← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

جني بهاء الدين، فلزم بيته إلى أن أدركته منيته في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وستمائة بالديار المصرية. وكان إمامًا، عالمًا، فاضلًا، ممدحًا، كثير الرئاسة، وله نظم جيد، فمنه (١): [من المديد] لأَمَنِي وَالعُذْرُ مُشْتَهِرُ … عَاذِلٌ مَا عِنْدَهُ خَبَرُ رَشَا مَا قالَ وَاصِفُهُ … إِنَّهُ بِالوَصْفِ يَنْحَصِرُ رَامَ غُصْنُ البَانِ قَامَتَهُ … فَانْتَنَى مِنْ ذَاكَ يَعْتَذِرُ وَاسْتَعَارَ الظَبْي مُقْلَتَهُ … وَاكْتَسَى مِنْ بَعْدِهِ القَمَرُ أسْمَرٌ سُمَّارُ عَاشِقِهِ … بَيْنَ أَخْبَارِ الوَرَى سَمَرُ وَإِمَامُ في مُلاحَتِهِ … وَاثِقٌ بِالحُسْنِ مُقْتَدِرُ أَمَرُوا قَلْبِي بِسَلْوَتِهِ … أَنَا عَاصِ لِلَّذِي أَمَرُوا لَو بِقَلْبِي مِثْلُهُ عَشِقُوا … وَبِعَيْنِي حُسْنَهُ نَظَرُوا لرأوا غيي به رَشَدًَا … وَلَكَانُوا في الهَوَى عَذَرُوا وقوله: [من الطويل] مَرَرْتُ بِقَبْرِ الشَّافِعِيّ أَزُوْرُهُ … فَعَارَضَنَا فُلْكَ وَمَا عِنْدَهُ بَحْرُ فَقُلْتُ: تَعَالَي إِنَّ تِلْكَ إِشَارَةٌ … تُشِيرُ بأنَّ البَحْرَ قَدْ ضَمَّهُ قَبْرُ وقوله: [من الخفيف] جَعَلُوْهُ كَمَا يَشَاءُ مُعِيدًا … فَاكْتَسَى بالجُنُونِ ثَوْبًَا جَدِيدَا لَيْتَ شِعْرِي وَللزَّمانِ عُيُونٌ … أَيُّ شَيْءٍ أَبْدَاهُ حَتَّى نُعِيدًا وقوله: [من الكامل] أتُرَاكَ مهما سلوا فِي الهَوَى … لَا وَالَّذِي جَعَلَ السَّقَامَ ضَجِيْعِي وَالعَادِيَات فَأَنَّهُنَّ مَدَامِعِي … وَالمُوْرِيَاتِ فَأَنَّهُنَّ ضُلُوْعِي لَا كَانَ تَفْرِيطُ المَحَبَّةِ وَالهَوَى … مِنِّي بِمَرْأَى لَا وَلَا مَسْمُوعُ وإِذَا رَوَوا عَنِّي أَحَادِيثَ العُلا … فَحَدِيثُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَوْضُوعُ ومن نثره قوله: «وصل ما جهزه من الأقلام، وبعثه من تلك الرماح تحمل الأعلام، وجهزه من تلك العوال والغَوَال، وأسنده من تلك الإسل الطوال، وأرسله من ذلك الغاب الذي ما سمح به إلا ليث جاد بسكنه وأنف السواد فسمح بوطنه».

стр. 3747

وقال: «شكرا لتلك السيول التي أنبتت هذا القصب، ولتلك السماء التي بوأت مطالع الشهب، ومرحبا بتلك الهدية التي ما احتفل بها إلا معين بالأدب، فبعث ينابيع الحكمة، ومد معين السحب، وقيل إن قبل واردها أعد لها من ظفر ظفر من أرسلها ماضيات الأسنة، وعقد لها أعلاما على ما أسدى من منة، وحمل بها على جيوش الأعداء فهزمها، واعتقلا منها ردينيات ثقبت درر الكواكب، وأحوت من الهلال لهزمها». وكان ممدحا، وفيه يقول السراج الوراق: [من الكامل] أَهْلًا بِطَيْفِكَ يَا إِمَامُ رَسُوْلا … مَا كُنْتُ لَوْلَاهُ لأبْلُغَ سُوْلًا أَنَّى وَصِبْعُ اللَّيْلِ حَانَ نُصُولُهُ … والجَوُّ يَشْهَرُ لِلصَّبَاحِ نُصُولًا وَأَلَمَّ والجَوْزَاءُ عَقْدُ نَطَاقِهَا … قَدْ رَاحَ مِنْ سِلْكِ الدُّجَى مَحْلُولًا أَنَّى اهْتَدَى ضَيْفُ الخَيَالِ لِمُدْنَفٍ … غَادَرْتَهُ مِثْلَ الخِلالِ نُحُولًا وَلَقَدْ يَزِيدُنِي المُلَامُ صَبَابَةً … وَيَزِيدُنِي بَرْدُ الزَّمَانِ غَلِيلًا وَكَذَا يُلَامُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى النَّدَى … فَتَرَاهُ أَكْرَمَ مَا يُرَى مَعْدُولًا وَلَقَدْ يَجُودُ وَمَا سَأَلْتَ نَوَالَهُ … عَفْوًَا فَكَيْفَ بِجُوْدِه مَسْؤُولا صَلْتُ الجَبِيْنِ يَلُوْحُ مِنْ قَسَمَاتِهِ … بِشْرٌ يَقُومُ على السَّمَاحِ دَلِيلا أمُؤَمِّلًا يَعْقُوبَ دُوْنَكَ جَاحِدًَا … أَدْنَى نَدَاهُ تَجَاوَزَ التَّامِيلا وَالَى ابنِ أَسْمَاءَ ارْتَمَتْ فِي هِمَّةٍ … طَالَتْ بِهِ أَسْمَى الكَوَاكِبِ طُولا نَزَلَتْ بِمَرْبَعِهِ الَّذِي مِنْ دَابِهِ … أن لا يُضَيَّعَ مَنْ أَتَاهُ نَزِيْلا وَقَالَ أَيْضًا يَمْدَحُه: [مِنَ الطَّوِيْلِ] رَنَا فَرَمَى بِاللَّحْظِ أَوَّلَ نَظْرَةٍ … يُصَابُ بِهَا مِنْ كُلِّ صَبٌ مَقَاتِلُهْ وَهَزَّ لَنَا مِنْ مِعْطَفَيْهِ مُثَقَّفًَا … يَجُورُ عَلَيْنَا نَاظِرَاهُ وَعَامِلُهْ لَقَدْ طَلَعَتْ قَدْ أَشْرَقَتْ تَحْتَ طُرَّةٍ … سعد بها ألبسه مِمَّا أُحاوَلُه كَأَنَّ بِجُنْحِ اللَّيْلِ قِنْدِيْلَ رَاهِبٍ … يُضِيءُ وَصُدْغَاهُ عَلَيْهِ سَلاسِلُهُ وَلَيْل لَو أَنَّ البَدْرَ سَارَ لِجوه … يشكل فيه البَدْرُ أَيْنَ مَنَازِلَة وَخِلْتُ الثَّرَيَّا كَفَّ سَمْح بِشَرْطَهِ … بِما رَامَهُ رَاجِيْهِ مِنْهَا وَسَائِلَهُ وَمَا هُوَ إِلا ابْنُ الزُّبَيْرِ الَّذِي هَمَتْ … بِجُوْدٍ عَلَى بِجُودٍ عَلَى كُلِّ الأَنَامِ أَنَامِلَة إذا اسْتَسْقَتِ الأَمَالُ غُرَّ سَحَابِهَا … تَدَفَّقَ طلُّ الغَيْثِ مِنْهَا وَوَابِلُه وَلَو قَصَّرَتْ جُوْدًَا لَقِسْنَا بِهَا الحَيَا … وَأَنَّى وَفَيْضُ البَحْرِ لَيْسَ يُسَاجِلُهْ لَهُ مَنْطِقٌ سَهْلٌ عَلَيْهِ كَأَنَّمَا … بَدِيهَتُهُ جَدْوَى يَدَيْهِ وَنَائِلُهْ فَتًى كَثُرَتْ في الحَيّ آثَارُهُ الَّتِي … يدلُّ عَلَيْهَا حَيْثُ كَانَتْ مَنَازِلُهْ فَحُمْرُ مَوَاضِيْهِ وَزُرْقٌ حمامة … وَخُضْرٌ نَوَاحِيْهِ وَبِيْضٌ خَصَائِلُه مِنْ القَوْم لَا تُعْزَى أواخِرُ سُؤْدَدٍ … إلى أحَدٍ إِلَّا وَفِيهِمْ أَوَائِلُهْ وكان السراج الوراق قد سافر مع ابن الموصلي إلى دمشق، فلما رأى

стр. 3748

ركابه المعرب، وصد حياله المقرب يذكر مصر وأيامه بها، وابن الزبير يغشاه بديمه السواكب، ويحل في حرمه حيث تزاحم الثريا المناكب فكتب إليه: [من الرمل] لَمْ أَسِرُ أَسْتَنْجِعُ الغَيْثَ الشَّامِي … وَنَدَى الصَّاحِبِ مُنْهَلُّ الغَمَامِ إنَّما صِرْتُ لعبدي عوده له … فوق منه مِنْ عَيْنِ الأَنَامِ وَارْتِحَالِي لَيَرَى مَنْ لا أَرَى … مَا تَقَلَّدْتُ مِنَ الأَيْدِي الْحِسَامُ سائِرًا حَذْوَ … وما مداحي … إذا جمع السير رما باللجام … سا صاحبي عرفة … شَقَّ عِنْدَ الدَّهْرِ أَطْوَاقُ الكِمَام سأباهي جَوْنَةَ الشَّرْقِ بِمَنْ … وَجْهُهُ مَاجَ لِظُلْمٍ وَظَلام وَأَجَارِي كُلَّ بَحْرِ بِنَدَى … كَمْ شَفَى غُلَّةَ ظَامٍ مِنْهُ ظَامِي وَأَزِيدُ الوَفْدَ شَوْقًَا لِفَتَى … عِرْضَهُ فِي دَامَ فِي ذِمَامٍ الوَزِيْرِ المُجْتَبَى مِنْ حَسَبِ … يَتَهَادَى مِنْ كِرَامِ لِكِرَامَ أَشْبَهَتْ أشْبَالُهُمْ آسَادَهُمْ … فَوَقَارُ الشَّيْخ منهم في الغُلام أسَدِيُّوْنَ لِكُلِّ أَجُمٌ … من قنا الخط وَظُفْرٌ مِنْ حُسَامِ يَا بَنِي أسْمَاءَ مَا أَجْدَرَكُمْ … بِمَحَلِّ مِنْ رَسُولِ اللهِ سَامِي أسَّسَ الصَّاحِبُ ذِكْرًَا لَكُمْ … لَّمْ يَزَلْ حَيَّا وَأَنْتُمْ فِي الرِّحَامِ وفيه يقول: [من الكامل] يَا بْنَ الَّذِينَ أَكُفُهُمْ وَسُيُوْفُهُمْ … تُجْرِي المَوَاهِبَ وَالدَّمَ المَسْفُوكَا وابْنَ الأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمُ … عَرَفَ الوَرَى المَأخُوْذُ وَالمَتْرُوكَا وَابْنَ الأسِرَّةِ وَالمَنَابِرِ مُهْدَتْ … لِخَلائِفٍ سَلَكُوا الصِّرَاطَ سُلُوْنَا الجَاعِلِينَ قُلُوبَهُمْ مَا حَدبوا … أَدْرَاعُهُمْ والمُرْهَفَاتِ تَرِيْكَا لَوْ لَمْ … بِقَدِمِهِمْ وَحَدِيْثِهِمْ … فِي الفَخْرِ إِلَّا أَنَّهُمْ وَلَدُوكَا ومنهم: [١٠٥] الصاحب بهاء الدين علي بن محمد سليم عرف بابن حنّا، أبو الحسن (١) رجل كان صديقه غير آمن، ورفيقه يتوقع مساورة أرقه الكامن، لا تعجل معه الشارب، ولا يأمن المتسلل زُبانى عقربه الضارب، دخل مع الملك الظاهر بيبرس

стр. 3749

مداخل لا تتخللها ولا تتجللها الظلماء، وجرى منه مجرى الدم من العروق، ووافق منه موافقة القطيعة للعقوق، وكان لا يقبل فيه لومة لائم، ولا يسمع فيه إيماضة سائم، ومكنه تمكين الظالم للظالم، وطول له حتى استمرأ له جلب البلاد بالمظالم. وكان هذا الوزير يحب الصالحين وليس منهم، ويتقرب إليهم، وهو ناحية منهم، يعمل هذا إقامة الناموسه، وطريقًا إلى ما يحل بالناس من بؤسه. وكان إذا رأى فقيرًا أنزله إليه، وترامى على قدميه، ويتعهد فقهاء المدارس، ويباكر إلى زيارة القبور الدوارس، ويظهر التعلل من متاع الدنيا القليل، ويصوم الدهر ويقوم ليله الممتد، ويكابد نهاره الطويل، وله صدقة تفرّق، ورقة قلب تظهر، ولا يتحقق هذا على أنه فرعون زمانه، ونمرود أيامه وضحاكي دهره أيامه أكثر وضرًا من ابن الزيات، وأعظم عملًا من ابن العلقمي على السيئات، بقلب أقسى من الحجر، وبأس أشد من كل من فجر، واستمر أيام السعيد على فسيح هذا السلوك، لا يعطيه تقدم قرينه، ولا يضعفه ذهاب معينه، إلى أن أتاه آتيه وما أعجله، وجاءه الأجل، ويا ليته لا كان أجله. قال ابن اليونيني (١): كان من رجال الدهر حزمًا، وعزمًا، ورأيًا، وتدبيرًا. انتقلت به الأحوال، وتنقلت به المناصب الجليلة، وظهرت كفايته ودرايته وحسن تأتيه، فاستوزره الملك الظاهر في أوائل دولته، وفوض إليه أمور مملكته مما يتعلق بالأموال والولايات والعزل، لا يعارض في ذلك، ولا يشارك، بل هو المستقل بأعباء ذلك، والمحيا إليه فيؤه، ولم يزل مستمرًا على ذلك إلى حين وفاة الملك الظاهر، فدبر الأمور

стр. 3750

أحسن تدبير، وساس الأحوال في سائر المملكة. وأخمل خلقًا كثيرًا ممن ناوأه. وكان عنده حسن ظن بالفقراء والمشايخ يحسن إليهم، ويقضي حوائجهم، ويبالغ في إكرامهم، فكان أرباب الحوائج يتوسلون بهم إليه فلا يردّ لهم شفاعة. قال (١)، وحكي: أن بعض الصلحاء المتورعين قدم القاهرة في آخر شعبان، فكلف الاجتماع به بسبب شخص مصادر، فاجتمع به، وحدّثه في ذلك، فأجابه، ثم قال له: هذا شهر رمضان قد أقبل، وأشتهي أن تصومه، وتفطر عندي، وأقضي لك في كل ليلة عشر حوائج كائنة ما كانت. فنظر ذلك الرجل إلى ما يترتب على إجابته من المصالح، فصام شهر رمضان، وأفطر عنده، فوفى له بوعده وكان كل ليلة يقضي له عشر حوائج من إطلاق محبوس، وولاية بطال، ومسامحة من عليه مال وهو عاجز عنه، إلى غير ذلك. واستمر به السعيد بعد وفاة أبيه الظاهر، وزاد في إكرامه ولم تزل حرمته تامة، ومكانته عالية، وكلمته نافذة، وأوامره مطاعة إلى حين وفاته. وله بر أوقاف كثيرة منها مدرسة بزقاق القناديل بمصر، وكان يتصدق بالجمل الكثيرة سرًا وجهرًا، وله متاجر كثيرة، وابتلي بفقد ولديه، الصاحب فخر الدين والصاحب محيي الدين. مولده بمصر سنة ثلاث وستمائة، وتوفي بها آخر يوم الخميس سلخ ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة، وصلّي عليه بكرة الجمعة، ودفن بالقرافة الصغرى بتربته، ومات وهو جد جد، وكان ممدحًا، والشعراء تتقرب إليه بمدحه بالدين والورع. ومما يحضرني فيه قول السراج الوراق يهنيه بعيد الفطر: [من الوافر] إِذَا هَنَّاكَ بِالأَعْيَادِ يَوْمٌ … فللأعيادِ تَمَّ بِكَ الهَنَاءُ مَضَى شَهْرُ الصِّيَامِ عَلَيْكَ يُثْنَيْ … وَخَيْرُ ذَخَائِرِ المرء الثنَاءُ جَبَرْتَ بِهِ الأَرَامِلَ وَاليَتَامَى … وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ فأَحْيَيْتَ اللَّيَالِي فِيْهِ حَتَّى … بَدَا فَيْ اللَّيْلِ مِنْ شَفَقٍ حَيَاءُ وكذلك قوله فيه، وقد فتحت صفد من قصيدة: [من الخفيف] أرْدِفِ الجَيْشَ مِنْكَ جَيْشَ الدُّعَاءِ … وَبِضَرْبِ الرَّايَاتِ بالآرَاءِ وَتَجَافَتْ عَنِ المَضَاجِعِ جَنْبَا … كَ وَأَدْمَيْنَ قَرْعَ بَابِ السَّمَاءِ أَيْنَ مَا مُبْلِغُ السَّمَاءِ نَهَارًَا … مِنْ سِهَام الدُّعَاءِ في الظَّلْمَاء وَنَعَمْ تَفْعَلُ العَزَائِمُ مَالًا … تَفْعَلُ المُرْهَفَاتُ ذَاتِ المَضَاءِ

стр. 3751

وَكَذَا الملكُ وَالوَزِيْرُ إِذا مَا … أَنْجَدًا والمُلوك بالوُزَرَاءِ واتحاد قضى عَلَى عَابِدِي التَّثْـ … ـلِيْثِ وَيْلًا لَهُمْ بِشَرِّ القَضَاءِ أَسْلَمَتْهُمْ مُصَفِّدِيْنَ إِلَيْنَا … صَفَدٌ والشَّقيُّ رَهْنُ الشَّقَاءِ وَاسْتَطَاعُوا بِشَاهِقٍ مسح … النون لديه ومريض العواء مجبول الإسلام في جِيْدِه … مَنْظُومَةٌ فِي قِلادَةِ الجَوْزَاءِ مَعْقِلٌ شَيَّبَ اللَّيَالِي وَأعْيا … هِمَمًا لِلْمُلُوكِ والخُلَفَاءِ فنجاه ملك به تبدو لأملاك … فَهْوَ المَرْفُوعُ بِالابْتِدَاءِ فِي رَعِيْلٍ لَوْ أَنَّهُ صَدَمَ الأَطْوَا … دَ عادَتْ لِوَقْتِهَا كَالبَهَاء ورِجَالٍ فِي آلِ خَاقَانَ يَبْدُو … بَأس أسدٍ فِيْهُمْ وَحُسْنُ ظِبَاءِ بَيْنَ سُمْرٍ مَكْحُوْلَةِ الطَّرْفِ بِالبَقِيعِ … وَبِيْضِ مَخْضُوبَةٍ بِالدِّمَاءِ يَا وَزِيْرًا عَلَى الزَّمَانِ مِنه بِهَا … لا زَالَ مِنْهُ مَعْنَى البَهَاءِ ان بقرط فأنت أرْفعُ قَدْرًَا … أو تُهَنَّى فَأَنْتَ فَوْقَ الهَنَاءِ وقال فيه أيضًا: [من الطويل] قِفَا نَنْسَاهَا قَدْ تَرَاءتْ خِيَامُهَا … وَهَا رَامَةٌ وَالنَّفْسُ ثمَّ مَرَامُهَا خَلِيْلَيَّ مِنْ نَجْدٍ غَرَامٌ لِمُهْجَتِي … وَهَلْ مهْجَةٌ إِلَّا وَنَجْدٌ غَرَامُهَا أحَاوِلُ كَتْمَ الحُبِّ دُوْنَ وُشَاتِنَا … وَلِلْحُبِّ حَالٌ لا يُرَامُ اكْتِتَامُهَا وأُعْرِضُ عَنْ أَبْيَاتِهَا فَيَشُوقُنِي … هَوَى مُهْجَتِي قَسْرًا لَهَا وَهُيَامُهَا كَذَاكَ مَتَى وَجَّهْتُ لِلْقَوْمِ مِدْحَةٌ … فَنَحْوَ بَهَاءِ الدِّينِ يُثْنى زِمَامُهَا هُنَالِكَ آمَالُ الوَزِيْرِ تَحَكَمَتْ … وَتَمَّ عَلَى مَالِ الوَزِيْرِ احْتِكَامُهَا كَرِيم غَدًا أَوْلَى الأَنَامِ بِسُودَدٍ … كَذَلِكَ سَادَاتُ الأَنَامِ كِرَامُهَا تَهَنَّ بَهَاءَ الدِّيْنِ شَهْرًَا مُعَظَّمَا … وَدُوْنَكَ مِنْ كُلِّ الأُمُورِ عِظَامُهَا وَدُمْتَ تُهَنَّا بالأهِلَّةِ مِثْلَمَا … يُحِطُّ مِنَ الأَسْفَارِ عَنْهَا لِثَامُهَا وَأَجْدَرُ مِنْها بِالهَنَاءِ أَهِلَّةٌ … بِنُورِ مُحَيَّاكَ الجَميلِ تَمَامُهَا وفيه قال أيضًا: [من الطويل] تَبَارَكَ مَنْ أَعْطَاكَ يَا بْنَ مُحَمَّدٍ … مَعَالِيَ لا تَنْفَكُ إِثْرَ مَعَالِي وَخَوَّلَكَ الدُّنْيَا طَرِيقًا لأُخْتِهَا … فَمَا مِلْتَ عَنْ حَقِّ بِزُوْرِ مُحَالِ وَأَصَبْحْتَ لِلإِسْلامَ أَحْصَنَ جُنَةٍ … بِهَا لَا تُبَالِي لِلْعِدَا بِنِبَالِ وَقُمْتَ مَقَامًا خِفْتَ رَبَّكَ عِنْدَهُ … فَخَافَتْكَ أُسْدٌ بِالفَلَاةِ خَوَالِي أَرَى مَلِكَ الإسْلَام حَصَّلَ ما منه … و … غَالَى فَوْقَ كُلِّ مُغَالِي

стр. 3752

وَمِثْلُكَ فِي حِفْظِ الوَدِيْعَةِ مِثْلُهُ … فَكَافٍ لَما قَدْ أَوْدَعُوهُ وَكَالِي إِلَيْكَ نِظَامًا أَنْتَ يَا بَحْرُ دُرُّهُ … فَمَا أَنَا مَغْرُورُ بِلَمْعَةِ آلِ أَتَى عُمَرُ فِيها عَلِيًا بِمِدْحَةٍ … فَأَرْضَى بِهَا السُّنِّيَ والمتوالي وقال يهنيه بشهر رمضان وبالمدرسة التي وقفها بمصر على الشافعية - كثرهم الله تعالى: [من الطويل] يُنَادِيْكَ حلّ الصوم صَيْفًا مُحَبَّبَا … فَنَادَيْتَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا وَضَاحَكْتَهُ مِنْ قَبْلِ إِنْزَالِ رَحْلِهِ … وَبَوأَتَهُ رَبْعًا مِنَ الخَيْرِ مُخْصِبًا وَمَدْرَسَةٍ خِلْنَا بِهَا وَطَنًا لَهُ … فَيَا مَوْقِعَ الأَوْطَانِ مِمَّنْ تَغَرَبَا ذَهَبْتَ بِهَا مِنَ العُلَا مَذَاهِبَ … أَحْيَتْ لابْنِ إِدْرِيسَ مَذْهَبًا وَشِدْتَ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ أُسَّهَا … وَأَنْفَقْتَ مَا لَاقَى رِضَا اللهِ طَيِّبَا وَلَمْ أَرَ كَالفِسْطَاطِ زَادَتْ رُبُوعُهُ … طِرَارًا مِنَ العِلْمِ الْمَعَظَّم مُذْهَبًا بِهَاسه تُنْسِي النِّظَامِيَّةَ التِي … لَهَا العِيْسُ كَمْ شُدَّتْ وَكَمْ حُلَّتِ الحُبَى وَمَا هِيَ إِلا عَزْمَةٌ عَلَوِيَّةٌ … إِذَا حَاوَلَتْ أَمْرًا أَبَى مِنْهُ مَا أَبَى سَتَحْيَا لَيَالِي الشَّهْرِ فِي جَنَبَاتِهَا … كَمَا قَدْ تَلا القُرآنَ تَالٍ فَأَطْرَبَا سَيَرْفَعُ أَعْلَامَ العُلُومِ فَلَمْ يَدَعْ … صَبَاحُ يَقِينِ فِيهِ لِلشَّكَ غَيْهَبًا سَتُجْزَى ثَوَابَ اللهِ عَنْ ذَاكَ كُلَّهُ … إِذَا مَا دَعَا دَاعِي الجِنَانِ وَثَوَّبا وقال يهنيه بشهر رجب: [من الطويل] أَنِ بِجَنَابِ الصَّاحِبِ ابْنِ مُحَمَّدٍ … تُنِخْ أَيُّهَا الرَاجِيْ بِأَكْرَمِ صَاحِبِ وَهَنْيْهِ بَلْ هَنِّي بِهِ رَجَبَ الَّذِي … يُعَوِّدُ مِنْ يُمْنَاهُ لَحْمَ الرَّوَاجِبِ وَمَا عَدِمَتْ مِنْهُ الأَهِلَّةُ مُشْبِها … سِوَى أَنَّهَا مِنْ دُونِهِ فِي المَرَاتِبِ وَلَولاهُ مَوْصُوفٌ بِفَرْطٍ تَوَاضُعِ … لَمَا شَبَّهُوا آرَاءهُ بِالْكَوْاكِبِ وَدَبَّرَهَا لِلظَاهِرِ المَلْكِ دَوْلَةٌ … تَوَلَّى مَبَادِيهَا لِخَيْرِ العَوَاقِبِ بَنَى بِوَزِيْرِ صَالِحٍ أُسَّ مُلْكِهِ … فَزَاحَمَ آفَاقَ السُّهَا بِالمَنَاكِبِ وَمَا مَلِكٌ كَانَ الوَزِيرُ وَرَاءهُ … بِمُحْتَفِلٍ يَوْمَا بِكَيْدِ مُحَارِبِ مَنَاقِبُ لَا تَعْدُو عَلِيًا وَآلَهُ … وَمَنْ مِثْلُهُ فِي آلِهِ وَالمَناقِبِ إليكَ بَهَاءَ الدِّينِ عِقْدًا يَزِينُهُ … وَكَمْ مِنْ عُقُودٍ حُلْيَتْ بِتَرَائِبِ يُهَنْئُكَ الشهْرُ الأَصَمَّ وَإِنَّهُ … لَمُصْعَ لَمِدْحٍ فِيْكَ جَمُ الْعَجَائِبِ سقط في جُنْحِ الدُّجَى عمر لَهُ … وَشَدَّ أَعَالِي كُلِّ هُدْبٍ بِحَاجِبِ وقال سعد الدين الفارقي: وكان يوقع بين يدي الصاحب بهاء الدين المذكور (١):

стр. 3753

[من السريع] يَمَمْ عَليًا فَهْوَ تَمَّ النَّدَى … وَنَادِهِ في المضلع المُعْضِلِ فَرِقْدُهُ نَجُدٌ عَلَى مُجْدِبٍ … وَوَقْدُهُ مُفْضٍ إِلَى مُفْضِلِ أَسْرَعُ مِنْ سَيْلٍ يَدَاهُ وَهَلْ … أَسْرَعُ مِنْ سَيْلٍ أَتَى مِنْ عَلِ؟! وقال الشيخ رشيد الدين الفارقي (١): [من البسيط] وَقَاتَل قَالَ لِي … عُمَرًا … فَقُلْتُ إِنَّ عَلِيًا قَدْ تَنَبَّهَ لِيْ مَالِي إِذَا كُنْتُ مُحْتَاجًا إِلَى عُمَرٍ … مِنْ حَاجَةٍ فَلْيَنَمْ حَسْبِيْ إِنتَبَاهُ عَلِي وكان يهش للمديح، ويجيز الجوائز السنية. وحكى لي قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي: أنه وقف على كتاب يتضمن إقرار الصاحب بهاء الدين لأولاد ابنه فخر الدين، وهم: الصاحب تاج الدين، وأخوته بمبلغ ستين ألف دينار. ومنهم: [١٠٦] الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الرجاء التنوخي، عرف بابن السلعوس (٢) وزير لج في كبريائه، وجلّ عن القياس بالوزراء في عليائه، تاه به الشمم، وتصاوخ به الصمم. لو عرض له البحر لما رآه إلا ضَحْضَاحًا، أو الجبل لما جعله إلا صَحَصَاحا. كان أول حاله تاجرًا إلا أن همته تكلّفه خوض الغمرات، وطلب العلياء ولو مات

стр. 3754

دونها حسرات، وكان مبذول اليد بالكرم، مطلق العنان في حبّ التقدم. خدم وزير الشام الصاحب تقي الدين توبة التكريتي وجاوزه، وترقى به، وتلقى مبادئ العلياء بسببه، ولي به الحسبة بدمشق، فحفظ مضاعها، وفخم أوضاعها، وتوكل بدمشق عن الملك الأشرف خليل، وولي العهد إذ ذاك أخوه الملك الصالح علي، فامتد به الخيلاء لا يثني له رسنًا، ولا يريه من فعله إلا حسنًا، فبدت عليه أمور أنكرها عليه الأمراء بالشام لاجين، فأحضره بدار العدل، وهي حافلة الآفاق، كاملة

стр. 3755

النطاق، فأوقفه لديه لأمر شكي به إليه، ثم أمر به، فضرب على هامته، وجرّ بعمامته يتغافل مدة. ثم سار إلى مصر موقر الركاب، مملوء الأكياس المعدة عنه للجواب، فأتى باب موكله الملك الأشرف، وأقام به متسببًا في إقباله متقربًا إليه بما يأكل نار كرمه من قرابين ماله، صادًا له عن المباشرين لديه، سادًا لخلل ضروراته بما يقدر عليه. وكان الملك الأشرف ضيّق اليد ليس له إلا ما يتحمل من إقطاعه بما لا يقوم، ولا يقوى بما يقدر عليه أخوه ولي العهد، وهو ينفق من مال لا يخشى من تلفه، فتكفل للملك الأشرف بكل كلفه، وإن جلت وترتيب نفقاته نظير أخيه والزيادة عليها إن قامت، فولاه أمر ديوانه وأولاه من القرب ما أدخر له أضعافه إلى أوانه. ثم لم يلبث أن صار العهد للملك الأشرف حين مات أخوه، واضطر إلى أن يعهد إليه أبوه فروح في بذخه، والملك الأشرف في نفخه، فعمل ما لا يفعله كبراء الوزراء، وزاد حتى تعدى طور الأمراء، فأهم أبوه الملك المنصور أمره، فأمسكه وعاقبه، وأراد الفتك به، فشفع له أمير سلاح إليه، فأطلقه على أنه لا يأوي إلى ولده، ولا يساكنه ببلاده. وأن أوان الحج فتوجه إليه في عامه من التجمل بالجمال، والهجن، والخيل، فما أمهلت الأيام الملك المنصور حتى مات، وورث ابنه الملك الأشرف ملكه، ونظم سلكه، وكتب إلى الوزير كتابًا أرسله مع محاب يستحثه، وكتب فيه بخطه: يا سفير، يا وجه الخير، حث السير، فجاء يطير في آهابه، ويحرق شواظ التهابه، فقلّده أمر الوزارة تقليدًا لم يكن لأحد عهد بمثله، ولا وصول إلى أقله. كان السلعوس هذا في أول مرة من جملة التجار، وكان يأخذ نفسه بالسياسة والحشمة، وكان إذا طلع في متجره أخذ معه خيمة كبيرة، وقدرًا كبيرة، فإذا نزل، طبخ وغرف وجلس في خيمته، ومد الطعام بين يديه وطلب التجار ليأكلوا معه، فكانوا يهزأون به، ويقولون له: الصويحب تصغيرًا للفظة الصاحب. ثم غلبه حبّ التقدم على تبطيل المدخر والانضمام إلى التقى توبة، فنقله حتى ولي الحسبة، كما قدمنا، ثم ولي الوكالة الأشرفية، ثم توجه إلى مصر ودخل في عين الأشرف بالتقرب إليه. واتفق أن الأشرف أراد الخروج للعب بالكرة يومًا مع أخيه ولي العهد الملك الصالح، فطلب مباشري ديوانه، وأمرهم بالاستعداد لذلك، لما تحتاج إليه من الطعام والشراب والخلع والنفقة، فبكى مباشره، وقال: من أين لنا؟، ومن أين نجد نحن هذا وعلينا من الدين ما علينا؟ تريد أن تضاهي أخاك وأنت رجل أمير، وذاك رجل ملك، وكل واحد يمشي على قدر حاله، فعظم هذا على الأشرف، ووجد له وجدًا عظيمًا، وأخرج من الحوائص الذهب التي عنده، ابتاع وينفق في ذلك، ولم يرد إظهار العجز قدام أخيه، فبلغ هذا، ابن السعلوس - وهو في بابه - فاستأذن عليه، فلما

стр. 3756

دخل عليه، قبل الأرض، ثم قال: إن برز المرسوم إلى تكفية هذا المهم وغيره كفيته من مال مولانا بالشام، ففيه فضلة تسع هذا وأكثر منه، فأعجب الأشرف قوله، وقال له: اعمل. ورد الأشرف الحوائص، فقام ابن السلعوس وجهز ما أراده بزيادة كثيرة، وأتى إليه بالبقج فيها الخلع التمام وغيرها، ومعها أكياس فيها من خفائف الذهب والدراهم قدر الحاجة بالفاضل، فوقع فعله منه بموقع عظيم، ثم ركب للعب الكرة، فوجد ابن السلعوس قد هيأ فوق ما كان في نفسه من الطعام والشراب وأنواع الطاريء، فرأى الملك الأشرف ما ملأ قلبه سرورًا وتم له ما أراده من إظهار التجمل قدام أخيه، وقدام الناس، لئلا يراه، وأرضى الملك الأشرف بالقيام بكل ما يطلبه. ثم لم يمتد المهل بالملك الصالح، فولي الملك الأشرف العهد بوساطة الأمراء الكبار على رغم كافل الممالك طرنطاي، وعلى كره من أبيه الملك المنصور، لما كانوا يعلمونه من بأسه وشجاعته، فزاد تعظيمه لابن السلعوس، وزاد شمم ابن السلعوس به، وصار يركب ركوب الوزراء، وينزل نزولهم، وتحمل خلفه دواة جليلة من الفولاذ المجوهر منزلة بالذهب، وفيها عقيان … الأشرف. ثم كان إذا جلس جاءت إليه مخفية من المطبخ الأشرفي، ويجيء بعدها المشروب وغير ذلك، فضاق ذرع طرنطاي وأرباب التصرف منه، وبلغوا الملك المنصور عنه أقبح القول، ووصفوه حتى أحضره وضربه، وأمر بأن يرتجع منه كل ما وصل إليه من جهة ولده الملك الأشرف من المآكل، والمشارب، والخلع، والبغال، فجاء بجملة كبيرة، فعظم على الملك الأشرف موقع هذه المصيبة، وركب إلى أمير سلاح، ونزل عنده، وشكا إليه من فعل أبيه وطرنطاي، فركب أمير سلاح، وأرسل إلى بقية الأمراء، وكانوا يحبونه ويبغضون طرنطاي واجتمع بالملك المنصور خلوة، وقال عنه وعن الأمراء: إنّ الذي نقل عن ابن السلعوس كذب، وسأله فيه عنه وعن الأمراء حتى أمر بإطلاقه وطرده، وقال: بشرط أن لا يقيم بمصر، ولا يجاورنا؛ فلما أتى وقت الحج، وكان قد قرب، وخرج ابن السعلوس حاجًا وجهزه أمير سلاح وغيره من الأمراء بأحسن الجهاز رعاية للخاطر الأشرفي فتوفي الملك المنصور في أثناء تلك المدة، وآل الملك إلى الملك الأشرف، فلم يكن عنده حال جلوسه أهم من طلب ابن السلعوس، فكتب إليه كتابًا يطلبه فيه، ويحث على سرعة الحضور. ثم لما قدم إليه الكتاب؛ ليعلم عليه، كتب في موضع العلامة: يا شقير، يا وجه الخير، حثّ السير. فلما قرب بعث إليه من يلقاه بخلعة وبغله، ثم إنه حال وصوله، خلع عليه خلعة الوزارة، وأعطي الدواة، وقدمت إليه بغلة بالزناري، وباشر الوزارة مباشرة لم يبلغها أحد ومن الوزراء بعد شاور إلا الفائزي، ولم يبلغها.

стр. 3757

وكان رجلًا قد باض الحمق في رأسه وفرَّخ، وبقي الملك الأشرف كلما نفخ … فيه، انتفخ، وصارت الأمراء وأرباب تقاوم الألوف تأتي إليه، وتقف بين يديه، ولا يقول لأحد منهم: أقعد، حتى يطول مكثه في القيام، ولا يدعو أكثرهم إلا بالأسماء دون اللقب، حتى كان يقول لللاجين يا حسام الدين، وللشجاعي: يا علم، وللدواداري: يا سنجر، ومن هذا ومثله. فامتلأت الصدور عليه وعلى الملك الأشرف بسببه، حتى صار الأمر إلى ما صار وآل إلى ما آل. حدثني عمي الصاحب شرف الدين أبو محمد ﵀ وقد جرى ذكر حمق ابن السلعوس وترفعه، قال: كان الرجل في رأسه حمق، وزاده الملك الأشرف، وكان عاميًا فطاش وطار، ثم شرع يحدث، قال: كنت في الخدمة الأشرفية بالنيل، وقد نصبت خيمة السلطان على العين، فمر بي كرت أمير أخو أحد مقدمي الألوف فسلم علي فقمت له، ورددت عليه¬ السلام، فرآني الملك الأشرف فطلبني، فلما جئت إليه، أنكر عليّ، فقال: هاها تقوم لكرت، وتمشي له، وتخضع له، ومن هو كرت حتى تعمل هذا معه وأنت لساني ويدي وأذني وعيني والله لولا أنك شيخ كبير، لقطعت رأسك، وإن عدت إلى مثلها قطعت رأسك، فخرجت وأنا لا أعي مما أراد أن يحملني عليه، ثم كنت إذا مر بي أحد تغافلت عنه ما أمكنني،، فإن لم أجد بدًا أشرت إليه بتقبيل اليد، أو أكثر من هذا على قدر مراتبهم، ولا أقدر أقوم خوفًا أنه يراني، فاذا كنت حيث آمن أنه لا يراني، قمت وخدمته بما يناسب، فلم يتوغر على صدر. ثم قال: وإذا كان هذا قبول الملك الأشرف لي وما أنا وزيره المتصرف ولا لي عليه خدمة سابقة، فكيف كان يقول لابن السلعوس: ما حمل، انتهى كلامه. قلت: وعلى الجملة فقد أحسن إلى أصحابه الدماشقة، وكان يتلقاهم بالرحب والسعة، ويقضي حوائجهم ويحسن إليهم، وكان كامل الأمور محبًا للرئاسة إلا أنه أفرط حمق العامية، ولم يقع في أيامه أقبح من واقعة ابن بنت الأعز القاضي والحمالة عليه، ونكبته له، وكانت بإغراء المصريين له عليه، ولم يكن فيه أقبح من أنه كان تياهًا متكبرًا، كثير الخيلاء، معجبًا بنفسه، معتزًا بسلطانه. وحدثني شيخنا أبو الثناء محمود الكاتب ﵀ قال: رأيت ابن السلعوس وقد جاءه قضاة القضاة إلى باب داره بدمشق - وفيهم من خلع عليه في يوم الجمعة - فجلسوا في انتظاره، ليخرج فطال مكثه إلى أن حانت الصلاة، فخرج واستأذنه حاجبه عليهم، فقال: قد ضاق الوقت فليأتوا بعد الصلاة، وركب الدواداري، ومشوا في ركابه حتى أتى باب البريد فنزل ومشى وهم قدامه حتى صلى، ثم خرج، وهم قدامه، حتى ركب، فمشوا معه حتى باب داره، فنزل، ثم أتاه حاجبه، وأستأذنه عليهم، فأذن لهم، فأتوه وقبلوا يده، وأنا أراه.

стр. 3758

وحدثني أنه لما اهتم الملك الأشرف بأطيار الناصري أمر الأمراء بالعرض فتضاهوا في التجمل، وبالغ لاجين، ونزل الملك الأشرف بالميدان وجعلت الأمراء تعرض بالنوبة أيامًا، فلما أتت نوبة لاجين كنت قد خرجت أريد الخدمة بالميدان، فرأيت لاجين على فرسه واقفًا وحده ينتظر طلبه، وقد جمله أحسن التجمل، ورتبه أحسن الترتيب، فلما رآني ناداني، فأتيت فجعل يتذكر أيامه بدمشق وطيبها وهو سار منشرح، فأقبل طلبه كأن عليه ومضان برق أو شعاع شمس، فزاد ابتهاجه وسروره فما وافي الطلب، حتى أتى ابن السلعوس في موكبه معترضًا، فساق إليه لاجين، وأومأ إليه بالخدمة والسلام فما زاد على أن قال له: حاشاك حسام الدين. فأريد وجه لاجين، ثم ساق ابن السلعوس حتى شق الطلب عرضًا فقطعه فزاد غيظ لاجين؛ فلما مضى ابن السلعوس جاءه أستاذ داره يسأله أن يعيد ترتيب الطلب، فقال له بغيظ، اعمله كيف ما كان إلى لعنة الله، وأثر هذا في خاطره تأثيرًا، فأتيت إلى عمّك، يعني شرف الدين أبا محمد ﵀ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ما يزال هذا الجاهل حتى يخرب هذه الدولة، والله لا رجع لاجين حتى يخرب هذه الدولة أو يقتل، وهكذا كان. وقد اختصرت في هذه الحكاية ما ليس هذا ذكر موضعه. وحكى لي غير واحد: أن الملك الأشرف لما قتل كان ابن السلعوس بالإسكندرية، وقد رفع رأسه إلى السماء، وظهر بسيماء الجبروت، وهدد الوالي وتوعده بما فيه الإتيان على روحه فلما خرج من عنده، وقعت إليه البطائق على جناح الحمام الرسائل بقتل الأشرف، ورسم له فيها بالقبض على ابن السلعوس، فأتى الوالي إلى بابه، وقد نهض من مجالسه فقعد على الباب، فبعث يقول له: قد دعت الضرورة إلى المثول بين يدي مولانا الصاحب فقال له حاجبه: هذا ما لا سبيل إليه، فقال: لا بد، وألح، فآذنه بحضوره، فقال: ائذن له؛ فلما دخل عاجله بالشتم والإخراق وقال له: لا تعجل يا مولانا، ثم تقدم إليه، فاقرأه البطائق، فأسقط في يده، وخاف بادرة الوالي لما قدمه من الإساءة إليه، فقال له: لا بأس عليك يا مولانا مني، وأنت بخير، إن شئت جهزتك مع من يوم يوصلك آمنًا، وإن شئت مكنتك من الهرب، ودع روحي تذهب، وإن عزمت على هذا اتجهت معك حيث قصدت، فإنه لا يكون لي مقام بعد تمكيني لك من الهرب، فقال له: يا أخي والله ما زيد وزارة هؤلاء إلا هم ما يخلونا، فقال: والله ما رأي عليك إلا أن تنجو بنفسك؛ فإنك قد ملأت بحمقك عليك الصدور حنقًا، ولا ذهاب إليهم إلا أن كنت تريد أن تذهب نفسك، فقال له: دع منك هذا، فجهزه إلى القاهرة، فنزل في داره، فقبض عليه، وضرب بالمقارع حتى مات. ومنهم:

стр. 3759

[١٠٧] تاج الدين بن حنّا (١) وزير كان عن الوزارة مترفعًا، وبمثل رداء الإمارة متلفعا، يصد عن مقلتها، ويضمّ عن وسيلتها، وزر وزارة صحبه في زمن جده، ونفس فيها حناق يضيقه بحمده، فكان يحل ما عقد، يطفئ ما وقد إلا أن ذلك الجبار العنيد كان لا يتهيأ معه تمام معروف، ولا اهتمام بمعروف، وكانت ولايته بعد أبيه الصاحب فخر الدين محمد حين اختطفه الحمام واقتطفه ولم يبلغ التمام، ودام مباشرًا حتى مات جده في زمن الملك السعيد، وطار به نعيه إلى المرمى البعيد. ثم كانت نكبتهم التي أحاطت بجمعهم، وأحالت مصيبتها حتى بين جفونهم ودموعهم، وأمسك تاج الدين أول من أمسك، وأخذ منه أكثر ما يملك إلا بقية عقار من معاقر قصب كان فيها يعتصر، وصبابة مال كان بها يتجر، تمت له فيما بعد، جاءت بما لا يعد، وضرب في حال نكبته إلا أنه ما عدي له ثوب، ولا أمطر له صوب، وكان في حال هذه … مكرمًا، وفي أوقات هذه الصنعة معظمًا، خرج فرأته الأمراء، فمثلت له وقوفًا، وشق الجند إلى دار مجسه فانفرجت له صفوفًا، ثم سمى خلاصه، وخرج كالذهب خلاصه فأقام بيته منقطعًا، ولا وأمر من يقصده مهطعًا، إلى أن سحت له من ملك الأمراء طرنطاي بارقة رأى بها … نجاحه، وأوى بها إلى جناحه، فجعله من موقعي الدست يوقع على القصص من غير معلوم له فرد، ولا بتوقيع له سطر. وبقي على هذا حتى هدأت روعته، وردت لوعته، ثم لزم بيته آمنًا إلا أنه كان لوفور عقله يتخوف، ولا يأمن من أن يتخطف إلى الأيام الناصرية الأول حيث

стр. 3760

كان كتبغا هو الكافل والمشار إليه في ذلك الدست الحافل، وكان له إليه السعات، عليه اشتمال رد عليه ما فات، فأحضره وقلده الوزارة وأحل سبلها منه القرار، فباشرها بشمم وألم بها وكان لمم لم يطأها بتراب ولا واخذها باكتراث حتى زحزح كتبغا الناصر عن سريره، وآل إليه بمصيره فاستمر به أحسن الاستمرار، واستقر به أكمل الاستقرار، وكان نجيه وصاحبه، وملازم مجلسه، ومواظبه إلى أن دهى وادي حضر بمصيبة ذلك الغلاء، ورموا ذلك الموت … صرف إلى الظلم، وجهه الملك العادل، وحاول أكل أموال الناس بالباطل، فاستعفى الصاحب، فأعفي، وأقام في بيته كالملك إلا أنه المحفي حتى حلّ به أجله المنتظر، ودنا منه ما كان ينتظر. ومنهم: [١٠٨] فخر الدين، عمر بن عبد العزيز بن الخليلي (١) وزير يملأ الدست ويخجل البدر إن نافست، لا يشبه به السحاب إلا ارتعدت فرائص برقه، ولا السيل إلا على شعب الحبل يده إلى عنقه. وكان خليلي الكرم، داري العطر إلا أنه الذي لا يشب على ضرم عمي الفخار، لا ما ادعاه الفرزدق لدارم، أوسي العمومة إلا أنه خزرجي المكارم، ابن أب صالح دعى بالمجد، لأنه حقيقته، ويرسل عن الخلافة، وعرف بالشح، فلم ينكر في أهل الرسالة طريقته، فما رفعت لأبيه راية مجد إلا تلقاها عُرابة باليمين، ولا عرفت له سيماء صلاح إلا وقد ظهر منها سره في السين. خدم الملك الصالح حال ولايته للعهد في أيام أبيه المنصور، وكان لديه موقرًا، وإليه يخضع كل ذي أنفة مفتقرًا. ثم ولى النظر والأمر كله إليه مرجعه، وإليه قراراته ومنتجعه، حتى استعفى ابن حنا في الأيام العادلية زمن ذلك الغلاء الذي انتهب الأجساد، وألهب شعل الفساد. وكان تاج الدين حنا لا يجلس لتصريف الأمور إلا ساعة من نهار، ثم ينصرف إلى بيته، ويتركه في غمرات تلك البحار، لا يقرّ له قرار، حتى يكفي دونه السلطان

стр. 3761

وحواشيه، ويتصرف، وإن غاب الوزير، تصرف المستقل ولا يحاشيه، فقلد الوزارة، فتقلد طوقها وحمل أوقها، وظهر فيها بالكفاية، وبلغ فوقها، وسلك طريقًا أمن فيه التعزير، ومن فلولا بعض … إلا أن هذا الوزير أعاد سميه عمر بن عبد العزيز، بلغ فيها ما بلغ ابن حنا الكبير من وزارة بنيه. وأيامه ما حان حينها، ولا ذهب من يد الزمان المدد طينها، كانوا يجلسون فرادى معه، ويقعدون دونه، ويسدون موضعه، واتصلت به وبهم أرزاق ما اتصل أقلها بابن حنا وبنيه، ولا جاء قبلهم ولا بعدهم من كان يدانيهم في هذا ولا يدانيه، فكم قاموا سنة في عموم القرى، وعظيم الجود الذي وسع الورى، فأذعنت الرقاب لقدرهم الجليل، وسلمت منهم إلى الأولاد تميم الداري أعداءهم كرم مجاورتهم للخليل، فسد ذكرهم، وانعقد عليه الإجماع، وطاف البلاد فأمسي له في كل أرض نوبة خليلية تطرب الأسماع، وعزل مرات. ثم لم ترد رتبتها سواه حديثًا، ولا رضيت عقيلتها على كثرة الخطاب غيرها قريبًا، ثم ما مات إلا وهو عنها قد انفصل، وزرى بنيه، وخطاب سعادته قد فصل، وانقطع به السبب، وكان لا يظن إلا أنه قد وصل. ومنهم: [١٠٩] أمين الملك وزير ضبط الملك بقلمه، وضغط الفرقد بقدمه، وجاوز على عنق العيوق محلّقا، وجال المجرة محققًا، ولي الاستيفاء مذ كان يافعًا، وحل مكان العلياء على قمة الجوزاء واضعًا، وكان هو الوزير، وإن سمي مدى غيره، والميمون وإن زجر الفأل طيره. ثم تناوب النظر والوزارة مرارًا، وتناوبها لحظه إقبالًا وازورارًا، وباشر الشام أكنافها سحائبه، وملأت ساحاتها رغائبه، وجرى بها منه النيل، لكنه البحر الذي يحكي عجائبه. وكان وزير على له الدست إذا حضر، ويتهور له مرأى السيوف إذا نظر، سطا بيت لها قلب الفرقد … يحتفل الغمام، ولا يقدر على أنه مثله سعد. ولي الوزارة نوبًا دافعت النوائب، ووفرت بسداد آرائها الأسهم الصوائب، وكان نعم الصاحب لو عرف حقه، أو متع الدهر بأن لا يتقدم فيه إلا مستحقه، لسيرة لا يتخللها عيب عائبة، وسريرة لا يشوبها كدر شائبة، واستحضار لأمور ممالك الإسلام من جميع ما يدخل تحت الحدود، لا يفوته فائت، ولا يصح وعنده من … تنفيذ لا يدعيه الرامي إذا أطلق، ولا الطاعن إذا أخرق، ومضاء ما أقدم حتى يقدمه التخريب، ولا ابتعد حتى دنا به التقريب، هذا إلى رسم خط كأنما نفس بالغوالي، أو قسم منه على صفحات النهار والليالي لا يتباين فيه المقادير، ولا يراد الريحان المغنم على ما فيه

стр. 3762

من حسن التصوير. وعمل عليه أعداؤه مرارًا عديدة، إذ كانت خفافيشهم لا تطير مع عقابه وأحابيشهم لا تتجاسر على غابه، فأخرج إلى طرابلس ناظرًا إلا أنه، لم ينقص وترك هناك وما فيهم إلا خائف منه يتربص، ثم حج واستأذن على بيت المقدس، ليقيم به فأذن في هذا المرام، وصلى مدة ثم خطب على عاداته من ذلك الركن الذي لاذ به والمقام. ثم كان آخر موعد أمره أن أخذ من دمشق على ظاهر الإكرام، وباطن البأساء، وفعل به ما طال تأوّه الرجال وبكاء النساء. ومنهم: [١١٠] الصاحب كريم الدين (١) وزير، وإن لم يُسم بهذا الاسم، وملك، وإن دخل في هذا القسم، لا يقاس به أحد من الكرماء، ولا يقرن بنداه ابن ماء السماء، أهون عنده بالدينار واحد لا يظفر منه بعين، وبالدرهم، وإن كانت الناس تأكل عليه بالدين، وبالمعدنين، وإن صبغت الشمس من الذهب والفضة من لجين لو ليم في الجوهر لقال: هل هو إلا حجر أو في الدار، لقال: هل هو إلا مطر، طالما سدّ خللا، وأفاض حللًا، وسمح بالحرير، وقال: كيف ينحل بنسيج دودة، وبالدنيا وقال: كيف ينافس في عارية مردودة، زاد على كرماء العرب، وجاد بما لو قيس به مطر السحاب لسجد واقترب، وذهبت أيامه البيض بما لا كان لأبي … . وانقضى إنعامه وطعامه لا يعد لبني هبيرة ة منه هبرة، ومضى وله من البر أضعاف ما لآل برمك، ولجوده المتلبس ما ليس لبني سهل منه مسلك، وتتبع الفائزي إلا أن ذاك غرر، وهذا فاز، وابن الزبير فما وجد له في الزبير إلا بعض ما حاز. خدم عند الأمراء، ثم ترقى وسلم إلى المشية فتوفي واتصل بالمظفر بيبرس حال إمرته، فملك قياده وصحبه حيث صرف عن الملك حياده، واتهمه سلطاننا بماله،

стр. 3763

ومال بيت المال، فحضر، وأحضر ما معه، ولم يترك شيئًا إلا ما لعله ودعه، ودخل في عين السلطان بما أحضره من العين، ودخل على خواص الأمراء، حتى أصلحوا له ذات البين، فأفرجوا له عن أملاكه، وعلائقه إفراجًا، وجد به سبيلًا إلى سعاته، وطريقًا لمراعاته. ثم لم يزل، حتى ولاه السلطان أمورًا خاصة، ووكله لحقه، وأقامه لاستخلاصه، ثم حسن لرأي السلطان المتجر وملا عسه بمدده الأكثر حتى أطلق له بقيد التوكيل، وقال وقد أختبره: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم كان هو المسلم حتى لأمور الحرم، والمقدم على الركب المتوجه ركائبهن إلى الحرم، وكان يخلع على الخواص والأمراء، فما منهم إلا من يتشرف بملابسه، ويعده فخرًا له على منافسه حتى أن وقعت زواله، وأذن الله بتغير أحواله، فأمسك وأخرج إلى الشوبك، ثم إلى بيت المقدس، ثم طلب وجعل مكانه مدفنه بالقرافة له كالمجلس، ثم بعث به إلى أسوان، وقد قرب وقت حمامه وآن فجهز عليه حتى عزل عنه ولده وخنق وعلق، على أنه شنق روحه وما شنق. وكان ﵀ انموذج الكرام، وآخر الضرام، وبقية أهل الإحسان، والدنيا على غيره حرام، والله أعلم بالصواب. * * * ثم الجزء الحادي عشر بحمد الله وعونه، يتلوه إن شاء الله في السفر الذي يليه: ثم كانت وزراء وكتاب مع من سمينا وبعدهم … والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم ورضي الله عن الصحابة … وحسبنا الله ونعم الوكيل تم الجزء الحادي عشر - بحمد الله وعونه - من مسالك الأبصار * * *

стр. 3764

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد: فهذا السفر الثاني عشر من موسوعة ابن فضل الله العمري. (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) التي أرّخ فيها الحضارة الإسلامية عبر سبعة قرون، وقد قصر هذا الجزء على كتاب الدواوين في شرق الدولة الإسلامية. وقد بدأه بتعريف كتابة الإنشاء من بدايته أيام الدولة العباسية حين كانت منوطة بالوزراء (ثم أفردت واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة) وقسمهم إلى قسمين. القسم الأول، ومنهم عبد الحميد وابن العميد، والصاحب بن عباد، قال: وهم وإن كانوا من مشاهير الكتاب فإنهم بعداء من الغوص وحسن التوكيد والاختراع، وأشار إلى أنه قدم تراجمهم مع الوزراء. وترجم لمن جعلهم في القسم الثاني (من أصحاب الغوص، وأكثر ما تجد ذلك للمتأخرين). وطريقته أن يورد تعريفًا بالكاتب بأسلوب أدبي جميل مسجع، وربما متكلّف في بعض الأحيان، ثم يورد له مختارات من نثره تكثر أو تقل حسب أهميته. كما يختار شيئًا من شعره. وقد تفرد هذا الجزء بتسجيل مختارات نثرية وشعرية جديدة لم نجدها في مصادر تراثنا الأدبي الأخرى، مما يجعل لهذا الجزء أهمية خاصة. اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على النسخة التي نشرها الدكتور فؤاد سركين عن الأصل المخطوط في المكتبة السليمانية باستانبول - أيا صوفيا المرقمة ٣٤٢٥، وهي نسخة تامة ليس فيها حذف أو بياضات، كتبت بقلم واحد وبخط واضح مقروء إلا أنها قليلة الإعجام، ويبدو أن الناسخ كان غير ضليع بقواعد اللغة ومتعجلًا، فكان يرسم بعض الكلمات دون إدراك معانيها، ولربما أعجمت بعض الكلمات على غير

стр. 3765

هدى، وقد حاولت أن أضبط النص على النسخة الأخرى التي نقل عنها المؤلف أو نقلت عنه، إلا أني وجدت أكثر نصوصه جديدة لم أقع عليها في مصدر آخر، مما يدفع المحقق إلى تقليب الكلمة ليقع على المعنى المناسب مع السجعة أو السياق. ولعجلة الناسخ فقد سقطت كلمات كثيرة مما تسبب في غموض المعنى في كثير من الجمل، وعلى المحقق أن يقترح لفظًا بديلًا أو كلمة مناسبة يقتضيها السياق أو يستقيم بها الوزن إذا كان النص شعرًا. وفي دار الكتب المصرية نسخة أخرى برقم ٢٥٦٨ لم أطلع عليها أثناء التحقيق. ولكني أرجو أن أكون قد وفيت هذا الجزء حقه من متطلبات التحقيق العلمي، فقد حاولت أن أضبط النص وأترجم للأعلام والمواضع والمصطلحات ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأشير إلى مصادر التعريف والترجمة ما استطعت. والحمد لله رب العالمين. ٢٠ محرم ١٤٢٥ هـ ١١/¬٣/¬٢٠٠٤ م مهدي ع. الحسين النجم المسيب - العراق

стр. 3766

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ على الله توكلت ثم كانت وزراء وكتاب مع مَنْ سمّينا، وبعدهم في خدمة الخلفاء والملوك ممن لم يرض البرق شرارةً من زنادِهِ، ولا العنبر الهندي مدةً لمداده، طالما غدا الهلال لَقَلَمِهِ قُلامة، وكان الأفق لزهره كمامة، ومد الصباح له صحيفة، والقي بالرماح لقضيته في كفه نحيفة، وحصل لهم من النعم ما فاضَ فضله، ومِنَ النقم ما أعْيَتْ عضله، وسنأتي منهم على الغرض، فمنهم مَنْ نذكره لاشتهار اسمه، ومنهم من نذكره باستحقاقه، ثم هؤلاء على قسمين: قسم اشتهر للاكثار، ولا يتعدى طبقة المقبول. وقسم منهم أصحاب الغوص، وأكثر ما تجد ذلك للمتأخرين، فقد أبدعوا في استخراج المعاني وتوليدها. وقبل ذكرهم نقول: إن كتابة الانشاء كانت في المشرق في خلافة بني العباس منوطة بالوزراء، وربما انفرد بها رجلٌ. وذكر ابن عبدوس (١) في مواضع من كتابه ديوان السر وديوان الترسل: ثم كانت آخر وقت قد أفردت، واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة، وكان في المشرق يسمّى كاتب الإنشاء، ثم لما كثر عددهم سمّى رئيسهم، رئيس ديوان الانشاء، ثم بقي يطلق عليه تارة صاحب ديوان الانشاء، وتارةً كاتب السرّ، وهي إلي أحب، وعندي أنْبَهُ، وعند الناس أدلّ. وكان في دول السلاجقة وملوك الشرق يسمى ديوان الطغراوية، وبه سمي مؤيد الدين الطغرائي (٢)، والطغراء

стр. 3767

هي الطرة، وهي التي تكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ، يتضمن ألقاب الملك، وهي لفظة أعجمية، وكانت تقوم مقام خط السلطان بيده على المناشير والكتب، ويستغنى بذلك عن أن يكون للسلطان علامةً بخطه لكثرة الوثوق بصاحب هذه الرتبة. وأهل المغرب يسمون (١) رئيس ديوان الانشاء صاحب القلم الأعلى، وأهل هذه الرتبة لم يزل لهم الاختصاص والقرب أكثر من كل عام وخاص. يحتاج الأمراء إلى مداراتهم، وتقصر الوزراء مع علو رتبة الوزارة عن مراتبهم، يجتمعون بالملك إذا أرادوا على عدد الانفاس، وهم معنى الدولة، وعليهم عولة كل الناس، وآخر ماكانت الملوك لا تكاتب الخلفاء ببغداد إلا إلى هذا الديوان، أعني ديوان الانشاء؛ وكانت تسميه الديوان العزيز، ولهذا كانت كتبهم تستفتح: ادام الله أيام الديوان العزيز إشارةً إلى ديوان الإنشاء؛ لأن الكتب كانت إليه، والمخاطبة له، وهو المراد بقولهم فيما يوجد في التواريخ وكتب الإنشاء والترسل: الديوان العزيز، وعليه كان يطلق هذا الاسم، وله بهذا من الشرف ما له، ومن الفخر ما يجر على السماء أذياله. وقد آن أن نذكر من القسمين مَنْ يُذكر: * * *

стр. 3768

فأما القسم الأول: فمنهم: عبد الحميد (١)، وابن العميد (٢)، والصاحب بن عباد (٣)، وهم إن كانوا من مشاهير الكتاب، فإنهم بُعداء من الغوص وحسن التوكيد والاختراع، وقد قدمنا في تراجمهم مع الوزراء عنوان قولهم، ومبلغ طولهم. [١] [أبو إسحاق الصابي] وأما أبو إسحاق (٤)، فهو الصابي وإن كان منهم، وفي طبقته غير بعيد عنهم،

стр. 3769

ولكنه جَوَّالُ الذِّكْرِ في الكتاب، مشهور شُهرةَ [الشمس] (١) في يوم الصحو، تكلَّم وما تكلّف، وتقدَّم ومن قبله تخلَّف، جرى على سجيته في الطباع، ودعا عاصي البيان فأطاع، ولم يقف مع السجع يرسف في قيوده، ويكلّف فكره فوق قدرته. فجاء بالعاطل [و] بالحالي، وتقدَّم على أهل العَصرِ الخالي. وكان حلو الجني، عذب المشارع، لا يرنّق مورده، ولا يُطفأ موقده، وهو في الكتاب بمنزله امرئ القيس في الشعراء، أمام القوم وحامل لوائهم، وكان يحفظ القرآن الكريم، وينتزع منه الآيات، ويستشهد بها، وكانت بينه وبين الشريف الرضي (٢) صداقة مؤكدة، ورثاه لما مات برثاء اسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقين، وأوله: أرأيت مِنْ حَمَلُوا على الأعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي (٣) فاسمع بهذا الرثاء ما أعظمه وأفخمه، ولا سيما من مثل هذا الشريف القائل، واسْتَدِلَّ به على ما لهذا الرجل من الفضائل، عود عبق أرَجُهُ وهو حطب، (ودي) (٤) رقى المنبر فضله وخطب، عَقَدَ ندُّهُ سماءً من دخان، وأدار مدامًا من دِنان، وكتب (دنه) (٥) عن الملوك البويهية، قرار بأولئك القساور، وزار النجوم وسلب الأهلة الأساور فضرب النحر بالاسداد، وكايل البحور بالأمداد، وأبدع عجبا، وأبْعَدَ فساكن عجما وجاوَرَ عربا، وتوفي سنة اربع وثمانين وثلاث مئة. ومما له قوله: له يَدٌ بَرَعَتْ في الجودِ بَنانُها، ونظم الدر بيانُها، فحَاتم (٦) كَامِنٌ في بَطنِ راحتها، وسحبان (٧) مُستَتِرٌ بنمارق فصاحتها، فلها يد في كل يد، ومنة في كل عنق،

стр. 3770

وقرط في كل اذن، وسمط في كل (مهرق) (١) لها في كل يوم مزيد، وعبد الحميد عبد الحميد. وقوله: من عهد لقاض (٢). وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله، ويَشْتَبِهُ عليه وحكم الحكم فيه أن يردّه إلى كتاب الله ويطلب فيه سبيل المخلص منه، فإن وَجَدَهُ وإلا في الأثر عن رسول الله ﷺ ، فإن أدركه، وإلا استفتى فيه من قبله من ذوي الفقه والفهم، وأهل الدارية والعلم، فما زال الأئمة والحكام والسلف الصالح وطريق التسنّن الواضح يستفتي واحد منهم واحدًا، ويسترشد بعضُهم بعضًا، لزومًا للاجتهاد، وطلبًا للصواب، وتحرّزًا من الغلط، وتوقيًا من الشطط، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣). وأن لا ينقض حكمًا حكم به من كان قبله، ولا يَفْسَخُ عَقْدَ مَنْ تَقَدَّمَه، وأن يَعْمَل عليه ولا يعدل عنه ما كان داخلًا في إجماع المسلمن وسائغًا في أوضاع الدين. فإن خرج عن الإجماع، أوْضَحَ الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء حتى يصيروا مِثْلَهُ في إِنْكارِهِ، ويجمعوا مَعَهُ على ردّهِ، وحينئذ/ ٥/ ينقضه نقضًا يشيع ويذيع ويصير به الأمر [إلى] واجبه ويعود معه الحق إلى نصابه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). [وقوله في رحلة صيد] (٥): واعتمدت في الصيد على من يحضرني من أوليائه على قوة أبدانهم ونشاطها، ورياضة خيلهم وانبساطها، والزمان ساقطة جمارُه، مفعمة أنهارُهُ، ونَحْنُ غبّ سحاب أقلَعَ بَعْدَ الارتواء، وأقشَعَ عند الاستغناء، والرياض زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهة بعوانها وعذرائها، وما نرد منها حديقة إلا استوقفتنا نضارتها واستنزلتنا غضارتها، وخيلنا تشتاق الصيد (٦) وهي لا تطعمه، وتحنُّ إليه كأنها تقضمه (٧)، وعلى أيدينا

стр. 3771

جوارح مؤللة المخالب والمناسر، مذربة النصال [و] الخناجر (١)، سابغة الأذناب، كريمة الانتساب (٢)، إذ وردنا ماءً زرقًا جمامه، طامية ارجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، ويلوح في قرارِهِ حصباؤه، وأفانين الطير به محدقة، وغرائبه عليه محلقة (٣)، متغايرة الألوان والصفات مختلفة اللغات والأصوات (٤)، فلما أقبلنا (٥) عليها، ارسلنا الجوارح كأنّها رُسُل المنايا، أو سهام القضايا فلم يُسمع إلا مسميًا. ولم نَرَ إلا مذكيًا، وانطلقنا بعد ذلك نعتام في الطير ونتخير، ونقترح ونتحكم فاختطفنا ببزاتنا ما طار منه وانتشر، وأخذنا بجوارحنا ما لاح منها واستتر، واهتدت إليها، تستدل عليها بالشميم، وتهتدي إليها بالنسيم، فلم يفتنا ما بَرَزَ، ولا سلم منا ما احترز. ثم عدلنا من مطاير الحمام (٦) إلى مسارح الآرام، وأمامنا أدلة فرهة يهتدون، وروّاد مَهَرَةٌ يرشدون، حتى أفضَيْنا إلى اسراب كثيرة العدد، متصلة المدد لاهية بأطلائها، رائعة في أكلائها، ومعنا فهود أخطف من البروق، وألْقَف من الليوث، وأجدى من الغيوث، وأمكن من الثعالب، وأدب من العقارب، وأنزى من الجنادب، خُمص البطون، رقش المتون خزر الأحداق، هُرْتُ الأشداق، غُلْبُ الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب تَلْحَظُ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها، فأقبلنا من تجاه الريح عليها، وأغذَدْنا (٧) نحوها وإليها، ثم وثبنا لها الضراء، وشنّنا عليها الغارة الشعواء، وأرْسَلْنا فُهودنا، وَجَرَتْ خيلنا في آثارها، كاسعة لأذنابها، فألقينا كلًا منها على ظبي قد افترشه وصرعه فعجعجه (٨)، وأوغلنا من بعد في اللحاق وقص آثار ما ندّ وبَعُد، وقد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور، ومعنا منها كل عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل، نجيب المخايل، أغضف (٩) الأذنين أسيل الخدين، أبي النفس، ملتهب الشد لا يمس الأرض إلا تحليلا وإيماء ولا يطاها إلا إشارة وإيحاء، وكل صقر ماض كالحسام. قاضي

стр. 3772

كالحمام، مُشتطٌّ في مطالبه، خفيف النهضة في مآربه، سريع الوثبة فيما يريد، ثقيل الوطأة على ما يصيد. فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير (١) متطرفة، ويحامير (٢) متعرفة فخرطنا القلائد والشناقات، فمرّت متوافقاتٍ مترافقات قد تباينت في الصور والأجناس، وتألّفَتَ في الإرشاد والالتماس. فسبقت الصقور إليها ضاربة وجوهها عاكسة رؤوسها، ولحقت الكلاب بها، مُنشبة فيها، مدميةً لها، فبادرناها مجهزين، وغنمناها فائزين، ثم أخذنا في صيد ما يقرب ويخف، وتحصيل ما يلوح ويستدف، فلاح لنا قنبر فأطلقنا عليه (بؤبؤا) (٣) فغاب عن الأبصار، واحتجبا عن الأنصار، وصار كالغيب المرجم، والظنّ المتوهّم، ثم [خطفه] (٤) ووقع به وهما كهيأة الطير الواحد، وعُدْنا وفي حبائلنا الصيد والصائد، ورجعنا والشمس مصبوبة للغروب، مؤذنة بالمغيب، والجوّ في أطمارٍ مبهجة في أصائلِه، وشفوف مورّسة مِنْ غلائله، فالله ينظر مولانا في دقيق الأغراض وجليلها، ويقضي له بالظفر في جسيم المطالب وضئيلها. [فصل من رسالة في وصف الرمي عن قسي البندق] (٥) مآرب الناس منزلة بحسب قربها (٦)، وأولاها بأن يعتده الخاصة ملعبًا (٧) والعامة مكسبًا (٨)، الصيد الذي هو رائض الأبدان (٩)، وجامع الشمل والاخوان (١٠)، ولما كانت الجوارح المثمنة ليست لكل الناس ممكنة، بل لمن عَظُم شأنه وحاله، وجم نشبه وماله، جعلت القول مقصورًا على قسي البندق التي لا تتعذر على مكثر ولا

стр. 3773

مملق، وأنا اكتفي بترغيب من كان عنه منحرفًا، وتثبيت من كان إليه متشوّفًا، بوصف موقف منه شهدته في بعض ظواهر مدينة السلام، وهناك غيضة ذات ماء أزرق، وشجر مرجحن (١) مورق، فبينا أنا مائل فيها ومتنزه في نواحيها، وقد تاوّدت في حلل الورود شجراؤها، وتفاوحت بروائح المسك أنواؤها، إذْ أَقْبَلَتْ قبل الذرور والشروق وشمرت عن الاذرع والسوق مقلدين خرائط تحمل من البندق الموزون الملوم ماهو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجمر فجاء كبنان الفهر وقد اختير طينه، وملك عجينه، كافل مطاعم حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام، يعرج إليها وهو سم ناقع، ويهبط إليهم وهو رزق نافع، وبأيديهم قسي مكسوة (٢) بأغشية السندس مشتملة منها بأفخر ملبس. مثل الكماة في جواشنها (٣) ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جُرِّدت مِنْ تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، رأيتُ منها قدودًا مخطفة رشيقة، وألوانًا معجبة أنيقة، صلبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب، سمهريّة الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الزاغبية، وقرون الأوعال الجبلية، قد تحنّت تحني النساك. وصالت صيال الفتاك. ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة. كأن شمس أصيل طلعت [في] متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفران جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو ثني قضبان فضة اذهب بعضها واحترق شطر، أو حبّات رمل اعتنقت السود منها والصفر. فلما توسطوا تلك الروضة، وانتشروا على اكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشَخَصَتْ إلى الطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوّق سهمه. وافق انقض نجمه مضاعف عليها من وترين، كأنه بروح ذو جسدين، في وسط تسريحة كيس مختوم أو سرة بطن مهضوم، كأنها متخازر ينظر شزرا، أو مصغ يتسمع نزرا، تصيب قلوب الطير بالأنباض وتصيب منها مواقع الأعراض، فلم يزل القوم يرمون ويصيبون. وينجحون ولا يخيبون، حتى خَلَتْ من البندق خرائطهم. وامتلأت بالصيد حقائبهم. فكم عارضت الطير فكسرت اجنحتها وجاجيها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، تعاجَلُ قبل فناء ذمائها، ويصير ريشها كالمجاسد من دمائها، محمولة على حكم الكفار. إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار، تَحنط بتوابلها وأبازيرها،

стр. 3774

وتوارى في قدورها وتنانيرها، ثم تُبعثُ إلى إخوان متوافقين، وخلان مترافقين قد تمالحوا في الطعام، وتراضعوا في المدام، ولا يشوب صفوهم شائب، ولا يُعيب فضلهم عائب، والحمد الله الذي أباحنا لذيذ المطاعم ونهج لنا سبيل المغانم. ومن كلام أبي إسحاق الصابي قوله في عهد كتبه لطفيلي (١): هذا ما عهد علي بن أحمد المعروف بعليكا (٢) إلى علي بن عرس الموصلي حين استخلفه على إحياء سنّته، واستنابَهُ في حفظ رسومه من التطفيل على مدينة السلام، وما يتصل بها من أكنافها، ويجري معها من سوادها وأطرافها، لما توسَّمَهُ فيه مِنْ قلّة الحياء وشدّة اللقاء، وكثرة اللقم، وجودة الهضم، ورآه أهلًا له من سدة مكانه (٣) في هذه الرفاهية المهملة التي فَطَنَ لها، والرفاغية (٤) المطرحة التي امتد إليها والنعم العائدة على لابسها بملاذ الطعوم، ومناعم الجسوم، مُتَورّدًا على مَنْ اتسعت مواد مالِهِ، وتفرَّعَتْ شُعَبُ حالِهِ، وأقدره الله على غرائب المأكولات، وأظْفَرَهُ ببدائع الطيبات. آخذًا من كلّ ذلك بنصيب الشريك المناصف، وضاربًا فيه بسهم الخليط المفاوض، ومستعملًا للمدخل اللطيف عليه، والمتولّج العجيب إليه، والأسباب التي ستُشْرح في مواضعها من هذا الكتاب، وتستوفي الدلالة على ما فيها من رشاد وصواب. وبالله التوفيق وعليه التعويل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أمَرَهُ بتقوى الله، التي هي الجانب العزيز، والحرز الحريز، والركن المنيع، والطود الرفيع، والعصمة الكالئة، والجُنَّةُ الواقية، والزاد النافع يوم المعاد، يوم لا ينفَعُ إلا مثله من الأزواد، وأن يستشعر خيفته في سرّه وجَهْرِهِ، ومراقبته في قوله وفعله، ويجعل رضاه مطلبه، وثوابه ملبسه والقربة منه إربه، والزلفى لديه غرضه، ولا يخالفه في مسعاة قدم، ولا يتعرّض عنده لعاقبةِ نَدَم، وأمَرَهُ أن يتأمل اسم التطفيل

стр. 3775

ومعناه. ويعرف مغزاه ومنحاه، يتصحّفَهُ تصحّف (١) الباحث عن حظه بمجهوده، غير القائل فيه بتسليمه وتقليده، فإنَّ كثيرًا من الناس قد استَقْبَحَهُ ممّن فعله، وكرِهَهُ لمن استعمله، ونسبه فيه إلى الشَّرَه والنهم، فمنهم من غَلِطَ في استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شح على ماله فدافع عنه باحتياله، وكلا الفريقين مذموم لا يتعريان من لباس فاضح، ومنهم الطائفة التي لا ترى شركة العنان، فهي تبذله إذا كان لها، وتتدلى عليه إذا كان لغيرها، وترى أن المنة في المطعم للهاجم الأكل وفي المشروب (٢) للوارد والواغل، وهي أحق بالحرية وأخلق بالخيرية، وأحرى بالمروءة، وأولى بالفتوة، وقد عرفت بالتطفيل ولا عار فيه عند ذوي التحصيل؛ لأنه مشتق من الطفل، وهو وقتُ المساء وأذان العشاء، فلما كثر استعمل في صدر النهار وعجزه وأقله، كما قيل للشمس والقمر: [القمران] (٣) وأحدهما القمر، ولأبي بكر وعمر: العمران وأحدهما عمر، وأمره أن يتعهد موائد الكُبراء والعظماء بغزاياه (٤) وسمط الأمراء والوزراء بسراياه، فإنه يظفر منها بالغنيمة الوافرة، ويصل منها إلى الغريبة النادرة، وإذا استقرأها وَجَدَ فيها من طرائف الألوان الملذة اللسان، وبدائع الطعوم السائغة في الحلقوم، ما لا يَجِدُ عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم، وأمره ان يتبع ما يعرض لموسري التجار ومجهزي الأمصار ر من وكيرة (الدار والعرس) (٥) والأعذار، فإنهم يوسعون على أنفسهم في النوائب بحسب تضييعهم عليها في المراتب. وأمَرَه أن يصادق قهارمة الدور ومدبّريها، ويُرافق وكلاء المطابح وحماليها، فإنهم يملكون من أصحابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم، ويضعونها بحيث يحبّون من أهْلِ موداتهم ومعارفهم، وإذا عدت هذه الطائفة أحدًا من الناس من خلانها، واتخذته أخا من إخوانها، سَعِدَ بمرافقتها، وحظي بمصادقتها، ووصل إلى محابه من جهاتها، وسار به إلى جنباتها (٦)، وأمره أن يتعهد أسواق المتسوّقين، ومواسم المتبايعين، فإذا رأى وظيفة قد زيد (٧) فيها، وأطعمةً قد استحشد مشتريها، اتبعها إلى المقصد بها،

стр. 3776

وشيعها إلى المنازل الحاوية لها، واستعلم ميقات الدعوة، ومَنْ يحضرها من أهل اليسار والمروة؛ فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه، ويكمن له ليصحبه، ويدخل معه، وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الداخلين، فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب ويخرج من سلطان البوّابين والحجاب، حتى يحصل محصلًا قل ما حصله أحد قبله، فما انصرف منه الا ضلعًا (١) من الطعام نزيفًا (٢) من المدام. وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنيات والمغنين، ومواطن الاناث والمخنثين، فإذا أتاه خبر بمجمع يضمهم أو مأدبة تعمهم، ضرب إليها أعقاب إبله، وأنضى حولها مطايا خيله، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم، والثعبان الملتهم، والليث الهاصر (٣)، والعقاب الكاسر، وأمره أن يتجنّب مجامع العوام المقلين، ومحافل الرعاع المقترين، وأن لا ينقل إليها قدمًا ولا يفغر لمآكلها فَمًَا، ولا يلفى في عتب دورها كيسانا، ولا يعدّ الرّجُلَ منهم إنسانا. فإنها عصابة تجتمع لها ضيق النفوس والأحوال، وقلة الأحلام والأموال، وفي التطفيل عليها إجحاف بها يؤثم، وإزراء بمروءة المتطفل (يوصم)، والتجنب لها أجدى (٤) والازورار عنها أرجى. وأمره أن يحزر الخوان إذا وُضِع، والطعام إذا نُقِل، حتى يعرف بالحدس والتقريب، والبحث والتنقيب عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتتانها في الطيب واللذة، فيقدر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يُخْطِئُه الحظ من دقيقها وجليلها، ومتى أحس بقلة الطعام، وعجزه عن الأقوام، أمعن في أوّله إمعان الكيس في سعيه، الرشيد في أمْرِهِ، المالئ لبطنه من كلّ حار وبارد، فإنّه إذا فَعَلَ ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون تظرفًا، ويقلون تأدبًا، ويظنون أن المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم، وتنتهي إلى غاية شبعهم، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الواثق، وينقلبوا بحسرة الخائب أعاذنا الله من مثل مقامهم، وعَصَمنا من شقاء جدودهم. وأمره أن يروّض نفسه، ويغالط حسّه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحًا، ويطوي دونه كشحًا، ويستحسن الصمم عن الفحشاء، ويغمض عن اللفظة الخشناء،

стр. 3777

وإن أتَتْهُ اللكزة في حلقه صبر عليها في الوصول إلى حقه، وإن وقَعَتْ به الصفْعَةُ في رأسه، أغضي عنها لمراتع أضراسه، فإن لَقِيَهُ لاق بالجفاء، قابله باللطف والصفاء، إذ كان إذا وَلَجَ الأبواب، وخالط الأسباب، وجلس مع الحضور، وامتزج بالجمهور، ولا بُدَّ أن يلقاه المُنْكِرُ لأمره، ويمرُّ به المستغرب لوجهه، فإن كان حرًا حَيِيًّا، أَمْسَكَ وتذمم، وإن كان فظا غليظًا همهم وتكلّم، وأن يَجْتَنب عند ذلك المخاشنة، ويستعمل مع المخاطب الملاينة، ليرد غيظه، ويفلّ حدّه، ويكف غربه، ثم إذا طال المدى تكررت الالحاظ عليه فَعُرِف وأنسَتْ النفوس به فألف، ونال من الحال المجتمع عليها منال من حشم وسئل العناء إليها. ولقد بلغنا أن رجلًا من هذه العصابة، كان ذا فهم ودراية، وعقل وحصافة، طفل على وليمة رجل ذي حال عظيمة، فرمقته فيها من القوم العيون، وتصرف بهم فيه الظنون، فقال له قائل منهم: مَنْ تكونُ أَعَزَّكَ الله؟ فقال: أنا أوّل من دعي إلى هذا الحق، قيل له: وكيف ذلك ونَحَنُ لا نعرفك؟ فقال: إذا رأيتُ صاحب الدار عرفني وعرفته نفسي، فجيء به إليه، فلما رآه بدأه بأن قال له: هل قلت لصاحبك أن يصنع طعامك زائدًا على عدد الحاضرين ومقدار حاجة المدعوّين؟ فقال: نعم، فقال: إنما تلك الزيادة لي ولأمثالي، وبها تستظهر لمن جرى مجراي، وهو رزق أنزله الله على يدك، وسببه من جهتك فقال: مرحبًا بك وأهلًا وقربًا، والله لا جَلَسْتَ إلا مع عِلْيَة الناس ووجوه الجلساء والأناس، إذ قد طرفت في قولك وتفننت في فعلك فليكن ذلك الرجل إمامًا لنا نقتدي به، وحاديا نحذو على مثاله إن شاء الله. وأمره أن يكثر من تعاهد الجوارشنات (١) المنفدة للسدد، المقوية للمعد، المشهية للطعام المسهلة لسبيل الانهضام، فإنها عماد أمرِه وقوامه، وبها انتظامه والتامه؛ لأنها تُعين عمل الدعوتين، وتنهض باليوم الواحد بالأكلتين، وهو في تناولها كالكاتب الذي نقط أقلامه، والجندي الذي يُصقل حسامه، والصانع الذي يجدّد آلاته، والماهر الذي يصلح أدواته. هذا عهد علي بن أحمد المعروف (٢) بعليكا إليك، وحجته عليك، لم يألك في ذلك ارشادًا وتوقيفًا، وتهذيبا وتثقيفا، وتمعنًا وتبصيرًا وحثًا وتذكيرًا، فكن بأوامره مؤتمرًا، وبزواجره مزدجرًا، ولرسومه متبعًا، ولحفظها مضطلعًا، إن شاء الله تعالى

стр. 3778

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قلت: وسُئِلتُ في تقليد لطفيلي فعملت: الحمد لله الذي نعم في طيبات رزقه، ورزق بعض خلقه من خَلْقِهِ وأجاز للمرء في بعض المذاهب التوصل بما قدر عليه إلى أخذ حقه، نحمده على نِعَمِهِ التي وسِعَتْ الولائم، ومَتَّعَتْ بأكل كلّ ملائم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أوّل ما يبدأ عنها باسم الله الآكل. ويهنا بها ما يهيًا من المآكل، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي ماعاب قط طعامًا، ولا دعي إلى طعام إلا أَكَلَ ما لم يكن نوى صيامًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتلقمها المسامع التقاما، وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد؛ فلما كان الغذاء هو قوام الأبدان ونظام عمارة البلدان، وموائد الطعام هي التي يجتمع عليها الإخوان، وتزهى بها صدور الإيوان، وتفتح وتختم بالحمد، وتمنح من أطايب الطعام مايتجاوز الحد، ويكون فيها ما يسر العين من بدائع الألوان، ويسري نجوم زباديها في سماء الخوان، وقد تحويه دور بعض البخلاء ومن لا يدعو الناس إلى طعامِهِ دعوة الجفلى (١)، ويكون في ماله الممنوع حق للسائل والمحروم، ومَنْ لا يتوصل إلى الحق منه إلا بالتطفيل المعلوم، ممن تعين الأكل من ماله بأنواع الحيل والهجوم على موائده المحجوبة وراء الحلل، واستعمال الأقدام على هذا وأمثاله لأكل طعامِهِ، وإخلاء المادة من قدامه، ولم يوجد لهذه العظيمة، ولا يُلام صاحب كل وليمة، إلا مَنْ كان إذا أكل اضطلع، وإذا مد يده إلى السماط اقتلع، أو صعد إلى السماء ذبح سعد الذابح وبلع سعد بلع ولم يزل يزلزل الموائد، ويملأ وعاء بطنه بزائد، ولا يعرف ما تكون البطنة، ولا ما تكفي منه اللقمة وتعني منه اللهنة ولا تقابله صدور الأطباق إلا وهي غير مطمئنة، وكان فلان هو الذي طالما كشف وَجْهَ السماط، وحلّ من سفر المخالي الرباط، وجال في جنبات الموائد حتى أخلاها، ورَكَضَ فيها ركض الجواد حتى ألحق أخراها بأولاها، وعرف في الولائم التي لم يزل فيها مشهور الحملة آتيا على التفصيل والجملة، ومعروفًا بكبر اللقم التي يكاد يختنق، وترك التشهي وأكل ما يتفق، وقوة النهمة التي لو لقمت الصخر لسحنته، أو كلّفت حوض البحر إلى كل لقمة واحدة لاستهونته، واشتهر بطبع طبع، عنّى كل من يجيء بعده وأتعب، وفرط طمع أطفأ كل طفيلي وأمات أشعب وأم

стр. 3779

أشعب، ولم يعصم منه باب مغلق، وستر مطبق، ولا طعام جالس على طريق ولا محبوس وراء مضيق، بل لو قيل له: إن اللقمة خلف جبل قاف لقام إليها يسعى، أو في فم الأفعى لمدّ يَدَهُ إليها ولم يخف لسعا، قد تبلط وجهه الوقاح، وأفنى لحوم ذوات الأربع والجناح، ولم يدع في القدور شيئًا عليه يدور، ولا في المخافي ما هو عليه خافي ولا نوعًا من الأنواع، ولا ما يصلح للأكل مما يشترى ويباع. أو واكل ابن أبي سفيان (١) لأشغلَهُ عن العيان، أو سليمان بن عبد الملك (٢) لهلك، أو الملك العادل (٣) لأفقره في العاجل، أو عاصر ميسرة التراس (٤) لما اشتال له معه راس، أو عاشر القائد المغربي مولى فارح لأراه في الأكل كلّ قارح. لا يُعجبه لأجل السعي للأكل إلا كل يوم أغرّ يبدو نوره، وكل ملك إذا تغدى رفعت ستوره، ولا يعد فردًا إلا مَنْ قدَّم إليه قصعة مكلّلةً لحمًا مدفقة ثردًا، ولا يكون نازلا إلا لمن قال: «وإني لعبد (٥) الضيف مادام نازلا»، لا يتغدى بجمل ويتعشى بوسقه (٦) ما حمل، يصرف الأكل بغرارة، ويحمل معدته فوق السبع كارة، ولا يلفيه قدر الرغيف إلا كلما أرهن عليه قوسه حاجب بن زرارة، ولا يقنعه طبخه القدر إلا بجميع ما في الكوارة، يتنقل بأردب (٧)، ويأكل كلّما سعى ودبّ، ويتملّح بمد ملح وقوصرة بصل، ويتحلّى بعديلة تمر ووطب عَسَلْ، يشرب من اللبن وطبًا، وينتقل بحمل الحديقة رطبًا، القنطار عنده أُوقية، والرطل توابل التغذية، لا يحب إلا اسم بلعام (٨) وطعمه، ولا يأكل ملء الطبق إلا في لقمة، يأكل باليدين، ويشبع بالعين، لم يعرف في طول عمره التخم، ولا خاف الوخم، ولا وقع على جيف المآكل إلا وقوع الرخم، ولم يأكل ما شاء في سبعة أمعاء، وإنما يدخر معه في وعاء، ماقرأ من الفقه إلا كتاب الأطعمة،

стр. 3780

ولا سُئل كيف الطريق إلّا قال: أنا ما أحبُّ الاشياء الحلوة الدسمة، ولا نعرف أعرف منه بتلفيق الأسباب، وتخريب عرائش النقانق وقباب الكباب، فما حط يده في طعام إلا محقه، ولا في مأكول إلا وعاد في الحال كأنّ الله ما خلقه، فاقتضى له تقدمه هذه الطائفة (١) أن يكتب له هذا التقليد. ويراد به طول يده وباعه المديد، ويميز على أبناء جنسه من طائفة الشيخ ساسان (٢)، ومن يأخذ أموال الناس باليد ويأكلهم باللسان، ويفعل الفعائل التي ما يظن بها إلا أن زمان أبي الأكاسرة عاد، وينصب النصبات التي لو كان أبو زيد السروجي (٣) حاضرها لما زاد، فرسم أن نقلّده أمر طائفة الطفيلية، ويعاد إليهم أمورهم بالكلية، وأن يكونوا جميعهم تحت أمره المطاع، وأعوانه إذا أكل كل ما على السماط، وخلى الناس وهم جياع، وهو ما يحتاج إلى الوصايا التي تشغله عن الابتلاع، وتلهيه عن النهم الذي هو من خلق السباع. وإنما نقول له على سبيل التذكرة، ونكتفي بالقليل لما عنده من المخبرة. فأول ما نوصيه أنه لا يقف عند منهل ولا يتوقف في أي شيء تسهل، ولا يتخير ليتحير، ولا يفكر إذا تقدم إلى الطعام بحقد مَنْ حَقد، ولا لوم من لام ولا يحسب حساب بقية من حضر، بل يأكل الكل ولا يذر، ولا ينتظر من غاب. ولو كان أسد الغاب، ومهما جاء قدامه رماه بالمحاق، وعاجَلَهُ خوف اللحاق. وإذا قدمت المائدة. بذكر اسم الله لتهرب الشياطين، وتغنّى لئلا تحضر الملائكة وتحيل بكل طريق في عدم المشاركة، وتعجّل مهما أمكنه فإنه ما يؤمن المداركة، وليلف الخبز والإدام، ولا يعف عن لحس الزبادي وقرقشة العظام، ولا يتلافى خاطر من حرد، ولا يترضى، ولا يدع شيئًا مما يطلق عليه اسم الأكل حتى النار التي تأكل بعضها بعضًا، وليباكر الغداء فإنه مكرمة، ويلازم العشاء فقد قال ﷺ ، تعشوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة، وليداوم على ما هو عليه من هذا الأمر، ولا يلتفت لقول زيد ولا عمرو، وليأكل ما حضر. ويحرص على الطيبات، فقد كان ﷺ (٤) يأكل القثاء بالرطب، ويحبّ الحلو والعسل ويحب الزبد والتمر، ولا أقل أن يكون

стр. 3781

فيه هذا من السنّة، ومن تتبع مآكل السلف، وإن كان لا يريد إلا زهد، لا مصور على خاطره، وممثل في ناظره، ثم ليتعهد المهضمات وما يقوّي المعدة ويزيد لهب نيرانها المتقدة. ولا يدع استعمال المسهلات لهييء المعدة لمواقع الغداء والعشاء، ومواضع الأكل في مطاوي الأحشاء، وليستعلم أخبار الأكلين وطوائف الطفيلية المحتالين. لما يحصل بذلك من التأسي، وينهض الشهوة للأكل والتحسّي، وإياه والمضغ، فإنه يطيل المدى، ويقلّل معه مقدار ما يؤخذ من الغدا، ومهما استطاع فليحسن المآكل ويحزن صاحب الضيافة الحزين الثاكل، وليصرف شهواته إلى ما لا يتصرف، وما يقف على المعدة ويتوقف. ويلازم مغلظات الغذاء، ولا يسمع ممن قال: إنه المذموم. وليستكثر من لحوم الجمال والجواميس والبقر، وما أشْبَه هذه اللحوم. وكذلك ما رزن من الحبوب، ووزن، فجاء أضعاف مثله في القدر المحسوب، ودأبك أن تعرف موسم كل مجتمع، ومكان يرجى فيه ملء البطن للشبع، وصرّف أعوانك لتعرف أخبار الأعراس التي يولم فيها الولائم، وبقية المواضع التي ينصرف عنها بشبعه الطاعم، وأسمطة الأمراء ومآدب الوزراء، ومواضع مناصفات الفقراء والأوقاف التي تعمل لها جلاسات الفقهاء والقراء. ومظان الرهان التي تؤخذ فيها الدراهم وتصرف غالبها في أنواع المطاعم ودعوات الإخوان وأهل القصف، ومن يكون على ميعاد استعدّ له، وما لا يبعد من هذا الوصف، ودور أهل اليسار وكبار العامة، والتجار. والجندي إذا جاء من الريف، وحطّ هديته عن الحمار، وأرباب الصنائع الذين منهم من أوتي رزقه. ومن لا يبلغ أجرة عمله في اليوم درهمين، وينفق بعض الأيام أكثر من دينار، ومواضع النزه، فكثيرًا ما يُستخرج بها مال البخيل، والبيوت التي تُطْلَبُ إليها المواشط والدايات فإن النفقة فيها غير قليل، وأقم لك ربيئة على كل رابية وكل مكان يدق عليه بالطبول، وتتبع من يقوم منهم لتهنئة من تجددت له نعمة أو دفعت عنه نقمة، أو غير هذا مما يقتضيه الفضول، ثم أقصد هذه المواضع وابسط يدك كل البسط، وتذكر ماكتب ساسان على عصاه ولا تنس الشرط، ولف الأوز والدجاج والبط. واشرب بالزبادي المرق ولو أنه ماء الشط. وأحرق كلّ ما قدامك، ولو كان النار والكبريت والنفط، وصل صولة الفحل وكل الشهد وإبر النحل، ولا تخل جنى النحل. ولا ما غرست فيه من الوحل، واهجم واسأل ولا تُسَلْ، ولا تفرق في سدّ الجوعة بين الصَّبِر والعسل، وإذا رايت جماعةً فاحدس أنهم اجتمعوا لطعام، أو أفرادًا فاجزم انهم تفرقوا حيلة للالتئام، فاعمل بالحزم واقصدهم وصمم العزم، وانضم إليهم، واهجم هجوم الأسد المفترس، وكُل كل ما بين أيديهم، وتنوّع في الشهوات واقترح

стр. 3782

ولا تخف من غضبهم، فلا بُدَّ أنك وإياهم تصطلح، وكل أكلة تكفي سنين، واستكثر بالآلاف المبين. وقل: [من الكامل] يا أكلةً مَنْ عاش أخبر أهله … أو مات يلقى الله وهو بَطِينُ فإن ضاقت منك عين بخيل، وإن عجلك عن الطعام قبل امتلاء الخرطبيل، وبسط إليك أحدٌ يَدَهُ ليقتلك، أو صفعك بالخفاف ونطلك، فاحتسب مصابك، واصبر على ما أصابك، ولا تهتم بما نزل عليك، ولو نزل الماء الأسود في عينيك، وورم وجهك وخلف أذنيك، ولا تنظر هذا الخطب الجليل إلا حقيرًا، ولا هذا التعزير البليغ إلا على ما سمّى به في الأصل توقيرا، ولا يردّك هذا عن فعلك في المستقبل، واسمع من هذه الوصيّة، وأقبل ولا تستكثر حمل ألف بعير، ولا تستقل حبة خردل، واجمع جنودك على هذه الطاعة، وإن كانوا ما يجمعهم مندل، وبصرهم بشرق البشرة، وعودهم أن لا يأكلوا بالخمسة والكف دون العشرة، وافتح فمك والتهم، وأوسع بطنك واضطرب في السماط واضطرم، وانتقد على البخيل وانتقم، وافعل في هذا فعل مَنْ لا يحتشم ولا يخاف أنه ينبشم، وأبرك في المائدة وارتطم، واضرب للعجلة وجهك بيديك والتطم، وحافظ على هذا واسْتَدِم، واستمك ظهور الموائد واستنم ولو رَفَسَكَ بخفّه البعير، نزله منزلة القرص الكبير، واهجم على الرغيف ولو أنه الغريف (١)، واهجم على الفريسة كالأسد. وادخل الطعام على الطعام ولو فسد. وغالب البخلاء على أموالهم، ولا تفكر في أحد، وطالب من لا لك عنده شيء ولا يضرك من جَحَد، واضرب الجيش بالجيش، وكل السخلة والكبش، والجدي والتيس، وكبّ جموع ربيعة على مضر، ويمن على قيس، ولا يلح على مسامعك عذل عاذل، ولا يرد يدك منع بخيل ولا بذل باذل، ولا يغب عنك الماء لتسويغ الغُصص، وارفاد الطعام به بالقفص، وعليك بالعزائم وإياك والرخص واحذر كل الحذر من الكسل والتواني والقعود عن المواضع التي يُطلب إليها القراء والمغاني. فإن كل هذه المظان التي تسلّط فيها السكين على الضأن. فما كل وقت تصح وليمة، ولا كل حين يمضي عزيمة، والإنسان الشاطر، مَنْ أَكَلَ أكْلَ البهيمة، وما كلّ أوان يتبوأ الأكلُ مضيفٍ يحلّها، ولا ينعم في جنات جفان أكلها دائم وظلُّها. فلا يؤخر يوم سرور ينتظر له غدا، ولا يشيل لعشاءٍ مَنت غدا، ولا يفوّت دعوة كريم يضيف يديه في داره ويقول: وكُلا منها رغدا، ومُرْ أعوانك فليحمدوا الله الذي أطعمهم من أموال

стр. 3783

خلقه، وجعل أيديهم تُعاجل يَدَ صاحب الطعام في سبقه، وأوْصِهِمْ بالشكر وقل لهم: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (١)، والله تعالى يمتعه بما وهبه من بطن لا يشبع. ونفس أدنى من نفس أشعب الطماع وأطمع، وسبيل كل واقف عليه الانتهاء إلى ما يتقدم به من الأمر. وسلوك مسلك أصحاب أبي نعامة معه حتى يأكلوا معه الجمر، ومَنْ خالفه منهم يسقط من جريدة هذا الحساب، ويوقف وراء الحجاب، وأدب بني الطفيلية أدبًا يبقى به إعجوبة، ويُترك في مكانٍ يبصر الناس منه يأكلون ولا يَصلُ إليهم، وكفاه هذا عقوبة. والاعتماد على الحظ الكريم أعلاه. وعنوان قوله في النظم (٢): [من الكامل] إن كنتُ خُنْتُكَ في المودَّةِ ساعةً … فَذَمَمْتُ سيف الدولة المحمودا وَزَعَمْتُ أنّ له شريكًا في العُلا … وجَحَدْتُهُ في فَضْلِه التوحيدا قَسَمًا لو أنّي قد حَلَفْتُ غَمُوسها … لغريم دين ما أراد مزيدا وقوله: [من الكامل] قَلَم يفل الجيش وهو عَرَمْرَمٌ … والبيضُ ما سُلَّتْ من الأغمادِ وَهَبَتْ لَهُ الآجام، حين نشابها … كَرَمَ السيول وهيبة الأساد وقوله: [من الكامل] حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم … ولووا عمائمهم على الأقمار وتَقَلَّدُوا يوم الوغى هندية … أمضى إذا انتضيت من الأقدار قوم إذا لبسوا الدروع حسبتَهُم … كسحابِ غيث مُمطر بنهار إن خوفوك لقيت كل كريمة … أو آمنوك لقيت دار قرار وقوله: [من مجزوء الكامل] وقوله وقد شكا وَجَعَ المفاصل (٣): [من مجزوء الكامل] وَجَعُ المفاصل وهو آ … خر (٤) ما لَقَيْتُ من الأذى جَعَلَ الذي استحسنته … والنَّاسُ (٥) من حظي كذا

стр. 3784

والعُمْرُ مثل الكأس يَرْ … سُبُ في أواخره القذى وقوله (١): [من مخلع البسيط] والنُّقْلُ مِنْ فُستق حديث … رطب تبدى به الجفاف (٢) زُمرد صانه (٣) حرير … في حق عاج له غلاف وقوله (٤): [من الطويل] وللسرّ فيما بين جنبيَّ مَكْمَنٌ (٥) … خَفيٌّ قَصِي عن مدارج أنفاسي كأني من فرط احتفاظي أضَعْتُهُ … فبعضي لَهُ راعٍ وبعضي له ناسي وقوله: [من الوافر] لقد فاوضتُهُ وسَدَدْتُ أنفي … فما نفع احتراسي واحتياطي عَجِبتُ لأُمِّهِ إِذْ قمَّطَتْهُ … لقد وَضَعَتْ خَرَاها في القماط وقوله (٦): [من الطويل] إذا لم يكن بد من الموت للفتى … فأَرَوْحُهُ الأوحى الذي هو أسْرَعُ فكن غرضًا بالعيش لا تغتبط به … فمحصوله خوفٌ، وعُقباهُ مَصْرَعُ وقوله (٧): [من الكامل] حتى إذا داع دعاه إلى الهَوَى … أَصْغى إليه سامعًا ومُطيعا كَذبالةٍ (٨) أَحْمَدْتَها فكما دَنَا … مِنْها الضّرام تَعَلَّقَتْه سريعا وقوله (٩): [من الكامل] قد كُنْتَ طَلَّقْتَ الوزارة عندما (١٠) … زَلَّتْ بها قَدَمٌ وساء صنيعها

стр. 3785

فَغَدَتْ بغيرك تستحلُّ (١) ضرورةً … كيما يحلُّ إلى ذَرَاكَ رُجُوعُها فالآن عادت (٢) ثم آلت حِلْفَةً … أَلا يَبيتَ سواك وهو ضجيعها وقوله في مبخرة: [من الرجز] وقبّةٍ ذاتِ حدودٍ أَرْبَعة … مبنيّة بناء رأس الصومعة في درعها ضيق وفي الطيب سعة … حالية كالغادة المصنعه مزفوفةٍ لفتيةٍ مجتمعه … مَنْ شاءَ أن يخلو بها خَلَتْ معه صُبّت عليها خلع مرتجعة … تلبثُ فيها ثم تعرى مسرعه وقوله: [من الخفيف] أقبلَتْ ثم قبلت ظهر كفّى … قبلةً تنقع الغليل وتشفي فَعَضَضْتُ اليد التي قبلتها … بفم حاسد يريد التشفي وقوله: [من الطويل] فلا تتخذ لحمي غداء تسيغُهُ … وَتَحْسَبُ جهلًا ان سيمريك أكله فقد يَلْسِبُ الفيل المعظم عقرب … فتقتلها من بعد ذلكَ نَعْلُهُ وقوله: [من الكامل] ما زِلْتُ آمل فتح آمل (٣) … مذ سُيّرتْ تلك الجحافل الله ما نطق اللسا … نُ بِهِ وأومات الأنامل واستكتمت أسيافنا … تلك العواتق والكواهل فطعانُنا يفري الكُلى … وضرابنا يبري المفاصل يابرد خر حروبنا … في كلّ صدر ذي بلابل أبَدًا تُرينا في الأوا … خر ما اقترحنا في الأوائل فامدد يديك لما دنا … ولما نأى فالكل حاصل وقوله (٤): وكان شيخنا أبو الثناء (٥) يستحسنه: [من الطويل]
следующие страницы →