يصلحوا، وأمرتهم أما أن لا يفلحوا، فسمعوا وأطاعوا طائفة من المدابير وقوعهم بين النار والنير، إن أقاموا فالسيوف الهندوانية. وإن أيمنوا فالأتراك والخانية، وإن أيسروا فجرجان والجرجانية، وإن استأخدوا فالعطش والبرية هو الموت إن شاء الله أخذًا بالحلاقيم، مُحيطًا بالظاعِنِ منهم والمقيم. جُرجان يا مدابير جرجان (١)، إن بها شمة (٢) من التين. وموتًا في الحِينُ، ونظرةً إلى الثمار والأخرى إلى التابوت والحفار. ونجارًا إذا رأى الخراساني نجر التابوت على قدّه، وأسْلَف الحفار على لحدهِ، وعطارًا يُعدّ الحنوط (٣)، وبها للغريب ثلاث فتحات للكبس: أَوَّلُها لكراء البيوت، والثانية لابتياع القوت، والثالثة لثمن التابوت أغلى [الله] (٤) بهم أسواق النجارين والحفارين والمكارين. آمين رب العالمين.
وله أيضًا إليه في فتح بهاطية (٥):
إن الله وهو العلي العظيم، المعطي من شاء. مَنَّ على الإنسان بهذا اللسان، خَلَقَ ابن آدم وأوْدَعَ بين فكيه مضغة لحم يُصَرِّفُها في القرون الماضية، ويخبر بها عن الأمم الآتية. يُخْبرُ بها عما كان بعدمًا خُلَق. وعما يكون قبل أن يُخلق، ينطق بالتواريخ عما وقع من خطب، وجرى من حرب، وكان من يابس وَرَطب، وينطق بالوحي عما سيكون بعد وصدق عن الله به الوعد، ثم لم ينطق التاريخ بما كان، ولا الوحي بما يكون أنَّ الله تعالى خص أَحَدًا من عباده - ليس النبيين - بما خص به الأمير السيد يمين الدولة، وأمين الله، ودون الجاحد إن جَحَد أخبار الدولة العباسية، والمدة المروانية، والسنين الحربية والبيعة الهاشمية والأيام الأموية والأمارة العدوية والخلافة التيمية. وعهد الرسالة وزمان الفترة ولولا الإطالة. لعدنا إلى عاد وثمود بطنًا بطنًا، وإلى نوح وآدم قرنًا قرنًا. ثم لم نجد قائل مقال إلا أن ملكًا وإن علا أمْرُهُ، وعَظُمَ قَدْرُهُ، وَكَبُرَ سلطانُهُ وهَبَّتْ رِيْحُهُ، طَرَقَ الهند فأسَرَ طاغيتها. بسطة ملك. ثم خلاه. وَعَرَض الأرض قوة قلب وصبح سجستان، وهي المدينة العذراء، والخطة
стр. 3852
العوراء، والطيَّةُ العسراء، فأخَذَ ملكها أخذ عز وعُنف، ثم خلاه تخلية فضل ولطف. ثم لم يلبث أن خاض البحر إلى بهاطية. والسيل والليل جُنودُها. والشوك والشجر سلاحها، والضحُ (١) والريح طريقها، والبر والبحر حصارها، والجن والإنس أنصارها، فقتل رجالها، وغَنَمَ أموالها، وساق أقيالها. وكَسَرَ أصنامها، وهدم أعلامها، كل ذلك في فُسحة شتوة، قبل أن يتطرَّقَها الصيف توسطها السيف. وهو الله ملك الملوك. يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
ثم حكمته علماء الأمة واتفق قول الأئمة أنَّ سيوف الحق أربعة. وسائرها للنار: سيف رسول الله في المشركين وسيف أبي بكر في المرتدين، وسيف علي في الباغين، وسيف القصاص بين المسلمين، وسيوف الأمير - أيده الله في مواقفه - لا تخرج عن هذه الأقسام، فسيفه بظاهر هراة فيمن عطل الحد، واتهم بأنه أرتد، وسيفه بظاهر غزنه سد في وجه العقوق، نوعًا من الكفر [والفسوق] (٢) وسيفه بظاهر مرو فيمن نَقَضَ بعد تغليظه. ونَبَذَ اليمين بعد تأكيده، وسيفه بظاهر سجستان فيمن نبه الحرب بعد رقودها، وخَلَعَ الطاعة بعد قبولها، وسيفه الآن في ديار الهند سيف قُرِنَتْ به الفتوح وأثنت عليه الملائكة والروح، وذَلَّتْ به الأصنام. وعزّ به الإسلام، والنبي ﵇ واختص بفضله الإمام. واشترك في خيره الأنام، وارخت بذكره الأيام، وأُخفيت لشرحه الأقلام.
وسنذكر من حديث الهند وبلادها وغلظ أكبادها وشدّة أحقادها، وقوة اعتقادها، وصدق جلادها، وكثرة أجنادها، نُبذًا، ليعلم السامع أي غزوة غزاها الأمير السيد أدام الله عُلُوهُ، إنها بلاد لو لم تُحْيِها السحاب بِدَرِّها، لأهلكتها الشمس بحرها، فهي دولة بين الماء والنار، ونوبةٌ بين الشمس والأمطار، يقدمها صعاب الجبال، ويحجبها رحاب القفار، ويَعْصِمُها ملتفُ الغياض، ويحضنها طواغي الأنهار، حتى إذا خرقت هذه الحُجُب، خُلص إلى عدد الرمل والحصى رجالًا، وشبه الجبال أفيالًا، وإيزاغ المخاض جلادًا، وتشهاق الحمار طعانًا، وأركان الجبال ثباتًا، ثم لا يعرفون غدرًا ولا بياتًا، ولا يخافون موتًا ولا حياةً، ولا يبالون على أي جنبة وقع الأمر، وينامون وتحتهم الجمر، وربما عَمَدَ أَحَدهم لغير ضرورة داعية، ولا حمية باعثة، فاتخذ لرأسه [من الطين] (٣) إكليلًا، ثم قوّر قحفه فحشاه فتيلًا، ثم أضْرَمَ في الفتيل نارًا، ولم
стр. 3853
يتأوّه، والنار تحطمه عضوًا عضوًا. وتأكلُهُ جزءًا جزءًا، فأما محرق نفسه ومغرقها. وآكل لحمه ومفصل عظمه، والرامي بها من شاهق، فأكثر مِنْ أَنْ يُعَدّ، وأقلُّهم من يموت حتف أنفه، فإذا مات هذه الميتة أحدهم شب بها أعقابه، وعَظُمَ عندهم عقابه، بلاد هذه حالها، وفيلة تلك أهوالها، وجبال في السماء قلالها. وفلاةٌ يلمع آلها وغياض ضيق مجالها، وأنهار كثيرة أوحالها، وطريق طويل [مطالها] (١)، ثم الهند ورجالها والهندوانية واستعمالها، زَحَمَ الأمير - أدام الله سلطانه - بمنكبه هذه الأهوال محتسبًا نفسه معتمدًا نصر الله وعونه، فركض إليهم بعون من الله لا يُخذل، ومددٍ من التوفيق لا يفتر، وقلب عن الأهوال لا يجبُنُ، وجد على المطلوب لا يقصر، وسيف عن الضريبة لا ينكُلُ، فسهّل الله له الصعب، وكشف به الخطب، ورجع ثانيًا من عنايه بالأسارى تنظمهم الأغلال، والسبايا تنقلهم الجمال، والفيلة كأنها الجبال، والأموال ولا الرمال، فتح الله ذَخَرَهُ عن الملوك السالفة الخالية، الكفرة الطاغيية، الجبابرة العاتية. حتى وَسَمَهُ الله بنارِهِ، وجعله بعض آثارِهِ. فالحمد لله معز الدين وأهله، ومذل الشرك وحزبه.
وله إليه أيضًا (٢):
رقعتي هذه أطال الله بقاء الشيخ الجليل من بعض الفلوات. ولو جهلت أن الحذق لا يزيد في الرزق، وأن الدعة لا تَحْجِب السعة، لعذرت نفسي في الرحل أشُدُّه، والحبل أمده، ولكني أعلم هذا وأعمل ضدّه، وأصِلُ سُراي بسيري، ليُعْلَم أَنَّ الأمر لغيري، وإلا فمن أخذي بالمطار في هذه الأقطار والمصار في هذه الأقطار، لولا الشفاء، ألم يأتني العمر بهيجًا، والرزق نهيجًا نضيجًا، حتى آتيه قصدًا، وأتكلّف له زرعًا وحصدًا، وأعارِضَهُ شيًّا وطبخًا. وأعرض له الشعاب، والجبال الصعاب، وأنزل بمناخ السوء. لكن المرء يُساق إلى ما براد به لا إلى ما يريد. أما آن لهذه الأشقاص (٣) أن يتيسر منها الخلاص؟ بعدما سافَرَتْ وسَفَرَتْ. وناظَرَتْ [ونَظَرَت] (٤) وحَفَرَتْ، وحَرَثَتُ وبَذَرَتْ وبَذَرَتْ وزرعت وعمرت. حمدت الله كثيرًا. ورأيتُهُ مغنمًا كبيرًا. وإن لم يكن من إتمام القصة بدّ فلا غنى عن نَظَرِ كريم ومهلة، فيها مجال وتسويغ يصلح به فاسد، وقرض يتألف به شارد: [الطويل]
стр. 3854
وما كلُّ يومٍ لي بأرْضِكَ حاجةٌ … ولا كلُّ يومٍ لي إليك رسول (١).
ومنهم:
[٦] أبو نصر العتبي (٢)
وهو من أصحاب الغوص البعيد والمعاني البديعة واللفظ السهل، والخاطر الوقاد والفكر الجوّال. والصوغ اللائق. والوِرْد السائغ، لا يُماثل بإنسان، ولا يُشاكل في خراسان دون كَلِمِهِ سحر بابل ونشر كابل، لو شاء أوهم الغواني في عقودها، والأغصان في برودها، وكان حفظه مع سعة مخيلته، وصفاء مصورته وممثلته، وحفظه أحوى من بقاع الرمل. وأحلى من اجتماع الشمل.
وفهمه أدق من مدارج النمل تمثيلًا. وأرقٌ من طبع صافي الماء تخييلًا، كلمات محكمةً بقوّة الأسباب. محكمة كنشوة الراح للألباب. فاهًا له من خبر طواه أمْسُهُ. ومن بحر حوله رمسه، ومن حرّ أضاء ليوم، فاطلَعَ حتى غابت شمسه، وله كتاب «اليميني» في تاريخ السلطان محمود بن سبكتكين، كأنه روضة غناء. وعقد منظوم. وأفق مكوكب، بديع الجملة حسن المسموع.
ومن نثره قوله: [في] قرين نصل أهداه (٣):
خير ما تقرب به الأصاغر إلى الأكابر ما وافق شكل الحال، وقام مقام المقال. وقد بعثت بنضل هندي، إن لم يكن له في قيم الأشياء خطر، فله في قمم الأعداء أثر. والنصل والنصر أخوان والاقبال والقبول قرينان والشيخ أجل من أن يرى إبطال حلية الأبطال، ويرد إقبال مستجلب الاقبال.
ومنه قوله من كتاب كتبه عن السلطان محمود:
стр. 3855
ووصلنا إلى السومنات (١) فوجدناها تخفي الرياح في مساربها. وتنزل الأبصار بين ذوائبها، بين غياض تشكو الأراقم فيها ضيق المضطرب، وصعوبة المنسرب. متكاثفة كأعراف الجياد، متداخلة كأشعار الحداد. لا تستجيب فيها الأفاعي للرقاة. ولا يستنير البدر عندها للسراة، في أذيال جبال تناغي كواكب الجوزاء. وخلال آجام تواري وجه الأرض عن عين السماء، فوافينا وقد أثْقَلَ العيون كراها، وأتعب النجوم سراها، في مدة اتصلت كعوب أيامها، وتناسقت فرائد نظامها، فأحطنا بها إحاطة القلائد بالجيد، والشذرة بالفريد، ثم اشتدَّ الوغى، فخيلت المعركة غمامها مثار القساطل. وبروقها بريق المناصل ورعودها صرير السلاح، ورشاشها صبيب الجراح، واستقبل المعمعة من الجنود رجال، يَرَوْنَ الملاحم ولائم، والوقائع نقائع، حطت الرماة أيديها في جعاب كخراطيم الفيول مملؤة بنبال كأنياب الغول. وظلت السهام تتهاوى كما تتهاوى لوامع الشهب وتترامى ترامي نوازع السحب. والطعن يهتك ودائع الصدور، ويرد مشارع الغموم والسرور، ولم تزل الملحمة حتى استقلت الشمس إكليلًا على الجبل، ونَفَضَتْ وِرْسًا على الأصل، فافترق الجمعان، وضرب الليل بينهما بجران إلى ان صافح الليل صباحه، ونثر النجم على الغرب وشاحه، فعادوا إلى أمسهم، وتداعوا من إثارة القتام إلى رَمْسِهِمْ، وصارت الأرواح تستقي بأرشية الأرماح. إلى أن تولّى عسكر البلد هزيمًا يقفوه الصباح. وهشيمًا تذروه الرياح. يتقاسمون الهرب جمامًا، ولا يردون الماء إلا لمالمًا، وعسكر السلطان في آثارهم يرميهم بالصواعق من ظُبَى السيوف البوارق. ويقذفهم بالشهب اللوامع من شبا الرماح الشوارع، حتى صار من سلم منهم إلى الأطراف ضرورة، إذ كانت جيوب الآفاق عليه مزرورة. وما برح السلطان يتطلب ملكهم حتى حصل في معتقله، وحصَّلَهُ في مكمن أَجَلِهِ، فهدأ من الخوف سرّه وختم بطابع الشقاء عُمره، ثم صعد السلطان المدينة، ودخل بيت البد وظفر منه ومنها بأموال طالما حفظتها صدور الخزائن مكتومة. وخنقتها خيوط الأكياس مختومة، مما أوْهَتْ في تعدادها أنامل الحساب. وأحْفَتْ بل أفْنَتْ أقلام الكتاب. فمن ذهب وفضة. ما منها إلا ما يُكاثر بالأحجار. ويستقل الأمصار. ومن لآل كأنما صوّرت من الشمس ضياءً، وخُلقت لمضاهاة حب الغمام عدًّا وصفاءً. ومن يواقيت كالجمر قبل الخمود، والخمر بعد الجمود. ومن
стр. 3856
زبرجد كأطراف الآس نضارةً، أوْ وَرَق الأقحوان غضارة، ومن ماس كأنما أعارت بعضه السنانير أحداقها، أو وهبت باقيه حق الشقائق أوراقها، ومن ولدان كالؤلؤ المنثور. ونساء خُلِقنَ أُنموذجًا للحور. وأفيال كالأسود محطومة بالأساور السود. حكت أطوارًا فارغة، وأمواجًا متدافعة، تئنُّ الأرض من وطء أطرافها. وتخف من ثقل أخفافها تقف كأشخاص القصور، وتتدفق كأمواج البحور، وكأنها بيوت والخراطيم رواشنها المعلّقة، وكأنها ليال افترست النهار، فلم يبق إلا ما على أنيابها من جلودِهِ الممزقة، يراها الراؤون هضابًا ثابتة، وجبالًا نابتة، في ثقل أجسام، وخفّة أقدام كأنها صدع الجبال عند طارقة الزلزال، تناجي بصور التهويل والتفخيم، وتفتك بالأيدي والخراطيم، إن استدرى بها في الوغى ضَرَبَتْ بين النفوس والآجال بسور، وإن خفت إلى الحروب، رأيت قلوب الليوث تحت أجنحة النسور، فلندع هذه النعمة التي عقدت بالنجوم ظفائرها، وأفاضَتْ على الشوق بعضها وعلى الغرب سائرها، وإنا لنروجو أمثالها ما دامت العيون حافظة سوادها والعوائق حاملة نجادها.
ومنه قوله:
المرء من البشر، لا من ورق الشجر، إذا مات فقد فات، وليس مما يعود. كما يورق ما عري العود.
ومنه قوله:
وهم مرابيع الكرم، وينابيع الحكم، ومصابيح الظلم، ومجاديح الأمم، وليوث البهم. وغيوث القحم. سادة الناس، وقادة الملوك يوم الندى ويوم الباس.
ومنه قوله:
وبلغ إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، ولم ينل به قط سورةٌ ولا آية، في فيافٍ تضلّ في أرجائها أسراب اليعافير، وتحار في دهنائها أفواج العصافير، فثار عدو الله يستنهض كل من يحمل حجرًا، فضلًا عَمِّن يُلْقِمُ القوس وترًا. أوْ يُحْسِنُ بالسيف أثرًا، فلما قارَبَهُ بالمكان، وَدَخَل بالرُّعب على قَلْبِهِ العيان. كر راجعًا على آثاره، لفت المشير موهنًا بناره. لا زال السلطان منصورًا ما طَلَعَ يوم من حجاب أمس، وظهرت نفس من قرارة نفس.
ومنه قوله:
وأما بنو فلان فكوتهم الأيام بمياسمها، وداستهم الليالي بمناسمها. فإنّ في قرع باب الغي تعرّضًا للبلاء، واستئذانًا على سوء القضاء لولا أن تداركهم فلان بلطف كالأري مشتارًا. ودهاء يسلخ من الليل البهيم نهارًا.
стр. 3857
ومنه قوله معزيًا:
هذه مصيبة سَفَحَتْ الدموع غروبًا. ونثرت قنا الأصلاب إنبوبًا فإنبوبًا. ونعى بها فتى الجود ومص بعده الثرى بقية الماء من العود.
ومنه قوله:
ولم تكن إلا صدمة واحدة حتى زلّت الأقدام عن مقارها، وتهاوت الرقاب عن مزارها، وجعلت تتساقط أشخاص الألوية والمطار، وترد النفوس عن ضرب السيوف البوارد، وكرت عنها للسلطان فيول كرُعْن الجبال، أو كرُكن السحب الثقال، مغشّاة بتجافيف لم يُغوّر فيها غير حدق النواظر، وحدائد الأنياب الفواقر. يهوّل سائسها عليها بمرهفات كالبروق الخواطف، وصفارات كالرعود القواصف. وقد نُشرت عليها التماثيل في العيان المشهود. كأنها الأساود السود تخيل اضطراب الرياح فيها أنها تزحف للألهام، أو تنقض لاختطاف الهام، وتعالت عليها أطراف العوامل في مبانٍ كالمعاقل كأنها أجام السواحل، تؤويها شياطين الإنس فرسانًا، وعفاريت الترك والند مردًا وشبّانًا، تبص عليهم سابغات داود كصفائح الماء، تجلوها الشمس في وسط السماء، فحث العدو الخيل، تحت الليل حثًا كاد لا تتنفس الأرض معه بمواطئ أقدامها، ولا تشعر النجوم بأشخاص ألويتها وأعلامها، ودنا الفريقان بعضهم من بعض، وظلت رحى الحرب تعركهم بثفالها وتدور عليهم بأثقالها، وحمل سيف الدولة بنفسه، فتداعت الزحوف، وتخالطت السيوف وخطبت على منابر الرقاب السيوف، وثارت عجاجة أَخَذَتْ العيون عن الأشباح، وأذهلت النفوس عن الأرواح، ونثرت الأعناق ثم نظمتها في سلوك الرماح، وطفقت الخيل تردى بجثث النفوس. وتلعت بأكر الرؤوس، وأما البقية فانهم ولوا ما ألووا. وقد دبّ الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوَهَلُ في تفاريق أعضائهم، واستطار الخوف في مزاج دمائهم، فجيوب الأقطار عليهم مزرورة، وذيول الخذلان عليهم مجرورة.
ومنهم:
[٧] الحسين (١) بن علي بن محمد بن عبد الصمد، أبو اسماعيل مؤيد الدين، فخر الكتاب الأصبهاني، المنشئ المعروف بالطغرائي
الكاتب، الشاعر، الناظم، الناثر، البديع الصنعة، الباهر الأدب، الزاهر
стр. 3858
الفضل، الظاهر المحاسن، الدقيق المعاني، الرشيق المباني، المشهور شهرة الشمس، الواضح وضوح البدر، كاثر ببدائعه النجوم الثواقب، وبنتائج قرائحه سُجُوم السحائب، فجاءت عربًا أبكارًا وشهبًا لا تلج أفكارًا، وولع بصنعة الكيماء. فشب لهبًا. وصبَّ أدبًا لا ذهبًا. وأذهب زمانًا بها في العناء، وطلب الغني من غير الغناء، فلم يجد بغيته، ولم يزد على أن صفّر وجهه وبيض لحيته، فرد خائبًا، واشتعل رأسه شائبًا، وطالما شمَّر طلب الصنعة دروعَهُ، وصعّد أنفاسه وقطر دموعه، وكان من فيض السلطان في غير البشير، وفي حبر من الأكسير، إلا أنه تعلق بعلم أحابر، وعلق حكم الصنعة عن أكابر. وشدّ الأوصال، وامتد لأن تسمح له بالوصال. فكان لو شعر به ابن أميل (١) لمال إليه كل الميل أو شبه به ابن يزيد (٢) لما كان عليه مزيد.
ومع طول معاناته، وبعده تارةً ومداناته. لم يحصل على غير ارتقابها، ولا ظفر من ليلى بحط نقابها، فَكَمْ ضَبّع حاصلًا، وكدّ ولم يكن واصلًا. وشعره أسير من نثره، وأيسر في حجم قدره؛ لأنه إنما عانى النثر في آخر عمره. وقد قارب أجله الانتهاء وقارب الرحيل. وَدَنَتْ شمسُهُ من الأفول، وهو صاحب لامية العجم التي فصلت عرى لامية العرب، وحلت لامها، ونكبت من شفار الشنفرى سهامها. فلقد قوت الشعوبية، واحتمت لعصابتهم حمية العصبية. وأخَذَتْ قَسْرًا شجر البيان، وحكمة ألسنة العرب وأدمغة اليونان، وكادت تبتز من دولة العرب مدينة السلام. ولا تبقى لهم إلا عائدة السلام. وعنوان قوله منها (٣): [من البسيط]
أريد بسطة كف استعين بها … على قضاء حقوق للعلا قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني … من الغنيمة بعد الكد بالقَفَل
إن العلا حدثتني وهي صادقةٌ … في ما تحدث أنّ العز في النقل
لو أنَّ في شرف المأوى بلوغ مُنّى … لم تبلغ (٤) الشمس يومًا دارةَ الحَمَل
تَقَدَّمَتْني رجال كانَ شَوطُهُمُ … وراءَ وطئيَ إِذْ أَمشي على مَهَلِ (٥)
стр. 3859
أعدى عدوّك أدنى من وَثِقْتَ بهِ … فحاذر الناس وأصحبهم على وَجَلٍ (١)
وإِنْ عَلاني مَنْ دُوني فلا عَجَبٌ … لي إسْوةً في انحطاط (٢) الشمس عن زُحَلِ
وقد قال لما ولي ديوان الطغراء، وكان قد كبر وأفن: من فتح دكانه العصر، أي شيء يتعيش؟
ومن نثره قوله:
وما كان إلا أن تداعوا بالرحيل، وقدمت لهم النياق للتحويل، وإذا بقلبي قد ودعني وسار. وهز جناحه الخافق وطار، فعدت علم الله لا أستطيع منعه، ولا أعقل. فاجري لي دمعة، إلى أن بكرت علي العاذلات، وهبت إلي باللوم قائلات: أما لك أسوة بالمحبين الألى؟ فقلت: لا، فما زِلْنَ يُرَقّعن جلدي، ويُمسكن تجلدي، وأنا لا أسكن إلى حول، ولا أطمئن إلى قول، حتى غَلَبَتْني صَرْعَةُ الكرى، فتخيلت [أني] أرى خيالًا عاد مُخبّرا من الحبيب زار مزوّرا، فإذا بتمثال الأحباب بين يدي مصوّرا، فقال لي ذلك الطيف الطارق تحت ستور الليل الغاسق، ما لك ولهذه الحالة الشنيعة. أما كنت ترضى بأن يكون قبلك عندنا وديعة؟ فها خُذها إليك، والسلام عليك. فقلت ناشدتك الله أيها الخيال الزائر، والمثال السائر إلا ما تريثت ووقفت فَتَلَبَّثْتَ، فما زاد على أن زال، ولا حام حتى حال، ثم ولّى وما ودّع وأشبه شبهته في الجفاء وما أبدع.
ومنه قوله:
وقد زار الغيث وزار الليث. وأضاء البدر الزاهر، ودنا الصباح السافر، وقدم العميد، يهمي متدفّقا هو والغمام، ويجري مُسْتَبِقًا هو والسهام، فأي صدر ما تزحزح لحلوله؟ وأي قَدْرٍ تضاءل لوصوله، وأي بدر ما غاب، وأيُّ شمس ما توارى ضياؤها بحجاب. ولولا وقار العميد، كادت الأرض تميد وبالله العجب، قدم وما نَزَفَت البحار ولا ضاقت البيد!
ومنه قوله:
وكتابي إليك، وعندي عليك لون عتاب، لأمر لا يحمله كتاب. فإن آب بك الماب وقوم أَوَدَ ودّك الإعتاب استرسلتُ معك في ذكره، وأرسلت إليك رائد سره، وإلا طويت الدهر على مضض ألمِهِ. وأَخْلَيتُ للصدر لممه وتحاملت على مابي، وصرفت عنك ودي وعتابي.
ومنه قوله:
سحابة ترسل الأمطار أمواجًا، والأمواج أفواجًا، سَحَبَتْ على الأرض أذيالها، وعلمت افتقارها إلى نفسها فجادت بها لها: والجود بالنفس أقصى غاية
стр. 3860
الجود، لاسيما عوارف كرم ملأت الوجود.
ومن شعره قوله (١): [من الطويل]
وأبيض طاغي المتن (٢) يُوعد حده (٣) … مخافة عَزْمِ مِنْكَ أمضى من النصْلِ
عليم بأسوار المنونِ كأَنَّما … على مِصْرَبِيْهِ أُنْزِلت آية القتل
ومنه قوله (٤): [من الطويل]
أجيراننا بالغور (٥) كيف خَلَصْتُمُ … نجيًّا وأخفيتم حديثكم (٦) عني
لقد سمعت أذناي نجوى فراقكم … فلا نَظَرَتْ عيني (٧) ولا سمعت أذني
أحذركم طوفان دمعي فَبَدِّلُوا … إذا أزِفَ السَّيْرُ (٨) الركائب بالسُّفْنِ
ففي الحيّ مرهوم الإزارين بالبكا … وآخر مرقوم العذارين بالحسن
ومنه قوله (٩): [من الطويل]
إذا ما دَجا ليل العجاجة لم يَزَلْ … بأيديهم جمر إلى الهند منسوب (١٠)
عليها سطورُ الضَّرْبِ يَعْجِمُها القَنا … صحائف يغشاها مِنَ النَّقْع تتريب
وقوله في الروض والنهر (١١): [من السريع]
يشقُها في وسطها جَدُولٌ … مباهُهُ العذبة مثلوجه (١٢)
له سواق طفَحَتْ والتوَتْ … تلوّيَ الحَيَّاتِ (١٣) مَشجُوجَهْ
فهي رماح أُشرِعَتْ نحوَها … تطعْنُها سلك ومخلوجه (١٤)
ومنه قوله (١٥): [من الكامل]
إني لأذكركم وقد بَلَغَ الظَّما مِنّي … فأَشْرَقُ بالزلال البارد
وأُري العدا أنَّ الأساءَةَ مِنكُمْ خَطَأً … وتلك سجية من عامد
стр. 3861
ويصح لي قول الوشاة عليكُمُ … فأردُّهُ عنكم بظن فاسد
وإذا طويت هواك عنّي نَمَّ بي … وَجْدٌ يدلُّ على لسان جاحِدِ
وأقول ليت أحبتي لاقيتهم … قبل الممات ولو بيوم واحد (١)
وإذا سُئلتُ عَنْ السُّلَو أَجَبتُهُمْ … بلسانِ معترف ونية جاحدِ
/ إن لم يكن سِحرًا هَواكِ فَإِنَّهُ … والسَّحَر قُدَّا مِنْ أديم واحِدِ (٢)
ما زِلْتُ أَجْهَدُ في مودّة راغب … حتى أبتليت برغبة في زاهد
ولربما نال المراد مُرَفَّه … ُ لمَ يَسْعَ فيهِ وخاب سعي الجاهد
هذا هو الداء الذي ضاقت به … حيل الطبيب وطال يأس العائد
ولعمري ما أعرف ما أصفُ به هذا الشعر وهو الذي قَلَّ إن يُماثل، وجَلَّ أن يُقاسَ بِهِ، وهو السحر الطاهر، والرحيق المشعشع، والروض الباسم، والصباح المتألق، وهكذا فليكن، ومَنْ يَقْدر على هذا أو يدانيه؟!
وكذلك قوله (٣): [من البسيط]
بالله يا ريح إن مُكَّنْتِ ثانية … من صُدْغِهِ فأقيمي فيه واستتري
وباكري وِرْدَ عذبِ مِنْ مُقَبَّلِهِ … مُقابل الطعم بين الطيب والخَصَرِ
وإِنْ قَدَرْتِ على تشويش طُرّتِهِ … فشوشيها ولا تُبقي ولا تذري
ثمَّ اسلكي بينَ بُرْدَيهِ على عَجَلٍ … واستبضعي الطيب وأئتيني على قَدَرِ
ونبهيني دوينَ القَومِ وانتفضي … عليَّ والليل في شكٍّ مِنَ السَّحر
لعل نفحة طيب منكِ ثانيةً … تقضي لُبانَةَ قَلْبِ عاقِرِ الوَطَرِ
وقوله (٤): [من الطويل]
وحان على الشحناء عُوْجَ ضُلُوعِهِ … يُسدِّدُ نحوي صائبات (٥) المشاقص
يكاثر فضلي بالثراء توقحًا (٦) … وفي المال للجهال جَبْرُ النقائص
أقولُ لَهُ لما اشرأب لغايتي … ومَدَّ إليها نظرة المتخاوص
وأيقظ مني ساهرًا غير نائم (٧) … وحَرِّضَ مني هاجما غير حائص
• لقد فاتَ قَرْنُ الشمس راحةَ لامس وأعْيا مَناطُ النَّسْرِ كفَّةَ قانص
стр. 3862
فإن حدثتك النفسُ أَنَّكَ مُدْرِكٌ … لشأوي فطالبها بمثل خصائصي
وعلمي بما لم يَحْوِ خاطِرُ عالِم … وغوصي (١) على ما لَمْ يَنَلْ فَهُمُ غائص
فما عهد أحبابي على البعد ضائع … لدي ولا ظِلُّ الوفاء بقالص
ولا أنا عما استودعوني بذاهل … ولا أنا عما كاتموني بفاحص
وإن الألى راموا اللحاق بغايتي … سعوا بين مبهور وآخر (٢) شاخص
وراموا بأطراف الأنامل غاية … وطئتُ وقد أَعْيَتْهُمُ بالأخامص
وقوله (٣): [من الطويل]
صحا عن فؤادي ظِلُّ كُلِّ عَلاقَةٍ … وظِلُّ الهوى النجدي لا يتقلص
هوى ليس يُسلي القرب عنه ولا النَّوى … ولا هو في الحالين يصفو ويخْلُصُ
ففي البعد قلب بالفراقِ مُعَذِّبٌ … وفي القربِ عَيْش بالوشاةِ مُنَغَصُ
وإن خلاصًا كنتُ أرجوه بُرْهَةً … وكان يزيدُ الأمر فيه وينقص
قَطَعْتُ رجائي منه (٤) مُذْ قال صاحبي: … رَمِيُّ العُيونِ النُّجْل لا يتخلص
وقوله (٥): [من البسيط]
يا صاحبي أعيناني على سَكَن … إذا شكوتُ إليه زادني مرضا
ظبي غَريرُ إِذا حَاوَلْتُ غِرَّتَه … أَرْسَلْتُ طرفي سهما وانثنى غَرَضا
ما لي وللبرقِ مُجْتازًا على إضم … يسري ويَمْرِي جُفُونِي كُلَّما وَمَضا
بَرْقٌ يلوح بنجد والحمى وطني … هَفَا بقلبي ولبي كلَّهُ وَمَضَى (٦)
مَنْ مُبْلَغُ الحيّ شطّتْ دارُهُمْ وَرَضُوا … بالجارِ جارًا وما أرضى بِهِمْ عِوَضا
ما طاب عنكم فؤاد طابَ قبلكُم … عَنِ الرّضاع تقضي والشبابِ مَضَى
إنَّ الزمان الذي كانت بشاشته … للقلب والعين ملهى بان وانقرضا
فإن يئست (٧) فيأسًا لمْ يَدَعْ طَمَعًا … وإِنْ ذكرتُ فَعِرْقُ ساكن نَبَضا
حكَمْتُ فِي مُهْجَتي مَنْ ليسَ يُنصفُني … ولستُ أبْلُعُ مِنْ تحكيمهِ غَرَضا
стр. 3863
سيَّانَ عندي وأمري صَارَ في يَدِهِ … قَضَى عليَّ (١) بجورٍ أَمْ عليَّ قَضَى
حتَّامَ أُنْهِضُ جَدِّي وهو يعثر بي … أخاف أن لا يراني الجَدُّ إن نهضا
وقوله (٢): [من الكامل]
ومليحة الحركات إنْ رَفَلَتْ … في الحَيّ شاعف (٣) عِقْدَها القُرْط
نَمَّ المروط بجسمها فبدا … والشمس ليس يكنها مِرْط
فَتَحَ الصبا في صَحْنِ وَجْنَتِها … وَرْدًا يضاعفُ حُسْنَهُ اللَّغط
قالَتْ وقَدْ وَلَّتْ لت حمُولُهُمُ … والعِيشُ فوق جفوننا تخطو (٤):
كان الشباب الغضُّ يجمعنا فمضى … وشتّت شملنا الوَخْطُ
غَدَرَ الأحبّة والشباب معًا … فكأننا لم نصطحبْ قَطَّ
وقوله (٥): [من الكامل]
في القلبِ مِنْ حَرِّ الفراق شُوَاظٌ … والدمع قدْ شَرِقَتْ بهِ الألحاظ
وَلَقَدْ حفظتُ عهودكم وغَدَرتُمُ … شتّان غدر في الهوى وحفاظ
اللهِ أَيُّ مَوَاقِفٍ رقَتْ لنا … فيها الرسائل والقلوب غلاظ
ومرى العتاب جفوننا فَتَناسَبتْ … تلك المدامع فيه والألفاظ
يا دار ما للركب حين وقوفنا (٦) … ما إنْ سَقَاكِ مِنَ الدموع لماظ
تَرَكَ الغرام عقولَهُم مَشْدُوهةٌ (٧) … فظننتُمْ رَقَدُوا وَهُمْ أَيْقاظ
عهدي بظلكِ والشباب يزينُهُ … أيام ربعك للحسان «عكاظ»
فبالله ما أسرى هذه البدائع؟ وما أسرع تدفّق هذه البدائه؟ وبالله هذا الشاعر لقد ركب هذه القافية الصعبة، فذللها، وسلك هذه الطريقة الوعرة فسهَّلَها. ولقد حير الأفهام إلى أي هذه المعاني تسارع. ولأيها تفصل، ومِنْ أيها تعجب؟! هذا مع هذا التركيب الشديد الأسر، واللفظ الذي اقتاد آبي هذه القافية وسلسل نطف هذه الأبيات الصافية، وجاء بأبياتها المشيّدة كأنّها العافية. وهذا الذي يتفاوت فيه أقدار القرائح، ويظهر فيه مبلغ العلم، ويعلن به باسم قائله وينفق سوق منشده. وأين مَنْ يقدر على مثل هذا الكلام.
стр. 3864
أويتعاطى مثل هذا المدام. أو يصح معه هذا السحر، وما أظنه إلا الحرام.
ومن لطائف شعره قوله أيضًا (١): [من الكامل]
يا قلبُ ما لكَ والنوى مِنْ بعدما … طاب السلو وأَقْصَرَ العُشَّاقُ
أو ما بدا لك في الإفاقة والألى … نازَعْتَهُم كأس الغرام أفاقوا
مرض النسيم وصح والداء الذي … أَشْكوه لا يُرجى له إفراق (٢)
وهذا خفوق البرق والقلب الذي … تطوى عليه أضالعي خَفَاقُ
وقوله (٣): [من الطويل]
أَجِمّا البُكا يا مقلتي فإننا … على مَوْعِد للبين لا شَلَّ واقِعُ
إذا جمع العشاق موعِدُهُمْ (٤) غدًا … فوا خجْلَتا إن لم تُعني المدامع
وجاءه مولود وقد بلغ سبعًا وخمسين سنةً فقال (٥): [من البسيط]
هذا الصغير الذي وافى على كبري … أقَرَّ عيني ولكن زاد في فكري
سَبْعُ وخمسون لَوْ مَرَّتْ على حَجَرٍ … لبان تأثيرها في صَفْحَةِ الحَجَرِ
وقوله (٦): [من الطويل]
أزيد إذا أيسرتُ فَضْلَ تواضع ويزهو (٧) … إذا أعسرتُ بعضي على بعضي
أرى الغصْنَ يَعْرى وهو يسمو بنفسِهِ … ويُوقَر حَمْلًا حين يدنو إلى الارض (٨)
وقوله (٩): [من الطويل]
وكنت أراني مُفْلِتًا شَرَكَ الهوى … فقد صادني سِحْرُ العُيون النوافي
فلا تعذلوني في غرامي بعدما … تولّى الصبا فالعذل أول باعث
ولا تبحثوا على سر قلبي فإنَّهُ … صفًا ليس يمضي فيه معول باحث
أرى صبواتِ الحب قد جَدَّ جَدُّها … وقد كان بدء الحب مزحة عابث
وقوله (١٠): [من الطويل]
هي العيس قودًا في الأزمة تنفخُ … تمطى بها من حقوه (١١) الرمل برزخ
стр. 3865
فَلَيْنَ الدجى عن غُرَّةِ الصُّبح فاغتدت … بحيث (١) التقى منها وقوف ونُوَّخُ
عليها قطافُ المَشي أطول خطوها … قَدَى الفِتْرِ إذ أدنى خُطاهنَّ فَرْسَحْ
بُدُورٌ أَكَنْتُها خُدُورٌ يجنّها … جَنَاحٌ خُداري من الليل أفتح
فَوَشْيُ خُدودٍ بالجمالِ مُنَمْنَمٌ … ومِسْكُ شُعُور بالشباب مُضمَّخ
فيا صادحات الورق في الأيك اقصري … فمالي إذ أشكو ولالك مُصرخ
وقوله (٢): [من البسيط]
تالله ما استحسنت من بعدِ فُرْقتِكُم … عيني سواكم ولا استمتعت بالنظر
إن كان في الأرض شيء غيرُكم حسن (٣) … فإنَّ حبكُمُ غَطّى على بصري
وقوله (٤): [من الخفيف]
خبروها أنِّي مَرِضْتُ فقالت: … أضنّى طارفًا شكا أم تليدا
واشاروا بأن تعود وسادي … فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خفية وهي تشكو … ألم الوجدِ والمزار البعيدا (٥)
ورأتني كذا فلم تتمالك … أن أمالت علي عطفًا وجيدا (٦)
وقوله (٧) يصف النجم: [من المتقارب]
وليل ترى الشهب مُنْقَضَّةٌ … بها نحوَ مُسْتَرِقٍ سَمْعَهُ
كما مُدَّ مِنْ ذَهَبٍ مُدَّةً … على لازوردية الرقه
ومنهم:
[٨] أبو علي الحسن (٨) بن عبد الصمد بن أبي الشخباء العسقلاني
صاحب الخطب المشهورة، والرسائل المحبّرة لسان لا يكف له غرب، ولا يكل
стр. 3866
له ضَرْبٌ، بِحِسٌّ ذَكِيّ كَأَنَّهُ زُجاجَةٌ فيها نار، وَحَدْسٌ زَكِيّ لا تَطْمِسُ له نار، وبينه وبين ابن الحميد مكاتبات ينشر منها الحلل، وينظر منها ما تحوي الكلل وقفت عليها، وصرفت النظر فلم أجده ينصرف إلا إليها، وكانت عندي بالخط الفاضلي، وإنما أَذْهَبَتْهُ من يدي الثُّقل، وأطلقته من حاصلي العُقل، وكانت بينهما من لطائف الشتام ما كان لسالف النقائض كالختام بألفاظ عِذاب كأنها نُطَفُ الغوادي، وطعم السلامة من يد الأعادي، وكان لا يحسن منها إلا عُقَيْرَ مُدامة يحسوها، وعاقد راحة على شعاع راحه يكسوها، وكانا عجبًا، ونيّرين ظهرًا، والشمس والقمر قد حُجِبا.
ومن نثره قوله:
أما ما افتتحت به من ذكر استحكام الثقة، فقد عجبت من تعاطيه وصف ذلك، مع العلم بوضوح دليله، والمعرفة بكثيره وقليله، وأنّى يتجاوز تلك الصفة وهو ينبوع الوفاء ومَنْبِتُهُ، وَمُمَكِّن أُسِّهِ ومُثَبِّتُهُ: [من الرجز]
تَسْكُنْ أَحْشَائِي إِلى حِفَاظِكُمْ … سكونَ أجفاني إلى رُقَادِها
وإما تخلفه عن الزيارة للعذر الذي نصّه، فقد رأيت ليلتي بغيبته، فكأنّها قُرنت بيوم الحساب الأطول، أو علقت نجومها السيارة بأمراس كتان إلى صم جندل (١). ومنه قوله:
فارقني مولاي، وخلفني حلف السهاد، مفترشًا شوك القتاد، أتذكر اخلاقه تذكر الفقير غناه، وابن ذريح لبناه، وامتد عليّ رواق الليلة المذكورة، حتى كأن نجومها شُدَّت بمناكب أبان، وقبرها يسير في فلكه كيوان: [من البسيط]
يَئِسْتُ مِنْ صُبْحِها حَتَّى الْتَفَتُّ إِلى … وَجْهِ الظَّلَامِ، أُعَزِّيهِ بفقدان
ولم تزل هذه حالي في الوحشة، إلى حين وصول الرقعة الأثيرية، فانها رقعت هلهلًا من الجدل مُخَلقًا، وتركت ذاويًا من المسرّة قصرًا مونقًا، ووقفت عليها فقلت أجرى الطرس سطورا أم زهرًا منثورا؟ أو نُظمت البراعة الفاظًا أدبية؟ أم سلوكًا ذهبية؟ وأنا أجيب عنها ولكن كما يجيب قسًا باقل، وتفاخر السحب المثقلة جداول، لما علمت أنه قد عتب عليَّ من وجه صحيح، لقيته مخفوض الجناح، وقابلته بالاستغفار والاستصفاح، إذ أنا بحمد الله تعالى لين الكنف تحت ظلال المودة، شديد في هواجر الشدة: [من الطويل]
جليد على عَتْتِ الخُطُوبِ إذا التوَتْ … وليس على عَتْبِ الأخلاءِ بالجَلْدِ
وأما الفصل المختص بالحضرة السامية، ووقوع الأمر بحسب ما كان مولاي ذكره،
стр. 3867
فلم تزل المعيّنة تمدّه بالرأي الثاقب، وتكشف له مستور العواقب، والله المحمود على ما منح مولاي من صحة النظر الذي يتساوى فيه حاضر من الأمر وغائب، ومستقبل من الخطب وذاهب، وحسن الألمعية التي عناها الأول بقوله: [من الكامل]
ويُصيب مرتجلًا بأوّل فكرة … أعراض كل مخمر ومبيت
وأما الفلانيان، وما تجدّد بينهما في هذا الوقت من الصحبة، وانتسج من المودة، فللمشابهة قضية دائمة الوجوب، وللمشاكلة حوادث تملك حبات القلوب، وكلُّ نَفْسٍ بعادتها صبَّة، وإلى ما يلائم طباعها منصبة، النملة تفرح بالبرة، أكثر من فرحها بالدرة، والضَّيُّون يرى القذارية خيرًا من اللطيمة الدارية، ومولاي يخالفهما بصحة ميثاقه، وكرم أخلاقه، ودماثة طبعه، وصلابة نبعه، وطيب أصله وفرعه، فلا غرو أن يجهدا في نقض دعوته ويرغبا عن الاختلاط بحضرته: [من السريع]
لا تنظري صَدِّي ولا مِقَتي … ما أنتِ مِنْ حَرْبي ولا سلمي
وأما سؤاله عن قائل البيتين المنظومين وهما: [من مجزوء الكامل]
ويقودني لوصاله خرسُ الهُدى قَلقُ الوشاح
ينآد كالغصن النضيـ رِ … بمِثْلِهِ عَبَث الرياح
فقد فتح لي هذا السؤال بابًا عرفت أن مولاي قد أعطى فلانًا مقوده. ومَدَّ إلى مغازلته يَدَهُ، ولزم مضجَعَهُ، وتوفّر على الخلوات معه فقلت: خبر يحتمل الصدق والمين، وقف حائرًا بين هذين، حتى عرفت اشتهار ذلك، وأن الأخ غَضِبَ منذ أيام قليلة، وبات في القرافة (١) بأسوأ ليلةٍ، فلم أدر كيف أعتب مولاي وألوم، ولا كيف أقْعدُ في التأنيب له وأقوم، وهو الحياء الذي إذا انثلم فقد انهدم، وإذا تصدّع فقد ذهب أجمع، والمعيشة التي في المروءة حفظ موادها، وصلاح فسادها، ومع ذلك فالبيتان المذكوران لعبد الصمد [بن] المعدل في كلمة يقول فيها: [من مجزوء الكامل]
هَتَفَتْ بهِ نُذُرُ المشيـ … ـب فغض من غرب الجماح
هيهات مِلْتُ إلى النهى … أجبت داعية الفلاح
وجعلتُ مِنْ وِرْدِ التقى … كأس اغتباقي واصطباحي
وقد كان مولاي باستحسان هذه الأبيات، أليق، وهي بصفته أعبق، وكأني به إذا بلغ هذا الفصل من الرقعة أنشد قول الخطيم بن محمد (٢): [من الطويل]
стр. 3868
وما لامني في حبِّ عَزَّة لائمٌ … مِنَ الناسِ إلا كان عندي مِنَ العدا
ولا قال لي: أحسنْتَ إلاّ حَمِدته … بما قال لي ثم اتخذتُ لهُ يَدَا
ولا أتعدّى هذا الحد حرفًا، أن اجني ذنبًا عظيمًا، وأؤلم قلبا بشهادة الله علي كريمًا.
ومنه قوله:
وأما الفصل الأخير، فاعلم والله، أنه صدر عمن احتسى معي كأس المساهمة، وَجُلِيَتْ لي بوده وجوه الدهر الساهمة، وأنا أؤمل بفضل الله تعالى أن يقع من غير إرهاب، ويتواصل لدي بغير حساب، حفظًا للعادة التي حكم بها كرمه. وتمت معها عندي آلاؤه ونعمه.
ومن شعره قوله: [من الكامل]
ألقى بكفي جذوةً في درّه … والليل يخطرُ في هَلاهِلِ أُزْرِهِ
أخت النجوم تشعشعًا وولادة … سرقت محاسن وصفه في سُكْرِهِ
فَضَرامها مِنْ خدّه وحياتُها … مِنْ تَغرِهِ ونسيمُها مِنْ نَشْرِهِ
ومما أورد له ابن بسام (١) قوله: [من الكامل]
ما زال يختارُ الزمانُ ملوكهُ … حتى أصابَ المُصْطَفى المتخيرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدّموا … قِدْمًا هَلُمّوا شاهدوا المتأخرا
إن كان رأي شاوروه أحنفًا … أو كان بأس نازلوه عنترا
ولَقَد تخوّفك العدوّ بجهدِهِ … لو كان يقدر أن يرد مقدرا
إنْ أَنْتَ لم تبعث إليهِ ضُمَّرًا … جُرْدًا بعثْتَ إِليهِ كَيْدًا مُضْمَرا
تسري وما حَمَلَتْ رجالٌ أبيضًا … فيه ولا ادرعَتْ كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسِهِمْ … وأمرتَ سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن تحوّل سطوةً … وزلالِ خُلْقِكَ كيف عاد مُكدّرا
لاتعجبوا مِنْ رِقّةٍ وقساوة … فالنار تقدح في قضيب أخضرا
ومنه قوله:
ولما كان الثناء أحسن ما تدار عليه الكؤوس، وتنقش له الأقلام في الطروس وجب أن يطلق في هذه الحلبة الأرسان، ويستخدم في اداء فضلها اللسان.
ومنهم:
стр. 3869
[٩] القاضي الفاضل (١)
وليس الله بمُستَنكَر … أن يَجمع العالم في واحد (٢)
هو منهم لا بَلْ هم منه، وكلّما قيل في محاسن من تقدم، فإنما هو عنه: [من الطويل]
وإن جَرَتِ الألفاظ يومًا بمدحةٍ … لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني (٣)
وهو الفاضل محيي الدين، أبو علي عبد الرحيم، بن الأشرف بن الحسن علي بن الحسن بن أحمد (٤) بن أبي الفرج اللخمي العسقلاني المولد، عرف بالبيساني، كان سَلَفُه من بيسان، وولى أبوه قضاء القضاة والخطابة بعسقلان، واستخدم شاور (٥) القاضي الفاضل في ديوان المكاتبات مع الموفق (٦) بن الخلال، ومولده يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمس مئة وهو والله البحر الزاخر، والبرّ الذي ماسلك طريقه أوّل ولا آخر، وما مثله هو ومن تقدّمه إلا مثل النجوم طلع عليها الصباح، والكروم، أولها زرجون وآخرها راح، بل الحدائد قبل تطبيق الصفاح، والموارد قبل تصفيق الرياح، تقدموا قدامه، وغرقوا في سيله، وخُلقوا قبله وجاءوا في ذيله، وكل وصف قلت في غيره، فإنه تجربة الخاطر، هو اكثر من كل قول، وأكبر من مقدار كل طول، لقد صادف هذا الاسم منه الاستحاق، لفضائله التي تَبَلَّجَتْ تبلج الصباح في الآفاق، لقد وطت تلك الدولة بآرائه، جمع السيوف والأقلام تحت لوائه، كان يناضل بجلادة عن حماها، ويرتشفُ
стр. 3870
الزلال من رتق قلمه، وتُلْتَحَفُ الظلال بِسُحُبِ نِعَمِهِ، وله في الانشاء تفنن منه ما يروع الخيل صهيلا، ومنه ما يروق عَذْبًا سلسبيلا، يفت العنبر على سطوره، ويفوت الجوهر طلّ منثوره، تعقد رسائله راحًا براح، وجني جناته بجنى التفاح، وتلتقط في مهارقه بنفسج من أقاح، أطرب من مناجاة الندام، وأطيب من معاطاة المدام، طالما كتب جمانًا، وكبت أغصانًا ولان فاجتني عسلًا، وقسى فانبرى عسلًا، يَسْجَع كالحمام، ويصرع كالحمام، وقد سُطّرت بحسناتِهِ الصحف، وصدرت من حسانه درات القلائد والشنف، وطَرَق النَجْدَ والوادي ونطق به المداح والحادي، وحاضر به الحاضر والبادي، وسامَرَ بهِ السامر، وترنّم الشادي، وغادر له الأرض مذهبًا مذهبًا، وغادى الغوادي مصوبا ومصوبا، وسار مُقربا مقربا، وصار للمشرق مشرقا، وللمغرب مغربا، فأما ما يؤثر عن أقلامه، فهو النافث للسحر في عقدها، والمنوّر للأبصار بكحل إثمدها، فَضَحَ الزهر بكلمه، وفتح الأقاليم بقلمه. وكتب فيما لا يعقبه ندم، وبارى قلمه السيوف ففعل أكثر منها ولم يتلطخ بدم، كم نكس رماح الكفر فقصم أصلابها، وفَصَمَ أسبابها وعراها بأسطرِهِ فَفَلَّ جيوشها وثل عروشها، وحط صلبانها وحَطَمَ فرسانها، وأعاد بِيَعَها مَساجِد، وصوامعها معابد، وبدل الكفر بالإيمان، وأسكت الناقوس للآذان، وعزل مكان الانجيل للقرآن، وقسى على القساوسة وأرهب الرهبان، وكاتب الخلافة فكانت سطوره حِلية شعارها، وسواد مداده سؤدد فخارها، وتأخر السهم وتقدم، وحرس مُجاوِبُهُ فلما كلمه تكلّم، وحضر مواقف الحرب، فكان فارسها البطل، ورأيه سيفه الضارب، ومواضع الحصار، وكان منجنيقه الرامي، ويراعه سهمه الصائب، وكان هو المحرك للعزائم النورية (١) على تطهير مصر من دنس أولئك الضلال (٢)، ودرن تلك الأيام والليال، بل كانت أشدّ من الليالي، لتراكم ظلام تلك البدع، وتفاقم ضلال ذلك الدين المبتدع.
ولقد كان وهو في ديوان تلك الدولة يتحرق على كشف بدعها، وكف شُنَعها، وكر جنود الله على شِيَعِها، ووقفت على قصيدة كتبها إلى الشهيد نور الدين بن زنكي يقول فيها (٣): [من الطويل]
وما بعد مصر للغنى متطلّب … وما بَعْدَ هذا المال مال فيكتسب
стр. 3871
ولو أنه في البأس يمضي أو الندى … لهان ولكن في المغاني وفي الطرب
وكانت الأجوبة النورية تردّ عليها فيرى بها في تلك الظلمات نورا ويرتب على مقتضاها أمورا، ثم كانت دخول العساكر الأسدية (١) إلى مصر باستدعاء شاور في المرتين، وفي الثانية استقرّت قدمها، واستمرت والأيام خدمها، وهنالك علا النجم الفاضلي، وسَعد جَدُّه، وصال والسيوف جنده، وعلى ذكره ذكرتُ شعرًا كنت قُلْتُهُ جاء فيه ذكره استطرادًا وهو: [من السريع]
أتى بها الساقي فيا مرحبا … إذْ جاء بالمحمل والحامل
ببابلي اللحظ قد زارنا … بقهوة صفراء مِنْ بَابل
مُدامةٍ ما عُتْقَتْ حِقْبَةٌ … إلا مِنَ العام إلى قابل
صَاغَ مِنَ الدير الإبراقها … قلائدًا مِنْ ذَهب سائل
وطوقت في المَرْجِ تِيجَانَها … بِلُؤلُؤ في كأسها جائل
كأنها ممزوجةً لونُهُ … مغيَّرًا مِنْ خِيفة العاذل
تأخذُ منَّا كلَّنا ثأرها … ومَا لَها إلا على القاتل
رقت فَقُلْنَا: إِنَّهَا ريقةٌ … فِي الكأسِ أَوْ مِنْ خَصْرِهِ النَّاحل
دقيقة المعنى على الخاطرِ … أو صنعة للفاضل (٢)
ولما آثر العادل إقامة اسد الدين شيركوه عنده، وهو إذ ذاك مقدم الجيوش النورية المجهزة إليه، كتب الفاضل عنه إلى نور الدين كتابًا وقفت عليه بخطه، ومنه نَقَلْتُ ومضمونه:
: من عبد الله ووليه عبد الله الامام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى الملك العادل المعظم الزاهد المجاهد المؤيّد المنصور المظفر نور الدين، ركن الاسلام والمسلمين، عهدة الموحدين قسيم الدولة، مجير الأمة، عضد الملة، حافظ الثغور، غياث الجمهور، قامع الملحدين، قاهر المشركين، خالصة أمير المؤمنين، رفع الله به منار الدين، وأعلى بعزائمه رايات الموحدين، واحْسَنَ توفيقه في خدمة أمير المؤمنين. سلام عليك فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على جده محمد ﷺ وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديين وسلم تسليمًا.
стр. 3872
أما بعد، فإنّه عرضت بحضرة أمير المؤمنين مكاتيبك التي أديت بها واجب حقه وقمت بمفترضه، وصدرت عن قلب شفاه الدين بهديه من داء الضلال ومرضه، وتؤملت بمقر جلاله، ومحل أمانته التي منح الله بها الدين مزية كماله، فصرف إليها أمير المؤمنين سمع الإصغاء وطرفه، وعرف منها أَرَجَ الولاء الصادق وعرفه، ووقف عليك من لطيف ملاحظاته ما يديم النعم، وأهدى إليك من شريف دعواته ما إذا حَصَلَ لك جمع المسلمين عم، فأما تلقيك أوامره بالامتثال، وأضربت عنه الأمثال وتجريدك العساكر التي شدّت متن الموحدين، وشادت مباني الدين، ونكص العدو بخبرها قبل نظرها، وانصرف عن بلاد الاسلام بأخزى خجلة وأظهرها، وتقديمك عليها مِمَّنْ ارتضاه أمير المؤمنين لارتضائك وانتضاه في يد الحق تيمنًا بانتضائك، وأمضى عزمه في تقليد ملكه إذ علم أن عزمه مشتق من مضائك فقد شكر الله وأمير المؤمنين لك أيها الملك العادل هذا الأثر، وذَخَر لك منه حَسَنَةً لم تبسم عن مثلها ثغور الصحائف والسير، وميزك على ملوك الشرق والغرب بفضل هذا النظر، ونَصَرْتَ الدين الحنيف والبيت الشريف، وعند مآثرك الحسنى نشهد بها فتغني عن الإفصاح والتعريف، وهَدَمْتَ الباطل حين أُرْيَتْ خيامُه. وثبّت الحقَّ حين هَفَتْ أعلامه، واخترت لخدمة أمير المؤمنين من هو مكان الاختيار وفوقه، وحملت العبء الثقيل من يستقل به ويحمل أوقه، وقلّدت الأمر الجليل مَنْ لا يعجز قدرته وطوقه، ووردوا إلى الفناء النبوي بيض الوجوه بنصر واضح، شم الأنوف بتفريج غمرة الخطب الكالح، جذلى القلوب بصفقة العمل الرابح، ظاهرة عليهم آثار آدابك الحسنى، بادية فيهم أنوار صوابك الذي ليس فيه مستثنى، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١). وقد كانت جنايات من تقدم نظره، عظمت عن الاحتمال، وتجاوزت إلى الدين بعد أن تجاوزت المال، وظهرت امارات استنصاره بمن استنصر به بالأمس، وتعويله على مانزّه الله أمير المؤمنين أن يكون به راضي اللسان والنفس؛ لأن الله استخلفه لاستقامة كلمة جدّه، واكتفى بهديه وهدي آله عن ان يقفى برسول من بعده، وحينئذ بدت للمشار إليه سوءاته، وأحاطت به خطيئاته، وقصرت في مجال الحياة خطواته، ولقى عن كثب حتفه، وأصبح نكالًا لما بين يديه وما خلفه، فهنالك أجمع أمير المؤمنين والمؤمنون على تقليد السيد الأجل الملك المنصور، ولي الأئمة، محيي الأمة، سلطان الجيوش أسد الدين، كافل قضاة
стр. 3873
المسلمين، وحادي دعاة المؤمنين أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، أمر وزارته، وناط به أمانة سفارته، وأطلق يده بسيف الجهاد وقلم الاجتهاد، وتدبير ما تحويه المملكة الفاطمية من البلاد، وكفله أمر خدمته التي استحقها بارتياد الرشاد، ورأى أن يكبت عدو الدين باصطفائه، ويكف عادية الشرك باستكفائه. واختار لتقدمة عساكره من اخترته أيها الملك العادل لتقدمه عساكرك، واستهدى منك هذه الجوهرة المعدومة من جواهرك، واستنزلك عن هذه الذخيرة المصونة من ذخائرك، وآثر أن يؤثر بها دولته التي تعد نصرتها من مآثرك، ولثقة أمير المؤمنين انك تسمح له بكرائم لا يجود بها إلا مَنْ كان كريمًا، وتقسم بينك وبينه النجدة التي دعى بها والدك الشهيد رحمة الله عليه للدولة قسيمًا، امضى هذا الرأي لما وضح صوابه، وانتهز فرصة هذا التوفيق لما فتح بابه، ورآه القوي الأمين فاستأجره للاسلام وأهله، ومَدَّ عليهم ما كانت أعينهم ممدودة إليه من ظل عدله. ولما تمسك به المسلمون، لم يغلّ منهم أيديهم المشدودة عليه، ولما اغتبط به أهل الدين لم يصرفهم عما هداهم الحظ إليه، وأمره أن يعدّ لحرب الفرنج عدّته، ويأخذ لغزوهم أهبته، ويطلبهم برًا وبحرًا، ويوسع لقتالهم ذرعًا وصدرًا، ويديل الاسلام من هدنة يطلبهم منها إلى الله سرًا وجهرا، وحرت (١) وأمير المؤمنين يراها مصابا، يحتسب فيه عند الله جزاءا، وعهد إليه أن يعمر الأساطيل التي تقطع عن العدو الإمداد، ويعمر سجون الدولة بالكافرين مقرنين في الأصفاد، وأن يسكن المدن التي جنى عليها التدبير العاجز، ويثقل المعاقل التي كانت خالية المراكز، لتكون أيها الملك العادل مِنْ وراء هذا العدو الكافر مستأصلا، ويكون وزير أمير المؤمنين للغارات عليه والغزوات إليه مواصلًا، فيقطع في الشرك سيف الله بحديه، ويميس الإسلام في نضرة برديه، ويبطش الحق في أعدائه بكلتا يديه، وغير بعيد من معونة الله أن تَخْفِق على البيت المقدس رايات الدولة الفاطمية وراياتك التي تُعدّ من راياتها، وتوجف عليها خيولها وخيولك التي النصر أحد غررها وشياتها، وتأخذ الملة الحنيفية بطوائلها من طغاة الكفر وبغاتها، ويجري الله الدولة العلوية في النصرة العلوية على ميراثها وعاداتها، فمن الآن قيل للونية اذهبي، ونادى الاسلام يا خيل الله اركبي. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢)
стр. 3874
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١)، وأمير المؤمنين يؤثر أن تؤثر دولته بهذا السيد الأجل لتكون أيها الملك قد نصرته نصرًا دائمًا، وقضيت من طاعته فرضًا لازمًا، وسررته غائبًا بحاضر، ووكلت بخدمته من ينوب عنك في النصر المتظاهر، وأن تكاتبه بالزامه مقامه، وتهديه إلى دولته التي اغتبطت باستخدامه، وتهون عليه روعة فراقك، فإنها ملفتة وجْهَهُ إلى شامه، وتسليه بثواب طاعة أمير المؤمنين التي فرضها الله بصريح كلامه، وتبعثه على ارتباط عدة من عسكرك المسير معه، يعاضد عساكر الدولة العاضدية، وتزداد بها القوة، وتتضاعف الحمية، ولولا ما منيت به البلاد من تعاقب جوائح الجدب، وتناوب قوادح الحرب، وارتفاع الأسعار وعلوها، وعزّة الأقوات وغلوّها، لاستزدنا قوَّةً إلى هذه القوة من عساكرك المؤيدة، ولما رأينا إعادة أحدٍ منهم، بل بذلنا لهم الاقامة المؤبدة، ولكن إقامة من تحمله البلاد، وتتسع له المواد، ويؤدي به ما فرضه الله سبحانه من الجهاد، مما تنتظم به بمشيئة الله الميامن والمناجح، وتقرّ أعين المسلمين بما يقضيه ويقتضيه من المنافع والمصالح، ويؤدي به ما يجب الله ولرسوله في خلقه من الحقوق والنصائح، ويستكمل به ما ابتذلته من العمل الصالح، والله سبحانه يمدك أيها الملك العادل المعظم الزاهد المجاهد المؤيد، المنصور المظفر نور الدين، ركن الاسلام والمسلمين بمزيد نَصْرِهِ، ويحوطك بمعقبات من أمره، ويجعلك ممن أخْلَصَ له في سره وجهره، ويُحْسِن عن أمير المؤمنين مجازاتك، ويديم لدولته ذبك عن حوزتها ومحاماتك، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمته وبركاته.
وكتب لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمس مئة.
والعلامة بين سطريه الأولين بالخط العاضدي (الله) (ربي) فعاد الجواب النوري على العاضد بامتثال ما أمر، وتكفل أسد الدين بحماية غيله واستمرّ، وكان ابن أخيه صلاح الدين قد قتل شاور، وقال الفاضل: قتل شاور وما شاور، وقلت: وشاور وما شاور؟ وكتب بالخط الفاضلي عهد أسد الدين شيركوه بالوزارة، ولقب الملك المنصور، وكتب عليه العاضد بخطه (٢).
هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلًا لحمله، والحجة عليك عند الله تعالى بما أوضحه لك من مراشد سُبُلِهِ، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن خدمتك اعْتَزَتْ إلى بنوّة النبوة،
стр. 3875
واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (١) ثم وأَثْبَتَ أسَد الدين منيته وعاجله أجله، وولي ابن أخيه صلاح الدين، وكتب عهده بالخط الفاضلي، ولقب الملك الناصر.
وكتب عليه العاضد بخطه (٢):
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، ومحبته عند الله عليك، فأوف بعهدك ويمينك، وخُذْ كتاب أمير المؤمنين ناهضًا بيمينك، ولمن قضى بجدنا رسول الله ﷺ أحسن أسوة، ولمن بقي بتقبلنا أعظم سلوة، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
ثم كان الفاضل ﵀ هو الدولة الصلاحية، كان كاتبها، ووزيرها، وصاحبها ومشيرها، والحامل لِكَلِّها والحاكم في كُلّها، والمجهز لبعوثها، والمبرز عند إقعاء ليوثها، والدائرة به مناطق بنيها والسائرة به شموس أيامها، وبدور لياليها، فلهذا أذعنَتْ لقلمه الرماح، وطلبت صلح كَلِمِهِ الصفاح، وانقضت تلك الأيام وما فيها، إلا بكر عشايا أو غُرر صباح، ومع هذا كله كان لا يزال مُنَكِّدًا مُبتلى بضنى (٤) قلبه وجسمه، ومرض همه وسقمه، يذكر هذا في كتبه وترسلاته، ويشكوه إلى إخوانه وأخواته. ومما كتب في ذلك:
«ولا يسأل سيدنا عن خاطر تزدحم فيه الأخطار، … وعن ضلوع تسرح على النار، وقلت: قد عُدم الصفاء في دار الأكدار، … وجسم قد قارب أن يَخْلَع المُعار من الأعمار، ولقد دبّ الفناء في عضوًا عضوًا، وأخذني الزمان، فكل يوم يذهب مني شيء بعد شيء، ويكثر شبهي بالميت فيبعد عن الحي، ونعوذ بالله من نار غضبه، فإن آخر المخالط الكي».
قلت: ولهذا كان لايتكلف مع السلطان سفرًا في كل مرة، وإنما كان العماد (٥) ينوب عنه، فإذا سافر كان هو السائر للسلطان إذا ركب، والمسامر إذا جلس، وكان إذا تأخر عن السلطان في بلد ناب عنه فيه، أو كان ردءًا لمن ينوب من إخوة السلطان وبنيه، ويكون هو القائم بالملك، القائل بالحياة والهلك. ومما بلغ من سلطانه،
стр. 3876
ما حدثني به أبو المحاسن بن عبد الله الكاتب المصري، قال: سمعت محيي الدين بن عبد الظاهر، يحكي عن ابن قريش (١): أن الفاضل صحب السلطان مرةً في سَفَر، فنزلوا منزلًا، رخو الأرض، كثير الطين، وتوالى به المطر، وتعذر السلوك بين خيمة السلطان وخيمة الفاضل إلا على مَنْ يسلكه بمشقة، فأمر السلطان بنقل خيمته وأن تضرب إلى جنب خيمة الفاضل، ويفتح بينهما باب حتى لا يقطع بينهما الوحل، ولا ينزعج الفاضل عن مستقره، وكان إذا غاب عن السلطان تكاتبا، وبينهما مترجم بقلم توافقا على المصطلح عليه، فكانا يتكاتبان به ويتخاطبان على بعد الدار بلسانه، وكان القاضي الفاضل يكتب إلى سلطانه، ويشفع فيما يريد كما يشفع الصاحب إلى صاحبه، والصديق إلى صديقه، وكان يسلّم في كتبه التي يكتبها إلى السلطان على مَنْ أراد من أولاد السلطان أو إخوته وقفت له من ذلك على كتب كثيرة، منها ما هو بخط يده، ورأيت في بعضها أجوبة السلطان، وفي بعضها حروف المترجم بخط الفاضل وخط السلطان بإزائه. ورأيتُ كتابًا كتبه إلى السلطان، وسلّم فيه على ولده الملك العزيز عثمان، وقال فيه: والملك العزيز أعز الله الدين بجهاده بين يدي المولى مخصوص بتحية يفضّ لديه ختامها ويخص وفود الشوق غرامها: [من الكامل]
بتحيَّةٍ حييتُ فيها أولًا … ومن اقتفاها كان بعدي الثاني
يهدي بذي النورين لا تخطى الضحى … تسري ركائبها إلى عثمان
ورسولي إلى السلطان في إبلاغها.
والناس رسلهم إلى السلطان.
وأما ما يدل على شيء من حال أوّله، فوقفتُ بخطه على ما صورته: كانت بين والدي ﵀ وبين المرتضى الطرابلسي، متولي الديوان بعسقلان هنات ارتضعا أفاويقها ولزما مواثيقها، فصحبا بها الأعمار، وحكما فيها الأعمار، فكانت حربها سجالًا، وايامها أحوالًا إلى أن قضى الله سبحانه ان سبقه والدي إلى الحمام، وَفَزَغَتْ منه قبله الأيام، فقال لي ﵀ وقد انقطع الحبل مِنْ يدِهِ، وعلم أن يومَهُ لا يدفعه إلى غده: ما أرى فلانًا إلا سيوفيك ما أسلفته، ويقضيك الوعد الذي أخلفته،
стр. 3877
فقلت: أرى أن يكاتب بكتاب يثبت فيه بخطك أسْطُرًا، وتحلب فيه من الوعظ أشطرًا، وتجعله كالوصية، فإن الذي بينكما من العداوة قد أشبه المودة لطول المدة، فقال: هيهات عناء ما وراءه غناء، ورقّةٌ ما تُحَلّ به رِبقَة، ولو أفردت الله بقصدك لكفاك، وأنت وذاك، فمثل لي هذه المعاني والأقفال وكان الحال في عدم النفع على ماقال: والرسالة: [من الطويل]
ونم بعد أخذ الثار عني فطالما … قطعت لي الدنيا وأنت مسهد
كتب العبد هذه الجملة، جعل الله لحضرة سيدنا البقاء الذي لا تَحِلُّ الغِيرُ ساحته، والأمد الذي لا يحصر العدد مساحته، وقد تقدّمها إلى محل المحاكمة، وجثا قبلها في موقف المخاصمة، ورفع الظلامة إلى من لا يجوز عليه ولا منه الأحكام الظالمة، وأسمع داعي الرحيل شفاها، ونأت به الدار وشطت نواها، ووضعت الآمال من يده عصا سراها، واستردت الأيام ما فرقته في جملة، وأشرفت به على مورد يطول بوارده النهلة، وحسن الظن بالله تعالى قد وطأ تحت جنبه مهادا، وآنسه عند النزول بلحدِهِ فرادى، وماسوى ذلك، فمتى أخذ ضيف الكريم زادا، والحمد لله الذي نقل عبده من دار فناء إلى دار بقاء، ومن محل حجية إلى محل لقاء، ومن الاقامة مع مسيء يخاف جوانبه، إلى القدوم على محسن ترجى مواهبه، وقد كان حكم القضاء سبق، وسهم القدر مَرَق بتلك الهنات التي نال فيها ونيل منه، والأغراض التي حامتْ عنها وحُمِيَتْ عنه، والدهر فيها يومان، والحرب بها طعمان، فيوم يكون له متحمّل يكون ظَفَرهُ مشبهًا بالهزيمة، ويوم يكون عليه متحمل فتكون هزيمته مشبهة بالغنيمة، هذا وقد كانت هذه الحضرة وطاعتها تعصيها، تكثر الجراح، وتناول يدها عنان الجماح، ويبقى لإيلامها فيه آثار الصفاح، فما مات حتى ماتت حقوقها، واعتل من طول الضراب حديدها، وقد بقى بعد أن رأت بعده، وتجاوزت في الحياة حده، أمران هما آخر رتبة اللوم، وأقصى غاية الملوم، وهي الشماتة، وتلك خديعة الطبع العاجز، وطليعة الخرق الخانز (١)، وبديعة لا يركبها من مركبه الجنائز، وما لجرح بميت إيلام (٢)، وتلك سبيل لست فيها بأوحد (٣)، والأخرى تتبع
стр. 3878
الخُلْفُ بجناية السلف، وأخذ الوارث بجريرة الموروث، وهذه محافظة في العداوة، ومطاوعة على القساوة، فيها لحكم الله رد ظاهر، وجرأة عليه تعجل عقبى الجائر، وسوء مقدرة لا تبعد أن يغضب لها القادر، واستئناف حرب خاسرها الرابح ومخذولها الظافر، وقد أكثر الناس المدح لحفظ موات الأموات، أو مصافاة أهل العظام والرفات، فأما المكافأة وهم كفاة اللحود، وأما المظاهرة بالعداوة لهم وهم في ضمائر القبور ركود، فما عهد مهده البدعة قائم، ولا على هذه الشرعة هائم، وحوشيت من أن تحشر من بين هذه الأمة أمة وحدها، وتطيع العصبية فتتجاوز سمت المرودة وتتعدى حدها. هذا وقد استفتحت الخطاب ببيت إن لم ألم بما ألم به في معناه، فإنه لا يريد أن يتبعه بما يشيد مبناه، وهو أنها رأت في صحائف التجارب وتواريخ الأعاجيب: انه قل ما تقاول فحلان، وتصاول بطلان، إلا استويا في الدنيا النصيبين، وكان إلى منهلٍ مِنْ وردهما قريبين، وكان سابقهما طليعة التالي، وأولهما مقدمة الثاني. وإذا كان الله قد أفردها بمد طلق البقاء، وخلفها لنظر كيف تعمل فيما أَمْتَعَها بِهِ مِنَ النعماء، فالاولى ان تحفظ عبدها في أيتامه، وتخلف عليهم ما غَرِمَهُ في أيامِهِ، وتصون مخلفيه من هتك الاستار، وحط الأقدار، وتشفي من لاخلاق له من الأشرار، وتعطيهم بما أطال الله من ذيول أنوائها، وتحتسب بالحسنة فيهم مع ماكثر الله من ذخائر ثوابها، ولا يُزعج مخلفوهم بالشكوى إليه في الدار التي ثوى بها، فإنها بحيث تُرفع الظلامة إلى قريب، من مكان قريب، وإن سَمِعَ الميت لم يُجب، فإن الله يسمع ويجيب: [من الطويل]
تقضى الذي قد كان بالأمس بيننا … واسكتني دهري فهل يسكت الدهر
وهو يحلّها من كل ما ارتكبت فيه واطاعته من موارد الأوهام إن حفظت وصية الله تعالى السابقة لوصيته في هؤلاء الأيتام، فأما ان اينَعَتْ القادحة بالقادحة، واشبهت الليلة بالبارحة، فالحساب يبقى عليها مدة بقائها بعده، ويفضل عندها مالا يجد فضله عنده، لا نقطاع عمله، واتصال عَمَلِها، واغضاء طوله وامتداد طولها، وعند الله تجتمع الخصوم، ويضرب على يد الظلوم، ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (١).
وأما نثره، فمنه قوله:
وقد كان يقال الذهب الإبريز لا تدخل عليه آفة، وإن يد الدهر البخيلة عنه كافة،
стр. 3879
وأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة لا تقايس الأموال، كما أن سيوفكم آفة تقوس الابطال، فلو ملكتم الدهر لأمطيتم لياليه أداهم، وقلدتم أيامه صوارم، ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم، وأوقاتكم أعراس، وكان بما تم فيها على الأموال مآتم، والجود خاتم في أيديكم، ونقش حاتم في نقش ذلك الخاتم.
ومنه قوله:
أدام الله أيام الديوان العزيز ممهدة لمن رضيت عنه درجات الجنة، منتثرةً على مَنْ سَخِطَتْ عليه كواكب الأسنّة، مغرقة لمن يغرق في طاعتها بحار الأعنة، منشرة النفس المتطامنة لولائها بانها النفس المطمئنة، وأسبغ نعمه فإن النعم في ضمنها، وملأ الآمال بمنّها، وأفاض أنوارها التي قد علم قرن الشمس أنه غير قرنها، وأمضى سيوفها التي تعرب فيغرق ضمير النصر في لحنها. وأعلى آراءها التي تلقى العداة بدرع يقينها، وتلقى الغيوب بسهم ظنّها، ولا بَرِحَتْ رايتها سويداوات قلوب العساكر، واضحة الدعاء المحلّق في أُفُقِ المنابر.
ومنه قوله:
سرنا وروضة السماء فيها من الزهر زهر، ومِنَ المجرّة نهر، والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أقاح، أو كالريح شمَلَهُ من الرمح جراح، والكواكب سائرات المواكب، لا معرّس لها دون الصباح وسهيل كالظمآن تدلّى إلى الأرض ليشرب، أو الكريم أنف من المقام بدار الهوان فتغرّب، فكأنه قَبَسٌ تتلاعب به الرياح، أو زينة قدمها بين يدي الصباح، أو ناظر يغمضُهُ الغيط ويفتحه، أو مغنى يغمصه الحسن ثم يشرحه، أو صديق لجماعة الكواكب مغاضب أو رقيب على المواكب مواظب، أو فارس يحمل على الأعقاب، أو داع به إليه وقد شردت عن الأصحاب. والجوزاء كالسرادق المضروب أو الهودج المنصوب والشجرة المنوّرة، أو الحبر المصوّرة، والثريا قد هم عنقودها ان يتدلى، وجيش الليل قد هم أن يتولّى.
ومنه قوله:
وأما النيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الاصبع إلى الذراع، فكأنما غار على الأرض فغطاها، وأغار عليها فاستقعدها وماتخطاها، فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه ولا مرغوب مرهوب إلا إياه.
ومنه قوله في جواب كتاب بعثه العماد الكاتب في ورق أحمر، فقطعت العرب الطريق على حامله، وأخذوه ثم أعادوه:
ووصل منها كتاب تأخر جوابه؛ لأن العرب قطعوا طريقه، وعقوا عقيقه ثم
стр. 3880
أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره، ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، ولا سيوفهم أن تكنس يتيمته، ولا عراضهم أن تأخذ لطيمته، فقطف ورده من شوك أيديهم، وحيا حياه الذي جلّ عن واديهم، وحضر منه حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبه بالغرية في بواديهم، وتشرف منه بعقيلة الأنس التي ما كان الله ليمنحها بقتل واديهم، وسألته: بأي ذنب قتلت؟، وأي شفاعة فيك قُبلت؟، فقال: عرفت الأعراب بضاعتها من الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكلُّ صاح يا صباحه وقالوا: هذه حقائقنا السحرية. وهذه حقائبنا الشحرية، وهذه عقائدنا السرية محمولة، وهذه مواريث قيسنا وقسنا المأمولة، فقيل لهم: إن الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وإن العلم يناله فرسان فارس ولو كان في السحاب (١)، فدعوا عنكم ثمرًا عُلّق في شجراته، واتركوا نهبًا صحيح في حجراتِهِ (٢)، وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ثم لممته على الشعث، وأحللت به بعد الأحرام، فاستباح الطيب وحاشاه من الرفث، ومنه قوله:
والأسر ذلّ ما بَعْدَهُ عزّة، وأثر السلسلة يمنع معاطف الهزة، والملسوع يفزع من الحبل، والجريح يعلم أن الجرح باب القتل.
ومنه قوله:
وقد طيب لمالكه الحياة في إنعامه، وهوّن عليهم الممات لثقة كل منهم باهتمامه بأيتامه فالوارث يرث من أبيه النسب، ومن كرم ملأنا النشب.
ومنه قوله:
وبورت رماح نصلها الطعن، فكأنها غصون قطعت ازهارها، ويغادر غدران الدماء، فكأنها رياض عطفت أنهارها.
وقوله من رسالة يصف آمد (٣):
وآمد ذكرها من العالم متعالم وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقروعًا أنفه، وإن كان فحلاه وفرّ عنها فريدًا بهمه وإن استصحب خيلًا ورجلًا، ورأى حجرها فقدّر أنه لا يفك له حجر، وسوادها فظن أنه لا يفسخه فجر، وحمية
стр. 3881
انف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر، من ملوك كلّهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها، ووقف وقفة المحبّ السائل، فلم يفز بما أمل من سؤال معهدها.
وله من أخرى يصفها:
وهي العقيلة التي صَدَرَ الصدْرُ الأول محلًا عن وردها، والخريدة التي حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها، والمحجبة التي كشفت ستورها، ودارت لعصمتها كسوار معصمها سورها، وغَلَتْ على أنها السوداء على خطابها؛ لأن المهج مهورها، ولربما نأى بجانبها الإعراض، ونبا عن جوهرها الأعراض، وطاشت دون أوصافها سهام الأغراض، ودرجَتْ الملوك على حسرتها فلم تحس لها لثاما، ولا استطاعت لثغرها ثلمًا ولا له التثاما.
وله من أخرى يصف قلعة نجم (١) وهي من عيون الرسائل منها:
هي نجم في سحاب، وعُقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة، عاقدة حبوةً صالحها الدهر ان لا يحلّها بفزعة، نادبة عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعة بها عقارب منجنيقات لم تطبع بطبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب، فلم يكن غير ثلاثة إلا وقد أثرت فيها الحجارة جدريًا بضربها، ولم تصل إلى السابعة إلا والنجران مؤذن بنقبها، فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد مَنْ هو إليها طالع وفتحت الأبراج ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ (٢).
ومنه قوله:
ومن اعتقل خصمًا فقد ملك قياده، وأمِنَ شراره، وصار تحت ختمه، وحبس جسمه في حصنه، وقلبه في جسمه، وإذا كان الله قد أعطانا البلاد، وهي آلة المقيم، وأعطاهم المراكب وهي آلة الظاعن الهارب، فقد علمنا لمن عقبى الدار، وقد نَقَلَهم الله نقل قوم نوح من الماء إلى النار، وقد وُرِيت بمولانا للاسلام زناد، وذاك الزناد هو السيف القاضب [و] المستطير من شرره هو دفع الدم الساكب.
ومنه قوله:
стр. 3882
وعرف المملوك ما يكابده مولانا، وكلُّ بعين الله، وما تغلو الجنة بثمن ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١) «الغمرات ثم ينجلينا (٢)، فإنك نصل والشدائد للنصل، وكلما اشتد الخناق قوي اليقين، إن الله ربك يعظم موضع الفرح [من الكامل]
والحادثات وإن أصابك يؤسها … فهو الذي أدراك كيف نعيمها (٣)
لا زعزعتك الخطوب ياجبل، كل ما يمر بمولانا من المغايظ، ومن تثاقل الأولياء يتحمله ويحمله الله، ويعلم أن الطباع البشرية يستولي عليها الضجر، ويعلم أن الذي يطلبه من الناس أعظم من الذي يدفعه إليهم، فإنّه يعطيهم الأموال ويطلب منهم الأرواح، ولا بد من تلطف الترفيه فيمن يستنزل عن نفسه، وأين من يجود بها إلا قليل ماهم: [من الوافر]
وقد كانوا إذا عُدّوا قليلا … فقد صاروا أقل من القليل
ومنه قوله:
فسبحان من جعل آراءه في الظلمات مصابيح، وفي المشكلات مفاتيح، ويده إذا امتطت الأقلام بارت الغمام، وإذا اتشحت بالأعنة بارت الريح، وباب مولانا ميدان العلا، ومجلسه معرض الحلى، وترابه غرر وجوه السادة الألى.
ومن أخرى في فتح بيت المقدس شرفه الله تعالى، منها (٤):
وأتينا المدينة من جانب، فإذا هو أودية عميقة، ولجج وعرة غميقة، وسور قد انعطف عطفة السوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عُقر الدار، وقدم المنجنيقات التي تتولّى عقاب الحصون عصيتها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارقها سهامها ولا نصالها، فصافحت السور، فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك، وقد قدم النصر نسرًا من المنجنيق يخلد أخلاده إلى الأرض، ويعلو علوّه إلى السماك، فشجّ مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها، ورفع منار عجاجها، وأسفر النقاب عن الخراب النقاب، وأعاد الحجر إلى حلقته
стр. 3883
الأولى من التراب، ومضغ سرد حجارته بأنياب مِعْوَلِهِ، واظهر في صناعته الكثيفة ما يدلّ على لطافة أنملِهِ، وأسْمَعَ الصخرة الشريفة أنينه، إلى أن كادت ترق لمقتله. وله أيضًا من أخرى:
فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماها نبال الوبال، وتملأ أرضها بالنكاية والنكال، وتهد بساريات حجارتها راسيات الجبال وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدوائر في الديار، وتخطف بخطافاتها أعمار الأعمار، وتطير حمامها بكتب الحمام، وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام، وكشف النقابون السور المحجوب، فتهدّم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنقوب.
ومنه قوله:
في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النهر، قد حشر الهموم وحشدها، وهدى ضوالها للقلوب وأنشدها، فأقول له لما تمطى بصلبه (١) قطع الله صُلْبَك. ومتى أرى عمود الصباح قد عجل الله عليه صَلْبَك.
ومنه قوله:
ولنا من الجيران من يجور، ونظن أنه إلى الله لن يحور، ويصدق وعد الشيطان وما يعده الشيطان إلا الغرور، ويصد عنه كل عظيمة المورد، ويجهل أن الله عليم بذات الصدور، ويظن أنه يرث الأرض، وينسى ما كتب الله في الزبور، وينشد ضالة الولاية بجيشه وبيته، وما يقبل بيت مكسور، ولا يضمن النصر جيش مكسور.
ومنه قوله:
والمسئول أخذ دستورا لمملوكه في هذه السنة، فقد جفا بيت الله جفوة طويلة، واشتاق إلى زورة وتمامها أن يكون المولى فيها الوسيلة، وقد تحقق أن المولى يُلبّيه ولا يحرمه، فكاد يُلبّى ويحرم، ولولا أن ذكره وذكر والده كمس المسك، لكان على هذا العزم يتمم ويحزم، وما ينقطع مرافق خدمه، ولا منافع لسانه وقَلَمِهِ عن الدولة الناصرية، فقد كان حجّ فحشد جيوش الليل، وفوقوا سهام الأسحار، وأعانوا في تلك السنة سلطان الدنيا وجنود النهار، وما يدعي المملوك في الدعاء رتبة المجاب، ولكن في الحشد رتبة السمسار.
ومنه قوله:
стр. 3884
فوضعت يدًا فيه وقدمًا على النجم، ورشفته على حرّ الوجد بارد الظلم، وصَرَفْتُ به عن الخاطر كلَّ همّ، فما باشره بعده ولا هم
ومنه قوله:
وأما خلعة الكرى على العشاق (١)، فهي عوائد سماحه، ومَنْ أشرق كإشراقه فما يكون أبدًا في ليله، إنما يكون في صباحِهِ، فما ضرّه أن يهب مالا تدعو إليه حاجة، وأنْ يَخْلَع ديباجة كراه كما يخلع ديباجه.
ومنه قوله:
وهم بأن يأخذ من كلام سيدنا في كتابه، فيعيد إليه حلاله، فإنه ما وجد لفضله أوْصَف من وصفه، ولا أكشف لبراعية من كشفه، ثم استحيا من ريبة يسود لها وجوه الأقلام، وأشْفَقَ أن يأكل أموال الناس بالباطل ويُدلي بها إلى الحكام (٢).
ووصف أيضًا المنجنيق من رسالة فقال:
فسلمت كأنها بنان ونَضْنَضَتْ كأنها لسان واضاءت كأنها مارج من نار، واهتزت كأنها جان، وتقوّمت كأنها سنان وانعطفت كأنها عنان، وأقْدَمَتْ كأنها شجاع، وأحْجَمَتْ كأنها جبان، وَرَمَتْ روؤسهم الموفّرة من أحجارها بأمثال الروؤس المحلّقة، فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلقة وغير مخلقة.
ومنه قوله:
وكأن الثريا لجام مفضض في أدهم الليل، أو غثاء حمله داهم السيل، أو جيب جود زرة اللباس، أو كف تفصل الأفق على الليل بقياس.
ومنه قوله:
أطال الله بقاء المجلس إلى أن يقضي للكفر أعمارا، ويملك منهم رقابا وديارا، ولا يذر على الأرض منهم ديارا، ولا يصلوا أن يضلوا العباد، ولا يبلغوا أن يلدوا فاجرًا كفارا، وإلى أن يغرقهم من دمائهم في طوفان، وإلى أن يعرضهم على الجدوع فيكونوا عنده صلبان كالصلبان.
ومنه قوله:
خدمة المملوك واصلة من يد الشريف فلان، وهذا الشريف قد زكى نسبه بأعمال
стр. 3885
صالحة، وعمله بسيرة ناصحة، وله عائلة هي وإن كانت غلًا، فقد فَسَحَتْ خُطاه في الانتجاع، وبه فاقة هو وإن كان في ضائقتها فقد بعثه في الأرض على الاتساع، ولما قلب طرفه في سماء القصد هدى إلى قبلة مولانا التي يرضاها كل متوجه، وإلى هدف المدائح الذي تسدر إليه سهام كل ألكن ومفوّه، فإن رأى مولانا أن يشفع فيه جده شافع البشر، ويلين حظه فإن حظه كالحجارة أو أشد قسوةً من الحجر.
ومنه قوله (١): وَرَدَ كتاب المجلس، ومرحبًا بمقدمه وأهلًا بمنجمه، والسوق تختلف نقود صروفه، وتتنوّع صنوف ضيوفه، فلا بُدَّ أن تنبعض اذا انبضعت المسافات، ولو أنه إلا بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السائر بالكتاب الصادر والخيال الزائر بالحبيب الغادر، والنسيم الخاطر من رسائل الخواطر، ويقرّ به طرف الناظر من الصديق الحاضر، وقفت على هذا الكتاب المشار إليه، وما وقفت عنه لسانًا شاكرًا، ولا صرفت عنه طرفًا ناظرًا، وبلغت من ذلك جهدي، وإن كان قاصرا، واستفرغت له خاطري وما أعدّه حاضرًا، ومما أسرّ به أن يكون في الخدمة السلطانية، أعلاها الله ورفعها ووصلها ولا قطعها، وألّف عليها القلوب وجمعها، واستجاب فيها الادعية وسمعها من يكثر (٢) قليلي، ويشفي في تقبيل الأرض غليلي، فإنّ تقبيل سيدنا كتقبيلي فلو شرب صديق وأنا عطشان لأرواني، ولو استضاء بلمعة في الشرق وأنا في الغرب لأراني، كما أن الصديق إذا مسته نعمة وجَبَ عنها شكري، وإذا وصلت إليه يدُ مُنْعِمٍ وصلتني، وتَغَلْعَلتْ إلي ولو كنت في قبري.
ومنها (٣):
وأعود إلى جواب الكتاب: الأخبار لا تزال غامضة إلى أن نشرحها، ومقفلة إلى أن نفتحها، بخلاف حال خادمها مع الناس، فإن القلوب لا تزال سالمة إلى أن تجرحها، والهموم خفيفة إلى أن ترجحها، وفي الخواطر في هذا الوقت أُمور موجودة نجعلها في العدم، ونخرجها من الألم إلى اللمم، ويعادي بين الأسماع والألسنة، وبين العيون والقلم والقلوب بيد الله سبحانه، وعليه بالاستجارة والاستخارة، فتلك تجارة رابحة، وكل تجارة لاتخلو من خسارة، والله تعالى يجمع كلمة المسلمين على يد سلطاننا ولا يخلينا منه ومن بنيه حلي زماننا، وسيوف أيماننا
стр. 3886
ويُسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤوسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا، ولقد تفرّغت العزمة الفلانية لهذا الكتاب (١)، ولو ذكرت السلطان بالعدو فيرجم كلبه، ويكف غربه، ويذيقه وبالَ أمْرِهِ. ويطفي شرار شره، ويعجل له عاقبة خُسْره، فقد غاظ المسلمين وغضّهم، وقتل جموعهم وفضّهم، ولو جعل السلطان عزّ نصره غزو هذا الطاغية مغزاه، وبلاده مستقر عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه، كما أخَذَ ثمود بطغواه، ولأبقى ذكرا.
وقوله (٢):
وللمودة عين لا يكحلها إذا رَمَدَتْ إلا إثمد مداد الصديق، ومافي الصبر سعة لصحبة أيام العقوق بعد صحبة أيام العقيق، وقد بلغني أن ولد المذكور خدم في المجلس السلطاني، وسررت بأن يجتمع في خدمته الأعقاب والذراري، وتطلع في أفقه الأقمار والدراري، والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعًا، ولا يَعْدِمُنا من يدِهِ سحابًا، ومن جنانِه ربيعًا، وللمودات مقر ما هو إلا الالسنة، والقلوب قضاة لا تحتاج إلى بينة.
ومنه قوله يذكر كتابا جاءه في ورق أخضر:
ولما تناولته في الحِلّة مخضرا بسريرة السراء، قلت الله أكبر، من كان خاطره غيثًا روض، وفاض فأعشب فذهب ففضض، وما شككت أني دخلت الجنة لما فاض من أنهارها، وأفيض من سندسها، أو طلعت إلى سماء الدنيا لما ملأ سمعي وعيني من شهبها وحرسها، ولا أنني قد جاءتني رسالة الروض الأرج. لما فغمني من نفيس نفسها، فقلت لصحيفة: ما هذه اللبسة الغريبة، والحلية الحبيبة، والورقة التي هزت عطفي في ورق الشبيبة بعد رداء المشيب، والريحانة التي لا يدعيها عذار حبيب؟ فقالت: [من المتقارب]
شققنا مرائرَ قوم [به] … فنحنُ نسميه شق المرارة (٣)
ومنه قوله:
وكيفما حلّ أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذلل أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تُبتذل أقدارهم في مصونات المجامع، كأن الأرض بهم سماء فأنهم طوالعها، وكأن الدنيا بهم رياض، فإن أوجههم دهرها وأيديهم مشارعها.
стр. 3887
ومنه قوله:
وقد أثمر هذا القلم أكرم الثمر وهو يابس، وأبر جودًا على أخضر المغارس، وأتى أكله كل حين وكل وقت، وطال وإن كان القصير، فقصر عنه كل نَعْتِ. وَوَصَلَ كتابه فأكرم به من ساق وحبيبٍ، وَخَلَوْتُ به وليس علينا ولا بينننا من الأنام رقيب، وقَبَّلْتُ منه خدًّا بل يدًا، وأجله عن أن يكون نسيبًا للنسيب، وهزَزْتُ منه قضيب بان من بياض طرسه في كثيب، بل هززت منه قضيب بان للعلا يجتنيها بفتكة القضيب.
ومنه قوله:
والفترة مسطرة أن ينفخ الروح في صريعها، ويرش نور الشمس على وجه صديعها، وإلا فانه مغشي عليه، مغشى بليل تحته فقد قرّبَتْ بنات نعش إليه.
ومنه قوله:
ومن مستهل ذي الحجة ما استهلّ من يده كتاب، ولا استقل من تلقاء جهته سحاب، ولعل قلمه في الميقات قد أحرم، فلم يمس الطيب من أنفاسه، ومسح المداد عنه لتمام الإحرام بكشف رأسِهِ، والآن فقد انقضت الأيام المعلومة، فهلًا قضى عنا الأيام التي تمادت فيها شقوة العيون المحرومة.
ومنه:
وعليه السلام الطيب الذي لو مر بالبهيم لأشرق، أو بالهشيم لأورق، وكتبها الكريمة إن تأخرت فمأمولة، وإن وصَلَتْ فمقبولة، وإن أنبأت بسار فمشهورة، وإن انبأت بسير فمشورة.
ومنه قوله:
وأما ما ذكره من القرض فلم يزل القرض للذرية الأيوبية - أعاذها الله من الإنقراض - ميسم كرمها، وعنوان علوّ، هممها، فبيوت أموالهم في بيوت رجالهم، وعقد أيامهم في قلوب خدامهم، والكنوز التي جعلها الماضون سبائك في التراب جعلها ملوكنا قلائد في الرقاب، فهم يتحملون بالقرض ويفتخرون، وإذا ادخرت الملوك في أيدي أنفسهم مالًا، فهؤلاء في أيدينا يدخرون.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة، وَصَلَ اللهُ أيامها بحميد العواقب وبلوغ المآرب، وصحبت الدهر على خير ماصحبه صاحب، وأنهضنا بواجب طاعته فإنه بالحقيقة الواجب، وكل واجب غيره ليس بواجب من يد فلان، ورجوتُ أن يكون طليعة إلى الاقتراب
стр. 3888
ومبشرًا بالإياب، ومخبرًا بعودها الذي هو كعود الشباب لو كان يعود الشباب، وعرفت الأحوال جملةً من كتابها، وكلّها تشهد بتوفيق سلطانها وبأيامها التي تعود بمشيئته باصلاح شأنه وشانها، والذي مده ظلًا يمده فضلًا، فالفضل الذي في يديه في يد خَلْقِ الله، الذي أحالهم بالرزق عليه، فكيفما دعونا له [دعونا] (١) لانفسنا، وكيفما كانت اسنة رماحه فهي نجوم حرسنا، فلا عُدمَتْ أيامه التي هي أيام أعيادنا، ولا لياليه التي هي ليالي عرسنا.
ومنه قوله:
وهذا أفق لا مطار فيه إلا للعقاب وابنه، وبحر لا مسبح فيه إلا لمن يخرج الدرّ من فيه ويدخل البحر في ردنه، وما عنيت بالبحر ههنا إلا يده الكريمة، وأما البحر فلم أعنه، وأغرقتني في البحار وأنجبتني منها، وعرّفتني وزن خواطر البلغاء، ولولا عروض خاطِرِهِ لم أزِنْها زاد الله في هذه الأنفاس، وفديت هذه العقائل التي أيامي بها أعياد وليالي أعراس.
ومنه قوله:
وما يأتيني في المجلس من ذكر محدث يسرّ به المحدث، وخبر يتأثّل به الأنس ويتأثث، إلا استمعته. ولسمعي على قلبي المنّة، وفتحته كأنما فُتِحَتْ لي أبواب الجنة، وتناولته كأنما تناولت كتابي، بيميني، ورفعتُهُ فكأنما رفع التاج فوق جبيني، وقابلته بالحمد فكأنه عرض كاتبه، وقرنته باللثم فكأني ظفرت بيد صاحبه.
ومنه قوله:
وأصدرت هذا الكتاب مقصورًا على أجوبة كتبه التي كتبت لي عهدة الشكر، وأباحتْ في شهر الصيام كؤوسها السكر.
ومنه قوله:
وكتبته وشعبان قد وصل إلى أعقابه، وقمرُهُ الممحوق قد بعثه رمضان بكتابه، فجمع الله لسيدنا منهما كل خير يستحق جمعه، وأعلى يده التي [ان] سألها الكرم، لم تر منعه.
ومن أجوبته (٢):
وَرَدَ على الخادم زاد الله أيام المجلس وأصفاها من الأكدار، وأبقى بها من
стр. 3889
تأثيراته أحسن الآثار، وأسمع منه وعنه أطيب الأخبار، وجَعَل التوفيق مقيمًا حيث أقام، وسائرًا أينما سار، كتابه الكريم الصادر عن القلب السليم، والطبع الكريم، والباطن الذي هو كالظاهر كلاهما المستقيم، ولا تزال الأخبار عندنا محجمة والأحاديث مستعجمة، والظنون مترجحة، والأقوال مسقمة ومصححة، إلى أن يرد كتابه فيُحق الحق ويُبطل الباطل، ويتضح الحالي، ويفتضح العاطل، ويعرف الفرق مابين تحرير قائل وتحوير فائل، فتدعو له الألسنة والقلوب، ويستغفر بحسناته الايام من الذنوب، والشجاعة شجاعتان شجاعة في القلب، وشجاعة في اللسان، وكلاهما لديه مجموع، ومنه وعنه مروي ومسموع، وذخائر الملوك هم الرجال، وآراء الحزماء هي النصال، ومودّات قلوبهم هي الأموال، ومجالس آرائهم هي المعركة الأولى التي ربما أغنت عن معارك القتال، والله تعالى يجدّد للمسلمين به حالًا يَجْمَعهم على جهاد الكفار، ويلهمهم أن يبذلوا في سبيله النفس والسيف والدرهم والدينار، ويزيل مافي طريق المصالح من الموانع، ويفطم السيوف عن الدماء الاسلامية ويحرم عليها المراضع، ويجعل للمجلس في ذلك اليد العليا والطريقة المثلى، ويجمع له بين خير الأخرى والأولى، والأحوال ههنا بمصر مع بعد سلطانها، وتمادي غيبته عن سائر شانها، على ما لم يشهد مثله في أوقات السكون، فكيف في أوقات القلق، وعلى ما يحفظ الله به مَنْ في البلاد من الجموع، ومن في الطرقات من الرفق.
ومنه قوله:
ومن اللطف في كون الحضرة كتبتها عجلة وروجتها مرتجلة، واصدرتها في حالة المتبدل، ولم تعرها ناظر المتأمل، وإلا فلو تأنيت لأرسلت البوارق والصواعق، وما أصنع؟ وما كل من جاشَتْ بحاره، وقَذَف درّه بحاره أغرق الاخوان في لججه، وأخرس اللهجان بحججه.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة، لا زالت رياض ثنائها متفاوحه، وخطرات الردى دونها متسارحه، والليالي بأنوار سعودها متلألئة والأيام الجافية عن بقية الفضل منها متجافية، باركه للمجد منها فيه، يتخير إليها المكرمات إذا لم يكن لها فيه، فأنشده ضالة هدى كان لنشدانها مرصدا، ورفع له نارًا موسوية، سمع عندها الخطاب، وأنس الخبر، ووَجَدَ الهدى، وكانت نار الغليل بخلاف نار الخليل، فانها لا تقبل ندى الاجفان بأن يكون بردًا وسلاما، ولا يزايدها نداها إلا كانت أخرى ما كان ضراما، وتعود إلى ذكر الكتاب الكريم، وسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره
стр. 3890
مباسم تبسم، ووقف عليه وقوف المحبّ على الربع يكلمه ولا يتكلم، ويبطل جفنه وكأن جمادى بدمعه وكأن على خدّه المحرّم، والله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة، فأنها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن يبلغ عمره كعمرها، على أنها طالما أقامت الحد الدنيا حتى بلغت في حدّها الثمانين، وأدّبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السلم من قلمها تأديب المجانين، وما حَمَلَتْ العصا بعد السيف إلا وقد وضعت الحرب أوزارها، ولا استقلتبأنه موسى إلا بتفجر الخواطر وتضرب أحجارها، وماهي إلا رمح، وكفى بيدها لها سنانًا. وماهي إلا جواد يحتث السنين خلفها، فتكون أناملها لها عنانا.
ومنه قوله (١):
ورد كتاب الحضرة السامية، أحْسَنَ الله لها المعونة، ويسر لها العواقب المأمونة، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونة، يخبر بخروج الخارج من قلعة كذا، وما صرح به من الخوف الذي ملأ الصدور، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور، وكل قضية وردت على القلوب. فَفَزِعَتْ فيها إلى ربّها، فَرَجَتْ فُرجة، وأذكى لها اليقين سُرُجَة، ولم يُشرك معه غيره مستعانًا، ولم تدع معه من خلقه إنسانًا، فما الضيقة (٢) وإن كانت منذرة إلا مبشرة، والخطة وإن كانت وَعْرةً إلا ميسرة، لا جرم أن هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان نصر الله نهضاته. وأدّى عنه مفترضاته واستنهض العساكر وقوبل العدو الكافر. فَنَفَس ذلك الخناق، وتماسكت الآماق. وما أَحْسَبُ أنَّ الأمر يتمادى مع القوم، بل أقول: لا كرْبَ على الاسلام بعد اليوم، يتوافى بمشيئة الله ولاة الأطراف ويَزُول من نفس العدو وسمعه ما استشعره من المسلمين من الخلاف، ويجتمعون إن شاء الله على عدوّهم، ويُذهب الله بأهل دينه ما كان من فساد أعدائه في أَرْضِهِ وعلوّهم، وقد شممنا رائحة طلب الهدنة (٣) بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك اللمان الذي هو بسيف الله مقتول، والموت سيف الله على الرقاب مسلول.
ومنها (٤):
فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها، والحصون التي حَصَّنها، والأسلحة