مذهب أبي حنيفة في الفروع، وعلى المذهب الأحمدي في الأصول - أعني أحمد بن حنبل.
وحج سنة خمس وأربعين مع بني عمه، واستوطن دمشق، وحجّ ثانية سنة خمس وسبعين من دمشق، فولي أمرة، الحاج، فساس الركب أحسن سياسة، وحمدت أمرته.
وولي الوزارة في عاشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين، وكتب له تقليد عن المنصور قلاوون من إنشاء تاج الدين ابن الأثير، فمنه: «الحمد لله على كل نعمة يُوليها، ورتبة يُولّيها، وسيادة يُرَبِّيها، وسعادة يُرْبِيها يحل دست الوزارة محيي علوم الدين والدنيا ومحبها».
ومنه: وبعد فإنَّ الرتب شرفها بمتوليها … يزيد، والعقل ما امتاز على السلوك إلا بواسطة حسن بها نظام كل فريد والمملكة ما لم يوازرها وازر شديد، ورأي سعيد، وقلم يقلم ظفر الملمّ، ويقوم بعناء المهم، لما افتخرت الدولة، ولكانت مضطربة لولا ابتناؤها على الأقلام والأسل، وكان أولى من عوّل على تدبيره، واهتدى في الأمور بنوره، وتحاسدت الوزارة والأحكام عليه، فكان لهما منه رفع المكانة، وله منهما تنوع المكان إلى أن نالت الوزارة عنها: [من الكامل]
هو الجدُّ حتى تفضل العين أختها
ولذلك رسم أعلى الله الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي، لا زالت أوامره مشرفة، ومراسيمه في الأقاليم بأقاليم العلماء مصرفة، أن يفوض إليه الوزارة الشريفة بالشام المحروس على قاعدة الوزارة في النواهي والأوامر، والموارد والمصادر إلى الأموال وتقريرها، والمصالح وتدبيرها، والخيرات وتأثيرها، والبركات وتثميرها، والاستخدام وصرفها، والحرم الذي يطرف عن الأموال عن الخونة كل طرف، ويكف كل كف، فليقبل على ما استقبله به من هذا الأمر العظيم، وليدخل في هذا الحلم الذي حلم فيه من له قدرة التحكم والتحكيم، ووصايا الأموال فلا يوصى بها من إذا رضي قال: إني حفيظ عليم، وأرباب الأقلام فلا يعرف بهم، وهو العارف بكل قلم وإقليم.
توفي بالمزة سلخ سنة خمس وتسعين وستمائة، وصُلِّي عليه غرة المحرم سنة ست وتسعين، ودفن بتربة له هناك، وحضر نائب السلطنة، والقضاء، وأعيان الناس، والفقهاء، وخلق كثير - رحمه الله تعالى -.
стр. 3677
ومنهم:
[٧٩] التقي، توبة بن علي (١)
وجدت الدول منه توبة نصوحى، وأوبة صادفت منه كافيًا نصيحًا، رقي من رتبها العالية صفحا، وتخلق بسجايا كرم لم يزل بها صفوحًا. أفضل بالمنصور قلاوون زمان الإمرة، وخدمه خدمة انفق بها في عنفوان الشباب عمره، وكان يشتري ماء الرقيق ما أضحت مماليكه ملوكًا، وأفراده سلوكًا، فلما وطيء الملك المنصور بقدمه السرير، ورضي لديه السفير، وكان التقى ثوبه قد صار تبعًا للسلطان، ومتبعًا لبحار الترك تتدفق في بعد الأوطان إلى غيرهما كان يبتاعه من أنواع المباع للخزانة العالية، ويملأ صدرها بماء الوراء وقارون ماله الأرتاع مما آل به حال هذا الحال إلى التمنع بطمرها، والتنزه في نظرها، فلما انبسطت يد السلطان بعد سنقر الأشقر بالشام حين نزل عن سلطانها، وذيد عن استيطانها، وتسلم الكرك من بقية البيت الظاهري، وصارت عقليتها في ملكه، وفريدتها في سلكه، ولم يبق إلا أن يسيل من الحضيض أولياؤه، ويفيض علي أهل السابقة آلاؤه، ألقى إليه مقاليد الوزارة بدمشق وسائر بلاد الشام، وحكمه فيها حكمًا إليه مقاليد الوزارة، وكان لا يزال يراجعها ولا يقر لها قرارًا إلا حيث يضاجعها.
стр. 3678
وكان واسع النفس وافر الكرم كثير التحمل مليح الهيأة، حسن الشكالة، أصله من بلاد تكريت، وقدم البلاد كثيرًا، وتوصل حتى بلغ المبلغ فولي الوزارة في العشرين من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وستمائة، وكتب عن المنصور قلاوون تقليد مؤرخ التاريخ المذكور، وكتب له المجلس السامي الصحابي الوزيري التولية.
وهو أول من كتب له بالياء من وزراء الشام والتقت ليد من إنشاء محيي الدين ابن عبد الظاهر، وأوله «الحمد لله مصطفي من كان نقيًا، ومعلي درجه من رفع إلى هضب العلياء، فأحسن لها رقيا، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويقبل عن من قربه جميل ارتياده».
ومنه خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي أن يفوض إليه الوزارة الشريفة المنيفة بدمشق المحروسة، وما معها من الممالك الشامية، ولما معها من مصافات، وأعمال وولايات ذوات دواوين وعمال، وما بها ولها من وجوه مقاليد ومتحصلات أموال، ولتجري في العزل والتولية والتعطيل، والتخلية في العقد والحل، قال: كل منهم دق أرجل وفي الإمضاء والتوقف وفي المنع والتصرف، وفي المصالح جميعها، وأصولها وفروعها على حكم ما استقرت الحال عليه لمن كان قبله مباشرًا.
وفي هذا المنصب قبل مؤازرته، وقد علم أن المجلس العالي الأميري السامي لاجين المنصوري كفيل السلطنة المعظمة بالمماليك الشامية - حرس الله عزائمه - هو من الأعمال الشامية، وممالكها، وثغورها روح جسدها، ونظيرها يدها، وهو القائم مقامنا في تدبير أمورها، وسداد ثغورها فليستصحب معه من الاتفاق ما يشكر على استصحابه، ولا يحاول إلا معه، ولا يجاوب إلا به.
قلت: وكتب له في الأيام المنصورية الحسامية لاجين تقليدًا من إنشاء شيخنا القاضي شهاب الدين ﵀ فمنه: وبعد فإن أولى من دعا ليجدد تقليده بما تحسد الذراري مطالع سعوده، والدر بجامع عقوده، وتعرف بالطاعة.
ولما كان المجلس العالي الصاحبي الوزيري، وبقية الألقاب ما برح يثمر الأموال من معادنها عبرته، ويظهر المصالح من مكامنها بما جبله الله عليه من فطنته فطرته، ويصونها بإشفاقه، ويحررها بحسن الضبط من فيض المال وإنفاقه، واقتضت آراؤنا الشريفة أن نجعل إحضاره إلى أبوابنا الشريفة مقرونًا ببلوغ المآرب، وإدراك المطالب، وتجديد السعود التي هي أجمل ما وفد عليه الوالد منقلبًا به إلى أهله … فينتحل هذه الرتب آمنت بمجده من العطل، ويحل هذه الهضبة التي لا يثبت على المحافظة عليها إلا كل بطل، وهو ذاك البطل، وكان فيه ستر على الكتاب وأرباب الديوان، ويعطيهم بديل الإعطاء، وقد بدت له مساوؤهم، ويعفو عن زلاتهم.
стр. 3679
وكان فيه إقدام على الدولة المنصورية السابق خدمته، ولأن أكثر الأمراء مشتراة للملك المنصور حتى ورطه عرض مملوكًا على العادل كتبغا حين قدم دمشق - وهو سلطان -.
وكان في رقبته طلوع فطنة العادل شيئًا كان قد طلع فيه مثله حين كان في جملة المماليك، فقال له: هذا يخشى منه؟، فقال له: لا هذا ما هو مثل الذي كان في رقبتك فضربه على أكتافه وعزله، وولى شهاب الدين الحنفي عوضه، وكان الحنفي وكيله بدمشق، وله عليه حقوق خدمة إلا أن جدوله صادف تبارًا، وريحه لاقت إعصارًا، فإن العادل لم يلبث إلا ريثما عاد من دمشق إلى بد، ثم نزع وثل من سرير ملكه العرش، فأتى دمشق طريدًا، وأقام بالقلعة، والحنفي ينفذ الأمور، ويظن أن الدائرة تدور، وكان له حساب الدهر غير حسابه، وتب الزمان يده من أسبابه، وخلع العادل وأتى التقى توبة لا يهمه إلا القبض على الحنفي، لولا أن علاء الدين علي بن معبد هربه وخلّصه من يده، وقد أعلق به مخلبه، ثم باشر التقى توبة الوزارة غير وصول تقليد له ولا مرسوم له بالمباشرة، وعلم وسدّد الأمور ومشاها، وكان يعلم علامة رشاد الكل بخطه بأقلام مختلفة، ويدير أمور المملكة حتى استقرت قواعد الملك المنصور لاجين، وبعث إليه بالتقليد والخلعة، واستمر على أكمل ما كان من الرفعة.
ومنهم:
[٨٠] نجم الدين البصراوي
بيت خرج منه جملة من الكبراء، ودرج منه جلة من القضاة والوزراء، وسمت نفوس أواخرهم إلى أن عدد من الأمراء، وردوا رداء الجلالة في الدولة الغراء. مطلعهم مدينة بصرى صدورًا في مدارسها، وبدورًا في مجالسها، وأرباب الوظائف بها جميعًا، وأصحاب العوارف الذين طالما أحسنوا صنيعًا.
ولما حل الركاب الناصري بالكرك حيث صرف عما كان عزم عليه من الحج، ووجه ركابه، وفاض على ما جاورها غمامة بانسكابه أكد به معرفة سابقة، وخدمة تقرب فيها بكل سابقة.
وكان من قناة الخيل يرسلها ألوانًا على مقاصده أعوانًا، ثم أم جهته وإخوته في خفية من المظفر بيبرس، ونائبه الشام أفرش الأفرم، وطافوا بكعبته طواف من حج وأحرم، حتى ثم عادوا، واتخذوهم له بطانة من دون كل رداء، والسنًا تبلغ عنه صوت كل … ، وبعث منهم إلى أهل طاعته، لتأكيد ما في أعناقهم من أيمان ببيعته، فتخطوا كل خطر، وتخللوا كل صعب، حتى عادوا بالوطر؛ فلما رجع الحق إلى نصابه، وعاد مربع الملك إلى عادة أحصابه، صارت حدائد زبرتهم سيوفًا، وأسمال خبرهم سقوفًا.
стр. 3680
وفوّض إليه بالشام أمر الوزارة حتى استقال، وقفل إلى أمرة بقي عليها حتى مات بلا انتقال.
وكان كريمًا، رهوبًا، عالي الهمة، بعيد العزمة. صحب العرب، وأهل البادية، وتخلق بأخلاقهم الكرام، وسجاياهم في حبّ كرائم الخيل والإبل، وانتخاب الهجان المحمودة، واشترى صوافن الخيل بجليل المال. واسوقد منها أحاسن الجياد، وجعل عليها رسمًا يقوده إلى الأبواب السلطانية في كل، وولي كبار الوظائف بدمشق: الحسبة، ونظر الخزانة، ثم الوزارة - كما تقدَّم - ثم قلق لكلفة الملازمة والمباشرة بالنفس والدأب في التحصيل والإنفاق، وضاق عطفه بهذا ومثله، وثقلت عليه، وفقه قراسنقر الجوكنداري المنصوري، وكان إذا ذاك في نيابة الشام، وطلب دستورًا من السلطان، فأعطي، فتوجه يقوده إلى الحضرة، وسأل السلطان في الإعفاء، وأخرج خطًا كان السلطان كتب بله بالكرك مضمونه الوعد بالأمرة. فأعطى أمرة عشرة كبيرة تقوم بالطبلخاناه، ثم نقل عن الاقطاع إلى غيره، ثم أعيد، وجرت له أمور من حسد الأمراء الترك له على كبر الإقطاع، وكثرة متحصله.
وكان يميل إلى الشرب، مغرى بحب الغلمان، لم يزل متنقلًا ما بين دمشق وبصرى وجهات إقطاعه، وبأقرب من البوادي حتى جاءه أجله.
ومنهم:
[٨١] الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن أسعد بن المظفر بن التميمي بن القلانسي (١)
من بيت الرئاسة القديمة، والسياسة القويمة، والأصالة في تميم، والجلالة من منبت النسب الصميم. كانت آباؤه بعد بني الصقافي، رؤساء دمشق وكبراء أهلها في دفع ما شق. ولابن القيسراني الشاعر في بعضهم مدائح ذكرهما، وهي في مواضع سكنهم، وموطئ موطنهم.
وكانت الملوك بدمشق إذا احتاجوا في حروب الفرنج وافاتهم، وأخذ ما لا بد
стр. 3681
منه؛ لدفع ضررهم، أو مداراتهم، طلبت رئيس البلد، أو استعانت بسعاته، وتركته وبث دعاته، فيوظف على قدر ما تسعه الأموال وتقتضيه الأحوال.
وكان لا يزال من الأيام النورية في هذا البيت بقية من تلك الإضاءة، وشارقة من تلك الوضاءة، وولي منهم يجد لهذا الوزير الأفضل كتابة إنشاء، ثم وزارة لم تطل له باع الرشاء لبعضهم كتاب تاريخ إلا أنه كثير على مثله ممن لم يجعل الطلب ديدنه، والعلم معدنه، وكان جله أجلاء هذا البيت يرجعون إلى عقاراتهم، ولا يخدمون الملوك إلا لمداراتهم، حتى كان والد هذا الوزير مؤيد الدين أسعد بن المظفر، وكان من أهل الغناء، وممن لا يعدّ بأحد من الأمناء، فأقامه الظاهر بيبرس لوكالة بينهما، فوليها على كره أغصه بشجاها، وأشرقه بما تجرَّع من كؤوسها المُمرَّة خوف عقباها.
وحكي من أمانته أن رجلًا أعجميًا قدم للحج تفضل معه مبلغ ألفي دينار عينًا، فسمع بأمانته فأتى إليه والذهب معه، وسأله أن يستودعه، فقال: ضعه في ذلك المكان، وأشار إلى مكان من الرواشن المطلة على داره - فطلع العجمي إليه، ووضع فيه المال، ثم نزل للحج، ولم يقدر له العود إلى سنين، فلما أتاها أتى مؤيد الدين في طلب الوديعة، وكان قد أُنْسِيَها مؤيد الدين، فقال له: أي وديعة لك عندي؟، فقال له: يا سيدي، ارجع إلى الله من قريب.
فغضب مؤيد الدين، وقال له: إلي تقول هذا إن كنت صادقًا، فذكرني بشيء أتذكر به، فقص عليه العجمي القصة، حتى قال له، وأنا وضعتها بيدي في روشن في دارك صفته كذا، قال له مؤيد الدين: يا أخي ابشر إن كنت صادقًا، فمالك مكانه، فإني هناك أضع الأمانات، فاصعد إلى الروشن، فخذ مالك. فصعد إلى الروشن، فوجد ماله بعينه، وقد علاه الغبار لم يلمس منذ وضع هناك إلى يومه ذاك، فأخذ الذهب وانصرف.
قلتُ: ويُحكى عنه من هذا وأمثاله أشياء ليس هذا موضعها، وإنما جاءت هنا عرضًا. فأما ابنه هذا الوزير، فكان صدر وقته، وسرّ الكبر ما في سعته قدم الملوك والأمراء بوداده، واستغرق أوقاتهم باسترداده، واستعدّ الجدّ في استلامه صفاتهم حتى حطم الدروس، وهم الرؤوس، وصار لا يقف قرن في طريقه إلا انتحى، ولا يكتب بآرائه اسم إلا تمحى، وكان لا يقدر على تجرع صبره، ولا يثبت جلد له خرائره يشتري أراقمه بليل، وتطل قشاعمه بويل، وتوكل للسلطان بالشام في خاص ماله، وسلك به سلالا ماله.
ثم عينه السلطان للوزارة فوليها، وهو كاره قد شمر الكره عرنينه وأعرق التحسم لمستقتمها حنينه، وكتب نظير ما كتب للنائب الجناب العالي، وقدر وهو بها لا يبالي،
стр. 3682
وباشر وهو لها غير مريد، ووليها وكان يودّ لو أنَّ بينه وبينها جبالًا من حديد.
وكان الملك المنصور قد صادره على مال أخذه منه، فيمن صادره من الناس، فلما دانت أيام المنصور لاجين، وكان له به سابق معرفة توجه إليه بهدايا من ثمار الشام وألطاف، فأقبل عليه وأحسن إليه.
وكان يهش لدمشق، ولمن أتى منها، كما تقدم من نبات فيها، وتعرف أهلها، فعوضه من الأملاك المخلفة عن المنصور قلاوون بعقار عما كان أخذ منه، واستمر له مكاتيب شرعية كتبت له واتقنت، فلما ولي كراي المنصوري بالشام النيابة، اتخذه شحن صدره، وسخي خلقه، وتمحل له الذنوب، وأظهر منه خفي العيوب، وحصل هذه الأملاك سببًا تعلق به عليه، وتوصل منه إلى مضربته وغير عليه فاطر السلطان، وكدر عليه موارد الإحسان واحجج عليه النيران، ونبه له كائن الحقد حتى أمر به منه عنان الوزارة، وأمسكه واعتقله في مكان ضيق عليه في الخناق.
وقامت رجال كان قد ملأ صدورهم أحقادًا، وشبَّ جوانحهم بنار البغضاء له إيقادًا، فواجهوه بالبهتان، واستنزلوه ليقطع وحوله حقربان، ويحرصوا له قولًا مأمونًا، ونبشوا ما كان له من الشر مدفونًا، وأراد كراي نفسه، ولكن الله سلمه ونجاه، وأخذ من ظلمه بينما كان في تلك الضيافة التي التقت عليه حلقتاها، والشدة التي برقت له عارضتاها، إذ ورد أمن السلطان بإمساك كراي واعتقاله، وربطه في أوثق من اعتقاله، وأدنت ضائقته، ودنت عاشقته من السلاح، ونقل من المكان سدت عليه فيه منافسه، وسلط عليه فيه منافسه ونزل بدار الحديث الأشرفية حيث مشارق الأنوار اللامعة والأنوار الهامعة، والسنة الشريفة النبوية تنضج بها وبطل منها، ونعس في مقامه بها عنه، وثيق الخناق، وشديد الحبل الملتف بالأعناق.
ثم لم يلبث أن وصل أفرش الأشرفي نائبًا، وأتاه بالفرج مبشره، وعتم إطلاقه بالفرح أهل بلده، فلم يبق فيهم إلا من يبشره.
ثم قصد باب السلطان، فوجد من عفو السلطان وإسعاف الأمير الكبير المحدث أبي سعيد سنجر الحاولي، وكريم الدين وكيل السلطان ما أمن روعته، وبرد لوعته، وأمضى السلطان له ذلك التفويض، وأعاده إلى الوكالة على ما كان عليه قبل الوزارة فأقام عليه مدة، ثم عزل عنها، وأجرى عليه راتب سلطاني دام عليه إلى أن مات. ووجد من السعادة الوافرة، وحصل من النعم الظاهرة ما كان محسودًا عليه، متطورًا إليه؛ ولقد جمع بين وكالة السلطان، ووكالة كافل المماليك، وبيبرس الجاشنكير رأس البرجية، وكبير الأمراء في وقت واحد.
ثم لما انقطع الملك الناصر بالكرك، وملك المظفر بيبرس، استمر عز الدين
стр. 3683
جامعًا بين وكالتيهما، ووكالة سلار.
وطلبه الملك الناصر إلى الكرك على أنه يحاسبه، وقضده أن يبطش به لأمور كان يحقدها عليه، منها أخذ ذلك العقار منه في الأيام اللاجينية، وكان أورثه من أبيه وأخيه، إلى غير ذلك، فشفع له الأفرم في كتب كتبها على يده، وجهزه إليه، فلم ينله كساه، وخلع عليه وأحسن إليه، وأعاده مكرمًا على عادته. ولم يزل في نفس السلطان منه لسبب هذا لا لقدر العقار، ولكن لما يرى أن عاميًا اهتضمه في وقت، واستضعفه، وأخذ منه ملكه بيد القهر، وعفا له عن هذا غير مرة، وكان خاطره لا ينظفه له، ولا يصفو له كدره.
حكى لي والدي ﵀ قال: كنا بين يدي السلطان مرة، وفخر الدين محمد المعروف كاتب المماليك عنده، فسألني السلطان عن عز الدين، فقلت له: إنه حي يرزق يذكر صدقات السلطان، ويدعو له، فقال: ذاك إنسان غش أخذ منا ملكنا، فقال له الفخر: كانت المماليك، وكان يدلّ على السلطان ذاك الإدلال آية والله أخذ مليك، ومد أبيك، أو كما قال: وكلنا نعرف هذا ونشهد به فقال السلطان: لا أنا تركته له، وكان والدي يتخوفها عليه دائمًا، ويقول: لا آمن له يومًا نية، قلت: ولقد جرى مرة أخرى ذكره بحضوري، وقال فيه نحو هذا الكلام، وقال الفخر نحوه.
ثم لما تضمنت المطالعة الواردة من الشام ذكر وفاة عز الدين، قال السلطان: استراحت دمشق منه.
وكان عز الدين من ذوي المروءات والمداراة قائمًا بحقوق كل قادم يقدم عليه ومريض يمرض، وميت يموت، يتردد إلى الناس، على كبر مكانته، ويمشي في حوائجه بنفسه وحده، ماشيًا في المدينة على رجله، يتردد إلى دور القضاة والحكام، ويثبت كتبه الشرعية، ويؤدي ما يتعين عليه من الشهادات. هذا على إفراط شممه وإباء أنفه، وترفعه عمن فوقه، فضلاء عن النظراء والأشباه.
وكان يبعث إلى الحجاج في كل سنة من يتلقاهم إلى معان، وهما قاربها بالحلواء والفاكهة.
ووقف أملاكه وعقاره على بنيه، وبعض معتقيه، وأخذ منها جهات بر، وكان من رجال الدهر نبلا، وحشمة، وسعة باع، وعلو همة.
ولد في … وتوفي … ودفن بتربة بسفح قاسيون قريب الجهاركسية.
стр. 3684
[مشاهير الوزراء بالجانب الغربي]
وأما وزراء الغرب،
فنقول: قد سألت الشيخ العلامة ركن الدين أبا عبد الله محمد بن القوبع عن رتبة الوزير بالمغرب، فقال: ليست بطائل، ولا لصاحبها شيء من الأمر، بل هو كالجاويش يخرج قدام السلطان يوم الجمعة، حقيقته دون السمعة.
فمنهم:
[٨٢] الوزير عيسى بن سعيد (١)
وزير لا وزر عليه، ولا كبر لديه، ولا فضل إلا لآثار يديه. ضرب على السماء مضارب المآرب، وشرق ذكره في المشارق، وثوى في المغارب. أخذ من السحاب عنان العنان، وعرف من عرف ببابه جنان الجنان، ولا يعبر على منازل النجوم إلا مارًا، ولا سَحَتْ ديمه على المجرة إلا جارًا، وكلأه السعد في أقلامه، وجعل السيوف خدم أقلامه، وطالت الرماح قصبها اللداني، وساعدها النصر والتأييد اللداني.
قال ابن بسام (٢): كان قيم دولة أبي عامر وحامل لوائها، والمستقل بأعبائها، وملك زمام إعادتها وابتدائها، طلع في فلكها قبل دورانه، ودلّ على ما في كتابها دون عنوانه، وساد ذكره كيف كان غروبه وطلوعه، ومن أين اتفق طيرانه ووقوعه.
стр. 3685
قال ابن حبان (١): لم يكن له مأثرة سلف، ولا يثبت بقدم، خلا أنه كان عربي النجار من بني الجزيري، فاختلف إلى الديوان، وصحب المنصور بن أبي عامر وقت حركته في دولة الحكم، فبلغ به المنازل الجليلة، [وتبحبح عيسى] بعد مهلك ابن أبي عامر، ثم تنكر له عبد الملك هو وولده وصنائعه، ولم ينفذ توقيع إلا بأمره، ووالى وجوهًا من أهل الدولة وصاهرهم، ثم صاهر آل أبي عامر.
ثم تنكر له عبد الملك بن المنصور بعد أبيه فسعى عيسى إلى الغدر بالعامرية، والانقلاب مع المروانية، فأرسل هشامًا المؤيد، وأعد رجالًا للفتك بعبد الملك، وكاد يتم له الأمر فوشى به أحد رجاله، فاهتم عبد الملك بمبادرته، واستدعاه إلى مجلس الشراب، وهو لا يفطن بشعوره، فأتاه، ثم عاتبه، ثم صبّ عليه سيفه، وشاركه أصحابه في قتله حتى برد، وجزّ رأسه وعلّقه على باب الزاهرة، وقُبض على جميع موجوده وسجن أبناؤه. وأعظم الناس قتل عيسى لجلالة قدره، وغلبته على صاحبه.
وقال فيه صاعد اللغوي: [من البسيط]
فَتِلْكَ هَامَتُهُ في الجَوِّ نَاطِقَةٌ … تُحدِّثُ النَّاسَ مِنْ آيَاتِهِ عِبَرَا
مَكْتُوبةُ الوَجْهِ بِالهِندي يَقْرَأُهُ … مَنْ لَيْسَ يقرأُ مَكْتُوبًَا وَلَا سَطَرَا
ومنهم:
[٨٣] الوزير أبو جعفر، أحمد بن عباس (٢)
رجل أفرط في الشح، وأفرغ جهده في القبح، لو كان بيده البحر لانكدر، أو داس على منبع الماء، لما انفجر، أو صافح الغمام الممطر، لخلاه جهاما، أو قابل الصباح المسفر، لأعاده ظلاما، لو قدر على الفضاء، لسدة على خيط السحاب لشده،
стр. 3686
أو مرَّ بالروض، لأصبح حممًا، أو لامس المسك لعاد دمًا، لو نفخ في الهواء، لما نفخ، أو أمسك بحجر الزناد، لما قدح، لو كان في عصر مادر لما ضرب به المثل في اللؤم، أو سكن في المدن العوام، لصاحته على أرجائها البوم، انحل من رب كلب، واكز من باب ضبّ، وأشح من باب … ، وأضنّ من الكندي باللاء المسمومة للحين، لا يفتح كفه، ولو ثقب بمسمار، ولا يجري البخل معه في مضمار.
قال ابن بسام: كان أبو جعفر هذا قد بذ الناس أهل وقته في أربعة أشياء: المال، والبخل، والعجب، والكتابة.
قال - وقد ذكر بخله -: لو أن أبا بحر رآه لما ضرب في البخل مثلًا، ولا ذكر معه في رسالته رجلًا. له فيها أخبار تخرق سجف العادة، وتضيق عن قبول الزيادة.
وقال - حديث عن الوزير ابن الجد وكان امرًا صدق - قال: سافرت أيام الشبيبة في معسكر زهير فتى ابن أبي عامر قبل أن يظهر، ويشتهر بصحبة السلطان ذكرى، فرحلنا في بعض الأيام، وقد خلص إلى الأحشاء برد الأحسام وسوى برس السماء بين السماء والأكام، حتى كأنَّ الأرض صفحة حسام، أو صبر غمام وعبث مطر قد غادر الكثبان وغوثا، وصيَّر المسالك تلاعًا ميتا فكبت بي فرسي، وقد تأخرت عن صحبي، وساخت رجله في بعض ذلك الخيار، فصرعت لحيني، وكانت عندي فروة فيل أعدها لأيام القر، فاستظهرت بها يومئذ على شدّة ما كنت فيه على الجهد، وخفته من عادية ذلك البرد فأصابه من الطين ما كاد يشككني في عيافة، وأقمت عامة يومي على إصلاح ما فسد من شأني وشأنه فوردت العسكر، وقد زاحمت الليل، وبث الوزير المذكور في طلبي الخيل، فساعة رآني قال: ما غالك؟ وأي شيء حبسك لا أبا لك؟ فطفقت أقص عليه أمري، وهو يضحك وكان آخر ما راجعني به: أما عندك إلا هذا الفنك، ثم انتفخ واستدعى قهرمان ثيابه وقال: كم أودعت عيابي، وأدرجت في أثناء ثيابي في سفري هذا من الأفناك فجاء بعدد بها. ما ظننتها تجتمع لأحد ولا يحيط بها ملك يد، قال أبو محمد: ولم أشك في تحصيل فروة، وجرّ ذيل كسوة فوالله ما زاد على أن عدها وأمر القهرمان، فردّها، ثم قال: يا أبا محمد هذه ثياب سفري ومهنتي، وكيف لو رأيت ثياب المدينة، وملابس الزينة.
وقال ابن بسام (١): وقد ذكر عجبه والعجب فلم يكن الفضل بن يحيى، ولا معلمه عمارة بن حمزة، ولا عبيد الله بن ظبيان، ولا مطعم بن جبير، في ذلك إلا بعض
стр. 3687
قوى سببه و … واطئي عقبه.
وقال وقد ذكر كتابته: والكتابة أربعته. وعلى كل حال فله بها يد، ونفس ممتد، وله فيها يد وغد.
وقد ذكر ابن حيان كيف غرب وطلع، وكيف طار حتى وقع.
ومما قال فيه: كان جامعًا للآداب الملوكية، مؤثرًا للدفاتر، مغاليًا بها، بلغت عنده أربعمائة ألف مجلد، وأما الدفاتر المخزونة فلم يوقف على عدتها على كثرتها، وكان مع ذلك أغنى ملوك الأندلس. ورث من أبيه خمسمائة ألف مثقال جعفرية، سوى الفضة، والآنية، والحلية، وأما الأمتعة في المخازن والكسوة، والطيب، والفرش، فبحسب ذلك.
ثم حاط هو تلك النعمة بالبخل الشديد القبيح، وحماها بالإمساك الصريح وأثلها بالتكسب والترفيح، حتى صارت أضعافًا مضاعفة، ولم يوفق فيها لبر مزلف، ولا الصنيعة مشكورة، بل أسمن جسمه، وأهزل عرضه، وأشبع بطنه، وأجاع ضيفه.
يطوف في مقاصيره على خمسمائة من مثمنات القيان، وربما لم يكن حظ الحسناء منهن غير لدغة العضة، ثم لا يعود الدهر إليها، فاتهم بعهر الخلوة للذي شهر به من قلة الجماع إلى نحل لا كفاله يحمل الناس عنه في ذلك أحاديث شائعة، من أخصر من حكاه لي الوليد بن زيدون عن أبي الباجي كاتب الرسائل، قال: دعاني ابن عباس يومًا مع خواص من أصحابه إلى داره فسرنا مجلس فاهتك به مشاكل الحسن في فرشه، وستوره، وآلته وآنيته قد صنفت فيه فواكه غريبة، وأنقال ملوكية على طوله ما وقعت عيني قط على أكثر منها، ولا أغرب من أجناسها، ولا أنفس من أطباقها، وقد غطي جميعها بمناديل شرب تبين صورتها من تحتها، فتطرب العيون والقلوب إليها، فأخذ في ملاعبتها بالشطرنج ولهى من سائر ما أراد بنا إليه، ووصل اللعب بها نهاره كله، وبعض ليلته، لا يرفع رأسه يدعو لنا بطعام، ولا غيره، إلا أن رجعنا، وألححنا عليه بالانصراف، فانصرفنا ولم نر شيئًا مما كان أعدّ لنا، وما اعتذر إلينا، وما منا من أسى على ما حرمه مما كان بين يديه، وتعجبنا من … وبخله، واستخفافه بمن دعاه.
ومن نثره قوله (١):
«وكتابي هذا إليكم، وقد أنفقت الكلمة في وضع رأس الإمارة على كاهله،
стр. 3688
[ونصل] الإمامة في نصابه، وأعدنا في وضع رأس الإمارة على كاهله، ونطلب الأمانة، وأعدنا الحق إلى أهله، [وأصفقنا] على بيعه رضى واتفاق، وطاعة لعبد الله أمير المؤمنين المتأيد بالله أيده الله، وطهرنا المنابر من دنس تلك الدعوة، [المستعارة]، وهتفنا هتف التباشير، وقامت بها الخطباء على المنابر وانجلت الغيابة على فلق الصبح، واقتلعت الظلمة عن وضح الشمس، وأزاح الله غصة الشك، وشجى الإفك، والرمز يكفيكم، والإيماء يغنيكم، ولما استوسق الأمر على منهاجه، واستتم الأمر على أدراجه، هززنا بكم هزة التذكير، ورمينا إليكم باليسير».
ومنه قوله (١):
«قرأت الرقعة الكريمة، ناولتنيها اليد العزيزة، وكأن البدر مد إلي يد تختمت بالنجوم الزاهرة، أو الدهر أعطاني بها أمانًا من خطوبه الداهرة، وعانيت وشيًا منمنمًا، وأبصرت ريطًا مسهمًا، وطفقت ألتمس المجاراة، وأروم المباراة، فإذا شأوي حسير، وباعي قصير، وفمي ملجم، ولساني مفحم لأني تعاطيت مباراة أسد العرين وهو خادر، وموج البحر وهو زاخر».
ومنهم:
[٨٤] الوزير الرئيس أبو عبد الرحمان، محمد ابن طاهر (٢)
ما رئي ابن خاقان في تقريضه، وتقريب ما بعد البرق من وميضه، وتقرير ما لا يأتي الليل والنهار بوميضه، وتفريغ الدرّ بما لا يقدر أن يجيء في معاريضه، قال: به بدئ البيان، وختم لديه بيت الإحسان وارتسم، وعنه افتر الزمان وابتسم، واستقر الملك لديه استقرار الطرس في يديه، واختال التاج بمفرقه اختيال اليراع في مهرقة.
стр. 3689
ومن نثره، قوله يستدعي أقلامًا قد عدمت بهذا القطر:
«القلم الأقلام، وبها يتشخص الكلام، وهي حلية البيان، وترجمة اللسان، عليها تقرع شعاب الفكر، وذكرها منزل في محكم الذكر، وأريد أن يرتاد لي منها سبعة كالأقاليم حسبة السليم، فضيّة الأديم، ولا يعهد إلا حليها والطوال أنابيبها، وإذا استهدت من أنفاسها، أتاك الشكر من طبيب أنفاسها».
ومنه قوله:
«كتبت الجدّ قليل، والذهن كليل بما حدث من عظيم الخرق على جميع الخلق، فليقم على الدين نوادبه، فقد حلسه سنامه وغاربه، ولنفض عليه مدامعه وعبراته، فقد غشيه حمامه وغمراته، وكان منيع الذرى بعيدًا أن يخلط ويرى، يحميه المتأصل البتر والد وابل الشمس والمسومة الجُرْد، وشيخه كأنهم من مشيخة ما التثموا مرد، فأبى العدد إلا أن يفجع ما شمخ مدانيه، ولا يترك له سوى سواحله».
ومنه قوله:
«ووافاني لديك كتاب كريم كما طرز البدر النهر، أو كما بلل القطر الزهر .. طوقني طوق الحمامة، وألبسني ظلّ الغمامة، وأثبت لي خرق النجم منزله، وأراني الخطوب نائية عني ومعتزله، فوضعته على رأسي إجلالًا، ولثمت كل سطر احتفاء واحتفالًا وفتحته، وأخذت منه للسعادة فالًا».
ومنه قوله:
«أطال الله بقاء الأمير منيعًا حرمه، رفيعًا علمه إنّ الذي بثته الدنيا من مناقبك العليا، فتجلَّلت منه أقاصيها، وتكلت به نواصيها لجادب نحول أحرارها، وجالت صمت به إلى دراك همم عوال كأنها الرماح عوال، كأنها الحلوق تنفح مسكًا وتشرق، وإن الوشي ما حيطه، وربما أزرى به وخطه، والخير يغنيه عن الخبر، ويعلمه بالعين لا بالأثر».
وقال الفتح في ذكره (١): وكتب إلى المنصور بن أبي عامر يخبره بخبر السيل الذي سال بمرسيه، فعفى آثارها، وهد أسوارها، … ديارها، وقد كان ورد كتابه مستفهمًا عن خبره، ومنتهى عبره،
و … - أيده الله - كتابه الكريم، مستفهمًا عما طار به إليه الخبر عن السيل الحافل
стр. 3690
الذي عظم منه الضرر، وقد كنت أحدًا في الإعلام بحوادثه العظام، فإنه أذهل الأذهان، وشغل البيان، وإذا قيل تملأ السهل والجبل والجنوب كما اضطجعت، والعيون كما هومت للنوم وهجعت.
فمن ماض قد استلبه، وتاج قد خربه، وفازع قد أثكله، والبرق تحت فؤاده، والورق ينسرب مراده، والكل استسلم القدر، واعتصم بالله تعالى جل من وزر، حتى أرانا الله آية أعجازه وبراهينه، وغيض الماء لحينه، وطلع الصباح على معالم قد غيرها، ولم يبق إلا خبرها، وآكام قد حدرها، لا ينقضي منها عجب لنا، ولا يسمع بمثلها في الزمن الغابر، فالحمد لله على وافي دفعه، وتلافى غوثه ونفعه، لا إله إلا هو. قال [ابن] بسام حين ذكره (١): أحد من جمع الحديث إلى القديم، وارتقى من رئاسة الأقلام إلى سياسة الأقاليم، واتفق لبني طاهر بالفتنة المطغية رئاسة كورة مرسية.
كان أبو عبد الرحمان يكتب عن نفسه بهذا الأفق كالصاحب بن عباد بالمشرق، وله رسائل تشهد بفضله، وتدل على نبله، ولا سيما إذا هزل، فإنه يتقدم الجماعة، ويستولي على ميدان الجماعة الصناعة.
لما خبط أبو بكر بن عمار سمرات ملوك الأندلس بعصاه، وتردد ينتجعهم بمكائده ورقاه، وإنما كان يطلب سلطانًا ينثر في يده ملكه، وملكًا يخلع عليه عطفه، جعل أبا عبد الرحمان بن طاهر مرتع همه، ووجه أمه.
ولما ألقى المعتمد بن عباد إلى ابن عمار بيده، وقلّده تدبير دولته وبلده، بعثه على حرب ابن طاهر بغاء لنفسه وبقاء على أُسِّه، فاقبله وجوه الجهاد، وأخذ عليه بالثغور والأسداد حتى فتّ في عضده، وانتزع سلطانه من يده، ولما نال غرمه، وفعل وقام وزان أمره واعتدل، مد يده وبسطها، وكفر نعمة ابن عباد، وعظمها، وانبرى من حينه على مرسيه، وقعد بها مقعد الرؤساء، خاطب سلطانه مخاطبة الأكفاء، مستظهرًا على ذلك بجر الأذيال، وإفساد قلوب الرجال، معتقدًا أنَّ الرئاسة كأس يشربها، وملا جنون يسحبها، فقيض له يومئذ من عبد الرحمان بن رشيق عدو في ثياب صديق، كان في ذلك الأوان. فخلص عبد الرحمان خلوص الثريا من يد الدبران، والتقى هو وابن عمار ببلنسية بعد ذلك، وقد استوى الغالب والمغلوب، وضعف الطالب المطلوب.
وأورد من نثره قوله:
قد تصرفت بي سهوب الإسهاب، وقد تعلّقت بأطناب الأطناب، وسلكت من
стр. 3691
البلاغة مسالك لا تجد حيات الأدهان فيهان مذبان، ولا أرواح الأفكار في جرها مهبًا، فإن فرعت بأنها معك، وقد باشرت بدعك زاد في انغلاقا، وكنت ككودن مع عتيق لا يرجو له لحاقًا يحجى بذي الحجى سلوك سبيل الاختصار والإنجاز إذ لا بد من الوقوع تحت الاقتصار والإنجاز، والله يبقيك لأحياء رسم الأدب فإقامة أَودِ لسان العرب».
وقوله (١):
مثلي ومثلك مثل رجل من العرب استقرى عقيلة ربرب، بل سليلة فضل وحسب، فأجزلت قراه، وأكرمت مثواه، فلما اطمأن المجلس، واطمأن التأنس، سعته إلى بعض أوطارها، فراقه ما تحت أزارها، فجعل ينشد: [من الرجز]
يا خيرَ أُخْتِ البَدْءِ والحَضَارَة
مَاذَا تَرَيْنَ في فتى فزارة؟
أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَه
إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَه
وكذلك [غيرك] المخاطب في شؤوني وأنت المراد، وإليك الإيماء وفيك يبدأ القول ويعاد، وأنت ما أعطر خلالك، وأكثر اهتبالك لازالت أياديك طواق، ومعاليك معطرة الآفاق.
وقوله (٢):
«وتوفي فلان - عفا الله عنه - وكان البقية الذي يُرضى ببقائها، ويُعْشى إلى أضوائها، فاختلسته المنية، وفجعت به الدنيا الدنية، فمن شأنها أن تذهب بالأفاضل، وتذهب على الأماثل، نقله الله إلى رضوانه، وحفّه بغفرانه، وأحسن العزاء عنه، وإن عز العوض منه.
وأما عهدنا فقد درس منه العهد، بخطوب يتمنى معها الفقد: بلاد لحقها التغيير، واستولى عليها التدمير، وأكلت الجوعة بنيها، وتعطل الشرع والدين فيها، فلا صلاة تجمع، ولا منبر يرفع، والكل في حوض الردى ناهل، فلين على الإسلام نائح، وليجبه من جانب القبر صائح».
стр. 3692
وقوله (١):
«وفيما ذكرت قرع من الظنابيب، وشرع للأنابيب، وهرج يشمل البعيد والقريب، ومحض ودي، وصحيح عقدي، وما لا يشك فيه عندي، تحملني لك على الانتصاح، شحًا مني، ورغبة في الصلاح، وحسمًا لأسباب الفتنة التي تعظم معها المحنة، فإن وافق قولي قبولًا، وكان على أحسن التأويل محمولًا، فذلك الذي عرضت، وله تعرضت، وإن كان ما سواه، فهي أمور يدبرها الله».
ومنهم:
[٨٥] أبو بكر، محمد بن عمار (٢)
لطائفه ألذ من تقويم الكرى، وأرق من النسيم إذا سرى، وقوله: أدر الزجاجة .. ألطف مما تشعشعه، وأميل بالأعطاف مما تضعضعه مثل الطيف إذا سرى قوله، والتجم قد صرف العنان عن السرى، بل هي أبعد استعادة، وأبعد من الحبيب النازح استزادة، إذا أنشدت له هي أو سواها من بدائع فطرته التي سواها، قلت:
стр. 3693
الصباح أهدى لنا كافوره، وأستر الليل غيره، والأكل وقت السحر والسماء، فهم مكنون سرهما، وغيره.
وذكره الفتح بن خاقان قال: أتى عليه حين من الدهر، ثم كسي بعد إشراقًا ونورا، فأصبح راقي منبر وسرير، ولمح ما شاء بطرف فيه ضرير، واصطفاه العدو، فاتفق به السكون والبدو، وطاعت له اللبانات والأقطار، حتى رأس بتدبير، وجلس مجلس الأمير، ثم رأى أن … . على ميوله، ويجتري بتوليه تحصيل في قبضة المعتمد قميصًا، وعاد معنى خلاصه بهما عويصًا، إلى أن طرقه الحسام طرقًا، وذوقه الحمام فما استعذبه ذوقًا، قتله بيده، وأنزله ليلًا في ملحده.
قلت: وكماله فما لم يرضع به القلائد من الفوائد قوله من نثره: وإن كان هذا الفعل لتوبة فضحت، وطريقة من التقوى وضحت، فما يصنع مولاي من تلك الآلات، ومن يستخلف على الضلالات، وهيهات لقد مرد شيطانه، وصعبت أشطانه، وإنما هو الآن يرجى ليجتهد، ويجتمع لكي يثبت.
وقال الفتح: ودخل سرقسطة، فلما رأى غباوة أهلها، وتكاتف جهلها، عكف على راحه معاقرًا، وعطف بها على جيش الوحشة عاقرًا، فبلغه أنهم نفذوا سربه وفروا بالملام غربه، فقال: [من الطويل]
نَقمْتُمْ عَلَيَّ الرَّاحَ أُدْمِنُ شُرْبَها … وَقُلْتُمْ فَتَى لَهْوِ وَلَيْسَ فَتَى جِد
وَمَنْ ذَا الَّذِي قَادَ الحيادَ إلى الوَغَى … سِوَايَ وَمَنْ أَعْطَى كَثِيرًا وَلَمْ يُكِدِ
فَدَيْتُكُمُ لِم تعلموا السِّرَّ [بَيْنَكُمْ] … فَلَيْتَكُمُ جُهْدِي فَأَبْعَدْتُكُمْ جُهْدِي
ثم قال: وأهدى الناس في يوم عيد المعتمد واختلفوا، وقضوا الفرض وتنفلوا، واقتصر هو على ثوب صوف بحري أهداه وكتب معه:
لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي … إِهْدَاءِ يَوْمِكَ جِئْتَهُمْ مِنْ بَابِه
سعثب بحري الشَّمْس شبه أهلها … وَكَسَوْتَ قَيْنَ البَحْرِ نَحْوَ ثِيَابِه
وقال يتغزل في غلام رومي للمؤتمن بن هود قد لبس درقًا، وهو يرنو بنرجسه، ويعطر بسوسنه: [من الوافر]
стр. 3694
وأَغْيَدَ مِنْ ظِبَاءِ الرُّوْم عَاطٍ … لَسَالِفَتَيْهِ مِنْ دَمْعِي فَرِيْدُ
قَسَا قَلْبًَا وسنَّ عَلَيْهِ دِرعًا … فَبَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ حَدِيدُ
وقال: [من الوافر]
رَشَأْ يَرْنُو بِنَرْجِسِهِ وَيَعْطُو … بِسَوْسَنِهِ وَيَبْسِمُ عَنْ أَقَاحِي
تُشِيرُ إِلَيَّ قُرْطَاهُ وَتُصْغِي … خَلاخِلُهُ إِلَى نَعَمِ الوِشَاحِ
وقال: [من مخلع البسيط]
يَا عَضَدُ الدَّوْلَةِ المُصَفَّى … مِنْ جَوْهَرِ النُّبْلِ وَالذَّكَاءِ
مَاذَا تَرَى في اصطبَاحٍ يَوْمِ … مذهب الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ
سرفه من نَدَى زَمَانٌ … لَمْ يَقْسِمِ الرِّزْقَ بِالسُّوَادِ
قال الفتح واستدعى منه في أحد سفراته مشروب بموضع ليس فيه غير القتاد، ومحل المرتاد، فبعثه وقرن معه تفاحتين ورمانتين، وقال: [من الوافر]
خُذُوهَا مِثْلَ مَا اسْتَهْدَيَتُمُوهَا … عَرُوسًَا مَا تُزَفُّ إلى اللئام
وَدُونَكُمُ بِهَا ثَدْيَيْ فَتَاةٍ … أَضَفْتُ إليهما خَدِّيْ غُلامٍ
وقال يصف مكانًا عليًا حبس فيه: [من الكامل]
وَمَعارِج أَدَّتْ إلى حَرَجٌ … حَتَّى مِنَ الأَنْوَاءِ والقَطْرِ
عال أظن الجنَّ إِذْ مَرَدَثٌ … جَعَلَتْهُ مَرْقَاةٌ إلى أَسْرِ
وحش تَنَاكَرَتِ الوُجُوهُ بِهِ … حَتَّى اشْتَرَيْتَ بِصَفْحَةِ البَدْرِ
قَصْرٌ يُمَهِّدُ بَيْنَ خَافِيَتَيْ … نِسْرِيْنِ مِنْ فَلَكٍ وَمِنْ وَكَرِ
مُتَحَيِّر سَالَ الوَقَارُ عَلَى … عِطْفَيْهِ مِنْ كِبَرِ وَمِنْ كِبْرِ
مَلَكَتْ عِنَانَ الرِّيحِ رَاحَتُهُ … فَجِيَادُهَا مِنْ تَحْتِهِ تَجْرِي
ومنهم:
[٨٦] ابن العطار
بدر الأفق الغربي، ومالك عنان اللسان العربي، المسك ما مجه يراعه، والسلك ما مده، صواعه، أعلته الدول اعتلاء النجاد واعتلقته اعتلاق البجاد.
ومن نثره الذي أقطعه سرى الآفاق، ومجرى النجوم بين الغروب والإشراق، قوله:
جددت يا حزي هذه أكرمكم الله العهد بكم، ووجدتُم أكثرها من ثمرات أدبكم، ومن حرم نفس عصام حرم الإعظام، وفلان ممن كان يلوذ بالفقيه الأستاذ، واقتدى به،
стр. 3695
وأخذ عن آدابه ما اقتبس من أنواره، وأنس بجواره، ثم حرمته الأقدار وثبات به الدار، فأهل بماء مقلته، وأن يوثق بنجوم ليلته، وما أجزأه أن يُصلح من أخراه، وأخلقه أن يتوب إلى من خلقه، فبذنبه ذهب عنه من قربك نصيبه، وإنَّ الرجل ليحرم الرزق بذنب يصيبه كيف ما هو أحياء النفوس من القوت، وأعلى قدرًا من نفيس الياقوت، والله يغفر لمن عصاه، ويدني بحوله من أقصاه، فينقضي البين، ويلقى عصاه، وينشد قول الأول: [من الطويل]
فأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقرَّ بها النَّوَى … كَمَا قَرَّ عَيْنَا بِالإِيَابِ المُسَافِرُ
ومنه قوله:
لقد قال رأي في … عنه ونأي، ولو علقت، لما انتقلت عن قطر هو من رياه عن عطر، ولا تركت محلًا هو بفخره مجلا، ولا فارقت سيدي الأستاذ، ولو سمحت لي دنياي بملك بغداد، فلطالما أفادني من رباع الحكم عالي الجوهر، وأوردني من رائع الكلام صافي نهر، ولربّ مقال تميز عن أشكاله، وأعجز لإشكاله، فحرم عن الذهن … معنى ذلك القيل حلة ومحلّه، فأضحك ثغره، ولمعت ثناياه وذكرك فتضعضعت ثناياه، والله يبقيك للعلم. فعلى أعلامه وعلى ظلامه.
وكتب إليه أبو عبد الرحمان بن ظاهر:
في إحاطتك الوافية، ودرايتك الوافرة، إني بك راجح ميزان، فنهل ماء الفخر ترى ماء الورد عطر رائحة العهد، وإن بشراي تتابعت أنَّ هلالك في الوزارة طلع بدرًا وأن نداك بها صار شفعًا، وكان وترًا، فقلت: ساقها شغفها، وزانه شرفه لأشرفها، فليهنِها حلولها بفرقديها، وجمعك بين نيرها وإنك مقلدها من خلالك فذا وتوأمًا، وملبسها من صفاتك طرزًا، وأعلى ما حسن بعين، ومثابة دين، وطيب خدم، ورسوخ درع، وعلم وأدبًا كالروض نبهه الصبا، وكرمًا كالغيث غمر الربي، ولقد بعدت للتهنئة، فأقبلت على هواديها، وانثالت على من حاضرها وباديها، فان تقدمت فلفرط وإن تعظمت فلعظيم.
ومنهم:
[٨٧] ذو الوزارتين، أبو عامر بن الفرج (١)
أيكة مجد مد الله أيامه وأدامها، وثبت في السعادة أقدامها، فذلت له المصائب، وانقادت له بعقيصها انقياد الكاعب، فوطد دولة ملك قربه، وأمضى له عزيمة تولت
стр. 3696
الملك لربه، ولم يزل أيامه الذوائب شامخة الأنف على النوائب، لا تكلم الدهر إلا بغمز حواجبها، ولا تتقدم الليالي، ولا للقيام بواجبها إلى آخر مدة، ومفاجأة ما كان يتوقعه من اممه، وطال ما ليس الأيام … المرام فوافي، فأخذ غرة الأيام غفلًا، وصحب الزمان في أول شبيبته، وكان طفلًا.
قال ابن بسام (١): من بيت رئاسة، وعترة نفاسة، ما منهم إلا من تحدى بالإمارة، وتردى بالوزارة، فأومض في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخول، وفاقهم أبو عامر هذا أدبًا ونبلًا، وباراهم كرمًا تخاله وبلًا، إلا أنَّه بقي وذهبوا، ولقي من الأيام ما رهبوا، فعاين منكرها، وشرب عكرها، فجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء قداحًا متواليات الأحقاب، وقد أثبت له بعض ما قاله وحاله قد أدبرت، والخطوب قد انبرت فمن ذلك: [من الكامل]
الشَّمْسُ أَنْتَ وَقَدْ أَظَلَّ طُلُوعُهَا … فَاطِلُعْ وَبَيْنَ يَدَيْكَ فَجْرٌ صَادِقُ
وكان له ابن مكبود قد أعيا علاجه، وتهيأ للفساد بذلك مزاجه، فدل على خمر قديم، فلم يعلم بها إلا عند فتى وسيم، فكتب إليه: [من المجتث]
أرْسِلْ بِهَا مِثْلَ وُدِّكْ … أَرَقَّ مِنْ ماءِ خَدِّك
شَقِيْقَةَ النَّفْسِ فَانضَحْ … بِها جَوَى ابْنِي وَعَبْدِكْ
وكتب معتذرًا عن تخلفه من جاء منذرًا: [من الخفيف]
مَا تَخَلَّفْتُ عَنْكَ إِلا لِعُذْرِ … وَدَلِيْلِيّ في ذَاكَ حِرْصُ عَلَيْكَا
هَبْكَ أنَّ الفِرَاقَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ … أَتُرَاهُ يَكُونُ إِلَّا إِلَيْكَا (٢)
ومنهم:
[٨٨] أبو محمد بن القاسم (٣)
أثنى عليه ابن خاقان بجهده، ووصف له حال خُمُول كفَّنه ببرده، وكحله بسهده، إلا أنَّه قال ما معناه إنَّه أقبل على ربه، وأقبل نظره بيد كتبه.
стр. 3697
وقال - وقد وصفه في الأدب بأعلى الرتب - وقد أُبت من نثره المنتخب، ونظمه المستحل المستعذب ما تقاطبه المدامة، ولا يدانيه قدامة.
قلت: وهو كما وصفه به الفتح وفوقه، يتناول بيده ذهب الشمس، وفضة القمر، وصاغ الثريا خاتمه، والهلال طوقه، وسرى إلى الأفق والنجوم رواكد، وأشار وأغار على شرب الكواكب، وأخذ فرائد.
قال الفتح (١): فمن ذلك ما راجعني به من رقعة كتبتها إليه مودعًا، وصفت فيها النجوم:
عذيري من ساحر بيان، وناثر جمان، ومظاهر إبداع وإحسان، ما كفاه أن أغنام الجواهر اعتياما، وجلاها في أبهى مطالعها نثرًا أو نظاما، حتى حشد الكواكب والأفلاك وجلبها نحوي كتائب من هنا ومن هناك، وقدمًا حمل لواء النباهة، وأعجز أدواء البداهة، وليس الغمر كالنزر. رويدك أبا النصر، فما سميت فتحًا، لتفتح علينا أبواب المعجزات، ولا ملئت سروًا؛ لترتقي علينا إلى الأنجم الزاهرات، فتأتي بها قبيلا، وتريد منا أن نسومها كما سميتها قود وتذليلًا، وأنى لنا أن يساجل احتكامًا، أو يناسل إقدامًا من أقدم حتى على القمرين، وتحكم حتى في انتقال الفرقدين، وقص قوائد النسرين، ثم ورد المجرة، وقد تسلسلت غدرانها، وتفتح في حافاتها أقحوانها، وهنةةاك اعتقد النجم التنجيم، وأحمد المراد الكريم، حتى إذا وقع قبابه، ومد ما أحب أطنابه، سيم الدهماء، وصمّم المضاء، واقتحم على العذراء رواقها، وفصم على الجوزاء، وتغلغل في تلك الرجاء، واستباح ما شاء أن تستبيحه من نجوم السماء، ثم ما أقنعه أن بهرها بإدلاله، حتى ذعرها بجياد أقواله، وغمرها بالمراد من سلساله، فله ثم خيل وسيل، لأجلها شمر عن سوق التومين ذيل، وتعلّق برجل السفينة سهيل. هناك سلم المسالم، وأسلم المعارض والمقاوم، فما الأسد وإن لبس الديرة
стр. 3698
ثلاثًا، واتخذ الهلال مخلبًا، وإنَّما انتهض تحت صبا أعنته، وقبض على شبا أسنته، وما الشجاع وإن هال، مقتحمًا، وفغر عن الدواهي فمًا، وقد أطرق فما رآه ولا وجد مساغًا يأباه، وما الرامي، وقد أنفس عن مرامه، ووجبت لبته بسهامه، وقد قطر دفينًا وغودر بذابله [طعينًا] وتجاوز لمقتي وصفوي، ومتعني بفكري، فقد رجع قليلًا، ودع لي ذهني عسى أن يتودع قليلًا.
قلت: ولما أشاع ذكر كسب به الفتح، وما أجابه ابن القاسم من هذا الجواب، كتب القاضي عياض إلى ابن القاسم رقعة مضمونها (١):
«قد وقفت أعزكما الله على بدايعكما الغريبة، ومنازعكما البعيدة القريبة، ورأيت ترقيكما من الزهر إلى الزهر، وتنقلكما إلى الدراري بعد الدر، فأبحتما حمى النجوم، وقذفتماها من ثواقب أفهامكما بالرجوم، وتركتماهما بعد الطلاقة ذات وجوم، فحللتما بسيطها بغارة سعولها ما عوت أكلب العواء، وهناك افترست الفوارس، ولم يغن عن السماك الدامس، وغودرت النثرة نثارًا، وأغشي لألاؤها نقيعًا مثارًا، كأن لكما بها تأثرًا، وأشعرت الشِّعْريان ذعرًا، وقطعت إحداهما أواصر الأخرى، فأخذت بالحزم العبور، وبدرت حبلكما وسلككما بالعبور، وحذرت اللحاق أن تعود عن منجاء العيون، فحلفت أختها جهدها في الاختفاء، كأن الثريا حين فزتم بقطينها، اتقتكم بيمينها، فجذذتم بنانها، وبذلت للخصيب أمانها، فعندها استسهل سيل الفرار، فأبعد بيمينه القرار، وولى الدَّبَرَان مديرًا، وذكر البعاد فوقف متحيرًا، وعادت الفوائد بشامها، وألقت الجوزاء للأمان بنطاقها ونظامها، فمهلًا سكنتها غوثاء الدهماء، فقد دعوتما حتى نجوم السماء، فتزحزحا في مجدكما قليلًا، واجعلا بعدكما للناس إلى البيان سبيلًا، فقد أخذتما بآفاق المعالي والبدائع لكما قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالع».
فكتب إليه هذا ابن القاسم رسالة منها (٢):
هيبت أنت هبوب زيد الفوارس، وقربت تقريب الإله المدامس، بومض في رجوم، وتمتغض للنجوم فاستخرجها، ومن هناك صبحت الفيالق، وفتحت المغالق، فأذعن بشروطك الشرطان وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا [ثبور]، وعصفت بالدبران الدبور، وهكذا استعرضت واستنهضت للخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواهًا للمعاصم والجنوب.
стр. 3699
لم يبق غير طريد غير منفلت … وموثق في حبال العز مسلوب
استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة لهودجها، وغودرت العقرب يخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاطب طرادها، ولما مسحت تلك الآفاق ما نحت فيها، وسددت الوثاق عطفت ذات الشمال واسعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا ألقى إليك باليمين، واستدارت حولك الفكة، فسميت قَصْعَة المساكين، وانتهت إلى القطب، فكان عليه المدار، وتبوأته ففيه من جلالتك افتخار.
ومن نظمه قوله وقد كتب إليه بعض أصدقائه (١): [من البسيط]
وَاحَسْرَنَا لِصَدِيقِ مَا لَهُ عِوَضُ … إِنْ قُلْتَ مَنْ هُوَ لَا يَلْقَاكَ مُعْتَرِضُ
أَلْقَاهُ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ مِنْ حَذَرٍ … لَعَلَّهُ مَا رَأَيْتُ الحَدَّ يَنْقَبِضُ
فكتب إليه من قطعة (٢): [من البسيط]
نَا شَدْتُكَ الله والأوصَافُ مُكْرَمَةٌ … أَمَا الوفاء بِحُسْنِ الوُدِّ مُعْتَرَضُ
هَبِ المَزَارَ لمعنى الريب مُرتفعًا … مَا لِلْوِدادِ بِظَهْرِ الغَيْبِ يَنْخَفِضُ
ومنهم:
[٨٩] الصاحب ذو الرئاستين أبو مروان عبد الملك بن رزين (٣)
وهو من نوع الأول من الأمراء، ويعد من الكتاب والشعراء، يرفع بين الكتائب علمه، وبين الكتاب قلمه.
وقد ذكره الفتح - بعد أن ألم بذكر كريم ذكره سلفه، وقد تم شرفه - فقال: «شيد بناءهم، وتقبل غناءهم، لا يعرف جبنًا، ولا خورًا، ولا يتلو غير سور النداء سورًا، وكانت دولته موقف البيان ومقذف الأعيان، يرتضع فيها للمكارم أخلاف، وتُدار بها
стр. 3700
للأماني سُلاف، فوردت الآمال نداه … ووجدًا لأحمال في داره سميرًا».
ومن نثره قوله (١):
«ما زلت ألقاك بالودّ على البعد، فأعلم مقدمك في الأعيان، وإن لم أرك بالعيان، واستخبر الأخبار فاسمع ما يقرع صفاة الكبد ويصدع، إلى أن ورد فلان، فاستفهمته عن حالك، فذكر أزعج ارتماضًا لمثلك أن يعوزه مرام، أو ينبو به مقام، فجردت عن ساعد الشفاعة عند القائد الأعلى، بأنه أمر محظور، وقد تقدم به جدّ محذور.
وأنا أعرض ما هو الأولى لي، والأليق بي عن عزيمة مكينة، ورغبة وكيدة، من الانتقال إلى جهتي، وأن شقّ عليك الكون بها لبرد هوائها، وبعد أنجائها، فها هي شنتمرية، أوقف طاعتها عليك، وأصرف أمرها إليك، وعندي من العون على الارتحال، ما يقتضيه للرفيع الحال».
ومن نظمه قوله: [من الطويل]
وَرَوْضٍ كَسَاهُ الظُّلُّ وَشْيًَا مُجَدَّدًا … فَأَضْحَى مُقِيمًَا لِلنُّفُوسِ وَمُقْعِدًا
إذا صَافَحَتْهُ الرِّيحَ خِلْتَ غُصُوْنَهُ … وراقص فِي خُصْرٍ مِنَ العَصْبِ مُيَّدًا
إذا مَا انْسِكَابُ المَاءِ عَايَنْتَ خِلْتَهُ … وَقَدْ كَسَرَتْهُ رَاحَةُ الرِّيحِ مِبْرَدًا
وَغَنَّتْ بِهِ وُرْقُ الحَمَائِمِ حَوْلَنَا … غِناءً يُنْسِّيْكَ الغَرِيْضَ وَمَعْبَدَا
فخُذْهَا مَدَامًَا مِنْ غَزَالٍ كَأَنَّهُ … إِذَا مَا سَعَى بَدْرٌ يحملُ فَرْقَدَا
ومنه قوله: [من الخفيف]
بَرَّحَ السُّقْمُ بِي فَلَيْسَ صَحِيْحًَا … مَنْ رَأَتْ عَيْنُهُ [عُيُونًَا] مِرَاضًا
إِنَّ لِلأَعْيُنِ المِرَاضِ سِهَامًَا … صَيَّرَتْ أَنْفَسَ الوَرَى أَغْرَاضَا
ومنه قوله يخاطب ابن عمار حين تجنى عليه: [من الطويل]
تَحَقَّقْ أَبا بَكْرٍ ودَادِي وَحَقِّقِ … وَصَدِّقْ ظُنُونِي فِي وُدَادِكَ وَاصْدُقِ
أيَجْمُلُ بَيْعِي في كَسَادٍ مُبَهْرَجٍ … وَقَدْ كَانَ ظَنِّي ضِدَّ ذَا وَتَحَقُّقِي
ثَنَائِي عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ مُحَلِّقٌ … عَلَيْكَ وَإِنْ أَبْدَيْتَ بَعْضَ التَّخَلُّقِ
(وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ … وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكَ يَعْشَقِ)
стр. 3701
ومنه قوله: [من الطويل]
دَعِ الدَّمْعَ يُفْنِي الجَفْنَ لَيْلَةَ وَدَّعُوا … إِذا انْقَلَبُوا بِالقَلْبِ لا كَانَ مَدْمَعُ
إِذَا سَلَّتِ الأَلْحَاظُ سَيْفًَا خَشِيْتُهُ … وَفِي الحَرْبِ لَا أَخْشَى وَلَا أَتَوَقَّعُ
ومنه قوله في شمعة: [من مجزوء الرمل]
رُبَّ صَفْرَاءَ تَرَدَّتْ … في شُحُوبِ العَاشِقِيْنَا
مثل مَا نَفْعَلُ فِيْهَا … تَفْعَلُ الآجَالُ فِيْنَا
ومنهم:
[٩٠] أبو الوليد، أحمد بن عبد الله بن زيدون (١)
كان في الأندلس متيم ذلك الحي، وعاشق ولادة … زاد على مجنون ليلى، وقيس، ولبنى، وابن أبي ربيعة صاحب الثريا. لا يغترف إلا من صبابته، ولا تركه هواه أتحف من قلم من نار على علم. له مع ولادة أخبار ما حكى مثلها ابن أبي عتيق، ولا الأصفهاني عن سكان وادي العقيق، ولا الأصمعي عن ذلك الفريق، أندى من نسيم الصباح، وأرق من ريق الغوادي في ثغور الأقاح.
وكانت ولادة ذات يوم بوادر، يشيب لها رأس الوليد، بوادر بدر تَذَرُ مثل لبيد كالبليد.
стр. 3702
حكى ابن زيدون على ما كان عليه، وينبوع الفضل لديه، كان منهم الحلوة أنه هو الأعلى، فمرَّت ولادة يومًا إليها ابن زيدون، كان يبلغها يومًا فما ترددت حتى أنشدت: [من السريع]
مَا لابنِ زَيْدُونَ عَلَى فَضْلِهِ … يُوسِعُني شَتْمًا وَلَا ذَنْبَ لِي
يَلْحَظُنِي شَزْرًا إِذا جِئْتُهُ … كَأَنَّنِي جِئْتُ لأَحْصِي علي
وذكره الفتح فقال: بهر بنظامه، كالبدر ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، وقلّد أبهى نحر، ولم يصرفه إلا بين ريحان وراح، ولم يطلعه إلا في سماء مؤانسات وأفراح.
وقال ابن بسام (١): كان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد - صاحب إشبيلية - سنة إحدى وأربعين وأربعمائة/ ١٩٩/ فجعله من خواصه، يجالسه في خلواته، ويرتكن إلى إشاراته، وكان معه في صورة وزير.
قلت: توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
ومن نثره قوله:
إني وإن سَلَبْتَني لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وأظمأتني إلى بَرْدِ إسعافك، ونفضت بي كف حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأمُّلي، وسمع الأصم ثنائي عليك، فقد يَغَصُّ بالماء شاربه، ويقتل الدواء
стр. 3703
المستشفي به، ويؤتى الخدر من مأمنه، ويكون منية المتمني في أمنيته، والحَيْنُ قد يسبق جهد الحريص: [من الكامل]
كُلُّ المَصَائِبِ قَدْ تَمُرُّ عَلَى الفَتَى … وَتَهُونُ غَيْرَ شَمَاتَةِ الحُسَّادِ
لأتجلد وأرى أني لا أتضعضع، وأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين ع به إكليله، ومشرفي الصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه مثقفه، وهذا … محمود عواقبه، وهذه النَّبْوَة غَمْرَةٌ ثم تنجلي، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع، رأي يريني أن سيدي، وإن أبطأ معذور سعيه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء أملأها، … السحاب أقفلها، وأنْقَعُ الغيث يا صادق … . وألذ الشراب ما صاب غليلا، ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب.
ومن نظمه (١): [من الطويل]
وَلَيْلٍ أَدَمْنَا فِيهِ شُرْبَ مَدَامَةٍ … إلى أن بَدَا لِلصُّبْحِ فِيْهِ تَبَاشِيرُ
وجَاءَتْ بَوَادِي الصُّبْحِ تَضْرِبَ فِي الدُّجَى … فَوَلَّتْ نُجُومَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ مَعْمُورُ
فَحُزْنَا مِنَ اللَّذَّاتِ أَطْيَبَ طِيبِهَا … وَلَم يَعْرُنَا هَمْ وَلَا عَاقَ تَكْدِيرُ
خَلا أَنَّهُ لَوْ طَالَ دَلَّتْ … وَلَكِنْ … لَيَالِي الوَصْلِ فِيهِنَّ تَقْصِيرُ
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
وَلِلنَّسِيمِ اعْتِلالٌ في أصَائِله … كَأَنَّمَا رَقَّ لِي فَاعْتَلَّ إِشْفَاقًا
وَالرَّوْضُ عَنْ مَائِهِ الفِنِّيّ مُبْتَسِمٌ … كَأَنَّما شققت على الباب أطواقا
يَومٌ كَأَيَّامِ لذَّاتِ لَنَا انْصَرَمَتْ … بِتْنَا لَهَا حِيْنَ نَامَ الدَّهْرُ مُرَّاقَا
لَوْ كَانَ وَفَّى المُنَى فِي جَمْعِنا بِكُمُ … لَكَانَ مِنْ أَكْرَم الأيام أخلاقا
لَوْ شَاءَ حَمْلَ نَسِمِ الرِّيحِ حِيْنَ هَفَا … وَافَاكُمُ بِفَتَى أَضْنَاهُ مَا لأَقَى
والآنَ أوْثَقُ مَا كُنَّا نَوَدُّكُمُ … سَلَوْتُمُ وَبَقِيْنَا نَحْنُ عُشَّاقا
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
ولَقَدْ شَكُوتُكِ إلى الهَوَى … وَدَعَوْتُ مِنْ حَنْقٍ عَلَيْكِ فَأَمَّنَا
مَنَّيْتُ نَفْسِي مِنْ صِفَاتِكِ ضِلَّةٌ … وَلَقَدْ تَغُرُّ المَرْءَ بَارِقَةُ المُنَى
ومنه قوله (٤): [من مجزوء الكامل]
يَا لَيْلُ طُلْ لَوْلَا تَطُلْ … لَا بُدَّ لِي مَا أَسْهَرَكْ
لَوْ بَاتَ عِنْدِي قَمرِي … مَا بِتُ أَرْعَى قَمَرَكْ
ومنهم:
[٩١] ابن عبدوس (١)
وزير ما تقلد مثله عبء ملك، ولا أخرج نظيره حب فلك، فما دار على شبيه، ذكائه الفلك الدوار، ولا تفتح على ملك زهره الندى النوار، إلا أنه لم يقع لي من مختار نظمه، وبديع شعره، أليق بالتخليد، مما أورد له ابن سعيد، وهو قوله في فرس أبيض في غرته لمعة حمراء: [من الخفيف]
حُسْنُ هَذَا الجَوَادِ حِينَ بَدَا فِي … شَبَهِ لَمْ يَكُنْ لِذِي بَلَقِ
وقام عليه النهار مذعنًا … فاعترفت عوفه يَدَ الشَّفَقِ
ومنهم:
[٩٢] أبو عامر بن سليمان (٢)
الوزير في الأيام الأموية، والمنير شمسًا في آفاقها الضوية، والنمير في مواردها الروية، والمساوي لبدور أهله، والحاوي بالسوية، لا بل زاد على سلفه، وزان معاقد شرفه، وذكره لم يزل في خلفه.
قال ابن بسام فيه (٣): من قوم لم يزالوا أقمارًا في آفاق الكتائب، وصدورًا في صدور المراتب، وكان أبو عامر من شرفهم بمنزلة الفص من الخاتم، وبمكان السر من الحازم، ولما ثلت تلك العروش الأموية، تحيز إلى المعتضد لأملاك قديمة كانت له بالبلد، فعاش بفضل زنده، ومصون عن الدخول في شيء من أمره، إلا عن زيادة إلمام، ومنادمة في بعض الأيام، جذبه إليها، وغلبه مضطرًا عليها، ولم يزل يتخادع له عن ذلك استدفاعًا لشرّه، ومدارةً على بقيَّة عمره، حتى بات مستورًا بماله، سيدًا على أشكاله.
[مشاهير الوزراء بالديار المصرية]
وأما الوزراء بالديار المصرية فمنهم:
[٩٣] أبو الفرج، يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن داود بن كلس، وزير العزيز نزار (١)
وزير عبق بكافور ردنه، وأورد بسقي الفرات غُصنُه، وتردي بشعار فترقى، ومحب الإمامة تحت بيضاء الفضة وصفراء الذهب، فتوفى ومضت أيام الإخشيد، و تمام بنائه قد شيد وواتته الأقدار، … ووافته المقدار، وذلك بإطلال طبيعة الدولة العبيدية
стр. 3708
على مصر، فإنه سار حتى أتى برقة، وقدمت مقدمتها، وجلت الأنوار بعثير العجاج ظلمتها، نضاره بحوصرها، وتبدل كافوره المفتت بعنبرها، فمن قائل إنه استمر حتى اتصل بالمعزّ تميم، وعاد بالعزّ معه في كنف غير ذميم.
ومن قائل وهو الأغلب: إنَّه حيث وجد مقدمة جيشه المطل مع القائد جوهر، عاد تحت ألويته يروع سيفه المجوهر، وتروق إكليله الذي ذهب وهو ذهب، وعاد وقد تجوهر، وقدم المعزّ فأعز مكانه، … لشد قواعد الممالك أركانه، ولم يصرح له بالوزارة، إلا أنه كان هو المتحدث، وأمره مصرف، وقدره مشرف، هذا وجوهره في الذخيرة، ومعزه يرى له في إعزازه الخيرة، فرتب دولة الخلافة ترتيبًا جَرَتْ عليه، وجرَّتْ التصريف إليه، فلم يبق ليعقوب حاجة في نفسه إلا قضاها، ولا عزمة تناط وسيفه المجوهر إلا أمضاها.
وزاد في أيام العزيز جلالًا، ورفَّ ماء ابن الفرات، فلم يدع في فمه بلالًا، وفوضت إليه الوزارة، فردت إليه الأمور كلها، وطاب به جناها وظلها.
وكان خفيف الأحمال في مؤنة كلفه، عفيف الأنام عن الأموال لإفراط صلفه، مظاهرًا بالتدين بدين الإسلام، والتزين بشعار الأعلام، يؤثر خصاصة وسحر من النثران، يزعم أنه من ولد هارون أخي موسى بن عمران ﵉ وقيل: كان يزعم أنه من ولد السموءل بن عاديا اليهودي.
ولد ببغداد ونشأ بها عند باب القر، وتعلم الكتابة والحساب، وسافر به أبوه إلى الشام، وأنفذه إلى مصر سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فانقطع إلى بعض خواص الأستاذ كافور على عمارة داره، ثم صار ملازمًا لباب داره فرأى كافور من نجابته، وشهامته، وصيانته، ونزاهته، وحسن إدراكه ما يقف عليه، فاستحضره، وأجْلَسَه في ديوانه الخاص، فكان يقف بين يديه، ويخدم ويستوفي الأعمال والحسابات، ويدخل يده في كل شيء. ثم لم تزل أحواله تتزايد مع كافور، حتى صار الحجاب والأشراف يقومون له ويكرمونه، ولم تتطلع نفسه لاكتساب مال، وأرسل له كافور شيئًا فرده عليه، وأخذ منه القوت خاصة، وتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضى دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء.
وكان يبر ويصل من اليسير الذي يأخذه. هذا كله وهو على دينه، ثم أسلم في شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ولزم الصلاة، ودراسة القرآن الكريم.
стр. 3709
ورتب لنفسه رجلًا من أهل العلم شيخًا عارفًا بالقرآن والنحو، حافظًا كتاب السيرافي، فكان يبيت عنده، ويصلي به، ويقرأ عليه.
ولم تزل حاله تزيد وتنمو مع كافور إلى أن توفي كافور، فقبض وزيره على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين، وقبض يعقوب بن كلّس في جملتهم للحسد، فلم يزل ابن كلس يتوصل، ويبذل المال، حتى أفرج عنه، فلما خرج من الاعتقال اقترض من أخيه وغيره مالًا، وتحمل به وسار مستخفيًا، قاصدًا بلاد المغرب، فلقي جوهرًا - مولى المعز - في الطريق، وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها، فرجع صحبته. وقيل: إنه استمر على قصده، وانتهى إلى إفريقية، وتعلّق بخدمة المعز، ثم رجع إلى الديار المصرية، ولم يزل يترقى إلى أن ولي الوزارة، وزيرًا للدولة الفاطمية بالديار المصرية، وكان من جملة كتاب كافور، فلما وصل المعز، أحسن في خدمته، وبالغ في طاعته، حتى استوزره.
وقال غيره: كان ابن كلس يحب أهل العلم، ويجمع عنده العلماء ورتب لنفسه مجلسًا كل ليلة جمعة، ويقرأ فيه بنفسه، مصنفاته، ويحضره القضاة، والفقهاء، والعلماء، والنحاة، وجميع أرباب الدولة، وأعيان العدول، وغيرهم من وجوه الدولة، وأصحاب الحديث، فإذا فرغ من مجلسه، أقام وشعراء ينشدونه المدائح.
وكان في داره قوم يكتبون القرآن، وآخرون يكتبون الحديث والفقه والأدب حتى الطلب، ويعارضون ويشكلون المصاحف، وينقطونها، وكان من جملة جلسائه الحسين ابن عبد الرحيم الزلازلي - مصنف كتاب الأسجاع -.
ورتب في داره القرآن … يصلون في مسجد اتخذه في داره، وأقام فيها أيضًا المطابخ لغلمانه وحاشيته وأتباعه، وكان ينصب كل يوم خوانًا لخاصة من أهل العلم والكتاب، ومن يستدعيه، وينصب مائدة عادته يأكل عليها الحجاب، ولا يخاطب أحدًا منهم إلا بالقائد، وكان من جملتهم القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي ينتسب إليه القائد فضل، وهي بالأعمال الجيزية من أعمال … ثم شرع الوزير يعقوب في تحصيل داره ودروب … بالحرس والدروب بالحرس والعدد، وعمرت بأخيه بالأسواق، وأصناف ما يباع من الأطعمة، ومن المطعوم، والمشروب، والملبوس.
ويقال: إنَّ داره كانت بالقاهرة في موضع مدرسة الوزير صفي الدين شكر المختصة بالطائفة المالكية، وإنَّ الجادة المعروفة بالوزيرية التي بالقاهرة منسوبة لأصحابهم، لأنهم كانوا يسكنونها، وكان الوزير ابن الفرات يغدو إليه ويروح، ويقرأ عليه محاسبات القوم الذين يريد محاسبتهم، ويقول عليه فيها، ويجلس معه في مجلسه، وربما حبسه لمؤاكلته، فيأكل معه بعد أن جرى عليه منه ما سبق ذكره، وكانت هيبته عظيمة، وجوده وافرًا، وأكثر الشعراء مدحه.
стр. 3710
قال ابن خلكان: سمعت جماعة من المصريين يقولون: كان للوزير يعقوب طيور فائقة، أصيلة، مختارة للسبق تسبق كل طائر يسابقها، وكان لمخدومه العزيز أيضًا طيور سابقة، فسابقه العزيز يومًا ببعض طيور الوزير، فسبق طائر الوزير يعقوب، فعز ذلك عليه، ووجد أعداؤه سبيلًا إلى الطعن، فقالوا للعزيز: إنه قد اختار من كل صنف أجوده وأعلاه ولم يبق منه إلا أدناه حتى الحمام، وقصدوا بذلك الإغراء به حسدًا منه العلة، فاتصل ذلك بالوزير، فكتب إلى العزيز:
قُلْ لأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي … لَهُ العُلا والنَّسَبُ الثَّاقِبُ
طائِرُكَ السَّابِقُ لَكِنَّهُ … جَاء وَفِي خِدْمَتِهِ حَاجِبُ
فأعجبه ذلك وسري عنه ما كان وجده عليه. قيل: إن هذين البيتين لولي الدولة أبي محمد خيران الكاتب.
وذكر أبو القاسم علي بن منجب الكاتب: أنَّ سبب حظوة الوزير يعقوب عند كافور، أن يهوديًا قال له: إنَّ في دار ابن البلدي بالرملة ثلاثين ألف دينار مدفونة في موضع أعرفه وأنا أخرج أحملها، فأجابه إلى ذلك، وأنفذ معه البغال يحملها، وورد الخبر بموت بكير التاجر، فجعل إليه النظر في تركته، واتفق موت يهودي، ومعه أحمال كتان، فأخذها وفتحها، فوجد فيها عشرين ألف دينار، فكتب إلى كافور بذلك، فتبرك به، وكتب إليه بحملها، فباع الكتان، وحمل الجميع، وسار إلى الرملة، وحفر الدار الذي لابن البلدي، وأخرج المال، وهو ثلاثون ألف دينار، فكتب إلى كافور: «عرفت الأستاذ عشرون ألف دينار، ووجدت ثلاثين ألف دينار»، وازداد محله عنده، وتصوره بالثقة.
ووقعت رقعة في دار الوزير سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وهي السنة التي توفي فيها نسختها: [من الخفيف]
احْذَرُوا مِنْ حَوَادِثِ الأَزَمَانِ … وَتَوقَّوا طوارِقَ الحَدَثَان
قَدْ أَمِنْتُمْ مِنَ الزَّمَانِ وَنِمْتُمْ … رُبَّ خَوْفٍ مُمَكِّن في أَمَانِ
فلما قرأها قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واجتهد أن يعرف كاتبها، فلم يقدر على ذلك، فلما اعتل علة الموت آخر السنة، ركب إليه العزيز عائدًا، وقال له: وددت أنك تُباع، فابتاعك بملكي، أو نقدي، فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها؟ فبكى وقبل يده، وقال: فيما يخصني، فأنت أرعى بحقوقي من أن أسترعيك إياها، وأرأف من أن أخلفه من أن أوصيك به، ولكني أنصح لك مما يتعلق بدولتك: سالم الروم ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالسكة والدعوة، ولا تبق على مفرج بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة. ومات فأمر العزيز بدفنه في داره بالقاهرة وداخل باب النصر، وأمر بغلق الدواوين أيامًا بعده.
стр. 3711
وكان إقطاعه من العزيز كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعة آلاف دينار، وبزمن كل صنف بخمسمائة ألف دينار، وكان للتجار عليه ستة عشر ألف دينار، فقضاها عنه العزيز من بيت المال، وفرقت على قبره.
وكانت وفاته لخمس خلون من ذي الحجة سنة ثمانين وثلاثمائة، وكفن في خمسين ثوبًا، واجتمع الناس كلهم من القصر إلى داره، وخرج العزيز وعليه الحزن ظاهر، وركب بغلته بغير مظلة، وكانت عادته لا يركب إلا بها، وصلى عليه، وبكى، وحضر مواراته، ويقال: إنه ألحده بيده، ويقال: إنه كُفّن وحُفِظَ بما مبلغه عشرة آلاف دينار.
وذكر من سمع العزيز وهو يقول: وأطول أسفي عليك يا وزير، وبكى عليه القائد جوهر بكاء شديدًا، وإنما كان على نفسه؛ لأنه عاش بعده سنة واحدة.
وفد الشعراء إلى قبره. وقيل: إنه رثاه مائة شاعر، وأخذت قصائدهم وأجيزوا.
وقيل: إنه مات على غير دينه، وكان يظهر الإسلام والصحيح أنه أسلم وحسن إسلامه.
قال يومًا - وقد ذكر اليهود في مجلسه - كلامًا يسوء اليهود سماعه، ثم بين عوراتهم، وفساد مذهبهم، وأنهم على غير شيء، وأن اسم النبي ﷺ في التوراة، وهم يجدونه.
وكانت ولادته سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
ومنهم:
[٩٤]
أَمِيرُ الجُيُوشِ، بَدرُ الجَمالي (١)
وزير ذهب جلابيب الشفق، وذهب زمانه على نسق، وأشرق بدره في الدولة الفاطمية.
وكان من الرجال المعدودة في ذوي الآراء والشهامة وقوة العزم. استنابه المستنصر - صاحب مصر - بمدينة صور، وقيل: ملكًا، فلما ضعف حال المستنصر، واختلت صورته، وصف له بدر هذا، فاستدعاه، وركب في البحر في السفافي وقت لم تجر العادة بركوبه في مثله، وركب إلى القاهرة في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة
стр. 3712
ست وستين وأربعمائة فولاه المستنصر تدبير أموره، وقامت بوصوله الحرمة، وأصلح الدولة، وكان وزير السيف والقلم، وإليه قضاء القضاء والتقدم على الرعاة، وساس الأمور أحسن سياسة.
ويقال: إن وصوله كان أول سعادة المستنصر، وآخر قطوعه، وكان يلقب أمير الجيوش. ولما دخل على المستنصر قرأ قارئ بين يدي المستنصر، ولم يتم الآية، فقال المستنصر: لو أتمها، ضربت عنقه، ولم يزل كذلك إلى [أن] توفي في أواخر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
وهو الذي بنى الجامع بثغر الإسكندرية بسوق العطارين، وبنى مشهد الرأس بعسقلان.
ولما مرض وزر ولده الأفضل موضعه في حياته، فلما توفي المستنصر، أقام الأفضل ولده المستعلي أحمد مقامه، وتم على وزارته، وقضية الأفضل مع نزار ابن المستنصر، وغلامه أفتكين الأفضلي، وأبي الاسكندي مشهورة في إحدارهما وإحضارهما إلى القاهرة، فأما أفتكين فقتل ظاهرًا، وأما نزار، فقيل إن أخاه المستعلي بنى ووجهه حائطًا، فمات.
وإلى نزار هذا ينتسب ملوك الإسماعيلية أصحاب الدعوة وأرباب قلعة الألموت، وما معها من القلاع في بلاد العجم.
وكان الأفضل حسن المذكور، حسن الرأي، ولما توفي المستعلي، أقام ولده الأمر مقامه، كما فعل بأبيه، ودبر دولته، وحجر عليه، ومنعه من ارتكاب الشهوات؛ لأنه كثير اللعب، فحمله ذلك على قتله، فوثب عليه جماعة وكان يسكن مصر في دار
стр. 3713
الملك التي على النيل، وقد صارت دار الوكالة، فركب الأفضل من داره، وتقدم إلى ساحل البحر، وقتلوه في سلخ شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وحكى صاحب الدول المنقطعة (١): أنه خلف ستمائة ألف ألف دينار عينًا، ومائتين وخمسين أردب دراهم نقد مصر، وسبعين ديباج المجلس، وثلاثين راحلة إحقاق ذاهب مراقي، ودواة فيها جواهر قيمتها اثنا عشر ألفًا، ومائة مسمار من ذهب، وزن كل مسمار مائة مثقال في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير، على كل مسمار منديل مشدود مذهب بلون من الألوان، أيما أحبّ منها لبس، وخمسمائة صندوق كسوة بخاصة، وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب، والطيب، والتجمل، والحلي ما لا يعلم قدره إلا الله، وخلّف خارجًا عن ذلك من البقر، والجواميس والغنم ما بلغ ضمن البانه سنة وفاته ثلاثين ألف دينار، ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما إبر ذهب برسم النساء والجواري.
وحكى ابن الأثير في ترجمة والده - ما معناه (٢): أن علقمة بن عبد الرزاق العليمي قال: قصدت بدر الجمالي بمصر، فرأيت أشراف الناس، وكبراءهم، وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم، ولم يصلوا إليه، قال: فبينا أنا كذلك، إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرجت في أثره، وأقمت إلى أن رجع من صيده، وقفت على نشز من الأرض، وبيدي رقعة أنشد منها قولي: [من الكامل]
نَحْنُ التِّجَارُ وهذه أعلامُنَا … دُرٌّ وَجُودُ يَمِينِكَ المُبْتَاع
وَافَاكَ يَحْمِلُهَا إِلَيْكَ تِجَارُهَا … وَمَطِيُها الآمال والأطماع
حَتَّى أَنَاخُوا حَوْلَ بَابِكَ والرَّجَا … مِنْ دُوْنِكَ السَّمْسَارُ والبَيَّاعُ
فَوَهَبْتَ مَا لَم يُعْطَهُ في دَهْرِهِ … هَرِمٌ وَلا كَعْبٌ ولا القَعْقَاعُ
وَسَبَقْتَ هَذَا النَّاسَ فِي طَلَبِ العُلَا … فَالنَّاسُ بَعْدَكَ كُلُّهُمْ أَتْبَاعُ
يَا بَدْرُ أُقْسِمُ لَوِ اعْتَصَمَ الوَرَى … وَلَجَوا إِلَيْكَ جَمِيعُهُمْ مَا ضَاعُوا
وكان على يده بازي، فألقاه، وانفرد عن الجيش، وجعل يسرد الأبيات، وأنا أنشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته: من أَحَبَّني فليخلع على هذا الشاعر، فخرجت من عنده، ومعي سبعون بغلًا محملة خلعًا وتحفًا، ثم أمر بعشرة آلاف درهم.
стр. 3714
ومنهم:
[٩٥] المأمون، أبو عبد الله بن البطائحي (١)
وزير حلق إلى مصر بين البطائح، وحقن دمه بمنهل الدماء الطوائح، وساس سائب التدبير وضبطه، وعقد نظام الملك، وربطه، تيسرت له الأسباب حتى تنبه الغضيض، وطلع إلى الأوج من الحضيض، ومشى له الأمر مثل الآمر وظهر كرمه مع وجود سحابه الهامر، وخدر بأسه والآمر مظل الظلماء، والمأمون مع هذا البأس الشديد والمراس الذي يلين دونه الحديد، متوقد الجمرات، مصلت السيف، لا يردعه في مرات بلسان مطلق، على البأساء مطبق، إلى أن نكبه الآمر في جملة أهل الأمر في جملة أهل النكبة التي ضيق فيها على مغالبهم لو جاء ورفعهم لو كان لهم من مربط النجار.
قال ابن الأثير (٢): ابتداء أمره أنه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وبات أبوه، ولم يخلف شيئًا، فتزوجت أمه وتركته فقيرًا، فاتصل برجل يعلم البناء في مصر، ثم صار يبيع الأسقفة بالسوق الكبير، فدخل مع الجمالين إلى دار بدر الجمالي أمير الجيوش مرة بعد أخرى، فرآه خفيفًا، رشيقًا، سريع الحركة، حلو الكلام، فأعجبه، فسأل عنه، فقيل له: هو ابن فلان فعرفه واستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، وكبرت منزلته، وعلت حاله، حتى صار وزيرًا.
وكان كريمًا، واسع الصدر، قتالًا، سفاكًا للدماء، وكان شديد التحرز، كثير
стр. 3715
التطلع إلى أحوال الناس من العامة والخاصة بمصر والشام. وكثر العيارون، وتراسل هو وجعفر أخو الأمر، ليقبل الأمر ويجعله خليفة، وتقرر هذا بينهما، فسمع بذلك أبو الحسن بن أبي سامة، وكان خصيصًا بالأمر، وأعلمه الحال، فقبض عليه، وصلبه هو وأخويه، وذلك سنة تسع عشرة وخمسمائة.
حكي أنه وجد له ألف دست كامل من القماش الفاخر برسم. ملبس جسده، ووجد له جملة أموال لا تحصى من العين الذهب والفضة، والجواهر الغوالي، والنفائس، والأمتعة، والخيل والبغال والجمال والبقر والغنم، وأنه كان له ثمانون جملًا برسم الماء، من شاطيء النيل إلى داره التي بالقاهرة خارجًا عن داره التي بمصر - وغالب أدره بمصر - هذا مع ما كان موصوفًا به من سعة الكرم. والتمزق في العطاء. وإن كان ربما يعطي في اليوم الواحد ألف ألف درهم، وكان يلومه خواص أصحابه وخلطائه على إفراطه في الإفراط والكرم، فقال: سجية طبعت عليها لا أقدر على إزالتها، ثم يقول: لولا حملقة الأسد لأكثرت الحرز، يشير إلى خوفة من بأس الأمر.
ويقال: لا يرى إلا رأي الإمامية، وأنه كان يريد تقلب الأمور، ليجعلها إمامية، والذي أقوله: إن الكرم يستر كل قبيح. ﵀، وغفر له.
ومنهم:
[٩٦] أبو علي بن الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي (١)
ورث الوزارة وحازها، وذهب ذهب النعاق وسولت له نفسه أمرًا.