← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

فيه هذا من السنّة، ومن تتبع مآكل السلف، وإن كان لا يريد إلا زهد، لا مصور على خاطره، وممثل في ناظره، ثم ليتعهد المهضمات وما يقوّي المعدة ويزيد لهب نيرانها المتقدة. ولا يدع استعمال المسهلات لهييء المعدة لمواقع الغداء والعشاء، ومواضع الأكل في مطاوي الأحشاء، وليستعلم أخبار الأكلين وطوائف الطفيلية المحتالين. لما يحصل بذلك من التأسي، وينهض الشهوة للأكل والتحسّي، وإياه والمضغ، فإنه يطيل المدى، ويقلّل معه مقدار ما يؤخذ من الغدا، ومهما استطاع فليحسن المآكل ويحزن صاحب الضيافة الحزين الثاكل، وليصرف شهواته إلى ما لا يتصرف، وما يقف على المعدة ويتوقف. ويلازم مغلظات الغذاء، ولا يسمع ممن قال: إنه المذموم. وليستكثر من لحوم الجمال والجواميس والبقر، وما أشْبَه هذه اللحوم. وكذلك ما رزن من الحبوب، ووزن، فجاء أضعاف مثله في القدر المحسوب، ودأبك أن تعرف موسم كل مجتمع، ومكان يرجى فيه ملء البطن للشبع، وصرّف أعوانك لتعرف أخبار الأعراس التي يولم فيها الولائم، وبقية المواضع التي ينصرف عنها بشبعه الطاعم، وأسمطة الأمراء ومآدب الوزراء، ومواضع مناصفات الفقراء والأوقاف التي تعمل لها جلاسات الفقهاء والقراء. ومظان الرهان التي تؤخذ فيها الدراهم وتصرف غالبها في أنواع المطاعم ودعوات الإخوان وأهل القصف، ومن يكون على ميعاد استعدّ له، وما لا يبعد من هذا الوصف، ودور أهل اليسار وكبار العامة، والتجار. والجندي إذا جاء من الريف، وحطّ هديته عن الحمار، وأرباب الصنائع الذين منهم من أوتي رزقه. ومن لا يبلغ أجرة عمله في اليوم درهمين، وينفق بعض الأيام أكثر من دينار، ومواضع النزه، فكثيرًا ما يُستخرج بها مال البخيل، والبيوت التي تُطْلَبُ إليها المواشط والدايات فإن النفقة فيها غير قليل، وأقم لك ربيئة على كل رابية وكل مكان يدق عليه بالطبول، وتتبع من يقوم منهم لتهنئة من تجددت له نعمة أو دفعت عنه نقمة، أو غير هذا مما يقتضيه الفضول، ثم أقصد هذه المواضع وابسط يدك كل البسط، وتذكر ماكتب ساسان على عصاه ولا تنس الشرط، ولف الأوز والدجاج والبط. واشرب بالزبادي المرق ولو أنه ماء الشط. وأحرق كلّ ما قدامك، ولو كان النار والكبريت والنفط، وصل صولة الفحل وكل الشهد وإبر النحل، ولا تخل جنى النحل. ولا ما غرست فيه من الوحل، واهجم واسأل ولا تُسَلْ، ولا تفرق في سدّ الجوعة بين الصَّبِر والعسل، وإذا رايت جماعةً فاحدس أنهم اجتمعوا لطعام، أو أفرادًا فاجزم انهم تفرقوا حيلة للالتئام، فاعمل بالحزم واقصدهم وصمم العزم، وانضم إليهم، واهجم هجوم الأسد المفترس، وكُل كل ما بين أيديهم، وتنوّع في الشهوات واقترح

стр. 3782

ولا تخف من غضبهم، فلا بُدَّ أنك وإياهم تصطلح، وكل أكلة تكفي سنين، واستكثر بالآلاف المبين. وقل: [من الكامل] يا أكلةً مَنْ عاش أخبر أهله … أو مات يلقى الله وهو بَطِينُ فإن ضاقت منك عين بخيل، وإن عجلك عن الطعام قبل امتلاء الخرطبيل، وبسط إليك أحدٌ يَدَهُ ليقتلك، أو صفعك بالخفاف ونطلك، فاحتسب مصابك، واصبر على ما أصابك، ولا تهتم بما نزل عليك، ولو نزل الماء الأسود في عينيك، وورم وجهك وخلف أذنيك، ولا تنظر هذا الخطب الجليل إلا حقيرًا، ولا هذا التعزير البليغ إلا على ما سمّى به في الأصل توقيرا، ولا يردّك هذا عن فعلك في المستقبل، واسمع من هذه الوصيّة، وأقبل ولا تستكثر حمل ألف بعير، ولا تستقل حبة خردل، واجمع جنودك على هذه الطاعة، وإن كانوا ما يجمعهم مندل، وبصرهم بشرق البشرة، وعودهم أن لا يأكلوا بالخمسة والكف دون العشرة، وافتح فمك والتهم، وأوسع بطنك واضطرب في السماط واضطرم، وانتقد على البخيل وانتقم، وافعل في هذا فعل مَنْ لا يحتشم ولا يخاف أنه ينبشم، وأبرك في المائدة وارتطم، واضرب للعجلة وجهك بيديك والتطم، وحافظ على هذا واسْتَدِم، واستمك ظهور الموائد واستنم ولو رَفَسَكَ بخفّه البعير، نزله منزلة القرص الكبير، واهجم على الرغيف ولو أنه الغريف (١)، واهجم على الفريسة كالأسد. وادخل الطعام على الطعام ولو فسد. وغالب البخلاء على أموالهم، ولا تفكر في أحد، وطالب من لا لك عنده شيء ولا يضرك من جَحَد، واضرب الجيش بالجيش، وكل السخلة والكبش، والجدي والتيس، وكبّ جموع ربيعة على مضر، ويمن على قيس، ولا يلح على مسامعك عذل عاذل، ولا يرد يدك منع بخيل ولا بذل باذل، ولا يغب عنك الماء لتسويغ الغُصص، وارفاد الطعام به بالقفص، وعليك بالعزائم وإياك والرخص واحذر كل الحذر من الكسل والتواني والقعود عن المواضع التي يُطلب إليها القراء والمغاني. فإن كل هذه المظان التي تسلّط فيها السكين على الضأن. فما كل وقت تصح وليمة، ولا كل حين يمضي عزيمة، والإنسان الشاطر، مَنْ أَكَلَ أكْلَ البهيمة، وما كلّ أوان يتبوأ الأكلُ مضيفٍ يحلّها، ولا ينعم في جنات جفان أكلها دائم وظلُّها. فلا يؤخر يوم سرور ينتظر له غدا، ولا يشيل لعشاءٍ مَنت غدا، ولا يفوّت دعوة كريم يضيف يديه في داره ويقول: وكُلا منها رغدا، ومُرْ أعوانك فليحمدوا الله الذي أطعمهم من أموال

стр. 3783

خلقه، وجعل أيديهم تُعاجل يَدَ صاحب الطعام في سبقه، وأوْصِهِمْ بالشكر وقل لهم: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (١)، والله تعالى يمتعه بما وهبه من بطن لا يشبع. ونفس أدنى من نفس أشعب الطماع وأطمع، وسبيل كل واقف عليه الانتهاء إلى ما يتقدم به من الأمر. وسلوك مسلك أصحاب أبي نعامة معه حتى يأكلوا معه الجمر، ومَنْ خالفه منهم يسقط من جريدة هذا الحساب، ويوقف وراء الحجاب، وأدب بني الطفيلية أدبًا يبقى به إعجوبة، ويُترك في مكانٍ يبصر الناس منه يأكلون ولا يَصلُ إليهم، وكفاه هذا عقوبة. والاعتماد على الحظ الكريم أعلاه. وعنوان قوله في النظم (٢): [من الكامل] إن كنتُ خُنْتُكَ في المودَّةِ ساعةً … فَذَمَمْتُ سيف الدولة المحمودا وَزَعَمْتُ أنّ له شريكًا في العُلا … وجَحَدْتُهُ في فَضْلِه التوحيدا قَسَمًا لو أنّي قد حَلَفْتُ غَمُوسها … لغريم دين ما أراد مزيدا وقوله: [من الكامل] قَلَم يفل الجيش وهو عَرَمْرَمٌ … والبيضُ ما سُلَّتْ من الأغمادِ وَهَبَتْ لَهُ الآجام، حين نشابها … كَرَمَ السيول وهيبة الأساد وقوله: [من الكامل] حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم … ولووا عمائمهم على الأقمار وتَقَلَّدُوا يوم الوغى هندية … أمضى إذا انتضيت من الأقدار قوم إذا لبسوا الدروع حسبتَهُم … كسحابِ غيث مُمطر بنهار إن خوفوك لقيت كل كريمة … أو آمنوك لقيت دار قرار وقوله: [من مجزوء الكامل] وقوله وقد شكا وَجَعَ المفاصل (٣): [من مجزوء الكامل] وَجَعُ المفاصل وهو آ … خر (٤) ما لَقَيْتُ من الأذى جَعَلَ الذي استحسنته … والنَّاسُ (٥) من حظي كذا

стр. 3784

والعُمْرُ مثل الكأس يَرْ … سُبُ في أواخره القذى وقوله (١): [من مخلع البسيط] والنُّقْلُ مِنْ فُستق حديث … رطب تبدى به الجفاف (٢) زُمرد صانه (٣) حرير … في حق عاج له غلاف وقوله (٤): [من الطويل] وللسرّ فيما بين جنبيَّ مَكْمَنٌ (٥) … خَفيٌّ قَصِي عن مدارج أنفاسي كأني من فرط احتفاظي أضَعْتُهُ … فبعضي لَهُ راعٍ وبعضي له ناسي وقوله: [من الوافر] لقد فاوضتُهُ وسَدَدْتُ أنفي … فما نفع احتراسي واحتياطي عَجِبتُ لأُمِّهِ إِذْ قمَّطَتْهُ … لقد وَضَعَتْ خَرَاها في القماط وقوله (٦): [من الطويل] إذا لم يكن بد من الموت للفتى … فأَرَوْحُهُ الأوحى الذي هو أسْرَعُ فكن غرضًا بالعيش لا تغتبط به … فمحصوله خوفٌ، وعُقباهُ مَصْرَعُ وقوله (٧): [من الكامل] حتى إذا داع دعاه إلى الهَوَى … أَصْغى إليه سامعًا ومُطيعا كَذبالةٍ (٨) أَحْمَدْتَها فكما دَنَا … مِنْها الضّرام تَعَلَّقَتْه سريعا وقوله (٩): [من الكامل] قد كُنْتَ طَلَّقْتَ الوزارة عندما (١٠) … زَلَّتْ بها قَدَمٌ وساء صنيعها

стр. 3785

فَغَدَتْ بغيرك تستحلُّ (١) ضرورةً … كيما يحلُّ إلى ذَرَاكَ رُجُوعُها فالآن عادت (٢) ثم آلت حِلْفَةً … أَلا يَبيتَ سواك وهو ضجيعها وقوله في مبخرة: [من الرجز] وقبّةٍ ذاتِ حدودٍ أَرْبَعة … مبنيّة بناء رأس الصومعة في درعها ضيق وفي الطيب سعة … حالية كالغادة المصنعه مزفوفةٍ لفتيةٍ مجتمعه … مَنْ شاءَ أن يخلو بها خَلَتْ معه صُبّت عليها خلع مرتجعة … تلبثُ فيها ثم تعرى مسرعه وقوله: [من الخفيف] أقبلَتْ ثم قبلت ظهر كفّى … قبلةً تنقع الغليل وتشفي فَعَضَضْتُ اليد التي قبلتها … بفم حاسد يريد التشفي وقوله: [من الطويل] فلا تتخذ لحمي غداء تسيغُهُ … وَتَحْسَبُ جهلًا ان سيمريك أكله فقد يَلْسِبُ الفيل المعظم عقرب … فتقتلها من بعد ذلكَ نَعْلُهُ وقوله: [من الكامل] ما زِلْتُ آمل فتح آمل (٣) … مذ سُيّرتْ تلك الجحافل الله ما نطق اللسا … نُ بِهِ وأومات الأنامل واستكتمت أسيافنا … تلك العواتق والكواهل فطعانُنا يفري الكُلى … وضرابنا يبري المفاصل يابرد خر حروبنا … في كلّ صدر ذي بلابل أبَدًا تُرينا في الأوا … خر ما اقترحنا في الأوائل فامدد يديك لما دنا … ولما نأى فالكل حاصل وقوله (٤): وكان شيخنا أبو الثناء (٥) يستحسنه: [من الطويل]

стр. 3786

أقول وقد جرّدتها من ثيابها … وعانقت منها البدر في ليلة التم لقدْ آلَمَتْ صَدْري بشدّةِ ضمها (١) … لَقَدْ جَبَرت قلبي وإن أوْهَنَتْ عظمي وقوله: [من مجزوء الكامل] قُلْ لابن نصر قولَ مَنْ … سمع الأذى منه وشمة ياليتَ مَنْ حَفَرَ الكنيـ … ف بوسط وجهك منه ضمه وقوله يصف الجوزاء بين الشعريين: [من البسيط] وقد تجدَّلَتِ الجوزاء بينهما … كأنّه جثةٌ مضروبة العنق ورام أخْذَ الثريا وهو يحسَبُها … خريطةً سَقَطَتْ ملاى مِنَ الوَرَقِ وقوله (٢) في الخمر: [من المنسرح] صفراء كالتبر جامُها يَقَقُ … شُعاعُها كالذبال يأتلق كأنّها في كف من أتاك بها … ضُحَى نهار في وسطه شَفَقُ وقوله: [من الخفيف] بين فكَيْكَ يا ابن نصرٍ مَضيقُ … فِيهِ بالشم للمنايا طريق فاتق الله في الورى وتَلَثَّمْ … أيُّ نفس لبعض هذا تُطِيقُ وقوله (٣): [من الطويل] إذا كنت قد أَيْقَنْت أنك هالك … فمالكَ مِمَّا دُونَ ذلك تُشفِقُ ومما يشين المرء ذا الحكم أنَّه … يرى الأمر حتمًا واقعًا وهو يقلق وقوله: [من البسيط] بكى المظفرُ مِنْ أفراطِ قَرْوَتِهِ (٤) … فكلُّ مَنْ أَبْصَرَتْهُ عَينُهُ ضَحِكا كأنها إذ بدتْ والأير راكبها … زق يصيد عليها سابح سمكا

стр. 3787

وقوله (١): [من الخفيف] أيها النابح الذي يتصدّى … بقبيح (٢) يقوله لجوابي لا تؤمل أنِّي أَقولُ لَكَ: أَخْسَأ … لستُ أسْخُو بها لكل الكلاب وقوله: [من الخفيف] عظمت قروة المظفر حتى … أعجزت كل ناظر يشتهيها غيبت أيره فلم يبق إلا … فيشةٌ منه ربما تدريها كالسلحفاة حين تُطلع رأسًا … فإذا أوْحَشَتْ تراجع فيها وقوله: [من الوافر] أبا الخطاب لو أني رهين … ببطن القاع ينعاني نعاتي لألْزَمَك الوفاء وصالَ رَمْسِي … فكيف تجيز هجري في حياتي وقوله (٣): [من مجزوء الكامل] قل للشريف المنتمي … للغُرِّ مَنْ سَرَوَاتِهِ شاد الأولى لك منصبًا … قوَّضْتَ من شُرُفاتِهِ والعود ليس بأصله … لكنّه بنباتِهِ والماء يفسد إن خَلَطْـ … ـتَ أجاحَهُ بفراتِهِ وأحَقُّ مَنْ نكستَهُ … بالصفر مَنْ دَرَجاتِهِ مَنْ مَجْدُهُ مِنْ غيره … وسفاله من ذاته وقوله في إمام آخر: [من المنسرح] يا مَنْ يُصلّى صلاة شكّ … يطول في إثرها قُنُوتُهُ إن كنت تبغي الثواب فاسكُتْ … رُبِّ فَمِ أَجْرُهُ سُكُوتُهُ وقوله (٤): [من مخلع البسيط] وانحر أعادي بني بُوَيْهِ … بالسيف في جملة الأضاحي فالكل منهم ذوو قرون … تصلح للذبح والنكاح

стр. 3788

وقوله في مدخنة (١): [من الطويل] ومحرورة الأحشاء تحسب أنها … مُتيَّمةتشكومِنَ الحُبّ تبريحا يحرقُ فيها العود عَوْدًا وبدأةً … فتأخذُهُ جسمًا وتبعثه روحا وقوله: [من الكامل] قبَّلْتُ منه فمًا مجاجتُهُ … تجمعُ معنى المدام والشهد كأن مجرى سواكه بَرَد … وريقه ذوب ذلك البرد وقوله: [من الطويل] وقالوا اتخذ أخرى سواها لعلها … تُنَسِّبْكَ ذكراها التي تتردد فَقُلْتُ لهم بُعْدًا وسُحقًا لرأيكم … أأقلع عيني حين تذرو وترمد وقوله في وردة: [من البسيط] حمراء مصفرة الأحشاء ناعتة … طيبًا تخالُ به في الطيب عطارا كأن في وسطها تبرا يُخلّطُهُ … قَيْنُ يضرّمُ مِنْ أوراقها نارا وقوله: [من الطويل] وَهَبْتُ له عمر الشبيبة صُحْبةً … وأكرِم بذي جود إذا وهَبَ العمرا فلما ألمت للزمان مُلِمَّةٌ … فَزِعْتُ إليه والتمَسْتُ بهِ النصرا فَصُمَّ ولم يسمع نداءً ولم يُجِبْ … داعاءً كأني فيه مستنطق صحرا ورقتْ صُروف الدهر لي مِنْ صنيعه … فأَصْبَحْتُ أشكوه واستصرخ الدهرا وقوله: [من الكامل] مازِلْتُ في سُكْرِي أُلمع كفّها … وذراعها بالقرص والآثار حتى تركت أديمها [وكأَنَّما] … غُرِسَ البنفسج منه في الجمار وقوله: [من السريع] وَمَنْ طَوَى الخمسينَ مِنْ عُمْرِهِ … لاقى أمورًا فيه مستنكَره وإن تخطاها رأى بعدها … مِنْ حادثات النقص ما لم يره وقوله (٢): [من البسيط]

стр. 3789

إن نحنُ قِسْناك بالغصن الرطيب فَقَدْ … خَفْنا عليك به ظُلْمًا وعدوانا (١) لأن أحْسَنَ ما نلقاه مكْتَسِيًا … وأنتَ أحسنُ ما نلقاك عريانا وقوله: [من مجزوء الكامل] يا من بَدَتْ عريانةً … فرأيتُ كلّ الحسن منها كانت ثيابُكِ عَوْرَةً … فَسُتِرْتِ بالتجريد عنها وقوله: [من الطويل] خضاب تقاسمناه بيني وبينها … ولكنَّ شأني فيه خالف شانها فا قبحهُ إِذْ حلَّ مني مفرقي … ويا حسنَهُ إِذْ حَلَّ منها بنانها وقوله في إسطرلاب أهداه (٢): [من البسيط] اهدى إليك بنو الآجال واختلفوا … في مهرجان جديد أنْتَ مُبليهِ (٣) لكن عبدك إبراهيم حين رأى … عُلُوّ قدرك لا شيء (٤) يُداينه لم يَرْضَ بالأرضِ مُهداة إليك فقد … أهدى لَكَ الفلك الأعلى بما فيه وقوله: [من الخفيف] يشتهي النَّذل أن يكون كريمًا … فإذا سيم ما اشتهاهُ أَبَاهُ فهو مثلُ العِنّين يشتهي النيـ … ـك ولا يستطيعُهُ إنْ أتاهُ وقوله (٥): [من الكامل] وَمِنَ العجائب انني هنّأتُهُ … وأنا المهنّأُ فيه بالنعماء وقوله (٦): [من الكامل] ياذا الذي جَعَلَ القطيعةَ دابَهُ … إِنَّ القطيعة موضع الريب إن كان ودّكَ في الطَّويَّة كامنًا … فاطلب صديقًا عالمًا بالغيب وقوله: [من الخفيف] صد عني مستعذبًا لعذابي … وجفاني كعادة الأحباب

стр. 3790

كلّ يومٍ يَرُوعُ قلبي بفن … من تجنّيه لم يكن في حسابي وقوله: [من الطويل] لِئَن صِرْتُ حِلْسَ البيت خَلْفَ جدارِهِ … فبالأمس مني تستعيد النجائب كذاك أبو الأشبال يربض مرصدًا … ولا بد من أن يغتدي وهو آيب وقوله (١): [من الطويل] تورد دمعي فاستوى ومُدامتي … فَمِنْ مثل ما في الكأس عيني تَسْكُبُ فوالله ما أدري أبالخمر أسْبَلَتْ … جفوني أمْ مِنْ دمعتي كنتُ أشْرَبُ وقوله: [من السريع] سألتُ عَنْهُ مجلسًا قامه … قدْ كانَ مأكولًا لهُ مُعْجِبا فقال: ما قولك في مَدْخَلٍ … وَجَدْتُ منه مخرجي أطيبا وأما: [٢] محمد بن أبي محمد بن الفياض (٢) كاتب (٣) سيف الدولة، فكان يكتب في ماله، بل كان الممول له، والمخول في كل ما ملك. وكان يعجن مداده بالمسك. ولا يليق دواته إلا بماء الورد، وكان شعلةً لا تُطفا، وبارقة لا تخفى، بذهن مُتَّقد، وفكرٍ منتقد، إلا أن مادته مقصورة، وجادته محصورة، وبدائعه كثيرة على قلتها يسيرة، إذا قيست إليها النجوم بجملتها أرضى سيف الدولة بن حمدان، وامضى عزائم رأيه وقد نَعَسَ الفرقدان. فتقدم أمام الكتاب، ولواؤه منصور، وعدوّه ببيانه كالليل بالكوكب الدري منحور. ولَهُ نَتْرُ منه قوله: وقد علم الدمستق مواقع سيوفنا منه وأيامنا الماضية معه، وأنه ما تحامل إلينا إلا على ضَلَع، ولا أقْبَل حتى رَجَع، وها نحن ننشده أما القطيعة وأما الوقيعة والسلام. ومنه قوله:

стр. 3791

وأنتم أحوج إلى طلب الفداء لأُسراكم منّا إليه، وأجدر إلى استهمت رماح الجبلين عليه؛ لأنكم تربعون به تكثرًا من قلّة، وتعزّزًا من ذلّة، ولسنا كذلك، إنّا لا نأسف على من نقص من عدد. ولا نبالي بمن أمسك من مدد. ثقة بما عوّد الله من النصر، وأتى من الأجر بالصبر. ومنه قوله: وَرَدْنَا والأرض كأذناب الطواويس، والطير زجله كأصوات النواقيس، وقد اهتز الشجر، وكلَّل النبات المطر. والطرف قد رتع كالطرف في تلك الميادين. والنسيم قد ضَمَّخ من شذا تلك البساتين، فلم تكن لنا أمنيّة إلا أن نراك ونثري بلقياك سقي ثراك. ومنه قوله: وقد أجلتنا يومين وهذا ثالث، وأعطيتني عَهْدَين وكُنْتَ الناكث، فهل أبتدعت ما أتيت؟ أو كان لك عليه باعث. فيا قسيم روحي ويا نسيم صبوحي. ها قد آن الغبوق إلا أنه بقرقف مرشفيك، وكأس عينيك، ووالله لا شربت إلا على آس عذارك وورد خديك، فابرر قسمي. وردّ الجواب من فمك إلى فمي. وسيأتي ذكر أبيه في الشعراء، وبه كانت لابنه هذه المكانة من سيف الدولة وكلاهما أعني هذا وأباه ذو تيهِ وَصَلَف، وكلاهما من صاحِبِهِ خَلَفْ. وأما: [٣] الحريري، أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، صاحب المقامات (١) فإنه فيما سواها ما قاربها ولا داناها، حتى عجز عند الامتحان عن كتابة كتاب أمر به على ما وَشَّع من تلك المقامات ووسع من تلك المقالات. وبرع في ذلك المذهب، وعرف له من الحريري المذهب. هذا: والدهر من رواته، والناس سواء في عدم مساواتِهِ، وهو مادة أهل الأدب والذي ينسلون إليه من كل حَدَبٍ. إلا أنه لم يقدر أن يكون مكلفًا، ولا استطاع أن يكون لغير أمالي خاطره متلقفًا. وهذا مذهب غير

стр. 3792

مذهب كتاب الانشاء المكلفين اتباع غرض غيرهم، حتى يقسروا خواطرهم على ذلك. على أن الرجل فضله عظيم ومثاله الدهر به عقيم، وقدره جليل. ونظيره قليل، منبع الفضائل ونبعتها. وصيّت الفواضل وسمعتها، توقته الأعداء سمامًا، وألقته الأولياء سهاما، وكان معدن نائل وموطن كلّ طائل. باري غرب يريش ويبري. ويجيش قليب خاطره ويجري. أبرز ما لم يستطعه الأوائل، وأحرز قصبات السبق على كل قائل، وكان سبب وضعه لمقاماته ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال (١): كان أبي جالسًا في مسجده ببني حرام (٢) فدخل عليه شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر، رث الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سُرُوج، فاستخبروه عن كنيته، فقال: أبو زيد. فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون. وعزاها إلى أبي زيد المذكور. واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين [أبا] (٣) نصر أنو شروان بن خالد القاشاني وزير المسترشد، فلما وقف عليها أُعْجِبَتْهُ وأشار [على والدي] (٤) أن يضم إليها غيرها. فأتمها خمسين مقامة. وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في الخطبة: فأشار من إشارته حُكْمٌ، وطاعته غُنْم، اليّ أنْ أُنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع. قال ابن خلكان (٥): ورأيت في سنة ست وسبعين وست مئة بالقاهرة نسخة مقامات بخط الحريري. وقد كتب أيضًا بخطه على ظهرها أنه صنعها للوزير جلال الدين (٦) عميد الدولة ابن صدقة وزير المسترشد ايضًا. قال ابن خلكان: ولا شك أن هذا أصح من الرواية الأولى لكونه بخط المصنف. والله أعلم. وأما تسمية الراوي بالحارث بن همام، فإنما عنى نفسه، وهو مأخوذ من قوله ﷺ : «كلكم حارث وكلّكم همام» فالحارث الكاسب، والهمام الكثير الاهتمام. وما

стр. 3793

من شخص إلا وهو حارِثٌ وهُمَام؛ لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره. وكان الحريري قد عمل من المقامات أربعين مقامة، وحملها إلى بغداد وادعاها، فقال جماعة من أدباء بغداد: ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته فقال: أنا رجل منشئ. فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية من الديوان. وأخذ الدواة والورقة، وسكت زمانًا فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان من جملة من أنكر دعواه أبو القاسم علي بن أفلح (١) فأنشد (٢): [من المنسرح] شيخ لنا من ربيعة الفَرَس … ينتف عثنونَهُ منَ الهَوس أنْطَقَهُ الله بالمشان كما … رماه وسط الديوان بالخرس وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعًا بنتف لحيته عن الفكر. وكان يسكن في مشان البصرة. فلما رجع إلى البصرة عمل عشر مقامات أُخر وسيرهنّ واعتذر من عيّه وحصره بالديوان مما لحقه من المهابة (٣). وللحريري عدة تصانيف طريفة لطيفة «كدرة الغواص» و «ملحة الأعراب» ويقال: إنه عملها لجواري الخليفة لكي يحفظنها ويقمن السنتهن بها. قلت: وهي [على] ما حوت من العلم سهلة المأخذ، كأنما شعرها غزل. ولو لم يكن منه إلا قوله: [من الرجز] ولن يطيب الوصل حتى تسعدي … يا هند بالوصل الذي يروي الصَّدِي وله نظم ونثر في غير المقامات، ومنها قوله نثرًا: ولما استخدم الخادم فيما أهل له آنفًا، اعتمد في الخدمة مايتهيب قلمه الافصاح عنه، ويعرف بأن سعادة الديوان العزيز هي التي سنّت ما تسنّى منه. وتقدم له الوعد بانه عند تصفح مساعيه يمنح من المساعفة بما يرتجيه، ولم يقدم قلمه على التذكير بالوعد الشريف إلا بعد ما أنطقه لسانُ التوفيق للخدمة، وكفل له بمزيد الحظوة من النعمة، فإن اقتضت الآراء العلية إنجاز موعده، كان ذلك إنعامًا يقع عند معترف

стр. 3794

بوقعه، مستنفد في الطاعة غاية وسعه. ومه قوله: لولا خبرتي بفضله السائر، وانعامه المستجد الغابر، لاستربت فيما يُحكى وامتريت فيما يروى. ولكن ما خلا عصر من جواد، ولكل قوم هاد، فأنه أبقاه الله، وإن تصرفت الأحوال. وتشعبت الأقوال. كالغمام لا يقطع سُقياه، ولا يستطيع أحد يرد حياه، وللرأي الشريف مزيد علوّه في الانعام بتأول ما أوضحته. والتطوّل بما اقترحته. ومنه قوله: (١) رزء تساهم فيه الأنام وأظلمت ليومه الأيام، واستغرب عنده الحمام وعزي فيه الدهر بكامل أبنائه، وندب فيه شقيق السحاب، فاستعبر بدموع أنوائه. ومنه قوله: وصل من المجلس أكمل الله سعوده، وأحْمَدَ حسوده، كتاب اتسم بالمكرمة الغراء، وابتسم عن النعمة العذراء، ووجدت بما ألْحَفَ من الجميل وأتحف من التجميل. ما كانت أطماعي تهفو إليه. وآمالي تحوم حواليه، إذ ما زلت مذ استمليت وصف المناقب الشريفة، أبعث قلمي على أن يفاتح. وأن يكون الرائد لي والماتح. وهو ينكص نكوص الهيوبة، وينكل نكول الكهام عن الضربية، إلى أن بديت وهديت. ورأيتُ كيف يُحيى الله ويُميت، فلم يبق بعد أن انشط العقال، واستدعي المقال، إلا أن أنقل التمر إلى هَجَر، والهشيم إلى الشجر، فأصدرتها متشحة بالخجل، مرتعشةً مِنَ الوجل، وأنا معترف بالتقصير، معتذر باللسان القصير، ولكلّ امرئ ما نوى (٢)، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣). ومنه قوله: ولعل الأيام تسمح بمتعة الملاقاة، فأجعلها غرّة الأوقات. وأعظمها كتعظيم حُرْمَةِ الميقات، وهو إذا أتحفني بسطرين في كل شهرين يكون قد أمطاني رتبة تضاهي النسرين. وأولى نِعمةً تبقى على العصرين. ومنه قوله يهنئ بشهر رمضان: [من الخفيف]

стр. 3795

أنتَ في الناس مثل ذا الشـ … ــهر في الأشْهُر، بل مثل ليلة القدر فيه أسْعَدَ الله المجلس بمقدم هذا الشهر ومطلع هلاله المنيف، وهذا دعاء لو سكت كفيته. وسؤل ولله الحمد أوتيته. ومنه قوله: إذا كانت المودات حَرَسَ الله عزّ سيدنا أنْفَسَ المرام المخطوب، وأنفع ما اقتنى لدفع الخطوب، فلا لوم على مَنْ استسعى قدمه لخطبتها، واستعلق قلمه لطلبتها، لاسيما إذا كانت تعجب المتأمِّل، وتسعف المؤمِّل هذا وأنا مع المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصفات من المصافاة، اعترف بوجوب معاتبتي لقصور مكاتبتي، واعتذر من عظيم هفوتي لتمادي جفوتي، ولولا أن لمفاتحة حضرته وقفَةٌ المتهيب. وخَجْلَةِ القطر من الصيب، لما استهدف قلمي لمرام الملام، ولا استنكف أن يكون سكيّتًا في حلبة الأقلام، وها هو الآن قد أقدم إقدام الوقاح. وتعرض للافتضاح، فإن رزق بالقبول تحسينا، أو بمصافحة يديه تزيينًا، فقد فاز فوزًا عظيمًا، وحل محلًا كريمًا، وأنى له َ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (١)، فما قيل إلا بما هو له أهل. [من الكامل] ولربما استيأستُ ثم أقول لا … إن الذي استشفَعتُ منه كرِيمُ ومنه قوله: ولم يزل الخادم يستملي من أنباء الكرام الطاهرة، والفضائل المتظاهرة، ما يود لو سعد برؤيته، وقرب إسعاده في روايته، ويوقن معه أن الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ويخص بكراماته، وقد أقْدَمَ الآن بعد أحجامِهِ في استخدام أقلامه، فإن رزق من الايجاب الشريف ما يحقق التأميل، فهو المظنون في كرمه البديع، وطوله الوسيع، والآن فللخادم حرمة من أحْرَم وقصر وطَلَبَ النصرة فلم ينصر، والله تعالى لا يخلي المجلس من تفاديه واسترقاق الأحرار بأياديه. ومنه قوله: سطرها الخادم وهو متمسك بالولاء الذي يتمسك بحبله، والدعاء الذي هو جهد مثله، والثناء على صنائعه التي طالما أبكى بها، وأضحك الآمال، وقصده أن يتعمد بعواطفه التي تحقق الأمل، ومجاراته على حسب النية لا العمل.

стр. 3796

ومنه قوله: أصدرت هذه الخدمة، واليد تنكل عن مطاوعة القلم لهذه النازلة التي أصم نعيها السامع وهوّن وَقْعُها الفجائع: [من الطويل] فلا قلب إلا قد تباين صدعُهُ … ولا عين إلا وهي تذرف بالدم ومنه قوله: وهنأ بالنجاح كلَّ مَنَ عَشَى إلى ضوء نارِهِ، وانتجع صوب أمطاره، وسمع أخبار كرمه، فاهتدى إلى قصد الكريم بأخباره. ومنه قوله: وحَبَسَ عليه المدائح التي حازها بالاستحقاق، واستخلصها بكلمة الاتفاق. ومنه قوله: وما زال متصلًا من الكمال، بما لا يقبل معه مزيدًا، ولا يستطيع خلق لملابسه تجديدا، خلقًا دان الخلق لمعجزاته، وقصرت الأفعال عن تحقيق صفاته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. ومنه قوله: واشتاق إلى تلك الالفاظ المعسولة، والمعاني المشمولة، التي تميل بأعطافها نشوة الفصاحة، وتَفْتَرُّ عن محاسنِهِ شفاه الرجاحة، فلا جَرَمَ، أنها قد شغلَتْني أن أنطق بمنثور ملقح أو منظوم منقح. ومنه قوله: وكتب الخادم هذه الخدمة أواخر شعبان عظم الله لدى مولانا ميامن تقضيه، وبركات ما يليهِ، جَعَلَ الأيام كلّها مواسم مساره وصحائف مباره ومعالم مآثره الحسان وآثاره. ومنه قوله (١): مِنْ شِيَم السادات حفظ العادات، فما بال سيّدنا أغْلَقَ باب الوصال بعد فتحه، وأصلد زند الإيناس بعد (٢) قَدْحِه، وأوْرَدَني أَوَّلًا شريعة بِرِّهِ، ثم أجلاني (٣) عن

стр. 3797

شاطئ بحره، إن كان [ذلك عن ملل] (١) فأنا أنزهه منه، أو لزلل (٢) فاستغفر الله منه، ولعل سيدنا يعود إلى عطفه الكريم، ويروّح قلبي بمؤانساتِهِ الأَرِجَةِ النسيم. وإذا تكرّم عند عَرْضِ ما كتبته بما تَحْسُن به الجلوة، وتُجلَبُ به الحظوة، شكرت العارفة الحلوة. ومنه قوله (٣): جَعَلَ الله الدولة القاهرة مُونقَةَ النضارة مشرقة الانارة، ممنوحة الاطالة، ممدوحة الإيالة، ولا أخلاها مِنْ مأثرة تروى عنها وتؤثر، ومنقبة تُذكر على تعاقب الأزمنة وتشكر، ولا زالت مُمْطِرة الأزمنة حالية بالمناقب البينة، مَثْلُوّة الأوصاف بجميع الألسنة، مبثوثة المدائح بكل الأمكنة، وأسبغ على أطراف البلاد من عواطفها ما أضحك مباسم الظنون، وَحَلَّ كالغيث الهتون، ولا برحت أيامها ممتدة المدة، مُحتفّة بالتهاني المستجدة. وأورف ظلّها على الخلق. وأغلى كلمتها القائمة بنصر الحق. ما [دارت] (٤) الشهب، ودَرَّت السُّحُب وشهرت القُضُب، ونُشرت الكتب. واستهلت الأهلة، واستهلت الأنواء المنهلة. ومنه قوله: وَصَلَ إلى العبد ما أُهل له من مدارع التشريف الذي أحيا رمته، وجلاغُمَّتَه، واتخذه فخرًا لأعقابه وذخرًا لمآبِهِ، وهو يرجو أن يقابل مواقع النعمة بما يجب من الشكر بلسان الخدمة، وسيتضح من مساعي الخادم ونصائحه تأثير شكر جوارحه. ومنه قوله: [من الطويل] ولو أن أنفاسي أصبنَ بحرّها … [حديدًا] (٥) إذا كاد الحديد يذوب ولو أن عيني أطلَقَتْ من بكائها … لما كان في عام الجدوب جدوب بي (٦) من الاشتياق إلى الخدمة ما يصدعُ الأطواد، فكيف الفؤاد؟ ويوهي (٧) بالجبال فكيف البال؟ ولولا التعلل بترجي الالتقاء لقيل عنه لك يا مولانا البقاء. إلا أنه يستدفع الحزن بسوف، ويزجر الأسى بعسى، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (٨).

стр. 3798

ومنه قوله (١): المراتب تتفاضل مراقيها بتفاضل راقيها، وتتفاوت معاليها بتفاوت (٢) مَنْ يليها. ولولا ما يعلمه سيدي من وظائف الخادم في التوفير على الدعاء لما سبقه إلى الخدمة قدم ولا ترجم تهنئته قلم. فمتِّعَهُ الله بما وهبه من المعالي، وأحَلَّه من مقاماتها في المكان العالي. وبارك له في وصل عقيلتها التي تغتبط بوصله، وتقول (٣): الحمد لله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤)، وهو أعَزَّه الله يجلُّ قدره إن يُهنًَّا برتبة وإن عَلَتْ، وترخص عنده قيمة كل حظوة وإن غَلَتْ، فليهن الأنام ما تجدد له من المرتبة المنيعة الذرى والمهابة التي خَضَعَتْ [لها] (٥) أعناق الورى. والله لا يُخْلِيهِ من زيادة يستمدها وتهنئة يستجدها. ومنه قوله: وشكري لما أولى مِنْ مكارِمِهِ، يوفي على شكر الروض الذابل لصنيع الوابل، بل شكر مَنْ أُطلق من أسْرِهِ. وجُبِرَ بَعدَ كسْرِهِ، ولو نهض بالعبد القدمان، أوْ أَسعَدَهُ الزمان، تقصد الباب العالي ولو على الأجفان، وقام في زمرة المداح يتلو صحف الشكر باللسان. ولما قصرت به الخُطوة عن هذهِ الحظوة. أَقْدَمَ على أن يهدي الورق إلى الشجر، وبيض من مدائحِهِ شِعْرًا كبياض الشَّعَر، هذا على أن ذنب المعترف مغفور. وإن أخطأ معذور. ومنه قوله: طالما شجع الخادم قَلَمَهُ على إيضاح ولائِهِ، فَنَكص إلى ورائه، وأحْجَمَ للتهيب عن إنهائِهِ. وقَدْ أقْدَمَ الآن على أن أبان. فإن أسْعَدَ بجواب يُبهج بتأمله، فقد حصل على مؤمله، وإن رجع بصفقة الخائب وطرد طرد الغرائب: [من الكامل] فلربما مَنْعَ الكريم وما به … بخل ولكن سوء حظ الطالب ولعله يرفع الطرف ويشرف في الجواب ولو بحرف. وعليه سلام الله ما خَطَتْ أقدام، وخَطَّتْ أقلام.

стр. 3799

ومن شعره (١): [من البسيط] قال العواذل ما هذا الغرام به … أما ترى الشَّعْرَ في خديه قد نَبَتا؟ فقلت: والله لو أنّ المفنّد لي … تأمل السحر (٢) في عينيه ما ثبتا ومَنْ أقام على أرض وهي مُجْدِبَةٌ … فكيف يرحل عنها والربيع أتي وقال وقد أتاه رَجُلٌ لسمعته. فلما رآه استزراه (٣): [من البسيط] ما أنتَ أوّل سار غرَّهُ قَمَرٌ … ورائد أعْجَيَتْهُ خُضْرَةُ الدِّمَنِ فاختر لنفسك غيري إنني رَجُلٌ … مثل المعيدي فاسمع بي ولا تَرَني (٤) وأورد له عماد الدين الكاتب في الخريدة (٥): [من مجزوء الخفيف] كم ظباء بحاجرِ … فَتَنَتْ بالمحاجر ونفوس نفائس … جذرت (٦) لآذر ورنين لخاطر … هاج وجدًا بخاطري وعذار لأجله … عاذلي عاد (٧) عاذري وشجون تظافَرَتْ … عند كشف الظفائر فهذا مقدار كاف في القسم الأول من مشاهير الكتاب الذين عظم صيتهم، ولا غوص لهم فأما هذا الرجل أعني أبا محمد الحريري، فإنه على ما رأيت، انموذج كلامه هنا قليل الغوص خلاف مقاماته، فإنه فيها كمن طلب الروض فجنى زهرها، وصعد السماء فاقتطف زهرها، وإنما تركت اختيار شيء له منها لشهرتها؛ ولأنها صارت كتابًا بذاتِهِ لا تعدّ في سلك ترسلاته، وبينهما في حسن الكون ما رأيت من

стр. 3800

هذا البون، على ما أوْرَدْتُ له من هذه الرسائل هي الفرائد التي لا تقوم. والفوائد التي تعني من يتعلم متماثلةً في توفية الأعراض مغازلة كالجفون المراض، سهلة على فهم المتناول قريبة (١) لا تنالها يد المتطاول. * * *

стр. 3801

[القسم الثاني] وأما القسم الثاني من أصحاب الغوص، فسنذكرهم على أن حكم أكثر الكتاب القدماء حكم العرب. كلاهما له فضيلة السبق، وفتح الطريق، وحكم المتأخرين منهم حكم المولدين من الشعراء في توليد المعاني باللطائف، وقد وشحوا صناعتهم بالاستعارات الصحيحة والتشبيه والاستخدام والتورية وأنواع البديع. وتناهوا في التدقيق والتنميق، وتباهوا في التخيّل والتخيير، وقيدوها بالاسجاع. ولزموها كالقوافي، فلم يعوزها من الشعر إلا الوزن، فأخملوا الأوائل، وأخمدوا كل قائل، وأتموا الفن وكملوه، وزينوا الفضل وجمّلوه، وهذا مكان للمغرب فيه مع المشرق مجال، وميدان له في فرسانه رجال. وهو في هذا غير ممنوع ولا مدفوع، لكنه فيما تقدم المائة الرابعة لا يذكر له في هذه الفينة فئة ولا تظهر له هيأة، ثم ما عدم في هذا الشأن ما أوْهَنَ زجاج حاسده، واشرق بغصص الدمع شأن معانده. ولا نقول هذا على أن للغرب بهذا المزيّة على الشرق، ولا انه سلم إليه في هذا الحق، وإنما نحن بصدد إنصاف وما نبعد في ما بين الغرب والشرق في هذه الفضيلة، ولا نجحد ان له بمن نعده هنا وسيلة، وإلا فالمشرق من كتابه المتأخرين من اقتطف الزهر والزهر، وجرّ ردنه على المجرة والنهر، وأتى بما هو أضْوَع من العبير، وأضوء من جبهة القمر المنير، وردوا غُدر البلاغة فشربوا زرق نطافها. وساموا رياض البراعة وشرعوا في قطافها، فولدوا المعاني واخترعوها وابتدؤا حسن الطرق وابتدعوها، وفَتَنَ الألباب كلامهم الدر، ولفظُهُمُ الرقيق الحرّ، وأدعى قول نقوله للحق: إن من لدن المائة الرابعة وهلم جرا، أهل المغرب في هذه الصناعة أكثر رجالًا، وأهل المشرق أبرع رَجُلًا، وإنما أردنا بتقديم مَنْ قدمنا ذكره من الوزراء والكتاب، وإن لم يكن ما يؤثر عنهم مما يناسب دره كله نظم هذا السحاب، لاثبات الفضل للشرق على الغرب في تلك المدد الطوال والسنين الخوال. فإن الشرق كان معهدًا بمثل هؤلاء والغرب قفر يباب. أكتب من فيه نقول له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ (١)، على أن هؤلاء

стр. 3802

القدماء وإن لم يدخلوا في الغوص من هذا الباب، ولا أتوا باللب اللباب، فما فاتهم سابقة فضل في فضل، ولا قصرت بهم راية عن غاية وفي أثناء ما ذكرناه دليل لولا الاكتفاء به لبيناه، مع سعة هذه المقدرة، والتقدم في دول الخلفاء، والتقرب في خواطرهم إلى محل الاصطفاء، وما أُجْرِيَ لهم من الأرزاق أو جرى لهم من الأموال، وأقلها خزائن والإقطاعات، وأصغرها مدائن والنفقات، وأهولها قناطير مُقَنطَرة، والعطايا وبعضها جُمَل مستكثرة والدولة الزاهرة، وكانوا أطوادها، والصولة القاهرة، وكانوا إذا رؤوا آسادها، والخلافة وكانوا عمادها، والامامة وكانت أقلامهم سيوفها، والسيوف أغمادها، المفاخر وقد جمعوا شتيتها، والمآثر وقد استطابت على مطارف السحاب بيتها، واغتنام الايام، وصنائع ملكوا بها رق الأحرار، وأطافوا بها على الاكباد الحرار. فيا أيها المباهي للشرق بالمغرب، والمباهل في هذا الفضل المغرب. ها قد قُلْنا لك بعض ما عندنا، فقل لنا كل ما عندك، وأرنا نارك إن كنت تحرق، واقدح زندك. فأما ما نذكره لأصحاب الغوص قديمًا، ونَصِلُ جناحَهُ بالآخرين فسنغص به حلوق المفاخرين. ونقذي عيونهم في الآخرين، ونخرّهم للأذقان على وجوههم داخرين، وها أنا ذاكر القسم الثاني. فمنهم: [٤] أبو الفرج، عبد الواحد بن نصر بن محمد القرشي المخزومي، المعروف بالببغاء (١) وهو رأس الجماعة ورئيس القوم في البضاعة. ماقصر في معنى تشبيهه عن ابن المعتز. ولا في ديباجة لفظه عن البحتري، ولا في إحكام معانيه عن أبي تمام وفي

стр. 3803

كثرة تنويعه عن أبي نواس، علم لا يخفى، وقلم لا يحفى، غرس آداب خضل النبات، مخضر الجنّات، رأى المجد هضبة فأناف رأسها، وحلبة فأجرى أفراسها، فطرف بطارفه الناكد، وشرف بمطارفه الوالد، وأحيا شرف مخزوم، ومذ فرع عمر عمر وفات خالد. توفي الببغاء سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة. ومن كلامه يصف حماره (١): مخططةً يستطيل بياضها، فيما يستطيل من أعضائها، ويستدير فيما يستدير، وهذه الأتان ما خرجَتْ عن العادات، وخالفت الموصوفات ناطقة في كمال الصنعة بأفصح لسان، مشتملة على غرائب الإحسان، أنْفَسُ مُدَّخر، وأغرب موشى، وأفخر مركوب، وأطرف محبوب، وأعجز موجود، وأبهر محدود، كأنما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته، فصاغها من ليله ونهاره، وحلاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره، ووشى روضها بيانع أزهاره، وَرَمقها بنواظر سعوده، وجعلها بالكمال أحد حدوده، جامعة شتيتها بالقسمة والترتيب بين زمني الشبيبة والمشيب، قيد الأبصار وأقد الأفكار، ونهاية الاعتبار، بستان بسرج، وروضة بمرج، منزه عن الحلى عطلها، مزريةٌ بالزهر حُلَلُها، حدّ جنسها، وعالم نفسها، صنعة المنشئ الحكيم، ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣). ومن قوله (٤): قرين اسطرلاب أهداه: أجل الهدايا - ياسيدي أطال الله بقاءك - موضعًا وألطفها من الملاطف بها موقعا ما لاءم الاختيار، ووافق الايثار، وكان العقل أخص بفائدته، والفهم أحظى بيمن عائدته، ولما كنت أيدك الله ممن لا يتوصل المتوصل إليه إلا بما يتفق العادة والحكمة عليه، آثرتك وفَقَكَ الله ببرهان الحكمة، ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها، ومرشد الفكر ومناره وميزان الحسن ومعياره، ونافي الشك ومزيله. وشاهد العالم ودليله، ومصوّر الهندسة وممثلها ومقسم البروج ومعدلها، وموقف النجوم ومثيرها، وجامع الأقاليم ومدبرها، مرآة الحبك وصورة الفلك. وأمين الكواكب، وحد المشارق والمغارب، مما اخترعت العقول تسطيحه. وأتقن الحساب تصحيحه،

стр. 3804

وتمارت الفطن في ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه. فأوضَحَتْ باليقين تقسميه، وأبانت بالكتابة قلمه ورسومه، إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته وحصر متفرق الأنوار في مجرى عضادتِهِ، واحتوى على قطبي الشمال والجنوب، واطلع باللطف على خفيات الغيوب، متعك الله باستخدامه، واسعدك بمواقع أحكامه، وأغناك بالتوفيق عمّا يستمدّه منه، وبالخيرة عن الاختيارات الصادرة عنه، وقد أنست وحشته من فهمك بسكنه، ورددته من ذكائك إلى وطنه، فإن رايت أن تديله من الافهام الصدئة بصفاء بصيرتك، وتقرّه في أمتع قرار ومن كنف فطنتك. فعلت إن شاء الله تعالى. ومنه قوله (١) يستهدي دواةً من الآبنوس بآلاتها: وَلَعَلَّ المولى ينعم بدواة تكون للكتابة عتادًا، وللخواطر زنادًا، جدولية العطفين، هلالية الطرفين، مسكية الجلدة كافورية الحلية، فسيحة الأحشاء مهفهفة الأعضاء، فهي من لون جلدتها، ووشائع حليتها: [من الخفيف] كشباب مجاور لمشيب … أو ظلام موضح بنهار أضمرت آلة النهى فهي كالقلـ … ـب وما تحتويه كالأفكار يقارنها قضبان من ذخائر السحاب، وودائع التراب، كل معدل الكعوب، قويم الانبوب. باسق الفروع، روي الينبوع، نقيّ الجسد، نازح العقد، مختلف الشيات، متفق الصفات، مما اعتنت الطبيعة بتربيته، وتبارت الديم في تغذيته، كالجوهر المصون واللؤلؤ المكنون ملتحف الاجساد بمثل خوافي أجنحة الجراد، أولى باليد من البنان، وآنس بخفي السرّ من اللسان، مقترن ذلك بمدية لا تفتقر إلى جلب، ذات غرارٍ ماضٍ وذباب قاض ومنسر نادٍ، وحديد سمائي وجوهر هوائي ونصاب زنجي معه مقط يرتفع عليه تقديرها وينحط، ذو جسد بجراحها مكلوم، وجلد بآثارها موسوم. [من البسيط] في كل عضو له من وقعها أَلَمُ … وليس ينجع فيه ذلك الألم كأنه وامتهان القط يرغمُهُ … انفُ الحسود إذا أرغمنه النعم حتى إذا جئت غاربه وأطلقت مضاربه، انصاع من أهون جفير، وكرع في أعذب غدر، لاترده غير الأفهام ولا يمتح بغير ارشيه الاقلام تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من قراره، منر، مظلم مشمس معتم. [من الخفيف]

стр. 3805

يجري واجزاؤه في الوصف جامدةٌ … ويستهل وما يجري له مُقَلُ إذا الخواطر حامَتْ حَوْلَ مَوْرِدِهِ … لمْ يظمها مِنْ قراهُ العَلُّ والنَّهَلُ كأن أقلامنا فيما تحمله … إلى القراطيس عن أسرارنا رُسُلُ ومنه قوله (١) لرجل في تزويج أمّه: واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحق عليك، المنسوبة بعد نسبك إليها إليك، واختيارها من الصيانة التي تحفظ جلالتها، وتحسن إيالتها، وتنمي مالها، وتشدّ أحوالها، ويعين طباعها على كرمها، وتقيم مهابتها على خدمها، ما لولا ان النفس تناكره بغير طريق شرعي ولا دليل قطعي، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتداد بما جدده الله من صيانتها أحرى، وقد آثر الصلة بها من تقوى بصلته، قوة اليد بالساعد وتعتده عما بحكم المجاز والعم صنو الوالد وتزوجت أم زيد بن علي (٢) فلم يمنعه عما جاء به الشرع حميّة النخوة، وسُئل: لم تزوجت أمك بعد أبيك فقال: لتبشر بآخر مثلي من الإخوة، وفي هذا لها - أصانها الله - مزيد للعفة، وموئل للكلفة، والزواج يُسْتَحبُّ للرجال والنساء سواء، في طلب تجديده شهوات الأمهات والآباء، وقد جدع الإسلام أنْفَ الغيرة، وجعل فيما اختاره الخيرة، ولا يسخطك - أعزك الله - ما رضيه موجب الشرع وحبّبَ ادب الديانة، وحكم به حاكم العقل في الصيانة، فمباح الله أحق ان يتبع، وهوى النفوس في الحمية أولى أن يمتنع، فإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره، تسخط اختيار القدرة. ومنه قوله (٣): في فتوح: أصدرت هذا الكتاب بمواقع نعم الله الشاملة، وآثار نعمه المتواصلة، وهو أنا لما رأينا السيوف متوثبة في الأيدي للضرب، وحاذرنا هجوم الشتاء على مضيق الدرب جعلنا آخر الأمر أوّلَهُ، وركبنا من الصعب أهوله، وأرسلناها تتبارى في الركض، وتتلاعب بالأرض، وتتواثب كالظلمان، وتتهافت كالعقبان أسرع من النجوم السائرة، وأنْفَذ من السهام العائرة، إلى أن نزلنا بطن هنزيط (٤) فكنا أسبق إلى عيون أهلها من النظر، وأدخل في نفوسهم من تسقط الحذر، ولم يمض صدر اليوم إلا وقد حصل جميع من فيه من المقاتلة والحامية، والسبي

стр. 3806

والماشية والغلام والجارية، تحت رق الصفاح وفي ملك الخيل والرماح، ثم يجمعنا بلد قالي قلا (١) فوردناها، وقد سبقنا الانذار، وتقدمنا إليهم بالحذار، فرجعنا إليهم بالعزائم الثاقبة، والكتائب العالية، فما كان بأسرع من أن زلزلت بهم الأقدام وتحصنوا بالهرب من الحمام، ودخلوا البلد، فكاد السور يقذف بمقاتلتهم، والأرض تنخسف زلزالًا بكافتهم، ثم دخلنا البلد والسيف يأخذ مَنْ أدْرَكه، والطعن ينحر من استملكه، ثم زحفنا على من استعصى بالكنيسة، فخاطبونا بلسان الإذعان، وراسلونا في التماس الأمان، فأجبناهم إلى ذلك مشترطين ما مَنَعَهم حظ الإسلام من قبوله، فاقتطعهم الطمع عن تحصيله، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٢)، وبرقت لهم مكائد النشاب، ودخلت عليهم رُسُلُ الموتِ على أجنحة النسور من كل باب، فاستنزلناهم بحكم السيف وهم مهطعون، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣)، وأقمنا على أعلى جدرانه الأذان، ورتبنا المصلين مواضع الصلبان. ثم انقلبنا بأسعد مُنْقَلَب، وأربج مكتسب، ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). ومنه قوله (٥) يصف تشريفًا وفرسًا وصلا إلى أبي تغلب (٦) بن حمدان من الخليفة: وصل كتاب أمير المؤمنين (٧)، مطلقًا إلى الرشد بالتوقيف (٨) مقترنًا بخصائص التكرمة والتشريف (٩)، فقبلت من المجلس الشريف مواقع افضاله، واعتلَقْتُ من السعد بأذياله، وبرزت في الخلع الموسومة بانعامه، والمناطق الناطقة باكرامه،

стр. 3807

متدرعًا منها ثياب السكينة. والهدي، مختالًا من حللها فيما يروق الأولياء ويروع العدا، متقلّدًا عضبه الذي هزّ النصر غراره وأحسن آثاره، عاليًا على عنق الزمان بامتطاء ما حباني به من الجواد الذي تزل الأبصار عن صهواته (١)، وتتبلّج غرة الفجر في ظلماته، وهو مع كونه تحلّى بحلية الكافر، يروع كل كافر مشرك. ويحقق بركضه انه الليل الذي هو مدرك. والحمد لله الذي جعل صنائع أمير المؤمنين عند من يرتبطها بعلائق شكره ويحرسها بالتوفر على جميل ذكرها في ذكره. ومنه قوله (٢): فلان يطرق الدهر إذا نظر وينظر المجد إذا افتخر، سعى إلى العلياء فأدركها، وعاقد عليها الآراء فملكها، وهي ماتدرك بغير السماح، ولا تملك إلا بأطراف الرماح. ومنه قوله (٣): والبلاغة ميدان لا يُدرك إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان، وقل من يركب طريقها على التغرير أو أمل قطعها بالتقصير، إلا فضحته المطاولة، وكَشَفَتْ خَلَلَهُ المساجلة، فسقط من حيث أمل الرفعة، وذل من حيث حاول المنعة. ومنه قوله (٤): وأما هذا الفتح، فأوصافه لا تُدرك بالعبارات، ولا تدخل تحت العرف والعادات: [من البسيط] فتح أنار الهدى بعد الظلام له … واسترجع الدينَ مِنْ بَعْدِ الرهان به تاهَتْ بأيامه الأيام واعتذرَ الدَّهرُ الخؤونُ إليهِ مِنْ نوائبه تباشرت بورود أخباره المنابر، وشهدت بفضله البواتر، ووفت فيه الحيل بعقد الضمان، وناب الخوف له عن ملاقاة الأقران، وآذن بالعاجل على ما أدخره الله في الآجل. ومنه قوله (٥): وقد شرفني سيدنا بأعز الحملان، الحامل لي على عنق الزمان، فجاء موفيًا على

стр. 3808

التأميل فيه، مناسبًا لصنائع مهديه، متفاوت العدو، متقارب الخطو، حديد النظر محمود الخبر، عريق النسب، مخبور الحسب، أخف من الوهم، وأمرق من السهم، وأسرع من البارق، وأشهر من لاحق (١)، شخص إقبال، وجملة كمال: [من الكامل] إن لاحَ قُلتُ أَدْمِيَّةٌ أَمْ هَيكَلُ؟ … أو عَنَّ قُلْتُ أَسَابِحٌ أَمْ أَجْدَلُ؟ تتخاذل الألحاظ في إدراكه … ويحار فيه الناظر المتأمل فكأنه في اللطف سهم ثاقب … وكأنه في الحسن خطّ مُقْبِلُ ومنه قوله (٢): وإذا كان الشكر ترجمان النية ولسان الطوية، وسببًا إلى الزيادة، وطريقًا إلى السعادة، فألسن آثارها على الشاكر مع الصمت أفصح من لسانه، وبيانها عند الجحود أبلغ من بيانه. ومنه قوله (٣): فلان يَسَعُ العالم إحسانه، ويستغرق الشكر امتنانه، ويستخدم الدهر عزمه ويؤدب الأيام حزمه، كعبة فضل، وغمامة وبل، الليالي بأفعاله مشرقة، والأقدار من خوفه مطرقة، تحمده أولياؤه، وتشهد له بالفضل اعداؤه، ولا يصل الشك إلى سريرته، ولا ترقد عن الحق عين بصيرته، كالقمر السعد والأسد الورد: [من البسيط] إن (٤) سار سار لواء النصر (٥) يقدمه … أو حلّ حلّ به الإقبال والكرم يلقى العدا بجيوش لا يقاومها … كثر العشائر (٦) إلا أنها همم ومنه قوله (٧): والحمد لله على ما وهب مولانا من عافية يقتضي بها شكره، وعارض مرض يختبر بها صبره؛ ليوجب له الزيادة من نعماه بالشكر، ويدخر له أرفع درج الجزاء بجميل الصبر. [من الطويل] فبالمجد فقدان يصح له امرؤ … بقاء العلا والمكرمات بقاؤه

стр. 3809

يداوي من الوَعَكِ الاطباءُ جسمَهُ … ويَعدمُ من وقع الرّماحِ اتّقاؤُه فياذا الذي في رأيهِ وحُسامِهِ … إذا اعتزما يبرأ الزمان وداؤه رويدًا فبالآمال أعْظَمُ فاقةٍ … إلى غيث جود في يديك سماؤه فرفقًا بجسم إن أردتَ بقاءه … فصفحك للترفيه عنه شفاؤه فما حُمَّ حتى حمتِ الخيل قبلَهُ … [وحتى ترى] (١) الصمصام يبدو اشتكاؤه ولا تنكرن مِنْ ذا الدؤوب اعتلاله … بحالٍ فَقَدْ يصدي الحسام انتضاؤه ومنه قوله (٢): وقد ذهب رمضان عن سيدنا يشهد له عند الله بأفعاله، ويثني عليه عند الله بأعماله، تحسد لياليه على صيامه أيامه وينافس صباحه على تهجده ظلامه، موصولة الطاعات ساعاته، مقرونة بالخيرات أوقاته: [من الكامل] ولى ولو ملك اختيارًا انزلت … شوال عن أيامه أيامه وأسعد بعيد لم يزل يهدي له … من قبل مقدمه البشارة عامه ومنه قوله (٣): كتبت إليك بيد أطلق الثقة بيانها من اعتقال الياس، وعن رغبة انصرفت إلى تأميله عن جميع الناس، مستظهرًا على الدهر بالصبر، إلى أن عدل بي الحزم عن طريق نوائبه، واجْتَنَبَتْ يد التوفيق ثمر السلامة من مصائبه، وأنا من المولى متوسط رغبتي وعلاه، وبين شكري ونداه. مع أنني كما قلت: [من الطويل] يطول على الأيام أن تسترقني … مع الدهر إلا للكرام المواهب وما كل حال يكسب المال يُرتضى … ولكن على قَدْرِ النفوس المكاسب ومنه قوله (٤) يشكر منعما سَلَكَ به مسلك والده، لو ارتفع بر عن شكر، أو جَلّ انصاف عن اعتراف، لارتفع قدر تفضّلِكَ الذي توالت علي أنواؤه، وسابق رجائي ابتداؤه، ولم يجسر حمدي على مطاولة إحسانِكَ، ولا أقدم بناني على وصف امتنانك، ولكن حق لما انتحى إليك أن يفوت الأكفاء، ويبذ النظراء، لاسيما مَنْ قَصَدَك مقصد أبيك فغدا يرتجيك: [من المتقارب]

стр. 3810

فقد كان شكري ملكًا له … وأنتَ أحق بميراثه غمام أنت ماؤه، وبدر أنت ضياؤه، وعَضْبٌ أنت غراره، وحق أنت مناره، سعى فجئت على أثرِهِ، وصَمَتَ فنطقت عن مفخرِهِ، فكرمك فرع كرمه، وهممك نتائج هممه. ومنه قوله (١) في التهاني بعام أسعد الأعوام: أطال الله بقاء الأمير - ما ألقى عليه سيدنا أيده الله بالمجاورة شعاع سعادته، التي هي حلى الدهور. وغرر الأيام والشهور. وقد أكلّ هذا الحول السعيد، مبشرًا بأكمل مزيد، وأحسن تجديد. [من الوافر] فلا برح الزمان بكلِّ سَعْدٍ … سفيرًا بين ملكك والدوام إذا أفنيت عامًا منه أضحى … ضمينًا للبقاء بألف عامِ فما عَرَفَ التمام الخلق حتى … ظهرت فصِرْتَ حدًا للتمامِ ومنه قوله: غرة الدهر، وقبلة الشكر، إن رفع الجيش حماه، أو هزّ الحسام أمضاه، أو أوْرَدَ السنان أرضاه، تتعزز بخدمته الأيام، وتضيء بمناجاته ظلم الأفهام. خصم النوب وشخص الحسب: [من المتقارب] يجل عن الهز عند الجلاد … ويضحك في حالة المغضب شجاعتُهُ عدّة المرهفات … وهيبته موكب الموكب لا تطمع الأفهام بلوغ حقه في مطاولتِهِ، ولا تسمو هِمَمُ الخواطر إلى مساجلته، غاية المادح أن يرجع عن الإطالة إلى الاختصار، ويقتنع بالقليل من الإكثار: [من الكامل] يا من سطوتُ على الزمان تهاونًا … بالحادثاتِ مُذ اعتمدت عليه لا غَرْوَ أن أخرْتُ عنك مدائحي … مدح الحسام العضب في حديه ومتى تشابهت الشيات فإنّما … يجري الجواد إلى مدى أبويه ذلك المقام مخاطبًا على البعد بالفاظك مرموقًا بالمراعاة من ألحاظك، غير نازح عما ألفه من عواطف الولادة وانبساط الأنسة المعتادة، وإن شيئًا أوثَقَ حَسْمَ دواعي الخلاف، وأدى إلى دوام الائتلاف لحقيق بالمبالغة في تأكيده بالحرمة،

стр. 3811

وتخويله في النعمة. ومنه قوله (١) في هذا المعنى: وأما أبو نجم (٢) فقد أدى الأمانة إلى متحملها، وسلَّم الذخيرة الجليلة إلى متقبلها، فحلّت من محلّ العزّ في وطنها، وآوت من حمى التودد إلى مسكنها. صادرةً من أنبل ولادة ونَسَبٍ إلى أشرف اتصال، وكيف يوصى الناظر بنوره أم كيف يُحضُّ القلب على حفظ سروره. ولو لم يَمُدّ أبو النجم بغير الخدمة في هذا الأمر العظيم محلًا، السعيد عقدًا وَحَلًا، لكان للحظوة أهلًا، ولرفع المنزلة أولى إن يملى، فكيف وآثار نصحه في جمع الشمل لائحة، ودلائل وفائه بهذه الألفة واضحة؟. ومن نثره أيضًا: وأما فلان فقد أمنت الأعداء فتكات حسامه، وبعد عهد الخيل بإسراجه وإلجامه. ومنه قوله: رئاسة تزهر المناقب في أفق علائها، وتتنافس الأشراف في التعلق بولائها. أسبق إلى الطعن من الأسنّة، وأحذق من زيد الخيل (٣) بتصريف الأعنة، إن قالَ فَصَل، أو حَكَمَ عَدَل، أو نَطَقَ صَدَق، أو سُوبِق سبق البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته، مبرقع الطلعة بالخفر، مُسْفِرُ الوجه عن دارة القمر، ما ينفك من الكمد حاسده، ولا يسلم من الدهر معانده. [من المتقارب] أقامَ حُقُوقَ النَّدَى والقَنَا … ليومِ السَّماح ويوم الطعانِ بجودٍ يُسَابِقُ نجم السؤال … وبأس يُطَاعَنُ قبلَ السِّنانِ الحسام خدينه، والرمح قرينه، والسرج وطنه، والتيقظ رسنه، فسائره قلب، وجملته لب من الدوحة التغلبية، والنبعة الحمدانية. [من الكامل] نَسَب لو أنَّ الليل ألبسه انثنى … بضيائه لسنى الصباح يُضاهي وخلائق لوصوّرت لظننتها … زهرًا أو انبجَسَتْ حَدَتْ بمياه

стр. 3812

قَومٌ بَلَوتُ مَديحَهُم فَوَجَدتُهُ … أَحلى مِنَ الرَّشفاتِ في الأَفواهِ وَطَلَبتُ مُجتَهِدًا نِهايَةَ وَصفِهِم … فَوَجَدتُهُ مالَيسُ بالمُتَناهي ومنه قوله: حقٌّ لِمَنِ اِنتَمى إِلَيكَ أَنْ يَفوتَ الأَكفاءَ، ويَبُذَّ النُّظَراءَ، لاسيما من قصد بك مقصد أبيك، وغَدٌ يَرتَجيكَ، فقد توالت عليَّ انواؤُهُ، وسابق رجائي ابتداؤه، [من المتقارب] فَقَدْ كَانَ شُكْرِي مُلْكًا لَهُ … وَأَنْتَ أَحَقُّ بِمِيراثِهِ غَمامٌ أنتَ ماؤهُ، وبدرٌ أنت ضياؤه، وعضب أنت غراره، وحق أنت مناره، سعى فجئت على أثرِهِ، وصَمَتَ فنطقت عن مفخرِهِ، فكرمك فرع كرمه، وهممك نتائج هممه، ذهب وأبقاك، ونام مطمئنًا وقد استرعاك، فلقد خلقت عندي أياديه خلقًا جديدًا، واستصحبت لي من نعمه كرمًا موجودًا. ومن شعره (١): [من البسيط] أحبابنا (٢) هذه نفسي (٣) تُوَدِّعكم … إذْ كانَ لا الصبرُ يُسْليها ولا الجَزَعُ قد كنتُ أطمع في روح الحياة لها … فالآن إذ بِنْتُمُ لم يبق لي طَمَعُ لا عذَّبَ اللهُ رُوحي بالبقاء فما … أظنني بعدكم بالعيش انتفع ومنه قوله (٤): [من البسيط] يا مُسْقمي بجفون سُقْمُها سَبَبٌ … إِلى مُواصلة الأسقام في جسدي عَذَرْتُ مَنْ ظَلَّ فِي حُبِّيكَ يَحْسُدُني … لأنّه فيكَ مَعْذُورٌ على حَسَدي ومنه قوله (٥): [من البسيط] يسعى به البرق إلا أنَّهُ فَرسٌ … مِنْ فوقِهِ (٦) المَوتُ إِلا أَنَّه رَجُلُ يلقى الرماح بِصَدْرٍ منهُ ليسَ لهُ … ظهر، وهادي جواد ماله كَفَلُ

стр. 3813

ومنه قوله (١): [من الكامل] وكأنّما نَقَشَتْ حوافِرُ خيلِهِ … للناظرين أهلةً في الجَلْمَدِ وكأنَّ طَرْفَ الشمسِ مطروفٌ وقد … جَعَلَ الغبارَ له مكانَ الإِثْمِدِ ومنه قوله (٢): [من البسيط] يا غازيًا آبَتِ الأحزانُ غازيةً … إلى فؤادي والأشجان (٣) حينَ غَزَا إن بارزتك كماة الروم فارمهم … بسهم عينيك تقتل كُلَّ مَنْ بَرَزا ومنه قوله (٤): يصف كأسًا، وأجاد في وصفه، وتقدم السابقين، وخلاهم من خلفه: [من المنسرح] من كل جسم كأنّه غَرَضٌ … يكادُ لُطفًا باللحظ يُنْتَهبُ لا عَيْبَ فيه سوى إذاعَتِهِ الـ … سِرَّ الذي في حشاه يَحْتَجِبُ كأنّما صاغَهُ النفاقُ فما … يَخْلُصُ صدق منه ولا كذب فَهوَ إلى لون مايُجاوِرُه … على اختلاف الطباع يَنْتَسِبُ إذا ادعاه اللجينُ أَكْذَبَهُ … بالراحِ في صبغ جسمه الذهب ومنه قوله (٥) في خلعة وفرس: [من البسيط] لمَّا تَحَصَنْتُ من دهري بخلْعَتِهِ … سَمَتْ بحملانه الحاظ إقبالي وواصلتني صلاتُ منه رُحْتُ بها … أختالُ مابين عز الجاه والمال ومنهم: [٥] بديع الزمان الهمداني (٦) بديع الزمان الهمداني، وهو نادرة الدهر، وبادرة الزهر، قَلَّ أن ولد الزمان

стр. 3814

مثله، أو ولد شكله، إن الزمان بمثله لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم، بل هو والله البديع حقًا المعتكر طرقا، كاد يلهب فكره ذكاء، وينتهب ذكره ذكاء، كأنما كلمه حبر، أو لفظه زبر، سَجْعُهُ قَصير، ونَفْعُه كبير، من سمع حسانه تبع إحسانه، ومَنْ فَهمَ بيانه علم أن فوق السحاب بنانه، وربما كاد يحكيه لو وهب، لو كان كما قال طلق المحيا يمطر الذهب نافح الرياض فأخَذَ أنفاسها، وسافح السحاب فنثر أكياسها. بزّ الكواكب ولبس لباسها، وبذ المدام وسلب الحميا كاسها، فجاء بسحر عظيم إلا أنه حلال، وخمر لا لغو فيها ولا تأثيم، وفيها انحلال (١). ووراءه جرى الحريري لكنه نقح، على أنه مماترك البديع ولقح. وذكر البديع، أبو منصور الثعالبي فقال (٢): هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني، معجزة (٣) همدان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وَفَرْدُ الدهرِ، وَغُرَّة العصر، ومَنْ لم يلْفَ نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، [ومن] (٤) لم يدرك قرينه في ظرف النثر ومُلَحِهِ، وغُرر النظم ونكته، ولم يرو أن أحدًا بَلَغَ مَبْلَغَهُ من لُبِّ الأدب وسره، وجاء بمثل إعجازه وسِحْرِهِ، فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب. فمنها انه كان يُنْشَدُ القصيدة لم يَسْمَعها قط - وهي أكثر من خمسين بيتا - فيحفظها كلها ويوردها إلى آخرها لا يخرم حرفا منها (٥). وينظر في الأربع والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره [إلا] (٦) نظرة واحدة خفيفة ثم يهدها عن ظهر قلب هذا، ويسردها (٧) سردًا (٨). وكان يقترح عليه عمل قصيدة (٩) وإنشاء رسالة في معنى غريب وباب بديع، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عما فيها. وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطر منه، ثم هلم جرا إلى الأول، ويُخرجه كأحسن شيء وأمْلَحِهِ، ويُوَشّح القصيدة الفريدة من قبله (١٠) بالرسالة

стр. 3815

الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم ومن النثر (١)، ويُعطى القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة، ويُقْتَرحُ عليه كل عروض (٢) فيرتجله في أسرع من الطَّرْفِ، على ريق لا يَبْلَعه، ونَفَسٍ لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة، وقبض اليد (٣)، ومسارقة القلم، ومجاراة الخاطر (٤). وكان مع هذا مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، ناصع الظرف. عظيم الخلق، شريف النفس كريم العهد، خالص الود، حلو الصداقة، مرّ العداوة فارق همدان (٥) وهو مُقْتَبِل الشبيبة، غض الحداثة (٦)، ووافي (٧) نيسابور بها فنشر بزه، وأظهر طرزه، وأملى مقاماته وغيرها (٨)، وضمنها ماتشتهي الأنفس (٩)، من لفظ أنيق قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع (١٠) والمقطع كسجع الحمام، ثم (١١) ألقى عصاه بهراة، فعاش بها عيشة راضية، حين بلغ أشده، واربى على أربعين سنة ناداه الله فَلَبّاهُ وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة. فقامت نوادب الأدب، وانثلم حدّ القلم (١٢)، على أنه مامات مَنْ لم يَمُت ذكره، ولقد خَلَدَ

стр. 3816

من بقي على الأيام نظمه ونثره (١). وسئل بعض علماء الأدب عن الحريري والبديع في مقاماتهما، فقال: لم يبلغ الحريري أن يُسمّى بديع يوم، فيكف يقارب بديع زمان. ومِنْ نثره قوله (٢): وقد نظرتُ في المرآة فوجدتُ الشَّيبَ يتلَهَّبَ ويَنْهب، والشباب يتأهب ويذهب، وما أسرج هذا الأشهب إلا لسير، وأسأل الله خاتمة خير. ومنه قوله (٣): أَبْرَزَتْ باطِنَهُ، وحرّكَتْ ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره، فملأ فكيه وعيدا، ولحييه تهديدًا، وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد. [من السريع] جاءَ شقيق عارضًا رُمْحَهُ … إِنَّ بني عمك فيهم رماح (٤) إنا نقحم الخطب، ونتوسط الحرب (٥) [من المتقارب] فأرضك أرضك إن تأتِنا … تَنَمْ نومةً ليس فيها حُلم ومتى شئت لقيت خصمًا ضخمًا ينهشك قَضْمًا، ويأكلك خضمًا، فجعل الشيطان يثقل بذلك أجفان طرفه ويقيم به شعرات انفه [من الوافر] وحتى ظنَّ أنَّ الغش نُصحي … ووخالفني كأني قلت هجرا (٦) ومنه قوله: وبيننا عذراء زجاجها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حَجَبَتْها غمامة، إذا طاف بها الساقي، فورده على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامه على فننها.

стр. 3817

ومنه قوله (١): انظر إلى الكلام وقائله، فإن كان وليا فهو الولاء وإن خَشُن، وإن كان عدوًا فهو البلاء وإن حَسُن، ألا ترى العرب تقول قاتله الله ولا يريدون الذم، ولا أبا له في الأمر إذا تم (٢). ومنه قوله: وفائدة الاعتقاد أفضل في الانتقاد، والسماح يكسر الرماح، والصفح يفل الصفاح، والجود أنصر من الجنود، فإن كشف الضر عن الحر أجمل من كشف الصدف عن الدرّ، ومَنْ عُرِف بالمنح قُصد بالمدح، وقد ظلم من يَلُومُ غيرَ مَلُوم، فالتغاضي يصحب المراضي، واللبيب يُعيد البعيد قريبًا، والعدوّ حبيبًا، وحضرة السلطان مفزع الراجين، ومنزع اللاجين، إليها يعودون، وبها يعوذون، وهي المقرّ، وإليها المفر، وإذا عَدَلَ الملك أقصر الحائف، وآمن الخائف، وخير الاخوان مَنْ ليس بخوان، وُدُّهُ ميمون، وغيبه مأمون، فهو يُحالفك ولا يخالفك، ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك، ويعاشرك ولا يكاشرك، وإذا حَضَرْتَ حَنا عليك، وإذا غِبْتَ حَنَّ إليك. ومنه قوله (٣): وقد كتب إليه بعض من عزل عن ولاية حسنة، وذوى يانِعُ غُصنِهِ، يستمد منه ودادًا طالما تركه، ويستميل فؤادًا كان يظن أنه قد ملكه، وإذا بحوادث الأيام قد غيرت ماعهد، وحسّنَتْ له بذل ما كان يظن به فلم يفد: أما بعد: فقد وَرَدَتْ رقعتك (٤) فلم تَنْدَ على كبدي، ولم تحظ بناظري ويدي، وخَطَبْتَ من مودتي ما لم أجِدْكَ له أهْلًا (٥)، وقُلْتُ: هذا الذي (٦) تاه بحسن قدّه، وزهى بورد خده (٧)، فالآن إذ نسخ الدهر آية حُسْنِهِ، وأقام مائل غصنه (٨)، وانتصر لنا منه بشَعَرَاتٍ كَسَفَتْ هلاله، وأكْسَفَتْ باله، ومسَخَتْ جماله، وغيرت حاله، فمهلًا

стр. 3818

مهلًا (١)، وتناس (٢) أيامك إذ تكلمنا نزرا وتلحظنا شزرا (٣). [من الطويل] ومن لك بالعين التي كنتُ مرةً … إليكَ بها في سالف الدهر انظر أيام كنت تتلفت (٤) والأكباد تَتَفَتَّتْ (وتدبر) (٥) وتقبل فتنمى (وتخبل) (٦) فتصد (وتعرض) (٧) فتضني (وتعرض) (٨) [من الطويل] وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرًا … تخلَّلَ حر الرمل غض له ندي فاقصر الآن فإنه سوق كَسَد ومتاع فَسَدْ، ودولة عرضت، وأيام انقضت (٩)، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس، فحتام تدِلُّ وإلام، وكم نحتمل وعلام؟ وقد بلغني ما أنت مُتَعاطيه من تمويه ويجوز بعد العشاء في الغسق، وينفق (١٠) على السوق وإفناؤك لتلك الشعرات حزا وحصا ونتفًا وقصا، فأنا برحلك وجانبك وحبلك مُلقى على غاربك، ولو أحْبَبْتُ أن أوجعك لقلت: [من مخلع البسيط] ما يفعلُ اللهُ باليهود … ولا بعاد ولا ثمود ولا بفرعون إذ عصاه … ما يفعلُ الشَّعْرُ بالخُدُودِ ومنه قوله (١١): كتابي إلى البحر وإن لم أرَهُ فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد تصوّرت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني صيتة، ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره، وهذه الحضرة وإن احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون،

стр. 3819

فإن الأحبّ إليّ أن أقصدها قصد موال، والرجوع عنها بجمال أحَبُّ إليَّ من الرجوع عنها بمال، قدّمت التعريف وأنا أنتظر التشريف. ومنه قوله (١): عافاك الله، مثَلُ الإنسان في الاحسان، كمثل (٢) الاشجار في الاثمار، سبيله إذا أتى بالحَسَنَة (٣)، أن يُرَفَّه من السنة إلى السنة (٤)، وأنا كما ذكرت، لا أملك عُضوي من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما الفؤاد فيعلق بالفود، وأما اليد فتُولَع بالجود، ولكن هذا الخُلْقُ النفيس، ليس (٥) يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم ليس يحتمله الغريم، ولا قرابة بين الذهب والأدب (٦)، ولا يمكن ثَرْدُهُ (٧) في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة حمدت في هذه الأيام بالطباخ أن يطبخ من (جيمية) الشماخ لونًا فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع من (ادب الكاتب) فلم يقبل واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فانشدت من شعر الكميت ألفًا ومائتي بيت، فلم يُغْنِ فيما به اعتنيت. ولو وقعت ارجوزة العجاج في توابل السكباج ماعُدَّ منها عندي لون، ولا استقرّ صون، بل ليست تقع مما أصنع، فإن كنت تحسب اختلافك إلى أفضل علي فراحتك راحتي وراحتي أن لا تطرق ساحتي. ومنه قوله (٨): أنا لقرب دار مولاي (٩): [من الطويل] كما طرب النشوان مالت به الخمر ومن الارتياح للقائه: [من الطويل] كما انتفض العصفور بلله القطر ومن الامتزاج بولائه: [من الطويل] كما التقت الصهباء والبارد العَذْبُ ومِنَ الابتهاج بمزاره (١٠): [من الطويل]

стр. 3820

كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب ومن شعره، قوله (١): [من البسيط] علي ألا أريح العيس والقَتَبا … وأَلْبَسَ السيل (٢) والظلماء واليلبا وأترك الخَودَ معسولًا مقبَّلُها … وأهجُرَ الكأس تغذو شَرْبَها طَرَبا وطَفْلَةٍ كقضيب البانِ مُنْعَطَفًا … إذا مَشَتْ وهلال الشهر مُنْتَقَبا قالت وقد عَلَقَتْ ذيلي تودّعني … والوجد يخنقها بالدمع مُنْسَكِبًا كنت الشبيبة أبهى ما دَجَتْ دَرَجَتْ … وكُنْتَ كالورد أذكى ما أتى ذهبا أبي المُقامَ بدار الذُّلّ لي كرم … وهمّةٌ تَصِلُ التقريب والخَبَبَا وعَزْمَةٌ لا تزال الدهر ضاربة … دون الأمير وفوق المُشتري طَنَبا ياسيد الامراء أفْخَر فما (٣) مَلِكٌ … إلا تَمنّاك مولى واشتهاك أبا (٤) إذا دعتك المعالي عُرْفَ هامتها … لم ترض كسرى ولا مَنْ فَوقَهُ ذَنَبَا أين الذين أعدُّوا المال مِنْ مَلِكٍ … يرى الذخيرة ما أعطى وما وَهَبَا ما الليث محتطمًا والسيلُ مُرْتَطِمًا … والبحرُ ملتطمًا والليل مقتربا أمضى شَبًا منكَ، أدهى منك صاعقةً … أجدى يمينا وأدنى منكَ مُطلبا وكاد يحكيك صوب الغيث مُنسكبا … لو كان طلق المُحيا يمطر الذَّهَبًا والدهرُ لَوْ لَمْ يَخُنْ والشمس لو نَطَقَتْ … والليثُ لو لم يصد والبحر لو عذبا يامن يراه ملوك الأرضِ فوقَهم … كما يَرَوْنَ على أبراجها الشهبا ومنه قوله (٥): [من الطويل] أيا ملكًا أدنى مناقبِهِ العُلا … وأَيْسَرُ ما فيه السماحة والبذل هو البدر إلا أنه البحر زاخرًا … سوى أنه الضرغام لكنه الوَيْلُ محاسن يبديها العِيانُ كما بدا (٦) … وإنْ نَحْنُ حدّثنا بها صَدَقَ العقل
следующие страницы →