوَى جَمْعُ وما اصفر منها اللُّونُ لِلْحُبِّ وَالنَّوَى … وَلَكِنْ أَرَاهَا لِلْمُحِبِّيْنَ تَجْزَعُ وحكي أن الصاحب بن عباد عبر على باب دار ابن العميد بعد وفاته، فلم ير هناك أحدًا بعد أن كان الدهليز يغص بالزحام فأنشد: [من الخفيف] أيُّها الرَّبِيعُ لِمْ عَلاكَ اكْتِتَابُ … أَيْنَ دارُ الحِجَابِ والحُجَّابُ أيْنَ مَنْ كَانَ يَفْزَعُ الدَّهْرُ مِنْهُ … فَهُوَ اليَوْمَ في التُّرَابِ تُرَابُ ولما مات رتب مخدومه ركن الدولة ولده [ذا] الكفايتين أبا الفتح عليًا مكانه في دست الوزارة. وكان جليلًا، نبيلًا، سريًا، ذا فضائل، وهو الذي كتب إليه المتنبي الأبيات الخمسة الدالية، وهي: (١) [بِكُتب الأَنَامِ كِتَابٌ وَرَدْ … فَدَتْ يَدَ كاتبِهِ كُلُّ يَدْ يُعَبِّرُ عَمَّا لَهُ عِنْدَنَا، … وَيَذْكُرُ مِنْ شَوْقِهِ مَا نَجِدْ فَأَخْرَقَ رَأْيَهُ ما رَأَى … وَأَبْرَقَ ناقدَهُ ما انتَقَدْ إِذَا سَمِعَ النَّاسُ أَلْفَاظَهُ … خُلِقْنَ لَهُ في القُلُوبِ الحَسَد فَقُلْتُ، وَقَدْ فَرَسَ النَّاطِقِينَ … كَذَا يَفْعَلُ الأسَدُ ابنُ الأَسَد] وذكر الثعالبي أن أباه كان قد بالغ في تهذيبه وتأديبه، وجعل عليه عيونًا، لينظر ما يصدر عنه فأعلمه أنه استدعى شرابًا من صديق له ليلة أنس، فوجه إلى ذلك الشخص، واستدعى الرقعة التي كتب فيها، فوجد فيها: قد اغتنمت الليلة - أطال الله بقاءك - رَقْدَةً من عين الدهر، وانتهزت فرصة من فرص العمر، وانتظمتُ مع أصحابي في سلك الثريا، فان لم تحفظ علينا النظام بإهداء المدام، [وعُدنا كبنات نعش]، فاستطار أبوه فرحًا وإعجابًا بهذه الرقعة، وقال: الآن ظهر أثر براعته، ووثقت بجريه في طريقي، ووقع له بألفي دينار. ولم يزل أبو الفتح في وزارة ركن الدولة إلى أن توفي، وقام بالأمر بعده ولده مؤيد الدولة، فاستوزره أيضًا عليه فظهر له منه الشكر … وقبض عليه سنة ست وستين وثلاثمائة.

стр. 3615

قال الثعالبي: ماله وقطع في العقوبة أنفه وجر لحيته، وقيل قطع يديه، فلما آيس من نفسه … فتق جيب جُبَّة كانت عليه، واستخرج رقعة فيها يذكر بجميع ما كان له ولوالده من الذخائر والدفاتر وألقاها في النار، فلما احترقت، قال للموكل به: إفعل ما أمرت به، فوالله لا يصل إلى صاحبك من أموالنا درهم واحد، فما زال يعرضه على العذاب حتى تلف، وكان القبض عليه في ربيع الآخر سنة ست وستين وثلاثمائة. وفيه يقول بعض أصحابه: [من الكامل] آل العميد وآلَ بَرْمَكَ ما لَكُمْ … قَلَّ المُعِيْنُ لَكُمْ وَذَلَّ النَّاصِرُ كانَ الزَّمانُ يُحِبُّكُمْ فَبَدَا لَهُ … أنَّ الزَمَانَ هُو المخُوفُ الغَادِرِ وكان أبو الفتح المذكور قبل أن يقتل بمدة قد لهج بإنشاد هذين البيتين وهما: دَخَلَ الدُّنْيَا أُنَاسٌ قَبْلَنَا … رَحَلُوا مِنْهَا وَخَلُّوهَا لَنَا وَنَزَلْنَاها كَمَا قَدْ نَزَلُوا … وَنُخَلِيْهَا لِقَوْمٍ بَعْدَنَا وتولى بعده الصاحب بن عباد. ومنهم: [٦١] الصاحب بن عباد (١) صحب ابن العميد فسمي الصَّاحب ومشى على طريقه اللاحب، وكان ينتحل طريقته، ويتمحل خليقته، نشأ في نعمائه، وكلًا بنظره شرح سمائه، حتى تكيف بخلائقه، وتحيف أكثر حقائقه، وأشرقت عليه سماؤه، وصدمت أسماؤه وحذا حذوه، وجرى وراءه، وما لحق منه خطوة، إذ كان يفرط به الإعجاب ويسقط بإذنه وفور

стр. 3616

الحجاب، فإنه كان لا يكثر الجلوس، ولا يكثر أن يدير له الشموس. هذا على أنه من نبلاء الوزراء وفضلاء الكبراء في صدر الدست إذا جلس، وعلى رأس الجوزاء إذا لمس يغضي له السيف حياء، ويخور الرمح إعياء ويقتص على البحر آثاره، ويفضل على الزمان آناءه، ويعقد به الأهوية، وتطمح مكارمه في اليسر به، وتهرع الخلائق إليه. كان كل أيامه يوم التروية، وله من العلم طراز مرقوم العلم، مركوم السحاب أبان العدم، فلم ينقص له من علم من فضل نصيب موفور، ولا حظ صنيع، الأيام فيه غير مكفور، إلا أنه مال إلى أهل الاعتزال، وبان على الاعتدال، ومال على اعتقاده الصحيح، وأدخل عليه الاعتدال، وكان غير وقور، ولا يربأ أحيانًا أن يكون غير عقور، كان كثيرًا ما يحرك رأسه وكتفيه، ويعجب بأكثر مما لديه فطاشت كفة ميزانه، وعرفت خفة أوزانه، ونسب في عقله إلى اختلال، وفي أدبه ال الإخلال، وأصبح يحلّق إلى مرمى ابن العميد، فيقع، ويستسقي نسور شربه. ولما توفي مؤيد الدولة بجرجان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، ولي بعده فخر الدولة أبو الحسن، فأقرَّه على الوزارة، وبالغ في تعظيمه. وكان عالمًا بفنون كثيرة من العلم، لم ير أنه في ذلك أنه وزير، وكان أفضل وزراء الدولة الديلمية، وأغزرهم علمًا، وأوسعهم أدبًا، وأوفرهم محاسن. وكان فصيحًا مفوّهًا، لكنه يتقعر في خطابه، ويستعمل وحشي اللغة حتى [في]

стр. 3617

انبساطه، وكان يعيب التيه ويتيه، ولا ينصف من ناظره. وقيل: كان مشوَّه الصورة، وصنَّف في اللغة كتابًا سماه ء «المحيط» في سبع مجلدات، وله كتاب «الكافي»، وكتاب «الأعياد»، وكتاب «الإمامة» ذكر فيه فضائل علي، وثبت إمامة من تقدَّمه، وكتاب «الوزراء»، وكتاب «الكشف عن مساوئ شعر المتنبي»، وكتاب «أسماء الله وصفاته». وكان شيعيًا جلدًا، كآل بويه، معتزليًا، ولم يُنقل عنه سب، وله شعر مدون، ومن بديع نظمه قوله: [من الوافر] تَبَسَّمَ إِذْ تَبَسَّمَ عَنْ أَفَاحٍ … وأَسْفَرَ حِيْنَ أَسْفَرَ عَنْ صَبَاحٍ وأحسي بكأس من نصاب … وكأس مِنْ جَنَى وَرْدٍ وَرَاحِ لَهُ وَجْهٌ يدل على تمر حنه … فيسْكُرُ كلُّ صباح صاحي حبيبك والمقلَّدُ والثَّنايا … صَبَاحٌ في صَبَاحٍ في صَبَاحِ وقوله: [من المنسرح] الحُبُّ سُكْرٌ خُمارُهُ التَّلَفُ … يحسنُ فيه النُّبُولُ والتَّلَفُ عَابُوهُ اذ زَادَ في تَصَلُّفِهِ … والحُسْنُ ثوب طرازُهُ الصَّلَفُ وقوله: [من الكامل] قَامَتْ تُظَلِّلُني مِنَ الشَّمْسِ … نَفْسٌ عَلَيَّ أَعَزُّ مِنْ نَفْسِي قَامَتْ تُظَلِّلُني ولا عَجَب … شمس تُظَلِّلُني مِنَ الشَّمْسِ وقوله: [من الكامل] رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَقَتِ الخَمْرُ … وشَابَهَا فَتَشَاكَلَ الأَمْرُ وَكَأَنَّهَا خَمْرٌ وَلا قَدَحٌ … وَكَأَنَّهُ قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ وعنوان نثره قوله: «وأما هذا الفتح فأوصافه لا تدرك بالعبارات آثار المهدي بعد الظلام، وتأهب بأيامه الأيام، فاعتذر الدهر الخؤون من نوائبه، واسترجع الدين ضالته به، فتباشرت بورود أخباره المنابر، وشهدت بفضله البواتر ووفت فيه الخيل معتقدة الضمان، وناب الخوف به عن ملاقاة الأقران، وجاء والحمد لله بادرة في الزمان». وقوله: نحن سيدي في مجلس غني إلا عنك، … شاكر إلا منك، قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت في خدوده البنفسج، وزاحت مجامر الأترج، وفتقت فارات

стр. 3618

النارنج، وانطلقت ألسُنُ العيدان، وقامت خطباء الأوتار، ونفق سوق الأنس، وقام منادي الطرب، وامتد سماء الند … إلا ما حضرت فقد أبت راح مجلسنا أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه، لا يطيب حتى تعيه أذناك، فخدود نارنجه قد احمرت خجلًا لإبطائك، وعيون نرجسه قد حَدَّقَتْ تأميلًا للقيائك». وكان الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين قصد ابن عبّاد وأزاله عن الوزارة، ثم نصر عليه، فذكر التنوخي في كتاب «الفرج بعد الشدَّة»، أنَّ أبا الفتح هيأ مجلسًا عظيمًا بآلات الذهب والفضة والمغاني والفواكه، وشرب بقية يومه، وعامة ليله، ثم عمل شعرًا وغنى به يقول فيه: [من المتقارب] إذا بلغ المر آمالَهُ … فليسَ لِما بَعْدَها مُنْتَزَحْ وكان هذا بعد تدبيره على الصاحب، حتى أبعده عن مؤيد الدولة، وسيره إلى أصبهان وانفرد بالدست، ثم طرب بالشعر، وشرب إلى أن سكر، وقال: مطوا المجلس لأصطبح عليه غدًا، وقال لندمائه باكروني، ثم نام، فدعاه مؤيد الدولة في السحر، فقبض عليه، وأخذ ما يملكه، ومات في النكبة. ثم عاد الصاحب إلى الوزارة، وبقي فيها ثمانية عشر عامًا، وفتح خمسين قلعة، وسلمها إلى فخر الدولة، لم يجتمع منها عشرة لأبيه. وفيه يقول أبو سعيد الرستمي: [من الكامل] وَرِثَ الوزارة كابرًا عن كابرٍ … مَوْصُوْلَةَ الإسناد بالإسنادِ يروي عن العبَّاسِ عَبَّادٌ وزا … رَتَهُ وإسْمَاعِيلُ عن عبَّادِ وكان الصاحب محبًا للعلماء، وكان ينفذ في السنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق على الفقراء والأدباء، وكان يبغض من يميل إلى الفلسفة. وقيل إن نوح بن منصور الساماني كتب إليه يستدعيه ليفوض إليه وزارته، فاعتل بأنه يحتاج لنقل كتبه خاصة أربعمائة حمل، فما الظن بما يليه من التجمل. وعقد مجلسًا للإملاء بعدما تاب إلى الله تعالى، واتخذ لنفسه بيتًا سماه بيت التّوبة، ولبث أسبوعًا على الخير، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، وخرج متحنّكًا متطلسًا بزي العلماء، وحضر خلق، وكان المستملي الواحد يقوم بالإملاء حتى انضاف إليه ستة، كل مبلغ صاحبه فكان الأول ابن الزعفراني الحنفي. ومرض الصاحب بالأهواز بالإسهال، كان إذا قام عن الطست، ترك إلى جانبه عشرة دنانير حتى لا يتبرم أحد من الخدم. فكانوا يودون دوام علته. ولما عوفي تصدق

стр. 3619

بنحو من خمسين ألف دينار. وكانت وفاته بالري ليلة الجمعة في صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ونقل إلى أصبهان، ودفن في باب درمة، وأغلقت مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره، وحضر مخدومه، وسائر الأمراء، وغيروا لباسهم، ولما خرج صاح الناس صيحة واحدة، وقبلوا الأرض، ومشى مخدومه فخر الدولة أمام نعشه، وقعد للعزاء. ومنهم: [٦٢] الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي الأزدي (١) من ولد المهلب بن أبي صفرة، وممن وجد الكرم من مواريث تلك الأسرة. وزر لمعز الدولة بن بويه بعد ضائقة علت بإكفاف يديه، وملت بها نفسه، وهي أحب ما إليه، وقرت بها أيامه ضياعًا، وهي محسوبة عليه. وكان قد سافر أيام إملاقه سفرة احتاج فيها إلى نفاضة المزاود، واحتال في قطع أميالها، وهي أبكى في عينيه من حمى المراود، وقَرِمَ يومًا إلى اللحم، فلم يجد درهمًا يشتري ما يسد شبعه، ويشدّ ما وهن من القوة أن يتماسك معه، فاشترى له رفيق كان معه لحمًا بدرهم، ثم قربه إليه، فأكل منه حتى قضى نهمته، وأرضى شهوته البشرية لا، … وكان قد قال في ذلك الحال:

стр. 3620

ألا موت يُباع فأشتريه … فهذَا العَيْشُ ما لا خَيْرَ فِيْهِ أذَا أَبْصَرْتُ قبرًا من بعيدٍ … وَدِدْتُ لَوَ أَنَّنِي مِمَّا يَلِيْهِ ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حرّ … تصدَّقَ بالوفاة على أخيه ثم جاء سنته المخاض، ولا عاجل سنته من غيره الكرى لانتهاض، حتى وزر لمعز الدولة وقهر بعزّ الصولة، وبلغ ما خيار إليه صاحبه انفق عليه فأتاه قاصدًا، وتقصد أو توصل إليه، حتى وقف ناشدًا ومنشدًا: ألا قُلْ لِلوَزِيرِ -فدته نفسي- … مقال مذكّر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضنك عيش … ألا مَوتُ يُباع فأشتريه فلما نظر في رقعته تذكره، وقصت عينه أثره، وأقبل على شأنه، وقضى دينه بإحسانه، وهم الكرام كالشجرة الطيبة إذا نما فرعها، واستطال رعى للأرض حق … فاكتنفها من الهجير بظلال، وأمر له بسبع مائة درهم دارًا بما اتبعها عنه اللهم. ووقع على رقعته … ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ويوفي السبعة من الأعداء لهذا الاستشهاد. ثم دعا به، فأفاض عليه خلعًا، وقلّده عملًا متسعًا، وكان معه كنزيل آبائه المهالبة الأول، أو كالشمس نادت الربيع لما نالت الحمل. وكان هذا الوزير - على استغراق وقته في التدبير - له صدر يسع من الإحسان ما يقصر عنه المزن، ويضيق الزمان ويد تفل … . وتكف الظلم وعدوله غاية في الأدب تفوت، ونهاية الكمال إلا أنه يموت، لقلبه إلى أهل الفضل روع، ولخاطره بالندى والبيان ولوع، أنساس قلب عطارد، أو تكلم فكأنه يطارد … على قالب الإحسان مصبوب، فيختلس. وبشعره يضرب المثل في الرقة، فيسهل فيطمع، لولا ما طريق تلك للسهولة من المشقة، كما قال القائل: [من الخفيف] يا من إذا أراد سرارى … عَبَّرَتْ أنفاسُهُ عَنْ عَنْبَرِ وَسَبَانِي تَغْرٌ كَدُرٌ نَظِيْمِ … تَحْتَهُ مَنْطِقٌ بِنَفْرٍ نَشِيرِ وله طَلْعَةٌ كنَيلِ الأَمَانِيُّ … أو كَشِعْرِ المُهلبي الوزير

стр. 3621

ومن شعره قوله: وترقت إلى الوزارة قدمه، وكتب له جملة لما كنت قلته: [من مجزوء الكامل] رَقَّ الزَّمَانُ لِفَاقَتِي … وَرَقَى لِطُوْلِ تَحَرُّقِي فَأَنَا لَنِي مَا أَرْتَجِي … وَأَجَارَنِي مَا أَتَى فَلَاصْفِحَنَّ عَمَّا أَتَاهُ … مِنَ الذُّنوبِ السُّبَّقِ حَتَّى جنايتهُ بِما … فَعَلَ المَشِيبُ بِمَفْرِقِي وكان لمعز الدولة غلام تركي أمرد يكاد لترفه يعقد فلا يسره العين، وفراقًا … فإن الشعرى في انفه، وقلوب البشر … وقد أنهمك على الشرب فلا يعفيه، وجانب الخمر الجائل في صحن خدّه يكفيه، وكان به كثير الإعجاب شديد المحبة له، متى دعاه أجاب، فجعله رئيس سريَّةٍ جرَّدها لحرب بعض بني حمدان، وأبرز للناس آية من قمر يطيف به من كل نجم سنان. وكان عند المهلبي غلام يستحسن صورته جدًا، ويستظرفه توجدًا كاد يكون وجدًا، ويرى أنه: من مدد الهوى إذا التوى، لا من عدد الوغى فيما سعى، فقال فيه المهلبي: [من مجزوء الكامل] طِفْلٌ يَرِقُ الماءُ في جنَبَاتِهِ … وَيَرُوقُ عُوده ويكادُ مِنْ شَبَهِ العَذَ … ارَى فيهِ أَنْ تَبْدُو نُهُودُه نَاطُوا بِمَقْعَدِ خَصْرِهِ … سَيْفًَا ومِنْطَقَةٌ تَؤُدُهُ جَعَلُوهُ قائِدَ عَسْكَرِ … ضَاعَ الرَّعِيْلُ وَمَنْ يَقُوْدُهُ فكانت … المهلبي حرمة ولت حماسة على عقبها، وانقلبت بالهزيمة شر منقلبها، ومن شعر المهلبي قوله في بعض غلمانه: [من الكامل] خُطَطٌ مقومة وَمَفْرِقُ طُرَّةٍ … وكأنَّ سُنَّةَ وَجْهِهِ مَحْرَابُ وربت عَنْ كَشْفِ الَّذي أَلْقَى بِهِ … فَتَعطَّلَ النَّمامُ والمُغْتَابُ ومنه قوله: [من مجزوء الكامل] يا مَنْ لَهُ رُتَبٌ مُمَكَّنَةٌ إلا … وَآخى في الفُؤادِ أيَحِلُّ أخْذَ المَالِ [من] … مُتلهّبِ الأَحْشَاءِ صَادِي ومنه قوله المجيد في وصف كتب ابن العميد: [من مجزوء الكامل] وَرَدَ الكِتابُ مُبَشِّرًَا … نَفْسِي بِأَبْرَادِ السُّرُورِ وَفَضَضْتهُ فَوَجَدْتُهُ … ليلًا على نَفَحَاتِ نُوْرِ

стр. 3622

بِنِظَامِ دُرِّ كالثُغُو … رِ وكالعُقُودِ على النُّحورِ مثل السوالف والخُدُو … دِ البِيْضِ زِينَتْ بِالشُّعُورِ وقوله: [من مجزوء الكامل] يا عَارِفًا بالدَّاءِ مُطَّـ … ــرِحَ السُّؤَالِ عنِ الدَّواءِ العِلْمُ عِنْدِي كالغِذَا … ءِ فَهَلْ تعيش بِلا غِذَاءِ وقوله: [من المتقارب] هَبِ البَعْثَ لم تأتِنا بدره … وأَنَّ لَظَى النَّارِ لَمْ تُضْرَم أليس بكافي الذي فكرُهُ … حَيَاءُ المُسِيء من المُنْعِمِ وقوله في وقت ضائقة: [من الوافر] وَلَوْ أَنِّي اسْتَزَدْتُكَ فَوْقَ مَا بِي … مِنَ البَلْوَى لَأَعْوَزَكَ المَزِيدُ وَلُو عُرِضَتْ عَلَى المَوْتَى حَيَاةٌ … بِعَيْشِ مِثْلَ عَيْشِي لَمْ يُرِيدُوا وقوله: [من الخفيف] طَلَعَ الفَجْرُ من كِتَابَكَ عِنْدِي … فمتى باللقاء يبدو الصباح ذَاكَ إِنْ تَمَّ لِي فَقَدْ عدَّ بِهِ … العيش ريش المنى وريش الجناح ومنه قوله: [من الكامل] وَرَدَ الكِتَابُ فَدَيْتُهُ مِنْ وارِدٍ … فِيهِ لِقَلْبِي مِنْ حَيَاتِي مَورِدُ فَرَأَيْتُ دُرًَّا عِقْدُهُ منتظمٌ … في كلِّ فضلٍ مِنْهُ فَصْلٌ مُفْرَد ومنه قوله: [من الطويل] إذا اختصر المعنى فَشُرْبَةُ حَائِمٍ … وإِنْ رَامَ إِسْهَام إلى الفَيْضِ بِالمَدِّ وقوله: [من الكامل] وَكَأَنَّ فِطْنَتُهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ … وَكَأَنَّ نقد الحُسْنِ منه معين ومنه قوله في جارية اسمها تجنى: [من الحفيف] رُبَّ لَيْلٍ لَبِسْتُ فيهِ التَّصابِي … وَخَلَعْتُ العِذَارَ فِي اللَّهْوِ عَنِّي في مَحَلِّ تَحِلُّهُ لَذَّةُ العَيْـ … ــشِ وَمَجْنى سُرُورِهِ مِنْ تَجَنِّي وقوله فيها: [من المنسرح] مَرَّتْ فَلَم تَنْثَنِي تِيْهَا … يَحْسُدُها الغُصْنُ في تَثنيها تِلْكَ تَجَنِّي الَّتِي حَبِيتُ بها … أعاذَنِي اللهُ مِنْ تَجَنِّيْهَا

стр. 3623

ومنه قوله فيها: [من الخفيف] كُلَّمَا سِرْتُ في فِرَاقِكِ مِيلًا … مال سيل في بهجتي منك فريق فَحَيَاتِي مَصْرُوْفَةٌ في طَرِيقٍ … للمَنَايَا عَلَيَّ فِيْهَا طُرُوقٌ وقوله فيها: [من الطويل] لقَدْ رَضِيتُ نَفْسِي عَلَى الحُبِّ في الهَوَى … لإِنسَانِةِ تَرْعَى الهَوَى وَتُوَاظِبُ صَفَا لِيَ فِيْهَا العَيْشُ والشَّيْبُ شَامِلٌ … كَمَا كَانَ يَصْفُو والشَّبابُ مُصاحِبُ وقوله: [من الوافر] أرَانِي اللهُ وَجْهِكَ كَلَّ صُبْحٍ … يوم صباح للتيمن والسرور وَأَمْتَعَ نَاظِرِي بِصَفْحَتَيْهِ … لأقرا الحُسْنَ مِنْ تِلْكَ السُّطُورِ وقوله في غلام اسمه غريب: [من الوافر] رَعَى الرَّحْمَنُ قَوْمَا مَلَكُونِي … رَشَا قصرٍ بَلَغْتُ بِهِ المُرَادَا وَسَمُّوهُ مَعَ القُربى غَرِيْبًَا … كَنُوْرِ العَيْنِ سَمَّوهُ سَوَادًا وقوله: [من الكامل] الوَرْدُ بَيْنَ مُضَمَّةٍ ومُضَرَّجِ … والزَّهْرُ بَيْنَ مُكَلَّلٍ وَمُتَوَّج وَالتَّلْجُ يَسقط كالنَّدَى فَقُمْ بِنَا … نَلْتَدُّ بِابْنَةِ كَرْمَةٍ لَمْ تُمْزَجِ طَلَعَ النَّهارُ فَلاحَ نَوْرُ شَقَائِقٍ … وَبَدَتْ سُطُورُ الوَرْدِ بَيْنَ بَنَفْسَجِ فكَأَنَّ يَوْمَكَ في غِلالَةِ فِضَّةٍ … والنَّبْتُ مِنْ ذَهَبٍ عَلَى فَيْرُوْزَجِ وقوله: [من الطويل] ألا يا مُنَى نُفْسِي وإنْ كُنْتُ … وَمَعْنَايَ في سِرِّي وَمَغْزَايَ فِي جَهْرِي تَصَارَمَتِ الأجْفَانُ مُنْذُ صَرَمْتِنِي … فَمَا نَلْتَقِي إِلَّا عَلَى عَبْرَةٍ تَجْرِي وقوله: [من السريع] يا شادنًا جدد حياله … مِنْ بَعْدِ سَالِفٍ سَاجِي بِلِحْيَةٍ قَدْ وَاصَلَتْ جُمَّةٌ … مِثْلَ اتِّصَالِ الطَّوْقِ بالتَّاجِ وقوله في غلام أبل من علة: [من مجزوء الكامل] نَهَضَ العَلِيْلُ، فَقُلْتُ … حِيْنَ بَدَا الغُصْنُ مَائِلِ طَلَعَ الهلالُ لِلَيْلَةٍ … بَيْضَاءِ بَدْرٍ كَامِل وقوله: [من الخفيف] قَالَ لِي مَنْ أُحِبُّ واللَّيْلُ قَدْ … حدر دنبي بواصل الشهيق

стр. 3624

مَا الَّذي في الطَّرِيقِ تَصْنَعُ بَعْدِي … قُلتُ: أَبْكِي عَلَيْكَ طُولَ الطَّرِيقِ وقوله: [من البسيط] ولِي حَبِيبُ أَلُوذُ فِيْهِ بِأَوْصَافٍ … وَفَحْوَاهُ فَوْقَ مَا أَصِفُ كَالبَدْرِ يَعْلُو أو الشَّمْسِ تُشْرِقُ … والغَزَال يَعْطُوا وَيَنْعَطِفُ وقوله: [من الكامل] إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الرَّحِيْـ … ــلَ فَإِنَّ رَأْيي في الرَّحِيلِ أَوْ كُنْتِ قَاطِنَةً أَقَمْـ … ـتُ وإِنْ مَنَعْتِ لَذِيْذَ سُوْلِي كالنَّجْمِ يَصْحَبُ في المَسِيـ … ـــرِ وَلا يَزُولُ لِذِي النزول وقوله: [من الكامل] عَزْمِي وَعَزْمُ صَحَابَةِ رُكَّاضَةٍ … مَوْصُولَةِ الإِلْجَامِ بالإِسْرَاجِ كالنَّبْلِ عَامِدَةً إلى أهْدَافِهَا … والطَّيْرَ قَاصِدَةً إِلى الأَبْرَاجِ وقوله: [من الطويل] وَذِي جِيدٍ أَحَلَّ ما يريده … لأُصْبِحَ … بقَبْضِ دِنَانِي وَلَمْ أَعْطِهِ جَهْلًا وَلَكِنْ سَحَابَتِي … تَعُمُّ ذَوِي الإخلاص والشَّنْآنِ وقوله: للصاب برد … تميزه … فإنَّنِي لِمَقامِ الحل أرْتَحِلُ ألذ كرى وإن أضحى … أنْ نَسْتَرِيْحَ وأَنْ يَكفِيكَ الطَّلَلُ ومنهم: [٦٣] أبو القاسم، علي بن عبد الله الجويني شُدَّت الوزارة بمعاقده، ومهدت الدارة لمقاعده، وأمنت علامة بأسائه لا خورا ينوب، ولا ضجر رأي في إقالة يوم حرب … لو لامس الضَّجَر، لتفجَّر، أو الجهام لا عن جار. هو أول وزير وزر لطغرلبك، ثم وزر بعده لنظام الملك أبو محمد الحسن بن محمد الدهستاني، وهو أول من لقب نظام الملك، ثم وزر عميد الملك الكندري وهو أشهرهم.

стр. 3625

ومنهم: [٦٤] عميد الدولة (١) الكندري (٢) وزير لا وزر عليه، ولا كبر ينسب إليه، وسع صدره الخلق، ووقع تدبيره الحرق، وقمع ضبطه العدا، ورفع صوته بالردى، وأصبح والأمم دون قدره، والظلم لا يجلى إلا ببدره. وزر لطغرلبك بعد نظام الملك الدهستاني، وكان عميد الدولة أشهر وزرائه. وإنما اشتهر؛ لأن طغرلبك عظمت دولته، وهو مستمر على وزارته، ووصل إلى العراق، وخطب له بالسلطنة.

стр. 3626

ومنهم: [٦٥] الوزير نظام الملك (١) وزير تم السلك بنظامه، وفخر الملك بإعظامه، وتاهت به الدولة السلجوقية، حتى شمخ أنف سريرها، وأرجف صوت زئيرها، وطال لسانها، واستطال سنانها، وسرى في القلوب رعنها، وساوت السماء سحبها، وأخافت بوارقها، … بها تيجان الملوك مفارقها، وطفقت صرخات سيوفها على بعد المسافة، تسقط أجنَّة الحوامل، وتقصف أسنَّة العوامل، ولم يكن بين قلمه وسيف ملكه فرق، ولا تميز بينهما ديمة وبرق، ولم يزل يدرِّي بلطف تدبيره الفوارس، وينمي بحسن تعهده المغارس إلى أن جال خيل سلطانه بأقصى المشرق، وعجاجها بأقصى المغرب، معقودة السماء،

стр. 3627

ممدود الظلماء، قد ملك الأرض من أكثر أطرافها، وسلك خوفه قلوب أشرافها، وكان لدى الخلافة محمود الأثر، ممدوح السير، يجله، آجال سلطانه، ويحله قريبًا من مكانه، والخليفة يستزير بصباحه، ويستمير من رياحه ولا يزال بينهما رسل تتردد لحوائج وأمور على حكم إشارته تمضي، وسياجه من الدين يحوط نواحيه، ويحيط من يلاحيه، ويوجب له على أعدائه ذلّ الرقاب، وتحصيل جل الرغاب أصله من طوس الدهاقين، وزالت نعمة أبيه، وماتت أمه، وكان أبوه يطوف على المرضعات، فلما أن له، سمع الحديث وتفقه، وعُدَّ من الفضلاء. واشتغل بخدمة السلطان والدهر يعلو به وينخفض حتى وزر لألب، وكان ملكه يتعدى خراسان، وظهرت له منه كفاية لا تظن في غيره. وكان عالمًا، دينًا، جوادًا عادلًا، حليمًا كثير الصفح عن أهل الذنوب والجرائم، طويل الصمت، ظاهر الورع، وأمر ببناء المدارس، لا يزال مجلسه عامرًا، وأجرى لها الجرايات العظيمة، وأملى الحديث ببغداد و خراسان وغيرها، وكان يقول: إني لست من أهل هذا الشأن لما أتولاه، ولكني أحبُّ أن أجعل نفسي على قطار نَقَلَة حديث رسول الله ﷺ . وكان إذا سمع المؤذن، يمسك عن كل ما هو فيه ويجيبه، ثم لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن، ودخل الوقت، يأمره بالآذان محافظة على حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات. وأسقط المكوس في الضرائب، وأزال لعن الأشعرية على المنابر؛ لأنَّ الوزير عميد الملك الكندري كان قد حسن للسلطان طغرلبك لعن الرافضة، فأمره بذلك، فأضاف إليهم الأشعرية، ولعن الجميع، ولهذا فارق إمام الحرمين والقشيري وغيرهما بلادهم، فلما ولي نظام الملك لألب أرسلان، أسقط هذه الفضيحة الفظيعة، والقبيحة الشنيعة، وأعاد العلماء إلى أوطانهم. وكان إذا دخل عليه إمام الحرمين والقشيري يقوم لهما، ويجلس إلى مسنده، فإذا دخل عليه أبو علي الفارمدي يقوم إليه، ويجلسه، ثم يجلس بين يديه، فقيل له في

стр. 3628

ذلك، فقال: لأن أولئك ينسبون عليَّ بما ليس في، فأزداد عجبًا وتيهًا، وهذا يذكرني لي أني من عيوب نفسي فأنكسر. وقيل: إنه كان ليلة يأكل الطعام، وإلى أحد جانبيه أخوه، وإلى الآخر عميد خراسان، وإلى جانبه فقير مقطوع اليد. فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمر بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب المقطوع اليد إليه فأكل معه. وكانت عادته يحضر الفقراء طعامه، ويقربهم إليه، ويدنيهم منه، ومحاسنه مشهورة مشكورة، ألفت فيها الكتب، وجالت في كل مسمع، وقطعت عن رجاء اللحاق به كل مطمع. ولما مات أرسلان، وعهد إلى ابنه ملكشاه، قام الوزير نظام الملك بتدبيره وزاد الجند سبع مائة ألف دينار على إقطاعاتهم، ثم داخل الجند الطمع فمدّوا أيديهم إلى أموال الرعية، وتبسطوا فيها، وقالوا: ما يمنع السلطان أن يعطينا إلا نظام الملك، فذكر نظام الملك ذلك للسلطان وبيَّن له ما في هذا من الوهن، وذهاب السياسة، وخراب البلاد، فقال له: افعل ما ترى، فقال نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل شيئًا إلا بأمرك، فقال له السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها لك، وأنت الوالد، وحلف له، وأقطعه إقطاعًا زائدًا على ما كان بيده، من جملته طوس وبلادها، وخلع عليه ولقب ألقابًا من جملتها: «أتابك» ومعناه الأمير الوالد. وظهر من كفايته، وشجاعته، ما هو مشهور. قال ابن الأثير (١): وكان يغشى مجلس أبي الحسن بن طلحة الداودي، وكان عالمًا، عابدًا، خيرًا، وكان يأتيه، ويجلس بين يديه، فيعظه، فيبكي حتى تبلّ دموعه لحيته. ولما دخل ملكشاه بغداد أول قدمة قدمها، نزل بدار المملكة، أرسل الخليفة إليه هدايا كثيرة، وأرسل فرسًا منها لنظام الملك، وطلب نظام الملك إلى نظام الخلافة ليلًا فمضى في الزَّبْزَب، وعاد من ليلته، ثم سار مع السلطان إلى جهة البرية للصيد، فلما عاد وأدخل السلطان على الخليفة، فخلع عليه الخلع السلطانية، ثم لما خرج من عنده، لم يزل نظام الملك قائمًا يقدم أميرًا أميرًا إلى الخليفة، ويقول: هذا العبد فلان على نظام الملك خلعًا جليلة تقارب خلع السلطان. وذكر ابن الأثير - ما معناه: أن نظام الملك لما اتسع ذيل تحكمه، وتسلّط بنوه،

стр. 3629

وتفرد كل منهم ملك جليل، بعث السلطان، فلذلك حكمه، وإن كنت نائبي وبحكمي عظيمة، وولي ولاية كثيرة، ولما يقنعهم حتى تجاوزوا أمر السياسة وفعلوا وصنعوا، فلما بلغته هذه الرسالة، قال: قولوا للسلطان: إن كنت علمت أني شريك في الملك، فاعلم، فانك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي. أما تذكر حين قتل أبوه، فقمت في أمره يتمسك بي، ولا يخالفني، فلما قدمت الأمور إليه، جمعت الكلمة عليه، وفتحت له الأمصار القريبة والبعيدة، وأطاعه القاصي والداني أقبل يجني لي الذنوب، ويسمع في السعايات، فقولوا له: إنَّ ثبات ملكه تلك القلنسوة معدودة بتلك الدواة، وإنّ اتفاقهما رباط كل رعية، وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه، زالت تلك، والحال القول في هذا ومثله ما وقع عليه التدبير حتى أتاه ديلمي في صورة صوفي مستميح، فلما التفت إليه ليكلمه، ضربه بسكين فقتله وهرب، فعثر بطنب خيمة، فأدركوه، فقتلوه، وهاج العسكر، فركب السلطان، وسكَّنه. ثم مات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يومًا، وانحلت الدولة، ووقع السيف. وكان قول نظام الملك شبه الكرامة له. ومما رثي به قول ابن عطية: [من البسيط] كانَ الوزير نظامُ المُلكِ لُؤلؤة … يتيمةً صاغها الرَّحمان مِنْ شَرَفِ بَدَتْ فَلَمْ تَعْرِفِ الأَيَامُ قِيمَتَها … فَرَدَّهَا غَيْرُهُ مِنْهُ إِلَى الصَّدَفِ ووزر بعده ابنه عزّ الملك بركياروق، وكان عزّ الملك حاكمًا بخوارزم، وإليه كل أمورها، وكان قد أتى مؤديًا خدمة السلطان، وزائرًا لأبيه، فلما قتل أبوه، ومات السلطان أقام بأصبهان، فلما حضرها بركياروق، وكان معظم جيشة النظامية، خرج إليه عز الملك وأخوته، فأكرمه، واحترمه، ووزره، وفوض إليه أمور دولته، وحضر عند المقتدي. ومنهم: [٦٦] فخر الملك، أبو المظفر [ابن]، نظام الملك (١) فريد من نظام، ووحيد من أبناء الكرام، عظام بحلي يعبق بعطر برديه، وكرم

стр. 3630

يعطل فيض السحب بيديه، وحب لأهل الخير سكن حبَّة قلبه، وسكت البحر مضالا عند قلبه، فطالما عمروا أنديته الفساح، وصب عليهم سجال النوال، فساح، وعمر على هذا، وقضى شهيدًا، وأبقى عليه حزنًا شديدًا. وزر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة لبركياروق، ثم لما فارق وزارته، قصد نيسابور، وأقام عند السلطان سنجر بن ملكشاه، ووزر له، وكان يتوالى آل بيت محمد ﷺ فعظم أهل السنة، وأكرم الأئمة والعلماء من مذهب الإمام الشافعي ﵁ هذا إلى صدقة سرر المحافظة على صدقات كثيرة. وأصبح يوم عاشوراء سنة خمسمائة صائمًا، وتصدق بجملة كثيرة من حل ماله، وقال لأصحابه، إني رأيت الليلة في المنام الحسين بن علي ﵄ وهو يقول: عجل إلينا وليكن إفطارك عندنا. وقد اشتغل فكري، ولا محيد عن قضاء الله وقدره، فقالوا: ينجيك الله ويبقيك. والصواب أن لا تخرج اليوم من دارك، فأقام يومه يصلي، ويقرأ القرآن، ويتصدق حتى أنفذ شيئًا كثيرًا. فلما كان وقت العصر خرج من الدار التي كان بها يريد دار النساء، فسمع صياح متظلم شديد الحرقة، وهو يقول: ذهب المسلمون، ولم يبق منهم من يكشف مظلمة، ولا يأخذ بيد ملهوف، فأحضره عنده رحمة له، فلما حضر لديه، قال له: ما شأنك؟ فدفع إليه رقعة، فبينما فخر الدين يتأملها إذ ضربه بسكين، فقضى عليه، فأخذ الباطني الضارب له، وحمل إلى السلطان سنجر، فأقر على جماعة من أصحاب السلطان كذبًا منه عليهم، وقال: إنَّهم هم جهزوني على قتله، وما أراد بهذا إلا قتلهم، وكانوا براء، فعلم السلطان سنجر هذا من الباطني، فأمر به، فقتل. وكان عمر فخر الدولة نحو ثلاثين سنة. ومنهم أخوه: [٦٧] ضياء الملك، أبو نصر، أحمد بن نظام الملك الوزير (١) كان لا يبعد أنه يؤاخيه ودام على هذا حتى مضى في سبيل أخيه، قُتل مُغتالًا،

стр. 3631

وقصف حضنه، وما جر ذيله مختالا، وعلى هذا مات أبوه، وانقرض به الجود، فلا أحد يوصف به، ولا أحد يرجوه. وزر للسلطان محمد بعد سعد الملك أبي المحاسن حتى اتهمه وأخذ ماله وصلبه، ولما أمسك سعد الملك استشار فيمن يوزره، فذكرت له جماعة، فقال السلطان: إن آبائي رأوا على نظام الملك البركة، وله عليهم الحق الكثير، وأولاده أعديا نعمتنا، ولا نعدله عنهم. وكان أبو نصر هذا قد قدم باب السلطان شاكيا على الشريف أبي هاشم رئيس همذان؛ لأنه لما رأى أبو نصر انقراض دولة أهل بيته لزم داره بهمذان، فآذاه ربيبهما المذكور، وأقام في جواره، وهو يجور، فلما أنكته جراح أذيته، وأبلته صراح بليته، فقصد السلطان متظلما منه، فصادف السلطان في هذه النية التي تحددت بها معالم البيت النظامي، وانتظمت أموره، فحال ما وصل لديه ولاه الوزارة، وخلع عليه، وحكمه في ما لديه، وفي هذا زيادة على ما يحكى في «الفرج بعد الشدة». ثم كان السلطان يقدمه على الجيوش، ويبعثه على العساكر حيث يتعذر عليه المسير، وبعثه لقتال الألموت، وبها الحسن بن صباح، فهجم الشتاء عليه، ولم يبلغ منها مبلغا، فلما أتى ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسمائة، قصد نظام الملك أبو نصر الجامع، فوثب به الباطنية، فضربوه بالسكاكين، وجرح في رقبته، وبقي مريضا مدة، ثم برئ. وأخذ الباطني وسقي الخمر حتى سكر، ثم سئل عن أصحابه، فأقر على جماعة بمسجد المانوية، فأخذوا وقتلوا. واستمر نظام الملك على وزارته إلى سنة أربع وخمسمائة، ثم عزله السلطان محمد، واستوزر بعده الخطير محمد بن الحسين الميبذي (١). ومنهم: [٦٨] الأعز، أبو المحاسن، عبد الجليل الدهستاني وزير ملأ القلوب شغلا، وأدفأ البلاد شعلا، وأتقن أمور التدبير، فلم يهتبل

стр. 3632

مالًا، ولم يدع إلا مالًا. وكان في دولة بني سلجوق أعزّ وزارئها، وأعزم آرائها وزر لبركياروق، ونظم الشتات، وثمر الأموال، وردَّ الأمور إلى قوانينها، وأعاد الحرمة إلى حالها، وأوقد جمرة السلطنة بعد أن خمدت، وأجرى يد الوزارة بعد أن خمدت، وأتى الدولة وقد اضمحلت، وشيد بنيانها، ومد الأعناق لوطأة قدمها، وخفض جناح النسر الطائر لعلو هممها، وأسِر في الوقعة الكائنة بين بركياروق وأخيه محمد على بغداد، فحمل إلى مؤيد الملك بن نظام الملك، فأكرمه ونصب له خيمات، وضرب له خركاه، وحمل إليه ما يحتاج إليه من الفرس والكسوة، وضمنه عمارة ما خرب من بغداد، ثم أطلق سراحه. وكان مغرى بهلاك الباطنية يزل معهم يسعى بهم حتى أمر السلطان بقتلهم، وجهد لو استطاع في اجتثاثهم من أصلهم، وقد غبرت تلك الأيام مدة عدها لا يخرج السلطان، ولا الوزير الأعز، فمن دونهما إلا وهو في درع مضاعفة خوفًا منهم، فلما نزل السلطان لحصار أصفهان، وكان قد ركب من خيمة إلى خدمة السلطان، فجاءه شاب أشقر، قيل: كان من غلمان أبي سعيد الحداد، وكان … الوزير الأعزّ فانتهز الفرصة في الوزير وقتله، وقيل، كان باطنيًا، فجرحه عدة جراحات، وتفرق أصحابه عنه، ثم عادوا إليه، فجرح أقربهم منه جراحات أثخنته وعاد إلى الوزير فتركه سامي رمق. وكان كريمًا، واسع الصدر، حسن الخلق كثير العمارة، وفعل أول وزارته لإقامة الحرمة ما خافه الناس بسببه. وكان حسن المعاملة مع التجار … منه خلق كثير حتى كانوا يسألونه أن يعاملهم، فلما قتل ضاع لهم مال كثير. حكي أن بعض التجار باعه متاعًا بألف دينار، وقال له: خذ بها حنطة من الزاد، إن كل كرّ بعشرة دنانير، فامتنع التاجر وقال: لا أريد غير الدنانير. فلما كان من الغد دخل إليه التاجر، فقال له: يهنيك يا فلان، قال: وما هو؟ قال: فائدة حنطتك، فقال: ما لي حنطة، ولا أريدها، فقال: بلى، قد بعت كل كرّ بخمسين دينارًا، فقال: أنى لي بهذا، وأنا لم أتقبل، فقال له الوزير: ما كنت لأرجع عن قول قلته. فأخرج ما قبض ثمن الحنطة. بارك الله لك. وكان مع وفور عقل الوزير، وما عرف به من التدبير، قد نفق عليه عمل الكيمياء، ولم يصح له شيء منها. قال ابن الأثير - عقيب ذكره حادثة يعتبر بها - قال: في سنة ثلاث وتسعين بيع رحل بني جهير ودورهم بباب العامة، ووصل ثمن ذلك إلى مؤيد الملك ثم قتل المؤيد،

стр. 3633

وبيع ماله، وأخذ ثمن الجميع، وحمل إلى الأعزّ، وقتل الأعز، وحمل ماله، وبيع رحله، واقتسمت أمواله، وأخذ السلطان، ومن ولي بعده أكثرها، وتفرقت أيدي سبا، وهذه عاقبة خدمة الملوك. ومنهم: [٦٩] أبو طالب السُّمَيْرَمي (١) وزير حلق كثير على الجوزاء، ويحلّ عند الملوك محل الأعزاء، وكان أرزن من الطود، وأرزّم من الجود على عميق باطن أكثر غررًا من البحر، وأعظمه ضررًا من حط الخنجر من التحرير أي أتعب من الزاد، وامض … من العناد، لو جلبب الليل، لاضمحلت أواليه … على الصخر لانحلّ، حُكي أنه ما تخلّى من ظلامة، ولا تحرّز من ملامة طلبًا لتوسعة … الحال، وترقيع كلف أيامه بالمحال، فمقت وبغض، ووقت عليه زمانه حتى رفض. ثم أخذ من … بما لا يخطئ من سهام المساعي، ولا يبطئ من سمام الأفاعي، حتى أخذ من صدر رتبته بين أحبته، وحُطّت عليه السكاكين بالعذاب، وصُبّ عليه ما لو أصاب الحجر لذاب.

стр. 3634

استوزره السلطان بعد ربيب الدولة، وزير السلطان محمود، وكان والد الربيب وزير له للمسترشد. وكانت السميرمي رجلًا ظالمًا جبارًا، عسوفًا، حسن للسلطان أخذ حق البيع، وتجديد المكوس بالعراق … هذا برأيه، وأشغلتهما شواغل القدرة بوقوع الحريق المتتابع، وسببه أن جارية للسلطان كانت تختضب بدار … التي بناها السلطان محمد، فأسندت شمعة إلى الخيش، فاحترقت، وعلقت النار منه في الدار كلها … حيطانها، واحترق فيها من الجواهر والحلي والفرش والثياب ما لا يقوم، ولم يسلم من الجوهر إلا الياقوت الأحمر. ثم أمر السلطان [أهل] الذمة بلبس الغيار، فاقتدوا منه بمال قرر عليهم بإشارة من الوزير. وامتد في الظلم إلى فوق، فعطس أنفه، وخاض في الجو إلى الحلقوم، فسكنت بغضته، ودارت مذمته على الألسنة، ووقع في أيامه في سنة خمس عشرة وخمسمائة ثلج عظيم غمر العراق جميعه، من البصرة إلى تكريت، وبقي به على الأرض خمسة عشر يومًا، وسمكه فوق ذراع، وهلك به أكثر الشجر، فقال بعض الشعراء يذكر ذلك، ويعرض بظلمه: [من الخفيف] يَا صُدُورَ الزَّمانِ لَيْسَ بِثَلْج … ما رَأَيْنَاهُ مِنْ نواحي العِرَاقِ إِنَّمَا عَمَّ ظُلْمُكُمْ سَائِرَ الحلْقِ … فَشَابَتْ ذَوَائِبُ الآفَاقِ فلما مضى صفر سنة ست عشرة، قتل الوزير السميرمي وأراح الله منه. وكان … مع السلطان يسير إلى همدان، فدخل الحمام، وخرج بين يديه الرجالة، والخيالة، وهو في موكب عظيم ملوكي، فاجتاز بسوق المدرسة الخمارتكينية في مكان ضيق فيه حظائر سوك، فتقدم أصحابه لضيق الموقع، فوثب عليه باطني، فضربه بسكين، فوقعت في البغلة، وهرب إلى دجلة، وتبعه الغلمان، فخلا الموضع، فوثب عليه رجل آخر بسكين، فضربه في خاصرته، وجذبه، فألقاه إلى الأرض، وضربه عدة ضربات. وعاد أصحاب الوزير، فحمل عليهم رجلان باطنيان، فانهزموا منهما، ثم عادوا، وقد ذبح الوزير ذبح الشاة، والدم قد سهم ودام، … فحمل قتيلًا وبه نيف وثلاثون جرحًا، وقتل قاتلوه. ولما كان في الحمام كان المنجمون يأخذون له الطالع، ليخرج، فقالوا: هذا وقت جيد، وإن تأخرت، فات طالع السعد. فأسرع وركب، وأراد أن يأكل طعامًا، فمنعوه، لأجل الطالع، فقتل، ولم يغن عنه شيء، وأخذ السلطان خزائنه، وانتهب

стр. 3635

ماله، وكانت زوجه الكمال قد خرجت في هذا اليوم في موكب كبير في مائة جارية، وجمع كثير من الخدم، الجميع بالخيول المثمنة، والمراكب الذهب في ثياب الوشي والحرير، ونفائس الدر والجوهر، فلما سمعت بقتله رجعت بمن معها من الجواري حافيات حاسرات، وقد تبدلن بالعزاء هوانًا، وبالمسرة أحزانًا، فلما قتل أبطل السلطان ما كان أحدثه من المظالم، وجدده من المكوس، ووضعه على التجار والباعة من العكوس، وأزال الله ذلك السقم، وشفى النفوس. ومنهم: [٧٠] الصاحب جمال الدين، رئيس الشام (١) أبو القاسم عمر ابن القاضي أبي الحسن أحمد بن أبي الفضل هبة الله بن أبي غانم محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة القيسي العقيلي الحلبي الحنفي الكاتب المؤرخ المعروف بابن العديم. من بيت تتعلق آماله، وتتحقق نقص البدر عن كماله، ضرب عرقه إلى معد بن عدنان، ولمع برقه في أسرة ابن غيلان، وأشرق في أهله مضر، وأغدق نوؤه

стр. 3636

فلما عدل عن عامر قيل عمر. وكان لا يجلس أحد فوقه إذا حضر في مجلس السلطان، ولا يضرب معه بأعطان، وكان الملك الناصر بن العزيز يخاطبه بالوالد، ويحطم الألف منه بواحد، وكان محله منه محل الفتح بن خاقان من المتوكّل جاريًا مجرى الوزارة، وإن كان لا يتقلدها، أو يطلق فيها أوامرها، ولا يقيدها. هذا إلى أدب لو هب نسيمه على المخمور لأفاق، ولو شبه نظمه بالدر لما سمح فيه الإنفاق. هذا مع حظ ما وشي بقتله ديباج الخدود، ولا عطفت زرده أصداغ الغواني بزروده، خصوصًا قلم النسخ الذي كأنه ما رقمت به صحف الجمال والحواشي، ولا بمثل خدّ العذراء من خط الكمال. ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وكان من رجال الدهر، علمًا، ونبلًا، وذكاء، ومنظرًا، وبهاءً، وسؤددًا، وفقهًا، وكتابة، وإنشاء. ودرس، وأفتى، وترسل عن الملوك، وبحسن خطه يضرب المثل واليه يشير الصاحب فتح الدين بن القيسراني: [من الوافر] بِوَجْهِ مُعَذِّبِي آَيَاتُ حُسْنٍ … فَقُلْ مَا شِئْتَ فِيْهِ وَلَا تُحَاشِي فَنُسْخَةُ حُسْنِهِ قَرُبَتْ وصَحَّتْ … وَهَا خَطُّ الكَمَالِ عَلَى الحَوَاشِي ذكره الدمياطي، فقال: ولي القضاء بحلب خمسة من أيامه متتالية، وله الخط البديع، والحظ الرفيع، والتصانيف الرائقة، منها «تاريخ حلب». أدركته المنية قبل إكمال تبييضه. وكان غزير العلم، خطير القد والأصل. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: من نظر في تاريخه علم جلالة هذا الرجل، ورتبته في العلم، وقد ناب في دمشق بالسلطنة عن الناصر، وقام عنه إذ سار إلى مصر.

стр. 3637

وحكى في تاريخه أنه دخل مع والد علي صاحب حلب الملك الظاهر غازي، وأنه هو الذي حسن له جمع التاريخ. ومن بديع نظمه قوله (١): [من الطويل] فَوَا عَجَبًا مِنْ رِيْقِهِ وَهوَ طَاهِرٌ … حَلَالٌ وَقَدْ أَمْسَى عَلَيَّ مُحَرَّمَا هُوَ الخَمْرُ لَكِنْ أَيْنَ للخَمْرِ طعمُهُ … وَلَذَّتُهُ مَعْ أَنَّني لَمْ أَذُقْهُمَا وقوله: [من الكامل] وَكَأَنَّمَا قَمَرُ السَّماءِ لِسَبْعَةٍ … مُوسَى مِنَ الفُولاذ ذاتُ صِقَالِ وَكَأَنَّ سَعْدَ النَّابِحَ اسْتَنْضَاهُ مِنْ … عَمَلِ الدُّجُنَّةِ قَاطِعَا لِوِصَالِ فنظم ولده مجد الدين هذا المعنى فقال: [من البسيط] يَا لَيْلَةَ الهَجْرِ بَلْ يَا أَنْكَدَ العُمُرِ … مَا كَانَ ضَرَّكِ لَو وَافَيْتِ بِالسَّحَرِ قَدْ فَرَّقَ الخَوْفُ ثوبَ النَّوْمِ مِنْ ضَجَرٍ … لمَّا بَدَا لَا بِسَا ثَوْبًَا مِنَ السَّهَرِ وَكُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ النَّوْمَ يُنْقِذُنِي … فَقَدْ غَدَا هَارِبًَا مِنْ شِدَّةِ الحَذَرِ خَافَ الدُّنوَّ لِسَعْدِ الذَّبْحِ حُقَّ لَهُ … فَقَدْ بَدَا قَابِضًَا مُوسَى مِنَ القَمَرِ وأهدى الأمير سيف الدين المشد إلى الصاحب كتاب الأنواء لأبي حنيفة الدينوري، فارتجل: [من مجزوء الرجز] يَا مُوْلِيَ الآلاءِ … ومُسْبِغَ النَّعْمَاءِ لَوْ لَمْ تَكُنْ سَمَاءً … مَا جُدْتَ بالأنواء ومن شعره قوله يفخر (٢): [من الطويل] سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مَا جَنَى … عليَّ وأعفُو عِفَّةً وَتَحَلُّمَا منها: وَقَائِلَة، يا ابْنَ العَدِيم إِلَى مَتَى … تَجُوْدُ بِمَا تَحْوِي سَتُصْبِحُ مُعْدِمَا فَقُلْتُ لَهَا: عَنِّي إِلَيْكِ فَإِنَّني … رَأَيْتُ خِيَارَ النَّاسِ مَنْ كَانَ مُنْعِمَا أبى اللُّوْمَ لِي أَصْلٌ كَرِيمٌ وأُسْرَةٌ … عُقَيْلِيَّةٌ سَنُّوا النَّدَى والتَّكَرُّمَا وقوله: [من المنسرح] يشبه خده جلنار … في غُصْنٍ شَاهِقٍ مَنِيع تَمَلَّكَ القَلْبُ وَهُوَ بَعْضٌ … فَكَمْ سَرَى الرِّقُ في الجَمِيعِ

стр. 3638

فأمّا من بعده من وزراء الدولة الجنكيز خانية، فنقول: إنَّ رتبة الوزارة لم تزل تتماسك ربعها إلى انقضاء دولة الخلافة. ثم آخر ما حفظت هذه الرتبة العلية الشامية في ممالكه بيت هؤلاء طولي بن جنكيز خان، فإن الوزراء عندهم هم السلطان حقيقة، لا يشاور القان إلا في الأمور الكلية، وهو المصرّف في البلاد، والممالك كيف شاء: بولي ويعزل، ويسمن ويهزل. فمنهم: [٧١] شمس الدين، أبو المكارم، محمد بن محمد بن محمد الجويني (١) وزير هولاكو الصاحب الوزير، وزير قام في زمن الغدر بالوفاء، وأحيا في أيام التتار سنة الخلفاء، أمسك بيد الثريا اعتلاقا، وحكى سميته الشمس انبلاقا، فانسكب جوده اندفاقا، وحسن به جوده اتفاقا، لم يزل يهب المواهب إرفاقا، ويبدد الأموال إنفاقا، ويصل دولة الاسلام حبًا، والتتار نفاقا، ووظف عليه الوظائف، وأورف مما لديه من الطرائف، ومدَّ ظلال النعم، واستجد الإحسان فوق ما ظن مكحوله. وزر لأبغا قا خان في أول تلك الدولة، وجمرتها تتلفّى، ومرتها تعلق بإسكان الرماح فتتشظى، في زمان كان السيف يقطر فيه دما، وكاد الوجود فيه يعد عدما، وملوك المغل تغلي مراجلهم حنقا، ويشغل حبائلهم حرقا، ودم الإسلام بعد ما جمع، وصوت الآذان إذ ذاك ما سمع، وأشلاء الخلافة مزقًا كقُزَع السحاب، وفرقًا بأيدي النهاب، فألان بتلطفه تلك القسوة، وصان بتعطفه تلك الأسوة، وزوج ابنه بنتًا من البيت العباسي، جمع بها نسائب تلك النساء، وسمع بها من صريح أول الآباء صريح النداء، فكأنما ردَّ ذاهب العصور، واستجد لبغداد دولة المنصور، وقطع على هدى يبدي زمانه، وهو جارٍ في طلقه، سار في أفقه والأيام لعنانه سلسة القياد، منبجسة الأيادي بأكثر مما حصل

стр. 3639

لابن أبي دؤاد في أياد، إلى أن نكر له الدهر معروفه، وكرّ عليه صروفه، ورماه … لا يدري، وأتاه وكان يظن أن لا يستجزي … شمسه، وعمر بحلوله رمسه، واستل له سيفًا قتل به بأمر سلطانه الذي كان به ينتصر، وبسببه إذا حلق على النجوم، قالوا له: إنَّه مقصر، فقد بالسيف قدة ألقي بها طريحًا، وغودر بها جسدًا لا يقل روحًا، تصرف في الأقاليم بأقلامه، وترسل ونظم، ونثر، ورزق صاحب الديوان، فكان جوادًا مُمَدَّحًا، ينطوي على إسلام وخير في الجملة. ولم يزل في رفعة وارتقاء إلى أن ولت سعادته، وتنمر عليه القان، فقتل في رابع شعبان سنة ثلاث وثمانين وستمائة، ولما تسلطن أرغون، سار إلى ركابه الوزير شمس الدين، فصلح منه أيامًا، ثم تنمر له، وعذبه، وأخذ أمواله، وقتله. ولقد كتب وصية يقول فيها: وإن رأى الوصي خللًا، فليعذر، فإني سطرتها وأنا عريان، والسيف مشهور. ومنهم: [٧٢] أخوه الصاحب علاء الدين (١) صدر العراق، صاحب الديوان عطا ملك ابن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد الجويني، تتبع كرم سجايا أخيه، حتى كان شقيق نوضه، وشقيق روضه، ومتمم مكارم أخلاقه، ومتم سوابق أطواقه، طلع من شمسه نهارًا، وجمع من غرسه ثمارًا، هذا

стр. 3640

إلى ما جُبِلَ في طباعه، وجهل فلم يعرف إلا باتباعه، … أصل حتمه، وفضل … ، كان ببلاد العراق يجير حلها، ويجاري دجلتها من بغداد، فامسك ربقها، وملك حللها ورتقها، ولحق … وتلافى وأدرك آخرها، وقد كان يذهب تلافًا، وقد كان عهد ببغداد قريبًا بالخلافة، ونصرة إمامها ومسيرة أيامها، ورونق زمانها، ونواصي الدهر بأيدي خلفائها، وعاصر الدول من خلفائها، وكرم سجايا الخلائف، ورقة الأسمار لا تقاس

стр. 3641

إلا بحفائها، وفرقة الكفار لا يذهب سيل دجلة إلا بجفائها، وسيوف الإسلام لو أغفت معها عيون الأعداء، لروعتها في إغفائها، ولو عفت عن ولوغ الدماء لما سُلَّتْ إلا في إعفائها، يقذف بريح تلك العدة وقارب في تفريج تلك الشدة، وفعل كل جميل، وفضل كرمه على تأميل. وكان الجويني ينفخ عقيب تلك الجيف الداهية الذاهية عطرًا، وتسفح مثل عونه الغمام قطرًا، وبيد المارين، وينشد من شداه ما يعلم به أن جوين مالا يوجد في دارين، وعلى هذا. وكان أديبًا يقسم البصر إن مثل سلكه، وإن مثلكما … لا يقدر عليه البشر؛ لأنه عطا ملك إلا أنه أماق له الأجل، إناء مفعمًا مثلما وهب لا يقدر عليه، وفرش له القبر حسن الجندل بعد أن كان منعمًا، وأرت المنايا به المصرع، لو كان من يتبصر من عمى. تأدب بخراسان، وكتب بين يدي أبيه، وتنقل إلى أن ولي ممالك العراق بعد القزويني، فعمر القرى، ووفر الأموال، وأسقط المغارم عن الفلاحين، ولم الناس، وعمرت بغداد به، ولم يزل في ارتقاء إلى [أن] قدم مجد الملك فأمسكه وصادره وزالت أيامه. وله النظم والنثر، والمكارم، والسؤدد، فيه رفق عظيم بالرعية حفر نهرًا مبدؤه من الأنبار، ومنتهاه مشهد علي، تجدد عليه مائة وخمسين قرية. وقدم القان أبغا العراق، فاجتمع الأخوان علاء الدين وشمس الدين، فأحصيت جوائزهما في العيد، فبلغت ألف جائزة. وكان الفاضل إذا ألف كتابًا وعمله باسمهما، كانت جائزته ألف دينار، ولهما إحسان على الفقهاء والصلحاء، ولهما يد في المعقول والآداب، ويرجعان إلى إسلام. قدم مجد الملك سنة ثمانين، فعلم صاحب الديوان، فأخذ أمواله وعقاره وعذبه، ثم بعد أباقا عظم دست الأخوين وسلم مجد الملك إلى علاء الدين، فقتله وسلخه، وأنفذ إلى بغداد نائبًا له، فحكم أشهرًا، ثم مات النائب نجم الدين الأصغر، وله سيرة طويلة، قتل مجد الملك قتلةً شنيعة، سلخه هارون بن الصاحب، وشربوا الخمر في جمجمته، فلم لسن بعد علاء الدين. ولما عاد مكسورًا مهزومًا من الشام، حمل صاحب الديوان إلى همدان، فهلك أبغا ومنكوتمر، واختفى الأخوان، فمات علاء الدين في الخفية سنة إحدى وثمانين وستمائة عن ثمان وخمسين سنة، ثم ظفر آرغون بالوزير، فقتله. ومن محاسن علاء الدين أنه بنى مساكن كثيرة بظاهر بغداد، وهو الكشك الذي

стр. 3642

بين باب الحلية وباب الظفرية، لينزله أعيان التتار. وكانت بغداد - على ما ذكر ابن النجار - في أيام السلجوقية، إذا قدمها العسكر من العجم ودخلوها، ونزلوا في بيوت الرعية وخالطوهم، وامتزجوا بأهاليهم، وتصرفوا في القماش والحريم، فخربت بغداد، ونزح كثير منها، لهذه المفسدة الكبرى، فأنشأ عطا ملك للمغول هذه الأماكن الفسيحة كفًا، لأذى العسكر. ثم أنشأ رباطًا كبيرًا بالمشهد النجفي، وأجرى إليه الماء، وإلى جامع الكوفة، وأنشأ المدرسة العصمتية على المذاهب الأربعة. وفي سنة ست وسبعين وستمائة كان القحط بالعراق، فعمل دار مضيف للضعفاء، وبر للمستورين، وهم بإنشاء قناطر على دجلة، فقال المعمار: يزيد ذلك مائتي ألف دينار، فأمر بعمل بركة وسط المستنصرية يصعد إليها بدار بعد أن يحمل الماء إلى المدرسة في القرب. وكان له مجلس يجتمع فيه العلماء يتناظرون، ويبحث معهم ويكرمهم. وقال البهاء علي بن عيسى الكاتب: كاتبني الصاحب عطاء ملك، والغل في عنقه ويده، في يوم بارد، وهو جالس على الرمل، وعليه قميص، وهو صابر حامد الله: [من الكامل] لا تَعْجَبَنَّ لِمَا جَرَى … فالخَيْرُ فِيهِ لَعَلَّهُ قدْ كُنْتَ عَبْدًا آبِقًَا … يَعْصِي الإلَهَ فَغَلَّهُ قال ابن عيسى، وعمل الصاحب أيضًا: [من الوافر] لَئِنْ نَظَرَ الزَّمانُ إليَّ شَزْرًَا … فَلَا تَكُ ضَيِّقًَا مِنْ ذَاكَ صَدْرَا وَكُنْ باللهِ ذا ثقَةٍ فإنّي … أرى للهِ في ذَا الأَمْرِ سِرًا زَمَانِي إِذْ رَمَانِي لا أُبَالِي … فَقَدْ مَارَسْتُهُ عُسْرًا وَيُسْرَا وقَدْ صَاحَبتُهُ سِتِّينَ عَامًَا … مَضَيْنَ وَذُقْتُهُ حُلْوًَا ومُرًا سَلَكْتُ فِجَاجَهُ حَزْنَا وَسَهْلًا … وَخُضْتُ غُمَارَهُ مَدًا وَجَزْرَا رأيتُ الدَّهْرَ لا يَبْقَى بحالٍ … يُرِيْكَ الوَجْهَ ثُمَّ يُرِيكَ ظَهْرَا إذا دُكَّتْ جِبَالُ الصَّبْرِ دَكًَا … تَرَى مِنِّي فُؤَادًَا مُسْتَقِرًا فَفِي البَأسَاءِ لَمِ أَخْضَعْ لِبُوسٍ … وَفِي السَّرَّاءِ لَسْتُ أَطِيشُ كِبْرَا في أبيات: ومن شعره: [من الطويل] رَعَى اللهُ أَيَّامًا لَنَا وَلَيَالِيَا … تَقَضَّتْ وبُرْدُ العَيْشِ صَافٍ مُفَوَّفٌ

стр. 3643

يَدُوْرُ عَلَيْهَا الكَأْسُ كَأْس فكاكه … يَلَذُّ لَدَيْنَا لَا حُمَيًّا وَقَرْقَفُ نَأَيْتُمْ فَلَا العَيْنُ القَرِيْحةُ بَعْدَكُم … رَقَى دَمْعُهَا يَومًا وَلا انْفَكَ يَذْرِفُ عَصَيْنَا أَحَادِيثَ العَدُوْلِ عَلَيْكُمُ … وَغَيَّرَكُمْ قَوْلُ الحَسُوْدِ المُحَرَّفُ وَكَمْ حَنَّ لِلْقَلْبِ الحَزِيْنِ مُقَرْطَقٌ … عَزِيزٌ كَمَا شَاءَ الجَمَالُ مُشَرَّفْ مِنَ التُرْكِ أَمَّا قَلْبُهُ فِيْهِ قَسْوَةُ الحَديد … وَأَمَّا جِسْمُهُ فَهُوَ مُتْرَفُ يَرُوْمُ وِصَالًا مِنْ فُؤَادٍ مُعَذَّبٍ … بِحُبِّكُمُ فَانْصَاعَ لَا يَتَوَقَّفُ وَلَوْلَا هَوَاكُمْ لَمْ أَكُنْ عَنْهُ عَادِلًا … وَلَا بِتُّ مِنْ تَقرِيبِهِ أَتَعَفَّفُ تَعَالُوا بِنَا نَسْرِقْ مِنَ العُمْرِ سَاعَةٌ … فَنَجْنِيْ ثِمَارَ الوَصْلِ فِيهَا وَنَقْطِفُ وَإِنْ كُنْتُمُ تَلْقَوْنَ مِنْ ذَاكَ كُلْفَةً … دَعُوْنِي أَمُتْ وَجْدًَا وَلا تَتَكَلَّفُوا وقوله: [من الطويل] لِذِكْرِ الحِمَى يَصْبُو الفُؤَادُ المُشَوَّقُ … وَذِكْرُ الحِمَى يُضْنِي المُحِبَّ وَيُقْلَقُ إذا هَمَّ طُولَ العَهْدِ يُبْدِي تَسَلِّيَا … أَبَتْ كَبِدٌ حَرَّى وَجَفْنٌ مُؤَرَّقٌ وَكَيْفَ وَمِنْ أَيْنَ السُّلُوُّ لِعَاشِقِ … يُجَنُّ إذا نَاحَ الحَمَامُ المُطَوَّقُ تَكَادُ إِذَا مَا الوَجْدُ جَدَّدَ ذِكْرَهَا … وَكَيْفَ وَلا إِنْسَانِ نَفْسِيَ تَزْهَقُ سَقَاهَا الحَيَا رَبْعًا وَدَهْرًَا قَدِ انْقَضَى … وَلِلْعَيْشِ مِنْ مَاءِ الشَّبِيْبَةِ رَوْنَقُ ولِلْقَلْبِ مِنْ بَعْدِ النَّوائِبِ مَغْرِبٌ … وَلِلْعَيْنِ مِنْ وَجْهِ الأَحِبَّةِ مَشْرِقُ فَيَا طِيبَ ذَاكَ العَيْشِ لَوْ كَانَ دَائِمًَا … وَيَا طِيْبَ لَيْلِ الوَصْلِ لَوْلَا التَّفَرُّقُ وقوله: [من البسيط] أحْبَابِنَا لَو دَرَى قَلْبِيْ بِأَنَّكُمُ … تَدْرُوْنَ مَا أَنَا فِيْهِ لَذَّ لِي تَعَبِي لَكِنْ تَعْظَّمَ مَا أَلْقَاهُ مِنْ أَلَمٍ … أَنِّي أَمُوْتُ وَلَا تَدْرِي الأَحِبَّةُ بِي وقوله: [من الطويل] أَبَادِيَةَ الأَعْرَابِ عَنِّي فَإِنَّنِي … بِحَاضِرَةِ الْأَتْرَاكِ نِيْطَتْ عَلَائِقِي وأَهْلَكِ يَا نَجْلَا العُيونِ فَإِنَّنِي … فُتِنْتُ بِهَذا النَاظِرِ المُتَضَابِقِ وقوله: [من الكامل] مَضَتِ الشَّبِيْبَةُ وانْمَحَى أَثَرُ الهَوَى … وَالعَيْشُ مِنْ فَقْدِ الشَّبَابِ مُكَدَّرُ إنَّ الشَّبِيْبَةَ جَوْهَرٌ وأَرَى الهَوَى … عَرَضًَا يَزُولُ إِذا يَزُولُ الجَوْهَرُ

стр. 3644

[٧٣] رشيد الدين الهمداني (١) خواجا رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن عالي الهمداني، الطبيب، العطار والده، واهب دهيا وادعيا، وبلية لا تطاق، ومصيبة لا يحل لها نطاق، وسم … متجرعه، وأرقم لا يتجنب موضعه، أسدٌ مُفترس، وذئب مختلس، … يحلق بالمنون، وعقاب يأخذ بالظنون، ورجل دهر لا يتبدل له حصاه، ولا يتقيد الأجل أولًا إلا من عصاه. خدم السلطان محمود غازان بالطب إلا أنه سلَّم إليه روحه، وذلل له جموحه، وكان لا يأكل ولا يشرب إلا من يده، وكان يطبخ له الطعام في قدر فضة أعدها، فإذا فرغ منه غَرَفَه في أواني من ذهب، وتولى عمله وغَرَفَهُ بيديه، ثم حمله معه على رأس ابنه إليه، ثم هو الذي يلقمه، ويقطع له منه ويطعمه، وغازان لا يمس بيد، ولا يأكل إلا من يد خواجا رشيد أو ولده.

стр. 3645

وكان له مع هذا بلدان يستغلهما، ويأخذ منهما كثير الأموال ويستقلهما، وكان له مع هذا جوار وإدرارات، ورواتب ومقررات تفيض على مائة كاتب، هذا مع نظر الأوقاف الغازانية، وهي ممالك وجمل يقال فيها، وهي أضعاف ذلك. وكان كالمشير والجليس للملك إذا وقف الوزير، وكانت الوزراء معه في مثل حلقة الخاتم، وسببه طاعة الخادم، لا يتعرف لهم متصرف إلا بمراجعته، ولا يسعه غير الانقياد إلى مطاوعته، وبقي على هذا إلى آخر أيام غازان، وصدرًا من دولة أخيه على ما كان. وحكى لي شيخنا أبو الثناء الأصفهاني - أدام الله بقاءه - أنَّ خواجا رشيد جمع أنواعًا من الحكم ضمها في تأليف، ورسمه باسم السلطان غازان، ثم أتى إليه، وقال له: أيها القان، أنت أعظم من الإسكندر، وأنا أفضل من أرسطو، وقد كان أرسطو صنف كتابًا، فأجازه عنه ألف ألف دينار، فأجازه بذلك فأخذ به أملاك خربة في أقطار البلاد ثمنت عليه بقيمة الخراب بالمبلغ، ثم عمرها لجاهه، فصارت لا قيمة لها، ولا يحصى ما يستغل منها. وقد حكى حسن الإربلي المتطبب المؤرخ ﵀ ما معناه: أنه لما ضاق باع الوزراء، وضاع بتدبيرهم معه أن … رشاشه، أو أحرقتهم شراره، فقسمت بينه وبين علي شاه التوريزي شطرين، وسلمت إليهما قطرين. وكان علي شاه وهو الساعي في هذا، بعد أن كان به منفردًا، فأظله السجسج متبردًا، إلا أن خواجا رشيد كان فيما هو أجل من الوزارة موضعًا، وأقدر على ما يوعى به السلطان مسمعًا، فكان لا يزال يرميهم بالأوابد، يصميهم بالسهام إصماء اللوابد لما يجده من السبيل إليهم، … .. بالتصرف في الأموال عليهم، وهو مما يدخل تحت أيديهم بريء الساحة،، نقي الراحة، لا يقام منه جليس، ولا يقال إلا أنه أنيس، لا سيما وهو مع هذا طبيب، وسمير إلى القلوب حبيب، فلما دخل في الوزارة، وحمل أحمالها، وقلّد أعمالها، وصار يطلب بالمال، ويلام بخيبة الآمال، سكت لسان دلعه، وتحقق بيان طلعه، ولزمه حكم ما هم عليه، ولم يبق إلا ما ينسب إليهم وإليه، فانقاد صعبه الأرن، وذلّ أنفه الشامخ، وسلم حطامه إلى يد الممتهن، وذلك أيام السلطان خدا بنده، ومواهبه بحار، ومطاياه في عطاياه بحار، ودام في مقالبة الأحوال، ومقابلة الأهوال، إلى أن أعطى السلطان خدا بنده دواء سهلًا في مرضة مرضها، ونوبة رمى بها من يديه الحياة الدنيا، ورفضها، فلما جرعن سريره، ونقل إلى حفرة مصيره وجد علي شاه سبيلًا إليه لم نحط مقتله، ولم يعد وقته المؤقت أجله، فحين قضى نحبه، وأخلى من الفضاء رحبه، دس طبيبه المباشر لعلاجه، والمثابر على تعرف أحوال مزاجه،
следующие страницы →