← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

إلا بحفائها، وفرقة الكفار لا يذهب سيل دجلة إلا بجفائها، وسيوف الإسلام لو أغفت معها عيون الأعداء، لروعتها في إغفائها، ولو عفت عن ولوغ الدماء لما سُلَّتْ إلا في إعفائها، يقذف بريح تلك العدة وقارب في تفريج تلك الشدة، وفعل كل جميل، وفضل كرمه على تأميل. وكان الجويني ينفخ عقيب تلك الجيف الداهية الذاهية عطرًا، وتسفح مثل عونه الغمام قطرًا، وبيد المارين، وينشد من شداه ما يعلم به أن جوين مالا يوجد في دارين، وعلى هذا. وكان أديبًا يقسم البصر إن مثل سلكه، وإن مثلكما … لا يقدر عليه البشر؛ لأنه عطا ملك إلا أنه أماق له الأجل، إناء مفعمًا مثلما وهب لا يقدر عليه، وفرش له القبر حسن الجندل بعد أن كان منعمًا، وأرت المنايا به المصرع، لو كان من يتبصر من عمى. تأدب بخراسان، وكتب بين يدي أبيه، وتنقل إلى أن ولي ممالك العراق بعد القزويني، فعمر القرى، ووفر الأموال، وأسقط المغارم عن الفلاحين، ولم الناس، وعمرت بغداد به، ولم يزل في ارتقاء إلى [أن] قدم مجد الملك فأمسكه وصادره وزالت أيامه. وله النظم والنثر، والمكارم، والسؤدد، فيه رفق عظيم بالرعية حفر نهرًا مبدؤه من الأنبار، ومنتهاه مشهد علي، تجدد عليه مائة وخمسين قرية. وقدم القان أبغا العراق، فاجتمع الأخوان علاء الدين وشمس الدين، فأحصيت جوائزهما في العيد، فبلغت ألف جائزة. وكان الفاضل إذا ألف كتابًا وعمله باسمهما، كانت جائزته ألف دينار، ولهما إحسان على الفقهاء والصلحاء، ولهما يد في المعقول والآداب، ويرجعان إلى إسلام. قدم مجد الملك سنة ثمانين، فعلم صاحب الديوان، فأخذ أمواله وعقاره وعذبه، ثم بعد أباقا عظم دست الأخوين وسلم مجد الملك إلى علاء الدين، فقتله وسلخه، وأنفذ إلى بغداد نائبًا له، فحكم أشهرًا، ثم مات النائب نجم الدين الأصغر، وله سيرة طويلة، قتل مجد الملك قتلةً شنيعة، سلخه هارون بن الصاحب، وشربوا الخمر في جمجمته، فلم لسن بعد علاء الدين. ولما عاد مكسورًا مهزومًا من الشام، حمل صاحب الديوان إلى همدان، فهلك أبغا ومنكوتمر، واختفى الأخوان، فمات علاء الدين في الخفية سنة إحدى وثمانين وستمائة عن ثمان وخمسين سنة، ثم ظفر آرغون بالوزير، فقتله. ومن محاسن علاء الدين أنه بنى مساكن كثيرة بظاهر بغداد، وهو الكشك الذي

стр. 3642

بين باب الحلية وباب الظفرية، لينزله أعيان التتار. وكانت بغداد - على ما ذكر ابن النجار - في أيام السلجوقية، إذا قدمها العسكر من العجم ودخلوها، ونزلوا في بيوت الرعية وخالطوهم، وامتزجوا بأهاليهم، وتصرفوا في القماش والحريم، فخربت بغداد، ونزح كثير منها، لهذه المفسدة الكبرى، فأنشأ عطا ملك للمغول هذه الأماكن الفسيحة كفًا، لأذى العسكر. ثم أنشأ رباطًا كبيرًا بالمشهد النجفي، وأجرى إليه الماء، وإلى جامع الكوفة، وأنشأ المدرسة العصمتية على المذاهب الأربعة. وفي سنة ست وسبعين وستمائة كان القحط بالعراق، فعمل دار مضيف للضعفاء، وبر للمستورين، وهم بإنشاء قناطر على دجلة، فقال المعمار: يزيد ذلك مائتي ألف دينار، فأمر بعمل بركة وسط المستنصرية يصعد إليها بدار بعد أن يحمل الماء إلى المدرسة في القرب. وكان له مجلس يجتمع فيه العلماء يتناظرون، ويبحث معهم ويكرمهم. وقال البهاء علي بن عيسى الكاتب: كاتبني الصاحب عطاء ملك، والغل في عنقه ويده، في يوم بارد، وهو جالس على الرمل، وعليه قميص، وهو صابر حامد الله: [من الكامل] لا تَعْجَبَنَّ لِمَا جَرَى … فالخَيْرُ فِيهِ لَعَلَّهُ قدْ كُنْتَ عَبْدًا آبِقًَا … يَعْصِي الإلَهَ فَغَلَّهُ قال ابن عيسى، وعمل الصاحب أيضًا: [من الوافر] لَئِنْ نَظَرَ الزَّمانُ إليَّ شَزْرًَا … فَلَا تَكُ ضَيِّقًَا مِنْ ذَاكَ صَدْرَا وَكُنْ باللهِ ذا ثقَةٍ فإنّي … أرى للهِ في ذَا الأَمْرِ سِرًا زَمَانِي إِذْ رَمَانِي لا أُبَالِي … فَقَدْ مَارَسْتُهُ عُسْرًا وَيُسْرَا وقَدْ صَاحَبتُهُ سِتِّينَ عَامًَا … مَضَيْنَ وَذُقْتُهُ حُلْوًَا ومُرًا سَلَكْتُ فِجَاجَهُ حَزْنَا وَسَهْلًا … وَخُضْتُ غُمَارَهُ مَدًا وَجَزْرَا رأيتُ الدَّهْرَ لا يَبْقَى بحالٍ … يُرِيْكَ الوَجْهَ ثُمَّ يُرِيكَ ظَهْرَا إذا دُكَّتْ جِبَالُ الصَّبْرِ دَكًَا … تَرَى مِنِّي فُؤَادًَا مُسْتَقِرًا فَفِي البَأسَاءِ لَمِ أَخْضَعْ لِبُوسٍ … وَفِي السَّرَّاءِ لَسْتُ أَطِيشُ كِبْرَا في أبيات: ومن شعره: [من الطويل] رَعَى اللهُ أَيَّامًا لَنَا وَلَيَالِيَا … تَقَضَّتْ وبُرْدُ العَيْشِ صَافٍ مُفَوَّفٌ

стр. 3643

يَدُوْرُ عَلَيْهَا الكَأْسُ كَأْس فكاكه … يَلَذُّ لَدَيْنَا لَا حُمَيًّا وَقَرْقَفُ نَأَيْتُمْ فَلَا العَيْنُ القَرِيْحةُ بَعْدَكُم … رَقَى دَمْعُهَا يَومًا وَلا انْفَكَ يَذْرِفُ عَصَيْنَا أَحَادِيثَ العَدُوْلِ عَلَيْكُمُ … وَغَيَّرَكُمْ قَوْلُ الحَسُوْدِ المُحَرَّفُ وَكَمْ حَنَّ لِلْقَلْبِ الحَزِيْنِ مُقَرْطَقٌ … عَزِيزٌ كَمَا شَاءَ الجَمَالُ مُشَرَّفْ مِنَ التُرْكِ أَمَّا قَلْبُهُ فِيْهِ قَسْوَةُ الحَديد … وَأَمَّا جِسْمُهُ فَهُوَ مُتْرَفُ يَرُوْمُ وِصَالًا مِنْ فُؤَادٍ مُعَذَّبٍ … بِحُبِّكُمُ فَانْصَاعَ لَا يَتَوَقَّفُ وَلَوْلَا هَوَاكُمْ لَمْ أَكُنْ عَنْهُ عَادِلًا … وَلَا بِتُّ مِنْ تَقرِيبِهِ أَتَعَفَّفُ تَعَالُوا بِنَا نَسْرِقْ مِنَ العُمْرِ سَاعَةٌ … فَنَجْنِيْ ثِمَارَ الوَصْلِ فِيهَا وَنَقْطِفُ وَإِنْ كُنْتُمُ تَلْقَوْنَ مِنْ ذَاكَ كُلْفَةً … دَعُوْنِي أَمُتْ وَجْدًَا وَلا تَتَكَلَّفُوا وقوله: [من الطويل] لِذِكْرِ الحِمَى يَصْبُو الفُؤَادُ المُشَوَّقُ … وَذِكْرُ الحِمَى يُضْنِي المُحِبَّ وَيُقْلَقُ إذا هَمَّ طُولَ العَهْدِ يُبْدِي تَسَلِّيَا … أَبَتْ كَبِدٌ حَرَّى وَجَفْنٌ مُؤَرَّقٌ وَكَيْفَ وَمِنْ أَيْنَ السُّلُوُّ لِعَاشِقِ … يُجَنُّ إذا نَاحَ الحَمَامُ المُطَوَّقُ تَكَادُ إِذَا مَا الوَجْدُ جَدَّدَ ذِكْرَهَا … وَكَيْفَ وَلا إِنْسَانِ نَفْسِيَ تَزْهَقُ سَقَاهَا الحَيَا رَبْعًا وَدَهْرًَا قَدِ انْقَضَى … وَلِلْعَيْشِ مِنْ مَاءِ الشَّبِيْبَةِ رَوْنَقُ ولِلْقَلْبِ مِنْ بَعْدِ النَّوائِبِ مَغْرِبٌ … وَلِلْعَيْنِ مِنْ وَجْهِ الأَحِبَّةِ مَشْرِقُ فَيَا طِيبَ ذَاكَ العَيْشِ لَوْ كَانَ دَائِمًَا … وَيَا طِيْبَ لَيْلِ الوَصْلِ لَوْلَا التَّفَرُّقُ وقوله: [من البسيط] أحْبَابِنَا لَو دَرَى قَلْبِيْ بِأَنَّكُمُ … تَدْرُوْنَ مَا أَنَا فِيْهِ لَذَّ لِي تَعَبِي لَكِنْ تَعْظَّمَ مَا أَلْقَاهُ مِنْ أَلَمٍ … أَنِّي أَمُوْتُ وَلَا تَدْرِي الأَحِبَّةُ بِي وقوله: [من الطويل] أَبَادِيَةَ الأَعْرَابِ عَنِّي فَإِنَّنِي … بِحَاضِرَةِ الْأَتْرَاكِ نِيْطَتْ عَلَائِقِي وأَهْلَكِ يَا نَجْلَا العُيونِ فَإِنَّنِي … فُتِنْتُ بِهَذا النَاظِرِ المُتَضَابِقِ وقوله: [من الكامل] مَضَتِ الشَّبِيْبَةُ وانْمَحَى أَثَرُ الهَوَى … وَالعَيْشُ مِنْ فَقْدِ الشَّبَابِ مُكَدَّرُ إنَّ الشَّبِيْبَةَ جَوْهَرٌ وأَرَى الهَوَى … عَرَضًَا يَزُولُ إِذا يَزُولُ الجَوْهَرُ

стр. 3644

[٧٣] رشيد الدين الهمداني (١) خواجا رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن عالي الهمداني، الطبيب، العطار والده، واهب دهيا وادعيا، وبلية لا تطاق، ومصيبة لا يحل لها نطاق، وسم … متجرعه، وأرقم لا يتجنب موضعه، أسدٌ مُفترس، وذئب مختلس، … يحلق بالمنون، وعقاب يأخذ بالظنون، ورجل دهر لا يتبدل له حصاه، ولا يتقيد الأجل أولًا إلا من عصاه. خدم السلطان محمود غازان بالطب إلا أنه سلَّم إليه روحه، وذلل له جموحه، وكان لا يأكل ولا يشرب إلا من يده، وكان يطبخ له الطعام في قدر فضة أعدها، فإذا فرغ منه غَرَفَه في أواني من ذهب، وتولى عمله وغَرَفَهُ بيديه، ثم حمله معه على رأس ابنه إليه، ثم هو الذي يلقمه، ويقطع له منه ويطعمه، وغازان لا يمس بيد، ولا يأكل إلا من يد خواجا رشيد أو ولده.

стр. 3645

وكان له مع هذا بلدان يستغلهما، ويأخذ منهما كثير الأموال ويستقلهما، وكان له مع هذا جوار وإدرارات، ورواتب ومقررات تفيض على مائة كاتب، هذا مع نظر الأوقاف الغازانية، وهي ممالك وجمل يقال فيها، وهي أضعاف ذلك. وكان كالمشير والجليس للملك إذا وقف الوزير، وكانت الوزراء معه في مثل حلقة الخاتم، وسببه طاعة الخادم، لا يتعرف لهم متصرف إلا بمراجعته، ولا يسعه غير الانقياد إلى مطاوعته، وبقي على هذا إلى آخر أيام غازان، وصدرًا من دولة أخيه على ما كان. وحكى لي شيخنا أبو الثناء الأصفهاني - أدام الله بقاءه - أنَّ خواجا رشيد جمع أنواعًا من الحكم ضمها في تأليف، ورسمه باسم السلطان غازان، ثم أتى إليه، وقال له: أيها القان، أنت أعظم من الإسكندر، وأنا أفضل من أرسطو، وقد كان أرسطو صنف كتابًا، فأجازه عنه ألف ألف دينار، فأجازه بذلك فأخذ به أملاك خربة في أقطار البلاد ثمنت عليه بقيمة الخراب بالمبلغ، ثم عمرها لجاهه، فصارت لا قيمة لها، ولا يحصى ما يستغل منها. وقد حكى حسن الإربلي المتطبب المؤرخ ﵀ ما معناه: أنه لما ضاق باع الوزراء، وضاع بتدبيرهم معه أن … رشاشه، أو أحرقتهم شراره، فقسمت بينه وبين علي شاه التوريزي شطرين، وسلمت إليهما قطرين. وكان علي شاه وهو الساعي في هذا، بعد أن كان به منفردًا، فأظله السجسج متبردًا، إلا أن خواجا رشيد كان فيما هو أجل من الوزارة موضعًا، وأقدر على ما يوعى به السلطان مسمعًا، فكان لا يزال يرميهم بالأوابد، يصميهم بالسهام إصماء اللوابد لما يجده من السبيل إليهم، … .. بالتصرف في الأموال عليهم، وهو مما يدخل تحت أيديهم بريء الساحة،، نقي الراحة، لا يقام منه جليس، ولا يقال إلا أنه أنيس، لا سيما وهو مع هذا طبيب، وسمير إلى القلوب حبيب، فلما دخل في الوزارة، وحمل أحمالها، وقلّد أعمالها، وصار يطلب بالمال، ويلام بخيبة الآمال، سكت لسان دلعه، وتحقق بيان طلعه، ولزمه حكم ما هم عليه، ولم يبق إلا ما ينسب إليهم وإليه، فانقاد صعبه الأرن، وذلّ أنفه الشامخ، وسلم حطامه إلى يد الممتهن، وذلك أيام السلطان خدا بنده، ومواهبه بحار، ومطاياه في عطاياه بحار، ودام في مقالبة الأحوال، ومقابلة الأهوال، إلى أن أعطى السلطان خدا بنده دواء سهلًا في مرضة مرضها، ونوبة رمى بها من يديه الحياة الدنيا، ورفضها، فلما جرعن سريره، ونقل إلى حفرة مصيره وجد علي شاه سبيلًا إليه لم نحط مقتله، ولم يعد وقته المؤقت أجله، فحين قضى نحبه، وأخلى من الفضاء رحبه، دس طبيبه المباشر لعلاجه، والمثابر على تعرف أحوال مزاجه،

стр. 3646

فخرج وقد سود ثيابه، وأعلى بكاءه وانتحابه، حتى سمع ولده السلطان أبو سعيد بها درخان الخبر، ورأى من تصنع ذلك الطبيب العبر، وكان عراكم سطر بمكائد الأعداء، ولا يعرف مقدار ما يستشري من الداء، فجازت عليه خدع باطلة، واستحالت خلائق باسلة، وأمر بأن يقتل هو وولده، ويؤخذ طارف ماله وتالده، فأسرع علي شاه وأمضى الأمر، وأوقد بها حرارة في قلوب كثيرة لا يطفأ لها جمر. اشتغل رشيد الدولة في الطب، وفي علم الأوائل، وأسلم. ومات أبوه على يهوديته، واتصل هو بغازان وخدابنده، وعظم شأنه جدًا وكثرت أمواله، وصار في رتبة الملوك. ولما طيب خدابنده، فهلك شغب عليه أحد الوزراء علي شاه، فدرًا عن نفسه بقناطير من الذهب وجواهر، فيقال: أخذ منه النائب جوبان ألف ألف مثقال، ثم قتلوه، وقتلوا ابنه قبله، ولما طلبوا إلى الخدمة، قيل: أنت قتلت القان، قال: أنى يكون ذلك، وقد كنت عطارًا طبيبًا حاملًا، فصيَّرني متصرّفًا في الممالك، وحصلت الأموال العظيمة؟ فأحضر الطبيب جلال الدين بن الخزان، وسألوه فقال: لعلها أفرطت الحيضة بالقان، فاجتمع الأطباء بحضور هذا، ورأوا أن يعطوه مقبضًا، فقال الرشيد عنده امتلاء، ويحتاج تنفيسه، فسقيناه مائة سهلًا خارت منه قواه، فقال الرشيد: صدق، فقال جوبان: فأنت قتلته يا رشيد، وصوت علي شاه يا سلطاناه، فقتلوه وابنه إبراهيم ابن ست عشرة سنة، وطيف في رأسه في نصف جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وسبعمائة، وسُرَّ بمصرعه خلق، وتوجع آخرون، وفصلت أعضاؤه، وبعث بكل عضو إلى بلد، واحترقت جثته. وخلف عدة بنين وبنات وعمائر فاخرة، وأموالًا … منحصرة، وكان فيه حكم وتواضع وسخاء، وبذل للعلماء والصلحاء، وله رأي، ودهاء، ومروءة، وله تصانيف واهية أحرقت بعده، وقد فسر القرآن وأدخل في ذلك فلسفة. وكان الشيخ تاج الدين أفضلي يدينه، ويرميه بدين الأوائل فحلم عنه وصفح. وقيل: كان جيد الإسلام، وعاش بضعًا وسبعين سنة. ومنهم: [٧٤] علي شاه وزير لا ينكر كحلقة، وهو الحسن وقد أصلح الله [به] بين فئتين، ولا لفعله وهو الجميل، إذا عمر الجمعتين، قام بالصلح بين الجانبين، وتكفل برضا المتخاصمين، وأحسن كل الإحسان، وأراد الإحسان بين اثنين، فعم كل إنسان، وذلك بعد تمادى

стр. 3647

مدد لم تضع فيها الحرب أوزارها، ولا أطفأت السيوف أوارها، ولا باتت فيها خيل تعثر على مرابط، ولا ليل ليس فيه لسرى الغارات خابط عدد سنين شيبت الأطفال، وسبيت بالأجفال، وقطعت الأطراف، وهتمت الثغور، وأغلقت المعاقل، وأخافت الرعايا، وأنابت على الوجل، وبتَّتْ حبال الأمل، دعته إليها نية صالحة، وسريرة صحيحة وهمة قادرة، وحزمة حاضرة، وفكرة في عواقب الأمور ناظرة، وبذل فيها ذخائر الأموال، ونفائس الجواهر، وسعى لها سعيها، وبذل لها فوق الجهد حتى استمر مريرها، واستقر لا بغير تقديرها، فهذا الوساد وهد ولله الحمد الفساد. حكى لي الخواجا الكبير السفير مجد الدين إسماعيل السلامي، أن دمشق خواجا بن جوبان وهدنا في تلك الدولة … والأكابر كلهم منهما وأشرف الملوك من تقبل قدمهما، كان قد برأ منه من نزق الشبيبة ما فيه يبغض بالوزير علي شاه، فبلغ ذلك أباه جوبان - وحرمته في زمانه تقارب حرمة جنكز خان - فعظم عليه ما فعله دمشق خواجا ابنه، وضاق به ذرعًا لما عنده من عظيم حرمة الوزارة فأخذ ابنه، وركبا إلى رطاق الوزير، فخرج إليهما، وتلقاهما، فاحلف جوبان أنه لا يجلس إلا بين يديه، ثم أخذ يعتذر لابنه، ويسأله الصفح والعفو. فلما انصرفا لام ابنه، وقال له: أنت مجنون بلا عقل ما تعرف المقادير؟ من نحن حتى نتجرأ على الوزير؟. ومنهم: [٧٥] محمد بن خواجا رشيد (١) فقام بأمر السلطان، وأشبه الملك، فعوذ من الشيطان، وساس البلاد فعمر الأوطان، وأفاض الكرم حتى ضرب الناس بأعطان، بلغ ما لم يبلغه وزير، ولا يسوغه إلا من هو للمؤمنين أمير. قاد الجيوش وليس غير الرماح أسطان، ومد الأسباب وليس

стр. 3648

غير النهار خيطان. ولي والسلطان أبو سعيد في غفلات لهوه، وغلبات زهوه، فاستقل بالأمور، واستقبل سرور أيامه الجمهور، فحفظ الممالك وساسها، وحطم الأعداء وداسها، وحمى الأطراف، ورمى بكل شراره كالطراف، والسلطان أبو سعيد تحت قفل عناقه، وبين خاتونه، وأنياقه، مكبًا على الذماء، ومنصبًا إلى ما يصب الزق له من الدماء، لا ينطق لديه إلا ناي ووتر، ولا يسبق رأي إلا إلى وطر، واتفق له خلو الدست من جوبان وبنيه، وهم السلعة التي كانت تتحامى والسهام التي كانت تترامى، فسرح في سوام الملك، ورتع وامتد له طالع النهار، ومنع وكان هو السلطان، والمسمى أبا سعيد، والخليفة، وإن لم يكن ابن زبيدة، فإنه ابن الرشيد، وتجاوز قدره أمر الألوس، وشمخ، وانحطت رؤوس، وسارت وراءه العساكر، وحمد آراءه الشاكر، وكان ممن قرأ العلم، ووقر بالحلم، ورقى وهو لا يفكر في سلم إلا لحرب، ولا في حرب إلا لسلم، أو الداخل إلى الأندلس لما رضي عن ذلك الجانب بما قسم، والمعصوم المتميّز بأصحابه العشرة إلى الجبل، لحصل الإجماع على أنه عصم، بل لو كان حصل لأخي بني سهم لأصاب من بالعراق وراميه بذي سلم، أو صاحب الربي، لبلغ مرامه، ولم يخدع له في غير سه (١) سمسم، وقطع المدَّة مع ملوك جانبنا على المداهنة، ودفع بالمواعيد عن الساعة الراهنة. ثم لم يزدد بعد موت سلطانه، إذ ملك أرتاكاون إلا تسلكًا ولا قبض يده إلا متبسطًا، ولا أرهب إلا بالسيف، لا بالسطا، ولا طلب أمرًا فأغلق دونه بابه، ولا قيدت له خطى.

стр. 3649

ثم يكن بأعجل مما دهي، وضربت عنقه وهو غافل يلتهي، ولد في الإسلام، ولما نكب والده وقتل، سلم هذا واشتغل مدة، وصحب أهل الخير فلما توفي علي شاه الوزير، طلب أبو سعيد محمدًا هذا، وفوض إليه الوزارة، ومكنه، ورد إليه مقاليد سائر الأمور، وحصل له من الارتقاء والملك ما لم يبلغه وزير في هذه الأزمان. وكانت رتبته من نوع رتبة نظام الملك في وقته، وكان يتصرف في أمر اليوسفي تصرف القان، يقرب منهم إلى الأرد من شاء. ولا يترك رسول إلا ببابه، ولا ثياب بثوابه، ولا يرد إلا بكتابه، ولا يصدر إلا بجوابه. وكان من أجمل الناس صورة، وأمه تركية، وله عقل ودهاء، وغور، مع ديانة، وحسن إسلام، وكرم، وسؤدد، وخبرة بالأمور، وله آثار جميلة خرب كنائس بغداد، ورد أمراء المواريث إلى مذهب أبي حنيفة وغيره. وفي الجملة له ذنوب، ومع هذا فهو خير وزراء وقتنا وكان إليه تولية نواب الممالك وعزلهم، ولا يخالفه القان في شيء أبدًا. ولما احتضر القان أبو سعيد، نهض الوزير محمد إلى شاب من بقايا النسل يقال له أرماخان فسلطنه، وأخذ له البيعة على الأمراء، واستوسق أمره، فخرج عليهم … وقاتل الجميع، وقتل أرماخان والوزير في رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة. وأما من نذكره من وزراء الدولة التركية بالشام، فمنهم: * * *

стр. 3650

وزراء الدولة التركية في الشام [٧٦] ابن مَطْرُوح (١) أبو الحسين، يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين جمال الدين. وزير حلّ من الدولة محل العقود من الترائب، والعهود من السحائب حتى صار ذكره مسكًا في فم كل ناطق، وملكًا لا يسمح به لكل المناطق. ولد بالصعيد ونشأ، وصاح الفريد، وأنشأ، واعتنى بالأدب حتى اقتاد وافره،

стр. 3651

واجتلى سوافره، وراض حتى الضرغام الأسد، فما سَنَّ أنيابه ولا حدَّ أظافره. وكان هو وبهاء الدين زهير الكاتب رضيعي لبان، وخليعي عذار وعنان. وكانا يتنازعان المعاني كؤوسًا دهاقًا، ويتسارعان إلى المعالي فيها لحاقًا، وكانا رسة نصرهما، وشغل أهل عصرهما، وشعرهما دوس أهل ذلك الزمان، ودور ما كانت تتعاطاه الندمان، وبينهما من المراجعات ما يكفل للعشيان بأن لا تهجع الزمان بمثله فآلى ألا يرجع. خدم في الدواوين، يخلع وظيفة، ويلبس وظيفة، ويباشر رتبها خاضعة ومنيعة، واتصل بالخدمة الكاملية اتصالًا ظهر سعده في ابنه الصالح، وبهر مجده رماح الصائح، وولي وزارة الشام مدَّة كأنها أحلام نائم، أو أوقات لائم، إلى أن فطن الدهر، وقد كان عقل وآب تصرفه، وكان قد قفل، فعزل وتعزلت الدنيا من أيامه الحسان، ورحل ومعه جملة الإحسان. اتصل بخدمة الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بحال نيابته عن أبيه الكامل بالديار المصرية. ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، فصار له آمد، وحصن كيفا، ومران، والرها، ورأس عين، وسروج، وما انضم إلى ذلك، سير إليها ابنه الصالح نائبًا عنه سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان ابن مطروح - المذكور معه ولم يزل ينتقل في تلك البلاد إلى أن وصل الصالح إلى مصر مالكًا لها سنة سبع وثلاثين، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة، فرتبه السلطان ناظرًا في الخزانة. ولم يزل يقرب منهن ويحظى عنده إلى أن ملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية سنة ثلاث وأربعين، ورتب لدمشق نائبًا، فكان ابن مطروح في صورة وزير لها، وحسنت حاله، وارتفعت منزلته. ثم إن الصالح توجه إلى دمشق، فوصلها في شعبان سنة ست وأربعين، وجهز عسكرًا إلى حمص لاستنقاذها من نواب الناصر يوسف فسير ابن مطروح مع العسكر المتوجه إلى حمص، وأقام الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص، فبلغه أنَّ الفرنج اجتمعوا بجزيرة قبرص، على قصد الديار المصرية، فسير إلى عسكره المحاصرين بحمص، وأمرهم أن يتركوا ذلك القصد، ويعودوا، فعاد بالعسكر، وابن مطروح في الخدمة، والملك الصالح متغير عليه، متنكر له لأمور نقمها. وطرق الفرنج البلاد سنة سبع وأربعين وملكوا دمياط وخيم الصالح بعسكره على المنصورة، وابن مطروح مواظب [على] الخدمة مع الإعراض عنه.

стр. 3652

ثم مات الصالح في نصف شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة ووصل ابن مطروح إلى مصر وأقام بداره إلى أن مات ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة. ومولده يوم الاثنين ثامن رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وكانت أدواته جميلة، وخلاله حميدة، جمع بين الفضل والمروءة، والأخلاق الرضية. وله ديوان شعر، فمن مختار شعره قوله من قصيدة يمدح بها الإمام المستنصر بالله أبا جعفر أمير المؤمنين (١): [من الكامل] شَرَفًَا بَنِي العَبَّاسِ، ما أبْقَيْتُمُ … فَخْرًا لِمُفْتَخِرِ بِهِ يَتَبَجَّحُ لَكُمُ المَقَامُ وَيَشْرِبْ دُونَ الوَرَى … إِرْثٌ، وَمَكَةُ والصَّفَا والأَبْطَحُ أوَ لَيْسَ جَدُّكُمُ الذي اسْتَسْقَى بِهِ … عُمَرُ؟ فَجادَ لَهُ الغَمامُ الدُّلَّحُ لا يَدَّعِي هذي المَنَاقِبَ مُدَّع … فالبَيْتُ أَمْلَكُ والسَّجِيَّةُ أَسْجَحُ فَوْقَ السَّمَاءِ خِيَامُهُمْ مَضْرُوْبَةٌ … فَلِخَيْلِهِمْ مَسْرًى هُنَاكَ وَمَسْرَحُ حيثُ النُّجُومُ تُعَدُّ مِنْ حَصْبَائِهَا … والبَرْقُ مِنْهَا بِالسَّنابِكِ يُقْدَحُ أخلِيفَةَ اللهِ الرِّضَا هَلْ لي إلى … بُحْبُوحَةِ الفِرْدَوْسِ بَابٌ يُفْتَحُ؟ حَتَّى أطوف بِذَلِكَ الحَرَم الذي … مَا فَازَ إِلَّا مَنْ بِهِ يَتَمَسَّحُ وأقومَ أَنْشُدُ ما يَكادُ مُبَالِغُ … إِنْ لَمْ يَطِرْ طَرَبًَا لَهُ يَتَرَنَّحُ هذا الذي نَزَلَ الكِتَابُ بِمَدْحِهِ … فَبِأَيِّ شَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْدَحُ؟! هذا هو الملك الذي لا يَنْبَغِي … لِسِوَاكَ والشَّرَفُ الذي لا يُرْجَحُ لا دَرَّ درِّي إِنْ وَنَتْ بِيَ هِمَّةٌ … عَنْ قَصْدِ دَارٍ ظِلُّهَا لا يَمْصَحُ وإلى أمير المؤمنين رَفَعْتُها … عَذْرَاءَ تَنْفِرُ مِنْ سِوَاهُ وَتَجْمَحُ مَحْجُوبَةٌ وَحَدِيثُهَا بَيْنَ الوَرَى … إِنَّ الإِناءَ بِمَا وَعَاهُ يَنْضَحُ تَسْرِي الكَواكِبُ طَالِبَاتٍ شَأْوَهَا … وتَبِيْتُ في نَهْرِ المَجَرَّةِ تَسْبَحُ حَتَّى وَصَلْتُ بِها سُرادِقَ أَبْلَجِ … مِنْ وَجْهِهِ سِرُّ النُّبُوَّةِ يُلْمَحُ مَنْ مُبْلِغْ قَوْمًَا بِمِصْرَ تَرَكْتُهُمْ … فردًا، وأعْيُنُهُم لِعَوْدِيَ تَطْمَحُ ما نِلْتُ مِنْ شَرَفٍ وَمَجْدٍ باذخ … وَعُلالَها وَفَوْقَ الكَواكِبِ مَطْرَحُ فِبِذَلِكَ الشَّرَفِ الذي أُوْتِيْتُهُ … وَبِحُسْنِ مُنْقَلَبِي إِذنْ فَلْيَفْرَحُوا

стр. 3653

إِنِّي لأرْبَحُ مَتْجَرًَا مِنْ مَعْشَرٍ … أَضَحَتْ بَضَائِعُهُمْ تُذالُ وتُطْرَحُ جَلَبُوا الذي يَفْنَى وَيَنْفَدُ عَاجِلًا … وَطَلَبْتُ مَا يَبْقَى، فَمَنْ هُوَ أَرْبَحُ؟ اللهُ حَسْبُكَ يا بْنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ … فَلِسِمْطِ مَدْحِكَ ذِي اللآلي تَصْلَحُ لا كُلَّ عَرْشُ خِلافَةٍ مُذْ حُطْتَها … قَرَأتْ على أَعْدَائِها لَنْ تُفْلِحُوا إِنَّ الخِلافَةَ لَمْ تَكُنْ إِلا لَكُمْ … مِنْ آدَم وَهَلُمَّ جَرًا تَصْلُحُ وقوله يمدحه من أخرى (١): [من مجزوء الكامل] عَذَلُوا عَلَيْكَ فَأَكْثَرُوا … لَوْ أَنَّني أتأثرُ وتَحَيَّرُوا حَتَّى رأوْ … فَمُذْ رَأَوكَ تَحَيَّرُوا بُهِتُوا لِحُسْنِكَ وَانْثَنَى … مَنْ كانَ يَعْذِلُ يَعْذِرُ قُلْ لِلْعَوَاذِلِ طَوَّلُوا … إن شئتم أو قصروا لا أنْتَهِي لا أنْثَنِي … لا أرْعَوِي، لا أصْبِرُ قَالُوا وَقَدْ نَظَرُوكَ بَعْـ … ــدَ الشَّمْسِ هَذَا أَكْبَرُ أغْنَيْتَنِي وَسَبَيْتَنِي … فَأَنَا المُقِلُّ المُكْثِرُ يَا دَهْرُ لا تَمْدُدْ إِليَّ … يَدًا فباعُكَ أَقْصَرُ اللهُ لِي مِنْ كُلِّ مَا … أخْشَاهُ والمُسْتَنْصِرُ وقوله يمدح الملك الكامل بن العادل من أبيات (٢): [من الكامل] إنَّ الملوك بأسرهم خَوَلٌ له … حاشى أبيه - كلاهُما سِيَّانِ صَانَ المَعَالِي حَيْثُ كَانَ لهَا أَبًَا … وكذا تكون حمية الغَيران وقوله يمدح الملك الأشرف بن العادل من أبيات (٣): [من الكامل] وَافَى وأَقْبَلَ في الغلالَةِ يَنْثَنِي … فَأَزَالَ حَظَّ المُجْتَلِي والمُجْتَنَي وَرَنَا فَمَا تُغْنِي التَّمَائِمُ والرُّقَى … - وأبِيكَ - مِنْ لَحَظَاتِ تِلْكَ الْأَعْيُنِ قُلْ لِلْعَوَاذِلِ فِي هَوَاهُ ألا انْتَهُوا … لَا أَنْتَهِي لَا أَرْعَوِي لَا أَنْثَنِي وَبَلِيَّتِي مِنْ صَائِدِ لِي نَافِرٍ … وَمَتَى يُنَالُ الوَصْلُ مِنْ مُتَلَوِّنِ عَهْدِي بِهِ وَيَدِي مَكَانَ وِشَاحِهِ … والوَجْدُ بَاقِ والتَصَبُّرُ قَدْ فَنِي وَشَدَا بِشِعْرِي فَافْتَتَنْتُ، وَيَالَهَا … مِنْ فِتْنَةٍ شَنْعَاءَ لَوْ لَمْ أُفْتَنِ

стр. 3654

شِعْرِي ومَحْبُوبِي يُغَنِّيْنِي بِهِ … وَهُنَاكَ تَحْسُنُ صَبْوَةُ المُتَدَيِّنِ لا شَيْءَ يُطْرِبُ سَامِعًَا كَحَدِيْثِهِ … إِلا الثَّناءُ عَلَى عُلا شَاهِ ارْمَنِ الأَشْرَفِ المَلِكِ الكَرِيمِ المُجْتَبَى … مُوسَى ويمم بالكَرِيمِ المُحِسِنِ مَلِكٌ إِذا أَنْفَقْتَ عُمْرَكَ كُلَّهُ … في نَظْرَةٍ مِنْ وَجْهِهِ لَمْ تُغْبَنِ وَإِذا انْتَخَبْتَ لَهُ دُعاءً صالِحًا … لَمْ تَلْقَ غَيْرَ مُشَارِكِ وَمُؤَمِّنِ يَا أَيُّها المَلِكُ الذي مَنْ فاتَهُ … نَظَرُ إِلَيْكَ فَمَا أَرَاهُ بِمُؤْمِنِ أفْنَيْتَ خَيْلَكَ والصَّوارِمَ والقَنَا … وَعِدَاك والأملاك ماذا تَقْتَنِي أبْقَتْ لَكَ الذِّكْرَ الجَمِيْلَ مُخَلِّدًا … شِيَمٌ لَهَا الأَمْلاكُ لَمْ تَتَفَطَّنِ وَشَجَاعَةٌ رَجَفَ العِرَاقُ لِذِكْرِهَا … وتِهَامَةٌ وبِلادُ عَبْدِ المُؤْمِنِ ولى الخَوَارِزْمِيُّ مِنْهَا هَارِبًَا … وهلمَّ جَرًّا قَلْبُه لِمْ يَسْكُنِ ما كَانَ أَشْوَقَنِي لِلَثْمِ بَنَانِهِ … وَلَقَدْ ظَفِرْتُ بِلَثْمِهَا فَلْيَهْنِنِي وَدَخَلْتُ مِنْ أَبْوَابِهِ في جَنَّةٍ … يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِأَنَّنِي يَا مُكْثِرِي الدَّعْوَى احْفَظُوا أَصْوَاتَكُمْ … مَا كُلُّ رَافِعِ صَوْتِهِ بِمُؤَذِنِ أنَا مَنْ يُحَدِّثُ عَنْهُ فِي أَقَطَارِهَا … مَنْ كانَ فِي شَكٍّ بِهِ فَلْيُوقِنِ مَلِكَ المُلوكِ إِلَيْكَهَا مِنْ نَاظِمِ … مُتَرَسِّلٍ مُتَنَوْعٍ مُتَفَنَّنِ لا تُخْدَعَنَّ بِظَاهِرٍ عَنْ بَاطِنِ … قَدْ يُظْهِرُ الإِنْسَانُ مَا لَمْ يُبْطِنِ عاشت عِدَاكَ - وَلا أَشِحٌ عَلَيْهُمُ … عُمْيَ النَّواظِرِ عَنْكَ خُرْسَ الأَلْسُنِ وقوله من أخرى يمدح الملك المسعود بن الكامل من أبيات (١): [من الطويل] وإني على ما فِيَّ مِنْ حَضَرِيَّةٍ … لَيُعجبني ظِلُّ الخِبَاءِ المُشرَّع ومَا أَنسَ لَا أَنْسَ المَلِيْحَةَ إِذْ بَدَتْ … دُبِّي فَأضاءَ الأَفْقِ مِنْ كُلِّ مَوْضِعَ فَمَا شَلَّ طَرْفِي أَنَّهَا الشَّمْسُ أَشْرَقَتْ … وَلا أَنَّنِي أُوتِيتُ آيَةَ يُوشَع تَمَنَّيْتُ مِنْها قُبْلَةَ فَتَمَنَّعَتْ … وجَادَتْ بِوَصْلِ بَعْدَ طُولِ تَمَتَّعَ وَعَانَقْتُهَا حَتَى تَنَاثَرَ عِقْدُهَا … وَلَو رَضِيَتْ قَلَّدتُهَا دُرَّ أَدْمُعِي وقَالَتْ وَعَقْدُ القَافِ مِنْهَا سَجِيَّةٌ: … أَقِمْ عِنْدَنَا مَا شِئْتَ غَيْرَ مُرَوَّعِ وَوَاللهِ إما أن يكون كلامُهَا … مِنَ السِّحْرِ، أَوْ فَالسَّحْرُ خَامَرَ مَسْمَعِي وقوله في ختان الغيث بن العادل من قصيدة (٢): [من الوافر]

стр. 3655

فلولا أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْنَا … لَمَا مُدَّتْ لِخَاتِنِهِ يَدَانِ فَقَطَّ الشَّمْعِ يُكْسِبُهُ ضِيَاءٌ … وَقَصُّ الظُّفْرِ أَطْوَلُ لِلْبَنَانِ وقوله يمدح الناصر بن يوسف بن العزيز بن ظاهر عند مسيره إلى حلب سنة ثلاث وأربعين وستمائة (١): [من الرمل] لَا وَعَيْنَيْكَ وَيَكْفِي ذَا القَسَمْ … مَا رَأتْ عَيْنَايَ نَومًَا مِنْذُ كَمْ أيُّهَا الرَّاقِدُ في لَذَّاتِهِ … نَمْ هَنِيْئًا إِنَّ عَيْنِي لَم تَنَمْ وَيْحَ قَلْبِي مِنْ هَوَى مُسْتَهْتِرٍ … مَا رَأَى جفنَا بَكَى إِلَّا ابْتَسَمْ قَمَرٌ تَمَّ على عُشَّاقِه … كُلُّ نقص منه لما قيلَ تَمْ أشتكي سقمي إلى أجفانه … وَمَتَى يَشْفَى سِقامٌ بِسَقَمْ بَدَوِيُّ الزِّيِّ إِلا أَنَّهُ … لا يَخَافُ العَارَ فِي نَقْضِ الدِّمَمْ ربَّمَا هَمَّ بِلَثْمِي هَازِئًَا … فإذا مَا سُمْتُهُ اللَّثْمَ الْتَثَمْ لا تَرَاهُ نَاسِيًَا لَفْظَةَ لَا … كَصَلَاحِ الدِّينِ لَا يَنْسَى نَعَمْ عَجَبِي مِنْ قَلَم في كَفِّهِ … لَيْسَ يَمْضِي السَّيْفُ إِلَّا إِنْ رَسَمْ أنتُم مِنْ مَعْشَرِ ذِكْرُ النَّدَى … عِنْدَهُمْ حَتَّى وَإِنْ كَانُوا رِمَمْ هُمْ جِبَالُ الحِلْم إِنْ أَغَضَبْتَهُمْ … فَإِذَا اسْتَجْدَيْتَهُمْ كَانُوا دِيَمْ كُلَّمَا مَدَّ كَرِيمٌ رَاحَةَ … أَخْرَتْهَا لِلْعُلَا مِنْكُمْ قَدَمْ مَنْ يَرُدُّ الغَيْثَ إِنْ قِيْلَ هَمَى … مَنْ يَصُدُّ اللَّيْثَ إِنْ قِيلَ هَجَمْ مَلِكَ العِلمَ تَرَاهُ أَبَدًا … نَاشِرًَا مِنْ عِلْمِهِ أَعْلَى عَلَمْ حَارَتِ الأَفْكَارُ فِي وَصْفِ فَتًى … عَلَوِيِّ العِلْم عُلْوِيِّ الهِمَمْ حَاوِلُوا القِسْمَةَ فِي أَمْوَالِهِ … وَدَعَوا عَلْيَاهُ لَيْسَتْ تُقْتَسَمْ يَا وَزِيْرَ الدَّسْتِ خُذْهَا جُمْلَةً … فَإِذَا مَا فُصِّلَتْ كَانَتْ حُلُمْ وَابْقَ لِلْسُؤدَدِ سُورًا لَا وَهَى … وَسِوَارًَا لِلمَعَالِي لَا انْفَصَمْ وقوله من أخرى يمدح المظفر تقي الدين ويهنئة بمملكة حماه (٢): [من الطويل] سَلَا خَاطِرِي عَنْ زَيْنَبٍ وَنَوَارِ … مُوَرَّدُ خَدٌ فَوْقَ آسِ عِذَارِ وَأَصْبَحْتُ بالظَّبْي المُمَنْطَقِ مُغْرَمًَا … وَلَا رَأْيَ لِي فِي عِشْقِ ذَاتِ سِوَارِ وإِنِّي عَلَى حُبِّ العِذَارِ وَوَصْفِهِ … أَعِفُ، وَإِنْ قَالُوا: خَلِيْعُ عِذَارِ

стр. 3656

سَكِرْتُ بِكَأْسٍ مِنْ بَدِيعِ جَمَالِهِ … وَمَا حُبُّ كَأْسٍ بِالجَمَالِ بِعَارِ وَعَهْدِي بِهِ يَجْلُو المَدَامَةَ بَيْنَنَا … وَيَجْلُو الدُّجَى عَنَّا بِشَمْسِ عُقَارِ سَقَى وَجْنَتَيْهِ الحُسْنُ والدَّمْعُ وَجْنَتِي … فَيَا وَرْدَتَيْهِ رَحْمَةً لِبَهَارِي وقَد خَيَّرَ السَّبْعُ الدَّرَارِي بِحُسْنِهِ … فَمَا هيَ إلا في هَوَاهُ جِوارِي وَيَا عَاذِلِي فِي هَجْرِ هِنْدٍ وَزَيْنَبٍ … وقَدْ لَاَحَ عُذْرِي كَالصَّبَاحِ لِسَارِي أتَرْضَى بأنْ أَمْسِي أَسِيرَ أَسِيرَةٍ … مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارِ وما فَضْلُ رَبِّ الطَّيْلَسَانِ إِذا غَدَا … يَجُوزُ عَلَيْهِ حُكْمُ ذَاتِ حِمَارِ لَا سُيُوف جُفُونِهِ … وَلَا جَفَتْ مستمتع بِغِرَارِ وَتُغْضِي لَه الأَبْصَارُ ثَمَّ مَهَابَةً … فَتَلْقَاهُ وَهُوَ الطَّاهِرُ المِسْوَارِي وقوله عندما أراه الدار التي بناها بقلعة، وكتبها على بعض نواحيها: [من مجزوء الكامل] يَا دَارُ بِالملكِ المُظَفَّرِ … خَيَّمَتْ فِيكِ السعاده مَلِكٌ غَدتْ في كُلِّ جِيْـ … ـدٍ مِنْ صَنَائِعِهِ قِلادَه الفَضْلُ طَبْعُ والسَّمَا … حُ ورَاثَةٌ وَالخَيْرُ عَادَه شَرَفٌ لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا … فِيهِ احِتِمَالٌ لِلزِيَادَه وقوله في الطواشي، صواب، عندما أرسله إليه الكامل وهو بحرًا (١): [من الطويل] ولَمَّا تَيَمَّمْنَاكَ قَالَ رِفاقُنا: … إلى أيْنَ تَبْغِي؟ قُلْتُ: خَيْرَ جَنَابِ وَقُلْتُ لِصَحْبِي: شَرِّقُوا تَبْلِغُوا المُنَى … فَغَيْرُ صَوَابٍ قَصْدُ غَيْرِ صَوَابِ وقوله يمدح الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ (٢): [من الكامل] هِيَ رَامَةٌ فَخُذُوا يَمِيْنَ الوَادِي … وَدَعُوا السُّيُوفَ تَقَرُّ في الأَغْمَادِ وَحَذَارِ مِنْ لَحَظَاتِ أَعْيُنِ عِيْنِهِمْ … فَلَكَمْ صَرَعْنَ بِهَا مِنَ الآسَادِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ وَاثِقًَا بِفُؤَادِهِ … فَهُناكَ مَا أَنَا وَائِقٌ بِفُؤَادِي وأغَنَّ مِسْكِيّ اللَّمَى مَعْسُولةُ … لَوْلا الرَّقِيبُ بَلَغْتُ مِنْهُ مُرَادِي ومِنَ المُنَى لَوْ دَامَ لِي فِيْهِ الضَّنَى … لِيَرِقَّ لِي فَأَرَاهُ مِنْ عُوَّادِي وَمُفَنِّدٍ لِي في هَواهُ ومَسْمَعِي … وَالعَذْلُ فيهِ كَناظِرِي ورُقَادِي

стр. 3657

مَاتَتْ - يُطِيْلُ اللهُ عُمْرَكَ - سَلْوَتِي … يَا عَاذِلِي فِيْهِ وَضَلَّ رَشَادِي أَصْبَحْتُ مَا لِي فِي الصَّبَابَةِ مُشْبَهُ … وَكَذَاكَ فَخْرُ الدِّينِ في الأَجْوَادِ مَلِكٌ تَمَلَّكَ بالشَّجَاعَةِ والنَّدَى … قَلْبَ الخَمِيسِ مَعَا وَصَدْرَ النَّادِي لا آلُ بَرْمَكَ إِنْ جَرَى ذِكْرُ النَّدَى … بَلَغُوا مَدَاهُ، ولا بَنُو عَبَّادِ مِنْ مَعْشَرٍ يَرْوِي العِدَا خَيْرَ العُلَا … عَنْهُمْ وَيُسْنِدُهُ إِلى الحُسَّادِ أطْوَادُ أحلام، غُيُوثُ مَوَاهِبٍ … أَقْمَارُ أَنْدِيَةٍ، لُيُوثُ جِلادِ مَيَّرْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ خَيْرَ الوَرَى … والتِّبْرُ لا يَخْفَى على النُّقَادِ يَا دَهْرُ لَا تَمْدُدْ لِظُلْمِيَ بَعْدَهَا … كَفًَّا، فَمَا لَكَ طَاقَةٌ بِعِنَادِي أَنَا فِي حِمَايَةِ وَاحِدٍ لَكِنَّهُ … وَأَبِيْكَ - أَغْنَانِي عَنِ الأَعْدَادِ بِقُدُومِهِ قَدِمَ السّرُور كأنّمَا … كَانَا - فَلَا افْتَرَقَا - عَلَى مِيْعَادِ وَاسْتَبْشَرَتْ مِصْرٌ وَمَنْ فِيْهَا بِهِ … بُشْرَى الثَّرَى بِحَيَا السَّحَابِ الغَادِي وقوله يمدحه من أخرى (١): [من الطويل] أَخَنْسَاءُ مَا قَلْبُ المُتَيَّم مِنْ صَخْرِ … فَيَقْوَى عَلى حَمْلِ الصَّبَابَةِ والهَجْرِ رُوَيْدًَا لِمُضْنَى فِيْكِ، أَمَّا جُفُونُهُ … فَغَرْقَى، وأَمَّا قَلْبُهُ فَعَلَى الجَمْرِ ومَاذَا الذِي يُجْدِي وسَالَمَكَ الرَّدَى … عَلَيْكَ تِلَافِي فِي هَوَاكِ وَمَا نَدْرِي وَتَكْسِرُ لِي أَجْفَانَهَا عِنْدَ ضَمِّهَا … فَتَجْبُرُنِي في ذَلِكَ الضم والكَسْرِ وقوله يمدح الأمير مجد الدين إسماعيل اللمطي من قصيدة (٢): [من الكامل] لَمْ أَنْسَ مَا قَالَتْ وقَدْ لَمَسَتْ يَدِي: … مَاذَا لَقَيْنَا مِنْهُ؟ أَوْ مَاذَا لَقِي؟ خَافَتْ عَواقِبَ مِحْنَتِي من أجْلِهَا … فَبَكَتْ لِشَمْلِ دُمُوعِيَ المُتَفَرِّقِ وَلَكُمْ بِهَا مِنْ خَلْوَةٍ لِيْ حُلْوَةٍ … كَعِتَابَها كَرُضَابَهَا كَتَمَلُّقِي وقوله في حمام عمرها عماد الدين بن شيخ الشيوخ (٣): [من الكامل] حَمَّامُ مَولانَا وسَيِّدِنَا … شَيْخ الشَّيُوخِ صَفَا لَهُ العُمُرُ تَمَّتْ مَحَاسِنُهَا فَلَيْسَ بِهَا … لِلْعَيْبِ لَا عَيْنٌ وَلا أَثَرُ تَزْهُو السَّمَاءُ بأنْ حَوَتْ قَمَرًَا … وَبِكُلِّ نَاحِيَةٍ بِهَا قَمَرُ قَالُوا: فَصِفْهَا، قُلْتُ مُخْتَصِرًَا … هِيَ جَنَّةٌ، وَسِرَاجَها عُمَرُ

стр. 3658

وقوله ارتجالًا يهنئ أولاد الشيخ ليلة العيد: [من الرمل] آلَ حَمْوَيْهِ وما أَنْصَفَكُمْ … مَنْ يُهَنِّيْكُمْ بِشَهْرٍ أو بِعِيد إِنَّمَا الدَّهرُ حَقِيقًَا عبدُكُم … والمَوالِي لا تُهنَّى بالعبيد وقوله حين صادف الصاحب معين الدين بن الشيخ عند قبر الإمام الشافعي (١): [من الكامل] للهِ أَيُّ فَضِيلَةٍ أَدْرَكْتُهَا … في خِدْمَةِ المَوْلَى الوَزِيْرُ النَّاسِكِ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِيّ وجَدْتُهُ … فَظَفِرْتَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمَالِكِي وكتب إلى صديق أهدى له كساء: [من مجزوء الكامل] مولاي عبدُكَ وَاثق … بكريم ودك والإخاء فَلِذَاكَ أَرْسَلَ مَا يليـ … قُ مَنَ الهدية في الشتاء أنتَ الخليل حقيقةٌ … فَجَمَعْتَ شَمْلَكَ بِالكِسَاء وقال يشكر بعض الأمراء وقد أحسن إلى أهله في غيبته، ولم يمكنه الاجتماع عند حضوره: [من المنسرح] يامَن أيَادِيْهِ قبلَ رُؤْيَتِه … رَاشَتْ جَناحِي وَطَوَّقَتْ عُنُقِي مَا امْتَنَعَ العَبْدُ أَنْ يَزُورَكُمُ … لِكبرياء فيهِ وَلا حَمَقِ لكِنْ لِفَرْطِ السَّمَاحٍ عندَكُمُ … الْبَسَنِي جُمْلَةٌ مِنَ الفرق وَمَنْ يَرَ السَّيْلَ ثُمَّ يَرْحَمُهُ … فَاحْكُمْ عَلَيْهِ بِسُرْعَةِ الغَرَقِ وقال ارتجالًا في مرض القاضي الأشرف بن الفاضل: [من مجزوء الرمل] لَيتَني كُنْتُ فِداءً … لِفَتَى عَبْدِ الرَّحِيمِ ذِي المَعَالِي والمَعَانِي … والكريم ابن الكريم وَلَئِنْ أَضَحَى عَليلًا … فَاسْتَمِعْ قولَ عَليم داره الروضةٌ حُسنًَا … وهوَ فيها كالنَّسِيمِ وكتب إلى من زاره فاحتجب عنه (٢): [من مجزوء الكامل] لا غَرْوَ أَنْ حُجبَ الأَمِيـ … ـرُ وَوَجْهُهُ بَدْرُ التَّمَامِ فالبَدْرُ مِنْ عَادَاتِهِ … أَنْ يَخْتَفِي تَحْتَ الغَمَامَ فلْيَهْنِهِ إِنْ كَانَ قَدْ … رَقَّتْ لَهُ شَمسُ المُدَامِ

стр. 3659

وَلْيَبْقَ مَحْرُوسَ المِزَا … جِ مَعًا ومَحْرُوسَ النَّظَامِ وقال يشكر البهاء زهير (١): [من الوافر] أقُولُ [وقَدْ تَوالَى مِنْكَ بِرٍّ] … وَأَهْلًا مَا بَرِحْتَ لِكُلِّ خَيْرِ ألا لا تَذكُرُوا هَرِمَا بِجُودٍ … فَمَا هَرِمُ بأَكْرَمَ مِنْ زَهَيْرِ وكتب إليه يستهديه ورقًا (٢): [من المنسرح] أفلسْتُ يا سَيِّدِي مِنَ الوَرَقِ … فَابْعَثْ بِدُرْجٍ كَعِرْضِكَ اليَقَقِ وإن أتى بالمدادِ مُقْتَرِنَا … فَمَرْحَبًا بالخُدُودِ والحَدَقِ وكتب إليه في المعنى: [من المتقارب] وَلَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ كَاتِبِ … يشاحح إخْوَانَهُ في الوَرَقْ فَارْسِلْ بِهِ كَبَيَاضِ الشَّعْرِ على … بِمِثل سوادِ الحَدَقِ وكتب صدر كتاب إلى محرص الصالحي (٣): [من البسيط] أَصْدَرْتُهَا وَالعَوَالِي فِي الطُّلَى تَرِدُ … في مَوْقِفٍ فِيْهِ يَنْسَى الوَالِدَ الوَلَدُ ومَا نَسِيْتُكَ والأَرْوَاحُ سَائِلَةٌ … عَلَى السُّيُوفِ ونارُ الحَرْبِ تَتَّقِدُ وكتب (٤): [من الطويل] أَبَاعِثَهَا مِلْءَ المَسَامِعِ حِكْمَةً … قَوافِيَ تُجْلَى كَالعَذَارَى العَرَائِسِ شَوارِدَ عَنْ أوَهامِ قَوْمٍ شَوَارِدٍ … أَوَانِسَ تُزْرِي بِالحِسَانِ الأوانس مُهَذَّبَةٌ جَاءَتْ لَنَا مِنْ مُهَذَّبٍ … تَذِلُّ لَه كُلُّ القَوَافِي الشَّوَامِسِ تَعِزُّ عَلَى مَنْ رَامَهَا غَيْر رَبِّهَا … وَتَطْغَى فَمَا تُعْطِي قِيَادًَا لِلامِسِ سُداسِيَّةٌ لَوْ قَالَ آتِي بِسَابِعٍ … لِها ابنُ سُلَيْمَانٍ أَتَى بَعْدَ خَامِسِ وَلَوْ رَامَها حصن العريض وحابِسٌ … لَمَا ظَفِرًا إلا بحصن وحابس وحَاوَلْتُ مِنْهَا الرَّاءَ والسِّيْنَ فَاحْتَمَتْ … عَلَيَّ بحَامٍ ذِي اقتدارٍ وحَارِس حَمَيْتَ حِمَاهَا ثُمَّ أَغْلَقْتَ بَابَهَا … وَحَصَّنْتَ منها كُلَّ بَيْتٍ بِفَارِسِ وكتب إليه بعد ذلك من أبيات: [من الوافر] أتَانِي مِنْ عُلاكَ بَديعُ نَظْم … كَسِمْطِ الدَّرِّ فِي حُسْنِ اتِّسَاقِ بُيُوتُ سِتَّةٌ شَرُفَتْ عَلَاءٌ … عَلَى السِّنّ الجهاتِ بِلا اختلاقِ

стр. 3660

ولَوْ أَنَّ السُّلافَةَ مَازَجَتْهَا … حَلَتْ بَعْدَ المَرَارَةِ فِي المَذَاقِ ولو كانت حصورًا … ... … ملازمة العناق وقال يهنئ بتشريف: [من الكامل] بِكَ أَصْبَحَ التَّشْرِيْفُ يَشْرُفُ قَدْرُهُ … يَا مَنْ بِهِ كُلُّ المَلَابِسِ تَشْرُفُ كَالبَيْتِ يُكْسَى لا لِرَفْعِ مَزِيَّةٍ … لكِنَّهَا سُنَنٌ وَرَسْمُ يُعْرَفُ وقال: [من الوافر] أَرَى قَلْبِي يَطِيرُ إِلَيْكَ شَوْقًَا … وَمَا أَنَا مِنْ لِقَائِكَ بِالبَعِيدِ كَذَاكَ العِيْسُ أَكْثَرُ مَا يَرَاهَا … حَوَائِمَ حِينَ تَدْنُو لِلْوُرُودِ وقال (١): [من السريع] يَا يَومَ عَاشُورَاءَ قَدْ هِجْتَ لِيْ … حُزْنَا وَكَمْ أَفْرَحْتَ مِنْ مُلْحِدِ كُلٌّ قَلِيلِ الذِّهن إِنْ قُدْتَهُ … بِمُحْكَمِ الأَرْسَانِ لَمْ يَنْقَدِ يأتِيكَ كَالقينةِ مَكْحُوْلَةً … عَيْنَاهُ مَخْضُوْبَ بَنَانِ اليَدِ يا ابنَ رَسُولِ اللهِ مَنْ سَرَّهُ … يَومُكَ فَالوَيْلُ لَهُ مِنْ غَدِ وقال (٢): [من السريع] قَالُوا الرَّشِيدِيُّ عَلَى مَا بِهِ … مِنْ أَبْنَةٍ رُتِّبَ للشَّدِّ فَقَلْتُ مِنْ أَعْجَبِ شَيْءٍ جَرَى … غَزْلُكُمُ للسَّيْفِ بالغِمْدِ وقال (٣): [من السريع] لا شَقِيَتْ دَارًا ولا أهْلُهَا … ولا ابنُ فَاضِيْهَا الوقاحُ البَذِي ولا رَعَى اللهُ لَهُ ذِمَّةٌ … أَعْنِي شِهَابَ الدِّيْنِ ذَاكَ الَّذِي وقال: [من مجزوء الرجز] وَدَوْلَةِ خَالِيَةٍ … مِنْ كُلِّ من كُلِّ فَن أو أدب الفاعِل رأسها … وهو كَمَا تَدْرِي ذَنَبْ وقال: [من مجزوء الكامل] يَا مَنْ تَعَرَّبَ لِلئا … م وظَلَّ بالكُرَمَاءِ يَعْبَتْ بالله قُلْ لِي هَلْ تَعَصَّبَ … فِي الرِّجَالِ سِوى مُخَنَّتْ

стр. 3661

وقال: [من مجزوء الرمل] دَخَلَ الشَّيْخُ فُلَانٌ … فِي الدِّينِ بِمَرَّه وَتَعَاطَى الزُّهْدَ جدًا … فَكَفَانَا اللهُ شَرَّه وقال: [من الوافر] أتَعْبَتْ وعِرْضُكَ مِنْ زُجَاجِ … عَذَرْتُكَ إِنَّ وَجْهَكَ مِنْ حَدِيدِ وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ فِعلٌ قَبِيحٌ … أَتَى مِنْ عِنْدِ شَيْطَانٍ مَرِيد وقال في صباه يذكر الداودي رئيس اليهود: [من مجزوء الكامل] أَآباءَ البَيَانِ وَمَا دَعَاكَا … إلى التَّحَبُّكِ بالأفاعي سِرْ في الوِهَادِ وَخَلَّ قَوْ … مَا سَيْرَهُمْ فَوْقَ اليَفَاعِ لا يَجْفَلُونَ بِنَابِحٍ … مَا لِلْكِلابِ لِلْكِلابِ وَالسَّبَاعِ قَسَمَا لَئِنْ أحُوجْتَنِي … فَلأبسِطَنَّ يَدِي وبَاعِي وقال: [من الخفيف] مَا اعْتِكَافُ الفَقِيْهِ مِنْ فَرْطِ زُهْدِ … ... يَقْضِي بِهِ رَمَضَانُ هُوَ شَهْرٌ تُغَلُّ فِيْهِ الشَّيَاطِيـ … ـنُ ولا شَكٍّكَ أَنَّهُ شَيْطَانُ وقال: [من البسيط] وَلَيْلَةٍ بسمنودٍ شَقِيْتُ بِها … لا بَارَك الله يومًا في سَمَنُودِ بَاتَتْ بَراغِيْتُها تَغْدُو على جَسَدِي … فَلَمْ تَدَعْ فِيهُ عِرْقَا غَيْرَ مَفْصُودِ وقال (١): [من البسيط] إذا قرنْتُ مَعَ الحُسْنَى إِليكَ أسى … فذاكَ مِنْ شُؤْمِ طَبْعِ فِيْهِ قَدْ حَدَثَا فَارِفُضْهُ رَفْضَ القِلَى، واهجر مَوَدَّتَهُ … هَجْرًَا بجدٌ وَلَا تَسْتَعِمِل العَبَثَا فالمُصْطَفَى وإليهِ كُلُّ مُعْجِزِةٍ … تُرْوَى، وعنه الهدى والصِّدْقُ قَدْ وَرِثَا قَدْ قَالَ صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ في مَلأ: … مَا طَابَ مِنِّي وللشَّيْطانِ مَا خَبُثَا وكتب إلى ابن القوصي: [من الرمل] أيُّها السَّاحِبُ بِالمِفضل … على سحباي ذيلا لَستَ بالمَجْنُونِ حَاشَا … كَ فَلِمْ ذَا زُرْتَ لَيْلًا وقال (٢): [من الطويل]

стр. 3662

إذا ما سَقَانِي رِيقَهُ وهُوَ بَاسِمٌ … تَذَكَّرْتُ ما بَيْنَ العُذِيبِ وَبَارِقِ وَيُذْكِرُنِي مِنْ قَدِّهِ وَمَدامِعِي … مَجَرُّ عَوَالِيْنَا وَمَجْرَى السَّوَابِقِ وقال في كتاب كتبه إلى أهله بالقاهرة: [من الوافر] إِذَا فَكَرْتُ فِي زَمَنِ اجْتِمَاعِي … بِكُمْ وَذَكَرْتُ حَادِثَةَ الفِرَاقِ وَضَعْتُ يَدِي على قَلبِي احترازًا … مَخَافَة أن يَطِيرَ مِنَ اشْتِيَاقِي وقال: [من السريع] يَا سَاكِني مِصْرًا أَمَا عِنْدَكُم … مِنْ رَحْمَةٍ يَحْظى بها عاشِق لَا تُتْهِمُونِي بِهَوَى غَيْرِكُمْ … كُلُّ هوًى لِي غَيْرَكُمْ طَالِقُ وقال: [من الكامل] مَا زِلْتُ مُرْتَقِبًَا طُلُوعَكَ دَائِمًَا … والنَّجْمُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنْ يَطْلَعَا حَتَّى أَتَى عَنْكَ البَشِيرُ فَيَا لَهَا … مِنْ مِنَّةٍ وَيَدٍ إِليَّ بِهَا سَعَى فَلَوَ أَنَّ قَلبِي في يَدِي لَوَهَبْتُهُ … لِمُبَشِّرِي وَحَلَفْتُ أَنْ لا يَرْجِعَا هُوَ فِي رِكَابِكَ مُذْ رَحَلتَ مُلازِمٌ … فليَ الهَنَا … وبِهِ مَعَا وقال في الأنس أصفر (١): [من المنسرح] أقْبَلَ يَخْتَالُ في غلائِلِه … والسُّكْرُ بادٍ عَلَى شَمائِلهِ وَقَدْ غَدَا سَاحِبًَا ذَوَائِبَهُ … قُومُوا انْظُرُوا الظَّبْيَ فِي حَبَائِلِهِ وَمَاسَ في حُلَّةٍ مُعَصْفَرَةٍ … يَا مَنْ رَأى الغُصْنَ في أَصَائِلِهِ أَسْأَلُهُ رَحْمَةً فَيَنْهَرُنِي … مَا عِنْدَهُ رَحْمَةٌ لِسَائِلِهِ وقال في ملسوع (٢): [من البسيط] قَالُوا حَبِيْبُكَ مَلْسُوعٌ، فَقُلْتُ لَهُمْ: … مِنْ عَقْرَبِ الصُّدْعُ أَمْ مِنْ حَيَّةِ الشَّعَرِ فَقِيلَ: لَا مِنْ أَفَاعِي الأرْض، قَلْتُ لَهُمْ: … مِنْ أَيْنَ تَرْقَى أَفَاعِي الْأَرْضِ لِلْقَمَرِ وقوله في صبي اسمه بَدْرُون وكان صاحيًا: [من الطويل] أيَا حَاجِبَ الوَالِي لَقَدْ فَعَلَتْ بِنَا … لِحَاظُكَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ القَوَاضِبُ تَرَفَّقْ عَلَى قَلْبِي لأَنَّكَ حَاجِبٌ … فَأَنْتَ عَلَى عَيْنِي لأَنَّكَ حَاجِبُ

стр. 3663

وقال فيه: [من السريع] مَا ضَرَّ بَدْرُوْنَ عِذَارٌ لَهُ … فالوَرْدُ يَسْعَى فَوْقَهُ الأرْقَمُ فَخَدُّهُ لا شَكٍّ دِيبَاجَةٌ … وأَحْسَنُ الدِّيْبَاجِ مَا يُرْقَمُ وقال فيه (١): [من مجزوء الرمل] لَكَ يَا بَدْرُوْنَ وَجْهُ … حَازَ عُنْوَانَ السَّعَادَة لا تَخَفْ نَقْصًَا وَمَحْقًَا … أنْتَ بَدْرُ وَزِيَادَه قال في نصراني: [من المتقارب] مِنَ القِبْطِ عُلِّقَتُهُ جؤذَرًَا … حَوَى سِحْرَ بَابِلَ فِي جَفْنِهِ مَضَى نَحْوَ بَيْعَتِهِ رَاجِيًَا … حُصُولَ الثَّوابِ عَلَى ظَنِّهِ يقرب لكن إلى مهجتي … وقدس … لكن على حُسْنِهِ وقال في ترجيح السمر (٢): [من الرمل] أعْشَقُ البِيضَ وَلَكِنْ … خَاطِرِي بالسُّمْرِ أَعْلَق إِنَّ فِي البِيْضِ لَمَعْنَى … غَيْرَ أَنَّ السُّمْرَ أَرْشَق وظلال الأيكِ عِنْدِي … مِنْ هَجِيْرِ الشَّمْسِ أَوْفَقْ وَشَذَا العَنْبَرِ والمِسْـ … ـك مِنَ الكَافُورِ أَعْبَق وَكَذَا التِّبْرُ مِنَ الفضّـ … ـةِ عند الناس أنفق وإذا أنْصَفْتَ فالإنْـ … ـصَافُ بِالعَاقِلِ الْيَقْ فَبَدِيعُ الحُسْنِ يُهْوَى … كَيْفَمَا كَانَ وَيُعْشَق وقال في تفضيل البيض: [من الرمل] أسْمَعَنْ نُصْحِيَ يَا مَنِ … مِنْهُ العِشْقِ بَقِيَّة لا يُحِبُّ البِيْضِ إلا … مَنْ فِيْهِ تَقِيَّهْ وَالَّتِي جَاءَ بِها المُخْـ … ـارُ بَيْضاءُ نَقِيَّهْ قال يتغزل في بدوي (٣): [من الكامل] عُلِّقْتُهُ مِنْ آلِ يَعْرُبَ، لَحْظُهُ … أمْضَى وأفْتَكُ مِنْ لِسانِ عُرَيْبِهِ أَسْكَنْتُهُ في المُنْحَنَى مِنْ أَضْلُعِي … شَوْقًَا لِبَارِقِ تَغْرِهِ وعُذَيْبِهِ يَا غَائِبِي ذاكَ الفُتُورَ بِعَيْنِهِ … خَلَّوْهُ لِيْ، أَنَا قَدْ رَضِيْتُ بِعَيْبِهِ لَدْنٌ ومَا مَرَّ النَّسِيمُ بِعِطْفِهِ … أرجٌ ومَا عَبَقَ العَبِيرُ بَجَيْبِهِ

стр. 3664

وقال فيه أيضًا (١): [من مجزوء الرمل] بات في أثناءِ صَدْرِي … غُصُنٌ نِيطَ بِبَدْرِ بَدَوِيٌّ نَازِلٌ مِنْ … شَعْرِهِ في بَيْتِ شَعْرِ حامِل نَجْدًا وغوْرًَا … مِنْه في ردْفٍ وَخَر ما رَنا واهتز إلا … كَانَ في بيض وسمر وَتَعَانَقْنَا فَمَا ظَنُّـ … ـكَ في مَاءٍ وَخَمْرِ وَتَعَاتَبْنَا فَقُلْ مَا … شِئْتَ مِنْ غُنْج وسِحْرِ ثمَّ لمَّا أَدْبَر الليـ … ـلُ وَجَاءَ الفَجْرُ يَجْرِي قَالَ إِيَّاكَ رَقِيبِي … بِكَ يَدْرِي، قَلْتُ: يَدْرِي وقال: [من الكامل] قَلْبِي أَرَقُّ عَلَيْكَ مِنْ شِعْرِي … أَعدتْهُ مِنْكَ مَخَافَةَ الحَصْرِ أنْ لا يَرِقَّ لِعاشِقٍ دَنِفٍ … حَيّ الصَّبَابَةِ مَيِّتِ الهَجْرِ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ قَبْلُ مُقْلَتِهِ … أَنَّ الجُفُونَ مَعَادِنُ السِّحْرِ يَا بَدْرُ إِنْ أَنَا مُتُّ فِيْكَ هَوَى … لِي أَسْوَةُ الشُّهَدَاءِ فِي بَدْرِ وقال (٢): [من الكامل] بأَبِي غَزَالٌ تَائِهُ مُتَصَلِّفُ … لانَتْ مَعَاطِفُهُ ولا يَتَعَطَّفُ حُلْمُ الشَّمَائِلِ والتَّثَنِّي واللَّمَى … مَنْ يَجْتَلِي مَنْ يَجْتَنِي مَنْ يَرْشُفُ شَاكِي السَّلَاحِ وَمَا تَكَلَّفَ حَمْلَهُ … اللَّحْظُ سَيْفٌ، والقَوَامُ مُقَفُ هَجَرَ الكَرَى جَفْنِي ووَاصلَ جَفْنَهُ … يَا قَوم، حَتَّى النَّوْمُ لِي يَسْتَضْعِفُ وَسَرَى إِلى جَسَدِي ضَنى أَجْفَانِهِ … لا، بَلْ ضَنَى جَسَدِي أَرَقُ وأَلْطَفُ لمَّا بَدَا للغَانِيَاتِ وقَدْ بَدَا … مِنْ حُسْنِهِ مَا لا يُحَدُّ وَيُوْصَفُ أشْكُوا إليهِ، َومَا عَسَى أَنْ أَشْتَكِي … هُوَ بِالَّذِي أَلْقَاهُ مِنِّي أَعْرَفُ وَوَحَقِّهِ لَمْ يَبْقَ فِيَّ بَقِيَّة … وَلَقَلَّمَا يَبْقَى الكَئِيْبُ الْمُدْنِفُ وإِذَا سَمْعْتَ بِعَاشِقٍ مُتَعَفِّفٍ … فَاعْلَمْ بأنّي العَاشِقُ المُتَعَفِّفُ وقال (٣): [من الكامل]

стр. 3665

ذَكَرَ الحِمَى فَصَبَا وَكَانَ قَدِ ارْعَوَى … صَبُّ على عَرْشِ الغَرَامِ قد اسْتَوَى تَجْرِي مدَامِعُهُ ويَخْفِقُ قَلْبُهُ … فَتَرَى العَقِيقَ عَلَى الحَقِيقَةِ واللُّوَى وأَنَا نَذِيرُ العَاشِقِيْنَ فَمَنْ يُرِدْ … طُولَ الحَيَاةِ فَلا يَذُوقَنَّ الهَوَى قَالُوا: أَفِيهِ سِوَى رَشَاقَةِ قَدِّهِ … وَفُتُورِ عَيْنَيْهِ؟ وَهَلْ مَوْتِي سِوَى؟ وقال (١): [من البسيط] بِاللهِ يا بَانَة الجَرْعَاءِ والعَلَمِ … هَلِ الأحِبَّةُ لي مُوفُونَ بِالدِّمَمِ أَمْ قَدْ تَغَيَّرَ مَا قَدْ كُنْتُ أَعْهَدُهُ … مِنْهُم، وإِنْ كَانَ مَا بِالعَهْدِ مِنْ قِدَمَ وَمَا نَسِيْتُ وَلَا أَنِسَى لَهُمْ خُلَسًَا … حَلَّتْ وَمَرَّتْ مُرُور الطَّيْفِ فِي الحُلُم وَمَجْلِسَا طَلَعَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ … مِنْهُ بُدُورُ دَيَاجِيْهَا مِنَ اللَّمَم وراحَ يَفْتِنُنِي مِنْ بَيْنِهِمْ صَنَمٌ … يَا مَنْ رَأَى مُسْلِمًَا يَصْبُو إِلى صَنَمِ وَخَلْوَةٍ فَسَقَتْ فِيْهَا نَوَاظِرُنَا … وَإِنَّمَا طَهَّرَتْهَا عِفَّةُ الشّيَمَ هذا هُوَ الحُبُّ، لا إِثْمٌ يُدَنِّسُهُ … أَسْتَغْفِرُ اللهَ، مَا يَخْلُو مِنْ اللَّمَمَ لَمَّا خَلَوْنَا تَعَاقَدْنَا يَدًَا بِيَدٍ … عَلى الوَفَا، وَتَعَاهَدْنَا فَمَا لِفَمِ وَكَيْفَ يَجْحَدُ قَلْبِي بَعْدَمَا شَهِدَتْ … نَارٌ عَلَى خَدِّهِ قَدْ ضُرِّجَتْ بِدَمِ يَا فَارِغَ القَلْب قَلْبِي مِنْكَ في شُغُلٍ … يَا نَائِمَ العَيْنِ، عَيْنِي فِيكَ لَمْ تَنَمِ وقال (٢): [من مجزوء الكامل] يَا قَلْبُ جَاءَكَ مَنْ تُحِبُّهُ … وَحَنَا وَرَقَّ عَلَيْكَ قَلْبُه أَرْضَى وَزَادَ عَلَى الرِّضَا … فَحَسِيْبُ مَنْ أَغْرَاهُ رَبُّهُ وقال: [من الطويل] أحبابنا ذاكَ الغَرَامُ بِحَالِهِ … وإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ زَادَ سِنًّا فَمَا نَقَصْ أقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْ حَدِيثِي عَجَائِبًا … فَإِنْ شِئْتُمْ أَسْمَعْتُكُم أَحْسَنَ القَصَص وقال من أبيات (٣): [من الكامل] في كُلِّ مَتْنٍ حَيَّةٌ مِنْ شَعْرِهِ … وبِكُلِّ خَدٌ مِنْ عِذَارٍ أَرْقَمِ مِنْ كُلِّ رَامٍ حَاجِبًا بِقِسِيِّهِ … وَعَلَى القِيَاسِ فَمُقْلَتَاهُ أَسْهُمُ

стр. 3666

وقال: [من البسيط] قَالُوا الشَّبابُ جُنُونٌ والمَشِيبُ نُهَى … فَقُلْتُ وَالقَولُ مِنِّي غَيْرُ مَرْدُودِ الحَقَّ قُلْتُمْ وَلَكِنْ مَا يَفِيْدَكُمُ … مَزِيَّةَ الحُكْم عِنْدَ الغَادَة الرُّودِ فيَا وَقَارَ مَشِيْبِي لَسْتَ مِنْ أرَبِي … وَيَا رُعُونَةَ أَيَّامِ الصَّبَا عُودي وقال من أبيات (١): [من الطويل] أُعَلِّلُ طَرْفِي عَنْكَ بِالبَدْرِ طَالِعًَا … وَبِالظَّبْي وَسْنَانَا وَبِالغُصْنِ يَانِعَا أفي كُلِّ يَوم للتَّفَرُّقِ وَاقِفٌ … يَرَى عِنْدَهُ للعاشِقِيْنَ مَصَارِعَا كَأَنَّ النَّوَى يَبْغِي ذُحُولًا قَدِيمَةً … إِليَّ وإلا يَقْتَضِينِي وَدَائِعَا وَقَفْتُ أَحَلَّي الأَرْضَ مِنْ درّ أَدْمُعِي … فَجَاءَ العَذَارَى يَلْتَقِطْنَ المَدَامِعًا يغرن على تلك الليالِي لأَنَّها … بَقِيَّةُ مَا أَوْدَعْنَ مِنِّي المَسَامِعَا وَمَا كَانَ ذَاكَ القُربُ إِلا لَدَى النَّوى … فيَا لَيْتَ أَنَّ الدَّسْتَ أَصْبَحَ مَانِعَا وقال من قصيدة: [من البسيط] أضْحَى مُعَنِّى وأَمْسَى وَالِهَا قَلِقًَا … وَرَاحَ مُصْطَبِحًا بالدَّمْعِ مُغْتَبِقَا إِنْ فَاضَ سَيْلٌ فَقُلْ أَجْفَانُهُ ذَرَفَتْ … أَوْ لَاحَ بَرْقٌ فَقُلْ قَلْبٌ لَهُ خَفَقَا فَيَا طُلُوعِي لَقَدْ أَشْعَرْتِني لَهَبًَا … وَيَا دُمُوعِي لَقَدْ أَنْذَرْتِني الغَرَقَا هَذَا حَدِيْثِيَ عَنْ يَقِينِي وَذَا خَبَرِي … باللهِ مَنْ كَانَ مِثْلِي فَلْيَقُلْ صَدَقَا أَسْتَوْدِعُ اللهَ مَنْ وَدَّعْتُهُ يَوْمًَا … وَقَدْ يشرب مَتَى قَلْبُهُ حَنَقَا وكَمْ شَرِقْتُ بِدَمْعِي عِنْدَ ذِكْرِهُمُ … مِنْ يَشْرَبِ الدَّمْعَ مَعْذُورٌ إِذا شَرِقَا وقال في أرمد: [من الطويل] رَقَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَين ما … الشَّكْوَى … وَقِيلَ عُيُونُ النَّاسِ عَيْنِي وَمَنْ يَهْوَى وَيَا رَبِّ عَجِّلْ بالشِّفَاء لِمُقْلَةٍ … تَغُضُّ عَنِ الفَحْشَاءِ بِالسِّرِّ والنَّجْوَى وَمَا الرَّمَدُ العَادِي عَلَيْهَا بِمُبْتَغِ … أَذَاهَا ولكِنْ قَصْدُهُ شَرَفُ المَأْوَى فَهَلْ نَهَاهُ الحَاجِبَانِ فَطَالَمَا … نَهَى الحاجِبُ الجَانِي فَهَلْ قَبِلَ الرَّشْوَى وَلَمْ أَرَ أَنْدَى مِنْكَ عَيْنَا لِسَائِلِ … لِكُلِّ أَخِي قَصْدٍ لِدَركِ الذي يَهْوَى وَمُشْتَرِكِ الأَلْفَاظِ في العَيْنِ غَيْرَةً … إلى أن غَدَا يَسْتَمْطِرُ … في الجَدْوَى وقال: [من الطويل] أما وقُدُودِ السُّمْرِ غَيْرِ الدَّوَابِلِ … وَلَكِنَّهَا مَا مَاسَ تَحْتَ الغَلَائِلِ

стр. 3667

وَسُودِ عُيُونٍ لو لَقِيْتُ بِها العِدا … أثْنَيْتُهُمُ عَنِّي بِبِيْضِ المَنَاصِلِ لقَدْ رَاعَنِي لِلْمَالِكِيَّةِ مَنْزِلٌ … غَدًا مُقْفِرًَا مِنْ أَهْلِهِ غَيْرَ آهِلِ وَقَفْتُ بِهِ والدَّمعُ جارٍ مَسَايِلًا … فَلَمْ أَرَ في أطلالِهِ غَيْرَ سَابِلِ وقال: [من السريع] يا ساقي الرَّاحِ وَوَجْدِي بِهِ … أَوْرَثَ لَوْنِي صُفْرَةٌ زَايِدَه ارثِ لِحَالِي في الهَوَى وَاسْقِني … مِنْ كُلِّ كَأْسٍ جَرْعَةٌ وَاحِدَهُ وكتب إلى الأمير فخر الدين بن الشيخ في يوم مطير: [من الكامل] لا تَدَعْ يَومَكَ هَذَا … عَاطِلًا باللهِ يَذْهَبْ وَأَدِرْ فِه كؤُوسًَا … مِنْ مُدَامِ تَتَلَهَّبْ حُنَّهَا شَفْرَاءَ مَا دَا … مَ أَدِيمُ اليوم أشهب فَلُجَيْنُ الكَأس لا يُعْجِبُ … إِلَّا وَهُوَ مُذْهَبْ وانْهَبِ العَيْشَ فَقَدْ أَفْـ … ـلحَ مَنْ لِلْعَيْشِ يَنْهَبْ وكتب إليه: [من الرمل] مَا تَرَى الرَّوْضَ وَمَا أَحْسَنَهُ … مُزْنَةٌ تَبْكِي وَرَوْضُ يَضْحَكُ فَهْيَ أَرْوَاحُ النَّدَامَى وَالَّتِي … دَمُهَا مِنْ كُلِّ زِقٌ يُسْفَكُ وقال من أبيات (١): [من الطويل] خُذُوا حِدْرَكُمْ مِنْ طَرْفِهَا فهو سِاحْرُ … وليسَ بِناجِ مَنْ دَهَتْهُ المَحَاجِرُ فإنَّ العيون السُّودَ وَهي فَوَاتِرٌ … تَفُلُّ السُّيُوفَ البِيضَ وَهِيَ بَوَاتِرُ ولا تُخْدَعُوا مِنْ رِقَةٍ مِنْ حَدِيْثِهَا … فَإِنَّ الحُمَيَّا لِلْعُقُولِ تُخَامِرُ مِنَ القاصراتِ الطَّرْفِ غَارَتْ لِحُسْنِها … ضَرَائِرُهَا والنَّيِّرَاتُ الضَّرَائِرُ بَعِيدَةُ مَا بَيْنَ المُخَلْخَلِ والطُّلَى … تَرَى الطَّرْفَ عَنْهَا يَنْثَنِي وَهْوَ حَاسِرُ إِذَا مَا اشْتَهَى الخَلْخَالُ أَخْبَارَ قُرْطِهَا … فَيَا طِيبَ مَا تُمْلِي عَلَيْهِ الضَّفَائِرُ وقال: [من مجزوء الكامل] لَمْ أنسَ لَيْلَةَ زَارَني … واللَّيْلُ مَمْدُودُ الجَنَاحِ في لَيْلَةٍ قَصُرَتْ فَكَا … نَ عَشَاؤُهَا بَعْدَ الصَّباح لم الْتَفَتْ لِلقَائِهِ … حَتَّى تَلَفْتَ للرَّوَاحِ

стр. 3668

لَوْ كُنْتَ حَاضِرَنَا رَأَيْـ … ـتَ فُنُونَ جِدٌ فِي مُزَاحِ وَرَأَيْتَ سُلْطَانَ الغَرَا … مِ أَسِيْرَ سُلْطَانِ المِلاح خُوِّفْتُ فِيْهِ مِنَ الفَضِيْـ … ـحَةِ مَا الهَوَى لَوْلَا افتِضَاحِيَ وَنَهَى اللَّوَاحِي عَنْ هَوَا … هُ وَلا كَرَامَةَ لِلوَاحِي وقال: [من السريع] بِنْتُمْ فَصَبْرِي بَعْدَكُمْ مُعْوِزٌ … وَسَلْوَتِي لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيْلُ فَيَا جُفُونِي أَيْنَ أَيْنَ الكَرَى … وَيَا فُؤَادِي أَيْنَ صَبْرِي الجَمِيلُ وقال (١): [من الوافر] فَمُذْ فَارَقْتُهُ كُرْهًَا وأَعْزِزْ … عَلَيَّ بأنْ أُفَارِقُ عُنْفُوَانِي فَطَرْفِي وَالكَرَى طَرْفَا نَقِيْضٍ … وَدَمْعِي والحَيَا فَرَسَا رِهَانِ وقال من أبيات (٢): [من الطويل] حَذَارِ سُيُوفَ الهِنْدِ مِنْ أعْيُنِ التُّرْكِ … فَمَا شُهِرَتْ إِلا لِتُؤْذِنَ بالفَتْكِ وَرُبَّ غَزَالٍ بَاتَ مِنْهُمْ مُضَاجِعِي … وَقَدْ عَبِقَتْ مِنْهَ المَضَاجِعُ بِالْمِسْكِ وقال (٣): [من الكامل] يَا مَنْ لَبِسْتُ عَلَيْهِ أَثْوَابَ الضَّنَى … صُفْرًَا مُوَشَّحَةٌ بِحُمْرِ الأَدْمُعِ أدْرِكْ بَقِيَّةَ مِهْجَة لَو لَمْ تَذُبْ … شَوْقًَا إِلَيْكَ نَفَيْتُهَا عَنْ أَضْلُعِيَ وقال: [من الوافر] قَتَلْتَ الخَلْقَ يَا مَلِكَ المِلاحِ … وَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيْهِمْ مِنْ جُنَاحِ بِذَابِلِ [ناظر] وَحُسَامِ لَحْظٍ … أَمَا أَعْيَيْتَ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ وقال (٤): [من الكامل] عَانَقْتُهُ فَسَكِرْتُ مِنْ طِيْبِ الشَّذَا … غُصْنُ رَطِيبٌ بِالنَّسِيمِ قَدْ اغْتَذَى نَشْوَانُ مَا شَرِبَ المُدَامَ وإِنَّمَا … أَضْحَى بِخَمْرِ رُضَابِهِ مُتَنَبِّذَا كَتَبَ الجَمَالُ على صَفِيْحَةِ خَدِّهِ … يَا حُسْنَهُ لا بَأسَ أَنْ يَتَعَوَّذَا يَا نَاظِرِي إِمَّا وَقَدْ شَاهَدْتَهُ … وَاللَّهِ لا رَمَدًَا تَخَافُ ولا قَذَى

стр. 3669

مَهْمَا اكْتَحَلْتَ بِخَدِّهِ وَعِذَارِه … لَمْ تَلْقَ إِلَّا عَسْجَدًَا وَزُمُرُّدًا أَضْحَى الجَمَالُ بِأَسْرِهِ فِي أَسْرِهِ … فَلأَجْلِ ذَاكَ عَلَى القُلُوبِ اسْتَحْوَذَا وأتَى العَذُولُ يَلُومُنِي مِنْ بَعْدِمَا … أَخَذَ الغَرامُ عَلَيَّ فِيهِ مَأْخَذَا لا أَنْتَهِي لَا أَرْعَوِي لَا أَنْثَنِي … عَنْ حُبِّهِ فَلْيَهْذِ فِيهِ مَنْ هَذَى إني لَيُعْجِبُنِي تِلاقِي في الهَوَى … وَيَلذَّ لي مَا قَدْ لَقِيتُ مِنَ الأَذَى والله لا خَطَرَ السُلُوُّ بِخَاطِرِي … مَا دُمْتُ في قَيْدِ الحَيَاةِ وَلَا إِذَا إِنْ عِشْتُ عِشْتُ عَلَى هَوَاهُ وإِنْ أمُتْ … وَجْدًَا بِهِ وَصَبَابَة يَا حَبَّذَا وقال من أبيات أولها (١): [من الكامل] هُزُوا القُدُوْدَ وَاطْرَحُوا سُمْرَ القَنَا … ......................... شَبَّهْتُهُ بالبَدْرِ قَالَ ظَلَمْتَنِي … يَا عَاشِقِي وَاللهِ ظُلْمَا بَيِّنَا البدرُ يَنْقُصُ وَالكَمَالُ لِطَلْعَتِي … فَلِذَاكَ قَدْ أَصْبَحْتُ مِنْهُ أَحْسَنَا وقال (٢): [من الوافر] بِحَقِّكَ حَدِّثِ الأحَبَابَ عَنِّي … وَشَافِهْهُمْ بِمَا شاهدتَ مِنِّي وَقُلْ لَهُمُ: لَقَدْ خَلَّفْتُ يَحْيَى … لِمَوتِ جَوَى، وَيَحْيَى بالتَّمَنِّي وَكَمْ أَشِكُو إلى مَنْ لَيْسَ يَرْثِي … وَلَا يَلْوِي عَلَى فَرَحِي وَحُزْنِي عَذُولِي: إذ تُسَمِّيْهِ حَبِيْبًَا … أَمِيلُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَمِيلُ عَنِّي جَفًَا وَقِلّى وإعْرَاضًَا وَهَجْرًَا … هَوَانَا بالهَوَى كَمْ ذَا التَّجَنِّي ومن أبيات (٣).: [من المتقارب] خُذُوا قَوْدِي مِنْ أسِيرِ الكِلَل … فَوَاعَجَبًَا مِنْ أسيرٍ قَتَلْ وَقُولُوا عَلَيَّ إِذَا نُحْتُمُ … طَعِيْنُ القُدُودِ، جَرِيحُ المُقَلْ وَبِي قَمَرٌ مَا بَدَا فِي الدُّجَى … وأَبْصَرَهُ البَدْرُ إِلا أَفَل فَيَا خَجْلَةَ البَدْرِ مِنْ حُسْنِهِ … أَلَمْ تَرَ فِيْهَا اصْفِرَارَ الخَجَلْ فَعُمَّتْ مَعَاطِفُهُ بالنَّشَاطِ … وَخُصَّتْ رَوَادِفُهُ بالكَسَلْ أحِنُّ إلى الغَوْرِ مِنْ خَصْرِهِ … وَأَصْبُو إِلى نَجْدِ ذَاكَ الكَفَلْ وَجَادَ الزَّمَانُ بِهِ لَيلَةٌ … وَعَمَّا جَرَى بَيْنَنَا لا تَسَلْ

стр. 3670

فأَنْحَلْتُ قَامَتَهُ بالعِنَاقِ … وَذَبَّلْتُ مَرْشِفَهُ بِالقُبَلْ وَكَمْ تِهْتُ في غَورِ خِصْرٍ لَهُ … وأَشْرَفْتُ مِنْ نَجْدِ ذَاكَ الكَفَلْ وأذَنْتُ حِينَ تَجَلَّى الصَّبَاحُ … بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ هَذَا العَمَل وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنِّي امْرُؤٌ … أَحِبُّ الغَزَالَ وأَهْوَى الغَزَلْ وَهَا أَثَرُ المِسْكِ في رَاحَتِي … وَهَاكَ فَمِي فِيهِ طَعْمُ العَسَل وقال من أخرى (١): [من مجزوء الكامل] أنظَرْتَ أَمْ فَرَّقْتَ سَهْمَا؟ … فَلَقَدْ أَصَبْتَ القَلْبَ لمَّا لا يا مُعَذِّبَ مُهْجَتِي … وَاللهِ مَا أَجْرَمْتُ جُرْمَا يَا عَاذِلِي، وأخُو الصَّبَا … بَةِ - لَا بُلِيْتَ أَصَمُّ أَعْمَى لَو كُنْتَ حَاضِرَنَا وَقَدْ … زَارَ الحَبِيبُ عَجِبْتَ مِمَّا وَبَدَا الحَيَاءُ بِخَدِّهِ … حَتَّى خَشِيتُ عَلَيْهِ يَدْمَى وَوَدِدْتُ مِنْ شَغَفٍ أفَتِّتُ … عِطْفَهُ المَمْشُوقَ ضَمَّا وَلَوْ اسْتَطَعْتُ جَعَلْتُ مِنْ … لَثْمِي عَلَى شَفَتَيْهِ خَتْمَا بَلْ لَوْ قَدَرْتَ أكَلْتُهُ … وَشَرِبْتُهُ عَضًَّا وَلَثْمَا وَلَرُبَّمَا عَاطَيْتُهُ … رَاحًا يَرُوقُ سَنِّى وَشَمَّا باتَتْ تُضِيءُ كَأَنَّمَا … أَوْدَعْتُ مِنْهَا الكَأْسَ نَجْمَا وقال (٢): [من المتقارب] قَالَ العَوَاذِلُ قَدْ شاه … ... من صده وَقَالُوا: تَسَلَّ، فَقَدْ شَانَهُ … عِذَارٌ أَرَاحَكَ مِنْ صِدِّهِ فَقُلْتُ: وَهِمْتُمْ، فَإِنَّ الَّذِي … خَلَعَتُ العِذَارَ على خَدِّهِ وقال من أبيات (٣): [من الطويل] تَعَشَّقْتُهُ حُلْوَ الشَّمائِلِ واللَّمَى … فَرِيْدَ صِفَاتِ الحُسْنِ أَهْيَفَ أَغْيَدًا رأَيْتُ بِخَدَّيْهِ بَيَاضًَا وَحُمْرَةً … فَقُلْتُ: لِيَ البُشْرَى اجْتِمَاعٌ تَوَلَّدَا

стр. 3671

وقال: [من الطويل] لَكَ العُمْرُ مَاتَتْ سَلوَتِي وَرُقَادِي … وَيَهْنِيْكَ عَاشَتْ صَبْوَتِي وَسُهَادِي … إِنِّي قَدْ سَلَوْتُ لعاشر … نَعَمْ صَدَقُوا، لِكِنْ سَلَوْتُ فَؤَادِي وقال من أبيات: [من السريع] أمَا تَخَافُ الله فمن … ... سري … . تَوْحِيدًَا وَإِيْمَانَا يَا مَنْ حَوَى الرِّقَّةَ فِي خَصْرِهِ … إِرْثِ لِصَبٌ فِيكَ خزانا وقال (١): [من السريع] منْ عَجَبِ الدنيا وَمَا تَنْتَهِي … عَجَائِبُ الدنيا وَلا تَنْقَضِي تَغَايَرَ الوَرْدُ عَلى خَدِّهِ … فامْتَزَجَ الأَحْمَرُ بالأَبْيَضِ وقال: [من الطويل] أَلَا لَا أَرَى فِيْمَنْ أَرَى مَنْ أُحِبُّهُ … كَأَنْ لَمْ تَضِلُّ إِلا بِهِ وَحْدَهُ الْأَرْضُ وَحُلْوِ اللَّمَى غَضُ الشَّبَابِ قَشِيْبَةٍ … فَيَا مَنْ رَأَى حُلْوَا يُقَالُ لَهُ غَضُّ وقال (٢): [من الطويل] دَنَوْتُ وَقَدْ أَبْدَى الكَرَى مِنْهُ مَا أَبْدَى … وَقَبَّلْتُهُ في الخَدِّ تِسْعِيْنَ أَوَ إِحْدَى وَأَبْصَرْتُ فِي خَدَّيْهِ مَاءً وَخُضْرَةً … فَمَا أَمْلَحَ المَرْعَى وَمَا أَعْذَبَ الوِرْدَا وقال (٣): [من الطويل] وَلَمَّا جَفَانِي مَنْ أُحِبُّ وَخَانَنِي … حَفِظْتُ لَهُ الود الذي كانَ ضَيَّعَا وَلَو شِئْتُ جَازَيْتُ التَّجَنِّي بِمِثْلِهِ … ولكنني أبْقَيْتُ للصلح مَوْضِعا وَقَدْ كَانَ حُسْنُ العَهْدِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ … أَكِيْدًَا ولكني رَعَيْتُ وَمَا رَعَى سَعَى بَيْنَنَا الوَاشِي فَفَرَّقَ بَيْنَنَا … لَكَ الذَّنْبُ يَا مَنْ خَانَنِي لَا لِمَنْ سَعَى وقال في ضوء البدر على البركة: [من السريع] انْظُرْ إلى البرْكَةِ مَمْلُوءةٌ … وَالبَدْرُ فِي أَحْشَائِهَا يَلْعَبُ كَأَنَّهَا مِرْأَتُهُ فاغْتَدَى … لمَّا رَأَى صُورَتَهُ يَطْرَبُ وقال في النوفر: [من المجتث] كأنّما النّوْفَرُ الغَضُّ … غِبَّ قَطْرِ السَّحَابِ أنامِلُ الغِيْدِ ضُمَّتْ … فِيْهَا بَقَايَا خِضَابِ

стр. 3672

وَقَاتَلَ فِي النَّرْجِسِ: [مِنَ المُنْسَرِح] كَأَنَّمَا النَّرْجِسُ الذَّكِيُّ وقَدْ … بَاتَتْ تُغَذِّيْهِ دَرَّهَا السُّحُبُ جَوَاهِرٌ في رُؤُوسِهَا ذَهَبٌ … ... من زَمُرُّدٍ قُضُبُ وَقَالَ فِي نَاعُورَةٍ: [من الرجز] نَاعُورَةٌ أصبحت بالري كافِلَه لِتُرْبَةٍ عِنْهَا الغَوَادِي غَافِلَه كأنّها طَالِعَةٌ وآفِلَه وُحُوشَ قَفْرٍ مِنْ ضَوارِ جَافِلَهُ فَارِغَةً طَوْرًا وَطَوْرًا حَافِلَه لَها حَنِيْنُ كَرُغَاءِ القَافِلَه وَقَالَ فِي يَوْمٍ مُثْلِج: [مِنَ الكَامِل] انْظُرْ تَرَى وَجْهَ البَسِيطِةِ أَبْيَضَا … لَمْ تَبْدُ فِيهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ كَرُمَ السَّحَابُ فَعَمَّ بِالثَّلْجِ الثَّرَى … إِنَّ الكَرِيمَ لَهُ اليَدُ البَيْضَاءُ وَقَالَ وَكَتَبَه فِي سَيْف: [مِنْ مَجْزُوءِ الرَّمَل] الأماني والمَنَايَا … بَيْنَ حَدَّيَّ وَمَتْنِي يَتَّقِي الأَعْدَاءُ فَتْكِي … وَيَرُوقُ الغَيْرَ حُسْنِي فتَأمَّلْ هَلْ تَرَى فِيـ … ـمَا تَرَى أَعْجَبَ مِنِّي لَمْ يَذُقْ جَفْنِي غِرَارِي … وَفَرَارِي مِلْءَ جَفْنِي وَقَالَ فِي فَرَسِ أَدْهَم: [مِنَ الرَّجَز] وَمُشِرِفِ الهَادِي رَحِيْبِ الصَّدْرِ يَمْشِي عَلَى مِثْلِ طِوَالِ السُّمْرِ أدْهَمَ يُزرِي بالدجى والحبر ذِي غُرَّةٍ قَامَ مَقَامَ البَدْرِ فَهْوَ عَلَى ضَوءِ سَنَاهَا يَسْرِي وَقَالَ يَسْتَهْدِي قَصَبَ سُكَّرٍ مِنْ فَخْرِ القُضَاةِ: [مِنَ المَدِيد] نَحْنُ مِنْ ذِكْرَاكَ فِي طَرَبِ … وَلَها مِنْ دَائِها طرب فَعَسَى يُهْدِي لَنَا قَصَبًَا … فَقَدِيْمًَا أَطْرَبَ القَصَبْ قَالَ وَقَدْ أَهْدَى مَنْ يُحِبُّ وَرْدًا وَنَرْجِسًا (١): [مِنَ الكَامِل] بَعَثَتْ بِنَرْجِسَةٍ إِليَّ وَوَرْدَةٍ … فَفَهِمْتُ - أَفْدِيْهَا - حَقِيْقَةَ قَصْدِهَا

стр. 3673

لَمَّا تَعَدَّدَتِ الزِّيَارَةُ أَرْسَلَتْ … بِشَبِيْهِ نَاظِرِهَا إِليَّ وَخَدِّها وقال في هدية التفاح: [من الطويل] وَتُفَّاحَةٍ جَاءَتْ إِلَيْنَا هَدِيَّةً … فَيَا حَبَّذَا المُهْدَى وَيَا حَبَّذَا المُهْدِي وَمَا ضَرَّهُ والغُصْنُ يُشْبِهُ قَدَّهُ … وأَفْدِيْهِ لو حَيًّا بِتُفَّاحِةِ الخَدِّ وقال: [من السريع] مَوْلَايَ قَدْ أَرْسَلْتَ تُفَاحَةً … أَوْدَعْتُهَا سِرًَّا وَقَبَّلْتُها لمَّا خِلْتُ خَدَّكَ في لَوْنِهِ … هِمْتُ بِهَا عُجْبًَا وَنَقَطْتُهَا [٧٧] ابن وداعة، عز الدين (١) وزير فاتك، وأمير باتك، ولي الوزارة فلبس لبسة الناسك، وجلس جلسة المتماسك، شمخ به العجب كأنه بذوائب الجوزاء ماسك، ونفخ فيه الحمق وقال: إياك أن تتطامن فتطا أم رأسك. وكان على هذا لا يدع رمي الفقراء، ولا يظهر عليه زين الوزراء، مداومًا على هذا غير متكثر، ولا لباس متكبر … وهو لا يرى السماء إلا بمؤخر طرفه، ولا النجوم إلا ما سقط من خروق كفّه، وفي هذا قال السامري من أرجوزته.

стр. 3674

وحكي أنه كان يظهر التشيع، ويبطل اعتقاد النصيرية، وكان عقله يملك فلتات لسانه، فما ظهر عليه أحد في اعتقاده إلا أنه طال جلوسه يومًا في مجلس خدرت فيه رجله، فلما أراد القيام، اتكأ بيده على الأرض ليقوم، ثم قال: يا علي يا عظيم؟ ثم قام، وكان في المجلس رحل من العلماء المتكلمين، فقال لهم: نصيري والله. فسمعها ابن وداعة ملء صماخية، ففار دم وجهه، وانصرف ولم يتكلم، ثم لم يسمع منه بعدها أبدًا. قلت: ولعل هذا كان الجامع بينه وبين أحد شيوخنا في الأدب، كاتبه علي بن المظفر الكندي، فإنه هو الذي جذب بضبعه، وأسدى إليه معروفه، وجذبه إليه، واستكتبه بين يديه، ولزمه حتى فرق بينهما الموت المشتّت، وقطع حبال صحبتهما الدهر المبتت، وفي صحبتهما الطويلة يقول الكندي: [من مجزوء الكامل] ولقد صَحِبْتُ الصَّاحِبَ ابن … وداعةٍ دَهرًا طويلا فَرَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَى، … أَنَسٌ وَقَدْ صَحِبَ الرَّسُولا وحكى لي والدي ﵀ قال: كان الصاحب بن وداعة يلازم الصلوات، المكتوبات في الجامع الأموي، وكانت داره جوار الدار الفاضلية بحضرة باب الجامع، وكان يصرف في كل يوم دينارًا بدراهم … . يتصدق بها في مروره إلى الجامع إذا ذهب إلى الصلاة، فإن عاقه عائق عن الصلاة في الجامع، يومًا من الأيام، تصدق اليوم الثاني عنه، وقضى النائب لا يخل بهذا أبدًا. وحكي أن الملك الظاهر … وولاه الوزارة، وقع بينه وبين نائب الشام جمال الدين التجيبي، فكان يهينه ويسمعه كلامًا مما يتعلق بالرفض، فكتب ابن وداعة إلى السلطان يطلب منه مشدًّا تركيًا، وظن أنه يكون في تصريفه، ويستريح من التجيبي. فرتب له السلطان عز الدين الشقيري فوقع بينه وبين الشقيري وبقي يهينه أيضًا، ثم كاتب فيه الشقيري، فجاء الأمر بمصادرته، فصودر، وعصره الشقيري وضربه، وعلقه في قاعة الشدّ، وباع أملاكه التي وقفها، وحمل شيئًا كثيرًا، ثم حمل إلى مصر، فمرض ودخل القاهرة مثقلًا، ثم مات في آخر سنة ست وستين وستمائة، ولم يعقب له أوقاف ومسجد وتربة بقاسيون. وكان المحدث علاء الدين الكندي - صاحب التذكرة - يكتب بين يديه فنسب إليه.

стр. 3675

ومنهم: [٧٨] الصاحب محيي الدين، محمد بن يعقوب ابن إبراهيم الأسدي الحلبي الحنفي (١) عرف بابن النحاس، نشأ على القراءة والطلب، حتى أُقرَّ على القضاء بحلب، وهو ممن يعد في بيوتها، ويزداد به في ثبوتها، وكان من أعلامها الشوامخ، وقدماء أهل أقدامها الرواسخ. ثم أتى دمشق، وأقام بها متدبرًا، وفي رتبها متحيرًا حتى جر مطارف الوزارة، ووقع له على الملوك بالإشارة، وحلَّ في الدست محل الصدر من الجوانح، والبدر من الليالي الكوالح، وسلك من الأمانة سبيلًا، جعلت بعده مناسكها، وأضحى به عينًا، وقد كان يمشي وماله أثر. ولد في شوال سنة أربع عشرة وستمائة بحلب، وتفقه بها وسمع الحديث بعدة بلاد، ودخل بغداد سنة اثنتين وأربعين وجالس بها العلماء، وناظر وتكلم، وبان فضله، وكان صدرًا معظمًا جليلًا، وجيهًا، إمامًا، فقيهًا، عارفًا بالمذهب وغوامضه، علامة في فنون المتفاضل، متبحرًا في علم الخلاف والمناظرة، موصوفًا بالإنصاف في البحث. ولي قضاء الحنفية بحلب في الدولة الظاهرية، وكان صدر أصحاب أبي حنيفة في زمانه، وانتهت إليه رئاسة المذهب بدمشق، ودرس بدمشق بالمدرسة الريحانية والظاهرية، وكان يحب الحديث والسنة، ويعظم السلف، وكان يقول: أنا على

стр. 3676

مذهب أبي حنيفة في الفروع، وعلى المذهب الأحمدي في الأصول - أعني أحمد بن حنبل. وحج سنة خمس وأربعين مع بني عمه، واستوطن دمشق، وحجّ ثانية سنة خمس وسبعين من دمشق، فولي أمرة، الحاج، فساس الركب أحسن سياسة، وحمدت أمرته. وولي الوزارة في عاشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين، وكتب له تقليد عن المنصور قلاوون من إنشاء تاج الدين ابن الأثير، فمنه: «الحمد لله على كل نعمة يُوليها، ورتبة يُولّيها، وسيادة يُرَبِّيها، وسعادة يُرْبِيها يحل دست الوزارة محيي علوم الدين والدنيا ومحبها». ومنه: وبعد فإنَّ الرتب شرفها بمتوليها … يزيد، والعقل ما امتاز على السلوك إلا بواسطة حسن بها نظام كل فريد والمملكة ما لم يوازرها وازر شديد، ورأي سعيد، وقلم يقلم ظفر الملمّ، ويقوم بعناء المهم، لما افتخرت الدولة، ولكانت مضطربة لولا ابتناؤها على الأقلام والأسل، وكان أولى من عوّل على تدبيره، واهتدى في الأمور بنوره، وتحاسدت الوزارة والأحكام عليه، فكان لهما منه رفع المكانة، وله منهما تنوع المكان إلى أن نالت الوزارة عنها: [من الكامل] هو الجدُّ حتى تفضل العين أختها ولذلك رسم أعلى الله الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي، لا زالت أوامره مشرفة، ومراسيمه في الأقاليم بأقاليم العلماء مصرفة، أن يفوض إليه الوزارة الشريفة بالشام المحروس على قاعدة الوزارة في النواهي والأوامر، والموارد والمصادر إلى الأموال وتقريرها، والمصالح وتدبيرها، والخيرات وتأثيرها، والبركات وتثميرها، والاستخدام وصرفها، والحرم الذي يطرف عن الأموال عن الخونة كل طرف، ويكف كل كف، فليقبل على ما استقبله به من هذا الأمر العظيم، وليدخل في هذا الحلم الذي حلم فيه من له قدرة التحكم والتحكيم، ووصايا الأموال فلا يوصى بها من إذا رضي قال: إني حفيظ عليم، وأرباب الأقلام فلا يعرف بهم، وهو العارف بكل قلم وإقليم. توفي بالمزة سلخ سنة خمس وتسعين وستمائة، وصُلِّي عليه غرة المحرم سنة ست وتسعين، ودفن بتربة له هناك، وحضر نائب السلطنة، والقضاء، وأعيان الناس، والفقهاء، وخلق كثير - رحمه الله تعالى -.

стр. 3677

ومنهم: [٧٩] التقي، توبة بن علي (١) وجدت الدول منه توبة نصوحى، وأوبة صادفت منه كافيًا نصيحًا، رقي من رتبها العالية صفحا، وتخلق بسجايا كرم لم يزل بها صفوحًا. أفضل بالمنصور قلاوون زمان الإمرة، وخدمه خدمة انفق بها في عنفوان الشباب عمره، وكان يشتري ماء الرقيق ما أضحت مماليكه ملوكًا، وأفراده سلوكًا، فلما وطيء الملك المنصور بقدمه السرير، ورضي لديه السفير، وكان التقى ثوبه قد صار تبعًا للسلطان، ومتبعًا لبحار الترك تتدفق في بعد الأوطان إلى غيرهما كان يبتاعه من أنواع المباع للخزانة العالية، ويملأ صدرها بماء الوراء وقارون ماله الأرتاع مما آل به حال هذا الحال إلى التمنع بطمرها، والتنزه في نظرها، فلما انبسطت يد السلطان بعد سنقر الأشقر بالشام حين نزل عن سلطانها، وذيد عن استيطانها، وتسلم الكرك من بقية البيت الظاهري، وصارت عقليتها في ملكه، وفريدتها في سلكه، ولم يبق إلا أن يسيل من الحضيض أولياؤه، ويفيض علي أهل السابقة آلاؤه، ألقى إليه مقاليد الوزارة بدمشق وسائر بلاد الشام، وحكمه فيها حكمًا إليه مقاليد الوزارة، وكان لا يزال يراجعها ولا يقر لها قرارًا إلا حيث يضاجعها.

стр. 3678

وكان واسع النفس وافر الكرم كثير التحمل مليح الهيأة، حسن الشكالة، أصله من بلاد تكريت، وقدم البلاد كثيرًا، وتوصل حتى بلغ المبلغ فولي الوزارة في العشرين من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وستمائة، وكتب عن المنصور قلاوون تقليد مؤرخ التاريخ المذكور، وكتب له المجلس السامي الصحابي الوزيري التولية. وهو أول من كتب له بالياء من وزراء الشام والتقت ليد من إنشاء محيي الدين ابن عبد الظاهر، وأوله «الحمد لله مصطفي من كان نقيًا، ومعلي درجه من رفع إلى هضب العلياء، فأحسن لها رقيا، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويقبل عن من قربه جميل ارتياده». ومنه خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي أن يفوض إليه الوزارة الشريفة المنيفة بدمشق المحروسة، وما معها من الممالك الشامية، ولما معها من مصافات، وأعمال وولايات ذوات دواوين وعمال، وما بها ولها من وجوه مقاليد ومتحصلات أموال، ولتجري في العزل والتولية والتعطيل، والتخلية في العقد والحل، قال: كل منهم دق أرجل وفي الإمضاء والتوقف وفي المنع والتصرف، وفي المصالح جميعها، وأصولها وفروعها على حكم ما استقرت الحال عليه لمن كان قبله مباشرًا. وفي هذا المنصب قبل مؤازرته، وقد علم أن المجلس العالي الأميري السامي لاجين المنصوري كفيل السلطنة المعظمة بالمماليك الشامية - حرس الله عزائمه - هو من الأعمال الشامية، وممالكها، وثغورها روح جسدها، ونظيرها يدها، وهو القائم مقامنا في تدبير أمورها، وسداد ثغورها فليستصحب معه من الاتفاق ما يشكر على استصحابه، ولا يحاول إلا معه، ولا يجاوب إلا به. قلت: وكتب له في الأيام المنصورية الحسامية لاجين تقليدًا من إنشاء شيخنا القاضي شهاب الدين ﵀ فمنه: وبعد فإن أولى من دعا ليجدد تقليده بما تحسد الذراري مطالع سعوده، والدر بجامع عقوده، وتعرف بالطاعة. ولما كان المجلس العالي الصاحبي الوزيري، وبقية الألقاب ما برح يثمر الأموال من معادنها عبرته، ويظهر المصالح من مكامنها بما جبله الله عليه من فطنته فطرته، ويصونها بإشفاقه، ويحررها بحسن الضبط من فيض المال وإنفاقه، واقتضت آراؤنا الشريفة أن نجعل إحضاره إلى أبوابنا الشريفة مقرونًا ببلوغ المآرب، وإدراك المطالب، وتجديد السعود التي هي أجمل ما وفد عليه الوالد منقلبًا به إلى أهله … فينتحل هذه الرتب آمنت بمجده من العطل، ويحل هذه الهضبة التي لا يثبت على المحافظة عليها إلا كل بطل، وهو ذاك البطل، وكان فيه ستر على الكتاب وأرباب الديوان، ويعطيهم بديل الإعطاء، وقد بدت له مساوؤهم، ويعفو عن زلاتهم.

стр. 3679

وكان فيه إقدام على الدولة المنصورية السابق خدمته، ولأن أكثر الأمراء مشتراة للملك المنصور حتى ورطه عرض مملوكًا على العادل كتبغا حين قدم دمشق - وهو سلطان -. وكان في رقبته طلوع فطنة العادل شيئًا كان قد طلع فيه مثله حين كان في جملة المماليك، فقال له: هذا يخشى منه؟، فقال له: لا هذا ما هو مثل الذي كان في رقبتك فضربه على أكتافه وعزله، وولى شهاب الدين الحنفي عوضه، وكان الحنفي وكيله بدمشق، وله عليه حقوق خدمة إلا أن جدوله صادف تبارًا، وريحه لاقت إعصارًا، فإن العادل لم يلبث إلا ريثما عاد من دمشق إلى بد، ثم نزع وثل من سرير ملكه العرش، فأتى دمشق طريدًا، وأقام بالقلعة، والحنفي ينفذ الأمور، ويظن أن الدائرة تدور، وكان له حساب الدهر غير حسابه، وتب الزمان يده من أسبابه، وخلع العادل وأتى التقى توبة لا يهمه إلا القبض على الحنفي، لولا أن علاء الدين علي بن معبد هربه وخلّصه من يده، وقد أعلق به مخلبه، ثم باشر التقى توبة الوزارة غير وصول تقليد له ولا مرسوم له بالمباشرة، وعلم وسدّد الأمور ومشاها، وكان يعلم علامة رشاد الكل بخطه بأقلام مختلفة، ويدير أمور المملكة حتى استقرت قواعد الملك المنصور لاجين، وبعث إليه بالتقليد والخلعة، واستمر على أكمل ما كان من الرفعة. ومنهم: [٨٠] نجم الدين البصراوي بيت خرج منه جملة من الكبراء، ودرج منه جلة من القضاة والوزراء، وسمت نفوس أواخرهم إلى أن عدد من الأمراء، وردوا رداء الجلالة في الدولة الغراء. مطلعهم مدينة بصرى صدورًا في مدارسها، وبدورًا في مجالسها، وأرباب الوظائف بها جميعًا، وأصحاب العوارف الذين طالما أحسنوا صنيعًا. ولما حل الركاب الناصري بالكرك حيث صرف عما كان عزم عليه من الحج، ووجه ركابه، وفاض على ما جاورها غمامة بانسكابه أكد به معرفة سابقة، وخدمة تقرب فيها بكل سابقة. وكان من قناة الخيل يرسلها ألوانًا على مقاصده أعوانًا، ثم أم جهته وإخوته في خفية من المظفر بيبرس، ونائبه الشام أفرش الأفرم، وطافوا بكعبته طواف من حج وأحرم، حتى ثم عادوا، واتخذوهم له بطانة من دون كل رداء، والسنًا تبلغ عنه صوت كل … ، وبعث منهم إلى أهل طاعته، لتأكيد ما في أعناقهم من أيمان ببيعته، فتخطوا كل خطر، وتخللوا كل صعب، حتى عادوا بالوطر؛ فلما رجع الحق إلى نصابه، وعاد مربع الملك إلى عادة أحصابه، صارت حدائد زبرتهم سيوفًا، وأسمال خبرهم سقوفًا.

стр. 3680

وفوّض إليه بالشام أمر الوزارة حتى استقال، وقفل إلى أمرة بقي عليها حتى مات بلا انتقال. وكان كريمًا، رهوبًا، عالي الهمة، بعيد العزمة. صحب العرب، وأهل البادية، وتخلق بأخلاقهم الكرام، وسجاياهم في حبّ كرائم الخيل والإبل، وانتخاب الهجان المحمودة، واشترى صوافن الخيل بجليل المال. واسوقد منها أحاسن الجياد، وجعل عليها رسمًا يقوده إلى الأبواب السلطانية في كل، وولي كبار الوظائف بدمشق: الحسبة، ونظر الخزانة، ثم الوزارة - كما تقدَّم - ثم قلق لكلفة الملازمة والمباشرة بالنفس والدأب في التحصيل والإنفاق، وضاق عطفه بهذا ومثله، وثقلت عليه، وفقه قراسنقر الجوكنداري المنصوري، وكان إذا ذاك في نيابة الشام، وطلب دستورًا من السلطان، فأعطي، فتوجه يقوده إلى الحضرة، وسأل السلطان في الإعفاء، وأخرج خطًا كان السلطان كتب بله بالكرك مضمونه الوعد بالأمرة. فأعطى أمرة عشرة كبيرة تقوم بالطبلخاناه، ثم نقل عن الاقطاع إلى غيره، ثم أعيد، وجرت له أمور من حسد الأمراء الترك له على كبر الإقطاع، وكثرة متحصله. وكان يميل إلى الشرب، مغرى بحب الغلمان، لم يزل متنقلًا ما بين دمشق وبصرى وجهات إقطاعه، وبأقرب من البوادي حتى جاءه أجله. ومنهم: [٨١] الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن أسعد بن المظفر بن التميمي بن القلانسي (١) من بيت الرئاسة القديمة، والسياسة القويمة، والأصالة في تميم، والجلالة من منبت النسب الصميم. كانت آباؤه بعد بني الصقافي، رؤساء دمشق وكبراء أهلها في دفع ما شق. ولابن القيسراني الشاعر في بعضهم مدائح ذكرهما، وهي في مواضع سكنهم، وموطئ موطنهم. وكانت الملوك بدمشق إذا احتاجوا في حروب الفرنج وافاتهم، وأخذ ما لا بد
следующие страницы →