← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

من بقي على الأيام نظمه ونثره (١). وسئل بعض علماء الأدب عن الحريري والبديع في مقاماتهما، فقال: لم يبلغ الحريري أن يُسمّى بديع يوم، فيكف يقارب بديع زمان. ومِنْ نثره قوله (٢): وقد نظرتُ في المرآة فوجدتُ الشَّيبَ يتلَهَّبَ ويَنْهب، والشباب يتأهب ويذهب، وما أسرج هذا الأشهب إلا لسير، وأسأل الله خاتمة خير. ومنه قوله (٣): أَبْرَزَتْ باطِنَهُ، وحرّكَتْ ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره، فملأ فكيه وعيدا، ولحييه تهديدًا، وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد. [من السريع] جاءَ شقيق عارضًا رُمْحَهُ … إِنَّ بني عمك فيهم رماح (٤) إنا نقحم الخطب، ونتوسط الحرب (٥) [من المتقارب] فأرضك أرضك إن تأتِنا … تَنَمْ نومةً ليس فيها حُلم ومتى شئت لقيت خصمًا ضخمًا ينهشك قَضْمًا، ويأكلك خضمًا، فجعل الشيطان يثقل بذلك أجفان طرفه ويقيم به شعرات انفه [من الوافر] وحتى ظنَّ أنَّ الغش نُصحي … ووخالفني كأني قلت هجرا (٦) ومنه قوله: وبيننا عذراء زجاجها خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حَجَبَتْها غمامة، إذا طاف بها الساقي، فورده على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامه على فننها.

стр. 3817

ومنه قوله (١): انظر إلى الكلام وقائله، فإن كان وليا فهو الولاء وإن خَشُن، وإن كان عدوًا فهو البلاء وإن حَسُن، ألا ترى العرب تقول قاتله الله ولا يريدون الذم، ولا أبا له في الأمر إذا تم (٢). ومنه قوله: وفائدة الاعتقاد أفضل في الانتقاد، والسماح يكسر الرماح، والصفح يفل الصفاح، والجود أنصر من الجنود، فإن كشف الضر عن الحر أجمل من كشف الصدف عن الدرّ، ومَنْ عُرِف بالمنح قُصد بالمدح، وقد ظلم من يَلُومُ غيرَ مَلُوم، فالتغاضي يصحب المراضي، واللبيب يُعيد البعيد قريبًا، والعدوّ حبيبًا، وحضرة السلطان مفزع الراجين، ومنزع اللاجين، إليها يعودون، وبها يعوذون، وهي المقرّ، وإليها المفر، وإذا عَدَلَ الملك أقصر الحائف، وآمن الخائف، وخير الاخوان مَنْ ليس بخوان، وُدُّهُ ميمون، وغيبه مأمون، فهو يُحالفك ولا يخالفك، ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك، ويعاشرك ولا يكاشرك، وإذا حَضَرْتَ حَنا عليك، وإذا غِبْتَ حَنَّ إليك. ومنه قوله (٣): وقد كتب إليه بعض من عزل عن ولاية حسنة، وذوى يانِعُ غُصنِهِ، يستمد منه ودادًا طالما تركه، ويستميل فؤادًا كان يظن أنه قد ملكه، وإذا بحوادث الأيام قد غيرت ماعهد، وحسّنَتْ له بذل ما كان يظن به فلم يفد: أما بعد: فقد وَرَدَتْ رقعتك (٤) فلم تَنْدَ على كبدي، ولم تحظ بناظري ويدي، وخَطَبْتَ من مودتي ما لم أجِدْكَ له أهْلًا (٥)، وقُلْتُ: هذا الذي (٦) تاه بحسن قدّه، وزهى بورد خده (٧)، فالآن إذ نسخ الدهر آية حُسْنِهِ، وأقام مائل غصنه (٨)، وانتصر لنا منه بشَعَرَاتٍ كَسَفَتْ هلاله، وأكْسَفَتْ باله، ومسَخَتْ جماله، وغيرت حاله، فمهلًا

стр. 3818

مهلًا (١)، وتناس (٢) أيامك إذ تكلمنا نزرا وتلحظنا شزرا (٣). [من الطويل] ومن لك بالعين التي كنتُ مرةً … إليكَ بها في سالف الدهر انظر أيام كنت تتلفت (٤) والأكباد تَتَفَتَّتْ (وتدبر) (٥) وتقبل فتنمى (وتخبل) (٦) فتصد (وتعرض) (٧) فتضني (وتعرض) (٨) [من الطويل] وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرًا … تخلَّلَ حر الرمل غض له ندي فاقصر الآن فإنه سوق كَسَد ومتاع فَسَدْ، ودولة عرضت، وأيام انقضت (٩)، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس، فحتام تدِلُّ وإلام، وكم نحتمل وعلام؟ وقد بلغني ما أنت مُتَعاطيه من تمويه ويجوز بعد العشاء في الغسق، وينفق (١٠) على السوق وإفناؤك لتلك الشعرات حزا وحصا ونتفًا وقصا، فأنا برحلك وجانبك وحبلك مُلقى على غاربك، ولو أحْبَبْتُ أن أوجعك لقلت: [من مخلع البسيط] ما يفعلُ اللهُ باليهود … ولا بعاد ولا ثمود ولا بفرعون إذ عصاه … ما يفعلُ الشَّعْرُ بالخُدُودِ ومنه قوله (١١): كتابي إلى البحر وإن لم أرَهُ فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد تصوّرت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني صيتة، ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره، وهذه الحضرة وإن احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون،

стр. 3819

فإن الأحبّ إليّ أن أقصدها قصد موال، والرجوع عنها بجمال أحَبُّ إليَّ من الرجوع عنها بمال، قدّمت التعريف وأنا أنتظر التشريف. ومنه قوله (١): عافاك الله، مثَلُ الإنسان في الاحسان، كمثل (٢) الاشجار في الاثمار، سبيله إذا أتى بالحَسَنَة (٣)، أن يُرَفَّه من السنة إلى السنة (٤)، وأنا كما ذكرت، لا أملك عُضوي من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما الفؤاد فيعلق بالفود، وأما اليد فتُولَع بالجود، ولكن هذا الخُلْقُ النفيس، ليس (٥) يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم ليس يحتمله الغريم، ولا قرابة بين الذهب والأدب (٦)، ولا يمكن ثَرْدُهُ (٧) في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة حمدت في هذه الأيام بالطباخ أن يطبخ من (جيمية) الشماخ لونًا فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع من (ادب الكاتب) فلم يقبل واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فانشدت من شعر الكميت ألفًا ومائتي بيت، فلم يُغْنِ فيما به اعتنيت. ولو وقعت ارجوزة العجاج في توابل السكباج ماعُدَّ منها عندي لون، ولا استقرّ صون، بل ليست تقع مما أصنع، فإن كنت تحسب اختلافك إلى أفضل علي فراحتك راحتي وراحتي أن لا تطرق ساحتي. ومنه قوله (٨): أنا لقرب دار مولاي (٩): [من الطويل] كما طرب النشوان مالت به الخمر ومن الارتياح للقائه: [من الطويل] كما انتفض العصفور بلله القطر ومن الامتزاج بولائه: [من الطويل] كما التقت الصهباء والبارد العَذْبُ ومِنَ الابتهاج بمزاره (١٠): [من الطويل]

стр. 3820

كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب ومن شعره، قوله (١): [من البسيط] علي ألا أريح العيس والقَتَبا … وأَلْبَسَ السيل (٢) والظلماء واليلبا وأترك الخَودَ معسولًا مقبَّلُها … وأهجُرَ الكأس تغذو شَرْبَها طَرَبا وطَفْلَةٍ كقضيب البانِ مُنْعَطَفًا … إذا مَشَتْ وهلال الشهر مُنْتَقَبا قالت وقد عَلَقَتْ ذيلي تودّعني … والوجد يخنقها بالدمع مُنْسَكِبًا كنت الشبيبة أبهى ما دَجَتْ دَرَجَتْ … وكُنْتَ كالورد أذكى ما أتى ذهبا أبي المُقامَ بدار الذُّلّ لي كرم … وهمّةٌ تَصِلُ التقريب والخَبَبَا وعَزْمَةٌ لا تزال الدهر ضاربة … دون الأمير وفوق المُشتري طَنَبا ياسيد الامراء أفْخَر فما (٣) مَلِكٌ … إلا تَمنّاك مولى واشتهاك أبا (٤) إذا دعتك المعالي عُرْفَ هامتها … لم ترض كسرى ولا مَنْ فَوقَهُ ذَنَبَا أين الذين أعدُّوا المال مِنْ مَلِكٍ … يرى الذخيرة ما أعطى وما وَهَبَا ما الليث محتطمًا والسيلُ مُرْتَطِمًا … والبحرُ ملتطمًا والليل مقتربا أمضى شَبًا منكَ، أدهى منك صاعقةً … أجدى يمينا وأدنى منكَ مُطلبا وكاد يحكيك صوب الغيث مُنسكبا … لو كان طلق المُحيا يمطر الذَّهَبًا والدهرُ لَوْ لَمْ يَخُنْ والشمس لو نَطَقَتْ … والليثُ لو لم يصد والبحر لو عذبا يامن يراه ملوك الأرضِ فوقَهم … كما يَرَوْنَ على أبراجها الشهبا ومنه قوله (٥): [من الطويل] أيا ملكًا أدنى مناقبِهِ العُلا … وأَيْسَرُ ما فيه السماحة والبذل هو البدر إلا أنه البحر زاخرًا … سوى أنه الضرغام لكنه الوَيْلُ محاسن يبديها العِيانُ كما بدا (٦) … وإنْ نَحْنُ حدّثنا بها صَدَقَ العقل

стр. 3821

وجاراك أفراد الملوك إلى العلا … وحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل سما بك من عمرو ويعقوب محتد … كذا الأصل مفخور به وكذا النسل وحكى ابن ظافر (١)، قال: حكى بديع الزمان الهمداني قال: قال الصاحب يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس بن حمدان: لا يقدر أحد أن يزور على أبي فراس شعرا، فقلت: ومن يقدر أن يزور عليه شعره وهو الذي يقول، وقلت ارتجالا (٢): [من الوافر] رويدك لا تصل يدها بباعك … ولا تغز السباع إلى رباعك ولا تعن العدو علي إني … يمينك إن قطعت فمن ذراعك فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا، هاقد فعلت وزورت على أبي فراس، وهذا شعري، فعجب منه. وحكي: أنه جرى ذكره في مجلس شيخه أبي الحسين بن فارس (٣)، فقال ما معناه: إن بديع الزمان قد نسي حق تعليمنا إياه، وعقنا وطمح بأنفه عنا، فالحمد لله على فساد الزمان، وتغير نوع الإنسان، فكتب (٤) إليه بديع الزمان: نعم أطال الله بقاء الشيخ الإمام. إنه الحمأ المسنون، وإن ظنت به الظنون والناس لآدم (٥)، وإن كان العهد قد تقادم، وارتكبت (٦) الأضداد، واختلاف (٧) الميلاد والشيخ يقول: قد فسد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحا؟ أفي الدولة العباسية فقد رأينا آخرها وسمعنا بأولها، أم المدة المروانية وفي أخبارها: [من الرجز] لا تكسع الشول بأغبارها (٨) أم السنين الحربية (٩): [من مجزوء الكامل]

стр. 3822

والسيف يُعقد في الطُّلى … والرمح يُركز في الكُلى ومبيتُ حِجْرٍ (١) في الفَلا … والحَرتان (٢) وكربلا (٣) أم البيعة الهاشمية [وعليٌّ يقول: ليت العشرة منكم] (٤) برأس من بني فراس أم الأيام الأموية (٥)، والنفير إلى الحجاز، والعيون تنظر إلى الأعجاز، أم الإمارة العدوية (٦) وصاحبها يقول: هل بعد البزول إلا النزول، أم الخلافة التيمية (٧) وهو يقول: طوبى لمن مات في نأناة الإسلام؟ أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل: اسكتي يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؟ أم في الجاهلية ولبيد يقول (٨): [من الكامل] ذَهَبَ الذينَ يُعاش في أكنافِهِم … وبَقَيْتُ في خَلَفٍ كجلد الأجرب أم قبل ذلك وأخو عاد يقول (٩): [من الطويل]. إذ الناس ناس والبلاد بلاد أم قبل ذلك وآدم فيما قيل يقول (١٠): [من الوافر] تغيرت البلاد … ومن عليها أم قبل ذلك والملائكة تقول: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (١١) ما فَسَدَ الناس، إنّما اطرد القياس، ولا أظلمت الأيام، إنما امتد الظلام، وهل يفسد الشيء إلا عن صلاح، ويُمْسى المرء إلا عن صباح؟

стр. 3823

وإنِّي على توبيخ شيخنا لفقير إلى لقائه، شفيق على بقائه، منتسب إلى ولائه، شاكر لآلائه، لا أحلُّ حَرِيدًا عن أمره، ولا أُفَلُّ عن قلبه، وما نسيته ولا أنساه إن له على كل نعمةٍ خَوَّلَنِيها الله نارًا (١)، وعلى كلّ كلمةٍ عَلَّمَنِيها منارا، ولو عرفت لكتابي موقعًا من قَلْبِهِ لاعْتَنَمْتُ خِدْمَتَهُ به، ولرددت إليه سُؤْرَ (٢) كأسه، وفَضْلَ أنفاسه، ولكنّي خشيت أن يقول: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (٣)، ولَهُ أيده الله العتبى، والمودة في القُربى والمرباع، وماناله الباع، وماضمَّهُ الجلد (٤)، وضَمِنَه السمط (٥)، ليست رضا ولكنها جل ما أملك (٦). واثنان - أيد الله الشيخ الإمام (٧) -[قلَّما يجتمعان] (٨) الخراسانية والانسانية، [وانا] (٩) وإن لم أكن خراساني الطينة، فإني خراساني المدينة، والمرء من حيثُ يُوجَدُ، لا من حيث يولد (١٠)، فإذا انضاف إلى خراسان ولادة همدان (١١)، ارتفع القَلَمُ وسَقَطَ التكليف فالجرحُ جُبار، والجاني حمار، ولا جَنَّة ولا نار فليلمني (١٢) الشيخ على هناتي، أليس صاحبنا (١٣) يقول: [من الخفيف] لا تلمني على رَكاكَةِ عَقْلي … إن تيقنت أنني همداني والسلام. قوله: والعيون تنظر إلى الأعجاز: إشارة إلى قول أحد الذين قتلوا عثمان لما دخلوا عليه فنظروا إلى نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان وهي تصيح، فقالوا: أن عجزها لكبير. واجتمع بديع الزمان الهمداني والاستاذ أبو بكر الخوارزمي (١٤) في دار السيد

стр. 3824

أبي القاسم المستوفي بمشهد من القضاة والفقهاء والأشراف وغيرهم من سائر الناس، فجرى بينهما من المناظرة ما نذكره إن شاء الله تعالى (١). قال الاستاذ أبو الفضل بديع الزمان: سأل السيد أمتع الله ببقائه إخوانه أن أملي جميع ماجرى بيننا وبين [أبي] بكر الخوارزمي - أعزه الله - من مناظرة مرة ومنافرة أخرى، وموادعة أولًا، ومنازَعةً ثانيًا، أملاءً يجْعَلُ السماع له عيانا، فما تلقيته إلا بالطاعة على حسب الاستطاعة، ولكن للقصة تشبيبًا لا تطيب إلا به، ومقدمات لا تحسن إلا معها، وساسوق بعون الله صدر حديثنا إلى العَجُز، كما يساق الماء إلى الأرض الجُرُز، فنبدأ فيها باسم الله والصلاة على النبي ﷺ ذهابًا بالقصة عن أن تكون بتراء، وصيانة لها عن أن تدعى جذماء، قال رسول الله ﷺ (٢) كل خطبة لا يبدأ فيها باسم الله فهي بتراء، وخطب زياد خطبته البتراء (٣)؛ لأنه لم يبدأ بحمد الله ، ولم يصل على رسوله ﷺ ، وهذا مقام نعوذ بالله منه، ونسأله التوفيق للصواب نُورِدُهُ ونُصْدِرُهُ. نعم أطال الله بقاء السيد، وأَمْتَعَ ببقائه إخوانه، إن قعدنا نعد آثاركم ونؤدي مآثركم نَفِدَ الحضر قبل نفودها، وفنيت الخواطر قبل أن تفنى المآثر. وكيف لا وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته، أو العلم فانتم عاقدو بُرْدَتِهِ، أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم لابسو جِلْدَتِهِ، أو التواضع صَبَرْتُم لشدَّته، أو الرأي صلتم بنجدته، وإنّ بيتًا تولّى الله بناءه ولزم الرسول ﷺ فناءه، وأقام الوصي ﵇ عماده، وخدم جبريل ﵇ أهْلَهُ لحقيق أنْ يُصان عن مدح لسان قصير، ونحن نعود للقصة نسوقها: فأولها: انا وطئنا خراسان فما اخترنا إلا نيسابور دارًا، وإلا جوار السادة جوارًا، لا جَرَم، أنا حَطَطنا بها الرحل، مدَدْنا عليها الطلب، وقديمًا كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوّقُهُ، ونخبّره عن الغيب فَنَتَعشَقُهُ، ونُقدّر أنا إذا وطئنا أَرْضَهُ ووردنا بَلَدَهُ. فخرج لنا في العشرة عن القشرة، فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة

стр. 3825

الغربة نظمتنا، وقد قال شاعر العرب غير مدافع (١): [من الطويل] أجارتنا إنا غريبانِ هُهُنا … وكلُّ غريب للغريب نسيب فأخْلَفَ ذلك الظَّنُّ كُلَّ الإخلاف، واختلف ذلك التعذير كُلَّ الاختلاف. وكان قد اتفق لنا في الطريق اتفاق. لم يُوجِبْه استحقاق، من بَرِّةٍ بزوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به. وردنا نيسابور براحةٍ ألقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلّم بل اطلاعة الرقيب، فما حَلَلْنا إلا قَصَبَة جِوارِهِ، ولا وطئنا إلا عتبة داره، وهذا بعد رقعة كتبناها، وأحوال أنس نظمناها، فلما أخذتنا عَيْنُهُ (٢) سقانا الدردي (٣) من أول دنه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه، من طرفٍ نَظَرَ بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، لكن أقْطَعْناه جانب أخلاقه، ووليناه خِطّة رأيهِ، وقاربناه إذ جانب، وواصَلْناهُ إِذْ جاذب، وشربناه كل كدرية (٤). ولبسناه كل خشونتة (٥)، ورددنا الأمر في ذلك الى زي استغثه ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونستلين (٦) قياده، ونستميل فؤاده، ونقيم مناده بما هذه نسخته بعد البسملة (٧): الاستاذ أبو بكر والله يُطيل بقاءه أزرى بضيفِهِ، أَنْ وَجَدَهُ يضرِب (٨) / ٥٧/ آباط القلة في أطمار الغربة، فأعْمَلَ في مرتبته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له اصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلّف لرد السلام، وقد قَبلْتُ تربيته صعرًا (٩)، واحتملته وزرًا، واحتضنته نكرًا، وتأبطته شرًّا، ولم آله عُذْرًا، فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولَسْتُ مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال أتَقَزَّزُ صف النعال (١٠)، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب لقلتُ إن نوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسًا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف.

стр. 3826

وفيهم مقامات حسان وجوهُهُمُ وأندية ينتابها القول والفعل (١) فلو طَوَّحْتْ (٢) بأبي بكر أيده الله طوارحُ الغُربة لوجد مثال البشر قريبًا. ومحط الرحل رحيبًا، ووجه المضيف خصيبًا، ورأى الاستاذ أبي بكر أيده الله تعالى في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه وَدّ، والمرّ الذي يتلوه، شهد، موفق إن شاء الله (٣) فأجاب بما هذه نسخته: (٤) وصلت رقعة سيدي ورئيسي (٥)، أطال الله بقاءه (إلى آخر) (٦) السكباج، وعرفت بما تضمنته من خشن خطابه. ومؤلم عَتْبِهِ (٧) وعتابه. وحَمَلْتُ ذلك منه على الضجر التي لا يخلق منها مَنْ مسَّهُ عُسْر، ونبا به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أُنْسِهِ، ومظنة مشتكى ما في نفسه، أما ماشكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه زعم في القيام (عن التمام) (٨)، فقد وفيته حقّه أيّدَهُ الله سلامًا وقيامًا، على قدر ما استطعت (٩) عليه ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات العلوي أدام الله عزّه، وماكنت لأرفع أحدًا على من أبوه (١٠) الرسول وأُمّه البتول. وشاهداه التوراة والانجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل، فأما القوم وما وصف (١١) سيدي عنهم فكما وصف، حُسْنُ عشرة وسداد طريقةٍ، وكمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدتُ المَرَاد ونلت المراد. [من الطويل] فإن أك قد فارقت نجدًا وأهله … فما عهد نجد عندنا بذميم والله يعلم نيتي للاحرار (١٢) كافّة ولسيدي (أدام الله عزّه) (١٣) من بينهم خاصة، فإن أعانني (١٤) على ما في نفسي، بَلَّغْتُ له بعض ما في النية (١٥)، وجاوزت (به) (١٦)

стр. 3827

مسافة القدرة، وإن قَطَعَ علي طريق عزمي (١) بالمعارضة وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار (٢). [من الطويل] فما النفس إلا نطفة بقرارة (٣) … إذا لم تُكدّر كانَ صَفوًا غديرها (٤) وبعد فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا، فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك ونصون أنفسنا عن احتمالِهِ (٥)، ولست أسومه أن يقول: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (٦) ولكنّي أسأله أن يقول: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ (٧) فحين وَرَدَ الجواب وغير العذر رائده تركناه بعرة، وطويناه على غَرّة، وعمدنا لذكرِهِ فَسَحوناه (٨) عن صحيفتنا ومحوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكبنا خطته، وتجنّبنا خُلْطَتَهُ فلا طرنا به ولا طرنا إليه (٩)، ومضى على ذلك الأسبوع (١٠)، وَدَرَجَت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرّم الشهر، وصرنا لانعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدر حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، بألفاظ تقطفها الأسماع من لسانه، وتردّها (١١) إلي، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه وتعيدها علي. فكاتبناه بما هذه نسخته: أنا (١٢) أرِدُ مِنَ الاستاذ سيدي - أطال الله بقاءه - شرعةَ وِدهِ وإن لم تَصْفُ، وأَلْبَسُ خِلْعَةَ برّه وإن لم تَضْفُ، وقصاراي أن أكيلَهُ صاعًا عن مد، فإنّي وإن كنت في الأدب دعي النسب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب (١٣)،، سيئ المنقلب، أمت إلى عشيرة أهله بنيقةٍ، وأنزه إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط مُنصفًا في الوداد، إذا زرتُ زار، وإن عُدْتُ عاد، وسيدي أيده الله ناقشني في القبول أولًا، وصافني في الإقبال ثانيًا، فأما حديث الاستقبال. وأمر الإنزال والانزال فنطاق الطمع ضيق عنه غير متسع لتوقعه منه. وبعد: فكُلْفَةُ الفضل هيئة، وفروض الودّ مُتعيّنة، وأرض العشرة لينة، وطرقها بينة، فَلِمَ اختار قعود التعالي مركبًا، وصعود

стр. 3828

التغالي مذهبًا؟، وهلا ذَادَ الطير عن شَجَر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؟، فقد علم الله أن شوقي إليه قد كد الفؤاد برحًا على بَرَح، ونكأه قرحًا على قرح، ولكنّها مِرَّةٌ مرة ونفس حُرّة، لم تُعد إلا بالإعظام ولم تُلْقَ إلا باجلال، وإذا استعفاني من معاتبتي، وأعفى نفسه من كُلَفِ الفضل يَتَجشَّمُها، فليس إلا غُصَصُ الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرّعُها ولم أُغرِهِ من نفسي. وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طِرْتُ إلا إليه. ولا وَقَعْتُ إلا عليه. [من الطويل] أحبك ياشمس الزمان وبدرَهُ … وإنْ لامني فيك السُّها والفراقِدُ (١) وذاك لأنَّ الفضل عندك باهِرٌ … وليس لأنَّ العيش عندك بارد فلما وَرَدَتْ عليه الرقعةُ، حَشَر تلامذته وخدمه، وزمّ عن الجواب قلمه، وجشم للإيجاب قَدَمَه، وطلع مع الفجر علينا طلوعه، ونظمنا حاشيتا دار الأمام ابي الطيب أدام الله عزه فقلت: الآن حين تشرق الحشمة وتنوّر في العشرة وتغوّر، قصدناه شاكرين لما أتاه وانتظرنا عادة برّه، وتوقعنا مادة فضله فكان خلبا شمناه وآلًا وردناه، وصرفنا الأمر في تأخرنا عنه إلى ما قاله عبد الله بن المعتز (٢): [من الرجز] إنا على البعاد والتفرق لنلتقي بالذكر إن لم نلتق وأنشدناه قول ابن عصرنا: [من الوافر] أحبك في البتول وفي أبيها … ولكني أحبك من بعيد وبقينا نلتقي خيالًا، ونقنع بالذكر وصالًا، حتى جَعَلَتْ عواصفه تهب، وعقاربه تدبّ، وهو لا يرضى بالتعرض حتى يصرّح، ولا يقنع بالنفاق حتى يعلن، وشكا إلى بعض إخواننا أني خاطبته مخاطبة مجحفة، ونزلته منزلة متحيفة، فقال: إني أوثر العربدة، وأسلف الموجدة، ويرميني في ذلك بدائه وينسل، فكتبنا إليه (٣): [من المتقارب] جُعِلْتُ فداءَكَ مِنْ فاضل … بلغتُ التراقي مِنْ جَورِهِ وفي الغيب أكثر مما رأيت … وأين البلوغ إلى غوره أتتني الرواة بما قُلْتَهُ … بهيأته وعلى كوره

стр. 3829

وقولك إنّي طوعُ الشِّجارِ … اضمُّ ضلوعي على سُورِه فقلتُ حياءً لمَنْ قد (١) … تجاوزَ منّا مدى طَورِه فيامن بذلتُ ودادي له … فمالَئتُ حورا على كُورِه بودتُ بتبلّج عن نوره … وقصدتُ تفرّخ عن نوره فهشَّ كما ليس يخفى عليك … بشطر القيام إلى زوره وبايعته بيمين الرّضا … وغضّ الجفون على هوره وقلتُ لحنظل أخلاقه … ألا حبّذا الأري في شوره ولو كان ذلك من غيرِهِ … طممتُ بنجدي على غوره ولا عبتُهُ بكعابِ الرّجوع … فقامرني بيدي حَوْرِه وكان حديثي لما رجعت … حديث الفتى مع سنوره فلم أدر فيما جفا ضيفَهُ … ولِمَ اسكن البرّ مِنْ فَورِهِ أللزمن الني في حكمه … أم الفلك الغث في دوره وكاتبته استمد الوداد … كملتمس الدر من ثوره فقابل صرفي لممزوجه … وواجه دُرّي بوره وجشم اقدامَ إقدامِهِ … يلوحُ التكلف في موره وزار وزرناه عن قصده … بماليس يخجل في زَورِهِ هلم إلى منبت المكرمات … اوانا منتحـ سوره (٢) وأما الخطاب فأنتَ ابتدأت … ودونك زيد المني اوره فلما وردت عليه الأبيات، أبرزت باطنه، و حركت ساكنه، وأخرجت دفائن صدره، ورفعت أذيال ستره، وملأ قلبه ولحيته تهديدًا، فكتبنا إليه (٣): [من الهزج] أعنّى يا أبا بكر … على نفة مدور على ودّكِ مَطويّ … وعن عتبك مَنْشُور إلى سلمك مشتاق … على حربك مقهور ولا تعدل إلى الظلمـ … ـة عن ناحية النسور ولا تهو إلى الوَهـ … ـدةِ مِنْ عالية السور

стр. 3830

ولا تنهج إلى الأضيا … فِ إِلاّ سُبُل الخر ولا تحفِرْ لهم بئرًا … تقع في ذلك البير ولا تقبل إلى الفتنـ … ـة أسباب المقادير فما أكثر ماعند … ك مِنْ سرّ العقاقير ولا نعرف في الاخوا … نِ مِنْ هدي إلا بأزير فكم أطوي لك السمع … على سود المناكير وكم القى على طرفـ … ـي في حلمي وتذكيري وإن تمدد إلى ماء الـ … ـتصافي يد تكدير تعد عن وجهتي واللـ … ـه محذوف الشوابير ولا مروان في الكوفـ … ـة في غوة عاشور ولا الكلب في الجامـ … ـع في فروة ممطور وإن أحببت أن تعلـ … ـم فانشط غير مأمور ولا تبطل فدتك النفـ … ـس في بردك تدبيري ولا تخلف بأخلافـ … ـك في العشرة تقديري فلما وردت عليه الأبيات، قال: لو أن بهذا البلد رجلًا تأخذه اريحية الكريم، وتملكه هزة الهمم يجمع بيني وبين فلان - يعنيني -: ثم رأى إذا انجلى الغبار أَفَرَسٌ تحتي أم حمار، وعلم أيّنا يبرز خلابه، عفوا، أو أينا يغادر في الكر. ولود فلان بوسطاه بل بيمناه لو دخلنا وقلنا في المناخ له نم إلى كلمات تحذو هذا الحذو، وتنحو هذا النحو، والفاظ أتتنا من عل وكان جوابنا أن قلنا: بعض الوعيد يذهب في البيد، والصدق يُنبئ عنك لا الوعيد (١)، وقلنا أن أجرأ الناس على الاسد أكثرهم رؤية له (٢). وقد قال بعضُ أصحابنا: قلتُ لفلان إلا تناظر فلانًا فإنه يغلبك. فقال: يُغلب وعندي دفتر مجلّد، ووجدنا عندنا دفاتر مجلدةً، وأجزاء مجرّدةً، وأنشدناه قول حجل بن نضلة: [من السريع] جاءَ شقيق عارضًا رمحه … ان بني عمك فيهم رماح هل أحدث الدهر بنا نكبةً … ام هل رقت أم شقيق سلاح فقلنا: إنا نقتحم الخطب، وتتوسط الحرب، فنردها مقحمين، ونصدر بلغاء:

стр. 3831

[من الطويل] وألسنُنا قبل النزال قصيرةٌ … ولكنها بعد النزال طوال [من المتقارب] فأرضُك أرضك إن تأتنا … تنم نومةً ليس فيها حلم [من المتقارب] فمن ظنّ ممن يلاقي الحروب … بأنْ لا يُصاب فقد ظنّ عَجْزا فإنك متى شئت لقيت منا خصمًا ضخمًا. ينهشك قضمًا، ويأكلك خضمًا، وحثثناه على الأخذ بكتاب الله تعالى من قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٢) وأنشدناه قول الأوّل: [من البسيط] السلم نأخذ منها ما رضيت به … والحرب يكفيك من أنفاسها جُرَعُ وقلنا له (٣): [من الوافر] نصحتك فالتمس ياويك غيري … طعامًا إن لحمي كانَ مُرًا ألم يبلغك ما فعلتْ ظُباه … بكاظمةٍ غداة لقيت عمرا وجعل الشيطان ينقل بذلك أجفان طرفه، ويقيم بها شعرات أنفه: [من الوافر] وحتى ظنّ أن الغش نُصْحِي … وخالفني كأني قلتُ هَجْرا واتفق ان السيد أبا علي - أدام الله عزّه - نشط للجمع بيني وبينه فدعاني فأجَبْتُ ثم عرض علي حضور ابي بكر فطلبت ذلك وقلت هذه عدة لم أزل استنجزها وفرصة لا أزال انتهزها، فتجشم السيد أبو الحسين فكاتبه يستدعيه، واعتذر أبو بكر بعذر في التأخر، فقلت لا ولا كرامة للدهر أن نقعد تحت ضيمه أو نقبل خسف ظلمه، ولا عزازة للعوائق إن تضيعنا ولا نضيعها، أو تعنينا ولا ندفعها، وكاتبته وأنا أشحذ عزيمته على البدار، وألوي رايه عن الاعتذار، وأعرّفه مافي من ظنون تشتبه، وتهم تتجه، وتقادير تختلف واعتقادات تخلف وقدنا إليه مركوبًا لنكون قد الزمنا الحج وأعطينا الراحلة فجاءنا في طبقة وعدد: [من السريع] كل بغيض قده اصبع … وانفه خمسة أشبار مع أرباب عانات، وأصحاب جربانات لاتنال العين منهم إلا خسيسًا، وسرحنا

стр. 3832

الطرف منه ومنهم، في أحمى من است النمر (١)، وأعطس من أنف النغر، فظننا أنه يريد أن يلقى كتيبةً، أو يهزم دوسرًا، أو يغلّ الأنكدين، أو يرد الوافدين ثم رأبنار جالًا جوفًا، قد خلقوا صوفا، فأمنا المعرّة، ولم نخش المضرة، وقمنا له وإليه، وجلس يحرق أُرَمه، وتمثل ببيت لا يقتضيه الحال، من أنا في الحبالة نستبق، فتركناه على غلوائه، حتى إذا نفض ما في راسه، وفرغ جعبة وسواسه، عطفنا عليه، فقلنا: عافاك الله، دعوناك وغَرَضُنا غير المهارشة، واستزرناك وقصدنا غير المناوشة، فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك يا مار سرجس لا نريد قتالا، وما اجتمعنا إلا لخير، فلتسكن سورتك، ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب، ولا تحم لغير سبب، وإنما دعوناك لتملأ المجلس فرائد، وتذكر أبياتًا شوارد، وامثالا فوارد، ونباحثك فنسعد بما عندك، وتسائلنا فتُسَرّ بما عندنا، ويقف كل منا موقفه من صاحبه، وقديمًا كنت أسمع بحديثك، فيعجبني الالتقاء بك، والاجتماع معك، والآن إذ سهل الله ذلك، فَهَلُمَّ إلى الأدب نُنْفِقُ يومنا عليه، وإلى الجدل نتجاذب طرفيه، فاسمع خيرًا واسمعنا مثله، ونبدأ بالفنّ الذي ملكت به زمانك، وفت فيه أقرانك، وملكت منه عنانك، وأخَذْتَ منه مكانك، وطار به اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه، وأفحمت به الرجال، حتى أذعَنَ العالم وقلّد الجاهل. وقالوا قول الصوفية: يادهشًا (٢) كله، فجارنا بفرسك، وطاولنا (٣) بنفسك، فقال: وما هو؟ قلت: الحفظ إن شئت والنظم إن أردت والنثر ان اخترت، والبديهة إن نَشِطت، فهذه أبوابك التي أنت فيها ابن دعواك تملأ منها فاك، فأحجم عن الحفظ رأسًا، ولم يجل فيه قدحًا، وقال: أبادهك، فقلت: أنت وذاك، فمال إلى السيد أبي الحسين فسأله بيتًا ليُجيز، فقلت: يا هذا أنا أكفيك ثم تناولت جزءًا فيه أشعاره، وقلت لمن حضر: هذا شعر ابي بكر الذي كد به طبعه، وأسهر له جفنه، وأجال فيه فكره، وانفق فيه عمره، واستنزف فيه يومه، ودونه صحيفة مآثره، وجعله ترجمان محاسنه وعبر به عن باطنه، وأخذ مكانه به وهو ثلاثون بيتًا، وسأقرن كل بيت بوفقه، وأنظم كل معنى إلى لفقه، بحيث أصيب أغراضه، ولا أعيد الفاظه، وشريطتي ألا أقطع النفس، فإن تهيأ لواحد أو أمكن لنا قدر ممّن قد حضر، يريد النظر ان يميز قوله من قولي، ويحكم على البيت أنَّه لَهُ أَوْ

стр. 3833

لي، أو يرجّح ما نضجه بنار الرؤية، على ما أمليته على لسان النفس فله يَدُ السبق. أو يكون غيرها، فأعفى عن هذه المعارضة، وتتنحى لنا عن أرض المماثلة، ويخلى لنا الطريق لمن يبني المنار به، فقال أبو بكر: ما الذي يؤمننا من أن تكون نظمت من قبل ما تريد إنشاده الآن؟ فقلت: اقترح لكل بيت قافية ولا أسوقه إلا إليها، ولا أقف به إلا عليها، ومثال ذلك، أن تقول: حشر فأقول بيتا آخره حشر، ثم عشر فانظم بيتًا قافيته عشر. ثم هلم جرا، إلى حيث يتضح الحق، وينتضح الزرق، وتستقرّ الحجة وتطرد، وتستقل الشبهة وتنطرد فيعرف الحالي من العاطل، ويُفرّق بين الحق والباطل، فأبى أبو بكر أن يشاركنا هذا العنان، ومال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتًا ليجيز، فتبعنا رأيه فيما رآه، ولم نرض إلا رضاه، ولم نعدل عن هواه ومبتغاه، وأعْمَلَ كل منا لسانه وفَمَهُ. وأخَذَ دواتَهُ وقَلَمَه، وأجزنا البيت الذي قاله: وكل ما أجزناه إجازة جارى القَلَمُ فيها الطبع، وبارى اللسان بها السمع وسارق الخاطر بها الناظر، وسابق الجنان فيها البنان إلى أن قلنا (١): [من الكامل] هذا الأديب على تعسف فتكِهِ … وبُروكه عند القريض ببركه مُتَسَرِّع في كل ما يعتاده … من نظمِهِ مُتَباطئ عن تركه والشعر أبعد مذهبًا ومصاعدًا … مِنْ أن يكون مُطيعُهُ في فِكة (٢) والنظم بحر والخواطر معْبَرُ … فانظر إلى بحر القريض وفلكه فمتى توانى في القريضِ مُقَصِّرٌ … عَرَّضْتُ أُذْنَ الامتحان لعَرْكِهِ هذا الشريف على تقدّم بيتِهِ … في المكرمات ورِفْعَةٍ في سمكه قد رام منى أن أقارن مثله … وأنا القرين السوء إن لم أنكه (٣) وإذا نظرت وجدت ماقد قلتُهُ … بردَ اليقين على حرارة شكه (٤) عارضت بيتًا قلته مُتَعَسِّفًا … وحَطَمْتَ جانحة القرين بدكه (٥) وَدَبَغْتَ منه أديمه فتركته … نهج الأديم بِدَبْعَهِ وَبَدَلْكِهِ

стр. 3834

أصغوا إلى الشعر الذي نظَّمتُهُ … كالدرّ رضع في مجرَةِ سِلْكه فمتى عجزت عن القرين بديهةً … فدمي الحرام له إراقة سفكه فقال أبو بكر أبياتًا جهدنا به أن يخرجها عن اللحاف (١)، ويبرزها من الغلاف (٢)، فلم يفعل دون أن طواها، وجَعَل يَفْرُكُها ويعركُها، فقلت: يا هذا إن البيت لقائله كالولد لناجِلِهِ، فما لك تعق ابنك وتُضيمه؟ ابرزها للعيون، وخلصها من الظنون، فكره أبو بكر أيده الله أن تكون الهرة أعْقَلَ منه؛ لأنّها تحدث وتغطّي، فلم يستجز (٣) أن يظهر، ثم بسط (٤) جبينه، وبسط يمينه للبديهة نفسًا دون أن كتب فقال: انت وذاك، واقترح علينا أن نقول على وزن قول أبي الطيب المتنبي حيث يقول (٥): [من الكامل] أرق على أرق ومثلي يأرقُ … وجوى يزيد وعبرة تترقرق وابتدر أبو بكر أيده الله إلى الإجازة. ولم يزل إلى الغايات سباقًا فقال: وإذا ابتدهت بديهة ياسيدي … فأراك عند بديهتي تتقلق وإذا قرضتُ الشعر في ميدانِهِ … لا شكَ أَنَّكَ يا أخي تتشقق إني إذا قلت البديهة قلتها … عجلًا وطبعك عند طبعي يرفق ما لي أراك ولست مثلي عندها … متموهًا بالترهات تمخرق إني أجيز على البديهة مثلما … تريانه وإذا نطقت أصدق لو كنتَ مِنْ صخر أصمّ لها له … (مني) (٦) البديهة واغتدى يتفلق أو كنت ليثًا في البديهة قادرًا … لوثبت يا مسكين دوني تبرق (٧) وبديهة قد قلتها متنفسًا … فقل الذي قد قُلْتُ ياذا الأخرق ثم وقف يعتذر ويقول: إن هذا كما يجيء، لا كما يجب، فقلت: قبل الله عذرك لكني أراك بين قوافٍ مكروهة، وقافاتٍ خشنة، كل قاف كحبل قاف، منها، تتقلق، وتتشقق، وتفلق، وتمخرق، وتبرق، وتسرق واحمق، وأخرق إلى أشياء لا أكثر بها العدد فخذ الآن جزاءً عن قرضك واداءً لفرضك، وقلت (٨): [من الكامل]

стр. 3835

مهلًا أبا بكر فزندك أضْيَقُ … وأخرس فإن أخاك حي يُرْزَق دعني أعرك إذا سكت سلامةً … فالقولُ يُنجِد في ذويك ويعرق ولفاتك فتكات سوءٍ فيكُمُ … فدع الستور وراءها لا تخرق وانظر لأشنع ما أقول وأدّعي … أله إلى أعراضكم متسلق يا أحمقًا وكفاك ذلك خزيةً … جربت نار معرتي هل تحرق؟ فلما أصابه حرّ الكلام، ومسه لفح هذا النظام قطع علينا فقال: يا أحمقًا لا يجوز، فإنّ أحمق لا ينصرف، فقلنا يا هذا لا نقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة عيب، فليس بظرف ظرف، ولو شئنا لقطعنا عليك، ولوجَدَ الطاعن سبيلًا إليك، وأما أحمق، فلا يزال يصفعك وتصفعه، حتى ينصرف وتنصرف معه، وعرفناه أن للشاعر أن يرد ما لا ينصرف إلى الصرف. كما أن له رأيه في القصر والحذف، وأنشدناه حاضر الوقت من اشعار العرب فقال: يجوز للعرب مالا يجوز لك، فلم ندر كيف نجيب عن هذا الموقف وهذه المواقعة، وكيف يسلم من هذه المناصفة؟ لكنا قلنا له: أخبرنا عن بيتك الأول: َأمَدَحْتَ أم قَدَحْتَ؟ وزكيت أم جرحت؟ ففيها [شيئان] متفاوتان ومعنيان متباينان منها أنك بدأت فخاطبت بياسيدي، والثانية أنك عطفت فقلت تتفلق، وهما لا يركضان في حلبة، ولا يحطان في خطة، ثم قلت له: خُذْ وزنًا من الشعر، حتى أسكت عليك، فتستوفي من القول حظك، واسكت علينا حتى نستوفي حظنا، ثم أني احفظ عليك أنفاسك واوافقك عليها، واحفظ علي انفاسي ووافقني عليها، فإن عجزت عن اعتلاقها حفظتها لك، فسلني عنها بعد ذلك، وأخذنا بيت أبي الطيب المتنبي (١): [من المنسرح] أهلًا بدار سباك أغيدُها … مِنْ بعدما بان عنكَ خُردها فقلت (٢): [من المنسرح] يانعمةً لا تزال تجحدها … ومنّةً لا تزال تكندها فأخذ بمخنق البيت قبل تمامِهِ، ومضيق الشعر قبل نظامه، فقال: [ما] معنى تكندها؟، فقلت: يا هذا، كَنَدَ النعمة كفرها، فرفع يديه وراسه، وقال: معاذ الله أن يكون كند، بمعنى جحد، وإنما الكنود القليل الخير، فأقبلتِ الجماعة عليه يوسعونه

стр. 3836

برمًا وفريًا، ويتلون عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ (١) فقلت: أليس الشرط أملك؟، والعهد بيننا ان تسكت ونسكت حتى نتم وتتم، ثم نبحث ونفحص؟ فنبذ الأدب وراء ظهره وصار إلى السخف يكيلنا بصاعه ومده، وينفض فيه حمة جهده، وأفضى إلى السفه يغرف علينا غرفًا، ويستقي من جرفه جرفًا، فقلت له: يا هذا. إن الأدب غير سوء الأدب، وللمناظرة حظرنا لا للمنافرة، فإن نفَضْتَ عن هذا السخف يدك، وثنيت عن هذا السفه قصدك، وإلا تركتُ مكالمتك، ولو كان في باب الاستخفاف شيء أبلغ من ترك الانكار لبلغته منك، فأخَذَ يمضي على غلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه فاستندتُ إلى المسند، ووضعتُ اليد على اليد، وقلت: أستغفر الله من مكالمتك ونَفضْتُها قائمةً معه، وسكت حتى عرف الناس، وأَيْقَنَ الجلاس اني أملك من نفسي ما لا يملكه، وأسلك من طريق الحكم ما لا يسلكه، ثم عطفت عليه فقلت: يا أبا بكر، إن الحاضرين قد أعجبوا من حلمي بأضعاف ما أعجبوا من علمي، وتعجبوا من عقلي أكثر مما تعجبوا من فضلي، وبقي الآن أن يعلموا أن هذا السكوت ليس عن عي، وإن تكلّفي للسفه أشَدُّ استمرارًا من طبعك، وغربي في السخف أمتن عودًا من نبعك، وسنقرع باب السخف معك، ونفترع من ظهر السَّفَه مفترعك، فتكلّم الآن، فقال: أنا قد كسبت بهذا [العقل] (٢) دية أهل همذان مع قلته فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته، فقلت: أما قولك دية أهل همذان فما أولاني بأن لا أجيب عنه، لكن هذا الذي به تتمدح وتتبجح وتتشرف وتتصلّف من انك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت وكديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذم عافاك الله، ولأن يقال للرجل: يا فاعل يا صانع، أحبّ من أن يقال: يا شحاذ يا مكدي، وقد صدقت، أنت في هذه الحلبة أسبق، و [في] (٣) هذه الحرفة أعرق، ولعمرك إنك اشحذ، وأنت في الكدية أنفذ، وأنا قريب العهد بهذه الصنعة، حديث الورد لهذه الشرعة، مرمل اليد في هذه الرقعة، فأما مالك فعندنا يهودي يماثلك في مذهبه، ويزنك بذهبه، وهو مع ذلك لا يطرقني إلا بعين الرهبة، ولا يمد إلي إلا يد الرغبة، ولو كان الغنى حظًا كريمًا لأخطأه مثل هذا العقل، ولو كان المال غُنْمًا لما أدرك بهذا السعي. ولكن عرفني هل كنت فيما سَلَفَ من زمانِك ونَبَتَ من أسنانك، إلا هاربا بذمائك، مضرّجًا بدمائك، مرتهنًا بقولك، بين وَجْنَةٍ موشومة، وجوارح مهشومة، ودار مهدومة، وخدود ملطومة؟ ومتى صَفَتْ مشارِعُك، او أخْصَبَتْ، مراتعك، إلا في هذه الأيام القذرة. وستعرف

стр. 3837

غدك من بعد، وتنكر أمسك من [غد] وتعلم قدرك في غد، وتعرف نفسك، وما أضيع وقتًا قطعته بذكرك، ولسانًا دنّسته باسمك، ومِلْتُ إلى القوال. وهو أبو بكر أحمد بن عبد الله الشاذياخي، فقلت: اسمعنا خيرًا فدفع القوال وغنّى أبياتًا فيها: [من الوافر] وشبّهنا بنفسج عارضيه … بقايا اللطم في الخد الرقيق فقال أبو بكر: ياقوم أحْسَنُ ما في هذا الأمر أني أحفظ هذه القصيدة، وهو لا يعرفها، فقلت: يا عافاك، أعرفها وإن انشدتكها سائك مسموعها، ولم يسرك مصنوعها، فقال: أنشد فقلت: أنشد ولكن روايتي تخالف هذه الرواية. وأنشدت: وشبّهنا بنفسج عارضيه … بقايا الوشم في الوجه الصفيق فأتته السكتة، وأضجرته النكته، وانطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة، وأطرق مليًا، وقال: والله لأضربنّك وإن ضُربت، ولأشتمنّك وإن شتمت، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ (١)، ولتعلمن أينا الضارب، وأيّنا المضروب وقلتُ: يا أبا بكر، مهلًا، فإنك بين ثلاثة فصول لم تتخطها من عمرك، وثلاث أحوال لم تتعدها (٢) في أمرك، وأنت في جميع الثلاثة ظالم في وعيدك، ومتعد في تهديدك؛ لأنك كَهْل وأنت شاعر، وكنت شابًا وأنت مقامر، وكنت صبيًا وأنت مؤاجر، فنطاق القدرة في الثلاثة الفصول ضيق عن هذا الوعيد، لكنّا نصفعك الآن، وتضربنا فيما بعد، فقد قيل اليوم قصف وغدًا خسف، وقيل اليوم خمر وغدًا أمر. فقال أبو بكر: والله لو أنك دخَلْتَ الجنّة، واتَّخَذْت السندس والإستبرق جنّة لَصُفِعْت، فقلت: والله لو أن قفاك غدا في درج في خرج في برج، لاخذك من النعال، ما قدم وماحدث، وشملك من الصفع ماطاب وخَبُث، وانشدت قول ابن الرومي (٣): [من المجتث] إن كان شيخنا سفيهًا … يفوق كل سفه فقد أصَابَ شبيهًا … له وفوق الشبيه ثم لما آبت نفس العقل، وزال سكر الغيث، تمثلت بقول القائل (٤): [من الطويل] وأنزلني طول النوى دارَ غُربةٍ … إذا شئتُ لاقيت أمرًا لا أشاكله

стр. 3838

أُحامِقُه حتى يقال سجيّة … ولو كان ذا عقل لَكُنْتُ أُعاقِلُهُ ودفع القوال، فبدأ بأبيات، ولَحَنَ بأصوات، وجعل النعاس يثني الرؤوس، ويمنع الجلوس، فقمنا عن الليل وهو يجر بعاع (١) الذقن إلى ما وطئ من مضجع، ومهد من مهجع، ولم يكن النوم مَلأ الجفون، ولا شَغَلَ العيون حتى أقْبَلَ وفد الصباح. وَحَيْعَلَ المؤذن بالفلاح، وندب النهوض إلى المفروض، وأجبنا، فلما قضينا الفرض، فارقنا الأرض، فأوى إلى أم مثواه، وأويتُ إلى الحجرة، وظنّي ان هذا الفاضل يأكل يده نَدَمًا، ويبكي على ماجرى دمعًا ودمًا، فإنه إذا سمع بحديث همذان قال: الهاء هم، والميم موت، والذال ذلّ، والالف أنّة، والنون ندامة، وأنه إذا قام هاله منا طيف، وإذا انتبه راعَهُ منّا سيف، وأخَذَ الناس يترامزون بما جرى، ويتغامزون، وراب هذا الفاضل غمزاتهم، مثلما راب المريض تغامز العوّاد، فجعل يحلف للناس بالعتق وتحرير الرق، والمكتوب في الرَّق، أنه أخَذَ قصب السبق، وأنه ينطق عن الحق، والناس أكياس، لا يقنعهم عن المدعي يمين دون شاهدين، وسعوا بيننا بالصلح، يُحكمون قواعده ومعاقده، وعرفنا له فضل السنّ، فقصدناه معتذرين إليه، فأومأ إيماءةً مهيضة، واهتز اهتزازةً مغيظة. وأشار إشارةً مريضة، بكفٌ سَحَبَها على الهواء، ويَدٍ بَسَطَها في الجوّ بَسْطًا، وعلمنا إن للمقمور ان يستخف ويَسْتَهِين، وللقامر أن يحتمل ويلين، فقلنا: ان بعد الكدر صفوا، كما أن عقب المطر صحوًا، فهل لك في خُلق في العشرة نستأنفها، وطرق في الخلطة نسلكها، فإن ثمرة الخلاف ماقد بلوتها. فقال: ظهر الوفاق أوطأ كما ذكرت، والجميل أجمل كما علمت وسنشترك في هذا العنان، وعَرَضَ علينا الإقامة عنده سحابة ذلك اليوم، فاعتللنا بالصوم فلم يقبل العذر، وألح، فقلت: أنت وذاك، فطعمنا عنده، وأخذنا ديدان مرده (٢)، وخرجنا والنية على الجميل موفورة، وتبعة الود معمورة، وصرنا لانتعلّل إلا بمدحه ولا ننتقل إلا بذكرِهِ، ولا نَعْتَدُّ إلا بوده، لا بل ملأنا البلد شكرًا والأسماع نشرًا، وبتنا نحن من الحال في أعذبها شرعة، ومن الثقة في أطيبها جرعة، ومن الظنون في أفلَجِها قرعه، ومن المودة في أعمرها بقعة، وأوسعها رقعة، حتى طرأ علينا رسولان متحملان لمقالته، مؤديان لرسالته، ذاكران بأن أبا بكر يقول: قد تواترت الأخبار، وتظاهرت الآثار في أنك قَهَرْتَ وأني قُهِرْت،

стр. 3839

ولا أشك أن ذاك التواتر عنك صدرت أوائله، والخبر إذا تواتر بِهِ النقلُ قَبِلَهُ العقل، ولا بد أن نجتمع في مجلس بعض الرؤساء فنتناظر بمشهد الخاصة والعامة، فإنك متى لم تَفْعَل ذلك لم آمن عليك تلامذتي، أو تقرّ بعجزك وقصورك عن بلوغ أمدي ومنال يدي، فتعجبْتُ كلَّ العجب مما سمعتُ، وأجبتُ فقلتُ: أما قولك قد تواتر الخبر بأنك قهرت، وأن ذلك عن جهتي صدر، ومن لساني سمع، فبالله ما أتمدَّح بقهرك، ولا أتَبجَّحُ بقسرك، وإن لنفسك عندك لشأنًا إن ظننتني أقف هذا الموقف، أنا إن شاء الله أبعد من ذلك مرتقى همةٍ ومصعد نفس، أسأل الله سترًا يمتد ووجهًا لا يَسْوَدّ، فأما التواتر من الناس، والتظاهر على أني قهرتك، فلو قدرت على الناس لخطتُ أفواههم، ولقبضتُ شفاههم، فما الحيلة، وهل إلى ذلك سبيل فأتوسل أم ذريعة فأتوصل؟ ثم هذا التواتر ثمرة ذلك التناظر، مع ذلك التساتر، فإن كان ساءَكَ، فأحرى أن يسوءك عند مجتمع الناس ومُحْتَفَلِ أُولي الفضل، ولأن يترك المر مختلفًا فيه خير لك من أن يُتفق عليه، فإن أحْبَبْتَ أن تطير هذا الواقع، وتهيج هذا الساكن، فرأيك موفقًا، فأما هذا الوعيد، فقد عرضته على جوانحي وجوارحي كلها، فلم تنشد إلا قول القائل: [من الوافر] وعيد تخرج الآرام منه … وتكره نية الغنم الذئاب (١) فكم يتكوكب تلامذتك ويتعسكرون، ويتفحش أصحابك وتبا جعفرون (٢)، ولست أراك إلا بين ميمين (٣)، أحدهما يروح إلى انثى ويغدو إلى طفل، والآخر يجيب دعوة المضطر إذا دعاه بمسلّفات، فإن كان الله قد قضى أنْ أُقْتَل بأخس السلاح، فلا مَفَرَّ من القدر المتاح، رزقنا الله عقلًا به نعيش، ونعوذ بالله من رأي بنا يطيش، وقلنا من بعد إن رسالتك هذه وردت موردًا لم نحتسبه، ووصلت موقفًا لم نرتقبه، فلذلك خرج الجواب عن البصل ثوما، وعن الخل لوما، فلما ورد الجواب عليه وسع من الغيظ فوق ملئه، وحمل من الحقد فوق عبئه، وقال: قد بلغ السيل الزبى، وَعَلَتِ الوهاد الرّبى في أمرك، وسترى يومك، وتعرف قومك، ثم مضت على ذلك أيام، ونحن منتظرون لفاضل ينشط لهذا الفصل، وينظر بيننا بالعدل، فاتفقت الآراء على أن يُعقد هذا المجلس في دار الشيخ السيد أبي القاسم الوزير.

стр. 3840

واستدعيت، فسرحت الطرف من ذلك السيّد في عالم أفرغ في عالم، وملك في درع ملك، ورجل نظم إلى التنبل تبدلًا، وإلى الترفع تواضعًا، ونطق فودّت الأعضاء لو أنها أسماع مصغية، واستمع فتمنت الجوارح لو أنها ألسنة ناطقة، فقلت: الحمد لله الذي عقد هذا المجلس في دار من يفرق بين من يحق وبين من يزرق، وكنت أوّل من حضر وانتظر مليًا حضور من ينظر، وقدوم مَنْ يناظر، وطلع الامام أبو الطيب، واخذ من المجلس موضعه، والامام أبو الطيب بنفسه أمة، ووحده عالم، ثم حضر السيد أبو الحسين أدام الله عزّه، وهو ابن الرسالة والامامة، وعامر أرض الوحي والمحتبى بفناء النبوة، والضارب في الأدب بعرقه، وفي النطق بحذقه، وفي الانصاف بحسن خلقه، فجشم إلى المجلس قدم سبقه، وجعل يضرب عن هذا الفاضل بسيفين، لأمر كان قد موه عليه، وحديث كان شُبِّه لديه، وفَطَنْتُ لذلك، فقلت: أيها السيد أنا [إذا] سار غيري في التشيع برجلين طرتُ بجناحين، وإذا مت سواء في موالاة أهل البيت بلمحة دالة، توسلت بغرة لائحة، فإن كنت أبلغت غير الواجب فلا يحملنك على ترك الواجب، ثم ان لي في آل الرسول ﷺ وعليهم قصائد قد نظمت حاشيتي البر والبحر، وركبت الأفواه، ووردت المياه، وسارت في البلاد، ولم تَسْرِ بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تطر على ساق، ولكنّي لا أتسوّق بها لديكم، ولا أتنفق بها عليكم، وللآخرة قلتها لا للحاضرة، وللدين ادخرتها لا للدنيا، وللمعاد نظمتها لا للمعاش، فقال: انشدني منها، فقلت: [من مجزوء الكامل] يا لَمَةً ضَرَبَ الزَّما … نُ على مُعرَّسِها خيامه لله درك من خَزا … مِي روضة عادت ثِغامه لرزية قامت بها … للدين أشراط القيامه لمضرج بدم النبوّ … تضارب بيد الإمامه متقسم بظبي السيو … فِ مجرّع منها حِمامه (١) منع الورود وماؤه … منه على طرف الثمامه نَصَبَ ابنُ هند رأسَهُ … فوقَ الورى نصب العلامه ومقبّل كان النبي … بلثمِهِ يَشفي غرامه قرع ابن هند بالقضيـ … ـبِ عذابَهُ فرط استضامه

стр. 3841

وشدا بنغمته عليـ … ـه وصب بالفضلات جامه والدين أبلج ساطع … والعدل ذو خال وشامه ياويحَ مَنْ ولى الكتا … ب قفاه والدنيا أمامه ليضرسنَّ يَدَ الندا … مة حيث لا تُغني الندامه ولدر كن على الغَرا … مةِ سوء عاقبة الغرامه وحمى أباح بنو أميـ … ـة عن طوائلهم حرامه حتى اشتفوا من يوم بد … ر واسبتدوا بالزعامه لعنوا أمير المؤمنيـ … ـن بمثل إعلان الإقامه لِمَ لم تخرّي يا سما … ء ولم تصبي ياغمامه لِمَ لم تزولي ياجبا … ل ولم تشولي يانعامه يا لعنة صارت على … أعناقهم طوق الحمامه إنَّ الإمامة لم تكن … للئيم ما تحت العمامه مَنْ سُبْط هند وابنُها … دون البتول ولا كرامه ياعين جودي للبقيـ … ـع فدرعي بدم رغامه جودي بمذخور الدمو … ع وأرسلي بدا نظامه جودي بمشهد كربلا … ء فوفري مني دمامه جودي بمكنون الجما … نِ أَجُدْ بما جاد ابن مامه فلما أنشدت ما أنشدت، وسودتُ ما سودت، وكشفت له الحال، فيما اعتقدت، انحلت تلك العقدة، وصار سلمًا يوسعنا حلمًا، وحضر بعد ذلك الشيخ أبو عمر البسطامي، وناهيك من حاكم يفصل، وناظر يعدل يسمع فيفهم، ويقول فيعلم، ثم حضر بعد ذلك القاضي أبو نصر، والادب أدنى فضائله وايسر فواضله، والعلل شيمة من شيمه، والصدق مقتضى هممه، وحضر بعده الشيخ أبو سعد محمد بن أرمك أيده الله، وهو الرجل الذي تحميه لألاؤه أو لوذعيته من أن يدال بمن؟ أو ممن الرجل؟ وهو الفاضل الذي يحطب في حبل الكتابة ماشاء، ويركض في حلبة العلم ماراد، وحضر بعده أبو القاسم بن حبيب، وله في الأدب عينه وقراره، وفي العلم شعلته وناره، وحضر بعده الفقيه أبو الهيثم ورائد الفضل يقدمه، وقائد العقل يخدمه، وحضر بعده الشيخ أبو نصر بن المرزبان، والفضل منه بدأ، وإليه يعود،

стр. 3842

وحضر بعده [أصحاب] (١) الشيخ [أبو] الطيب ﵀، وما منهم إلا أغرّ نجيب، وحضر بعدهم أصحاب الشيخ الفاضل ابي الحسن الماسرجسي، وكل إذا عُدَّ (٢) الرجال مقدم، وحضر بعدهم أصحاب الاستاذ أبي عمرو البسطامي، وهم في الفضل كاسنان المشط، ومنه باعلى مناط العقد، وحضر بعدهم الشيخ أبو سعد الهمداني، وله في الفضل قدحه المعلّى، وفي الادب حظه الأعلى، وحضر بعد الجماعة أصحاب الأسبلة [المرسلة] (٣)، والأسوكه المرسلة، رجال يلعن بعضهم بعضًا، فصاروا إلى قلب المجلس وصدره، حتى رد كيدهم في نحرهم، وأقيموا بالنعال إلى صف النعال، فقلت لمن حضر: مَنْ هؤلاء؟ فقالوا: أصحاب الخوارزمي، فلما أخذ المجلس زخرفه ممن حضر، وانتظر أبو بكر فتأخر، اقترحوا علي قوافي أثبتوها، واقتراحات كانوا بيتوها: [من الهزج] فما ظنك بالحلفا … ء أدنيت لها نارا من لفظ إلى المعنى نسقته، وبيت إلى القافية سقته على ريق لم أبلغه، ونَفَسٍ لم أقطعه، وصار الحاضرون بين إعجاب بما أوردت، وتعجب مما أنشدت، وقال أحدهم بل واحدهم، وهو الامام أبو الطيب، لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي ونعين المعاني، وننص على بحر، فإن قلت حينئذ على الروي الذي أسومه وذكرت المعنى الذي ارومه، وأنت حي القلب كما عهدناك، منشرح الصدر كما شاهدناك، شجاع الطبع كما وجدناك، شهدنا انك قد أحسنت، ولا فتى إلا أنت، فما خرجت من عهدة هذا التكليف حتى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب، والحوقلة من آخر، وتعجبوا إذ ارتهم الايام ما لم تُرِهم الأحلام، وجَادَ لهم العيان بما بخل به السماع، وأنجزهم الفهم، ما أخْلَفَهم الوهم، ثم التفت فَوَجَدْتُ الأعناق تلتفت، وما شعرت إلا بهذا الفاضل وقد طلع في شملته، وهب بجملته، بأوداج ما يسعها الزران (٤) وعينين في رأسه تزران، ومشى إلى فوق رقاب الناس، وجعل يدس نفسه بين الصدور يريد الصدر، وقد أخَذَ المجلس أهْلَه، فقلت: يا أبا بكر تزحزح عن الصدر قليلًا إلى مقابلة أخيك، فقال: لست برب الدار فتأمر على الزوّار، فقلت: يا عافاك الله، حضرت لتناظرني، والمناظرة اشتقت أما من النظر وأما من النظير، فإن كان اشتقاقها

стр. 3843

من النظر فمن حسن النظر أن يكون مقعدنا واحدا حتى يتبين الفاضل من المفضول، ثم يتطاول السابق، ويتقاصر المسبوق، وإن كان من النظير، فأنا نظيرك وأنت نظيري، فلم تتصدر أنت وأنا أجلس بين يديك، فقضت الجماعة بما قضيت، وغض هذا الفاضل من تلك الحكمة، وانحط عن تلك العظمة، وقابلني بوجهه، فقلت: اراك أيها الفاضل حريصًا على اللقاء، سريعًا إلى الهيجاء، ولو زبنتك الحرب لم تترمرم (١)، ففي أي علم تريد أن تناظر؟ فأومأ إلى النحو، فقلت: ياهذا إن النهار قد مُتَع والوقت قد ارتفع، والظهر قد أزف، وإن قَرَعْنا باب النحو أضعنا اليوم فيه، فإذا خرج القوم، وعلا هتاف الناس أيهما ردّ الجواب هناك مايدري المجيب، فإن شئت أنا اناظرك في النحو، فسلّم الآن لي ماكنت تدّعيه من سرعة في البديهة، وجودة في الرويّة، وقدرة على الحفظ، ونفاذ في الترسل، ثم أنا أجاريك في هذا، فقال: لا اسلم ذلك، ولا أناظر في غير هذا، وارتفعت المضاجة واستمرت الملاجة، حتى أتلع الاستاذ الفاضل أبو عمر إليه، وقال: أيها الاستاذ أنت أديب خراسان، وشيخ هذه الديار، وبهذه الأبواب التي قد عدّها هذا الشاب كنا نعتقد لك السبق والحذق وتثاقلك عن مجاراته فيها مما يتهم ويوهم، واضطره إلى منازلة فيها، أو نزول عنها، ومقارة فيها أو إقرار بها، فقال: قد سلمت الحفظ، فانشدت قول القائل: [من الطويل] ومستلئم كشفتُ بالرمح ذَيْلَهُ … أَقِمْتُ بعضب ذي سفاسق ميله فَجَعْتُ بهِ في ملتقى الحيّ خيله … تركتُ عِتاق الطير يَحْجِلُ حوله وقلت: يا أبا بكر، خفّف الله عنك كما خففت عنا في الحفظ، فقد كفيتنا مؤنة الامتحان، ولم تضع وقتنا من الزمان، فلو تفضلت وسمت البديهة أيضًا، مع الترسل حتى نفرغ للنحو الذي أنت فيه أكبر، واللغة التي أنت بها أعرف، والعروض الذي أنت عليه أجرأ، والأمثال التي لك فيها السبق والقدم والاشعار التي أنت فيها مُقَدِّم، فقال: ماكنت لأسلم الترسل ولا سلّمت الحفظ، فقلت: الراجع في شيئه كالراجع في قيئه لكنا نقيلك عن ذلك سماحًا، فهات أنشدنا خمسين بيتًا من قبلك مرتين حتى أنشدك عشرين بيتًا من قبلي خمسين مرة، فعلم أن دون ذلك خرط القتاد، تهاب شوكته اليد، فسلمه ثانيًا، كما سلّمه باديًا، وصرنا إلى البديهة، فقال أحد الحاضرين: هاتوا على شعر أبي الشيص في قوله (٢): [من الكامل]

стр. 3844

أبقى الزمان به ندوبَ عِضاضِ … وَرَمَى سوادَ قُرونه ببياضِ فأخذ أبو بكر يخضد ويحصد، مقدّرًا أنا نغفل عن أنفاسه، أو نوليه جانب وسواسه، ولم يعلم أنا نحفظ عليه الكلم، ثم نوافقه عليها فقال (١): [من الكامل] يا قاضيًا ما مثلُهُ مِنْ قَاضي … أنا بالذي تقضي علينا راضي فلقد لبست ضفيةً ملمومةٌ … مِنْ نسج ذاك البارق الفضاض لا تغضبنّ إذا نظمت تنفّسًا … إن الغضى في مثل ذاك تغاضي فلقدْ بُلِيتَ بشاعر متقادرٍ … لا بَلْ بُلِيتَ بناب ذئب غاضي ولقد قرضتُ الشعر فاسمع واستمع … لنشيد شعري طائعا وقراضي فلأغلبن بديهةً ببديهتي … ولأرْمِين سواده ببياضي فقلت: يا أبا بكر ما معنى قولك: ضفية ملمومة، وما الذي أردت بالبارق الفضفاض، فأنكر أن يكون قاله قافيةً، فوافقه على ذلك أهل المجلس، فقالوا: قد قلت. ثم قلت: ما معنى قولك ذئب غاضي فقال: هو الذي يأكل الغضا، فقلت: استنوق الجمل (٢) يا أبا بكر، فانقلبت القوس ركوةً، وصار الذئبُ جَمْلًا يأكل الغضا، فما معنى قولك، إن الغضى في مثل ذلك تغاضي، فإن الغضى لا أعرفه بمعنى الاغضاء، فقال: لم أقل الغضى، فقلت: ما قلت؟ فأنكر البيت جملة، فقلت؛ يا ويحك ما أغناك عن بيت تهرب منه وهو يتبعك، وتتبرأ منه وهو يلحق بك، فقل لي: ما معنى قراض؟ فلم اسمعه مصدرًا من قرضْتَ الشعر، ولكن هلا قلت كما قلت وسُقْتَ الحشو إلى القافية كما سقته؟ فقال: هذه طريقة لم يسلكها العرب فلا أسلكها، ثم دخل الرئيس أبو جعفر والقاضي أبو بكر الحربي والشيخ أبو زكريا الحيري، وطبقة من الإفاضل مع عِدّةٍ من الأراذل فيهم أبو رشيد، فقلت: ما أحوج هذه الجماعة إلى واحدٍ يصرف عنهم عين الكمال، وأخَذَ الرئيس مكانه من الصدر والدست، وله في الفضل قَدَمٌ وقِدَم، وفي الأدب هم وهمم، وفي العلم قديم وحديث، فتم المجلس وظهر الحق بنظره وقال: قد أُدعِيت عليه أبيات أنكرها، فدعوني من البديهة على النفس، واكتبوا ما يقولون، وقولوا على هذا الروي: [من الكامل] برز الربيع [لنا] (٣) برونق مائه … فانظر لروعة أرضه وسمائه

стр. 3845

فالتّربُ بينَ مُمَسَّكٍ ومُعَنْبَرٍ … مِنْ نورِهِ بل مائِهِ ورَوَائِهِ فقلت (١): [من الكامل] فالماء بين مُصَنْدَلٍ ومكفّرٍ … في حُسْنِ كدرته ولين صفائه والطير مثل المحصنات صوادح … مثل المغني شاديًا بغنائه والورد ليس بممسك رياه بل … يُهدي لنا نفحاته من مائه زَمَن الربيع جَلَبْتَ أزكى مَتْجَرٍ … وجَلَوْتَ للرائين خير جلائه فكأنه هذا الرئيس إذا بدا … في خَلْقِهِ وصفائه وعطائه بحمى أغرَّ مُحَجَّبِ (٢) وندى أَغَـ … ـرَّ مُحجَّل في خَلْقِه ووفائه يعشو إليه المجتلي والمجتدي … والمجتوي هو هارب بدمائه ما البحر في تزخاره والغيثُ في … أمطاره والجو في أنوائه بأجلَّ منهُ مَوَاهبًا ورَغائبًا … لازال هذا المجدُ حِلْفَ فنائه والسادة الباقون سادة عصرهم … متمددون بمدحهِ وثَنائه فقال أبو بكر: تسعة أبيات قد غابت عن حفظنا لكنّه جمع فيها بين إقواء واكفاء وأخطاء وإبطاء، ورددنا عليه بعد ذلك عشرين ردًّا، ونقدنا عليه فيها كذا نقدًا، ثم قلتُ لمن حَضَرَ من وزير ورئيس وفقيه وأديب: أرأيتم لو أنَّ رجلًا حَلَفَ بالطلاق الثلاث، لا أنشد شعرًا قط، ثم أنشد هذه الأبيات فقط، هل كنتم تطلقون امرأته عليه؟، فقالت الجماعة: لا يقع الطلاق، ثم قلت: انقد علي فيما نظمت، واحكم عليه كما حكمتُ، فأخذ الأبيات وقال: لا يقال نظرتُ لكذا. وإنما يقال: نظرتُ إليه، فكفتني الجماعة إجابته، ثم قال: لِمَ َشبَّهت الطير بالمحصنات؟ وأي شبه بينهما؟ فقلت: يا رقيع، إذا جاء الربيع كانت شوادي الأطيار تحت ورق الأشجار، فيكن كالمخدرات تحت الأستار، ثم قال: لم قُلْتَ: المحصنات مثل المغني؟ فقلت: هنّ في الخدر كالمحصنات، وكالمغني في ترجيع الأصوات، ثم قال: لم قُلْتَ: زَمَن الربيع جلبت أزكى مَتْجَرٍ؟ وهلا قلت: أربح مَتْجَرٍ؟ فقلت: ليس الربيع بتاجر يجلب البضائع المربحة، ثم قال: قال ما معنى قولك: الغيثُ في أمطارِهِ؟ والغيثُ هو المطر نَفْسُه. فكيف يكون له مطر؟ فقلت: لا سقى الغيث أديبًا

стр. 3846

لا يعرف الغيث. وقلت: إن الغيث هو المطر وهو السحاب. كما ان السماء هو المطر وهو السحاب. وقال الجماعة: قد عَلِمنا أيَّ الرجلين أَشْعَر، وأي الخصمين أقدر. وأي البديهتين أسرع، وأي الرويتين أصنع. فقال أبو بكر: فاسقوني على الظفر، فقالوا: كفاك، كفاك ما سقاك، ثم ملنا إلى الترسل، وقُلْتُ: اقترح على غاية ما في طوقك. ونهاية ما في وسعك، وآخر ما تبلغه بذرعك، حتى أقترح عليك أربعمائة صنف من الترسل، فإن سِرْتَ فيها برجلين ولم أطر بجناحين بل إن أحْسَنْتَ القيام بواحد من هذه ولم تخلف كل الإخلاف. فَلَكَ يَدُ السبق وقصبه، ومثال ذلك: أن أقول لك: اكتب كتابًا يُقرأ منه جوابه. هل يمكنك أن تكتب؟ أو أقول لك اكتب كتابًا على المعنى الذي اقترح لك. وانظم شعرًا في المعنى الذي أَفْتُرع، وافْرَغْ منهما فراغًا واحدًا، هل كنت تمدُّ لهذا ساعدًا؟ أو أقول لك: اكتب كتابًا في المعنى الذي أقوله وانص عليه. وانشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل، حتى إذا كتبت ذلك قرئ من آخرِهِ إلى أوَّلِهِ. وانتظمت معانيه إذا قرئ من أسْفَلِهِ. هل كُنْتَ تُفوّق لهذا الغرض سهمًا، أوْ تُجِيلُ قِدْحًا، أو تصيب نجمًا. أو قلت لك: اكتب كتابًا في المعنى الذي اقترح لا يوجد فيه حرفٌ مُنْفَصِل من واو يتقدم الكلمة أو دال منفصل عن الكلمة بديهة. ولا تُجمَّ فيه قلمك. هل كنت تفعل؟ أو قلْتُ لك اكتب كتابا خاليًا من الألف واللام لا تُصَبُّ معانيه على قلب ألفاظه ولا تخرجه عن جهة أغْراضِهِ، هل كنتَ تقف من ذلك موقفًا ممدوحًا، أو يبعثك ربك مقامًا محمودًا؟ أو قُلْتُ لك: اكتب كتابًا يخلو من الحروف العواطل. هل كنت تحظى منه بطائل؟ أو كنت تَبَلُّ لهاتك بباطل؟ أو قلتُ لك: اكتب كتابًا أوائل صدوره كلها ميم وآخره جيم على المعنى الذي يقترح. هل كنت تغلو في قوسِهِ غَلُوةٌ، أو تخطو في أَرْضِهِ خطوةً؟ أو قلتُ لك: اكتب كتابًا، إذا قُرئ معرّجًا، وسُرِدَ معوّجًا كان شعرًا. هل كنت تقطع في ذلك شعرًا؟ بلى والله تُصيب ولكن من بدنِكَ، وتقطع. ولكن مِنْ ذقنك. وأقول لك: اكتب كتابًا، إذا فُسِّر على وَجْةٍ كان مدْحًا. وإذا فُسِّر على وجه آخر كان قدحًا. هل كنت تخرج عن هذه العهدة؟ أو قلتُ لك: اكتب كتابًا إذا كتبته تكون قد حفظته من دون أن لحظته. هل كنت تثق من نفسك به إلى ما لا أطاولك بعده؟ بل است البائن أعلم فقال أبو بكر: هذه الأبواب شعبذة. فقلت: وهذا القول طرمذة (١) فما الذي تُحسن أنتَ من الكتابة وفنونها حتى أباحثك عن مكنونها،

стр. 3847

وأكاثرك بمخزونها. وأشبر فيها قلمك، وأسْبِرَ فيها لسانك وفمك؟ فقال: الكتابة التي يتعاطاها أهل زماننا هذا المتعارفة بين الناس. فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة إلا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع الواحد المتداول بكل قلم، والمتناول بكل يد وفم. ولا تحسن هذه الشعبذة؟ فقال: نعم، فَقُلْتُ: هات الآن حتى أطاولك بهذا الحبل. وأناظلك بهذا النبل. ثم تقاس ألفاظي بألفاظك. ويُعارض إنشائي بإنشائك. واقترح كتاب يكتب في النقود وفسادها والتجارات ووقوفها، والبضاعات وانقطاعها، والأسعار وغلائها. فكتب أبو بكر (١): الدرهم والدينار ثمن الدنيا والآخرة. بهما يتوصل إلى جنات النعيم، ويُخَلَّدُ في نار الجحيم. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) الآية، وقد بلغنا من فساد النقود ما أكبرناه أشد الاكبار. وأنكرناه أعظم الانكار، لما نواه من الصلاح للعباد، وتنويه من الخير للبلاد. وتعرفنا في ذلك بما يربح الناس في الزرع والضرع. تقدم من إليه (٣) أمر النفع والضرّ إلى كلمات لم تَعْلَق بحفظنا. فقلت: إن الإكبار والإنكار، والعباد والبلاد، وجنات النعيم ونار الجحيم، الزرع والضرع أسجاع قد نبتت في المعد ولم تَزَلْ في اليد. وقد كتبت وكتبت ولا أطالبك بمثل ما أنشأت فاقرأ ولك اليد، وناولته الرقعة. فبقي وبقيت الجماعة. وبُهِتَ وبُهِتَتِ الكافة وقالوا لي: اقرأ، فَجَعَلْتُ أقرأه منكوسًا. واسْرِدُهُ معكوسًا. والعيون تبرق وتحار. وكان نسخة ما أنشأناه: الله شاء إن المحاضر صدور بها، وتملأ المنابر ظهور لها، وتُفرع الدفاتر، وجوه بها وتمشق المحابر، بطون لها ترشق آثارًا كانت فيه آمالنا. مقتضى على أياديه - في تأييده الله أدام الأمير جرى فإذا المسلمين ظهور عن الثقل هذا ويرفع الدين أهل عن الكل هذا يُحط أن فيه إليه نتضرع ونحن واقفة والتجارات زائفة والنقود صيارفة اجمع الناس صار فقد. كريمًا نظرًا لينظر شمه مصاب فانتجعنا كرمه بارقة وشمنا هممه على آمالنا أرقاب وعلقنا. أحوالنا وجوه له وكشفنا، آمالنا وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا، نعماه تأييده وأدام. بقاه الله أطال الجليل الأمير رأى أن وصلى الله على محمد وآله الأخيار. فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهرًا أحد الخصمين. وقال الناس قد فرغنا الترسل أيضًا، فملنا إلى اللغة، فقلتُ: يا أبا بكر. هذه اللغة التي هددتنا بها وحَدَّثتنا عنها، وهذي كتبها وتلك مؤلفاتها، وهي مؤلفة، فخذ «غريب المصنف» إن شئت،

стр. 3848

و «إصلاح المنطق» إن أردت و «ألفاظ ابن السكيت» إن نشطت و «مجمل اللغة» إن اشتهيت، وهو ألف ورقة، و «أدب الكتاب» إن اخترت. واقترح علي أي باب شئت من هذه الكتب، حتى أَجْعَلَه لك نقدًا، وأسْرِدُهُ عليك سَرْدًا، فقال: اقرأ من «غريب المصنف» رجل ماس خفيف على مثال مال، وما أمساه، فدفعت في الباب حتى قرأته، فلم أتردد فيه. وأَتَيْتُ على الباب الذي يليه. ثم قلتُ: اقترح غيره. فقال: كفى ذلك. فقلت له: اقرأ الآن باب المصادر من اختيار فصيح الكلام لا أطالبك بسواه، وأسألك عما عداه، فوقف حماره، وخمدت ناره وقال الناس: اللغة مسلمة إليك أيضًا، فهاتوا غيره. فقلت: يا أبا بكر، هات العروض. فهو أحد أبواب الأدب. وسردت منه خمسة أبحر بألقابها وأبياتها وعللها وزحافها، فقلت: هات الآن فاسوده كما سودته، فلما بَرَدَ ضَجِرَ الناس، وقاموا عن المجلس يفدونني بالآباء والأمهات، ويشبعونه باللعن والسب. وقام أبو بكر. فغشي عليه. وقمت إليه، فقلت (١): [من الوافر]: يعزُّ عليَّ ياللناسِ أني … قَتَلْتُ مُنَاسِبي جَلَدًا وقَهْرا ولكن رُمْتَ شيئًا لم يَرُمْهُ … سواكَ فلم أُطِقْ يا ليثُ صَبْرا وقبلت عينه وقَسَمْتُ وجْهَهُ وقلتُ: اشهدوا إن الغَلَبَةَ له، فهلا يا أبا بكر جئتنا عن باب الخلطة، وفي باب العشرة، وتفرّق الناس، وحبسنا للطعام مع أفاضل ذلك المقام. فلما عكفنا على الخوان كرعْتُ في الجفان. وأسْرَعْتُ إِلَى الرّغفان. وأَمْعَنْتُ في الألوان، وجَعَلَ هذا الفاضل يتناول الطعام بأطراف الأظفار، فلا يأكل إلا قضمًا. ولا ينال إلا شما. وهو مع ذلك ينطق عن كَبِد حرّى. ويغيض عن نفس ملأى، فقلت: يا أبا بكر، بقيت لك مُنَّةٌ وفيك مسكة: [من البسيط] يا قوم إني أرى الأموات قد نُشروا … والأرض تلفظ موتاكم إذا قُبِروا فأخبرني يا أبا بكر. لم غشي عليك؟ فقال: لحمى الطبع وحمى الفرو (٢). فقلت: أيْنَ أَنْتَ عن السجع؟ هلا قلت: حمّى الطبع وحمى الصقع. وقال السيد أبو القاسم: أيها الأستاذ مع الحديث فاعزل يعنيه (٣). فقلت: لا تظلموه، ولا تطعموه طعامًا يصير في بطنه مغصًا وفي عينه رمصًا، وفي جلده برصًا، وفي حَلْقِهِ غُصَصًَا،

стр. 3849

فقال أبو بكر: هذه أسجاع كنت حفظتها فقل كما أقوله: يصير في عينك قذى. وفي خلقك أذى، وفي صدرك شجا، فقلت: يا أبا بكر على الألف تريد. خذ الآن. بفيك البرى وعلى هامتك الثرى. ولا أطعمك الخرا إلا من ورا كما ترى. فقالو: أيها الأستاذ: السكوت أولى، ومالوا إلي، وقالوا: ملكت فاسجح فابي أبو بكر أن يُبقي لنفسه حمة لم ينفضها. أو يدخر عنا كلمة لم يعرضها فقال: والله. لأتركنك بين الميمات. فقلت: ما معنى الميمات، فقال: ما بين مهزوم، ومهدوم، ومَهْشُوم، ومَغْمُوم، ومحموم، ومرجوم، فقلت: وأتركك بين الميمات أيضًا بين الهيام، والصدام، والجذام، والحمام، والزكام، والسام، والبرسام، والهام، والسقام، وبين السينات، فقد علمتنا طريقةً، بين مَنْحوس، مَنْخُوس، منكوس، معكوس، منعوس، محسوس، مغروس، وبين الخاءات. فقد فتحت علينا بابًا، بين مطبوخ، مشدوخ، منسوخ، ممسوخ، مفسوخ، وبين الباءات فقد علمتني الطعن وكنت ناسيًا، بين مغلوب، مسلوب، مرعوب مصلوب مكروب منكوب منهوب، مغصوب، وإن شئت كلناك بهذا الصاع، وطاولناك بهذا الذراع، ثم خرجت واحتجر (١). وقد كان اجتمع الناس وغُلْثُ الكروش فلما خرجتُ لم يلقوني إلا بالشفاه تقبيلًا، وبالأفواه تبجيلًا، وانتظروا خروجه إلى أن غابت الشمس. ولم يخرج أبو بكر حتى حضره الليل بجنوده، وخَلَعَ الظلام عليه فروته، فهذا ما علقناه عن المجلس. وأديناه. والسيد أطال الله بقاءه يقف عليه إن شاء الله. وله المنة. وكتب إلى أبي العباس الفضل بن أحمد الأسفراييني: ما أظنّ - أطال الله بقاء الشيخ السيد - آل سامان إلا مُدَّعين على الله مقاطعة أرضه، ومساقاة ثمارها، يا هؤلاء، لا تُكابروا الله في بلاده. ولا ترادوا الله عن مُرادِهِ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٢) وما أرى آل سيمجور إلا معتقدين أنهم يأخذون خراسان قهرًا؛ لأنها كانت لأمهم مهرًا، فلهم من حَوْلِها نحيط (٣)، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِم مُحيط (٢٠)﴾ (٤). وبلغني أنَّ صاحِبَهُم أُسر، فإن كان ما بلغني صحيحًا، فمرحبًا بالآسر ولا لعًا للعاثر، حتام كفر الكافر، وغدر الغادر، وأبو الحسين بن كثير خذله الله لا يكاد يرى الخير من أين واحد، أفترجوه من أين كثير؟ وهو الترياق المجرب، لو شمه الملك المقرب، لقذف

стр. 3850

من كل جانب دحورًا، هذا المؤيد من السماء بيمن تدبيره، نكس في بيره، وهذا سنان الدولة ببركة ضميره. وَقَعَ في تحسيره (١)، ولا يزال هذا البائس حتى يسل الله العافية من بَدَنِهِ، وحديث ما حديث حديث هذا الحمال كان إبليس يقسم كل صبيحة اللحى ألفًا، فصار يقسم ألوفا، سلطان أتاه الله واسطة البر، وحاشية البحر. وأمْكَنَهُ من طاغية الهند وسخر ملوك الأرض يريد حمال مراغمته، ياللرجال لنازل الحدثان، إني لأعجب من رأس يودع تلك الفضول فلا ينشق، ومن عنق يحمل ذلك الرأس فلا يندق، وما أجد لابن محمود مثالًا إلا ابن الريوندي (٢)، إذ ذهب إلى ابن الأعرابي (٣) يسأله عن قول الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (٤). أتقول العرب: ذقت اللباس؟ فقال: لا بأس، ولا بأس، إذ حبا الله الناس، فلا حيا ذلك الرأس، هبك تتهم محمدًا بأن لم يكن نبيًا، اتهمته بأن لم يكن فصيحًا عربيًا. وجئت تسأل ابن الأعرابي. أليس الأعرابي نفسه جاء بهذا الكلام؟ كذلك ابن محمود ينفض استه ويضرب مذرويه لينال الملك، لا لوافرِ عُدَّةِ. ولا لكثرة عدّة، إنما يطمع في الملك؛ لأنه ابن محمود، أفليس محمود نفسه بالملك أحق؟ فالحمد لله الذي نصركم وأخزاهم، وثبتكم ونفاهم، وارْكَبَ آخرهم أولاهم (٥)، ولا رَحِمَ الله قتلاهم. ولا جَبَر جرحاهم، ولا فك أسراهم، ولا أراكم إلا قفاهم. وإن أقبلوا فَفَضَّ الله فاهم، ويرحم الله عبدًا قال آمينا. وله إليه أيضًا في هزيمة السامانية بباب مرو (٦): وَرَدَتْ رقعة الشيخ الجليل أدام الله بسطته منّي على صدر انتظرها. وقلب استشعرها، وإنّي لا أغلط في قوم أميرهم صبي، ولا في دولة عميدها خصي، وسنانها حَلَقِي، ونصيرها شقي، وعدوّها قوي، إني إذًا لغوي. يا قوم بماذا ينصرون؟ أبمال عليه اعتمادهم، أم بجمع هو مدادهم؟ أم لعدل به اعتضادهم؟ أم لرأي هو عمادهم؟ هل هم إلا شطور في فطور؟ إن الله تعالى علم أنهم إن ملكوا لم

стр. 3851

يصلحوا، وأمرتهم أما أن لا يفلحوا، فسمعوا وأطاعوا طائفة من المدابير وقوعهم بين النار والنير، إن أقاموا فالسيوف الهندوانية. وإن أيمنوا فالأتراك والخانية، وإن أيسروا فجرجان والجرجانية، وإن استأخدوا فالعطش والبرية هو الموت إن شاء الله أخذًا بالحلاقيم، مُحيطًا بالظاعِنِ منهم والمقيم. جُرجان يا مدابير جرجان (١)، إن بها شمة (٢) من التين. وموتًا في الحِينُ، ونظرةً إلى الثمار والأخرى إلى التابوت والحفار. ونجارًا إذا رأى الخراساني نجر التابوت على قدّه، وأسْلَف الحفار على لحدهِ، وعطارًا يُعدّ الحنوط (٣)، وبها للغريب ثلاث فتحات للكبس: أَوَّلُها لكراء البيوت، والثانية لابتياع القوت، والثالثة لثمن التابوت أغلى [الله] (٤) بهم أسواق النجارين والحفارين والمكارين. آمين رب العالمين. وله أيضًا إليه في فتح بهاطية (٥): إن الله وهو العلي العظيم، المعطي من شاء. مَنَّ على الإنسان بهذا اللسان، خَلَقَ ابن آدم وأوْدَعَ بين فكيه مضغة لحم يُصَرِّفُها في القرون الماضية، ويخبر بها عن الأمم الآتية. يُخْبرُ بها عما كان بعدمًا خُلَق. وعما يكون قبل أن يُخلق، ينطق بالتواريخ عما وقع من خطب، وجرى من حرب، وكان من يابس وَرَطب، وينطق بالوحي عما سيكون بعد وصدق عن الله به الوعد، ثم لم ينطق التاريخ بما كان، ولا الوحي بما يكون أنَّ الله تعالى خص أَحَدًا من عباده - ليس النبيين - بما خص به الأمير السيد يمين الدولة، وأمين الله، ودون الجاحد إن جَحَد أخبار الدولة العباسية، والمدة المروانية، والسنين الحربية والبيعة الهاشمية والأيام الأموية والأمارة العدوية والخلافة التيمية. وعهد الرسالة وزمان الفترة ولولا الإطالة. لعدنا إلى عاد وثمود بطنًا بطنًا، وإلى نوح وآدم قرنًا قرنًا. ثم لم نجد قائل مقال إلا أن ملكًا وإن علا أمْرُهُ، وعَظُمَ قَدْرُهُ، وَكَبُرَ سلطانُهُ وهَبَّتْ رِيْحُهُ، طَرَقَ الهند فأسَرَ طاغيتها. بسطة ملك. ثم خلاه. وَعَرَض الأرض قوة قلب وصبح سجستان، وهي المدينة العذراء، والخطة

стр. 3852

العوراء، والطيَّةُ العسراء، فأخَذَ ملكها أخذ عز وعُنف، ثم خلاه تخلية فضل ولطف. ثم لم يلبث أن خاض البحر إلى بهاطية. والسيل والليل جُنودُها. والشوك والشجر سلاحها، والضحُ (١) والريح طريقها، والبر والبحر حصارها، والجن والإنس أنصارها، فقتل رجالها، وغَنَمَ أموالها، وساق أقيالها. وكَسَرَ أصنامها، وهدم أعلامها، كل ذلك في فُسحة شتوة، قبل أن يتطرَّقَها الصيف توسطها السيف. وهو الله ملك الملوك. يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء. ثم حكمته علماء الأمة واتفق قول الأئمة أنَّ سيوف الحق أربعة. وسائرها للنار: سيف رسول الله في المشركين وسيف أبي بكر في المرتدين، وسيف علي في الباغين، وسيف القصاص بين المسلمين، وسيوف الأمير - أيده الله في مواقفه - لا تخرج عن هذه الأقسام، فسيفه بظاهر هراة فيمن عطل الحد، واتهم بأنه أرتد، وسيفه بظاهر غزنه سد في وجه العقوق، نوعًا من الكفر [والفسوق] (٢) وسيفه بظاهر مرو فيمن نَقَضَ بعد تغليظه. ونَبَذَ اليمين بعد تأكيده، وسيفه بظاهر سجستان فيمن نبه الحرب بعد رقودها، وخَلَعَ الطاعة بعد قبولها، وسيفه الآن في ديار الهند سيف قُرِنَتْ به الفتوح وأثنت عليه الملائكة والروح، وذَلَّتْ به الأصنام. وعزّ به الإسلام، والنبي ﵇ واختص بفضله الإمام. واشترك في خيره الأنام، وارخت بذكره الأيام، وأُخفيت لشرحه الأقلام. وسنذكر من حديث الهند وبلادها وغلظ أكبادها وشدّة أحقادها، وقوة اعتقادها، وصدق جلادها، وكثرة أجنادها، نُبذًا، ليعلم السامع أي غزوة غزاها الأمير السيد أدام الله عُلُوهُ، إنها بلاد لو لم تُحْيِها السحاب بِدَرِّها، لأهلكتها الشمس بحرها، فهي دولة بين الماء والنار، ونوبةٌ بين الشمس والأمطار، يقدمها صعاب الجبال، ويحجبها رحاب القفار، ويَعْصِمُها ملتفُ الغياض، ويحضنها طواغي الأنهار، حتى إذا خرقت هذه الحُجُب، خُلص إلى عدد الرمل والحصى رجالًا، وشبه الجبال أفيالًا، وإيزاغ المخاض جلادًا، وتشهاق الحمار طعانًا، وأركان الجبال ثباتًا، ثم لا يعرفون غدرًا ولا بياتًا، ولا يخافون موتًا ولا حياةً، ولا يبالون على أي جنبة وقع الأمر، وينامون وتحتهم الجمر، وربما عَمَدَ أَحَدهم لغير ضرورة داعية، ولا حمية باعثة، فاتخذ لرأسه [من الطين] (٣) إكليلًا، ثم قوّر قحفه فحشاه فتيلًا، ثم أضْرَمَ في الفتيل نارًا، ولم

стр. 3853

يتأوّه، والنار تحطمه عضوًا عضوًا. وتأكلُهُ جزءًا جزءًا، فأما محرق نفسه ومغرقها. وآكل لحمه ومفصل عظمه، والرامي بها من شاهق، فأكثر مِنْ أَنْ يُعَدّ، وأقلُّهم من يموت حتف أنفه، فإذا مات هذه الميتة أحدهم شب بها أعقابه، وعَظُمَ عندهم عقابه، بلاد هذه حالها، وفيلة تلك أهوالها، وجبال في السماء قلالها. وفلاةٌ يلمع آلها وغياض ضيق مجالها، وأنهار كثيرة أوحالها، وطريق طويل [مطالها] (١)، ثم الهند ورجالها والهندوانية واستعمالها، زَحَمَ الأمير - أدام الله سلطانه - بمنكبه هذه الأهوال محتسبًا نفسه معتمدًا نصر الله وعونه، فركض إليهم بعون من الله لا يُخذل، ومددٍ من التوفيق لا يفتر، وقلب عن الأهوال لا يجبُنُ، وجد على المطلوب لا يقصر، وسيف عن الضريبة لا ينكُلُ، فسهّل الله له الصعب، وكشف به الخطب، ورجع ثانيًا من عنايه بالأسارى تنظمهم الأغلال، والسبايا تنقلهم الجمال، والفيلة كأنها الجبال، والأموال ولا الرمال، فتح الله ذَخَرَهُ عن الملوك السالفة الخالية، الكفرة الطاغيية، الجبابرة العاتية. حتى وَسَمَهُ الله بنارِهِ، وجعله بعض آثارِهِ. فالحمد لله معز الدين وأهله، ومذل الشرك وحزبه. وله إليه أيضًا (٢): رقعتي هذه أطال الله بقاء الشيخ الجليل من بعض الفلوات. ولو جهلت أن الحذق لا يزيد في الرزق، وأن الدعة لا تَحْجِب السعة، لعذرت نفسي في الرحل أشُدُّه، والحبل أمده، ولكني أعلم هذا وأعمل ضدّه، وأصِلُ سُراي بسيري، ليُعْلَم أَنَّ الأمر لغيري، وإلا فمن أخذي بالمطار في هذه الأقطار والمصار في هذه الأقطار، لولا الشفاء، ألم يأتني العمر بهيجًا، والرزق نهيجًا نضيجًا، حتى آتيه قصدًا، وأتكلّف له زرعًا وحصدًا، وأعارِضَهُ شيًّا وطبخًا. وأعرض له الشعاب، والجبال الصعاب، وأنزل بمناخ السوء. لكن المرء يُساق إلى ما براد به لا إلى ما يريد. أما آن لهذه الأشقاص (٣) أن يتيسر منها الخلاص؟ بعدما سافَرَتْ وسَفَرَتْ. وناظَرَتْ [ونَظَرَت] (٤) وحَفَرَتْ، وحَرَثَتُ وبَذَرَتْ وبَذَرَتْ وزرعت وعمرت. حمدت الله كثيرًا. ورأيتُهُ مغنمًا كبيرًا. وإن لم يكن من إتمام القصة بدّ فلا غنى عن نَظَرِ كريم ومهلة، فيها مجال وتسويغ يصلح به فاسد، وقرض يتألف به شارد: [الطويل]

стр. 3854

وما كلُّ يومٍ لي بأرْضِكَ حاجةٌ … ولا كلُّ يومٍ لي إليك رسول (١). ومنهم: [٦] أبو نصر العتبي (٢) وهو من أصحاب الغوص البعيد والمعاني البديعة واللفظ السهل، والخاطر الوقاد والفكر الجوّال. والصوغ اللائق. والوِرْد السائغ، لا يُماثل بإنسان، ولا يُشاكل في خراسان دون كَلِمِهِ سحر بابل ونشر كابل، لو شاء أوهم الغواني في عقودها، والأغصان في برودها، وكان حفظه مع سعة مخيلته، وصفاء مصورته وممثلته، وحفظه أحوى من بقاع الرمل. وأحلى من اجتماع الشمل. وفهمه أدق من مدارج النمل تمثيلًا. وأرقٌ من طبع صافي الماء تخييلًا، كلمات محكمةً بقوّة الأسباب. محكمة كنشوة الراح للألباب. فاهًا له من خبر طواه أمْسُهُ. ومن بحر حوله رمسه، ومن حرّ أضاء ليوم، فاطلَعَ حتى غابت شمسه، وله كتاب «اليميني» في تاريخ السلطان محمود بن سبكتكين، كأنه روضة غناء. وعقد منظوم. وأفق مكوكب، بديع الجملة حسن المسموع. ومن نثره قوله: [في] قرين نصل أهداه (٣): خير ما تقرب به الأصاغر إلى الأكابر ما وافق شكل الحال، وقام مقام المقال. وقد بعثت بنضل هندي، إن لم يكن له في قيم الأشياء خطر، فله في قمم الأعداء أثر. والنصل والنصر أخوان والاقبال والقبول قرينان والشيخ أجل من أن يرى إبطال حلية الأبطال، ويرد إقبال مستجلب الاقبال. ومنه قوله من كتاب كتبه عن السلطان محمود:

стр. 3855

ووصلنا إلى السومنات (١) فوجدناها تخفي الرياح في مساربها. وتنزل الأبصار بين ذوائبها، بين غياض تشكو الأراقم فيها ضيق المضطرب، وصعوبة المنسرب. متكاثفة كأعراف الجياد، متداخلة كأشعار الحداد. لا تستجيب فيها الأفاعي للرقاة. ولا يستنير البدر عندها للسراة، في أذيال جبال تناغي كواكب الجوزاء. وخلال آجام تواري وجه الأرض عن عين السماء، فوافينا وقد أثْقَلَ العيون كراها، وأتعب النجوم سراها، في مدة اتصلت كعوب أيامها، وتناسقت فرائد نظامها، فأحطنا بها إحاطة القلائد بالجيد، والشذرة بالفريد، ثم اشتدَّ الوغى، فخيلت المعركة غمامها مثار القساطل. وبروقها بريق المناصل ورعودها صرير السلاح، ورشاشها صبيب الجراح، واستقبل المعمعة من الجنود رجال، يَرَوْنَ الملاحم ولائم، والوقائع نقائع، حطت الرماة أيديها في جعاب كخراطيم الفيول مملؤة بنبال كأنياب الغول. وظلت السهام تتهاوى كما تتهاوى لوامع الشهب وتترامى ترامي نوازع السحب. والطعن يهتك ودائع الصدور، ويرد مشارع الغموم والسرور، ولم تزل الملحمة حتى استقلت الشمس إكليلًا على الجبل، ونَفَضَتْ وِرْسًا على الأصل، فافترق الجمعان، وضرب الليل بينهما بجران إلى ان صافح الليل صباحه، ونثر النجم على الغرب وشاحه، فعادوا إلى أمسهم، وتداعوا من إثارة القتام إلى رَمْسِهِمْ، وصارت الأرواح تستقي بأرشية الأرماح. إلى أن تولّى عسكر البلد هزيمًا يقفوه الصباح. وهشيمًا تذروه الرياح. يتقاسمون الهرب جمامًا، ولا يردون الماء إلا لمالمًا، وعسكر السلطان في آثارهم يرميهم بالصواعق من ظُبَى السيوف البوارق. ويقذفهم بالشهب اللوامع من شبا الرماح الشوارع، حتى صار من سلم منهم إلى الأطراف ضرورة، إذ كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة. وما برح السلطان يتطلب ملكهم حتى حصل في معتقله، وحصَّلَهُ في مكمن أَجَلِهِ، فهدأ من الخوف سرّه وختم بطابع الشقاء عُمره، ثم صعد السلطان المدينة، ودخل بيت البد وظفر منه ومنها بأموال طالما حفظتها صدور الخزائن مكتومة. وخنقتها خيوط الأكياس مختومة، مما أوْهَتْ في تعدادها أنامل الحساب. وأحْفَتْ بل أفْنَتْ أقلام الكتاب. فمن ذهب وفضة. ما منها إلا ما يُكاثر بالأحجار. ويستقل الأمصار. ومن لآل كأنما صوّرت من الشمس ضياءً، وخُلقت لمضاهاة حب الغمام عدًّا وصفاءً. ومن يواقيت كالجمر قبل الخمود، والخمر بعد الجمود. ومن
следующие страницы →