وكان إقطاعه من العزيز كل سنة مائة ألف دينار، ووجد له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام، ووجد له جوهر بأربعة آلاف دينار، وبزمن كل صنف بخمسمائة ألف دينار، وكان للتجار عليه ستة عشر ألف دينار، فقضاها عنه العزيز من بيت المال، وفرقت على قبره.
وكانت وفاته لخمس خلون من ذي الحجة سنة ثمانين وثلاثمائة، وكفن في خمسين ثوبًا، واجتمع الناس كلهم من القصر إلى داره، وخرج العزيز وعليه الحزن ظاهر، وركب بغلته بغير مظلة، وكانت عادته لا يركب إلا بها، وصلى عليه، وبكى، وحضر مواراته، ويقال: إنه ألحده بيده، ويقال: إنه كُفّن وحُفِظَ بما مبلغه عشرة آلاف دينار.
وذكر من سمع العزيز وهو يقول: وأطول أسفي عليك يا وزير، وبكى عليه القائد جوهر بكاء شديدًا، وإنما كان على نفسه؛ لأنه عاش بعده سنة واحدة.
وفد الشعراء إلى قبره. وقيل: إنه رثاه مائة شاعر، وأخذت قصائدهم وأجيزوا.
وقيل: إنه مات على غير دينه، وكان يظهر الإسلام والصحيح أنه أسلم وحسن إسلامه.
قال يومًا - وقد ذكر اليهود في مجلسه - كلامًا يسوء اليهود سماعه، ثم بين عوراتهم، وفساد مذهبهم، وأنهم على غير شيء، وأن اسم النبي ﷺ في التوراة، وهم يجدونه.
وكانت ولادته سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
ومنهم:
[٩٤]
أَمِيرُ الجُيُوشِ، بَدرُ الجَمالي (١)
وزير ذهب جلابيب الشفق، وذهب زمانه على نسق، وأشرق بدره في الدولة الفاطمية.
وكان من الرجال المعدودة في ذوي الآراء والشهامة وقوة العزم. استنابه المستنصر - صاحب مصر - بمدينة صور، وقيل: ملكًا، فلما ضعف حال المستنصر، واختلت صورته، وصف له بدر هذا، فاستدعاه، وركب في البحر في السفافي وقت لم تجر العادة بركوبه في مثله، وركب إلى القاهرة في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة
стр. 3712
ست وستين وأربعمائة فولاه المستنصر تدبير أموره، وقامت بوصوله الحرمة، وأصلح الدولة، وكان وزير السيف والقلم، وإليه قضاء القضاء والتقدم على الرعاة، وساس الأمور أحسن سياسة.
ويقال: إن وصوله كان أول سعادة المستنصر، وآخر قطوعه، وكان يلقب أمير الجيوش. ولما دخل على المستنصر قرأ قارئ بين يدي المستنصر، ولم يتم الآية، فقال المستنصر: لو أتمها، ضربت عنقه، ولم يزل كذلك إلى [أن] توفي في أواخر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
وهو الذي بنى الجامع بثغر الإسكندرية بسوق العطارين، وبنى مشهد الرأس بعسقلان.
ولما مرض وزر ولده الأفضل موضعه في حياته، فلما توفي المستنصر، أقام الأفضل ولده المستعلي أحمد مقامه، وتم على وزارته، وقضية الأفضل مع نزار ابن المستنصر، وغلامه أفتكين الأفضلي، وأبي الاسكندي مشهورة في إحدارهما وإحضارهما إلى القاهرة، فأما أفتكين فقتل ظاهرًا، وأما نزار، فقيل إن أخاه المستعلي بنى ووجهه حائطًا، فمات.
وإلى نزار هذا ينتسب ملوك الإسماعيلية أصحاب الدعوة وأرباب قلعة الألموت، وما معها من القلاع في بلاد العجم.
وكان الأفضل حسن المذكور، حسن الرأي، ولما توفي المستعلي، أقام ولده الأمر مقامه، كما فعل بأبيه، ودبر دولته، وحجر عليه، ومنعه من ارتكاب الشهوات؛ لأنه كثير اللعب، فحمله ذلك على قتله، فوثب عليه جماعة وكان يسكن مصر في دار
стр. 3713
الملك التي على النيل، وقد صارت دار الوكالة، فركب الأفضل من داره، وتقدم إلى ساحل البحر، وقتلوه في سلخ شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وحكى صاحب الدول المنقطعة (١): أنه خلف ستمائة ألف ألف دينار عينًا، ومائتين وخمسين أردب دراهم نقد مصر، وسبعين ديباج المجلس، وثلاثين راحلة إحقاق ذاهب مراقي، ودواة فيها جواهر قيمتها اثنا عشر ألفًا، ومائة مسمار من ذهب، وزن كل مسمار مائة مثقال في عشرة مجالس في كل مجلس عشرة مسامير، على كل مسمار منديل مشدود مذهب بلون من الألوان، أيما أحبّ منها لبس، وخمسمائة صندوق كسوة بخاصة، وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب، والطيب، والتجمل، والحلي ما لا يعلم قدره إلا الله، وخلّف خارجًا عن ذلك من البقر، والجواميس والغنم ما بلغ ضمن البانه سنة وفاته ثلاثين ألف دينار، ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما إبر ذهب برسم النساء والجواري.
وحكى ابن الأثير في ترجمة والده - ما معناه (٢): أن علقمة بن عبد الرزاق العليمي قال: قصدت بدر الجمالي بمصر، فرأيت أشراف الناس، وكبراءهم، وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم، ولم يصلوا إليه، قال: فبينا أنا كذلك، إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرجت في أثره، وأقمت إلى أن رجع من صيده، وقفت على نشز من الأرض، وبيدي رقعة أنشد منها قولي: [من الكامل]
نَحْنُ التِّجَارُ وهذه أعلامُنَا … دُرٌّ وَجُودُ يَمِينِكَ المُبْتَاع
وَافَاكَ يَحْمِلُهَا إِلَيْكَ تِجَارُهَا … وَمَطِيُها الآمال والأطماع
حَتَّى أَنَاخُوا حَوْلَ بَابِكَ والرَّجَا … مِنْ دُوْنِكَ السَّمْسَارُ والبَيَّاعُ
فَوَهَبْتَ مَا لَم يُعْطَهُ في دَهْرِهِ … هَرِمٌ وَلا كَعْبٌ ولا القَعْقَاعُ
وَسَبَقْتَ هَذَا النَّاسَ فِي طَلَبِ العُلَا … فَالنَّاسُ بَعْدَكَ كُلُّهُمْ أَتْبَاعُ
يَا بَدْرُ أُقْسِمُ لَوِ اعْتَصَمَ الوَرَى … وَلَجَوا إِلَيْكَ جَمِيعُهُمْ مَا ضَاعُوا
وكان على يده بازي، فألقاه، وانفرد عن الجيش، وجعل يسرد الأبيات، وأنا أنشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته: من أَحَبَّني فليخلع على هذا الشاعر، فخرجت من عنده، ومعي سبعون بغلًا محملة خلعًا وتحفًا، ثم أمر بعشرة آلاف درهم.
стр. 3714
ومنهم:
[٩٥] المأمون، أبو عبد الله بن البطائحي (١)
وزير حلق إلى مصر بين البطائح، وحقن دمه بمنهل الدماء الطوائح، وساس سائب التدبير وضبطه، وعقد نظام الملك، وربطه، تيسرت له الأسباب حتى تنبه الغضيض، وطلع إلى الأوج من الحضيض، ومشى له الأمر مثل الآمر وظهر كرمه مع وجود سحابه الهامر، وخدر بأسه والآمر مظل الظلماء، والمأمون مع هذا البأس الشديد والمراس الذي يلين دونه الحديد، متوقد الجمرات، مصلت السيف، لا يردعه في مرات بلسان مطلق، على البأساء مطبق، إلى أن نكبه الآمر في جملة أهل الأمر في جملة أهل النكبة التي ضيق فيها على مغالبهم لو جاء ورفعهم لو كان لهم من مربط النجار.
قال ابن الأثير (٢): ابتداء أمره أنه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وبات أبوه، ولم يخلف شيئًا، فتزوجت أمه وتركته فقيرًا، فاتصل برجل يعلم البناء في مصر، ثم صار يبيع الأسقفة بالسوق الكبير، فدخل مع الجمالين إلى دار بدر الجمالي أمير الجيوش مرة بعد أخرى، فرآه خفيفًا، رشيقًا، سريع الحركة، حلو الكلام، فأعجبه، فسأل عنه، فقيل له: هو ابن فلان فعرفه واستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، وكبرت منزلته، وعلت حاله، حتى صار وزيرًا.
وكان كريمًا، واسع الصدر، قتالًا، سفاكًا للدماء، وكان شديد التحرز، كثير
стр. 3715
التطلع إلى أحوال الناس من العامة والخاصة بمصر والشام. وكثر العيارون، وتراسل هو وجعفر أخو الأمر، ليقبل الأمر ويجعله خليفة، وتقرر هذا بينهما، فسمع بذلك أبو الحسن بن أبي سامة، وكان خصيصًا بالأمر، وأعلمه الحال، فقبض عليه، وصلبه هو وأخويه، وذلك سنة تسع عشرة وخمسمائة.
حكي أنه وجد له ألف دست كامل من القماش الفاخر برسم. ملبس جسده، ووجد له جملة أموال لا تحصى من العين الذهب والفضة، والجواهر الغوالي، والنفائس، والأمتعة، والخيل والبغال والجمال والبقر والغنم، وأنه كان له ثمانون جملًا برسم الماء، من شاطيء النيل إلى داره التي بالقاهرة خارجًا عن داره التي بمصر - وغالب أدره بمصر - هذا مع ما كان موصوفًا به من سعة الكرم. والتمزق في العطاء. وإن كان ربما يعطي في اليوم الواحد ألف ألف درهم، وكان يلومه خواص أصحابه وخلطائه على إفراطه في الإفراط والكرم، فقال: سجية طبعت عليها لا أقدر على إزالتها، ثم يقول: لولا حملقة الأسد لأكثرت الحرز، يشير إلى خوفة من بأس الأمر.
ويقال: لا يرى إلا رأي الإمامية، وأنه كان يريد تقلب الأمور، ليجعلها إمامية، والذي أقوله: إن الكرم يستر كل قبيح. ﵀، وغفر له.
ومنهم:
[٩٦] أبو علي بن الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي (١)
ورث الوزارة وحازها، وذهب ذهب النعاق وسولت له نفسه أمرًا.
стр. 3716
قال له الحافظ: فصبر جميل، وطال عليه عطاؤه، وفي قلبه له غليل حتى كان هذا سبب حتفه، وموجب ما لم يفده معه تقليب كفه، ولم تغن عنه أمواله التي أعدها، ولا عزائمه التي أشدها.
ذكر ابن الأثير (١): إن السبب في قتله أنه قد حجر على الحافظ، ومنعه من أن يحكم في أمر من الأمور، وأخذ ما كان في القصر إلى داره، وأسقط من الدعاء ذكر إسماعيل - جد هذا البيت - وأبطل من الآذان حي على خير العمل، ولم يخطب للحافظ، وأمر الخطباء أن يخطبوا له بألقاب كتبها لهم وهي: السيد الأفضل، سيد ممالك أرباب الدول، الحامي عن حومة الدين، ناشر جناح العدل على المسلمين الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحق في حالتي غيبته وحضوره، والقائم بتصرفه بماضي سيفه، وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القضاة إلى إتباع شرع الحق واعتماده، ومرشد دعاة المؤمنين بواضح إرشاده، مولى النعم، ورافع الجور عن الأمم، وملك فضيلتي السيف والقلم، السيد الأجل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش.
قال: وكان إمامي المذهب يكثر ذم الحافظ، والنقص به، فنفرت منه الشيعة، وكرهوه،
стр. 3717
وعزموا على قتله، فخرج في العشرين من المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة إلى الميدان، ليلعب بالكرة، فاكمن له جماعته منهم مملوك إفرنجي كان للحافظ، فخرجوا من الخزانة التي كانوا فيها، وحمل عليه الفرنجي، فطعنه وقتله وحزوا رأسه.
وخرج الحافظ من الخزانة التي كان فيها وأمر الناس فنهبوا داره وأخذ منها ما لا يحصى وركب الحافظ إلى داره وأخذ ما بقي.
ثم بويع الحافظ فخافه الحافظ وتخيل منه يأنس الحافظ عليه بأن وضع له طعامًا في الطهارة ماءً مسمومًا، فاغتسل به فوقع الدود في مخرجه، وقيل له: متى قمت من مكانك هلكت.
وكان يعالج بأن يجعل اللحم الطري في المحل، فيعلق به الدود، ويخرج، ويجعل عرضه، فقارب الشفاء فركب إليه الحافظ، فكأنه يعوده، وقعد عنده، ثم خرج من عنده فتوفي في تلك الليلة.
قال ابن الأثير: وإنما ذكرت ألقابه تعجبًا منها من حماقة هذا الرجل. انتهى كلامه.
فائدة:
قال: واستوزر الحافظ ابنه حسنًا وخطب له بولاية العهد سنة ست وعشرين وخمسمائة، فتجرأ على سفك الدماء، وتغلب على الأمر جميعه، واستبد به، ولم يبق لأبيه معه حكم، وقتل من الأمراء الكبراء كثيرًا، حتى أنه قتل في ليلة واحدة أربعين أميرًا، فلما رأى أبوه هذا منه، أخرج له خادمًا من خدم القصر، فجمع الجموع، وتقدم إلى القاهرة، ليقاتل ابنه حسنًا، ويخرجه منها، فأخرج حسن جماعة من خواصه وأصحابه، فقاتلوهم، فانهزم الخادم، واستكان الحافظ، وصبر تحت الحجز.
ثم اجتمعت بقية الأمراء على قتل حسن، وأرسلوا إلى الحافظ، وقالوا: إما أن تسلّم إلينا ابنك؛ لنقتله، أو نقتلكما جميعًا، فاستدعى ولده إليه، واحتاط عليه، فلم يرض الأمراء إلا بقتله فسمه، ثم أدخل خواصهم عليه، فرأوه، وخرجوا حتى تيقنوا بموته.
وفيه قيل: [من البسيط]
لم يا حسن بين الورى حسنًا … وَلَمْ يَرَ الحَقَّ فِي دُنْيَا وَلا دِينِ
قَتْلُ النُّفُوسِ س بِلا حَقٌّ وَلا سَبَبٍ … تِيْهُ المُلُوكِ وأخْلاقُ المَجَانِينِ
ومنهم:
[٩٧] رضوان (١)
كان في دولة الحافظ إلا أنه مالكها، وصباحها إلا أن تجلّى به حالكها، أو ملك
стр. 3718
بيده أسرتها، وقيم … كما شاء ومشربها إلا أنه أسقم سوء تدبيره ذلك الأوان. وجاء من العقاب ما عند ملك وهو رضوان، ولم يزل حتى أبحر له سابق وعيده، وحرّ إلى مصرعه بحبل وريده، وحمل رأسه كأنه هدي يزف وقتل كأنه من شيعة الشمر بن ذي الجوشن، وما هو إلا من شيعة الطف.
وزر للحافظ باليد، واستتبت له الأمور، وقلت أيدي معانديه، وكان السبب في هذا أنَّ الحافظ استوزر بعد ابنه حسن المسيء الفعل أنشر منه وأشأم وأردأ وألأم، وذلك بهرام النصراني، ولقبه بالأمير تاج الدولة، فاستعمل الأرمن على الناس، فاستذلوا المسلمين، وامتدوا إلى أموالهم، … وتحكموا، وجاروا، وأهانوا ذوي الأقدار.
وهؤلاء الأرمن الذين ولاهم، فطمعوا فيهم، ولم يكن في مصر من أنف من ذلك إلا رضوان، فإنه قلق لهذا، وجمع جمعًا كثيرًا، وقصد القاهرة، وسمع به بهرام فهرب إلى الصعيد من غير حرب ولا قتال، وأتى أسوان، فمنعه واليها من الدخول إليها، وقاتله، فقتل كثيرًا من الأرمن.
ثم لما لم يقدر على الدخول إلى أسوان، أرسل إلى الحافظ يطلب الأمان، فأمنه فعاد إلى القاهرة، فسجن بالقصر، فبقي مدة، ثم ترهب، وخرج من الحبس.
وأما رضوان، فإنه وزر للحافظ، فعهد الحافظ في إخراجه، فثار الناس عليه في منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، فهرب من داره، وتركها بما فيها، فنهب الناس منها ما لا يعد ولا يحصى، وركب الحافظ، فسكن الناس، ونقل ما بقي في دار رضوان إلى قصره.
وسار رضوان يريد الشام، ليستنجد بالأتراك، فأرسل إليه الحافظ، ابن مصال، ليرده بالأمان والعهد أنه لا يؤذيه، فقيل: إنه رجع، فحبسه الحافظ، وقيل: بل أتم إلى الشام، وإلى صرخد، ونزل على صاحبها كمشتكين، فأكرمه، وأقام عنده.
ثم عاد إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، ومعه عسكر، وقاتل المصريين، فهزمهم، وأقام ثلاثة أيام، ثم تفرّق كثير ممن معه، فعزم على العود إلى الشام، فأرسل إليه الحافظ ابن مصال فردّه وحبسه عنده في القصر، وجمع بينه وبين عياله، فأقام في القصر إلى سنة ثلاث وأربعين، ثم نقب الحبس، وخرج منه، وقد أعدت له خيل، فركبها، وعبر النيل إلى الجيزة، فحشد، وجمع، وعاد إلى القاهرة، فقاتل المصريين عند جامع ابن طولون، فهزمهم، ودخل القاهرة، فنزل عند الجامع، … وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالًا؛ ليفرقه على عادتهم، فإنهم كانوا إذا وزروا وزيرًا، أرسلوا إليه
стр. 3719
عشرين ألف دينار، فأرسل إليه الحافظ بها، وفرقها، وكثر الناس عليه بطلب زيادة، فأرسل إليه مثلها، ففرّقها وتفرق الناس عنه، وخفوا عنه، فإذا الصوت قد رفع، وخرج إليه جمع كثير من السودان جهزهم الحافظ عليه، فحملوا على غلمانه، فقاتلوهم، وقام، ليركب فقدم إليه بعض أصحابه قريبًا، فلما أراد ركوبه، ضرب رجل رأسه بالسيف، فقتله وحمل رأسه إلى الحافظ، فأرسله إلى زوجته، فوضعه على حجرها، فألقته، وقالت له: هكذا يكون الرجال.
ثم لم يستوزر الحافظ بعده أحدًا بل كان يباشر الأمور بنفسه.
ومنهم:
[٩٨] أبو الحسن علي بن السلار (١)
المنعوت بالملك العادل سيف الدين، وزير الظافر العبيدي، ومميز تلك الأيدي. كان في تلك الأيام التي أظلمت بدعها، وعلت شيعها علة في تلك الدهماء، وفجرًا متألقًا في ذلك الظلماء، ممن لا يرى تلك الفرق المضلة أعرض عنها متصاممًا، وأظهر الرضا بها فكأنما وقد عقد ضميره على إزالتها، وعهد إلى عزيمه في إعلاء السنة وإدالتها، واستقدم من الفقهاء من كان يسر مجالسته ويديم مؤانسته، ويستنصح برأيه
стр. 3720
في ظلم تلك الضلال … بصحبته في ضحى تلك الهوى … كالطلال، ولو عمر وساعدته الأقدار للمّ شمل الجماعة، وفطم مواضع تلك الطماعه، ولكنه كان موقد الحنق، لا يمرض غضبه، ولا يُخمد لهبه، ولا يستقر سيفه في التراب، حتى يغالبه ثوبته.
قال ابن خلكان (١): رأيت في بعض النسخ من تواريخ المصريين أنه كان كرديًا زرزاريًا، وكان تربية القصر بالقاهرة، وتقلبت به الأحوال إلى الولايات بالصعيد وغيره، إلى أن ولي الوزارة للظافر في رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
ثم وجدت في مكان آخر: أن الظافر استوزر أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال نحوًا من خمسين يومًا.
وكان شهمًا، مقدامًا، مائلًا إلى أرباب الصلاح والفضل، عمر بالقاهرة مساجد. وكان ظاهر التسنن، شافعي المذهب؛ ولما صارت إليه ولاية الإسكندرية زاد في إكرام الحافظ أبي طاهر السلفي، واحتفل السلفي، واحتفل به، وعمر له هناك مدرسة فوض تدريسها إليه، وهي معروفة به إلى الآن.
وكان ذا سيرة جائرة، وسطوة قاطعة، يأخذ الناس بالصغائر والمحقرات. ومما يحكى عنه أنه قبل وزارته بزمان، وهو يومئذ من آحاد الأجناد - دخل يومًا على الموفق
стр. 3721
أبي الكرم بن معصوم التنيسي. وكان يتولى الديوان، فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم الولاية بالغربية، فلما طال عليه الكلام، قال له أبو الكرم: والله إن كلامك ما يدخل في أذني، فحقد عليه ذلك، فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه، فخاف منه، واستتر مدة، فنادى عليه في البلد وأهدر دم من يخفيه.
وأخرجه من خبأه عنده، فخرج في زي امرأة بإزار وخُفت فعرف وأخذ، وحمل إلى العادل، فأمر بإحضار لوح خشب، ومسمار طويل، وأمر به فالقي على جنبه، وطرح اللوح تحت أذنه، ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى، وصار كلما صرخ، يقول: دخل كلامي في أذنك أم لا، ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار إلى الأذن الأخرى التي عليها اللوح، ثم عطف المسمار على اللوح، ويقال: إنه شقه بعد ذلك.
وكان قد وصل من إفريقية أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس الصنهاجي، وهو صبي ومعه أمه، فتزوجها العادل المذكور، وأقامه عنده زمانًا، ورزق ولدًا سمّاه نصرًا، وكان عند جدته في دار العادل، والعادل يحنو عليه ويعزّه.
ثم إن العادل جهز عباسًا إلى جهة الشام بسبب الجهاد، وكان معه أسامة بن أسعد بن منقذ؛ فلما وصل إلى بلبيس، وهو مقدم الجيش الذي سار في صحبته تذاكرا طيب الديار المصرية وحسنها، وما هي عليه، وكونه يفارقها، ويتوجه للقاء العدو، ويقاسي البيكار، فأشار عليه أسامة - على ما قيل - قتل العادل، وأنه يستقل هو بالوزارة، ويستريح من البيكار، ويقرر بينهما أن ولده نصرًا يباشر ذلك إذا رقد العادل؛ فإنه معه في الدار، ولا ينكر عليه بذلك.
وحاصل الأمر أن نصرًا قتله على فراشه يوم الخميس في ذي المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بدار الوزارة بالقاهرة، وقيل: قتل يوم السبت حادي عشر المحرم منها.
ومنهم:
[٩٩] أبو الغارات، طلائع بن رزيك الملقب بالملك الصالح (١)
كان هو السلطان لا الوزير، والملك ودونه كل أمير والخليفة، وإن كان غيره
стр. 3722
الجالس على السرير امتطى السنام وسبطا فروع رعية حتى في المنام، وكأنه نهر الندى ويهم البرق ولا يبلغ له مدى أجود من ابن … وأوضح من نار حاتم هدى، وأسرى من الأنوار تهب في السحب الدوائج، وأسرع من الأضواء ظلمًا في نسب الهوادج، وكان في مجلسه مجال الأدب … الأدب.
مواهب، وجديد على آثار ذواهب، كأنها أعبدية زمان آل جفنة، وقد عبر، وقام حسان في آل غسان، وقد نسي الخبر وكان الفائز … لم يكن يفارق القوائل، ولا يخرج بهمه من يد النائل، قد ذهب دعاء شيعته يوم … يومه، وأذن عن الأمر بعزله، فتفرد الصالح أبو الطلائع بكل إمضاء، وكل دونه كل مضاء إلا أنه ألف القلوب، وما نفرها، وتتبع بحسنات زمانه سببه كل دهر وكفرها … ونظر في المصالح، وساس الرعية سياسة الملك الصالح، وشرع في عمارة البلاد حتى كانت مدة أيامه تكسي حلل الديباج،
стр. 3723
وتوقد بها في كل ناحية سراج. لا زي إلا بسط نضار فرش بالأزهار، وبديع شقائق خضر طرزت بالأنهار، وعميم … لا يتلمس فيه وجه المريب، ولا يروع الشاه.
هذا وسيفه لا يرى منه إلا خلّته، ولا يعرف منه إلا حسن شيته، إلى أن أتت الأرزاء … ودهنه حيث لا يمنع الأعزاء.
ذكر ابن الأثير: أنَّ عباسًا قتل الظافر، وأقام الفائز ظنَّ أنَّ الأمر يتم له على قدر ما يريده وكان الحال خلاف ما اعتقده؛ فإنّ الكلمة اختلفت وصار الأمر بالأمر إلا وتلقب إليه، ولا يسمع قوله.
وأرسل من بالقصر والخدم إلى طلائع بن رزيك يستغيثون، وأرسلوا شعورهن على الكتب، وكان في منية بني الخصيب واليًا عليها وعلى أعمالها، وليست من الأعمال الجليلة، وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم، وكان فيه شهامة، فجمع ليقصد عباسًا، وسار إليه، فلما سمع عباس بذلك، خرج من مصر نحو الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة والتحف والأشياء التي لا يوجد مثلها مما كان أخذه من القصر، وسار معه ولده نصر وأسامة بن منقذ؛ فلما سار وقع به الفرنج، فقتلوه، وأخذوا جميع ما معه، فتقولوا به.
وسار الصالح، فدخل القاهرة بأعلام سود، وثياب سود حزنًا على الظافر، والشعور التي أرسلت إليه من القصر على رؤوس الرماح، وكان هذا من الفأل العجيب؛ فإن الأعلام السود العباسية دخلتها، وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشرة سنة.
فلما دخل الصالح القاهرة، خلع عليه الوزارة، واستقر في الأمر، وأحضر الخادم الذي شاهد قتل الظافر، فأراه دفنه، وأخرجه، ونقله. وذلك في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة إلى مقابرهم بالقصر.
ولما قتل الفرنج عباسًا، أسروا ابنه، فأرسل الملك الصالح يبذل لهم مالًا، وأخذه منهم، فسار من الشام مع أصحاب الصالح، فلم يكلم أحدًا منهم كلمة إلى أن رأى القاهرة فأنشد: [من الطويل]
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَها فَأَبَادَنَا … صُرُوفُ الليالي وَالجُدُودُ العَوَاثِرُ
وادخل القصر، وكان آخر العهد به، وقيل: إنه قتل وصلب على باب.
ثم أخذ الصالح في استقضاء البيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية، فأهلك أهلها، وأبعدهم عن ديارهم، وأخذ أموالهم، فمنهم من تفرَّق في بلاد الحجاز واليمن وغيرها، وكان قد فعل ذلك خوفًا منهم أن يثوروا عليه، وينازعوه في الوزارة، وتحكم في الدولة التحكم العظيم، واستبد بالأمر والنهي، وجباية الأموال إليه العاضد؛ لأنه هو ولاه فزوج ابنته من العاضد فعادله أيضًا الحرم، فأرسلت عمة العاضد الأموال إلى الأمراء المصريين، ودعتهم إلى قتله، وكان أشدهم في ذلك رجل يقال له
стр. 3724
ابن الداعي، فوقفوا في دهليز القصر، وضربوه بالسكاكين على دهش، فجرحوه جراحات مهلكة، وحمل إلى داره، وفيه حياة، فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضا بقتله، فخلف العاضد أنه لم يعلم ذلك، ولا رضي به، فقال: إن كنت بريئًا فتسلم عمتك لي حين انتقم منها، فأمره بأخذها، فأرسل إليها، وأخذها قهرًا، وحصرت عنده، فقتلها، وأوصى بالوزارة لابنه رزيك، ولقب العادل، فانتقل الأمر إليه بعد وفاة أبيه في رمضان سنة ست وخمسين وستمائة.
وكان كريمًا فيه أدب ومعرفة، وكان لأهل العلم عنده نفاق، ويرسل إليهم العطاء، وبلغه أنّ محمد بن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل شرح بيتًا من شعره، وهو: [من الطويل]
تَجَنبَ سَمْعِي مَا يَقُولُ العَوَاذلُ … وَأَصْبَحَ لِي شُغْلٌ مِنَ الغَزْوِ شَاغِلُ
فجهز [جائزة] سنية، ليرسلها إليه فقتل قبل إرسالها.
وبلغه أنّ إنسانًا من أعيان الموصل قد أثنى عليه بملكه، فأرسل كتابًا يشكره، ومعه هدية.
وكان إماميًا، لم يكن على مذهب العلويين المصريين، لما ولي العاضد الخلافة وركب سمع الصالح ضجة عظيمة، فقال: ما الخبر؟، فقال: إنهم يفرحون بالخليفة، فقال: كأني بهؤلاء الجهلة يقولون: ما مات الأول حتى استخلف هذا، ولما علموا أني من ساعة استعرضهم استعراض الغنم.
قال عمارة اليمني: دخلت عليه قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني قرطاسًا فيه بيتان من الشعر وهما: [من الخفيف]
نَحْنُ فِي غَفْلَةٍ وَنَوْمِ وَلِلْمَوِ … تِ عيُونٌ يَقْظَانَةٌ لا تَنَامُ
قَدْ رَحَلْنَا إلى الحِمَامِ سِنِيْنَا … لَيْتَ شِعْرِي مَتَى يَكُوْنُ الحِمَامُ
وكان آخر عهدي به.
قال عمارة: ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ابنه، قصيدة، أقول: [من الطويل]
أبُوكَ الَّذِي تَسْعُو اللَّيَالِي بِمَدِّه … وَأَنْتَ يَمِينُ إِنْ سَطَا وَشِمَالُ]
لِرُتْبَتِهِ العِلْيَا وَإِنْ طَالَ عُمْرُه … إِلَيْكَ مَصِيرُ وَاجِبٌ وَمَنَالُ
لخالصك اللحظ المصُونُ وَدُوْنَها … حِجَابٌ شَرِيْفٌ لا اعصى وَحِجَالُ
فانتقل الأمر إليه بعد أيام.
وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة جهزت عمة العاضد على الصالح أبي الغارات من قتله بالسكاكين، وهو في دهليز القصر، فحمل إلى بيته، وبه رمق، فأرسل يعتب [على] العاضد، فخلف العاضد أنه ما علم بذلك، وأمسك
стр. 3725
العاضد عمته، فأرسلها إلى طلائع، فقتلها، وسأل العاضد بأن يولي ابنه رزيك الوزارة، فولي، لقب العادل ومات الصالح طلائع، فاستقر ولده في الوزارة.
ولما مات الصالح، دفن بالقاهرة، ثم نقله ولده العادل في تابوت من دار الوزارة - وهي المعروفة بإنشاء الأفضل شاهنشاه - وركب خلفه العاضد إلى تربته التي بالقرافة الكبرى، فعمل في ذلك عمارة قصيدة طويلة أجاد فيها ومن أبياتها: [من الكامل]
وَكَأَنَّهُ تَابُوتُ مُوسَى أُوْدِعَتْ … في جَانِبِيْهِ سَكِينَةُ وَوَقَارُ
وهذا الصالح هو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة.
وأما ولده العادل رزيك، فكان الصالح أوصاه أن لا يتعرض لشاور بمساءة، ولا يغير عليه حاله، فإنَّه لا يأمن عصيانه، والخروج عليه، وكان كما أشار. قدم شاور من الصعيد على الواحات فاخترق، ودخلها ثاني عشرين المحرم ثمان وخمسين وخمسمائة فهرب العادل وابنه وحاشيته من القاهرة ليلة العشرين من المحرم منها، وحمل من الذخائر معه ما لا يحصى، واستجار بسليمان، وقيل: يعقوب بن النيص اللخمي وكان من خواص أصحابهم، وحصل من جهتهم نعمة وافرة فأنزلهم عنده وهو … وسار من ساعته إلى باب شاور، فأعلم بهم، فندب معه جماعة، ومضوا إلى العادل، وأخذوه أسيرًا، وأحضروه إلى باب شاور، فوقف زمانًا طويلًا، ثم حبسه.
ثم قال شاور لابن النيص: لقد خبأك الصالح ذخيرة صالحة لولده، وأنا أيضًا أخبئك لولدي، ثم شنقه. وبقي العادل في الاعتقال مدة، ثم قتله، وأخرج رأسه لأمراء الدولة.
ومن العجائب أنّ الصالح ولي الوزارة في التاسع عشر، وقتل في التاسع عشر، ونقل تابوته في التاسع عشر، وزالت دولتهم في التاسع عشر، وفيهم يقول عمارة اليمني من أبيات: [من البسيط]
وَلَّتْ لَيَالِي بَنِي رُزِّيْكَ وَانْصَرَمَتْ … والمَدحُ والشَّكْرُ فِيهِمْ غَيْرُ مُنْصَرِمِ
كَأَنَّ صَالِحَهُم يَوْمًا وَعَادِلَهُمْ … فِي صَدْرِ ذَا الدَّسْتِ لَمْ يَقْعُدُ ولَمْ يَقُمِ
ومن نظم الصالح أبي الغارات من قصيدة: [من البسيط]
إذا بل الغريم ماله طَرَفٌ … في كُلِّ جَمْعِ بَدَا مِنْ حُسْنِهِ طَرَفُ
تقولُ لَمَّا أَتَانَا مَا بَعَثْتَ بِهِ … هَذَا كِتَابٌ أَتَى أَمْ رَوْضَةٌ أُنْفُ
رَقَّتْ حَوَاشِي كَلَامِ أَنْتَ نَاظِمُهُ … فِيْهِ فَجَاءَ كَزَهْرِ الرَّوْضِ يُقْتَطِفُ
وَرَدْتَ بَحْرَ القَوَافِي فَاغْتَرَفْتَ كما … قَدْ حَلَّ يَوْمَا بِهَذَا النِّيْلِ مُغْتَرِفُ
قَرطَسْتَ رَمْيَا وَكَمْ رَام بأَسْهُمِهِ … إِذَا تَحَقَّقَ مِنْهُ يَسْلَمُ الهَدَفُ
إِذَا تَطَلَّعَ فَوْقَ الأَرْضِ ذَا أَدَبِّ … فَأَنْتَ مِنْهُ عَلَى العَيُّوقِ تَشْتَرِفُ
لأَعْيُنِ النَّارِ نَهْبٌ مِنْ مَحَاسِنِها … كَمَا القُلُوبُ يُلاقِيْهَا فَتُخْتَطَفُ
أنتَ فِي حَشم ذا طاعته الـ … كُفَّار ذَاكَ المَرْجُرُّ والمَرْمُوْقُ
فأجابه أسامة (١): [من الخفيف]
كم إلى كَمْ يُلْحَى المُحِبُّ المَشُوقُ … وَهْوَ مِنْ سَكْرَةِ الهَوَى لَا يُفِيقُ
حَمَّلُوْهُ وَهُوَ الضَّعِيفُ مِنَ … التَّعْنِيف واللَّوْم مَا لَا يُطِيقُ
شَجَّعُوْهُ عَلَى القَطِيْعَةِ وَالصَّبٌ … مِنَ الصَّدِّ وَالفِرَاقُ فَرُوْقُ
وَلَحَوْهُ مِنْ سَاحِلِ البَحْرِ وَالمِسْكِينُ … فِي لُجَّةِ الغَرَامِ غَرِيقُ
وَأَخُو الوَجْدِ مَا إِلَى قَلْبِهِ … المَحْجُوبِ بالحُبِّ لِلسُّلُوِّ طَرِيقُ
وَإِذَا نَهْنَةِ الدُّمُوعَ اسْتَجَمَّتْ … وَهَمَتْ وَهْيَ لُؤْلُو وَ عَقِيقُ
مِثْلُ مُنْهَل أنعم الملكِ الصَّالِحِ … يُرْوَى دَانِ بِهِ وَسَحِيقُ
مَلِكُ زَادَهُ التَّواضُعُ للهِ … جَلَالًا يَرُوعُ ثُمَّ يَرُوقُ
يَا أَمِيرَ الجُيُوشِ مَا زَالَ للإسلام … والدِّيْنِ مِنْكَ وَكْرٌ وَثِيقُ
ملِكٌ عَادِلٌ أَنَارَ بِهِ الدِّينُ … فَعَمَّ الإِسْلامَ مِنْهُ الشَّرُوقُ
مَالَهُ عَنْ جِهَادِ [هـ] الكُفْرَ … و اَلعَدْلَ وَفِعْلَ الخَيْرَاتِ شُغْلٌ يَعُوْقُ
هُوَ مِثْلُ الحُسَامِ صَدْرٌ صَقِيْلٌ … لَهُنَّ ستة حُدُودٍ ليق
فَأَسْلَمَا لِلأَنَامِ كَهْفَيْنِ مَا طَرَّزَ … يَوْمَ الظَّلامِ بَرْقٌ خَفُوقُ
وكتب الصالح إلى أسامة:
أصدرنا هذا الكتاب إلى المظفر المنصور الكامل لما تجدد قبلنا بعد توجيه الرسل والسائر من حضرتنا إلى الملك العادل نور الدين - أدام الله له التأييد والنصر - من تواصل العساكر إلينا، وقدوم الحشود المتوافرة العدد علينا … . الأجلين فارس المسلمين، وركن الإسلام، زاد الله في علائهما، وكبت حسدتهما وأعدائهما إلى الباب في الجيوش التي سدت القضاء، وملأت البيداء، وبهرت النواظر عدة وعديدًا، وأوسعت المُباهي المكاثر خيلًا مسومة وحديدًا، وجاء النفير من العربان والراجل التي تحصى قبل إحصائهم … ... منتحرهم وقائدهم عن أن يسوقهم سوق العضار في نهار يوم الأحد لاثنتي ليلة خلت من رجب، استخرنا الله تعالى، وبرزنا مساله منظره الفتوح برأس … لما خلعنا عليه من النهوض النفقة في الجنود، وتفرقة العطاء الموفر في سائر العربان والحشود، طالبين بذلك وجه الله وثوابه الذي هو أكبر غنم، وأجل قسم، وكان بنا ولله المشيئة، وقد نهضنا بأنفسنا وسرنا بجموعنا، وآثرنا فضل الجهاد على لين المهاد، ومشقة العمل بالفرض على طيب الديَّة والخَفْض، وكنا قد أصبحنا الرسل إلى الملك العادل، قصرناه عن استنهاضه، وضرب ميعاد بيننا وبينه إلى مكان معلوم في
стр. 3731
وقت محدود نجتمع معه فيه، ونستعين بالله جميعًا على استئصال هذا العدو اللعين، وإنقاذ الشام من أيدي الكفرة الملحدين، وحلفنا له يمينًا مؤكدة على أنا لا نخلف الميعاد، وأنا واعدنا ولا نتكل، أو نقصر في جهاد من حاربنا … .. ولا يثني عزمنا عما شرطناه، ولا ينتهي وجهتنا التي نتوجه لها دون ما صمدنا له وقصدناه. والأمير يعلم ما يلزمنا في الكلف في هذه الحال الذي مد طرق الإفرنج هذه البلاد، ولم يتكلفها أحد من ملوك الديار المصرية سوى الأفضل لما حاز من الذخائر، وملك من الأموال الجمة والعساكر، وقد تعاطينا نقله مع تأخر الزمان واحين أنا - إن شاء الله - نرضى عليه، ونجري من الغاية القصوى إلى ما لم يجر إليه، فليصور عند الملك العادل هذه الحال بصورتها، ويقرره بهيأتها ولس … في المطالعة لنا بما تجدد قِبَلَه، وحدث في البلاد من الأمور التي يتطلع إلى معرفتها، فإنه قد أخل به وأهله، فهو يعلم لم سلوتنا إليه وتعويلنا في المهمات عليه، لفرط رغبتنا في التحريض والاستنفار، فضمنا ما تضمنه كتابنا إلى الملك العادل في قصيدة، ليكون أسير لذكره، وأشهر لأمره، وقد جعلناها ثني هذه المكاتبة، ليقف عليها، ويصلح خللًا إن كان فيها، ومعيرها بتوليته، لإذاعتها جمالًا، ويزيدها بتكلفه، لإشاعتها رواء وحلالًا، فاستماع الأدباء إليه أسرع، ومنه أسمع، وإيراده لها فيما يحاوله ألمع وأنجع، والأمير لا يُعِبُّ مطالعتنا، ولا يهمل مكاتبتنا ومراسلتنا، فهو عندنا القوي الأمين، وله من أنفسنا المكان المكين، ليعلم ذلك، وليعمل به».
فكتب إليه أسامة جوابًا:
«وينهي وقوفه على … العالي المشتمل على إنعامه الضافي عليه السابغ، وفضله الذي حيث حمل، فهو واصل إليه، بالغ ما يته، وهو جوار الصعب من كتب، ويلح إذا تباعد عنه، وأغرب في الطلب ينقب عنه في البلاد، ويبادي إليه سيل العهاد، فهو عيشه الهامي، وغوثه المانع الحامي، يعقل ثناه بشوارد الفضل، ويمرع جنابة في أزمة المحل، فشكره وتمليك رقه لا يقومان بأيسر حقه، فلله در أوراق تضمنت منا شقلا للأعناق، لكنها خرقت العادة في الحلول، وعدلت من الستر المسلول، يؤمر فيه بالمثول بمجلس المولى الملك العادل ومفاوضته في ميعاد يضربه للقاء على مناجزة الأعداء.
وكان المملوك - بل أهل الشام - في ذلك الوقت لمرض المولى المالك في عداد الأموات، لا يفرقون بين ما مضى وبين ما هو آت. ألبابهم حائرة، وقلوبهم طائرة، والعدو عليهم كَلِب وحلهم مضطرب، فكان تقصير الملوك لهذا السبب الذي أحمد الله فيه العاقبة والمنقلب. وقد خامر المجلس العالي من ذلك على البعد ما أشتهر وظهر تأسفه وتوجهه ما ما ظهر، فكيف يلام المملوك على تدلهه، وتشعب فكره، وولهه على من ملك بفضله رقه، وطوق بأنعامه عنقه، ومحا إلى ظله والخطوب تكربه، والحوادث تطلبه، فأجله رأس عمدان، وجعله ينظر من عل إلى الزمان ورأس جهاجه الكسير،
стр. 3732
وانهضه وغمره من أنعامه ما ثقله كلما كان يجده، ومسيره إلى الجهاد بالعديد والعدد، وقد ندب مملوكه الأمير نجم الدين لإحضار الأمراء الأرتقية وعساكرهم، وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وسير من الأمراء الأماثل كل واحد منهم إلى جهة يستدعي العساكر، وظهر من شريف الاهتمام، وما في الاعتزام في أنفاق الأموال، وجمع الرجال، واستدعاء الأمراء الأكابر أرباب الممالك والعساكر ما لو كان يقدم في السنين الخالية ما كان بقي للكفرة باقية. والله تعالى يمده بنصره، ويجعل الملائكة من أعوانه وجنوده، فهو في هذا الكتاب قبة الإسلام التي يلجأ إليها، ونصرته التي يعتمد عليها، وهذا وقت إرهان العزائم الملكية الصالحية أمضاها الله وأعلاها، ومكن سيوفها من هام أعدائها، ومواصلة بلاد العدو لعنه الله بالمقانب والعساكر، وتجهيز أول في ذكره آخر حتى يقطع الله دابر أولي الكفر والفساد ويسترجع بسيوف الملكين الصالح والعادل البلاد، والله تعالى ينصرهما ويقرب بالأعداء ظفرهما، ينهي أنه قد شاع في بلاد الشام أن العساكر المنصورة لا تشن الغارات على العدو وطروق بلاده في الرواح والغدو، والأيدي بالدعاء لمالك الرقة مرفوعة، والأدعية الصالحة مجابة مسموعة، وعلى أن الآمال في الهمم العالية متطلعة إلى أكثر من هذه الأموال الجارية لما في النفوس منها من الإجلال والإعظام، وما جمعه الله تعالى في المجلس العالي من الورع والكرم والإقدام، فلهذا يستصغر الكبير، ويستقل له العظيم الكثير، وقد تيسر المطلوب، وأتفقت النيات والقلوب مما غدر الصوارم عن مد القصر والجماجم، وما إحجام الأسد الضاربة عن الكلاب العاوية، أليس هم سور السيوف، وبقية صرعى الحتوف، فإذا شرعت فيهم السيوف المالكية الصالحية من هناك، والملوك العادلية أوردتهم موارد الهلاك، وإن تربت بمشيئة الله تعالى، ولا يتأخر، وهو تعالى يتعجل منه ما يتوقع وينتظر، والمملوك ينهى إلى … .. من مطالعته لما تضمنت الإجابة الكريمة الملكية العادلية، فإنها تشتمل على ما يتطلع إليه، ويفصح عما يقول عليه، وللآراء العالية مزيد العلو والقدرة».
ومنهم:
[١٠٠] أبو شجاع، شاور بن مجير بن نزار (١)
من ولد أبي ذؤيب عبد الله، وهو والد حليمة مرضع رسول الله ﷺ .
стр. 3733
وزير لم يمض له أمر غالب مدته، ولا أخذ فواق نفس من خناق شدته. اتسعت في ميل تدبيره الخروق، ووسعت في زمانه أكثر من … الفتوق، وأحوجته غير الحوادث، وبلايا الكوارث إلى أن انتجع حمى الشام ملتجأ إلى عتاته، مرتجيًا لرعاته، حتى أصرخه أسد يقطع نياط القلوب، … . ويحرق سحح البحار زفيره، سرى يوم المقام دمنوري، ويستوضح بزناده الوري فرد عليه نافرًا عفائه، وانهد معه الجيوش عكا لعقد وفائه، على أمور ضمنها الشهيد نور الدين، ثم ما وفى … أبي وائل، ولا قام بها إلا قيام الكوشاني لأهل بابل، فسار بهم حتى إذا سلت له دهماء مصر، وأضاء له بارق النصر، منعهم حتى موارد الأقوات، واستدرك حتى يطالبهم بالفوات، ودافع بالجيش المطل منيته. عاد فكان بالسيف الصلاحي سبب إدناء أجله، رحل به حيث أمر عاقبة وجعله.
قال ابن خلكان (١): كان الصالح بن رزيك قد ولاه الصعيد الأعلى، ثم ندم على توليته، وكان الصالح يعد لنفسه - حين جرح، وأشرف على الموت - ثلاث غلطات، إحداها: تولية شاور، وثانيها بناء الجامع خارج باب زويلة، فإنه صار عونًا على من يحاصر القاهرة، وثالثها: خروجه إلى بلبيس بالعساكر، ورجوعه بعد أن أنفق
стр. 3734
أكثر من مائتي ألف دينار حيث لم يتم إلى بلاد الشام، ويفتح بيت المقدس، ويستأصل شافة الفرنج.
وقد تقدم في ترجمة الصالح بن رزيك قدوم شاور من الصعيد إلى القاهرة، وهروب العادل بن الصالح، ولما قتله، أخذ موضعه من الوزارة، واستولى.
ثم توجه في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة في شهر رمضان منها إلى الشام مستنجدًا بالشهيد نور الدين محمود بن زنكي، لما خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر - الملقب فارس المسلمين - اللخمي المنذري بجموع كثيرة، وغلبه، وأخرجه من القاهرة، وقتل ولده طيًا، وولي الوزارة مكانه، كعادة المصريين، وأنجده أسد الدين شيركوه، وتردد معه إلى القاهرة دفعات.
وقتل شاور في ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن في تربة ولده طي بالقرافة القصوى.
وذكر صاحب تحفة الخلفاء: أنَّ السلطان صلاح الدين أوقع به، وكان إذ ذاك صحبة عمه أسد الدين، وأن قتله كان في منتصف جمادى الأولى من السنة المذكورة.
وذكر ابن شداد في سيرة صلاح الدين: أن شاور المذكور خرج إلى أسد الدين في موكبه، فلم يتجاسر عليه أحد إلا صلاح الدين، فإنه تلقاه، وسار إلى ركابه، وأخذ سلاحه، وأمر العسكر بقصد أصحابه، ففروا ونهبهم العسكر، وأنزل شاور في خيمة مفردة، وجاء في الحال توقيع على يد خادم خاص من جهة المصريين يقول: لابد من رأسه جريًا على عادتهم مع وزرائهم، فحزّ رأسه، وأنفذ إليهم، وسير إلى أسد الدين خلع الوزارة، فلبسها وسار ودخل القصر، وترتب وزيرًا.
وذكر ابن عساكر: أن شاورًا وصل إلى نور الدين مستجيرًا، فأكرمه واحترمه وبعث معه جيشًا، فقتلوا خصمه، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته.
ثم إن شاور بعث إلى ملك الفرنج واستنجده، وضمن له أموالًا فرجع عسكر نور الدين … . جهز إليها عسكرًا، فلما سمع العدو بتوجه جيشه، رجعوا خائبين، وأطلع من شاور على المحاصرة، وأنفذ يراسل العدو طمعًا منه في الظافرة، لما حيف من شره، تمارض أسد الدين، فجاءه شاور عائدًا، فوثب جردل وبرغش موليا نور الدين، فقتلا شاور [١]، وكان ذلك برأي الملك الناصر صلاح الدين، فإنه أول من تولى القبض، ومد يده بالمكروه إليه، وصرف الأمر لأسد الدين، وظهرت السنة بالديار المصرية، وخطب فيها للدولة العباسية.
وللفقيه عمارة اليمني في شاور مدائح منها قوله (١):
стр. 3735
ضَجِرَ الحَدِيدُ مِنَ الحَدِيدِ وَشَاوَرٌ … مِنْ نَصْرِ دِيْنِ مُحَمَّدِ لَمْ يَضْجَرِ
حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِه … حَنِثَتْ يَمِينِكَ يَا زَمَانُ فَكَفِّرِ
وحكى الفقيه عمارة: أنه لما تم الشاور الأمر، وانقرضت دولة بني رزيك، جلس شاور، وحوله جماعة من أصحاب رزيك، ممن له عليهم إحسان وإنعام، فوقعوا في بني رزيك تقربًا إلى قلب شاور، وكان الصالح بن رزيك وابنه العادل قد أحسنا إلى عمارة عند دخوله إلى الديار المصرية فأنشده: [من البسيط]
صَحَّتْ بِدَوْلَتِكَ الأَيَّامُ مِنْ سَقَمِ … وَزَالَ مَا يَشْتَكِيْهِ الدَّهْرُ مِنْ أَلَمِ
زالَتْ لَيَالِي بَنِي رِزْيْكَ وَانْقَرَضَتْ … وَالحَمْدُ وَالذَّمُّ فِيْهَا غَيْرَ مُنْصَرِمِ
كَأَنَّ صَالِحَهُمْ يَوْمًَا وَعَادِلَهُمْ … فِي صَدْرِ ذَا الدَّسْتِ لَمْ يَقْعُدْ وَلَمْ يَقُمَ
كُنَّا نظنُّ وَبَعْضُ الظَّنِّ مَأثَمَةٌ … بِأَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ غَيْرُ مُنْهَزِمِ
فَمُذْ وَقَعَتَ وُقُوْعَ النَّسْرِ جَاءَهُمُ … مَنْ كان مُجْتَمِعًا مِنْ ذَلِكَ الرَّحْمِ
وَمَا قَصَدْتُ بِتَعْظِيمِي عِدَاكَ سِوَى … تَعْظِيْم شَأنِيَ فاعذُرْنِي وَلا تَلُمَ
وَلَو شَكَرْتُ لَيَالِيْهِم مُحَافَظَةٌ … لِعَهْدِهَا لَمْ يَكُنْ بِالعُسْرِ مِنْ قِدَمَ
وَاللهُ يَأْمُرُ بالإِحْسَانِ عَارِفَةً … مِنْهُ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ فِي الكَلَمِ
قال: فشكرني شاور وولده على الوفاء لبني رزيك.
وأما الملك المنصور أبو الأشبال ضرغام بن سوار اللخمي، فإنَّه لما وصل شاور بالعساكر من الشام، خرج من القاهرة، وقتل في جمادى الآخرة، وقيل: في رجب سنة تسع وخمسين، وحرُّوا رأسه، وطافوا به على رمح وبقيت جثته هناك ثلاثة أيام يأكل منها الكلاب، ثم دفن عند بركة الفيل، وعمرت عليه قبة (١).
ومنهم:
[١٠١] أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان، أبو الحارث، الملك المنصور (٢)
أسد لا يقدم على لقائه، ولا يحذر إلا من عدم إبقائه. قاد الجيوش وساسها،
стр. 3736
ووطئ البلاد وداسها، حتى ولج من مصر عريشه، ودخل من دار الوزارة جيشه.
كان من الأمراء النورية، وأهل الآراء التورية، معروفًا بقوة الجلد، موصوفًا بالشجاعة التي هي من صفات الأسد، وكان متربًا من المال، موريًا نار راية في فحمة الليالي، … من الملك والعقار ما استقطع مواقع الأمطار، حتى ظَنَّ نور الدين أنه ربما ظلم، وحصل هذا بما صدع به زجاج الرعايا وثلم، فبنى دارًا ليجلس فيها بعض الأيام، ويحكى فيها شكايات الأنام، وسماها «دار العدل»، جعل من رسمها أن يكون فيها مجلسه مجلسًا عامًا لا يمنع عليه والج، ولا يعترض داخل، ولا خارج، وكان باطن قصده أن يتوصل إليه من له شكوى على أسد الدين. وهيهات أن يخلص من
стр. 3737
الأسد فريسه، ويخلد عليه خسيسه وفطن أسد الدين لمراده، وفهم قصده، فأصدر له قبل إيراده، وجمع وكلائه ونوابه، فأطلعهم على ما هجس في خاطره، ورأى من لوامع البرق النوري قبل مواطره، وقال: أقسم بالله لئن تركتموه يبلغ أم لا، ويقف له من يشكو إليه بسببنا مُحقًّا، أو مبطلًا، لأخذن ما فيه لئن تركتموه يبلغ، فلما تمت تلك الدار وجلس بها نور الدين لم يرفع إليه فيها بسبب أسد الدين قصة، ولا نفست له بالشكوى عليه غصة، فما زاد على أن قال: الحمد لله الذي جعل أهل دولتنا ينصفون من أنفسهم، ثم قام من بين جماعة، ولم يعد إلى مجلسهم.
ولما استضرب كلاب الفرنج على مصر وسائرهم الدنية، وزلزلوا صاحب القصر أركانه المبنية، أتى شاور إلى الأبواب النورية مستنجدًا، فأنجدهم بجيش قدم عليهم من شيركوه أسد الدين، فلما سكن بأهل قصر الزلزال، ودفع حكم النزال، غدر شاور وختر، وقطع مواد الجيش الأسدي، فعاد أسد الدين يرهق وجهه منه الغضب، وعاد أسر الفرنج موقع جمرهم، وكان قد فتر، فكر شاور راجعًا يستنجد نور الدين، فأنجده ببأس ذلك الأسد الضرغام، وأكرهه ليدرأ عن غيله بالإرغام، وأخرج معه كارهًا صلاح الدين أخاه لأمر أراد الله تمامه، وألقى إليه زمامه، فكان من أمر هذه الكرة ما كان، وقتل شاور وطُل دمه وهان، وخطب العاضد أسد الدين للوزارة، وقلّده طوقها، وحمله أَوْقَها، ثم لم تطل أيامه حتى دهمه ما كان يتوقعه من جماعة، وكان قد … والموت ساقيها الأسد القسورة والنقد، تقدم من حديثه نبذة في ترجمة شاور.
قال ابن شداد: كان أسد الدين كثير الأكل والمواظبة على تناول اللحوم الغليظة، متواترًا عليه التخم والخوانيق، وينجو منها بعد مقاساة شديدة عظيمة، فأخذه مرض شديد، واعتراه خانوق عظيم، فقتله يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة. ودفن بالقاهرة، ثم نقل إلى مدينة رسول الله ﷺ بعد مدة بوصية منه، ولم يخلف ولدًا سوى الملك القاهر ناصر الدين محمد.
ولما مات أسد الدين، أخذ نور الدين منهم حمص في رجب سنة أربع وستين، فلما ملك صلاح الدين الشام وأعطى حمص لناصر الدين المذكور، ولم يزل ملكها حتى توفي يوم عرفة في إحدى وثمانين وخمسمائة، ونقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها بدمشق بظاهر البلد، ودفنته عند أخيها شمس الدولة توران شاه بن أيوب.
وملك بعده ولد أسد الدين شيركوه، ومولده سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي في رجب سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكانت له أيضًا الرحبة، وتدمر، وماكسين من بلد الخابور.
وخلف جماعة من الأولاد فقام في الملك مقامه ولده الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم، ولم يزل حتى توفي في صفر سنة أربع وأربعين وستمائة بالنيرب من
стр. 3738
غوطة دمشق، ونقل إلى حمص.
وترتب مكانه ولده الأشرف مظفر الدين أبو الفتح موسى، مولده سنة سبع وعشرين وستمائة، ولما بشر به والده، قال للملك الأشرف: يا خوند قد زاد في مماليكك واحد، فقال له: سمه باسمي، فسماه الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى.
وكانت وفاة الأشرف هذا بحمص في صفر سنة اثنتين وستين.
وحج شيركوه سنة خمس وخمسين وستمائة من دمشق على طريق تيماء وخيبر.
وكانت ولاية أسد الدين للوزارة يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، وأقام بها شهرين وخمسة أيام - رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[١٠٢] الوزير صفي الدين بن شكر (١)
وزير يعد من العلماء، ويعيب أيامه امتداد الظلماء. أعرق في نسبه الفخار، وضايق السحاب حتى تمنى منه الفرار إلى سعيه في المهام، ورفعه عن المدام إلا أنه كان يحب التقدم عند الملوك، ولا يبالي بما يحتمل، ولا يعبأ بسحاب الدم، ولو احتفل، وكان أقوى من الصخرة الصماء لمسًا، وأشدّ من الحديدة الخشناء مسًا، ولي أولًا النظر وبصره مثل قلبه حديد، وبأسه مثل بؤسه شديد، وذلك على العهد الناصري الصلاحي، فكثر في تشكيه الإلحاح، ورأى انتكاسًا في زمن ذلك الصلاح، وكان الفاضل يمقته مقت المريض الدواء، وينعضه بعض الكلاب الماء، كان يقصد تقييد
стр. 3739
قلمه، وتقليل كلمه، والفاضل قد جمع تلك الدولة في يمينه، وقمع في تلك الفرق بتمكينه، وكان على هذا لا يقدر على هضمه، ولا يجد له، فقال مرة: وأما ابن شكر فهر الذي لا يشكر، وإذا ذكرت الأشياء فهو الشيء الذي لا يذكر.
وقال مرة أخرى، وقد بلغه أنه وزر، وكان خيرًا طائعًا إلا أنه أهمه، وحمل وما تحقق صحة وهمه، فقال: وأما ابن شكر قد قال أناس وزر، وقال أناس:
كلا لا وزر، انتهى كلامه.
قلت: كان ابن شكر من الفقهاء العلماء، اشتغل على مذهب مالك بن أنس ﵁ وتقدم فيه، وحضر الدروس، وناظر الفقهاء، وافتى.
ثم علق يخدم السلطان، وباشر أمور الدواوين، وكان يقول: إنه من قريش، وسمعت بقايا بنيه يقولون: إنهم من بني مخزوم، ورأيت بخط من يوثق به في علم النسب، أنهم من العرب، وليسوا من قريش، ولا يحضرني الآن إلى من نسبهم، ولا من أي الآخرين … . حسبهم.
وترقى في المباشرات، إلى أن ولي نظر الدواوين بمصر سنة السلطان صلاح الدين، وشرع في قطع الأرزاق، وأحداث المطالبة.
وكان الفاضل يتقصد عزله، ويصفه بالظلم والقوة، ولا يقدر؛ لأن الملك العادل كان ظهيرًا لابن شكر، … وكان كافيًا في عمله يسدّ الأعمال، ويثمر الأموال، وينهض بتكاليف الكلف، وأعباء المهمات، وكان السلطان منه كفايته، ويلبسه على علاته.
وكان سمحًا جوادًا، كريمًا صنف كتابًا في الفقه، وجعل لمن يحفظه مائة دينار، فعرضه عليه زيادة على مائتي نفر وأعطاه واجفل لهم، وبنى بالقاهرة المعزية مدرسة على المدرسة المالكية، وهي من مدارس مصر الجليلة المذكورة معنى وصورة.
وكان ممدحًا مجزلًا في جوائز الشعراء، وكان مغرمًا بالنساء والجواري، كثير النكاح، مجازفًا في إتيائهن قال به كثرة النظر في هذا العمى.
وولي الوزارة بعد العهد الصلاحي وعظم مكانه، وكان على هذا كله إذا سافر السلطان، وخرج معه يخرج ببغلة واحدة يجيب معه، وركب هو على جمال الثقل توطأ له على بعض الحمول، ليركب ولا يأخذ معه غلامًا، ولا طباخًا بل غلمان السلطان تخدمه، وتنصب له الخيمة، ويأتيه الطعام من مطبخ السلطان والشراب من سرنجاراته على كفايته، ولا يتجاوز قدر ما يحتاج إليه، يكتفي بالزبدية الواحدة، ولا يزيد عليها.
ولم يزل على عليائه وهبوب رياحه إلى أن كف بصره، وأخذ من سواد عينه جوهره.
وكان مع هذا يحضر عند السلطان، ويخرج ويباشر … الديوان عادة بالطريق التي يسلكها حتى يجلس بين يدي السلطان، ويده على كتابه ما يحتاج الوزير إلى كتابة مثله من الكلمات إلى أن نبه السلطان على تجلده حيًا لدوام الرئاسة، فأنكر السلطان
стр. 3740
هذا، وقال: لم أفقد شيئًا منه حال صحته، فقيل: لو اختبره السلطان، لظهر له هذا بالعيان، فقال: كيف؟، فقال: أن يقعد السلطان في موضع غير مقعوده الذي جرت عادته به، فجلس ثم طلبه فأتى على عادته، ثم جلس في مكانه الذي كان يجلس فيه بين يدي السلطان، فقال له السلطان ما أنا هناك قم إليّ، فقام لا يعرف كيف يمشي حتى أخذ بيده من حضر، ثم قال له السلطان: اكتب لي كذا وكذا، واقترح عليه، نسبًا مطولًا يكتبه، فلم يقدر فتحقق السلطان ما قيل له، فقال له: ما حملك على ما صابرت نفسك عليه؟، فقال: حبًّا لقرب السلطان، فقال له: هذا حاصل، وأبدأ بما فيه الراحة لك.
توفي ابن شكر … ودفن بقبة بناها جوار مدرسته.
ومنهم:
[١٠٣] شرف الدين الفائزي (١)
واسمه هبة الله بن صاعد وزير عنه تسل، إذا اعتنق الأسل، ودونه الملك الكندي المغترب، وصاحب الصمصامة عمرو بن معدي كرب، لو لاقى ابن الصمة، وذا الخمار لقتله ووهب الخمار أمه، وكان على هذه الشجاعة والسطا التي يأمر بها سباع الطير المجاعة لا تحصى فوائده، ولا تحصر في الكرم عوائده. ولا تطوى للقرى موائده، ولا تطفا به للقراع نار لابست مثلها، ولا يده.
كان خرق اليدين طرق الغمام، لو وطئ هام الفرقدين. اقتنى من الغلمان الأتراك ما أصبحوا أمراء، وامتطوا من السيوف الأتراك، وكان يغالي فيهم أثمانًا، ويبقى منهم أغصانًا تثمر أقمارًا، وتقل كثبانًا، وكان على هذا لا يبيت ضجيعه إلا العفاف، ولا رضيعه من عناقيد السوالف السلاف، وكان أعرابي الكرم في طعامه،
стр. 3741
زعيم بره وأنعامه، رحابه معمورة بالمنائح، مملؤة بالذبائح، كان كل أيامه منى، وكان كل أوقاته أوقات هنا، لا تزال لياليه شريفة، ويده للدماء مريقة، وساعاته رياضًا زواهر كأنها كلها شقيقة، وهو جد الصاحب تاج الدين بن هنا لأمه، وبه كان يفتخر من حديه، ويملأ إذا ذكر يديه، فقد كان واحدًا لا تخلف له مواعد، وكريمًا لا تزمجر له مواقد، وعليًا لا ينكر له. وجده كأبيه صاعد هذا إلى ستر يسبل على الجرائم، وسبع على الرعايا إشباع مثله منه على الكرائم، ولم يستطع مماثل أن أقله، ولا ولد الزمان بعده مثله.
قال ابن اليونيني (١): كان في صباه نصرانيًا، ويلقب بالأسعد، منسوب إلى الملك الفائز إبراهيم بن العادل، لأنه كان خدمه أولًا، ثم أسلم وترقى، وكانت عنده رئاسة ومكارم، ونفسه تسمو إلى الرتب العالية، وخدم الكامل بعد موت الفائز، ثم خدم ابنه الصالح، وتنقلت به الأحوال حتى استوزره المعزّ بعد قاضي القضاة تاج الدين العلائي ابن بنت الأعزّ، ومكن عنده حتى مكن في خواص الأمور، وتقدم على الجيش في الحرب.
قلت: كان الركن الصرمي عند اختلال الدولة، وانحلال الصولة قد خرج بالصعيد واستمال أكثر سكانه، وسائر عربانه، وتلقب بالمنصور، ودام بالملك، ورمى فما أخطأ الهلك، فخرج إليه الفائزي في الطائفة من العسكر، وقدم قدامه مملوكه شهاب الدين جلدك إلى الشريف بعلب كسر وله نوافر العربان، وتمهد لمقدمه فأنجح سعي جلدك، ومهد له المسلك، فقال السراج الوراق في ذلك: [من لخفيف]
نَجَحَتْ إِذْ بَعَثْتَ تِلْكَ الرِّسَالَة … وَعَلَى نُجْحِهَا أَقَمْتَ الدَّلالَة
ضلَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنُ بِهَا وَكَفَى الله … بِها مَنْ هَدَيْتَ شَرَّ الضَّلالَة
فَسَلَلْتَ الأَضْغَانَ مِنْ كُلِّ صَدْرٍ … فِيْهِ نَفْسٌ مُحْتَالَةٌ مُغْتَالَة
رَدَّدَ الجَهْل مَا اسْتَعَارَ وَمَا … أَمْهَلَهُ الدَّهْرُ أَنْ يُطِيْلَ مِطَالَة
كُلَّمَا اخْتَال في حِبَالِةِ كَيْدٍ … لِسِوَاهُ صَادَتْهُ تِلْكَ الحِبَالَة
إِنَّ مَنْ عانه السَّعَادَة مَا أَظْهَرَ … إِلا جُنُونَهُ واخْتِلالَة
الوَزِيْرُ ابنُ صَاعِدٍ صَانَهُ اللهُ … سُعُودًا أَجْرَتْ على النَّصْرِ فَالَه
وَنَجَاحٌ يَلُوْحُ فِي كُلِّ أَمْرٍ … وَفَلا يَبِينُ في كُلِّ حَالَهُ
وَلَقَدْ أَنْذَرَ العِدَا بِشِهَابٍ … يَتَلَظَّى شَجَاعَةً وَبَسَالَة
قلتُ لمَّا اقْتَفَى إلى المَجْدِ … مَسْعَاهُ أَجَلْ مَا وَرِثَتْهَا عَنْ كَلَالَهُ
стр. 3742
ثم أتى الصاحب في جيش يضيق به الفضاء، ويحين به القضاء، فما لبث … ملك أن انصرم، وترك ولده وانهزم، فقال السراج الوراق: [من الخفيف]
صَحِبَتْ عَزْمَةُ الوَزِيرِ النَّجَاحَا … وأرسا صُبْحُ الفَلَاحِ فَلاحَا
واخْتَلَيْنَا وَجْهًا يجَلِّلهُ السِّرُّ … نَعِمْنا بِما سَقَاهُ صَلاحًا
وَاجْتَنَيْنَا ثِمَارَ مَا َغارَسَ النَّصْرُ … وَلَيْسَ الغُصُونُ إِلَّا الرِّمَاحَا
إِنَّ لِلْعَزْمِ مَوْقِعًَا مِنْ نُفُوسٍ … لَمْ يَجِدْ فِي رُكُوبِ هَوْلٍ جُنَاحَا
حصد الله شأفة الفَسَادِ … سَاقَهَا للمُسْلِمِينَ سَلَاحًا
ورمى عصبة النِّفاقُ بِسَهُم … لَمْ يَزَلْ سَهْمُهُ المُعَلَّى قِدَاحَا
بالذي حد يتعب النَّفْسُ حتى … سكَن المَجْدُ وَادِعًا واسْتَرَاحَا
صرت والنصر عاقد اللواء … مدنس السماء منه جناحا
ستر الشمس من عجاج بليل … ما أرانا إلا الصفاح صباحا
واستعاد الحسين ملا … السطين رحالًا وَنَجْدَةً وَسَمَاحَا
فكأنَّ البِطَاحَ سَالَتْ بُحُورًا … وكأنَّ البُحُورَ سَالَتْ بِطَاحَا
رَكِبُوهَا جُرْدًَا وملكًا سارت … فاسْتَطَارَتْ بَوَارِقًَا وَرِمَاحَا
وَيْلَ شَانِيْكَ لا أَقَلَّتْهُ أَرْضُ … كَيْفَ قَدْ رَامَ لِلسَّمَاءِ نِطَاحًا
وَيْحَ مَنْ أَعْلَنَ النباحَ فَلَمَّا … زَارَ اللَّيْثُ بَاتَ يُخْفِي النُّبَاحَا
وَلَئِنْ فَارَقَ ابْنَهُ فَمِنَ الأحسام … دَعَا مَا فَارَقَ الْأَرْوَاحَا
وَيَمِيْنَا لَوْ اسْتَماحَكَ صَفْحًَا … لَتَدَارَكْتَ بالغُمُودِ الصَّفَاحَا
أبَدًا يا بنَ صَاعِدٍ جَدُّكَ … الصَّاعِدُ فَاصْحَبْ فِي كُلِّ أَمْرٍ نَجَاحَا
علا فطال دله لا أَرَاهَا الله … من ريك السَّعِيدِ امتِرَاحَا
سُقْتَهَا نَحو غَنَائِمِ مِنْ خَيْلٍ وَمَالٍ … سَدَّ الفَيافي الفياحا
وأنشد أيضًا قوله فيه يرثيه (١): [من الخفيف]
عيل صبري وعزَّ عندي عَزَائِي … بَعْدَ فَقْدِي لِسَيِّدِ الوزراء
شرف الدين والذي شرف الد … ين بِفَضْلٍ وَعِفَّةٍ وَغِنَاءِ
والوزير الذي أقام منار الـ … ـعَدْلُ في حَالِ شَدَّةٍ وَرَخَاءِ
جهل العلم بعده واستخف الحـ … ... ـلم يَا حِسْرَةَ العُلَماء
كان الله فيه سر خفي … دَقَّ مَغْنَى عَنْ فِطْنَةِ الأَذْكِيَاء
стр. 3743
قلت لمن سرّه مصابك يومًا … قد كَفِى مَا جَرَى عَلَى الخلفاء
قال ابن اليونيني (١): وكان المعز يكتب إليه بالمملوك، وكان في الفائزي كرم طباع، وأريحية وحسن نظر في حق من يصحبه، وينتمي إليه، ولم تزل منزلته عند الملك المعز في تزايد إلى أن قتل، وتملك ولده، فباشر وزارته، وهو مضطرب فتخيل توقع النكبة، فقبض عليه سيف الدين قطز وكان مدبر دولة المنصور بن المعز، وأخذ خطه بمائة ألف دينار لنفسه، وبقي معتقلًا، وكان يتهم بالأموال الكثيرة.
وحكي عن البرهان السخاوي، أنه قال: دخلت إليه في محبسه، فسألني أن أتحدث في إطلاقه على أن يحمل في كل صباح ألف دينار، فقلت له: كيف تقدر على هذا؟ فقال: أقدر عليه إلى تمام سنة، وإلى سنة يفرج الله، فلم يتلفت المعز إلى ذلك، بل عجلوا هلاكه فخنق وحمل إلى القرافة، ودفن بها.
وذكر ابن اليونيني (٢): أن بطريق مصاهرة فخر الدين بن حنا له لتزويجه ابنته، ترقى أبوه الصاحب بهاء الدين إلى الوزارة.
قال: ونالت ابنة الفائزي من السعادة في الأيام ما لا يوصف وتوفيت، وكانت كثيرة البر والمعروف، مفرطة في السمن.
قال: وقد آل الحال بابن الفائزي لما أن رغب أن يخدم في بعض الفروع بالإسكندرية، وأنشد لبعض الشعراء يهجوه (٣): [من الرمل]
خَلَّفَ الأَسْعَدُ مَا جَازَ وَقَدْ … شَهِدَتْ أَفعَالُهُ المُشْتَبِهَهُ
بَعْدَهُ ستين نقدًا عَدَدًا … عَنْ سبات الرشى مُنَزَّهَةً
فَالبِغَالُ الشَّهْبُ مِنْ أَيْنَ لَه … والجَوَارِي التَّرْكُ مِنْ أَي جِهَهُ
وأنشد الخطيب بن المنير فيه مدحًا (٤): [من الطويل]
ألا أيُّهَا البَدْرُ المُنِيرُ وَإِنَّنِي … لأَخْجَلُ إِنْ شَبَّهْتُ وَجْهَكَ بِالبَدْرِ
لَئِنْ غِبْتَ عَنْ عَيْنِي وَشَطَّتْ بِهَا النَّوَى … لَمَا زِلْتُ اسْتَحلِيْكَ بالوَهْمِ فِي فِكْرِي
وَحَقِّ زَمَانٍ مَرَّ لِي بِطُوَيْلِعِ … وَأَنْتَ مَعِي ما سر من بعدكم سري
وأنشد أيضًا قوله فيه يرثيه (٥): [من الخفيف]
عِيْلَ صَبْرِي وَعَزَّ عِنْدِي عَزَائِي … بَعْدَ فَقْدِي لِسَيِّدِ الوِزَرَاءِ
شَرَفَ الدِّينِ وَالَّذِي شَرف الد … ين بِفَضْلٍ وَعِفَّةٍ ونقاء
стр. 3744
وَالوَزِيْرِ الَّذِي أَقَامَ مَنَارَ الـ … عَدْلِ في حَالِ شدّة وَرَخَاءِ
جَهلَ العِلْمَ بَعْدَهُ واسْتَخَفَ الـ … ـحلْمَ يَا طُوْلَ حَسْرَةِ العُلَمَاءِ
كَانَ فِيهِ الله سر خفي … دق معنى عن فِطْنَةِ الأذْكِيَاءِ
قُلْ لِمَنْ سرّه مصابكَ يَوْمًا … قَدْ كَفَى مَا جَرَى عَلَى الخُلَفَاءِ
يَا قَرِيبًَا دُونَ الأقارِبِ مِنِّي … وَوَلِيّ من سَائِرِ الأَوْلِيَاءِ
خُدْ عَرُوسَ الرَّاءِ مِنِّي تَحَلَّى … في ثِيابِ مِنْ صَفْوَتِي وَوَلائِي
قلت: ولم يَلِ الوزارة بمصر - بعد شاور إلى زمانه - مثله، وكان واسع النعمة، عريض الجاه، كثير السعادة في كل الأمور، لا يحسب فيما يتوجه إليه، وكان له العدد الكثير من المماليك الكفاة الأعيان، وتأمر منهم جماعة، منهم الحاج طيبرس، وطجنكي، وجلدك، وبيليك، وسائر المسيمين بالوزيرية وبالفائزة.
وحكي أنه لم يبع مملوكًا في مدة عمره إلا مملوكًا واحدًا طلب منه البيع مرة على مرة، وكان قد اشتراه وهو على حد البلوغ بثلاثمائة دينار، وبقي عنده إلى أن خط عارضه، فلما طلب البيع، شاوره عليه الدلال على مائة دينار، فقال له: ويحك أنا اشتريته وهو صبي ما ينفع بثلاثمائة دينار، وربيته حتى كبر، وجاء نفعه، ما يجيب إلا مائة دينار، فقال له الدلال: يا مولاي وأي عيب له أكثر من الكبر؟ فقال له: ولم؟ قال: لأنه كان يطلب، وهو أمرد لذلك العمل، وبقي الآن كل ما له في نقص، فقال: أو يفعل هذا؟
قال: نعم، فقال: هو حر لوجه الله. لا كنت والله سببًا في ذلك ببيع، ولا غيره.
وكان محبًا للعلماء، موقرًا للصلحاء، مقبلًا على الشعراء، مجزلًا للجوائز.
وللسراج الوراق فيه غر القصائد، ومن شعره فيه قوله حين ولي الوزارة: [من الكامل]
وَاللهُ وَطَّدَ لابْنِ صَاعِدَ رُتْبَة … مَدَّتْ لَهُ فَوقَ السُّها أطْنَابَا
شَرُفَتْ نَوَاحِي المُلْكِ بالشَّرفِ الَّذِي … سَحَتْ نَدَاهُ عَلَى البِلادِ سَحَابًا
أقْسَمْتُ لَو نَادَى الزَّمَانَ لأمْرِهِ … لَبَّى عَلَى صَمْتِ بِهِ وأَجَابًا
بَذَلَ الصَّنائِعِ وَالمَوَاهِبَ لِلوَرَى … أفْدِيْهِ مُصْطَنِعًَا لَهَا وَهَّابًا
مُتَهَلِّلٌ بِشَرًَا وجُودُ يَمِينِهِ … مُتَهَلِّلٌ مِثْلَ السَّحَابِ رِعْابَا
مَا شَيَّدَ الوُزَرَاء دُونَكَ مِدْحَةً … أَجْرَتْ قَوَافِيْهَا إِلَيْكَ عِذَابًا
خَطَبَتْكَ حِيْنَ رَأتْكَ كُفًْا للعُلا … فَسَعَتْ إليكَ وَرَدَّتِ الخُطَّابا
وكذلك قوله فيه، ويذكر الصلح بين الملك الناصر صاحب الشام والملك المعز صاحب مصر، وكان هو المسبب له والمسيء لعقده: [من الكامل]
يُثْنِي عَلَيْكَ المُلْكُ وَالدُّوَلُ … وَاللهُ وَالأمْلاكُ وَالرُّسُلُ
تُثني على إقْبَالَهَا هِمَمًَا … مَا لِلزَّمَانِ بِرَدِّهَا قِبَلُ
стр. 3745
وَعَزَائِمٌ لَكَ قَدْ بَلَغْنَ مَدًى … لَا البِيْضُ تَبْلِغُهَا وَلَا الأَسَلُ
وَوِزَارَةٌ بَلَّغْتَ مَالِكَهَا … مَا شَاء حَتَّى مَا لَهُ أَمَلُ
إِنَّ الَّذِي اسْتَرْعَاكَ دَوْلَتَهُ … لَعَلَيْكَ بَعْدَ الله يَتَّكِلُ
هَيَ دَوْلَةٌ بَلَغَ ابْنُ صَاعِدِهَا … عَلْيَاءَ عَنْهَ النَّجْمُ يَسْتَفِلُ
وأما ودان البَيْنِ قَدْ سَلِمَتْ … للحُسْنِ، رأيك الحج الأمَلُ
فَاليَوْمِ مِصْرُ مَوَدَّةٍ حَلَبٌ … وَالمُسْلِمُونَ بِحُبِّه رَحَلُ
وَاليَومَ قَرَّتْ في الجفونِ ظُبًَا … يَا طَالَمَا سَحَتْ بِهَا المُقَلُ
حفيت دِمَاءُ المُسْلِمِيْنَ فَمَا … يَبْدُو علَى خَدِّ الثَّرَى خَجَلُ
ومنهم:
[١٠٤] ابن الزبير، يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد الوزير، أبو يوسف (١)
وزير لا يوازن في عظم الفضائل، ولا يوازى في كرم الفعائل. البحر ما ضمته يمينه، والبدر ما أضاء به جبينه، والأصل قرشي، والفضل كأنه ديباج موشى شد الأزر، وسدّ العظائم … لو قذفت به الكتائب، لفللها، أو السباسب، لسد ظلها. وكان سهلي الساحة، برمكي السماحة، لو بارى بقلمه السيوف، لقطعها، أو بعزمه الجبال، لصدعها، أو أعار الليالي سعادته، لما اسْتَسَرَّت أقمارها، أو وهب الأيام سعادته، لما تناهت أعمارها، ويرجع إلى نسب زبيري لو أنّه لزبر الحديد، لما لانت، أو لأضواء الشمس، لما هانت.
هذا كله إلى آداب كأنها من بقايا العقود، ولطائف كأنها شربت ندى ورد الخدود، وأشعار كأن لهوات العرب بها نطقت، أو الزُّهْر زُهر الكواكب منها تحيرت … مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، وقيل: غير لك.
وزر للملك المظفر قطز، ثم للملك الظاهر في أوائل دولته بمدة، ثم صرف بابن
стр. 3746
جني بهاء الدين، فلزم بيته إلى أن أدركته منيته في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وستمائة بالديار المصرية.
وكان إمامًا، عالمًا، فاضلًا، ممدحًا، كثير الرئاسة، وله نظم جيد، فمنه (١): [من المديد]
لأَمَنِي وَالعُذْرُ مُشْتَهِرُ … عَاذِلٌ مَا عِنْدَهُ خَبَرُ
رَشَا مَا قالَ وَاصِفُهُ … إِنَّهُ بِالوَصْفِ يَنْحَصِرُ
رَامَ غُصْنُ البَانِ قَامَتَهُ … فَانْتَنَى مِنْ ذَاكَ يَعْتَذِرُ
وَاسْتَعَارَ الظَبْي مُقْلَتَهُ … وَاكْتَسَى مِنْ بَعْدِهِ القَمَرُ
أسْمَرٌ سُمَّارُ عَاشِقِهِ … بَيْنَ أَخْبَارِ الوَرَى سَمَرُ
وَإِمَامُ في مُلاحَتِهِ … وَاثِقٌ بِالحُسْنِ مُقْتَدِرُ
أَمَرُوا قَلْبِي بِسَلْوَتِهِ … أَنَا عَاصِ لِلَّذِي أَمَرُوا
لَو بِقَلْبِي مِثْلُهُ عَشِقُوا … وَبِعَيْنِي حُسْنَهُ نَظَرُوا
لرأوا غيي به رَشَدًَا … وَلَكَانُوا في الهَوَى عَذَرُوا
وقوله: [من الطويل]
مَرَرْتُ بِقَبْرِ الشَّافِعِيّ أَزُوْرُهُ … فَعَارَضَنَا فُلْكَ وَمَا عِنْدَهُ بَحْرُ
فَقُلْتُ: تَعَالَي إِنَّ تِلْكَ إِشَارَةٌ … تُشِيرُ بأنَّ البَحْرَ قَدْ ضَمَّهُ قَبْرُ
وقوله: [من الخفيف]
جَعَلُوْهُ كَمَا يَشَاءُ مُعِيدًا … فَاكْتَسَى بالجُنُونِ ثَوْبًَا جَدِيدَا
لَيْتَ شِعْرِي وَللزَّمانِ عُيُونٌ … أَيُّ شَيْءٍ أَبْدَاهُ حَتَّى نُعِيدًا
وقوله: [من الكامل]
أتُرَاكَ مهما سلوا فِي الهَوَى … لَا وَالَّذِي جَعَلَ السَّقَامَ ضَجِيْعِي
وَالعَادِيَات فَأَنَّهُنَّ مَدَامِعِي … وَالمُوْرِيَاتِ فَأَنَّهُنَّ ضُلُوْعِي
لَا كَانَ تَفْرِيطُ المَحَبَّةِ وَالهَوَى … مِنِّي بِمَرْأَى لَا وَلَا مَسْمُوعُ
وإِذَا رَوَوا عَنِّي أَحَادِيثَ العُلا … فَحَدِيثُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَوْضُوعُ
ومن نثره قوله:
«وصل ما جهزه من الأقلام، وبعثه من تلك الرماح تحمل الأعلام، وجهزه من تلك العوال والغَوَال، وأسنده من تلك الإسل الطوال، وأرسله من ذلك الغاب الذي ما سمح به إلا ليث جاد بسكنه وأنف السواد فسمح بوطنه».
стр. 3747
وقال:
«شكرا لتلك السيول التي أنبتت هذا القصب، ولتلك السماء التي بوأت مطالع الشهب، ومرحبا بتلك الهدية التي ما احتفل بها إلا معين بالأدب، فبعث ينابيع الحكمة، ومد معين السحب، وقيل إن قبل واردها أعد لها من ظفر ظفر من أرسلها ماضيات الأسنة، وعقد لها أعلاما على ما أسدى من منة، وحمل بها على جيوش الأعداء فهزمها، واعتقلا منها ردينيات ثقبت درر الكواكب، وأحوت من الهلال لهزمها».
وكان ممدحا، وفيه يقول السراج الوراق: [من الكامل]
أَهْلًا بِطَيْفِكَ يَا إِمَامُ رَسُوْلا … مَا كُنْتُ لَوْلَاهُ لأبْلُغَ سُوْلًا
أَنَّى وَصِبْعُ اللَّيْلِ حَانَ نُصُولُهُ … والجَوُّ يَشْهَرُ لِلصَّبَاحِ نُصُولًا
وَأَلَمَّ والجَوْزَاءُ عَقْدُ نَطَاقِهَا … قَدْ رَاحَ مِنْ سِلْكِ الدُّجَى مَحْلُولًا
أَنَّى اهْتَدَى ضَيْفُ الخَيَالِ لِمُدْنَفٍ … غَادَرْتَهُ مِثْلَ الخِلالِ نُحُولًا
وَلَقَدْ يَزِيدُنِي المُلَامُ صَبَابَةً … وَيَزِيدُنِي بَرْدُ الزَّمَانِ غَلِيلًا
وَكَذَا يُلَامُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى النَّدَى … فَتَرَاهُ أَكْرَمَ مَا يُرَى مَعْدُولًا
وَلَقَدْ يَجُودُ وَمَا سَأَلْتَ نَوَالَهُ … عَفْوًَا فَكَيْفَ بِجُوْدِه مَسْؤُولا
صَلْتُ الجَبِيْنِ يَلُوْحُ مِنْ قَسَمَاتِهِ … بِشْرٌ يَقُومُ على السَّمَاحِ دَلِيلا
أمُؤَمِّلًا يَعْقُوبَ دُوْنَكَ جَاحِدًَا … أَدْنَى نَدَاهُ تَجَاوَزَ التَّامِيلا
وَالَى ابنِ أَسْمَاءَ ارْتَمَتْ فِي هِمَّةٍ … طَالَتْ بِهِ أَسْمَى الكَوَاكِبِ طُولا
نَزَلَتْ بِمَرْبَعِهِ الَّذِي مِنْ دَابِهِ … أن لا يُضَيَّعَ مَنْ أَتَاهُ نَزِيْلا
وَقَالَ أَيْضًا يَمْدَحُه: [مِنَ الطَّوِيْلِ]
رَنَا فَرَمَى بِاللَّحْظِ أَوَّلَ نَظْرَةٍ … يُصَابُ بِهَا مِنْ كُلِّ صَبٌ مَقَاتِلُهْ
وَهَزَّ لَنَا مِنْ مِعْطَفَيْهِ مُثَقَّفًَا … يَجُورُ عَلَيْنَا نَاظِرَاهُ وَعَامِلُهْ
لَقَدْ طَلَعَتْ قَدْ أَشْرَقَتْ تَحْتَ طُرَّةٍ … سعد بها ألبسه مِمَّا أُحاوَلُه
كَأَنَّ بِجُنْحِ اللَّيْلِ قِنْدِيْلَ رَاهِبٍ … يُضِيءُ وَصُدْغَاهُ عَلَيْهِ سَلاسِلُهُ
وَلَيْل لَو أَنَّ البَدْرَ سَارَ لِجوه … يشكل فيه البَدْرُ أَيْنَ مَنَازِلَة
وَخِلْتُ الثَّرَيَّا كَفَّ سَمْح بِشَرْطَهِ … بِما رَامَهُ رَاجِيْهِ مِنْهَا وَسَائِلَهُ
وَمَا هُوَ إِلا ابْنُ الزُّبَيْرِ الَّذِي هَمَتْ … بِجُوْدٍ عَلَى بِجُودٍ عَلَى كُلِّ الأَنَامِ أَنَامِلَة
إذا اسْتَسْقَتِ الأَمَالُ غُرَّ سَحَابِهَا … تَدَفَّقَ طلُّ الغَيْثِ مِنْهَا وَوَابِلُه
وَلَو قَصَّرَتْ جُوْدًَا لَقِسْنَا بِهَا الحَيَا … وَأَنَّى وَفَيْضُ البَحْرِ لَيْسَ يُسَاجِلُهْ
لَهُ مَنْطِقٌ سَهْلٌ عَلَيْهِ كَأَنَّمَا … بَدِيهَتُهُ جَدْوَى يَدَيْهِ وَنَائِلُهْ
فَتًى كَثُرَتْ في الحَيّ آثَارُهُ الَّتِي … يدلُّ عَلَيْهَا حَيْثُ كَانَتْ مَنَازِلُهْ
فَحُمْرُ مَوَاضِيْهِ وَزُرْقٌ حمامة … وَخُضْرٌ نَوَاحِيْهِ وَبِيْضٌ خَصَائِلُه
مِنْ القَوْم لَا تُعْزَى أواخِرُ سُؤْدَدٍ … إلى أحَدٍ إِلَّا وَفِيهِمْ أَوَائِلُهْ
وكان السراج الوراق قد سافر مع ابن الموصلي إلى دمشق، فلما رأى
стр. 3748
ركابه المعرب، وصد حياله المقرب يذكر مصر وأيامه بها، وابن الزبير يغشاه بديمه السواكب، ويحل في حرمه حيث تزاحم الثريا المناكب فكتب إليه: [من الرمل]
لَمْ أَسِرُ أَسْتَنْجِعُ الغَيْثَ الشَّامِي … وَنَدَى الصَّاحِبِ مُنْهَلُّ الغَمَامِ
إنَّما صِرْتُ لعبدي عوده له … فوق منه مِنْ عَيْنِ الأَنَامِ
وَارْتِحَالِي لَيَرَى مَنْ لا أَرَى … مَا تَقَلَّدْتُ مِنَ الأَيْدِي الْحِسَامُ
سائِرًا حَذْوَ … وما مداحي … إذا جمع السير رما باللجام
… سا صاحبي عرفة … شَقَّ عِنْدَ الدَّهْرِ أَطْوَاقُ الكِمَام
سأباهي جَوْنَةَ الشَّرْقِ بِمَنْ … وَجْهُهُ مَاجَ لِظُلْمٍ وَظَلام
وَأَجَارِي كُلَّ بَحْرِ بِنَدَى … كَمْ شَفَى غُلَّةَ ظَامٍ مِنْهُ ظَامِي
وَأَزِيدُ الوَفْدَ شَوْقًَا لِفَتَى … عِرْضَهُ فِي دَامَ فِي ذِمَامٍ
الوَزِيْرِ المُجْتَبَى مِنْ حَسَبِ … يَتَهَادَى مِنْ كِرَامِ لِكِرَامَ
أَشْبَهَتْ أشْبَالُهُمْ آسَادَهُمْ … فَوَقَارُ الشَّيْخ منهم في الغُلام
أسَدِيُّوْنَ لِكُلِّ أَجُمٌ … من قنا الخط وَظُفْرٌ مِنْ حُسَامِ
يَا بَنِي أسْمَاءَ مَا أَجْدَرَكُمْ … بِمَحَلِّ مِنْ رَسُولِ اللهِ سَامِي
أسَّسَ الصَّاحِبُ ذِكْرًَا لَكُمْ … لَّمْ يَزَلْ حَيَّا وَأَنْتُمْ فِي الرِّحَامِ
وفيه يقول: [من الكامل]
يَا بْنَ الَّذِينَ أَكُفُهُمْ وَسُيُوْفُهُمْ … تُجْرِي المَوَاهِبَ وَالدَّمَ المَسْفُوكَا
وابْنَ الأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمُ … عَرَفَ الوَرَى المَأخُوْذُ وَالمَتْرُوكَا
وَابْنَ الأسِرَّةِ وَالمَنَابِرِ مُهْدَتْ … لِخَلائِفٍ سَلَكُوا الصِّرَاطَ سُلُوْنَا
الجَاعِلِينَ قُلُوبَهُمْ مَا حَدبوا … أَدْرَاعُهُمْ والمُرْهَفَاتِ تَرِيْكَا
لَوْ لَمْ … بِقَدِمِهِمْ وَحَدِيْثِهِمْ … فِي الفَخْرِ إِلَّا أَنَّهُمْ وَلَدُوكَا
ومنهم:
[١٠٥] الصاحب بهاء الدين علي بن محمد سليم عرف بابن حنّا، أبو الحسن (١)
رجل كان صديقه غير آمن، ورفيقه يتوقع مساورة أرقه الكامن، لا تعجل معه الشارب، ولا يأمن المتسلل زُبانى عقربه الضارب، دخل مع الملك الظاهر بيبرس
стр. 3749
مداخل لا تتخللها ولا تتجللها الظلماء، وجرى منه مجرى الدم من العروق، ووافق منه موافقة القطيعة للعقوق، وكان لا يقبل فيه لومة لائم، ولا يسمع فيه إيماضة سائم، ومكنه تمكين الظالم للظالم، وطول له حتى استمرأ له جلب البلاد بالمظالم.
وكان هذا الوزير يحب الصالحين وليس منهم، ويتقرب إليهم، وهو ناحية منهم، يعمل هذا إقامة الناموسه، وطريقًا إلى ما يحل بالناس من بؤسه. وكان إذا رأى فقيرًا أنزله إليه، وترامى على قدميه، ويتعهد فقهاء المدارس، ويباكر إلى زيارة القبور الدوارس، ويظهر التعلل من متاع الدنيا القليل، ويصوم الدهر ويقوم ليله الممتد، ويكابد نهاره الطويل، وله صدقة تفرّق، ورقة قلب تظهر، ولا يتحقق هذا على أنه فرعون زمانه، ونمرود أيامه وضحاكي دهره أيامه أكثر وضرًا من ابن الزيات، وأعظم عملًا من ابن العلقمي على السيئات، بقلب أقسى من الحجر، وبأس أشد من كل من فجر، واستمر أيام السعيد على فسيح هذا السلوك، لا يعطيه تقدم قرينه، ولا يضعفه ذهاب معينه، إلى أن أتاه آتيه وما أعجله، وجاءه الأجل، ويا ليته لا كان أجله.
قال ابن اليونيني (١): كان من رجال الدهر حزمًا، وعزمًا، ورأيًا، وتدبيرًا. انتقلت به الأحوال، وتنقلت به المناصب الجليلة، وظهرت كفايته ودرايته وحسن تأتيه، فاستوزره الملك الظاهر في أوائل دولته، وفوض إليه أمور مملكته مما يتعلق بالأموال والولايات والعزل، لا يعارض في ذلك، ولا يشارك، بل هو المستقل بأعباء ذلك، والمحيا إليه فيؤه، ولم يزل مستمرًا على ذلك إلى حين وفاة الملك الظاهر، فدبر الأمور
стр. 3750
أحسن تدبير، وساس الأحوال في سائر المملكة. وأخمل خلقًا كثيرًا ممن ناوأه. وكان عنده حسن ظن بالفقراء والمشايخ يحسن إليهم، ويقضي حوائجهم، ويبالغ في إكرامهم، فكان أرباب الحوائج يتوسلون بهم إليه فلا يردّ لهم شفاعة.
قال (١)، وحكي: أن بعض الصلحاء المتورعين قدم القاهرة في آخر شعبان، فكلف الاجتماع به بسبب شخص مصادر، فاجتمع به، وحدّثه في ذلك، فأجابه، ثم قال له: هذا شهر رمضان قد أقبل، وأشتهي أن تصومه، وتفطر عندي، وأقضي لك في كل ليلة عشر حوائج كائنة ما كانت. فنظر ذلك الرجل إلى ما يترتب على إجابته من المصالح، فصام شهر رمضان، وأفطر عنده، فوفى له بوعده وكان كل ليلة يقضي له عشر حوائج من إطلاق محبوس، وولاية بطال، ومسامحة من عليه مال وهو عاجز عنه، إلى غير ذلك.
واستمر به السعيد بعد وفاة أبيه الظاهر، وزاد في إكرامه ولم تزل حرمته تامة، ومكانته عالية، وكلمته نافذة، وأوامره مطاعة إلى حين وفاته.
وله بر أوقاف كثيرة منها مدرسة بزقاق القناديل بمصر، وكان يتصدق بالجمل الكثيرة سرًا وجهرًا، وله متاجر كثيرة، وابتلي بفقد ولديه، الصاحب فخر الدين والصاحب محيي الدين.
مولده بمصر سنة ثلاث وستمائة، وتوفي بها آخر يوم الخميس سلخ ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة، وصلّي عليه بكرة الجمعة، ودفن بالقرافة الصغرى بتربته، ومات وهو جد جد، وكان ممدحًا، والشعراء تتقرب إليه بمدحه بالدين والورع.
ومما يحضرني فيه قول السراج الوراق يهنيه بعيد الفطر: [من الوافر]
إِذَا هَنَّاكَ بِالأَعْيَادِ يَوْمٌ … فللأعيادِ تَمَّ بِكَ الهَنَاءُ
مَضَى شَهْرُ الصِّيَامِ عَلَيْكَ يُثْنَيْ … وَخَيْرُ ذَخَائِرِ المرء الثنَاءُ
جَبَرْتَ بِهِ الأَرَامِلَ وَاليَتَامَى … وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
فأَحْيَيْتَ اللَّيَالِي فِيْهِ حَتَّى … بَدَا فَيْ اللَّيْلِ مِنْ شَفَقٍ حَيَاءُ
وكذلك قوله فيه، وقد فتحت صفد من قصيدة: [من الخفيف]
أرْدِفِ الجَيْشَ مِنْكَ جَيْشَ الدُّعَاءِ … وَبِضَرْبِ الرَّايَاتِ بالآرَاءِ
وَتَجَافَتْ عَنِ المَضَاجِعِ جَنْبَا … كَ وَأَدْمَيْنَ قَرْعَ بَابِ السَّمَاءِ
أَيْنَ مَا مُبْلِغُ السَّمَاءِ نَهَارًَا … مِنْ سِهَام الدُّعَاءِ في الظَّلْمَاء
وَنَعَمْ تَفْعَلُ العَزَائِمُ مَالًا … تَفْعَلُ المُرْهَفَاتُ ذَاتِ المَضَاءِ