ويُسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤوسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا، ولقد تفرّغت العزمة الفلانية لهذا الكتاب (١)، ولو ذكرت السلطان بالعدو فيرجم كلبه، ويكف غربه، ويذيقه وبالَ أمْرِهِ. ويطفي شرار شره، ويعجل له عاقبة خُسْره، فقد غاظ المسلمين وغضّهم، وقتل جموعهم وفضّهم، ولو جعل السلطان عزّ نصره غزو هذا الطاغية مغزاه، وبلاده مستقر عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه، كما أخَذَ ثمود بطغواه، ولأبقى ذكرا.
وقوله (٢):
وللمودة عين لا يكحلها إذا رَمَدَتْ إلا إثمد مداد الصديق، ومافي الصبر سعة لصحبة أيام العقوق بعد صحبة أيام العقيق، وقد بلغني أن ولد المذكور خدم في المجلس السلطاني، وسررت بأن يجتمع في خدمته الأعقاب والذراري، وتطلع في أفقه الأقمار والدراري، والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعًا، ولا يَعْدِمُنا من يدِهِ سحابًا، ومن جنانِه ربيعًا، وللمودات مقر ما هو إلا الالسنة، والقلوب قضاة لا تحتاج إلى بينة.
ومنه قوله يذكر كتابا جاءه في ورق أخضر:
ولما تناولته في الحِلّة مخضرا بسريرة السراء، قلت الله أكبر، من كان خاطره غيثًا روض، وفاض فأعشب فذهب ففضض، وما شككت أني دخلت الجنة لما فاض من أنهارها، وأفيض من سندسها، أو طلعت إلى سماء الدنيا لما ملأ سمعي وعيني من شهبها وحرسها، ولا أنني قد جاءتني رسالة الروض الأرج. لما فغمني من نفيس نفسها، فقلت لصحيفة: ما هذه اللبسة الغريبة، والحلية الحبيبة، والورقة التي هزت عطفي في ورق الشبيبة بعد رداء المشيب، والريحانة التي لا يدعيها عذار حبيب؟ فقالت: [من المتقارب]
شققنا مرائرَ قوم [به] … فنحنُ نسميه شق المرارة (٣)
ومنه قوله:
وكيفما حلّ أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كل مطلع نجومه وبدوره، لا تذلل أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تُبتذل أقدارهم في مصونات المجامع، كأن الأرض بهم سماء فأنهم طوالعها، وكأن الدنيا بهم رياض، فإن أوجههم دهرها وأيديهم مشارعها.
стр. 3887
ومنه قوله:
وقد أثمر هذا القلم أكرم الثمر وهو يابس، وأبر جودًا على أخضر المغارس، وأتى أكله كل حين وكل وقت، وطال وإن كان القصير، فقصر عنه كل نَعْتِ. وَوَصَلَ كتابه فأكرم به من ساق وحبيبٍ، وَخَلَوْتُ به وليس علينا ولا بينننا من الأنام رقيب، وقَبَّلْتُ منه خدًّا بل يدًا، وأجله عن أن يكون نسيبًا للنسيب، وهزَزْتُ منه قضيب بان من بياض طرسه في كثيب، بل هززت منه قضيب بان للعلا يجتنيها بفتكة القضيب.
ومنه قوله:
والفترة مسطرة أن ينفخ الروح في صريعها، ويرش نور الشمس على وجه صديعها، وإلا فانه مغشي عليه، مغشى بليل تحته فقد قرّبَتْ بنات نعش إليه.
ومنه قوله:
ومن مستهل ذي الحجة ما استهلّ من يده كتاب، ولا استقل من تلقاء جهته سحاب، ولعل قلمه في الميقات قد أحرم، فلم يمس الطيب من أنفاسه، ومسح المداد عنه لتمام الإحرام بكشف رأسِهِ، والآن فقد انقضت الأيام المعلومة، فهلًا قضى عنا الأيام التي تمادت فيها شقوة العيون المحرومة.
ومنه:
وعليه السلام الطيب الذي لو مر بالبهيم لأشرق، أو بالهشيم لأورق، وكتبها الكريمة إن تأخرت فمأمولة، وإن وصَلَتْ فمقبولة، وإن أنبأت بسار فمشهورة، وإن انبأت بسير فمشورة.
ومنه قوله:
وأما ما ذكره من القرض فلم يزل القرض للذرية الأيوبية - أعاذها الله من الإنقراض - ميسم كرمها، وعنوان علوّ، هممها، فبيوت أموالهم في بيوت رجالهم، وعقد أيامهم في قلوب خدامهم، والكنوز التي جعلها الماضون سبائك في التراب جعلها ملوكنا قلائد في الرقاب، فهم يتحملون بالقرض ويفتخرون، وإذا ادخرت الملوك في أيدي أنفسهم مالًا، فهؤلاء في أيدينا يدخرون.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة، وَصَلَ اللهُ أيامها بحميد العواقب وبلوغ المآرب، وصحبت الدهر على خير ماصحبه صاحب، وأنهضنا بواجب طاعته فإنه بالحقيقة الواجب، وكل واجب غيره ليس بواجب من يد فلان، ورجوتُ أن يكون طليعة إلى الاقتراب
стр. 3888
ومبشرًا بالإياب، ومخبرًا بعودها الذي هو كعود الشباب لو كان يعود الشباب، وعرفت الأحوال جملةً من كتابها، وكلّها تشهد بتوفيق سلطانها وبأيامها التي تعود بمشيئته باصلاح شأنه وشانها، والذي مده ظلًا يمده فضلًا، فالفضل الذي في يديه في يد خَلْقِ الله، الذي أحالهم بالرزق عليه، فكيفما دعونا له [دعونا] (١) لانفسنا، وكيفما كانت اسنة رماحه فهي نجوم حرسنا، فلا عُدمَتْ أيامه التي هي أيام أعيادنا، ولا لياليه التي هي ليالي عرسنا.
ومنه قوله:
وهذا أفق لا مطار فيه إلا للعقاب وابنه، وبحر لا مسبح فيه إلا لمن يخرج الدرّ من فيه ويدخل البحر في ردنه، وما عنيت بالبحر ههنا إلا يده الكريمة، وأما البحر فلم أعنه، وأغرقتني في البحار وأنجبتني منها، وعرّفتني وزن خواطر البلغاء، ولولا عروض خاطِرِهِ لم أزِنْها زاد الله في هذه الأنفاس، وفديت هذه العقائل التي أيامي بها أعياد وليالي أعراس.
ومنه قوله:
وما يأتيني في المجلس من ذكر محدث يسرّ به المحدث، وخبر يتأثّل به الأنس ويتأثث، إلا استمعته. ولسمعي على قلبي المنّة، وفتحته كأنما فُتِحَتْ لي أبواب الجنة، وتناولته كأنما تناولت كتابي، بيميني، ورفعتُهُ فكأنما رفع التاج فوق جبيني، وقابلته بالحمد فكأنه عرض كاتبه، وقرنته باللثم فكأني ظفرت بيد صاحبه.
ومنه قوله:
وأصدرت هذا الكتاب مقصورًا على أجوبة كتبه التي كتبت لي عهدة الشكر، وأباحتْ في شهر الصيام كؤوسها السكر.
ومنه قوله:
وكتبته وشعبان قد وصل إلى أعقابه، وقمرُهُ الممحوق قد بعثه رمضان بكتابه، فجمع الله لسيدنا منهما كل خير يستحق جمعه، وأعلى يده التي [ان] سألها الكرم، لم تر منعه.
ومن أجوبته (٢):
وَرَدَ على الخادم زاد الله أيام المجلس وأصفاها من الأكدار، وأبقى بها من
стр. 3889
تأثيراته أحسن الآثار، وأسمع منه وعنه أطيب الأخبار، وجَعَل التوفيق مقيمًا حيث أقام، وسائرًا أينما سار، كتابه الكريم الصادر عن القلب السليم، والطبع الكريم، والباطن الذي هو كالظاهر كلاهما المستقيم، ولا تزال الأخبار عندنا محجمة والأحاديث مستعجمة، والظنون مترجحة، والأقوال مسقمة ومصححة، إلى أن يرد كتابه فيُحق الحق ويُبطل الباطل، ويتضح الحالي، ويفتضح العاطل، ويعرف الفرق مابين تحرير قائل وتحوير فائل، فتدعو له الألسنة والقلوب، ويستغفر بحسناته الايام من الذنوب، والشجاعة شجاعتان شجاعة في القلب، وشجاعة في اللسان، وكلاهما لديه مجموع، ومنه وعنه مروي ومسموع، وذخائر الملوك هم الرجال، وآراء الحزماء هي النصال، ومودّات قلوبهم هي الأموال، ومجالس آرائهم هي المعركة الأولى التي ربما أغنت عن معارك القتال، والله تعالى يجدّد للمسلمين به حالًا يَجْمَعهم على جهاد الكفار، ويلهمهم أن يبذلوا في سبيله النفس والسيف والدرهم والدينار، ويزيل مافي طريق المصالح من الموانع، ويفطم السيوف عن الدماء الاسلامية ويحرم عليها المراضع، ويجعل للمجلس في ذلك اليد العليا والطريقة المثلى، ويجمع له بين خير الأخرى والأولى، والأحوال ههنا بمصر مع بعد سلطانها، وتمادي غيبته عن سائر شانها، على ما لم يشهد مثله في أوقات السكون، فكيف في أوقات القلق، وعلى ما يحفظ الله به مَنْ في البلاد من الجموع، ومن في الطرقات من الرفق.
ومنه قوله:
ومن اللطف في كون الحضرة كتبتها عجلة وروجتها مرتجلة، واصدرتها في حالة المتبدل، ولم تعرها ناظر المتأمل، وإلا فلو تأنيت لأرسلت البوارق والصواعق، وما أصنع؟ وما كل من جاشَتْ بحاره، وقَذَف درّه بحاره أغرق الاخوان في لججه، وأخرس اللهجان بحججه.
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة، لا زالت رياض ثنائها متفاوحه، وخطرات الردى دونها متسارحه، والليالي بأنوار سعودها متلألئة والأيام الجافية عن بقية الفضل منها متجافية، باركه للمجد منها فيه، يتخير إليها المكرمات إذا لم يكن لها فيه، فأنشده ضالة هدى كان لنشدانها مرصدا، ورفع له نارًا موسوية، سمع عندها الخطاب، وأنس الخبر، ووَجَدَ الهدى، وكانت نار الغليل بخلاف نار الخليل، فانها لا تقبل ندى الاجفان بأن يكون بردًا وسلاما، ولا يزايدها نداها إلا كانت أخرى ما كان ضراما، وتعود إلى ذكر الكتاب الكريم، وسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره
стр. 3890
مباسم تبسم، ووقف عليه وقوف المحبّ على الربع يكلمه ولا يتكلم، ويبطل جفنه وكأن جمادى بدمعه وكأن على خدّه المحرّم، والله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة، فأنها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن يبلغ عمره كعمرها، على أنها طالما أقامت الحد الدنيا حتى بلغت في حدّها الثمانين، وأدّبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السلم من قلمها تأديب المجانين، وما حَمَلَتْ العصا بعد السيف إلا وقد وضعت الحرب أوزارها، ولا استقلتبأنه موسى إلا بتفجر الخواطر وتضرب أحجارها، وماهي إلا رمح، وكفى بيدها لها سنانًا. وماهي إلا جواد يحتث السنين خلفها، فتكون أناملها لها عنانا.
ومنه قوله (١):
ورد كتاب الحضرة السامية، أحْسَنَ الله لها المعونة، ويسر لها العواقب المأمونة، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونة، يخبر بخروج الخارج من قلعة كذا، وما صرح به من الخوف الذي ملأ الصدور، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور، وكل قضية وردت على القلوب. فَفَزِعَتْ فيها إلى ربّها، فَرَجَتْ فُرجة، وأذكى لها اليقين سُرُجَة، ولم يُشرك معه غيره مستعانًا، ولم تدع معه من خلقه إنسانًا، فما الضيقة (٢) وإن كانت منذرة إلا مبشرة، والخطة وإن كانت وَعْرةً إلا ميسرة، لا جرم أن هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان نصر الله نهضاته. وأدّى عنه مفترضاته واستنهض العساكر وقوبل العدو الكافر. فَنَفَس ذلك الخناق، وتماسكت الآماق. وما أَحْسَبُ أنَّ الأمر يتمادى مع القوم، بل أقول: لا كرْبَ على الاسلام بعد اليوم، يتوافى بمشيئة الله ولاة الأطراف ويَزُول من نفس العدو وسمعه ما استشعره من المسلمين من الخلاف، ويجتمعون إن شاء الله على عدوّهم، ويُذهب الله بأهل دينه ما كان من فساد أعدائه في أَرْضِهِ وعلوّهم، وقد شممنا رائحة طلب الهدنة (٣) بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك اللمان الذي هو بسيف الله مقتول، والموت سيف الله على الرقاب مسلول.
ومنها (٤):
فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها، والحصون التي حَصَّنها، والأسلحة
стр. 3891
التي نقلها إليها، والأقوات التي ملأ بها عيون مقاتليها ويديها، فإن الله يَمُنُّ عليه بأن يسره لهذه الطاعة، ورَزَقَهُ لها الاستطاعة، فكم رَزَقَ الله عبدًا رزقًا حَرَمَهُ منه، وفتح عليه بابًا من الخير وصرفه عنه (١)، الآن، والله مُلْكُ الملك العادل ماله الذي أَنْفَقَهُ، وأودعه لخير مُستودع من الذي رزقه وشتان بين الهمم، همه ملك ذخر ماله في رؤوس القلاع لتحصين الأموال، وهمّة ملك أوْدَعَ ماله في أيدي المقاتلة لتحصين القلاع: [من الكامل]
يبني الرجال وغيره يبني القرى … شتان بين مزارع ورجال
والحمد لله الذي جعل ماله (٢) مَسَرَّة، يوم يرى الذين يكنزون الذهب والفضة المال عليهم حَسْرة. ما أحسب أحدًا من هذه الأمة إن كان عند الله من أهل الشهادات بين يديه، وإن كان كريم الوفادة لديه، إلا تلقاه شاكرًا لهذا السلطان شاهدًا بما يُولي هذه الأمة من الإحسان، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٣) سيحصد الزارعون مازرعوا، والله يزيده توفيقًا إلى توفيقه، ويُلهم كل مسلم القيام بمفترض برّه، ويُعيذه من محذور عقوقه، وأنا أعلم أنَّ الحضرة تُفرد لي شطرًا من زمانها المهم، بكتاب الله تكتبه إليَّ (٤)، وخبر سار تورده عليّ، وأنا أفرد شطرًا من زماني لشكرها، وأُسر والله لها بتوفيق الله في جميع أمرها، فإن الذاكر لها بالخير كثير، فزاد الله طيب ذكرها.
ومنه قوله:
والمشكو في هذا الوقت وَجَعُ المفاصل وآلامها وأورامها، فيدي منها في جامعة ورجلي منها في واقعة، وأعضائي كلّها رابتني بعد صحة، وصارت لما تم عليها من أيدي الراقين والذاكرين كأنها خرزات مسبحة، ولقد سئمت تكاليف الحياة وسهلت علي تخاويف الوفاة، وحملتُ الأيام على ظهري حمل الخطب، فما يسوى أن تشتعل فيها نار أجَلٍ تكون من الأنفاس المزعجة ذات لَهَبْ، وما أعزبت علي الأيام في تهجمها، ولا جاءتني آيات الكبر في غير موسمها، ومَن استضاء بسراج المشيب، مَسَّتْهُ الليالي في ظُلَمِها، فقد صرعتني الأمراض، وصدعت عظمي المنهاض اللهم لا أشكو إلا إليك، ولا أسأل إلا أنت، ولا أبثَّ عبادك مابي من بلائك إلا لاستلزم
стр. 3892
إليك الشفعاء، واستدعي منهم الدعاء، فإن دعوتك من حقها ان ينظف رافعها لها الوعاء، فأما طاحونة مدينة الجسد، وهي الاسنان، فبعض السن ظعن مع السن وبعضه بقي منه جَذْمٌ غير مُرْجَحَنّ. وماكنت أدري ما معنى قيد الحياة إلى أن قيدتني المفاصل بِوَجَعِها، وعلّة النقرس بتسفلها وبرفعها، وأنا الآن بالحقيقة في ضدّ الحياة إحساسًا، ولابس جسم قد كرهته النفس لباسًا.
ومنه قوله (١):
ورد كتاب المجلس السامي، نصر الله عزائمه، وأمضى في رؤوس الأعداء صوارمه، وشدّ به بنيان الإسلام ودعائمه، وأستردَّ به حقوق الاسلام من الكفر ومظالمه، وخلّف نفقاته في سبيل الله ومغارمه، وجعلها مغانمه، وكان العهد به قد تطاول، والقلب في المطالبة ما تساهل، ولمحتُ اشتغاله بالطاعة التي هو فيها، وما كلّ من تشاغل تشاغل، فهناه الله بما رزقه، وتقبّل في سيبل الله ما أنفقه، وعافي الجسم الذي أنضاه في جهاد عدوّه وأَخْلَقَه، وقد وُفِّق من أتْعَب نفسًا في طاعة من خلقها، وجسْمًا في طاعة مَنْ خَلَقَه، فهذه الأوقات التي أنتم فيها أعراس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار، قال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ (٢) وأما (٣) فلان وما يسره الله له، وهونه عليه، من بذل نفسه وماله، وصبره على المشقات واحتماله، وإقدامه في مواقف الحقائق قبل رجالِهِ، فتلك نعم الله وتوفيقه الذي ما كلُّ مَنْ طلبه وَصَلَ إليه، وسواد العجاج في تلك المواقف بياض ما سَوَّدته الذنوب من الصحائف ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤) فما أسعد تلك الوقفات، وما أعود بالطمأنينة تلك المرجفات (٥)، وقد علم الله سبحانه منى ما علم من غيري من المسلمين من الدعاء الصالح في الليل إذا يغشى، ومن الذكر الجميل لكم في النهار إذا تجلى، والله تعالى يؤيد لكم إيمانكم وينصركم وينصر سلطانكم، ويُصلحكم، ويصلح بكم زمانكم، ويشكر هجرتكم التي لم تُؤثروا عليها أهليكم ولا أموالكم ولا أوطانكم، ويعيدكم إلينا (٦) سالمين سالبين غانمين غالبين، إنه على كل شيء قدير.
стр. 3893
ومنه قوله:
ولا حول ولا قوة إلا بالله، قول من قعد وراء الاحباب، يودع كل يوم حبيبًا، ويعيش في الدنيا بعدهم غريبًا، كأنه النجم طلع عليه الصباح فغابوا، وبقى منتظرًا للمغيب، وصبحه ماقد علاه من المشيب.
ومنه قوله:
هذا وما تم بحمد الله متجدد، إلا ما تقدم ذكرى له من أمراض الكبر، وأعراض الغير، وتداعي هذه البنية لرحيل ساكنها، وانزعاج هذه النفس إلى ما يختاره لطف الله من موطنها، فإن السبعين قد جزت عينها وقطعت عقبها، وأسال الله الخيرة في القدوم عليه، واللطف عند الوقوف بين يديه.
ومنه قوله:
وأشكو بعد قلبي جسمي، فقد ضعفت قوته، وقوي ضعفه، ونسجت عليه همومي ثوبًا دون الثياب، وشعارًا دون الشعار، من الحرب الذي عادى بيني وبيني وانتقم ييني من جسمي، واستخدمها بحرث أرضه، فإن لم يكن لأرضه عجاج فلي عجيج، وإن لم يكن فيه بذار فلي من الحبّ ثمار، وإن لم يكن لي سنبلة فلي أنملة، وإن لم يكن في كل سنبلة مائة حبّة آكلها، ففي كل أنملة مائة حبّة تأكلني، وقد كنت مسالمًا لأعضائي إلا سنًّا أقرعها، فما يخلو زمن من خدماتي أو أصبعًا أعضها، فما أكثر ما على الظالم الذي يعض يديه، فإنا أفرع أعضائي كلها ثنيات، واعض على جوارحي كلها أنامل، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (١)، والحرب هم للأجسام والهم حرب للقلوب، والفكر للقلب حك، والحك للحلم فكر. وبالله يدفع ما لا نطيق يا واهب العمر خلصه من الكدر.
ومنه قوله (٢):
وصل كتاب الحضرة (٣) مبشرًا بالحركة الميمونة السلطانيةإلى العدو خذله الله، ومسير المسلمين نصرهم الله - تحت أعلامه أعلاها الله، ومباشرة العدو، واستبشار المسلمين بما أسعدهم الله من الجراءة عليه، ومن إضمار العود إليه، وهذه مقدمة لها ما بعدها، وهي وإن كانت نُصرةً من الله، فما نقنع بها وحدها، فالهمة
стр. 3894
العالية السلطانية للحرب التي تسلب الاجسام رؤوسها، والسيوف حدها. فإنّ الجنة غالية الثمن، والخطاب بالجهاد متوجّه إلى الملك العادل دون ملوك الأرض، وإلا فمن؟ فهذه تشترى بالمشقات كما أن الأخرى - أعاذنا الله منها - رخيصة الثمن، وتشترى بالشهوات.
ومنه قوله:
وقف الخادم على ما شرف به طبعه، وشنف به سمعه، وضيق بسعته ذرعه، من الخطاب بالعتاب الذي خفض له الجناح، واستعذب به الجراح، وأسر قلبه في قيد أسى مستطار لا يراد منه السراح، وقذف به في لهوات ليل لم يود ان يبسم فيه ثغر الصباح، وقد علم الله أنه برئ من كل ما يوحب المذام، ويطلق السنة الذام، وانه لمستيقظ في حقوق الخدمة، إلا أن حظه من أهل الكهف بطول المنام.
ومنه قوله:
وأما البرد وكلبه والهواء وغلبه، فما كتبتها إلا واليد ترتعد، والخواطر لا تتعد، والغلام يذهب شبح الفحم بما يلهب، والشوار يبقى منطفئه في خدود الثياب خيلانا، ويمنعني كما يمنعها أن تطرد في قول القلم من الطريق خيلانا.
ومنه قوله:
وأنا الآن إذا دعوت الله سبحانه، بأن يمتعني بسمعي وبصري عنيته، وإذا قلتُ واجعلهما الوارث مني فهو الذي اخترته لذلك وارتضيته، وبالجملة اني مستحسن قول جميل وأنقله إلى أهل الجميل: [من الطويل]
وما أحدث الرأي المفرق بيننا … سُلوا ولا طول اجتماع لقاليا
كذلك صحبة المجلس قد تطاولت، وكلّما ألح عليها الصقال لاح جوهرها، وكلما تكررت عليه الفصول، فصلت آياتها، وسيرت سورها.
ومن كتاب كتب به (١) إلى القاضي محيي الدين بن الزكي (٢):
بعد أن أصدرت هذه الخدمة إلى المجلس - لا عُدمت عواطفه وعوارفه، ولطائفه ومعارفه، وأمتع الله الأمة عمومًا بفضائله وفواضلهِ. نفَعَهم بحاضره كما نفعهم بسلفه الصالح وأوائله، وعادى اللهُ عدوه، ودَلَّ سهامه على مقاتلهِ - وَرَدَ كتاب منه وما
стр. 3895
بقيت أذكر الإغباب فإن سيّدنا يقابله بمثلِهِ، ولا العتاب فإن سيدنا يُساجله بما فيض من سَجْلِهِ، ولا ألقي عليه من قولي قولا ثقيلا، ولا أقابل به من قوله قولًا جليًا جليلًا، فقد شبَّ عمرو عن الطوق (١)، وشَرُف البراقُ عن السوق، وذلك لعمري ما برح محتنكًا غير أجنبي، والطوق للصبي، وذلك البراقُ حمى لا يقدم إلا للنبي، ومع هذا فلا يُقلّص عنّي هذه الوظيفة، وأعتقدها مِنْ قُرَب الصحيفة، فإنّك تسكن بها قلبًا أنت ساكنه، وتسرّ بها وجهًا أنت على النوى معاينه.
ومنه قوله:
ياسيدنا العماد، صبحك الله بأيمن من فعلك، ولا أعرف فعلا منه أيمن واحسن من وجهك، ولا أعرف وجهًا منه أحسن وأحسن وجه في الورى وجه منعم، كيف أنت في هذه الرحمة التي تركتنا رحمة؟ وكيف الخركاه (٢) وكيف الخيمة؟ أما نحن ففي خيمة من عنصرنا وهو الطين، وفي خركاه كانا من ضائقتها في عقد التسعين، قد حاصرتنا الأمطار، وقلّ احتفالها بالخنادق المحتفرة، وفعلت بنا ونحن المسلمون ما فعلنا بِمَنْ حاصرناه من الكفرة، فليت لنا ولو كمفحص القطاة في السعة والحفوف، وليت لنا جبلًا يعصمنا من أنواع السيول إذا جاءت مهزوزة السيوف، وقد حال الجريض دون القريض، وشغل توقع اللئيم عن توقيع القلم.
ومنه قوله:
وقد كانت ليلة الخميس بدمشق ليلة مباركة. ما غسل ظلامها إلا السيول لولا الصباح، ولا ابتسم صباحها إلا وقد كادت تبتسم عن نبتها الجبال والبطاح.
ومنه قوله:
وقد جار كرم يده على أموالها، وعلم الخلائق الاشتطاط في آمالها، فما يأخذ أحدهم البدرة إلا بكسر الخاتم منها، ولا يقبل الخلعة إلا وقد عصبت المنشور بعصبها، ولا تركت الجواد إلا وهو بالبر مثقل، وما بالحلي في وجهه ورجليه أغر محجل، ولا يقنع بالاقطاع إلا وباطنه قلعة، وظاهره رستاق، ولا بالمنشور إلا وحاصله ثمرات واسمه أوراق. فقد فرّ الناس من الصنائع إلا إلى اصطناعِهِ، ومِنَ المعايش إلا إلى انتجاعِهِ، وهان عليهم أن يكتبوا في قرطاس ويجاوبوا بأكياس، ووقفوا على التراب فلحقوا بالسحاب وَغَمَرَ الجود كل دينار،
стр. 3896
حتى توارى دينار الشمس بالحجاب.
ومنه قوله إلى العماد الاصفهاني (١):
كانت كتب المجلس - لا غير الله ما به من نعمه، ولا قطع منه مواد فضله وكرمه، ولا عدمت الدنيا خَطَّ قَلَمِهِ وخطو قدمه، وأعاذنا الله بِنعَمِهِ وجودِهِ من شقوة عدمه - تأخرت وشق عليَّ تأخرها، وتغيَّرتْ عليَّ عوائدها. والله يعيدها (٢) مما يغيرها، ثم جاءت كما جاء بيت ابن حجاج (٣): [من مجزوء الرمل]
غاب ساعاتٍ وَوَافا … ني على ما كنتُ أَعْهَد (٤)
وأجبته ببيت الرضي (٥): [من المديد]
ومتى يدنو النوى بهم … يجدوا قلبي كما عهدوا
كتابة لا ينبغي ملكها إلا لخاطرِهِ السليماني، وفيضًا لا يصدر (٦) إلا عن نوح قلمه الطوفاني، أوْجَبَتْ على كل بليغ أن يتلو: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٧) وبالجملة فالواجب على كلّ عاقل أن لا يتعاطى ما لم يعطه، وأن يدخل باب مجلس سيدنا ويقول حِطّة، فأما مأفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة، فقد كدتُ أَسكَر بها بما استخرجته من المحاسن، التي لو أن الزمان الأصم يسمع لأَسْمَعَتْهُ، ولو أن الحظ الأشم يخضع لأخضعَتْهُ، وبالجملة فإنه لا يسبّ (٨) زمن أبقى من سيدنا نعمه البقية التي مهما وجدت، فالخير كله موجود، والمجد بحفيظته مشهود، وكما تيَسَّرتْ راحة جسمه فينبغي أن يقتدي به قلبه في راحته من همه.
وأعراض الدنيا متاع المتاعب، وقد رفع الله قدره، وإلا فهذه الدنيا وهدَةٌ إليها مصاب المصائب، والحال التي هو الآن عليها عاكف من علم يدْرُسُهُ، وأدب يقبسه، وحريم عقائل يَذُبُّ عنه ويحرسه. هي خير الأحوال، فالواجب الشكر لواهبها، والمسرّة بالإفضاء إلى عواقبها، وما ينقص بشيءٍ من المقسوم، وإن زاد عند
стр. 3897
المجلس فليس من حظه، ولكن من حظ السائل والمحروم، ولا يسمح المجلس بكتاب من كتبه على يد من الأيدي التي لا تؤدّي، فلا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدي.
ومنه قوله:
وقَدْ تَأمَّلْتُ ما تَفَنَّنْتَ في وصفه حين دُعيتَ إلى قتل الأسير، وان القدرة المحيطة بِعُنُقِهِ، والأسر الساد لسبل القتل وطرقه، أبى لها أنْ تَشْغَل به بالها، ونص لها أن لا يَنْبَجِسَ بدمه نصالُها، فإن قَتْل الأسير ويداه مغلولة، وحبال اذرعه محبولة، قدرة ما زالت النفوس على استقباحها مجبولة، وما كان يؤمنها أن تشخص الأبصار نحوها، وكما نظر في الطروس كانها ينتظر في الطروس محوها، فيكون غيظ الحسام من قلمها حاملا له على أن لا يحد مضاءً، ولا يمضى حدًا، وباعثًا له على أن ينثني عن عنق الكافر مرتدًا، فيورثنا معشر الكتاب عارًا يعدى عرّه، وينهى العلم ما يسوؤه والسيف مايسره، وينفتح باب القيل والقال، ويحتاج إلى العذر الصدي في نَبْوَةِ السيف الصقيل.
ومنه قوله:
وكان ينتحي لقافية الثاء المثلثة التي خَضَعَتْ لأمره، وسخرت لفكرِهِ، وخَفَضَتْ جناحها، وتركت جماحها، ورقت رقة الراء، وأعطته القياد الذي منعت من الكتاب والشعراء، وهذا ملك البلاغة السليماني، وهذا القلم سيّد النصر اليماني، وهذا المعجز، وأنا أوّل المؤمنين، وهو السحر البياني، وإن لم يكن السحر المبين، وما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا ينقاد في الكلم إلا أن يكون قلمه العنان، فقد صارت عروسًا ونقطها نقوط العرائس، ووجبت جنوبها، فلا جرم انه أمثل قوله:
﴿فَكُلُوا مِنْهَا، وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ (١)، وقد صرنا نبدل السين بغير لثغة، ونقدر على استعمالها بلاغة، وما كنا نقدر على استعمالها إلا بُلْغَة.
ومنه قوله:
وذكر الله ذلك العهد بخير ما ذكرت به العهود، ولَعَنَ الله الفرنج المخندقين، وقَتَلَ أصحاب الأخدود، فقد قطعو طرقات المسار، وأطالوا عمر البيكار (٢). وسبكت نار مقاساتهم الدينار، فعجل الله اعلام الكافر لمن عقبى الدار.
стр. 3898
ومنه قوله (١)، وكتب ابن الزكي:
كان كتابي (٢) تقدم إلى المجلس السامي أدام الله نفاذ أمره وعلو قدره. وراحة سره، ونعمة يُسره، وأجراه على أفضل ما عوّده، وأسْعَدَ جَدَّه وأصْعَدَهُ، وأحضره أمثال العام المسقبل، وأشهده، ولا زال يلبس الأيام ويخلعها، ويستقبل الأهلة ويودعها، وهو محروس في دنياه ودينه، مستلئم من نوب الدهر بدرع يقينه (٣)، وأعماله مقبولة، ودعواته على ظهر الغمام محمولة، والدنيا ترعاه وهو يأبى رَعْيها (٤)، والآخرة تُدَّخَرُ له وهو يسعى لها سَعْيَها من أيدي عدّةٍ من المسافرين، ولثقتي بهم ما قيدت أسماءهم، ويضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظت ماجاء منه (٥)، وماكانا إلا دعونا الله سبحانه دعوة الأوّلين ان يباعد بين أسفارنا، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا، فأجيبت الدعوة ولا أقول لسابق الشقوة، ولكن للاحق الحظوة، فإن مكابدة الأشواق إلى الأبرار، تَسُوقُ إلى الجنة ولا تسوق إلى النار، وأقسم أنني بالاجتماع به في تلك الدار، أبْهَجُ منّي بالاجتماع به لو أتيح في هذه الدار، فعليه وعلي من العمل ما يجمع هنالك سلك الشَّمْل، ويصل جديد الحبل، فَثَمَّ لا يُلقى العصا إلا من ألقى ههنا (٦) العصيان، وهنالك لا يقرُّ العين إلا لمن سهرت منه ههنا العينان، ولا وجه يجمع اسمي مع اسمه في هذه الوصيّة، مع علمي بسوء تقصيري، وخوفي من سوء مصيري، ولكن ليزيد سيّدنا في وظائفه وعوارفه فكلُّ فعله تفضّل، من فَضْلِهِ ما يخلصني بقربه (٧)، فانني استحق شافعته لشُفْعَةِ جوار قلبي لقلبه (٨)، والخواطر في هذا الوقت منقبضة، والشواغل لها معترضة، وأيام العمر في غير ما يفرض من الدنيا للآخرة منقرضة ومتجدّد نوبة بيروت قد غَمَّت كل قلب، وهاجت للمسلين أشواقًا إلى الملك الناصر، وذكرًا إنما ينفعه الله به من كل ذاكر، وأخذ الناس في الترحم على أوَّلِ هذا البيت والدعاء للحاضر والآخر. وليس إن شاء الله بآخر (٩).
стр. 3899
ومنه:
وسيدنا يتوصى بالدار بدمشق، فقد خَلَتْ، وإنما الناسُ نفوسُ الديار (١)، وسيدنا يُحسن في كل قضيّة من بعد، كما أحسن من قبل، فهو الذي جَعَل بيني وبين الشام نَسَبًا وانشأني فيه إلى أن أدخرت عقارًا ونشبًا، فعليه أن يرعى ما أقناه، وينفي الشَّوك عن طريق اليد إلى جناه، والجار إلى هذا التاريخ ما اندفع جوره، ولا أُدْرِك غوره، يَعِدُ لسانه ما تُخلف يَدُه، ويدَّعي يومه بما يكذبه فيه غده، وأنا على انتظار عواقب الجائرين، وقد عرف الغيظ مني، والفاظًا مجهولةً ماكنت اشتهي بأن أعرفها، وكشف مستور من أسباب الحرج ما يسرني أن اكشفها ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا من ظُلِمَ﴾ (٢)، وأسوأ خلقًا من السيء الخلق مَنْ أحوجه إلى سوء الخلق، وما ذكرت هذا ليذكر، ولا طويتُ عليه الكتاب لينشر، والسر عند سيدنا ميت، وهو يقضي حقه بأن يقبر.
ومنه قوله:
ولما تأملت الكتاب الأزرق، طاعنت به الخواطر التي كنت صريع طعانها، وعقير أقرانها، ومما دلني على الصحة نشاط الخاطر العمادي لقافية العين التي اطردت له متونها، وتفتحت لقلمه عيونها، واقتضى الدعاء بأن يقرّ الله العين في يده، كما أجراها على لسانِهِ، فتجتمع له البلاغة والغنى، ويتوفر الاولى عليه، وتكون الثانية قسمة ما بيننا.
ومنه قوله:
والكتب من جهتها مرتقبة لذاتها، لا لما فيها منا طارئات الأحوال ومتجدّداتها، ويكفي خبر صحته من الأخبار، فلينعم الماء بإطفاء النار.
ومنه قوله:
ووافي في الأسطول الميمون في خمسين غرابًا (٣)، طائرًا من القلوع، بأجنحته، كاسرًا بمخالب اسلحته، فما وافى شملًا إلا دعاه إلى الحين، وحقق ما يُعزى إلى الغراب من البين.
стр. 3900
وقوله:
وكتبت هذه الخدمة ليلًاوالخاطر كالناظر، كلاهما مشتمل بالظلام شعارًا ودثارًا، والخطرات كالأنجم في ليلة الأسى، إن رامت الطريق فحياري، أو رامت السير فأسارى.
ومنه قوله:
إلى أن طوى الليل ملاءته، ومدّ عليهم الليل كلاءته، فإنه دعي مأمنه، وبينهم من مناسبة صحائفهم لسواده؛ ولأن الليل يُدعى كافرًا فقد خبأهم في فؤاده، وخاف العدو تصريف العنان، فكأنما في يده منه صلّ لادغ، ورأى السيف وماء الموت يترقرق منه، فروى دلاء من إناء فارغ.
ومنه قوله:
فأما هذه الدنيا، فأنها دار الأكدار، ومثار العثار، لا تسمح بمودة صاحب إلا لتعرف قدر فراقه، ولا تفسح في حبل لقاء خليل، إلا لتجعله عدةً لخناقه.
ومنه قوله:
فَقُلْتُ لصاحبي نجواي: خُذا في عرض محاسنِهِ عليّ، لعلي آخذ منها فقالا: وما الفائدة إذا عجزت في الصلة عن ان تعيد عيلة الفاظه العائدة؟ فقلت: ليعلم أن كل خير عندي مِنْ عِنْدِه، وأسأله الصفح عن تقصير بلاغتي عن بلوغ حده. وأسره بتقصيري عن مداه، وإن كان هذا عهدي بوده، فقالا: أرسل نفسك على سجيتها، وتعرض لنفحات صديقك، فما يبخل عليك بيلنجوجيتها، فقلت: نعم على تفيهقكما في النسبة، إلى اليلنجوج (١) وعلى كون حروف هجاها أطول من عوج (٢).
ومنه قوله (٣):
الخادم يخدم وينهي وصول كتاب كريم، تفجرت فيه ينابيع البلاغة، وتبرّعت بالحكم أيدي البراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب، وهطل منه لأوليائه كل صوب، ولأعدائه كل شهاب واصب، وتجلّى فما الغيد الكواكب، وما العقود في الترائب، وتفرق عنه جيش الهم، فانظر ما تفعل الكتب في الكتائب، وما وَرَدَ إلا والقلب إلى موردِهِ شديد الظمأ، وما كحل به إلا ناظره الذي عشى عن الهدى، وقَرُبَ
стр. 3901
من العمى، وما نار إبراهيم بأعظم من نورِهِ، ولا سروره صلى الله عليه حين نجا بأعظم في يوم وصوله من سروره، فحيا الله هذه اليد الكريمة التي تنهل بالأنواء، وتحرك سوابغ النعماء، وتعطي أفضل عطاء، يسرّها في القيمة، وتحوز به أفضل أنواع الكرامة، فأما شوقه لعبده، فالمولى ابقاه الله قد أوتى فصاحة لسان، وسَحَبَ ذيل العي على سحبان، ولو أن للخادم لسان مؤات، وقلب (١) يقال له هيهات، لقال ما عنده، واذكر عهده ووده، وباح بأشواقه، وأذاع الرمز عند اعتناقه. وأما تفضله بكدا، فالخادم لا يقوم بشكره، ولا يبطله حق قدره، وقد أحال مكافأة المجلس على مليء قادر، ومسرّة خاطره عليه يوم تبلى السرائر، والله تعالى يصله برزق سني يملأ إناه، ويوضح له هداه، ولا يخلي المجلس من جميل عوائده، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده، إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله (٢):
وفي الحال أطافت المقاتلة من جميع أقطاره، ولبوا تلبية الحجيج، وكل من جمرة سهمه كرامي جماره، وعبرت الآجال المسماة سهامًا على قناطر القسي المحنيّة، وقَدَحَتْ زنودها البيض شرار جَمْر المنيّة، فصارت الأبرجة بسلاحها، أو كأنها بكثرة ريش السهام طائرة بجناحها، أو كأنها صدور أظهرت حسك الضغائن، أو كأنها لازدحام السهام بها كنائن إلى أن سرى داء النقوب إلى المقاتل، ودب سكرها بين المفاصل ورتب الجدران قائمة، والبلاء سائر في أعقابها، متجلدة والنار تحت بنائها غرارة بألحاظها، والقبح حشو، نقابها، فلما كان وقت الظهر ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣)، ووقعت القلعة ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، وتحصنوا من نار القضب بنيران الحطب، وقطعوا بين المسلمين وبينهم بطوفان نار، كانت القلعة سفينة إلا أنها لا سفينة نجاة، بل سفينة عطب، ومن الفرنج الملاعين من وردها عاجلًا، ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٥)، وأقحم نفسه فيها، فأحاطت بعنقه مقاودها، وبات الناس مطيفين بالحصن، والنيران به مطيفة وعليه مشتملة وعذبات ألسنها على وجْهِهِ منسدلة، ومن خَلْفِهِ مسبلة، ولفحاتها جهنمية ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٦)، والبلاء ينادي طبرية بلسان مصابها: إيّاكِ أعني واسمعي أنت
стр. 3902
يا جارة، فَوَلَجَتْ النار موالج تضيق عنها الفكر، وتعجز عنها الأبر، وقال الكفر: إنها لاحدى الكبر، وخولف المثل في أن السعادة لتلحظ الحجر، وأغنى ضوء نهاره أن يسأل معه هذا وذا ما الخبر؟ إلى أن بدا الصباح، وكأنه امتار منها الأنوار، وانشق الشرق، وكأنه من عصفرها صبغ الإزار، فحينئذ تقدم الخادم فأقلع بيده الأحجار من أسها، ومحا حروف البنيان من طرسها، وأدار فيها كأس المنون دهاقا، وحلّ الرؤوس ضربا، وشد الأعناق وثاقًا.
ومنه قوله:
هو شيء مجلس سيدنا، ولا زال من كل مكروه محاشي، ودامت الصحة تنشر لَهُ علمًا وتطوي فراشًا، وجَعَلَ الله ليل الدنيا بأمنِه لباسًا، ونهارها معاشًا، مِنْ مَرَضِ يمسه، ومن ألم يحسُّه، ومن أن يتكدّر من العافية أُنْسُه، وحرس الله نفسه على الاسلام فإنه نفسه.
ومنه قوله:
فلو رأيت أطناب الخيم في أعناق الأسارى يساقون بها مقرنين، لحمدت ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (١)، ولقد شابت بخضاب العجاج ما أرسلته رايات الأبرجة من ذوائب مفرقها، وأسلمت وجهها الله، وقطعت ذمار خندقها
ومن مكاتباته: يتشوق إلى اخوانه وأودائه ومحبيه وأوليائه، ومنه قوله:
فانجدوا المسلمين يا حملة سلاح الصلاح، وابعثوا سرايا دعواتكم، فإننا ننتظر غب سراها الصباح، فانتم في وكر قبلتنا، فلتهن أدعيتكم خفة الجناح.
ومنه قوله:
فلولا سدّ سدّته الكريمة لا نفتح على الاسلام ما انفتح من سد مأرب، ولولا سيفه لما وجد بعد العصا الكليمية سيف مثلها فيه مأرب، وانتهز فرصة انتهزها في بابه، فما ازدادت الأحوال إلا ضائقة، ولا الغدر إلا اتساعًا، والله المستعان.
ومنه قوله:
وقد علم الله خدمتي للبيتين الشريفين، بيت الله بما يعود عليه بالعمارة وبيت النبوة صلوات الله على أهله بما يبقي في عقبه كلمة الامارة.
يمنى نفسه ما دونه حزّ النواصي، بل حن الغلاصم، يروم أن يرتضع
стр. 3903
اخلاف الخلاف، والله له عن آل الفواطم فاطم، فنهض لآل رسول الله كل بعيد وقريب، ونصر لواء حمده حتى الصليب، وقوبل عدوّه بعدو وحسم داء ومستغيث عجيب، وحينئذ اندفع شيركوه ميممًا صعيدًا طيبًا، وكيف لا يتيمم من عدم الماء قاصدًا للقبلة، ولن يدار إليها إلا من فارق الدماء.
ومنه قوله:
ووقف المملوك على الأبيات النونية التي فتنته فتونا، وزخرت بحرًا فصارت منه قافية النون نونًا، وأشرقت عليه أبياتها أقمارًا، صار القمر لحسدها عرجونا.
ومنه قوله:
وحين وقف عليها، وَقَفَ لها، وحين فتحها أرتج أبواب الهموم وأقفلها وتأملها، ونظر من غرائب الحسنات ما تم بها وما تم لها، فإذا فصل كنعيم أهل الجنّة، كلما نفذ جُدّد، وكنفس أهل الحياة تلذ كلما ردّد، وسيدنا كان لسانه يده في جماح السماح، وكان لسانه في إيراد قرائح الاقتراح كل عذب قراح.
كتب إلى بعضهم (١): [من الطويل]
أأحبابنا هل تسمعون على النوى … تحيّة عانٍ أو شكيّة عاتب
ولو حَمَلَتْ رِيحُ الشَّمالِ إليكم … كلاما طلبنا مثله في الجنائب
أصدر العبدُ هذه الخدمة، وعنده شوق يغور بهِ ويُنجد [ويستغيث] (٢) من ناره بماء الدمع فيُجيب ويُنْجِد، ويتعلّل بالنسيم فيُغرى ناره بالإحراق، ويرفع النواظر إلى السلوان فيعيدها الوجد في قبضة الإطراق؛ أسفًا على زمن تصرّم، ولم يبق إلا وجدًا تضرّم وقلبًا من يد البين المُشت تظلم: [من الوافر]
ليالي نحنُ في غَفَلات عَيْشٍ … كأَنَّ الدّهر عنا في وثاق
وما (٣) تنفس خادِمُهُ نَفَسًا إلا وَصَلَهُ بذكره، ولا أجرى كلامًا إلا قيده بشكره، ولا سار بقَفْرٍ إلا شبهه برحيب صدره، ولا أَطَلَّ على جَبَلٍ إلا احتقره بعلي قَدْرِهِ، ولا مر بروضة إلا خالها تفتحت أزهارها عن كريم خُلقه ونسيم عطره.
ولا أوقد المصطلون نارًا إلا ظنهم اقتبسوها من حجره، ولا نزل على نهر إلا كاثر دمعه ببحره (٤): [من الطويل]
стр. 3904
سقى الله تلك الدار عودة أهلها … فذلك أجرى من سحاب وقطره
لئن جَمَعَ الدهر المشتت شمْلَهُ … فما بعدها ذنْبٌ يُعَدُّ لدهرِهِ
فكيف ترى أشواقه بعد عامِهِ … إذا كان هذا شوقه بعد شهرِهِ
بعيد قريب منكُم بضميره … يراكم إذا ما لم يزركم بفكره
ترحل عنكم جسمه دون قلبه … وفارقكم في جهره دون سره
إذا ما خَلَتْ منكُم مجالس ودِّهِ … فَقَدْ عَمَرَتْ منكم مجالس شكره
فياليل لا تجلب عليهم (١) بظلمةٍ … وطلعة بدر الدين طلعة بدرِهِ
ونسأل الله تعالى أن يمنّ بقربه ورحاب الآمال فسائح، وركاب الهموم طلائح، والزمن المناظر بالقرب مسامح، هذا لك تُطلق أعِنَّةُ الآمال الحوابس، ويهتزُّ مُخْضرًا من السعود عود يابس (٢): [من الطويل]
وما أنا من أن يجمع الله شملنا … بأحسن ما كنا عليه بآيس
وقد كان الواجب تقديم عتبه، على تأخير كتبه ولكنه خاف أن يجني ذنبًا عظيمًا، ويؤلم قلبًا عليه: [من الطويل]
ولست براض من خليل بنائلٍ … قليل ولا راض له بقليل
وحاشا جَلاله من الإخلال بعهود الوفاء، ومن انحلال عقود الصفاء، وما عهدت عزمَهُ القوي في حلبة الشوق إلا من الضعفاء، وحاشية خُلُقه إلا أرق من مدامع غرماء الجفاء: [من الكامل]
مَنْ لم يَبت والبين يصدعُ قلبَهُ … لمْ يَدْرِ كيف تقلقل الأحشاء
ومنه قوله (٣): في مثل ذلك:
كتب مملوك المولى (٤) عن شوق قدح الدمع من الجفون شرارًا، وأجرى من سيل الماء نارًا، واستطال واستطار فما توارى أوارا، ووجد على تذكر الأيام التي (٥) عذبت (٦) قصارا، والليالي التي طالَتْ فكأنما خُلقت (٧) اسحارا (٨): [من الطويل]
وبي غمرة للشوقِ مِنْ بَعْدِ غَمْرَةٍ أخوضُ بِهَا مَاءَ الجُفُونِ غِمَارَا
стр. 3905
وَمَا هِيَ إِلا سَكَرْةِ بَعْدَ سَكْرَةٍ … إِذَا هِيَ زَالَتْ لا تَزُولُ خُمَارَا
رَحلْتُم وَصَبْرِي والشَّبَابُ ومَوْطِنِي … لَقَدْ رحَلَتْ أَحْبَابُنَا تَتَبَارَى
وَمَنْ لَمْ تُصَافِحْ عَيْنُهُ نُورَ شَمْسِهِ … فَلَيْسَ يَرَى حَتَّى يُراهُ نَهَارَا
سَقَى الله أرض الغُوطتين مدامعي … وحسبك سُحْبًَا قَدْ بعثتُ غَزَارًا
وما خَدَعْتني مصرُ عن طيبِ دَارِها … ولا عوّضتني بعدَ جَارِيَ جَارَا
أدار الصبا لا مثل ربعكِ مَرْبَعٌ … أرى غيرك الربع الأنيس قِفَارًا
فَمَا اعتضتُ أهلًا بعد أهلِكِ جيرةً … ولا خِلْتُ دار المُلكِ بعدَكِ دارا
وما ضَرَّ اليد الكريمة التي أياديها بيضاء في ظلمات الأيام، وأفعالها لا تقوم بمدحها إلا ألسنة الأسنّةِ والأقلام، لو قامت للمودة بشرطها ومحت (١) خط الأسى بخطها، وكتبت ولو شطر سطرٍ فَقَرَّعَتْ قلبًا من الهم مشحونًا، وأطلقت طرفًا في فضاء الاقتضاء مسجونًا (٢)، ونزهت ناظر الملوك في رياض منثورة الحُلى، وجَلَّتْ غمومه (٣) بمكارم مأثورة العلا: [من الطويل]
وما كنتُ أرْضى مِنْ عُلاكَ بِذَا الجَفَا … ولكنَّهُ مَنْ غَابَ غَابَ نَصِيبُهُ
ولو غيركم يرمي الفؤادَ بِسَهْمِهِ … لما كان ممن قد أصاب يُصيبه (٤)
والمملوك من حطت بمصر أثقالُه، وجهز الشام رحاله، والْقَتْ النوى عصاها، وحلت الأوبة عراها، يكتب فلا يُجاب، ويستكشف الهم بالجواب فلا ينجاب (٥). [من الكامل]
ياغائبابلقائِه وكتابِهِ … هَلْ يُرتجى مِنْ غيبتيك إياب
وما (٦) يصفي الله ورد الحياة من التكدير، ويتحقق بلقائِهِ أَحَسنُ التقدير ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (٧). [من الخفيف]
وزمان مضى فما عُرِفَ الأو ول … إلا بما جَناهُ الأخير (٨).
стр. 3906
أين أيامنا بظلك والشَّمْـ … ـل جميع والعيش غضٌ نَضيرُ
وحوشي المولى أن يكون عونا على قلبه، وأن يرحل إثره الذي مُذْ سارَ سُرَّ به (١) وأن ينسيه بإغباب الكتب ساعات قربه، وأن يُحوجه إلى إطلاق لسانه بما يصون السمع الكريم عنه من عتبه. الأخ فلان مخصوص بسلام كما تفتحت عن الورد كمائمه، وكما توضحت عن الفكر غمائمه. [من الطويل]
إذا سار في تُرْبِ تعرف تربها … برياه والتفت عليه لطائمة (٢)
وقد تبع الخلق الكريم في الاغباب والجفوة، وأعدت عزائمه قلبًا فاستويا في الغلظة والقسوة. [من مجزوء الكامل]
إن كنتَ أَنْتَ مُفَارِقِي … مِنْ أيْنَ لِي فِي النَّاسِ أُسْوَه
وَهَبْ أن المولى اشتغل - لا زال شغله بمساره، وزمنه مقصور على أوطاره - فما الذي شَغَلَهُ عن خليله، وأغْفَلَهُ عن تدارك غليله؟. هذا وعلائقه تقطعت، وعوائقه قد ارتَفَعَتْ. وروضة هواه قد صارت بعد الغضارة هشيما، وعهوده قد عادت بعد الغضاضة رميما: [من الخفيف]
إن عهدًا لو تعلمان ذميما … إن تناما عن مقلتي أو تُنيما
وما أولى المولى أن يواصل بكتبه عبده، ويجعل ذكره عقده، ولا يقصيه (٣) ويألف بعده. ويستبدل غيره بَعْدَه.
ومنه قوله (٤) في ذلك أيضًا: [من مجزوء الخفيف]
أكذا كل غائب … غاب عمن يحبهُ
غابَ عَنْهُ بشخصه … وسلا عنه قلبهُ
لو أن لي يدًا تكتب، أوْ لِسانا يُسْهِبْ، أو خاطرًا يستمل، أو فؤادًا يستدل لو صفت إليه شوقًا إن استمسك بالجفون نثر عقدها، أو نَزَلَ بالجوانح أَسْعَرَ وقْدَها، أو تنفس مشتاق أعان على نفسه، وظنّه استعارةً من قبسه. أوذكر (محبّ) (٥) حبيبًا خَطَرَ في خَلَدِه، وتفادى مِنْ أن يخطر به ذكر جَلَدِه (٦): [من البسيط]
حتى كأن حبيبًا قبل فُرْقَتِهِ … لا عن احبته ينأى ولا بلده
стр. 3907
بالله لا ترحموا قلبي وإنْ بَلَغَتْ … به الهموم فهذا ما جنى بيده
ولولا جاؤوه أن أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرياح، وزيادة طيف يخلعها الصباح، لا ستطار فؤاده كمدًا، ولم يجد ليوم موعده (١) غدا، ولكنه يتعلّل بميعاد لقياه، ويدافع ما أعله بلعله وعساه (٢): [من الطويل]
غنى في يد الأحلام لا استفيده … ودَيْنٌ على الأيام لا أتقاضاه
ومن غرائب هذه الفرقة، وعوارض هذه الشقة أن مولانا (٣) قد بَخِل بكتابه. وهو الذي يداوي به أخوه غليل اكتئابه، ويستعدي به على طارق الهم إذ لج في انتيابه (٤): [من المنسرح]
كمثل يعقوب ضَلَّ يوسفُهُ … فاعتاضَ عَنْه بشم أثوابه
وهب أن فلانًا عاقه عن الكتب عائق، واختدع ناظره كمن هو في ناضر عيش رائق، فما الذي عرض لمولاي حتى صار جوهر ودّه عرضا، وجعل قلبي لسهام إعراضه غرضًا. [من البسيط]
بي مِنْهُ ما لو بدا بالشمس ما طلَعَتْ … من الكآبة أو بالبرق ما وَمَضَا (٥)
وما عهدته - أدام الله سعادته - إلا وقد استراحت عواذله، وعُرِّى به أفراس الصبا ورواحله. إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك اللجج، ومرض قلبه وما على المريض من حرج، وأي (٦) ما كان ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غُلَّةٍ لا أطيقها بل أطيعها: [من الطويل]
وأني لمشتاق إليك وعاتب … عليك ولكن عتبة لا أُذيعها
الأخ النظام - أدام الله انتظام السعد ببقائه، وأعداني على الوجد بلقائه -- مخصوص بالتحية الأريحية (٧)، ووالهفًا على تلك السجية السخية، وردت منها البابلي مُعتقًا (٨): [من الطويل]
خلائق إما ماءُ مُزْنٍ بشهدِهِ … أغادي بها أو ماء كرم مُصَفّقا
ومنه قوله:
стр. 3908
لو كاتبتُ سيدنا بمقدار شوقي لأضْجَرْتُه، ولو أغببته بمقدار ثقتي به لهجرته.
ومنه قوله:
وَوَصَفَ في كتاب شوقًا أعانه على وصفه منه ما أخذ لي مني، وأخبرني عنه وإنما أخبرني عني.
ومنه قوله:
كتب الحضرةِ لو تتابَعَتْ وطالت عندي بمنزلة المقتنص البهجة، المبتكر اللذة، فكيف وهي لا تصل إلا وترا، ولا تزور إلا غبا، ولا ترخص للهائم إلا في النهلة، ولا تنفس خناق المشتاق إلا بعد المهلة، وهي في أوسع العذر لأشغالها، وفي أضيقه لأشواقي، وقد نالت بأول كتبها كل المودة، فهي لا تتعب نفسها في طلب الباقي، وأين ذلك الباقي وما أشبه هذه القصة بقول جميل (١): [من الطويل]
إذا نظرت قالت ظَفِرتُ بوده … وما ضرَّني بخلي فكيف أجود
وما المراد ما يُحمل فيه على الخاطر، فقط عُرفت محاسنه الغُرر، ولا أن يتأنى بقدر الرقي إلى الدراري، والغوص على الدرر، وعلى ذكر جيل، فأحسن قوله (٢):
[من الطويل]
وأني لراض منك يا بثن بالذي … لو استيقن الواشي لفرَّت بلابله
ومنه قوله في ذلك ايضًا (٣):
إن أخذ العبد - أطال الله بقاء المجلس وثبّت رفعته (٤) - في وصف أشواقه إلى الأيام التي كانت قصارا، وأعادت الأيام بعدها طوالا، والليالي التي جمعت من أنوار وجهه شموسًا، ومِنْ رغد العيش في داره ظلالًا (٥): [من الطويل]
وَجَدْتُ اصطباري بعدهنَّ سفاهةً … وأبصرتُ رشدي بعدهن ضلالا (٦)
وإن أخذني ذكر ما ينطق به لسانه من ولاء صريح، ويعتقل جنانه من ثناء فصيح (٧): [من الطويل]
تعاطى منالًا لا يُنالُ بعزمة … وكلُّ اعتزام عن مداه طليح
ولكنه يعدل عن هذين إلى الدعاء، بأن يبقيه الله للإسلام - صدرًا، وفي سماء
стр. 3909
الملة بدرًا، وفي ظلمات الحوادث فجرًا، وأن يجمع الشمل بمجلسه، وعراص الآمال مطلولة، وسهام القرب على نحور العبد مدلولة، وعقود النوى بيد اللقاء محلولة، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١). [من الطويل]
فقد يجمع الله الشتيتين بعْدَمَا … يظنَّانِ كلَّ الظن أن لا تلاقيا (٢)
وما رمت به النوى مراميها ولا سلكت به الغربة مهاويها (٣)، ولا استجد شوقه من الجفون مافيها (٤). [من مجزوء الكامل]
أغْلَتْ (٥) على السلوان شوقكم فما … باعت كما أمَرَ الغرام من اشترى (٦)
ومُذْ فارقتُ تلك الغرّة البدرية، والطلعة العزيزة (العزية) (٧) ما ظفرت شخصه نوما ولا بكتابه يوما: [من الطويل]
فيا عجبا حتى ولا الطيف طارق
[من الطويل]
وأعجب له في الحرب نثر كتائب … بكف أبَتْ في السلم نظمَ كِتَابِ (٨)
يحاسبني في لفظةٍ بعد لفظةٍ … ومعروفُهُ يأتي بغير حساب
ولو رضيت - وكلا - بأن أحمل من هذا الجفاء كلًا لما رضي به خُلُقُه الرضي، ولأخذ بقول الرضي (٩): [من الطويل]
هبوني ارضاني الاياس بهجرِكُم … أيرضى لمن ترجوه مادون وصله
ومنه قوله يتشوّق (١٠): [من الطويل]
فيا رب إن البين أضْحَتْ (١١) صروفه … عليَّ ومالي من معين فكن معي
على قُرْبِ عُذالي وبُعْدِ أحبتي … وأمواه أجفاني ونيران أضلعي
هذه تحية القلب المعذب، وسريرة الصبر المذبذب، وظلامة عزم السكون (١٢)
стр. 3910
المكذب. أصدرتها إلى المجلس، وقد وَقَدْ في الحشا نارها، والزفير أوراها، والدموع شرارها، والشوق آثارها. [من الكامل]
لو زارني منكم خيالٌ هاجِرٌ … لهدَتْهُ في ظلمائه أنوارها (١)
وإلى الله (٢) يرغب أن يجعله بالسلامه مكنونا، وصَرْفُ الحدثان عن ساحته مكفوفا (٣) ووفود الرجاء على أرجائه عكوفا، وأن يمتع الوجود (٤) بوصفه الذي هو أشرف من كل وحيد (٥) موصوفا. [من الكامل]
مَنْ كان يُشرك في عُلاك فإنني … وجَهتُ وجهي نحوهن حنيفا (٦)
وقد كان ينتظر كتابا يشرّفه ويشنّفه، ويستخدمه على الوامر ويصرفه، ويجتني به ثمر السرور غض الكأس ويقتطفه، فتأخر ولم يُحدث له التأخير ظنًا ولا صَرَفَهُ أن يعتقد أن مولاه لا تحدث له الأيام بخلًا بفضله ولا ظنًا [من الطويل]
ولو تُصْرَفُ السُّحب الغزار عن الثرى لما انصرفت عنْ طَبْعِكَ الشَّيمُ الحسنى
وهو ينتظر من الأمر والنهي ما يكون عمله بحسبه، وما يثبت (٧) له عهد الخدام بنسبه.
ومنه قوله في ذلك (٨): [من الطويل]
ومِنْ عَجَبٍ أني امن إليهم … وأسأل عنهمْ مَنْ أرى وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها … ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
كتبت والعبرات تمحو السطور، ويُوقِدُ ماؤها نار الصدور، وتهتك وجدًا كان تحت الستور، وترسل من بين أضلعي نَفَس الموتور [من الخفيف]
قد ذكرنا عهودكم بعدما طا … لت ليال من بعدها وشهور
عجبًا للقلوب كيف أطاقَتْ … بُعْدَكم ما القلوب إلا صخور
وما وَرَدْتُ الماء إلا وَجَدْتُ له على كبدي وقدًا لا بردًا، ولا تعرضت لنفحات
стр. 3911
النسيم إلا أهدى إليَّ جُهْدًا، ولا زارني طيف الخيال إلا وجَدَني قد قطعتُ طريقه سُهْدًا، ولا خطف البارق الشامي فأراه قلبي (١) حُفُوقًا وَوَقْدًا … [من المتقارب]
وأَيْسَرُ مانال مني الغليـ … ـل أن لا أحس منَ الماءِ بَرْدَا
فسقى الله داره ما شربت من الغمام، وأيامنا بها، وبدور ليالي تلك الأيام تمام: [من الكامل]
ذَمَّ المنازل بعد منزلة اللوى … والعيش بعد أولئك الأقوام (٢)
وكان قد وَصَلَ منه كتاب كالطيف أو أقصر زَوْرًا، وكالحب أو أظهر جَوْرًا، أو الربيع أو أبْهَرُ نورا، أو النجم أو أعلى طَوْرًا، أو الماء الزلال أو أبعد غورًا، فنثرت عليه قبلي، وجَعَلْتُ [سطوره قبلي] (٣) بل قبلي، ووردتُ منه موردًا: [من البسيط]
أهلًا به وعلى الاظماء (٤) أنشده … لوبل من غللي أبْلَلَتُ من عللي
إلا أنه أبقاه الله ما عززه بثان ولا آنس غربته واني وإياه غريبان [من الطويل]
وكم ظلَّ أوْ كَمْ بات عندي كتابه … سمير ضميري أو جنان جناني
وأرغب إليه - لا زالت الرغباتُ إليه - وأسأله لا جَثَم (٥) السؤال إلا لديه أن
يلاطف بكتابه قلبي (٦) ويمثل لي بمثاله أيام قربي: [من مجزوء الكامل]
والله لولا أنني أرجو … اللقاء لقضيتُ نحبي
هذا ومافارقتُكُم … لكنني فارقتُ قَلبي
ومنه قوله جواب كتاب ورد عليه (٧): [من الطويل]
شكرتُ لدهري جمعه الدار مرّةً … وتلك يَد عندي له لا أُضِيعُها (٨)
ورد على الخادم كتاب المجلس - أعلى الله سلطانه وثَبَّتَهُ وأرغم أنف عدوّه،
стр. 3912
وكتبه وأصماه بسهام انتقامه وأَصْمَتَهُ، ولا أخلى الدنيا من وجوده، كما لم يُخل أهلها من جوده، ولا عطّل سماء المجد من صعودِهِ، كما لم يُعطّل أرضها من سعوده، فقام له قائمًا على قَدَمهِ، وسجد في الطرس مماثلًا (١) سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه في ذِمَّةِ كرمه، وصارت له نجران علاقة خير صرف إليه وَجْهه فكأنها قِبْلَة، ودعا بني الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها، فكأنما يدعوهم إلى ملة، والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد، ولا يُخْليه من هذا الرأي الجميل الذي هو عقد الاعتقاد (٢).
ومنه قوله (٣):
وَرَدَ كتاب، ووقفتُ منه على ما لا يجد الشكر عنه محيدًا، وأنَسْتُ به القلب الذي كان وحيدًا، وعَدَدْتُ يوم وصوله السعيد عيدًا، ووردتُ منه بئرًا معطلة، وعَلَلْتُ قصرًا مشيدا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وتلك الغاية ليست في وسعي. ولا تعلم نفس إلا ما طَرَقَ سَمْعَها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد الأباعد ماطالها ذراعي، ولا استقل بها ذرعي.
ومنه قوله (٤):
المملوك يقبل التراب الذي يومًا يستفز بحوافر سَيْلِهِ، ويومًا يستقر بحوافر خيله، فلا زال في يوم السلم (٥) جوده سحابًا صائبا، وفي يوم الحرب شهابًا ثاقبًا، ويُنهي أنه وَرَدَتْ عليه المكاتبة التي استيقظت بها آماله من وَسَنِها، وأفادته معنى من الجنّة، فإنها (٦) أذْهَبَتْ ما بالنفس من حَزَنِها، وتلقّى المملوك قُبْلَتها بالسجود والتقبيل، وتحلّى بعقود سطورها، فهيهات بعد هذا شكوى التعطيل، واكتحل من داء السهد بإثمدها، وأدار على الأيام كأس مرقدها، واسمعته نَغَمَ النعم التي هي أعجب إلى النفس من نغمات معبدها (٧)، وأطالت الوقوف عليها بركاب طرفه فما وقوف وطَلْعَةُ مولانا يطالع عبدَهُ وكل ربوع كان فيها ربوعها فؤاد سقاه لا يعود عليلَهُ وعين رأته لا تفيض دموعها
стр. 3913
ركاب طرفة ببرقة ثهمدها (١). وضرع إلى مَنْ يشفع وسائل المتضرعين، ويملأ مواقع آمال المتوقعين، أن يَغُلَّ عنه كل يد للخطوب بسيطة، ويفك به كل رقبة للايام بأعناق منها محيطة (٢).
ومنه قوله:
وصل كتاب الحضرة السامية، لا زالت رياض نباتها متفاوحة، وخطرات الردى دونها متنازحة، والبركات إلى جنابها متوالية، والليالي بإبراز سعادتها متلالية، والأيام الجافية عن بقية الفصل منها متجافية، تنحر إليها المكرمات إذا لم تكن لها فئه فأنشده ضالة هوى كانت سدى، ورفع له نارًا موسوية سمع عندها الخطاب، وأنس الخير، ووجد الهدى، وكانت نار العليل في فؤاده بخلاف نار الخليل، فإنها لا تقبل ندى الاجفان بأن يكون بردًا وسلامًا، ولا يُرى إلا أضرى ما يكون ضراما، وشهد الله لقد كان العبد حصر القول نشوزا، منذ فارقها على تلك الصفة، فلا هو قضى من حقها فرائض لزمت والله وتعيَّنت، ولا الضرورة في مقامها بحيث تبلغه الشهادة أذِنَتْ، ولا الأيام بالبعد ما أساءت فإنها بالقُربِ ما أحسنت: [من الطويل]
وان امرًا يبقى على ذا فؤاده … ويخبر عنه إنَّه لصبور
ونعود إلى ذكر الكتاب الكريم، فإنه سجد لمحرابه وسلم، وحسنت سطوره فحسبها مباسم تتبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل، وكلمه ولا يتكلّم، وهطل جفنه، وقد كان جمادى، وتصفّحه وقد كان على تصفحه المحرّم، وجدد له صبابةً لا يَصْحَبُها أمل، وخاف أن لا يدرك الهيجا حَمَل (٣). وقال الكتاب: [من البسيط]
إنا مُحيوك فاسلم أيها الطَّلَلُ (٤)
وأنشد نيابة عنها (٥): [من الطويل]
стр. 3914
وإن بلادًا ما أحتلت بي لعاطل … وإنّ زمانًا ما وفي لي لخوان
والله المسؤول لها في عاقبة حميدة، وبقية من العمر مديدة، فإنها الآن نوح أهل الأدب، وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن بلغ عمره مدة عمرها، على أنه يتحقق خلودها في الجنّة بعملها، وفي الدنيا بذكرها، وأن الدارين تتغايران على عقائل، فخرها، ولا يتأخران عن اجرائها على عادتها في دفع قدرها، وعلى أنها طالما أقامت على الدنيا السكرى حين أقامت في حدها من العمر الثمانين، وأدبت الأيام بسلاح الحرب من سيفها، وسلاح السلم من قلمها تأديب الخائنين وما حملت العصا بعد السيف حتى ألْقَتْ إليها السلم، فوضعت الحرب أوزارها، وما استقلّت بآية موسى إلا لتعجز بها انهار الخواطر، وتضرب بحارها، وما هي إلا رمح وكفى بيدها سنانا، وما هي إلا جواد تجنب السنين خلفها فتكون أناملها لها عنانا.
وقوله:
ولعله الآن قد عوفي من الأمرين، وقرّت بوجهه العين، وجدد عهده بنظره، وقرب عليه لسانه اسناد خبره، وبلت منه غلّة الحاتم، ورأت منه هلال الصائم، وطالعها وجه الزمان المغضب بصفحة الباسم، ووفى مواعيد الأنس من الضامن الغارم، وهو يسلّم عليه تسليم الندى على ورق الورد، ويستمد الوفاء من غرس ذلك العهد، ولكتاب الحضرة العالية من الخادم، موضع الطوق من الحمام، يتقلّده فلا يخلع ويعجبه فلا يكاد يسجع، ويحكيه طوقًا على الأسى، إلا أنه بدر الدمع يرصع وإذا أنعم به فليكن مع ثقة، ويخشى أن يكون هذا الشرط له قاطعا، بل مع من اتفق فإنه كالمسك، لا يدعه العرف الضائع أن يكون ضائعًا (١) [من الكامل]
اكتبه تكتب لي أمانًا ماضيًا … وابعثْهُ تَبْعَثْ لي زمانا راجعا (٢)
إن اشتريه بمهجتي فقليلةٌ … فاسمح بهِ فمتى عرفتك مانعا
ومنه قوله: وقف الخادم على ما شَرُفَ به طبعه، و شنف به سمعه، وضيق سعة ذرعه، من العتاب الذي خَفَضَ له الجناح، واستعذب به الجراح، وأسر منه بقيد أسى مستطاب، لايراد منه السراح، وقذف به في لهوات ليل لم يود يبتسم فيه الصباح، وقد
стр. 3915
عِلم الله أنه بريء من كل ما يوجب المَذَام ويُطلق ألسنة المَلام، ومُلئ من الخِدمة بما لا يُغْضَى فيه عن حق سبقه لأحدٍ من الخُدّام، وأنه لجواد يبذل جهده، وما عليه أن تجلب الأيام، وأنه لمستيقظ من حقوق الخدمة، إلا أن حظه من أهل الكهف لطول المنام، وما كان تأخره عن المكاتبات التي يخدم بها مجلسها، ويقتدح بها من الإجابة قبسها، إلا الرغبة أن يكون مُقْترنًا بحصول أمْرٍ، فما اسعفته الأقدار بمراده، ولا نجح رائد اجتهاده، وكتب هذه الخدمة حين احصر على ما استيسر من الهدي، قد ركب من قديم الاخلال حد النهي، متبرّئًا من التقصير الذي ما هو منه ولا إليه، ومُعوّلًا في العذر الذي ما كان مخلوقًا قبل خَلْق يديه، ووصل الأميران فعظم الأنس بمقدمهما الكريم، وقدما إلى بلاد صارت كظل رامة لا يريم، ولا يؤدي يومه الجديد ما كان يؤديه أمسه القديم، وكيفما حلّ أهل هذا البيت، فهم في كل بيت صدوره، وفي كلّ مطلع نجومه وبدوره، لا تزال أنوارهم بإشارة الأصابع، ولا تتبدل أقدارهم في مصونات المجامع: [من البسيط]
يَحْمِيْه لأَلاؤُه ولُوذْعِيْتَهُ … عن أنْ يُذَالَ بمَنْ أو ممنِ الرَّجُلُ
كأن الأرض بهم سماء، فإنهم طوالِعُها، وكأنّ الدنيا بهم رياض، فإن أوجههم زهرها، وأيديهم مَشَارِعُها، وما يدع العبد غايةً من الخدمة لهما إلا بَلَغَها، واعتذر، واجتهد، ورأى أنه قد قصّر. لا زالت الأيام ناظمةً لعقد المجد ببقاء الواسطة ولا بَرحَتْ الجنة العلياء مُصَرَّفةً بأيديهم الباسطة.
سطر هذه الخدمة ثبت الله قواعد مجدِهِ وأرساها، ولا ابتز أفنيته حلاها من السُّعود وكساها، وقرن بالسكون والأنوار مصبحها وممساها، في ساعة رحيل قد غَرّد حاديه، وسال شط واديه، وكان يؤمل اجتماعًا يغنيه عن تحمل منن الأقلام وصنائعها، ويدنيه من مشافهة الأنوار التي إلى اليوم ما تناست العيون فضل ودائعها، فاحصرته الأنوار دون منسكه، وعثرته الأيام بذيل العجز في مسلكه، وعزت جناحه بما لم يستقل مجاذبته من شركه، فسارت الراية الناصرية نصرها الله: [من الكامل]
واقمت بعد وللزمانِ عَجَائِبٌ … منها ترحل مهجتي ومقامي
ويعزّ عليه أن لا يتطوف بربعه، ولا يرى الديار إلا بسمعه، ورضى بما يرضي الرضي بساكن سلعه.
ومنه قوله:
стр. 3916
وصل إلى خادم المجلس - لا زال جفن الدهر عنه كليلا، ولا برح مجده فوق مفرقة إكليلا، ورأيه في غياهب الأمور فجرًا ساطعا، وفي مفاصل الخطوب سيفًا قاطعا، وشعاع صوابه في ظلام المشكلات شائعا، كتاب منه فك منه قفل النفس من أَسْرِها، وحاز لها الاماني بأسرها، وتغلغل لطفًا في القلوب إلى حيث مستقر المستودع من سرّها، وحدّد له لهفا لولا التماسك لهذا قلبه بأدنى انفاسه، وتدرع من سهام الدهر به ولا غرو أن يدخر لباسه لبأسه، وأما الكتب المنعم بها على يد فلان، فلم يصل شيء منها، والطرف بها معقود والقلب إلى حيث ورودها مورود، ولا شبهة في أن الطرق كالخواطر، وما يعني إلا خواطر نفسه مربوطة لا تنفذ مسالكها، وكم طالع فكرة مظلمة لا تنجلي حوالكها، وهو من كتب المجلس - أدام الله نعمته - بين روضة قد تلاحقت غُرر محاسنها، وتناسَقَتْ دُرر معادنها، فمن نورة في كمام، وزهرة في نظام، وثمرة في تمام، ونضرة في ضحى وعبقة في ظلام، فهو من واصلة ومتواصلة، وواقعةٍ ومتواقعة، وطالعة ومتطلعة ويانعة ومتنوعة، لا خَلَتْ من صوب سحاب خاطره الروي بروضها ويروضها ويرفع مياسم الجدوب ويقضها ويفوّضها، وما يحسب الخادم أن هذا الكتاب إلا مساوقًا لوصول الركاب الناصري إلى الشام، فهنيئًا له أن زاره السحاب الطبق، والربيع الطلق، وأن أضاء بمحضره فج، وأظْلَمَتْ بمغيبه فجاج، وأن خمدت للمخافة نار، واتقَد للأمنة سراج وهاج، ومصر وإن كانت دارًا، ما خرج منها إلى الشام إلا دهليزها، فإنه عزيز عليها والله وعلى أهلها فراق عزيزها، وأما حال الخادم بعد فرقة الركاب المشكور، فوالله لقد عرد قلبه من أمره، ووعده بما لم يف به، إلا من سلوه بل من صبره، وسار بعد ذلك القلب فما وَجَدَ منه عزيمة فيطالبه بموعد نصره، وما خالف عادة تسرّعه، وأخلف عدة تبرعه، إلا أنه كان في غير سفرة ما كان نفض غبارها، وفي اعلال فرقة ما كانت كفأت اسارها، ولا سيما بعد أن أطلعته الأربعون شرفها ونصبته الخمسون هدفها، فانكر تلك التي كان عرفها، وفارق عصر شبيبته وما وَجَدَ في المشيب خلفها، ولحق أمله ببدنها وكلاهما قد أنْهَجَ وقرّبته الخمسون مع معترك الستين، وكلاهما قد أزعج، والله المسؤول في يقظة قلب وعين، وصحبة تبيين قبل صيحة بين، والله المشكور إذا أعشى عن المجلس عيون الأيام ولواحظها، وأفهمه إشارات الدنيا ومواعظها، فقد أبطل بعصاه سحرها، وفَضَح بقلَمِه سِرَّها، وانتضاها فقطع بها ولم تقطعه، ولبسها فَخَلَعَها ولم تخلعه وانتظم أيامها في سلك أعوامه، وعصب أهلها حتى أنوارها، والقى الجنى على قوامها لا على قوامِهِ، فلا زالت في عمر وريق الأفنان، وثيق
стр. 3917
الأركان تتزوَّد كلَّ يوم فيما تتزوَّد، ويشتدُّ ركنها، ويتأيد ولا يتأود.
ومنه قوله ﵀:
أدام الله أيام المجلس وأيَّدَهُ في كل مقام مقال، ووسع له كل مجال ومنال، وأنْفَذَ له كلَّ رسم ومثال، وحَرَسَ عهود سعودِهِ من الانتقال والملال، ولا زال مفيد الفوائد، معروف العوارف. منصور الانصار ظليل الظلال، ورفع علمه، وثبت قدمه، ونَصَرَ سيفه وقلمَهُ، وكرم شيمه وهممه، وعزز موارد جودِهِ ودِيَمِهِ، وأعدى بها كل ولي على الدهر إذا ظلمه. وَرَدَ كتاب مولانا الذي هو مولى الكتب وسيدها وأوحدها. ومورده على القلوب منهلها العذب وموردها، وفيه من الأنعام ما لا سبيل إلى شكره، بل إلى شكره بلسان ذكره، وما لا يقوم الخادِمُ بواجب حق نشره إلى يوم نشره، وكان وصول الكتاب الكريم والخادم على قلق لتأخر الكتب وإبطائها، وشذوذ الترسل وتوالي خواطر استدعائها، وقد قابل تأخر الكتب المظفرية تأخر الكتب الناصرية، وتعاونت الشواغل على الخواطر، وتواحى طيف خيال السكون من جانبيهما، لجفوة ناظر المشفق الساهر، ولا جرم أن وصولهما صبحت به بكرة يوم يومين، فكأنما كانا على ميعاد، وطرقت الليلة بتوأمين بكتابيهما، فسقيًا لليلة هذا الميلاد، ووقف المملوك على ما في الكتاب المظفري، ولائح الأمر أن المولى قد قلا مصر وجفاها وأنه خلى الديار تستوحش ممن بناها: [من الوافر]
فإن ترك العراق وساكِنِيهِ … فَقَدْتُمْنى المليحة بالطلاق
والمولى إذا حلَّ في مكان نَهَضَتْ عواثر جدوده، وطلعت طوالع سعوده، وكان بنفسه عسكرًا، وبذكره عديدًا مستكثرًا، وجدّد من عَزْمِهِ حديثًا مذكرًا، ولم يحتج معه إلى جيوش في ديوان، ولا إلى سيوف في أجفان، وقام بنفسه النفيسة مقام الفئة، وأقلق العدوَّ في موطنه، وحرّم عليه موطئه، والخادم خادم أغراض الخلق في هذه الدلالة، ولسانه نائب عن ألْسِنَتِهم في هذه المقالة: [من الطويل]
ولو سَكَتُوا أثنت عليك الحقائب (١)
ومنه قوله ﵀:
وَرَدَ على المملوك - أدام الله ورود السعود على الجناب الملكي المظفري ولا زالت السعود تصحبه، والنوب تخدمه والشفاه تلثم ترابه والسعادة تستمطر سحابه،
стр. 3918
والوفود تلتزم أبوابه، والأيام تتهيب حجابه، وتيجان الملوك تحف ركابه، والأقدار تُقَرِّب آرابه، والنصر يغلّب أحزابه مواهب مولانا المسماة كتبا، وآثار سحبه التي أنبتت من الأسطر عشبًا، ولحظت حظه الحجريفأعجب وأعشب، إن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربّا، ولا برحت نعمة مولانا فوق شكر الشاكرين، وكتبه واحة قلوب المنتظرين، وعقله عيون الناظرين، ووصل ما سيّر من الحمل إلى الخزانة على يد جامع ورفقته في وقت الحاجة الداعية، والخلة البادية، والضرورة المتمادية، وانفق في الحاشية والتعدية، وفرق في أرباب المطالب، والمطامع القريبة والمتعدية، وتضاعف الشكر لمن جمع هذا المال ووفّره، ويسره وسيره، واستخدم فيه ناظره ونظره، وما يَعِدُّ المملوك ما وَصَلَ إلا موهبةً صرفها إليه، ونعمةً أسبغها عليه، ومنة تقلّدها وقلَّدَ بها المنن، وصنيعة استرقته، وإن كان قد سَلَفَ استرقاقه بأوّل ثمن، فإنه وفى بذمة لسانه، وبيض وجه ضمانِهِ، وكل مَنْ وَصَلَ إليه شيء من هذا البر شكر المولى فأكثر، وفرح بأن غرس الرجاء قد أثمر، ورأى من وجوه رسله أهلةً، وظن الإحسان عيد صيام الانتظار، فقال: الله أكبر، وشيّع سيبهم عند فيض سني عطائه، فتوالى فَغَفَر، وبالمعروف، فلولاه لكان قد درست أعلامه، بل لولاه [لم] يعرفه ولكان قد سُلِبَتْ أَلِفُهُ ولامه، وإن غيثا يصبح من مصر بحمص لقد أبعد مرماه، وكرم مُنتَماهُ، وسما مسمّاه، وسرى طيف الخيال ولكن إلى مَنْ لم ينم، وجرى مجرى النسيم إلا أنه ينفخ الأرواح في النسم، وللمولى سبح طويل في الحمد ولابد أن يدخر منه ما يستأنفه عند تكملة الأنعام، على أن يشرع في الشكر عند كل مسألة، ثقةً بما وراءه من الاهتمام، فأما العافية الشاملة لأهل الإقليم، فكيف لا تشملهم، وسيف المولى الطبيب، ومهابته دون محبوب الأعداء منهم والرقيب، وكيف لا يأمن الغاب وهن مشبع؟ وكيف لا يتوقى السيل وهو مشرع؟ لاعُدِموا هذا الظلّ فإنه كثيف، وهذا الطبع فإنه شريف، وتلك الحماية فأنها الأمان، وتلك الولاية فإنها زمان، لا يرجى مثله من الزمان.
ومنه قوله من كتاب إلى الملك المظفر تقي الدين (١):
أصدر المملوك هذه الخدمة من ظاهر حماة، وهو ينظر إليها نظر
стр. 3919
المحب إلى الحبيب، ويتذكر منها أيام الخدمة التي هي وطنه ولو نأى عنها وهي في فِطْنِه لكان كالغريب، ولولا حياء المملوك من مصر لكان بشرّها وأهلها من قربه منهما بفرجهما القريب، ولكن لا بُدَّ من عصبية لمصر. فلا نفجؤوها بمشيئة الله من ذكر يوم فراقه باليوم العصيب، وآثار المولى على قلعة بلدها بمكان التيجان من الرؤوس، وذكره من أهلها من ناسك وخليع يفتح المصاحف، ويدير الكؤوس، وكان ورد الركاب العالي الناصري نصره الله إليها في يوم كذا أحسن الله تقضيه، والمرض قد أحسن الله في تقصيه، والشفاء قد أنعم الله به على سلطاننا وعلى مَنْ يليه، فيا لها من نعمة لا عذر فيها للشكر إذا اعتذر، ويا لها موهبة منّةً من الله بها، آمن الذي آمن بها، وبُهَتَ الذي كَفَر، ويا لَهُ صفرٌ لا كَدَر فيه، وكلُّ صافية لم تَخْلُ من كَدَر.
ومنه قوله:
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١)، فسبحانه جلت قدرته جلاها، وقد بلغت القلوب الحناجر، وفرّجَها وقد بَلَغَتْ الدموع المحاجر، ومَنّ بالسلطان على الخلق وأقامه، ليعم به إن شاء الله دين الحق. فالمملوك يبشر مولانا أدام الله البشرى بالعافية الناصرية، وقد سار المبشر عنّي بكتبه كما يقول المقلّل والمكثر، وقد سير المملوك كتابه الكريم لما فيه من زيادات، ولما تضمنه من متجددات، وعند مولانا له كتب كثيرة، قد قضى منها الوطر، وقَدْ نزّه فيها النظر، وقد وَجَبَ أن يُرَدّ طيرها إلى وكرها، وعرائسها إلى خِدْرها، وأصدر المملوك هذه الخدمة ساعة سير السائر، كما أن المكاتبة بما قبلها مُذْ كانت أم الكبائر. وغير ذلك، فهو ينهي وصول كتاب مولانا، ومطالعة مولانا الناصرية بخطه، التي أنعم بتيسيرها مفتوحة، وأفاد المملوك كل فائدة بالوقوف عليها، وقد سيّرها، فكان وصولها من حسن الاتفاق، وكتابتها من سعادة كاتبها، تأتي عند العشيّ بالاشراق؛ لأنّ مولانا هنأ بها عن العافية الأولى المكتوب بها، لينقطع الإرجاف، فصارت الآن هناءً بعافية لا خلاف في أنها ما فيها خلاف.
ومنه قوله:
أدام الله سلطان الديوان العزيز، ولا زالت كتائب أعلامه تكتب أقلامه مرفهة، وأحلام وفاقه مرشدة، وأحلام أهل خلافِهِ مسفّهةً، وسيوف عزائمِهِ تَسْتَوْعِب كلَّ حديث حسن، فلا تبقى إلا أحاديث عن السيوف مموّهة، والقول بتوحيد فضل خلافته
стр. 3920
لازما، فلا يقبل شُبَه المعطلة، ولا تعطيل المشبهة، وأفعالها التي يبتغي بها وجه الله باسمه الشريف في الملكوت الأعلى منوهة، ولا زال قوله بلغًا، وأمره بالغًا، وفضله سائغًا، وفضل الله به سابغًا، فالحالي بعده للعاطل فاضحا، والحقُّ للباطل دامغًا، وإخلاص فطرةٍ لا يدع للكفر شيئًا غابطا، ولا للنفاق شأنا نابغًا، الخادم يذكر أنه ورده بل أورده من منتدى الديوان، بل من أفق الإحسان كتاب مرقوم، بل سحاب مركوم، أثْبَتَ في الاسماع، بل أنْبَتَ في الطباع العقد التقي، وأهدى للبصائر الصادقة، بل أبدى للأبصار الرامقة، سابِقَةَ أنس، بل أي شارقة شمس، فأضاء الفضاء بنورِهِ، وضَرَب بينه وبين الظلماء بسوره، فاستقلت ملوك المعاني على سريره، ودخل الفهم حينه، وَرَفَلَتْ الليالي في حريره، ونقلته عينه في الحال إلى ضميره، فأنسَتْ معانيه بما هناك من عقائد اختصاص وموارد إخلاص، مستقرةً في حيث لا تجزى كل الاسرار، ولا تشري كلُّ الأنوار، ولا تُسْتَوْدع إلا عقود التكليف، وخواطر التعريف، فألْقَتْ عصاها، ولَقِيتُ من أطاعها وما عصاها، وحلّت حيث حلّت، وجليت حيثُ جلت، وانتدبت العزمات لمراجعتها، فهي المرآة إلا أن الصدأ مصدود على صفحتها، وهي العينان إلا أن الليل والنهار سواء في وصف صحتها، وهي الفلق إلا أن العيون دائمة الاستمتاع بلمحتها، وهي الروض إلا أن أنفاس النسيم منافسة في العبارة عن عبير نفحتها، وهي المذكرات الأنفس بالله، إلا أن أسطرها سلوكها، وحروفها درر سفحتها، ولا زال الخادم إلى مثل هذه الفقر فقيرًا، وبها على نفسه بصيرًا، وإذا النعم بتيسيرها إليه عدها نعيمًا مقيمًا، وإذا ملكها رآها ملكًا كبيرًا، وما تَرِدُ واردة من الدار العزيزة، وذلك أن المواصلة ما فزعوا إلى دار الخلافة إلى أن فزعوا، وإلا فطالما طمع أوّلهم كما طمعوا، وقديمًا دعوا إلى طاعتها فما سمعوا، وسمعوا فما انتجعوا، ولا يربى الصغير إلا بما ربي عليه الكبير، ولا سبب على جناية الأول إلا بما جناه الأخير، وقد كانت دولة العجم بالعراق استعلتْ ثم استقلَّتْ، وهبت ثم وهَنَتْ، فتعبت رجال الليالي والأيام، وأولو تدبيرات السيوف والأقلام بدار الخلافة، إلى أن صرفوا العدا من موردها، وأبعدوا الأذى عن معهدها، واستقلت الخلافة وحدها، ولزمت الأمور حدها، وإذا كانت المواصلة قد تقطعت بهم الاسباب، وأوْصَلَهُم حساب الحرب إلى العقاب، وتبرأ الذين أتبعوا من الذين أتبعوا، وتفرّق الذين اجتمعوا بعدما جمعوا، ففريق فرّ نازحا، وفريق قر مصالحًا، وفريق على البعد راسل مستصلحًا ومتطارحًا، وفريق فتح بلده الذي كان التقليد له فاتحًا، فلم يبق للمواصلة إلا أن يأووا إلى جَبَلٍ يعصم من الماء، ويتعللوا بسراب
стр. 3921
بقيعة لا مُتَعلَّل فيه للضماء، ومعلوم أنهم إذا احتلبوا تلك الجهة عادوا عود طائر نقاق إلى عشه، واسترجعوا خاتم ملك فربما رجع الأمر جاريا على نفسه، وما أولى ولاة المناصب، وكفاة المراتب، وحَمَلَة الأمانات، وخَدَم سدّة السادات، إلى أن يفيقوا لهذه الغمرة حق الإفاقة، ويلحظوا طليعة هذه العواقب، ولا يهملوها إلى أن تجيء في الساقة، فهذا في مصالح الدولة الجزئية.
فأما المصالح الكلية، فإن عواقبها منهم عظيمة، وبوائقها بأيديهم وأيدي قديمهم قديمة، فشد ما أخذوه بالأمس برًا بلئيم، وبُرءًا بسقيم، وهرب من لا حيلة فيه فاستبيحت منه حُرمة وحريم، فكم عين ازعجوا عنها إنسانها، وكم يد بانوا منها بنانها، ومنهم أولاد ابن زين الدين على كوجك (١)، التابع للخادم الآن، فإنهم كشفوا منهم وجوهًا مصونة، وهتكوا منهم عورات أمينة، وحكموا فيهم نظرات ظنينة، وطافوا بهم البلاد نهارًا، ولم يخافوا الله غضابًا، ولم يرجوا له وقارًا، وكذلك وجدوا آباءهم على أمّة، فاقتدوا بآثارهم، وعلى إيقاد نار حِقْدٍ يستجمعون بهم في نارهم.
فأما الجبايات التي يأخذونها من الرعايا ظلمًا، وتضمين الشريعة لمن لا يُمضي الله له على لسانه ولا يده حكمًا، واستباحة ملك الأوقاف والأيتام، والفرقة في الحكم بين الخاص والعام، فكل ذلك مما لا يسع خليفة الله اقرارهم على حيفه، ولا يعذره الله سبحانه على ترك مجاهدتهم بكتابه إلى عبده الذي جاهدهم بسيفه، ولا خفاء أنهم غابوا عن الجهاد للكفار، وحالوا بين الفرض وبين أُولي القوة عليه والاقتدار، فلا يقنعون بأنهم لا يجاهدون إلى أن يمنعوا من يجاهد عنهم، وبأنهم لا يساعدون المسلمين إلى أن يساعدوا عليهم عدوهم الكافر، فقد تولّوا الشيطان تليدًا وطريفًا، ووطئوا الاسلام وأهله وطئًا عنيفًا، فإذا جاء وَعْدُ الآخرة جاء الله بهم في زمرة الشياطين لفيفًا، فإن لم يرجع إلى الخادم فليرجع إلى قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٢) والقوم فما أبقوا للصلح موضعًا، ولا تركوا في رجعه مطمعًا، ولا تخلفوا عن سوء أبلغوه ناظرًا ومسمعًا، فالمسلم القريب استزلّوا يمينه والمسلم البعيد استخفوا سكينه والكافر استنصروا سيفه، والحشيشي (٣)
стр. 3922
استصرخوا سكينه، والأموال التي في بلاد تقليده أكلوها وأضاعوها، وأمانات الله ابتغوا بها ثمنًا قليلًا فباعوها، والذخيرة التي كانت بقلعة حلب لو أن لها لسانًا يتكلّم تظلّم، ولو أن لذهبها الذي تصرّم فؤاد تضرّم، وحُمِلَتْ إلى الكفار فَضُرِبَتْ بها اسِنَّةٌ تطاعن بها صدور المسلمين، أو بقيت في أيديهم فضيعت لتنتهك بما فيها حرمة الدين، ومتى استشف النظر العالي حال الخادم معهم لمح أنه من مبدأ وصوله إلى الشام الذي نوى به في الكافر إقامة الجهاد، وفي الاسماعيلية إماتة الإلحاد، وفي المسلمين إزالة الفساد، شغلوه ثلاث سنين عن هذه الفرائض، وجاءته قوارض لا تحتقر وقوارض، وقد استولوا على حلب بلا حجة، وأخذوا ما فيها من الأموال بلا شبهة، وخرجوا عن اليمين المعقودة بلا معذرة، واستفزوا من وافقهم من امراء المسلمين بلا جريمة والخادم على أن أجاب رسلهم بأني قد رضيت الديوان العزيز حكمًا، واخترتُ من اختاره الله للمسلمين قيمًا، فكان هذا الجواب أن يفروا إلى الفرنج، فحالفوا كفرتهم عليه، وإلى الاسماعيلية، فأنهضوا مجرمهم إليه، ونازلوا طرف بلاده، وهو متوسط بلاد الكفار، فهدموا قلعة من قلاعها، كانت زينة سلم ومفزع حذار، وراسلهم واستنزلهم، وقال لهم قولًا لينًا، ظنّ أنه يحملهم به عنه، فحملهم، ثم ما برح كلما طوى بلادهم، وجاز مدنهم وسوادهم يمحصهم المناصحة، ويدعوهم إلى المصالحة، وممن عرضها عليهم على يده فامتنعوا، وشافههم على لسانه فما سمعوا، شيخ الشيوخ، وإن سُئل عن الشهادة أداها، وإلى مسطوره في الديوان أبداها، وبعد مصدر فلان عنه حشد عليه ملوك الأقطار، وخرجوا من دمنة القرية المحصنة والجدار، وتحرك إليهم فتحرّكوا لكن قدامه لا إليه، وراح إليهم فراحوا عنه، وكان ينتظر رواحهم عليه، وقتلهم السيف وهو في غمده، وكفى ما كان متوقعًا من قبل جدهم وقبل جدّه، وقد أخرجوه إلى أن أقطع البلاد الحلبية والجزيرية الموصلية لمن يخدم عليها، وسبقوه بين يديه إليها، والله سبحانه، فقد أخذهم بما علم وعلموا وتمكّن منهم بما ظلموا، وما استبقاهم إلا لتكرر عليهم الرقة، فقد رقت لتقتل الشفار ولا لألين القول فقد سمي ليذبح الجزار، فأين كان التعلق بالدرة العزيزة وهم يحاصرون دار السلام بأحزابهم، ويرامون التاج الشريف بنشابهم، ويصافون الخلفاء مصافّة المواقف، ويكاشفونهم مكاشفة المخالف، ولو تحرّك اليوم متحرك كانوا له كنانة، ولكانت دارهم له خزانة، ويعلم أن الخادم ما ذَهبَتْ عنه، ويرجو الخادم بالموصل أن يكون الموصل إلى القدس وسواحله، ومستقر الكفر من القسطنطينية على بعد مراحله، وبلاد الكرج، فلوا أن لهم من الاسلام جار لاستباح
стр. 3923
الدار، وبلاد أولاد عبد المؤمن فلو أن لها ماء سيف لأطفأ ما فيها من النار، إلى أن تعلوا كلمة الله العباسية الدنيا، وتعود الكنائس مساجد، والمذابح المستعبدة معابد، والصليب المرفوع خطبًا طريحًا في المواقد، والناقوس الصَّهَل أخرس اللهجة في المشاهد، هذا كله يجري بمشيئة الله في السيرة الناصرية، فتحلّى بها السير ويجلي بها الغير، ولا يكلف الخادم منها مالًا ولا مددًا، ولا يتخلّف عن نصرة ولي الله، إذ كاد أعداء الله يكونون عليه لِبَدًا، ولا يقول إنه ينقص ما في الديوان، بل يزيده ولا يستفيده بل يُفيده، وإن استعظم هذا المأمول، واستقصر دون هذا المبذول، فالذي وقع أعظم من الذي يتوقع، والذي طلع أكثر من الذي يتطلّع، والذي رأى أمس أكثر من الذي يسمع، وقد علم الله سبحانه أنه لا يريد دنيا، بل يريدها لدنيا يتزيدها ولكن ليقوى بها على تقوى يتزودها، فإن أُعِين على النية، وإلا فقد حصل أجرها، وإن نجح جهد الإرادة في الدنيا، وإلا فقد سر في الآخرة سرها.
ومنه قوله:
كل ما يرد على عبد المجلس، - لا زالت المسار على جانبه واردة، والأيام بامتداد عمرِهِ واعدة - من أنفاسه العطرة وكتبه البهجة النظرة، ولآرائه التي تُمْطِرُ من صَدَرتْ إليه صوب الصواب، تحول لمن صدرت عنه ثوب الثواب، وتشهد له بالفضل الذي ليس له جاحد، وتذكرت بيت أبي عبادة (١): [من الطويل]
ولم أر أمثال الرِّجالِ تَفَاوتُوا … إلى الفضل حتَّى عُدَّ أَلْفُ بواحد
ثم سلك عبده غير هذا الجدد، ولا يقف عند هذا العدد، وينشد قول الآخر: [من الطويل]
وَمَا الناس إلا قدحة أنتَ زَنْدُها … وقطرةُ غَيث أنتَ مُنشي سحابها
فلا عدمت دول الاسلام، وصدور الايام منه البقية الصالحة، والحسنة الراجحة، والسيف الذي يبلى الأيام فهي غمده، وينظم الساعات محاسن فهي عقده، وإن تأخرت خدم عبدِهِ عن مجلسه، وأمسك عن ان يقابل بِدُجاه نور قبسه، فقد عَلِمَ أدام الله نعمته أن الطريق ليس بقاصد والعدو ليس بواحد، وأن الكتب لها أقوام سوء في الطرقات، يقصدونها ويرصدونها، وأن فلجات الشام قد حال دونها، إلا أن الامور بمشيئة الله، قد سَفَرَ وجْهُ، صلاحها، والليلة قد دَنَتْ من صباحها، والله تعالى يتم ما تَعِدُ به المخايل المتوسّمة، ويحرر الاسلام وأهله عواقب هذه المخايل المنجمة.
стр. 3924
ومنها:
وقضايا كلها توجب أن ينعكف المجلس على فرض يؤديه، ونُصْحٍ يهديه، ودعاء لمولى النعمة يُحفيه، والله مظهر أثره ومخفيه، مع أنه لا يدفع عن منزلته العليا ودرجته الكبرى من القلب الأصمع، والروع الأروع، والعزمات التي هي كألطاف الله التي منها الواقع ومنها المتوقع، فما حصر قط في مأزق إلا سفر عن نصر تبين فيه الأرواح من ثيابها، أو عن سلم يأتي فيها البيوت من أبوابها، وأما القرية المسؤولة له فهي من البغاث الذي لا يصيده ذلك الجارح، وإن هذا ميدان يضيق عن شأو ذلك القارح.
ومنه قوله:
وَصَلَ، - وَصَلَ اللهُ المجلس السامي بأفضل وصائل نِعَمِهِ، ولا أخلى الدين من الفخر بأمس سيفه ويوم قلمه، وحمل مواقف الجهاد بثبوتِ قَدَمِهِ وخفوق عَلَمِهِ، وأدام تذكار خواطر الإسلام لأيام ذي سلمه وأمتع المجد بأيام حياته التي هي تواريخ فخره وأيام حكمه - كتاب منه كريم، وكلّ ما يصل منه ما يُعدُّ إلا كريمًا، وكلام شريف شف يدًا كليمية، وشفى فؤادا كليما، وخطاب عذب فاض على الأعين روضًا وجرى على الأكباد نسيما، وأبان منه على الحفاظ المحفوظ في شيمته، ولا نحسبها ينساه يوم لا يسأل حميم حميما، أكرم كتابًا نقع الغلة فطرًا وطرا، وفرج العلة، فجرى مخرا، وأوْضَحَ محجّة النور لسالكها، فبدا بدرًا، وسقى ماء الفضل فزها زهرًا، وسبّح الله قارئه وأجرى أجرًا، ومن الناس بسخط يكون للدنيا زينًا وللآخرة ذخرا، وقد علم الله أن العبد ليمتاح من بحرها، ويرتاح إلى ذكرها، ويستقصر سعيه، وإن كان يستوعب الأشواط ولا يرى عمله كفء نيته في الخدمة، وإن كان مستوفي الأشراط فإنّه حسنة في الدهر، بالإضافة إلى أهل بيته وكلهم حسنات، وغرسة في الدهر كأنما كان آباؤهم رحمة الله عليهم من جناة الجنات، ولقد أعجبوا وأنجبوا، فهم المعنيون بقوله: الكم البنون ولهم البنات.
ومنه قوله:
وصل - أدام الله أيام المجلس، ولا زال سيبه مسؤولا وسيفه في الحق مسلولا، وأمره مقتبلًا، ومقبولا، وعدوّه بالاحسان أو بإساءته إلى نفسه مقتولًا، ووليه على النجاة في الدارين مدلولًا، وبشر وجهه بجود يده رسولا، وانعام لا يطمع بان يكون لتلك اليد في مضمار الكرم رسيلا - كتاب كريم يحمل على يد فلان، وثان (١) على يد
стр. 3925
القاضي الواصل إلى مصر، ولم تزل أيادي المجلس تتصل إلى أوليائه قربوا أو بعدوا، وقصروا في الخدمة أو اجتهدوا، ووقف على الكتابين الكريمين اللذين قبلهما على أنهما يدان واهتدى بهما على أنهما فرقدان، وإن لم يكونا يدين يُقبل ظهرهما فإنهما يدا نِعَم يجب شكرها، وإن لم يكونا فرقدا ليل أنارا في سواد، فأنهما فرقدا نهار أنارا في مداد، وما يخرج عن تلك اليد، ولا يصدر عن ذلك الصدر إلا كل ما تكشف به الأنوار، وتروح به الأسرار، وتُجلب به المسار، وتجدد به المبار، ويبقى به شَرَفٌ لا يخلق جديده جديد الليل والنهار (١)، وأوْرَدَ نجم الدين من الأحوال هناك والضرورات إلى الكبير والقليل، وحسن السيرة المشتملة على الجميل، وأنه بمصر أدام الله ظله على مشقات العفاف، ويسلك لنفسه القصد، ويعطى منها الاشراف، وأن كرمه لا مادة له ولا حاصل، ورواتب نفقاته لا أصل لها ولا واصل، وكُلَفُ خرجه لا محمول له ولا حامل، وذكر ذلك في كل مشهد حضره، وفي كل موقف وقفه، وبين يدي كل كبير عرفه ورقاه إلى العلم الناصري فأثبته فيه ومكنه وكشفه، وتبع هذا الفقيه نجم الدين رأي أبيه ﵀ في خدمة هذا البيت الذي كان يتعبد به، ولولا الغلو، لقلتُ وكان يعبده، ومضى شهيدًا في جنة رحمته مستشهده، ووجب أن يَلْحَظَهُ المجلس بعين صاحب سابق، ومحبّ صادق، وذي سريرة لا يخجل بها الواثق، وذي كفاية ينفذ في الأمور نفاذ السهم المارق، فما كل صاحب له وجاهة في كل مكان، وإن كانَتْ له وجاهة فقد لا يكون له جنان، وإن كان له جنان، فقد لا يكون له لسان، وإن كان له لسان فقد لا يكون له بيان، وهذا يجمع هذه الشرائط، ويحضر في عقود المجالس فيكون فيها مكان الوسائط، ويقي لسانه وقلبه بادراك الفوائد واستدراك الفوارط، فهو أحق عبد تضم على رقه، وأولى ولي يجازى بتصديقه، وسبقه، على أن الآمال العظيمة، والمطالبة الكريمة تبلغ به الهمة الفخرية بأيسر العزمات، وأدنى الحرمات، ولم يذكر في هذه الاجابة ما ذكر من أمره إلا أن كثيرًا من الرسل الواردين والأصحاب الوافدين، يسعى في قصد مرسله ومقصده، وهذا سعى لمرسله بمفرده، وما جَعَلَ حظ نفسه وغاية قصده إلا الخدمة، وبلوغ غرضها، وشكر النعمة والقيام بمفترضها، وإذا وردت الكتب الفخرية جدّدت نور ودها فخرا وفرضت على لساني مع شكره الذاتي شكرا، وعلى القلب موالاة إلى موالاة أُخرى، وَرَدَتْ على المملوك مكاتبة كريمة، رَفَعَها حيث تُرفع العمائم، ومد