← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

بقيعة لا مُتَعلَّل فيه للضماء، ومعلوم أنهم إذا احتلبوا تلك الجهة عادوا عود طائر نقاق إلى عشه، واسترجعوا خاتم ملك فربما رجع الأمر جاريا على نفسه، وما أولى ولاة المناصب، وكفاة المراتب، وحَمَلَة الأمانات، وخَدَم سدّة السادات، إلى أن يفيقوا لهذه الغمرة حق الإفاقة، ويلحظوا طليعة هذه العواقب، ولا يهملوها إلى أن تجيء في الساقة، فهذا في مصالح الدولة الجزئية. فأما المصالح الكلية، فإن عواقبها منهم عظيمة، وبوائقها بأيديهم وأيدي قديمهم قديمة، فشد ما أخذوه بالأمس برًا بلئيم، وبُرءًا بسقيم، وهرب من لا حيلة فيه فاستبيحت منه حُرمة وحريم، فكم عين ازعجوا عنها إنسانها، وكم يد بانوا منها بنانها، ومنهم أولاد ابن زين الدين على كوجك (١)، التابع للخادم الآن، فإنهم كشفوا منهم وجوهًا مصونة، وهتكوا منهم عورات أمينة، وحكموا فيهم نظرات ظنينة، وطافوا بهم البلاد نهارًا، ولم يخافوا الله غضابًا، ولم يرجوا له وقارًا، وكذلك وجدوا آباءهم على أمّة، فاقتدوا بآثارهم، وعلى إيقاد نار حِقْدٍ يستجمعون بهم في نارهم. فأما الجبايات التي يأخذونها من الرعايا ظلمًا، وتضمين الشريعة لمن لا يُمضي الله له على لسانه ولا يده حكمًا، واستباحة ملك الأوقاف والأيتام، والفرقة في الحكم بين الخاص والعام، فكل ذلك مما لا يسع خليفة الله اقرارهم على حيفه، ولا يعذره الله سبحانه على ترك مجاهدتهم بكتابه إلى عبده الذي جاهدهم بسيفه، ولا خفاء أنهم غابوا عن الجهاد للكفار، وحالوا بين الفرض وبين أُولي القوة عليه والاقتدار، فلا يقنعون بأنهم لا يجاهدون إلى أن يمنعوا من يجاهد عنهم، وبأنهم لا يساعدون المسلمين إلى أن يساعدوا عليهم عدوهم الكافر، فقد تولّوا الشيطان تليدًا وطريفًا، ووطئوا الاسلام وأهله وطئًا عنيفًا، فإذا جاء وَعْدُ الآخرة جاء الله بهم في زمرة الشياطين لفيفًا، فإن لم يرجع إلى الخادم فليرجع إلى قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٢) والقوم فما أبقوا للصلح موضعًا، ولا تركوا في رجعه مطمعًا، ولا تخلفوا عن سوء أبلغوه ناظرًا ومسمعًا، فالمسلم القريب استزلّوا يمينه والمسلم البعيد استخفوا سكينه والكافر استنصروا سيفه، والحشيشي (٣)

стр. 3922

استصرخوا سكينه، والأموال التي في بلاد تقليده أكلوها وأضاعوها، وأمانات الله ابتغوا بها ثمنًا قليلًا فباعوها، والذخيرة التي كانت بقلعة حلب لو أن لها لسانًا يتكلّم تظلّم، ولو أن لذهبها الذي تصرّم فؤاد تضرّم، وحُمِلَتْ إلى الكفار فَضُرِبَتْ بها اسِنَّةٌ تطاعن بها صدور المسلمين، أو بقيت في أيديهم فضيعت لتنتهك بما فيها حرمة الدين، ومتى استشف النظر العالي حال الخادم معهم لمح أنه من مبدأ وصوله إلى الشام الذي نوى به في الكافر إقامة الجهاد، وفي الاسماعيلية إماتة الإلحاد، وفي المسلمين إزالة الفساد، شغلوه ثلاث سنين عن هذه الفرائض، وجاءته قوارض لا تحتقر وقوارض، وقد استولوا على حلب بلا حجة، وأخذوا ما فيها من الأموال بلا شبهة، وخرجوا عن اليمين المعقودة بلا معذرة، واستفزوا من وافقهم من امراء المسلمين بلا جريمة والخادم على أن أجاب رسلهم بأني قد رضيت الديوان العزيز حكمًا، واخترتُ من اختاره الله للمسلمين قيمًا، فكان هذا الجواب أن يفروا إلى الفرنج، فحالفوا كفرتهم عليه، وإلى الاسماعيلية، فأنهضوا مجرمهم إليه، ونازلوا طرف بلاده، وهو متوسط بلاد الكفار، فهدموا قلعة من قلاعها، كانت زينة سلم ومفزع حذار، وراسلهم واستنزلهم، وقال لهم قولًا لينًا، ظنّ أنه يحملهم به عنه، فحملهم، ثم ما برح كلما طوى بلادهم، وجاز مدنهم وسوادهم يمحصهم المناصحة، ويدعوهم إلى المصالحة، وممن عرضها عليهم على يده فامتنعوا، وشافههم على لسانه فما سمعوا، شيخ الشيوخ، وإن سُئل عن الشهادة أداها، وإلى مسطوره في الديوان أبداها، وبعد مصدر فلان عنه حشد عليه ملوك الأقطار، وخرجوا من دمنة القرية المحصنة والجدار، وتحرك إليهم فتحرّكوا لكن قدامه لا إليه، وراح إليهم فراحوا عنه، وكان ينتظر رواحهم عليه، وقتلهم السيف وهو في غمده، وكفى ما كان متوقعًا من قبل جدهم وقبل جدّه، وقد أخرجوه إلى أن أقطع البلاد الحلبية والجزيرية الموصلية لمن يخدم عليها، وسبقوه بين يديه إليها، والله سبحانه، فقد أخذهم بما علم وعلموا وتمكّن منهم بما ظلموا، وما استبقاهم إلا لتكرر عليهم الرقة، فقد رقت لتقتل الشفار ولا لألين القول فقد سمي ليذبح الجزار، فأين كان التعلق بالدرة العزيزة وهم يحاصرون دار السلام بأحزابهم، ويرامون التاج الشريف بنشابهم، ويصافون الخلفاء مصافّة المواقف، ويكاشفونهم مكاشفة المخالف، ولو تحرّك اليوم متحرك كانوا له كنانة، ولكانت دارهم له خزانة، ويعلم أن الخادم ما ذَهبَتْ عنه، ويرجو الخادم بالموصل أن يكون الموصل إلى القدس وسواحله، ومستقر الكفر من القسطنطينية على بعد مراحله، وبلاد الكرج، فلوا أن لهم من الاسلام جار لاستباح

стр. 3923

الدار، وبلاد أولاد عبد المؤمن فلو أن لها ماء سيف لأطفأ ما فيها من النار، إلى أن تعلوا كلمة الله العباسية الدنيا، وتعود الكنائس مساجد، والمذابح المستعبدة معابد، والصليب المرفوع خطبًا طريحًا في المواقد، والناقوس الصَّهَل أخرس اللهجة في المشاهد، هذا كله يجري بمشيئة الله في السيرة الناصرية، فتحلّى بها السير ويجلي بها الغير، ولا يكلف الخادم منها مالًا ولا مددًا، ولا يتخلّف عن نصرة ولي الله، إذ كاد أعداء الله يكونون عليه لِبَدًا، ولا يقول إنه ينقص ما في الديوان، بل يزيده ولا يستفيده بل يُفيده، وإن استعظم هذا المأمول، واستقصر دون هذا المبذول، فالذي وقع أعظم من الذي يتوقع، والذي طلع أكثر من الذي يتطلّع، والذي رأى أمس أكثر من الذي يسمع، وقد علم الله سبحانه أنه لا يريد دنيا، بل يريدها لدنيا يتزيدها ولكن ليقوى بها على تقوى يتزودها، فإن أُعِين على النية، وإلا فقد حصل أجرها، وإن نجح جهد الإرادة في الدنيا، وإلا فقد سر في الآخرة سرها. ومنه قوله: كل ما يرد على عبد المجلس، - لا زالت المسار على جانبه واردة، والأيام بامتداد عمرِهِ واعدة - من أنفاسه العطرة وكتبه البهجة النظرة، ولآرائه التي تُمْطِرُ من صَدَرتْ إليه صوب الصواب، تحول لمن صدرت عنه ثوب الثواب، وتشهد له بالفضل الذي ليس له جاحد، وتذكرت بيت أبي عبادة (١): [من الطويل] ولم أر أمثال الرِّجالِ تَفَاوتُوا … إلى الفضل حتَّى عُدَّ أَلْفُ بواحد ثم سلك عبده غير هذا الجدد، ولا يقف عند هذا العدد، وينشد قول الآخر: [من الطويل] وَمَا الناس إلا قدحة أنتَ زَنْدُها … وقطرةُ غَيث أنتَ مُنشي سحابها فلا عدمت دول الاسلام، وصدور الايام منه البقية الصالحة، والحسنة الراجحة، والسيف الذي يبلى الأيام فهي غمده، وينظم الساعات محاسن فهي عقده، وإن تأخرت خدم عبدِهِ عن مجلسه، وأمسك عن ان يقابل بِدُجاه نور قبسه، فقد عَلِمَ أدام الله نعمته أن الطريق ليس بقاصد والعدو ليس بواحد، وأن الكتب لها أقوام سوء في الطرقات، يقصدونها ويرصدونها، وأن فلجات الشام قد حال دونها، إلا أن الامور بمشيئة الله، قد سَفَرَ وجْهُ، صلاحها، والليلة قد دَنَتْ من صباحها، والله تعالى يتم ما تَعِدُ به المخايل المتوسّمة، ويحرر الاسلام وأهله عواقب هذه المخايل المنجمة.

стр. 3924

ومنها: وقضايا كلها توجب أن ينعكف المجلس على فرض يؤديه، ونُصْحٍ يهديه، ودعاء لمولى النعمة يُحفيه، والله مظهر أثره ومخفيه، مع أنه لا يدفع عن منزلته العليا ودرجته الكبرى من القلب الأصمع، والروع الأروع، والعزمات التي هي كألطاف الله التي منها الواقع ومنها المتوقع، فما حصر قط في مأزق إلا سفر عن نصر تبين فيه الأرواح من ثيابها، أو عن سلم يأتي فيها البيوت من أبوابها، وأما القرية المسؤولة له فهي من البغاث الذي لا يصيده ذلك الجارح، وإن هذا ميدان يضيق عن شأو ذلك القارح. ومنه قوله: وَصَلَ، - وَصَلَ اللهُ المجلس السامي بأفضل وصائل نِعَمِهِ، ولا أخلى الدين من الفخر بأمس سيفه ويوم قلمه، وحمل مواقف الجهاد بثبوتِ قَدَمِهِ وخفوق عَلَمِهِ، وأدام تذكار خواطر الإسلام لأيام ذي سلمه وأمتع المجد بأيام حياته التي هي تواريخ فخره وأيام حكمه - كتاب منه كريم، وكلّ ما يصل منه ما يُعدُّ إلا كريمًا، وكلام شريف شف يدًا كليمية، وشفى فؤادا كليما، وخطاب عذب فاض على الأعين روضًا وجرى على الأكباد نسيما، وأبان منه على الحفاظ المحفوظ في شيمته، ولا نحسبها ينساه يوم لا يسأل حميم حميما، أكرم كتابًا نقع الغلة فطرًا وطرا، وفرج العلة، فجرى مخرا، وأوْضَحَ محجّة النور لسالكها، فبدا بدرًا، وسقى ماء الفضل فزها زهرًا، وسبّح الله قارئه وأجرى أجرًا، ومن الناس بسخط يكون للدنيا زينًا وللآخرة ذخرا، وقد علم الله أن العبد ليمتاح من بحرها، ويرتاح إلى ذكرها، ويستقصر سعيه، وإن كان يستوعب الأشواط ولا يرى عمله كفء نيته في الخدمة، وإن كان مستوفي الأشراط فإنّه حسنة في الدهر، بالإضافة إلى أهل بيته وكلهم حسنات، وغرسة في الدهر كأنما كان آباؤهم رحمة الله عليهم من جناة الجنات، ولقد أعجبوا وأنجبوا، فهم المعنيون بقوله: الكم البنون ولهم البنات. ومنه قوله: وصل - أدام الله أيام المجلس، ولا زال سيبه مسؤولا وسيفه في الحق مسلولا، وأمره مقتبلًا، ومقبولا، وعدوّه بالاحسان أو بإساءته إلى نفسه مقتولًا، ووليه على النجاة في الدارين مدلولًا، وبشر وجهه بجود يده رسولا، وانعام لا يطمع بان يكون لتلك اليد في مضمار الكرم رسيلا - كتاب كريم يحمل على يد فلان، وثان (١) على يد

стр. 3925

القاضي الواصل إلى مصر، ولم تزل أيادي المجلس تتصل إلى أوليائه قربوا أو بعدوا، وقصروا في الخدمة أو اجتهدوا، ووقف على الكتابين الكريمين اللذين قبلهما على أنهما يدان واهتدى بهما على أنهما فرقدان، وإن لم يكونا يدين يُقبل ظهرهما فإنهما يدا نِعَم يجب شكرها، وإن لم يكونا فرقدا ليل أنارا في سواد، فأنهما فرقدا نهار أنارا في مداد، وما يخرج عن تلك اليد، ولا يصدر عن ذلك الصدر إلا كل ما تكشف به الأنوار، وتروح به الأسرار، وتُجلب به المسار، وتجدد به المبار، ويبقى به شَرَفٌ لا يخلق جديده جديد الليل والنهار (١)، وأوْرَدَ نجم الدين من الأحوال هناك والضرورات إلى الكبير والقليل، وحسن السيرة المشتملة على الجميل، وأنه بمصر أدام الله ظله على مشقات العفاف، ويسلك لنفسه القصد، ويعطى منها الاشراف، وأن كرمه لا مادة له ولا حاصل، ورواتب نفقاته لا أصل لها ولا واصل، وكُلَفُ خرجه لا محمول له ولا حامل، وذكر ذلك في كل مشهد حضره، وفي كل موقف وقفه، وبين يدي كل كبير عرفه ورقاه إلى العلم الناصري فأثبته فيه ومكنه وكشفه، وتبع هذا الفقيه نجم الدين رأي أبيه ﵀ في خدمة هذا البيت الذي كان يتعبد به، ولولا الغلو، لقلتُ وكان يعبده، ومضى شهيدًا في جنة رحمته مستشهده، ووجب أن يَلْحَظَهُ المجلس بعين صاحب سابق، ومحبّ صادق، وذي سريرة لا يخجل بها الواثق، وذي كفاية ينفذ في الأمور نفاذ السهم المارق، فما كل صاحب له وجاهة في كل مكان، وإن كانَتْ له وجاهة فقد لا يكون له جنان، وإن كان له جنان، فقد لا يكون له لسان، وإن كان له لسان فقد لا يكون له بيان، وهذا يجمع هذه الشرائط، ويحضر في عقود المجالس فيكون فيها مكان الوسائط، ويقي لسانه وقلبه بادراك الفوائد واستدراك الفوارط، فهو أحق عبد تضم على رقه، وأولى ولي يجازى بتصديقه، وسبقه، على أن الآمال العظيمة، والمطالبة الكريمة تبلغ به الهمة الفخرية بأيسر العزمات، وأدنى الحرمات، ولم يذكر في هذه الاجابة ما ذكر من أمره إلا أن كثيرًا من الرسل الواردين والأصحاب الوافدين، يسعى في قصد مرسله ومقصده، وهذا سعى لمرسله بمفرده، وما جَعَلَ حظ نفسه وغاية قصده إلا الخدمة، وبلوغ غرضها، وشكر النعمة والقيام بمفترضها، وإذا وردت الكتب الفخرية جدّدت نور ودها فخرا وفرضت على لساني مع شكره الذاتي شكرا، وعلى القلب موالاة إلى موالاة أُخرى، وَرَدَتْ على المملوك مكاتبة كريمة، رَفَعَها حيث تُرفع العمائم، ومد

стр. 3926

إليها كما يُمدُّ إلى الغمائم، وفضّها بعد أن قضى باللثم فَرْضَها، واستمطرت نفسه سماها، فأرضت أرضها، وكاد المملوك يَتَأمَّلُها، لولا أن دَمَعَ الناظر إلى العين سبقه على أنه دمع قد تلوّن الألوان في فراقه، فلو فاض لعصفر الكتاب وخلقه، فلا أعْدَمَهُ الله المولى حاضرًا وغائبًا، ومشافها ومكاتبًا، وأحلَّهُ في جانب السعادة، ويعزُّ على المملوك أن يحلّ من مولانا جانبًا. ومنه قوله (١): ورد كتابه، ووقَفْتُ على ما أودعه من فضل خط وفصل خطاب، وعقائل عقول ما كنا لها من الأكفاء، وإن كانت من الخطاب، وآثار أقلام تناضل عن الملة نضال النضال، وكأنها فضل سيق لما يحوزه من حق السبق، وخصل (٢) الخصال فأعيذ الإسلام من عدمه. ولا عدم بسط قلمه وثبوت قَدَمِهِ، فإنه الآن عين الآثار وأثر الأعيان، وخاطر الحفظ، إلا أن الخطوب تصحب فيه خواطر النسيان، ولئن انتصر الدهر سطوا (٣) واخْتَصَر خطوا، فإنه سيف يمان، إن قَدُمَ عهدًا، فقد حَسُنَ فرندا (٤) وخَشُن حدًا، وأجري نهرا، وأوري شررًا، وأخضر خميلة وقطع للأيام جميلة وضارب (٥) ولبسها حتى أنْهَجَتْ بوالي، ثم اختار منها أيامًا وأبى أن يلبسها ليالي. ومنه قوله (٦): وَصَلَ كتاب الحضرة، فجعل مستقره مستقرَّ النعمة (٧) في الصدور، وأخرجتني ظلمات خطه إلى نور السرور، ووقفت وكأني واقف على طلل من الأحبة، قد بكي عليه السحاب بطله، وابتسم له الروض عن أخبار أهله (٨)، فلم أزل أرشف مسك سطورِهِ ولماها، وأنزّه العين والقلب بين جنيها (٩) وجناها، وأطلق عنان شوق

стр. 3927

جَعَلْتُ الاقلام له أنْجُما (١)، وحَسَبَتْ النَّفْسُ ليلا والكتاب طيفًا، والوقوف عليه حُلْما، إلى أن قضت النفوسُ وَطَرا، وحَمَلَتْ الخواطر خَطَرا، وقرنته بما ظنَّهُ سحابًا ما ظنَّهُ مَطَرا، هذا على أنه قريب العهد بيد النعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء .. ومنه قوله (٢): وقف على الكتاب [و] جدد العهد بِلَثْمِهِ، لما لم يصل إلى اليد التي بعثته، وشفى القلب بضمه عوضًا عن الجوانح التي نَفَثَتْهُ (٣): [من المتقارب] وأين المطامع من وَصلِهِ … ولكنْ أُعلل قلبًا عليلا ومنه قوله ﵀ (٤): وصل كتابه فكان من لقائه طيفًا إلا أنه أنس (٥) بالضحى، وأثار حرب الشوق، وكان قطب الرحى [من الطويل] تخطى إليَّ الهول والقفر دونَهُ … واخطاره لا أصغر الله ممشاه ومنه قوله يصف بلاغة كتاب (٦): كتاب إلى نحري ضممته، وذكرتُ به الزمن الذي ما ذممته، وأكبرت قدره، فحين تسلّمته أستلمته، والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء نفسي فحين لفظته حفظته، وجمعت بينه وبين مستقره من صدري، واستطلت به مع قصره على حادثة دهري، وجعلت سِحره بين سَحْري ونحري، واستضأت به ورشفته، فهو نهاري، وهو نهري، فإن أردتُ العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدي، وإن أردتُ السكر بلا إثم (٧) أدرتُ كأسه في خلدي، فلله أنامل رقَمَتْهُ ما أشرف آثارها، وخواطر أمْلَتْهُ ما أشرق أنوارها، ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير، وإمارة لها سرير، ومسرّةٍ أنا لها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير، حتى أدْبَرَتْ عني جيوش الأسى مفلولة، وقَصُرَتْ عنّي يَدُ الهمّ مغلولة، ومُلئت مني مسامع الكلام حمدًا، وخواطر الصنائع ودًا، وحط الأمل بربعي رَحْلَه، وأنْبَتَ الربيع بفنائي بَقْلَه، ولبست من الإقبال أشرف خلعة، ووردتُ من القبول أغْزَرَ شِرْعه، انتجعتُ مِنْ رياض الرجاء أرجى نجعة.

стр. 3928

ومنه قوله (١): هذا مع عفو الخاطر (٢) فكيف إذا استدعى المجلس خطية خطة فجاءت تعسل، وحشد حشود بلاغته، فأتت من كلِّ حَدَبٍ تَنْسِل (٣). ومنه قوله (٤): وَرَتَعَ في رياض بلاغته التي لم يقتطفهنّ من قَبْلِه غارس ولا جان. واجتلى الحور المقصورات في الطروس التي لم يطمثهن أنس قبله ولا جان، وغني بتلك المحاسن غنى خيرًا من المال، واعتقد فيها كنوزًا (٥) إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال. ومنه قوله أيضًا (٦): كتابا اشتمل على بديع المعاني وباهرها، وزَخَرَتْ بحار الفضل، إلا انني ما تعبت في استخراج جواهرها، بل سَبَحَتْ حتى تناولتها، وَجَنَحَتْ إلي فما حاولتها، وأقتبست من محاسن أوصافه وبدائع أصنافِهِ، نكتًا استقلت أجسامها (٧) بالأرواح، وَزَهَتْ جيادها بما فيها من الغُرر والأوضاح، فيا الله من بدائع وروائع ولطائف وطرائف، فيها ماتشتهي الأنفس وتلد الأعين، وما يقرّط الأسماع وتقرظ الألسن، كأنه طرف طرف، صوبه مدرار، وعَلَمُ عِلْمٍ منصوب في رأسه نار، صحح السحر وإن كان ظنًا، وفضح الدرَّ إذ (٨) كان أبرع معنى، وأسنى حُسْنًا، وأدنى مجنى، وأغنى مغني، فما ضرت تأخير زمانه، مع تقديم بيانِهِ، ولا مَنْ سَبَقَهُ في عصره، مع أنه سبق في مصره (٩). ومنه قوله (١٠): والله هو من كتاب، لما وقفَتْ عليه الغُلَّةُ شفاها، وحدثها الود شفاها. ورأت وردها كل ماء غيره شفاها (١١)، ووطأ مضاجع أُنْسِها بعد أن كان الشوق يقلب الجنوب على سفاها (١٢)، فلا عُدم ودّها الذي به عن كل مودة سلوة، ولا برحت

стр. 3929

كفاية الله تحلُّها في الذُّرى، وتعلي قدرها في الذروة، ولا فقد ممن يُنعم به أي نعمة وما يُنشيه أي نشوة. ومنه قوله (١): كتاب كريم تبسم إليَّ ضاحكًا، وظنَّ مداده أنه قد خط (٢) سطره عليَّ حالكًا، فما هو إلا سواد الحَدَقَةِ منه انبعثت الأنوار، وماهو إلا سويداء ليلة الوصل اشتملت (٣) على دجى تحته نهار، فلله هو من كتاب استغفر الدهر ذنب همز المشيب (٤) بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده. ومنه قوله (٥): كتاب تقارَعَتْ الجوارح عليه فما كادت (٦) تتساهم، فقالت اليد: أنا أولى به، شددت على مولاه ومولاي عَقدَ خِنْصِري، ورفعتُ اسمه فوق منبري، وقبضت عليه قبضتي، وبسطتُ في بسط راحته وقت الدعاء راحتي وقالت العين: أنا أولى به، أنا وعاء شخصه، وإليَّ يرجع القلب في تمثيله ونصّه، وأنا سهرت بعد رحيله، وعندي وحشة (٧) وأنا إذا ذكر (٨) هجير القلب عليه رشّةً بعد رشة، فقال القلب: طمعتما في حقي؛ لأني غائب، وهل أنتِ لي يا يد إلا خادم؟، وهل أنتِ لي يا عين إلا حاجب؟ أنا مستقرّه ومستودعه، ومرتَعُهُ ومَشْرعُهُ، وأنا أذكرُهُ، وبه أذكركما وأحضره، بخدمته أحضر كما، فاليد استخدمتها مرةً في الكتاب إليه، ومرة في شدّ الخنصر عليه. ومرةً في الإشارة إلى فضله، ومرةً في الدعاء بكلِّ صالح هو من أهله، والعين استخدمتها في ملاحة وجهه غائبًا، وفي توقع لقائه (٩) آيبًا، وفي السهد شوقًا إلى قربه المطالعة لما يخرج أمري بكتبه من كتبه، فهناك سلمنا واستخرنا واكتفينا (١٠) واستأخرنا، وكدت ارشف نِقْسَهُ (١١) إلى أن أنقله إلى سويداه، لولا أن سواد العين قال: أنا أحوج إلى الاستهداء من هداه (١٢). ومنه قوله:

стр. 3930

وَرَدَ كتاباه الكريمان فسرًا وبرا، وتصرفا في القدر فنصبا، وفي الطرف فرفعا، وفي الأنس فجرا، وما وقف على صدر منهما إلا شهد القلب بأنه أولى الصدور بأن يكون صدرا، ولا أهديا إليه يدًا كبرى إلا افضيا به إلى بحر، وما دار في خَلَدِهِ أن البحر يكون كله درًا، وتحقق ما له منه من مناب يصرفه كلما ناب، ويؤنسه في كل ما راب، ويلبيه إذا دعا، ويزيده بصيرةً إذا أجاب، ويصله إذا غبّ ويحضره إذا غاب، ويبعث عزمه إذا ألبَ؛ ويورد أمَلَهُ إذا لاب، فعلى هذا، المقدمات تنتج، ومتى عرضت عوارض من الشك تزدحم، سَنَحَتْ سوانح من الثقة تفرج، وقد علم ما رامت عليه هذه الأحوال التي يظنّ انها في أعقابها وهي في مباديها، وما أسْفَرَتْ عنه هذه الليالي التي يحسب انها في بلجة غررها وهي في دهمة دآديها، وليس للمعضل من الداء إلا كية، وليس للغازي إلا الشهاب الذي يدخر به استراقه ويحسم به غيّه، وقد طالع الديوان العزيز بما يرغب في الوقوف عليه، والمشورة بما وقعت الإشارة إليه، فلم يكلف المجلس ذلك إلا لأن الملتمس من التقليد لصلاح الجملة وصلاح الدولة، باد، قبله، ولمحل الخلافة شرفها الله رافع قبل أن يرفع محله، وما شام من ذلك أمرًا يصعب مثله، ولا ذخرًا يتعذّر بذله، ولا جيشًا يخلو فناء الخلافة بأن ينقص عنها جعله، ولا عزل وال يجلُّ على الإسلام عزله. ولا تجريد سيف من يد الخلافة العالية يتوقى أن لا يمضي نصله، ولم يسم إلا إلى ما أفاده إليه ولاؤه، واعتقاده، ووفقه عبده نظره واعتقاده من أن يكون نظره شرعيًا، وتصرفه بعين الخلافة مرعيًا، وتقلّده سنيًا، وجمعه اجماعيا، فتكون الأمور أمرًا واحدًا، والمناهج المختلفة القصد نهجًا قاصدًا، والرايات القاعدة عن الكفار رايةً مستقلة، يؤنسها الانفراد، وينهضها الجهاد، ويبيض عواقبها السواد، لا تختلف تحتها الآراء، ولا تتشتت عندها الأهواء، ولا يعوزها النصر في الأرض إلا أن ينزل من السماء، ولا يحوجها التأييد، إلا أن تصحر إلى الفضاء، هذا إلى ما ينضاف إلى يد الخلافة وكلمتها من بلاد بها تخص ومنابر ومنائر تعلو سماؤها عليها وتنص، فالسعادات سمحة إن تسمحوا، والدنيا مستفتحة إن تستفتحوا والممتنعات ما دونها حجاب والدين لا يصلب دون فطرته صخر، ولا يبعد دون تناوله سحاب والمجلس السامي يتأمل المراد بعين الولاء، ولخادمه بعين المحبّة، ويعلم أن مثل الحروف المثبتة في هذا التقليد ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (١)، وما أحراه في ذلك

стр. 3931

بتحريه، وما أولاه في هذا المهم بما يوليه، فإنه إذا أنجز ما وعد به حسن الظن، وأهدى إليه وإلى الأسلام ما يكسبه القوة، وإلى آلامه ما يحميها الوهن، فليذهب أدام الله نعمته من ذلك بواحدةٍ ما ذَهَبَ بمثلها من الدنيا واجد، وليقرر المجد بعظمته ما جد في مثلها ما جد، وليكن أدام الله دولته مع الحق، فإن الذي يُدعى إليه هو الحق، والرجل الذي يُعرف ما بين الرجال من الفرق. ومنه قوله: وما بَرِحَ قَلَمُهُ يقوم خطيبًا في محافلها ونائبًا عن مناصلها، ومعظمًا لشعائرها بشعارها، ومعلنا لمآثرها بآثارها، ومناضلا لأعدائها بكل قطاعة العرى، طلاعة الذرى، إلى غير ذلك من توشيحه مدارس التدريس بالدعاء بخلود أيامها، ونفوذ أحكامها، والرواية عن سَلَف الأئمة الصالح من آباء أمير المؤمنين وأجداده، والتنبيه على مناقب الدولة التي يجدع بها أنوف أعدائه وأضداده، هذا إلى أنه ربي في ظلال الدولة العزيزة الممدودة، وتصرف في خدمها المحمودة، وأدرك الصدور من خدامها، وأدّى أمانتي اللسان واليد في استخدامها، وهذبته تلك الآداب إلى أن أمِنَ العثار. واعتد الخادم به من إنعام الدولة التي حصلت له قبل الحاجة الاقدار، وقد أضاف إلى تلك الحقوق التالدة حقًا طارفًا، واستأنف إلى تلك الأسباب القديمة سببًا آنفًا، وهو صحبة الخادم، وكتابه عن يده، وترجمته عن معتقده، وثقته بمغيبه ومشهده، ومجادلة أعداء الدولة بلسانِهِ ويراعه، وإبهاته أبصار أوليائها، بالقول المحكوم على كل ذي لب باتباعه وله مما أقناه الأنعام الشريف، ملك بواسط في شركة أقاربه ما برحت العناية متوفرة بعقودِهِ حاميةً لحقوقه وحدوده مثمرة لمستغله، مزجية لدخله، مانعة الأيدي من أن تتطرق إليه أو تتسلّط عليه، وقد تجدّد الآن من مفظعي المجاورين لملكه دخول في الحدود، وخروج عن العهود، ودعوى معوزة البراهين والشهود، والمسؤول فيه خروج الأمر بما يزيل صادق الشكوى، ويبطل كاذب الدعوى، ويرد الحق ويحمي الحدود، وبيده توقيعات إمامية أجرته على ما يلتمس الآن الإجراء عليه، ولو لم يكن هذا الحد بيده لما استكثر الانعام أن يصفح له عنه، ويعاد إليه، فكيف والحجج الشرعية والتواقيع الإمامية مثبتة لحقه، شاهدة بقدم ملكه وسَبْقِهِ، والمتوقع إجابة سؤاله، فقد جرّده، وإن تأخرت الإجابة بالإيجاب جدده. ومنه قوله: أعاذ الله المجلس، ولا برحت الأيام شاكرةً لأيامه والصوارم معدودة من حسّادِ

стр. 3932

أقلامه، الهمة العالية مذحورة عند المهمات، مستضاء بأنوارها في ليالي القصد المدلهمات، والآراء المجدبة مُسْتَمَدَّة بحمد الله من المكرمات، تسل بها ولا سيما إلى أهلها، ويأتيها على عِلْم إذا أتى على الناس من جهلها، ويبتكرها بخاطر خطار، ويبتدرها بضمير فضل لا يجارى في مضمار، وإذا عرضت اللبانة أنزلت بكرمه الفسيح اللبان، وحَدَتْ ركابها إلى أفناء إحسانه الذي ينتهي إليه غاية سرى الركبان، وقد قصد هذه الخدمة على حال تفصيل فلان في ملك له بواسط، قد استولى عليه من حادده وجاده من القطعين، وأضرّ به مَنْ حاز عليه من المجاورين، ومعه من التوقيعات الامامية ما يوضح الإشكال، ويرشد من الضلال، ولو لم يكن الحد له مستحقًا، والملك بيده مسترقًا لوسعه من الانعام ما يسع مَنْ ليس له من الخدمة المرعية، والأذمة المرئية، كما لهذا المذكور، فله [من] ولاء الدولة الشريفة السبب الوثيق والعرق العريق، والسابقة التي لا تمارى واللاحقة التي لا تجارى، والنشأة في ظلال الدار العزيزة، والتربية في اكنافها الحريزة، واستداد العلم من بحرها، واستمطار الأدب من قطرها، واستلماح الأنوار من فجرها، والتقلب في آلائها، والثبوت على ولائها، والمناضلة بلسانه وقلمه الذين يلحدون في أسمائها، إلى غير ذلك من المكاتبات التي يجاهد فيها عن الدولة الناصرية حق الجهاد، ويرهف بها الأولياء ويفل الأضداد، ويستعطف بها القلوب النافرة، ويجمع بها الأهواء المتنافرة، ويجادل فيها بالتي هي أحسن، وبالتي هي أخْشَنْ، ويوضح حقها بالتي تثبت من أخْلَصَ، وتستخلص من أدْهَنَ، والمجلس السامي عارف بقديمه وحديثه، ومكتسبه وموروثه، معرفة توجب الذمام، وتنجح المرام، وتدخر الأيام، وتتوقع ظهور ثمرتها في اوقات القدرة. لا عطل المجلس من حُليّها، ولا خَلا من اقتطاف ماحلا مِنْ جَنِيها، فإنه جانب من الدولة العالية، لا ينفصل عنها ولا يخرج منها ولا يُعَدُّ إلا من أقطارها ولا ينتظم القائم به إلا في أنصارها، وقد شرع في الشكر ثقة بالنجح، وألقيت عصا السرى علمًا انها مسبوقة الحمل بطلوع الصبح، وتركت محاربه خواطر الشك علمًا أن المطالب به مُذْعِنة إلى الصلح، والمجلس السامي سريعة ورده، وفلك القصد والهمة المجدية طليقة سعدة، ومن وَرَدَ عنايته فقد استكره الموارد، ومن جعله قبلة القصد فقد استنجح المقاصد والمتوقع وصول كتاب أخيه الشاكر لأنعامه، الداعي لأيامه، بأن هذا الحدّ رفعت عنه اليد، ولئن تكاتفت الأشغال عليها، وتَزاحَمَتْ المهمات لديها، فما هي لخواطرها إلا بمثابة الصقال للسيوف المرهفة، ومرور النسيم بالرياض المفوّفة، فالصقل للأولى يفيدها قطعًا ولمعًا، والنسيم للأخرى

стр. 3933

يفيدها نَفْحًا ونَفْعًا، ولا شبهة في أنها مدفوعة إلى بحر أشغال متدافع، ومقذوف بها في بحر هول يرجع عنه كل طمع متراجع، وهي بحمد الله سابقة للطبع فاتقة، فالعقبة الكؤود لا تؤود، وعزمها فيما ترق له الصخور لا يجور، والله تعالى يحسن إليها كما أحسن بها، ويجعل لها راحة عنده في تعبها، وخواطر المحبين لخواطر الشعراء في كل واد تهيم، وكلما أمل القرب يوم مسفر قد دفعه الدهر بليل بهيم، وكتابها الكريم، فينعم به مضمنًا ما يسنح من خبرها، ويعز من وطرها، والله لا يعدمني خبرها إلا بوجهها، وكتابها إلا بنظرها. ومنه قوله: ما أصدرت هذه الخدمة إلى مجلس الحضرة العالية، لا زالت الأيام خدامًا لخواطرها، والأسماع نطاقًا لجواهرها، والطروس ساحلًا لزواجرها، والمسار سارية إلى سرائرها، والأيام قاضية بكل قاضية عليهم، بخفض من محلّهم، وترفع من محلها، ويعقد لها عُقدة عزّ تعجز أيديهم عن حلّها، من ثغر الاسكندرية حماه الله عند الوصل إليه لخدمة الصريخ المعظمي الذي حلّ فيه ملك الكرماء، ولزيارة القبر الحافظي الذي حل فيه ملك العلماء، والله تعالى، يؤجر الكافة في الفجيعة بالعلم والكرم، على أن الحضرة العمادية أولي الكرم والعلم، فلا تشتكي العدم، ولا بد أن أخرج إلى مراد هذه الخدمة وثبًا كخروج البحتري إلى مدائحه، وان أهزّ عزمها لامر مهم تثاب في تسبيب مناجحه، ولا أطيل بذكره، فإنه في الخدمة الناصرية الصادرة عني في معنى الفقيه ابن سلامة (١)، وهي تفعل ما يقوم الله بأجره وأقوم أنا بشكره، وما بعده مما يبيض الصحيفة على انها نظيفة، ومما يتوصل إلى المراد الجليل منه بفكرتها الدقيقة اللطيفة، وقد ضاق وقتي عن مكاتبة أعزيه بمقتضاها، فأسألها إن كان الركاب العزّي أدام الله أيامه، ونَصَرَ أعلامه، بالعسكر المنصور فتعرض عليه الفضل من المطالعة ولا أقول: ويهزّ عزمه، فإنه سيف قاطع لذاته، يستحيل أن يرى إلا قاطعًا. ومولى يرى الثواب من لذاته فلا يمكن أن يرى إلى داعيه إلا مُسارِعًا، ومَنْ عوّل على خطابه في الأسفار التي تملأ الغرائر، ولا تستقل بها إلا الأباعر، فإني أقول في خطابها على اللفظة المعرضة، ومن استدعيت عزائمه

стр. 3934

بالمماشاة والمصافحة فإنني استدعي عزمها باللحظة الممرضة. لا زالت مساعيها مقرونة بالمساعد، وهممها موفية لما كلفته عنها الظنون الحسنة المواعد. ومن شعره قوله (١): [من الكامل] أن البنان الخمس أكفاء معًا … والحلي دون جميعها للخنصر وإذا الفتى فقد الشبابَ نَشَاله … حبُّ البنين ولا كحب الأصغر واخصص بوسم تحيتي مَنْ لَمْ أَبُحْ … لكَ باسمه ولعلهُ لمْ يُذكر ممّنْ أودُّ لَهُ الردى لا عَنْ قِلّى … وتودُّ لَوْ أبقى بقاء الأدهر ومنه قوله (٢): [من الوافر] ذكرت وجوهكم والبدر يسري … كلا البدرين مسكنه السحاب سقاني الله قربك عن قريب … دعاء كان واختصر الخطاب ومنه قوله (٣): [من البسيط] تفدي الليالي التي بالسعد تُسخطني … تلك الليالي التي بالقرب تُرضيني كانتْ بِكُمْ فَرَعَاهَا اللهُ تُضحكني … فأصبَحَتْ لا رعاها الله تُبكيني يا بُعْدَهَا غايةً للشوق غائلة … من غَوْرِ مصر إلى علياء جيرون أو دعتم مسمعي مكنون دركُمُ … فهاكُمُ دُرّ دمعي غير مكنون ومنه قوله (٤): [من البسيط] من أين أنت ومن ياريح أين أنا … الجدّ خُلُقي ومِنْ أخلاقك العَبَثُ ما جئت مبعوثة بل جئت باعثةً … هَمِّي ولا خاطر في الهم منبعث لبثت في الحب عمرًا لا أحصله … كفتية الكهف لا يدرون ما لبثوا فكروا اللواحظ بحثًا عن محاسنِهِ … وما دَرَوا أنهم عن حتفهم بَحَثُوا ومنه قوله (٥): [من الكامل] زار الصباح فكيف حظك يا دُجَى … قم فاستَدم بفُروعه أو فالنَّجا رأت الغصون قوامَهُ فتأَوّدَتْ … [و] الروضُ أنشر نشره فتأرجا يا زائري من بعد يأس ربّما … تُمنى المُنى من بعد إرجاء الرجا أثرى الهلال ركبت منه زورقًا … أولًا فكيف قطعت بحرًا مِنْ دُجَى

стр. 3935

أم زرتني ومن النجوم ركائب … فأرى ثرياها تريني هَوْدَجا لعبت جُفونك بالقلوب وحبُّها … والخدّ ميدان وصدغك صولجا منها: لا أرتجي إلا الكرامةَ وَحْدَها … فالمال قد أعجلته ان يرتجى تتلو الليالي سورة منْ فَضْلِكُم … فتُقيمها شعراؤكم أنموذجا منها: ناران نار قرى ونار وقائع … لله درّكَ مُطفيًا ومؤججا باشرت بشرك لا بمنّةِ شافعِ … فَغَنِيت يا شمس الضحى أن أسرجا ومنه قوله (١): [من البسيط] قاتل بغير سلاح الهجر إن له … حَزْمًا تسيل دموعي منه وهي دَمُ كتمتُ مابي في وجهي دلائله … والهم نار فقل لي كيف ينكتم وقوله (٢): [من الوافر] وميدان خده بخيول لثمي … وصولجُ صُدْغِهِ والخالُ أَكْرَه تَلِفْتُ بشعره وسمعتُ غيري … يقول: سلمت من تلفى بشعرة بكيت عليك ملء العين حتى … بقيت بأدمعي في الشمس عُصْره (٣) وقوله (٤): [من مجزوء الرجز] ممسحةنهارها يجن ليل الظلم … كأنها مُدْخُلِقتْ منديل كُمُ القَلَمِ (٥) ومنه أخذ شافع (٥) قوله: [من الوافر] وَمَمْسحَةٍ تناهى الحُسْنُ فيها … فأضحت في الملاحة لا تُبارى ولا تُنكر على القلم الموافي … إذا في وصلِها خَلَعَ العذارا

стр. 3936

والاصل قول ذي الرئاستين (١): [من المنسرح] ممسحةٌ تكتم الظلام فما … تبديه إلا سوافر الظُّلَمُ تُودِعُ فيها الأقلامُ فَضْلَةً ما … تنفقه في مصالح الأمم عدنا إلى الفاضل، ومنه قوله (٢): [من الكامل] منعت دموع العين مِنْ أطلالي … لأرى صنيع الدهر بالأطلال ومن المساءةِ ما يكون مسرَّةً … ما الدمع ان حجب المكارة عالي ومنه قوله (٣): [من الطويل] أيا بدر قد أسهرت عيني فارقدِ … وشاهدت ما جاهدتُ يا نجم فاجهد إذا لم تعاين في الصباح مسرَّةً … فلا تحسبن الليل ليس بِسَرْمَدِ ويا عاذلي رفقًا كفاني صَدُودُهُ … فإِن شئتَ فانقص من ملامك أو زد تمازج في خديه ماءً وجَمْرَةٌ … تمازج دمعي في الهوى وتوقدي وقوله: [من الطويل] وفوا غيرَ أنَّ السمهري وأنَّهُ … يَحارُ بأيديهم شكا للمهند لهم في الوَغَى أغصانُ سُمْرٍ كأنما … تحف إذا أجرى الدماء بمورد وقوله: [من الطويل] جمعت الذي فيهم وزدت عليهم … فأنتَ كمعنـ ناظم متولد وما فوق ما قد نلته من زيادة … بل الله أولى بالزيادة فازدد وقوله (٤): [من السريع] لاح وفي خديه ديباجة … طرّزها الشعر بلبلاب بابُ سُلُوّي دونَهُ مُغْلَقُ … وصُدغُهُ الزرفين للباب (٥) يا مانعي حتى مواعيدَهُ … مَنْ لي بوعد منك كذاب وقوله من مرثية في أخيه (٦): [من الطويل] خليلي قد أبصرت عيشي بعدَهُ … كأني قد أبصرتُ عيشي من بعدي

стр. 3937

وقد كنتُ اشكو البعد والقُربُ يُرْتجى … فكيف أكون اليوم في اليأس والبعْدِ وكانَ أَجَلَّ الخطب عندي صدُّهُ … فمن لي وطوبى لو رجعت إلى الصد إذا ما فقدت الأنسَ مِمَّنْ تُحِبُّهُ … فنفسُكَ لا المحبوب أفجع بالفقد وقوله منها: [من الطويل] قتلت أسى لما بقيت مكارمًا … فأصبحتُ في دار وأصبحت في لَحْدِ ليهنك من بعدِ الرَّدَى باقي الثَّنا … وإنْ كنتَ مِنْ تحت الثرى باليَ البُرْدِ وقوله (١): [من البسيط] أشكو إليكَ جُفونًا عينها أبدًا … عينٌ تُترجم عن نيران أحشائي كأن إنسانها وافى بمعجزة … فكانَ مِنْ أدمعي يمشي على الماء وقوله من قصيدة (٢): [من الكامل] إنَّ الشجاعة وهيَ مِنْ أَوْصَافِهِ … غَلَبَتْ عليه وهي من أسمائه (٣) يَقْرِي الطيور طعانُهُ فضيوفُهُ … تنتابُهُ مِنْ أَرضِهِ وسمائِهِ وقوله من قصيدة (٤): [من الخفيف] لا تُحَدِّثْ سواك نفسي بفضل … ذاك رَجَع عن الأماني بعيد وقوله منها: وانْجَلَتْ مصر إذْ تَجَلَّى عَرُوسًا … وكأنَّ الاهرام فيها نُهُودُ وقوله: [من الخفيف] أنا مِنْ قائمِ الحُسَامِ نَذِيرٌ … فَهُوَ إِنْ قامَ فالرؤوس حصيدُ هو كأس وسَكَرَةُ الموتِ قالت … ذاك منّي ما كنتَ منه تَحِيدُ ومتى يلفظ العدوّ بِقَولٍ … فعليهِ منه رقيب عتيد وقوله: [من الخفيف] وإذا رِشْتَ بالأيادي جناحي … فمعاني العلاء مما أَصِيدُ وقوله من أبيات (٥): [من الطويل] سأشكر عن شُكْرِي نَدَاهُ لعلّه … يقومُ لها ذَنْبِي بأحسنِ عُذْرِهِ

стр. 3938

إذا أنا بعدَ الجُهْدِ قصرتُ شاكرًا … فقد صار للتقصير ذنبي كشكره وقوله (١): [من الطويل] إذا أنت أعطيت اللهى بذريعة … فلا تشكرن إلا لتلك الذرائع وقوله من مرثية في أخيه (٢): [من مجزوء الكامل] أأخي هونت الحما … م فكان يضعف عنه عزمي لم لا أهونه وقدْ … قَدَّمْتُ رُوحِي قَبْلَ جِسْمِي وقوله (٣): [من الكامل] وإذا اجتليت عقود أسطرِهِ … ظفر الهوى بمراشف لس وقوله (٤): [من البسيط] ما حلّ هذا الهوى إلا لأرتحلا … ولا سَرَى الدمعُ إِلَّا عَنْ هَوَى نَزَلا ولا بعثت خيول الدمع خَلفَكُمُ … إلا لتلحق قَلْبًَا فِيكُمُ رَحَلا يا رَبعُ مَا أَنْتَ إِذْ زُمَتْ رحالُهُمُ … للبين أول صب البسوه بلى وقَدْ تَمثَّلْتَ في تركِ الجَوَابِ بهم … فما تُجِيبُ كَمَا كانوا لِمَنْ سَأَلا وقفتُ فيه فقالَ النَّاسُ مِنْ سَقَمي … أَمَا تَرى طَلَلا يستخبِرُ الطَّلَلا وقوله (٥): [من الكامل] أسدي أفكار إذا ليلُ الأَسَى … أَرْخَى دُجاه فرأيه الرحان هذا وكم لك في الوغى من عَزْمَةٍ … بكَرنَ من ثقة بها العقبانُ تغدو خماصًا [مثل] (٦) ما قد مثلوا … في حربه وتروح وهي بطان وعلمتُ أنَّ حديثَ كِسْرَى بَعدَهُ … زورٌ فَلَم يتشامخ الإيوان لو عاش شاهنشاه أَيْقَنَ أَنَّهُ … ملكُ الدسوت وأنه الفرزان تلك التواقيع التي هي جنَّةٌ … أقلامُهُ في دَوْحِها اغان أمنصل الرمح الطويل بكَوْكَب … من ذا يُطاعن والماك سنان وقوله: والشمع فوق البحر تحسب أنَّه … من لجّهِ قَدْ أُطلِعَ المَرجان والماء درع والشموع أسِنَّةٌ … ولها إذا خَفَق النسيم طعان

стр. 3939

وقوله: يا مالكي أنْبَتَ ريشي بالنَّدَى … لكنني ما قصدي الطيران وقوله: ضاقت معاذرهم إلى ضيفانهم … لكن رَحُبْنَ منازل وجفان يغدون عندهم بأعلى أعين … ودت تكون جفانُها الأجفان وقوله من أبيات (١): [من الطويل] ركبنا رياحًا مِنْ كرائم خيلِهِ … نَؤُم سحابًا مِنْ سَماءِ سَمَاحِهِ فقل لليالي الخطب طولي أو اقصري … فانا على وعد السُّرى مِنْ صَبَاحِهِ ولما نضا الاستار عن نورِ وجهِهِ … تغطيتُ من دهري بظل جَناحهِ وقوله من قصيدة (٢): [من البسيط] استودع الله في أضعانِهِمْ قَمَرًا … إليهِ لو ضلت الأقمار تحتكم عندي سهاد وعند الهاجرين كرى … فالليل مشترك بيني وبينهم وقوله منها يرثى بني رزيك: بأي وجه يراني الناس بعدهم … حيًا ويا أسفًا ان قلتُ بعدَهُمُ أبكي الذي زال عند التاج دولته … إذا بكى الناسُ مَنْ زَلَّتْ بهِ القَدَمُ أعزز عليَّ بأن ظلَّت دَيَارُهُمُ … تُسدى الهموم بها أو تندب الهمم وما لبست دموع العين عاطلةً … إلا وفيضُ دمي في ردنها عَلَمُ ان ينهدم بكم للدهر بيتُ علًا … فإنّ بيت رثائي ليس ينهدم معنى من الكرم المهجورِ فُزْتُ بهِ … وفي الرثاء لمن لا يُرتجى كَرَمُ وكان حقكم لو كان لي قبل … ان يُنصر السيف لا أن يُنْصَرَ القَلَمُ وقوله (٣): [من الطويل] نفينا سواد الليل عن دولة الهُدَى … فلا راية سودا ولا أمة سودا وبين مجازاة ضربنا وجزيةِ … فَمِنْ طائع أدى ومن خالع أودى وقوله من قصيدة (٤): [من الكامل] تلك الرياض إذا تهجر حادث … لمْ تَلْق إلا ظلها وجناها

стр. 3940

لَمَعَ النظارُ بها فقلنا شَمْسُها … وجرى النسيم فخلته أَمْواها وقوله منها: نظروا الخيول فأثبتت نظراتهم … غُرَرًا عليها قدْ وَسَمْنَ جباها وَلَرُبَّ هاتفة دعتهم للوَغَى … جَعَلُوا صَليل المُرهفَاتِ صَدَاها هي كالموارد في العيونِ وطَالَمَا … نَقَعُوا بهامات الكماةِ صَداها هي في بحار يديهِ أمواج تُرى … ونفوسُ مَنْ قَتلَتْهُ مِنْ غَرْقاها لا بَلْ زِنادُ جَهنم فِي كَفّةٍ … منها فكل مكذِّبٍ يَصْلاهَا لَوْ أَنَّ أرضًا مَرَةً فَدَتِ السما … كانتْ عِداها في الخطوب فداها وَمَنْ المحدّث نفسَهُ بلَحاقِها؟ … فدع الحديث عَنِ الذي ساواها وقوله من أبيات (١): [من الطويل] حمائم قد حثت زجاجات ادمعي … فما خلْتُ إِلا أَنَّهنّ حَوَائِمُ وَمَا درج الكثبان مر نسيمها … بلى درج الكثبان ما أنا لائم ولما مررنا بالرسوم تنفذت … بها للهوى في العاشقين المواسم بكينا فغطى الدمع أنوارَ أَعْيُنٍ … ومِنْ عَجَب ان الدموع كواتم وقوله من أبيات (٢): [من الكامل] يامَنْ إذا ما المال جاز بأرضِهِ … يصفر جوفُ فراقه ان يُنهبا يُلقى إليه فلا يليق بكفّه … فكأنما يُلقى عليه ليحسبا وقوله (٣): [من الطويل] برأيكم أمسى الزمان مدارا … وكان مَخُوفا قبلكم و مدار ورب طليق قد أسرْتُم بكفِّكُمْ … كذا طلقاء المكرمات أسارى وقوله منها: سأنصفُ أصناف القوافي بمدحه … فإن القوافي في علاه غيارى فإن أبصروا في الطَّرْسِ إثرَ مِدادِهِ … فذلك سَبْقٌ قد أثار غُبارا يفيضُ لنا كفًّا واللهِ مُقْلَةٌ … فتجتمع الأنوار منه غزارا وتقدح نار الحرب من أزنُدِ اللظى … فتُرسِلُ مِنْ فيض الدماء شرارا

стр. 3941

ذوقوله من أبيات (١): [من البسيط] ليهنئ الملك ما أظهرت مِنْ هِمَم … للجد والجودِ مِنْ نار وجنّاتِ تحمي وتهمي بعينٍ أو بجودِيدٍ … فالناس ما بين رعي أو مراعاة مواصل المجد لا تنفك مِنْ شغفٍ … والوصل ينقصُ مِنْ بعض الصبابات هذي البدايات قد نِلْتَ السماء [بها] … فما يظن العدا هذي النهايات عطاءُ مَنْ لا يظنّ الجودَ يُفقرُهُ … وحربُ مَنْ لا يظن الحرب تارات الله جارُكَ والآجال كاشِرَةٌ … مِنَ القواضب في عُصْل الثنيات وقد تداعت بها الأبطال واعترفت … والطعن بينهم مثل التحيات وقد تهادت سيوف الهند إإِذْ خُضَبَتْ … كالشَّربِ حين تهادى بالزجاجات فكم بردتَ بماء السيفِ غُلّتَها … والسيفُ ماء لنيران الحزازات وقوله من أبيات (٢): [من الطويل] أمستصحبًا قلبي وكان محلّهُ … وإن كانَ مِنْ جَوْرِ الفِراقِ مَحِيلا إذا ما جرى جَفْنِي دَمًا بمدامعي … علمتُ بأنَّ القلب راح قتيلا وقوله (٣): [من الطويل] لئن نالت الأملاك ملكًا بحظها … فقدْنِلْتُمُ ما نلتم بمساعي وهذا عيان المجد فيكم فما الذي … يزيدكمُ مُدَّاحُكُمْ بِسَمَاعِ دَفَعْتَ الأذى عنا ومُتَعْتَ بالمُنَى … وما كانت الدنيا لنا بمتاع ووالله ما كلفت في المدح كلفة … وهل هو إلا الصدق وهو طباعي وقوله من أبيات في الشيب (٤): [من الوافر] أرى شيبي معاري فيه بعضي … لبعض ان ذاك لشر سر فلا تُنكر له تعبيس وجْهِي … فقد أعطى تبسّمَهُ لِشَعْري وقوله من أبيات (٥): [من مجزوء الكامل] بالله ياقمر التمامِ … اما لهجرِكَ مِنْ مُحاق أمسيت في نور الكما … لِ وبتُ في نار احتراقي وقوله من أبيات في ذكر الرماح (٦): [من الكامل]

стр. 3942

تمشي بها سرجًا ويومُكَ مُظلم … فترى الذوابل نصلت بذبال مثل الصّلال تحوفُ نفثَ طعانِها … يستلئم الغازي ثباب صلال ويجرها طورًا ويصلى حَرِّها … فيكونُ مُحتطبًا وطورًا صالي وقوله من أبيات: [من الطويل] فإن تكتسي يا دار ثوبًا مِنَ الصبا … فلا تلبسي مِنْ أدمعي غير مُعْلَم متى تكتم الأشواق ما بين نائم … نَموم ودمع بالدماءِ مُنَمْنَمِ وقوله من أبيات (١): [من الكامل] وإذا أفاض الصب صب دموعه … أغنى الديار عَنِ الحَيَا المتهلل ما دام وجْهٌ ينجلي عَنْ روضةٍ … فعليَّ عين تنجلي عن منهل وقوله (٢): [من الكامل] مِنْ ثغره وحليه ونسيمه … ما لا تقوم بكتمه الظلماء ومتى يفوز بما تمنّى عاشِق … وجميع ما يهوى لَهُ أعداء لكَ مِنْ نسيبي فيك روضٌ يانع … يجري عليهِ مِنْ دُموعي الماء رَتَعَتْ جفوني من سناك بجنّة … وتبوّأت منه بحيثُ يَشاءُ وقوله (٣): [من الطويل] بروحي من روحي إليهِ مَسُوقَةٌ … وقلبيَ مَنْ قلبي عليهِ مُقَطَّعُ وأصل الهوى في القلب عيني وعينه … وكلُّ بلاء عنهما يتفرع وقوله في عمارة سور عكا (٤): [من السريع] مزان أعمالك لا شك في … رجحانِهِ والحق لا يَشْتَبِهْ بالحجر الأسودِ إِذْ صنتَه … والحجر الأبيض إِذْ صُنْتَ بِه وقوله من قصيدة (٥): [من البسيط] أأنت في الأرض أم فوق السماء ففي … يمينك البحر أم في وجهك القمر يَقبل البدرُ تُرْبًا أنتَ واطئه … فللتُرابِ عليه ذلك الأثر نأى به الملك حتى قيل: ذا مَلَكُ … دنا به الجود حتى قيل ذا بشر في كل يوم لنا مِنْ مَجْدِهِ عَجَبٌ … وكلّ ليل لنا مِنْ ذِكْرِهِ سَمَرُ

стр. 3943

نظرتُ في نجمه فالسعد طالِعُهُ … لا ينقضي وعلى أموالهِ سَفَرُ أبا الفوارس والآباء مشفقةٌ … وهم بنوك وما تبقى وما تَذَرُ تلقى عروس المنايا وهي حاسرة … وخدها فيه من فيض الدما خَفَر والضرب بالبيض من آثارِهِ عُكَنٌ … والطعن بالسحر من آثارِهِ سُرَرُ وربّ ليلةِ خَطْبٍ قد سَرَيْتَ بها … وما سرى كوكَبٌ فيها ولا قَمَرُ سُمْتَ العويص بعزم ما لهُ ضَجَرُ … وبالبعيد بباعٍ ما بهِ قِصَرُ وأنت في جيش رأي لا غبار لَهُ … ترمي العداة بقوس ما لَهَا وَتَرُ هي الحروب التي لا السيفُ منثلم … فيها ولا الذابلُ الخَطي مُناطِرُ سرنا وسار شجاع وهو يُقدمنا … وعزمُنَا آمِرُ والدهر مؤتمر وكان زجر اسمه فيه الحياة لنا … والذكر إنَّ الشجاع الحيةُ الذَّكَرُ كان الحسام يماني الهَوَى مَعَنا … فما أضر بنا أنْ أصْفَقَتْ مُضَرُ وبت والموتُ طيف قد ألم بنا … فما ثَنَى الطيف إلا ذلكَ السَّهَرُ سَقَى بك الله دنيانا فأخْصَبَها … والعدل يفعل ما لا يفعل المطر لما استقلتْ سُتُور المُلكِ لاحَ لنا … مَلْكُ به الجودُ عَيْنُ والثنا أَثَرُ في كعبة للندي لو حَلَّها ملك … تهيّب النطق حتى قبل ذا حَجَرُ وسائل لي ما العليا؟ فقلتُ له: … في فِعْلِهِ الخُبْرُ أو في قولهِ الخَبَرُ ما أَنْصَفَتْ مجده نظام سيرتِهِ … إنَّ الذي ستروا فوق الذي سطروا نال السماء بأطراف القنا فَبَدَتْ … من النصول عليها أنجم زُهر لا يُحدث النصر في أعطافهم مَرَحًَا … حتى كأنهم بالنصر ما شعروا أجروا دماء العدا بين الرماح فما … يُقالُ عندهم ماء ولا شَجَرُ تر غرائب من أفعال مجدهم … يردّها الفكر لو لم يشهد النظر خلائق في سماواتِ العُلا زُهُرٌ … منها تُنِيرُ وفي روضِ النُّهى زَهَرُ الناس أضيافكم والأرضُ دارُكُمُ … فهو المقام فلم قالوا هو السفر؟ ما أنصف الشكر لولا أن يُسامحنا … فأنت تُطْنِبُ جُودًا وهو يختصر وقوله من أبيات (١): [من الكامل]

стр. 3944

سال اللوى وسؤاله تعليل … ومن المحال بأن يجيب محيل يا دار جهد جفوننا وضلوعنا … لك بالبكاء وبالأسى مبذول زرت عليه من الرياض ملابس … خيط الغرام لوشيها محلول رق العذول لما رأى من حالتي … فاليوم عاد إليه وهو رسول أوما تراني حاملا من بعده … ثقل الأسى فكأنني محمول من لي بحظ بالفضائل عارف … فيحق حينئذ لي التفضيل اغمد لسانك أن يقول فإنه … عضب أحاط بجانبيه فلول وامنعه من نفثاته وكفى بها … فمن الكلام أسنة ونصول كفل زمانك أن يغير كل ما … أنكرته فكفاك منه كفيل وقوله (١): [من الطويل] أمنا على الملك الليالي بعدما … أمد بسعي الناصر المتناصر إمام أقروا جوهر الملك عنده … ولا عجب للبحر صون الجواهر ديار العدا من نقعه ودمائهم … كربع الهوى ما بين ساف وماطر يلاقيهم بالسيف والطير طاعما … فهم منهما بين الردى والمقابر يقول لنا درا ويندى سماحة … فما البحر إلا بين كف وخاطر ولما انثنت منا عليه خناصر … جعلنا حلى تختيمنا للخناصر لأفنت ظباكم في الوغى وصفاتها … دماء الأعادي أو دماء المحابر فيا عجبا للملك قر قراره … بمختلفات من قناك الشواجر طواعن أسرار القلوب نواضر … كأنك قد نصلتها بنواظر تمد إلى الأعداء منها معاصما … فترجع من ماء الكلى بأساور وقوله منها في الخيل: لها غرر يستضحك النصر وجهها … وتفهم منها العين معنى البشائر وقوله منها في ذكر القصيدة: إذا ما أنت تختال بين سطورها … فهنيتها عذراء ذات ضفائر هي السائرات الخالدات بمجده … وسائر ما يؤتى به غير سائر

стр. 3945

وقوله من قصيدة (١): [من الطويل] ورثتَ المعالي عن أبيك شريعة … وقمتَ بها في فترةِ الحلِّ مذهبا إذا ما كسوتَ الوفدَ للجُودِ مَلْبَسًا … فقد لبسوه بالبشاشةِ مُذْهَبا لو أنَّ زيادًا كان أدرك عصره … لكان يرى أيَّ الرجالِ المهذَّبا (٢) يقطع عُمْرَ الليل عُمْرُ سُجُودِهِ … فللهِ محرابٌ حوى منه محربا وفي فقر عافيه إليه وسيلةٌ … كفى باعثًا للسيل أن يتصوبا وقوله (٣): [من الطويل] يقول ولو أنَّ الليالي خصومه … ويمضي ولو أنَّ النجوم مطالبة محاربه تُثني على صلواته … ولكن على الأعقاب يثني مُحاربه ومنها (٤): جنائب في بحر العجاج سفائن … فإن حركت للركض فهي جنائبه وقد خَفَقَتْ راياته فكأنّها … أنامِلُ في عمر العدوّ تُحاسبه وقوله: [من الكامل] لو كنت حاميت الحمائم نائحًا … قال الوشاة: أضاعَ سِرُّكَ بائحا سل طائرًا صَدَعَ الفؤادَ بِسُحْرِة … أتراهُ غَرَّدَ صادِعًا أم صادحا يا ضعف مَنْ أمسى الفريسة في الهوى … وغدا الحمام له هنالك جارحا وقوله (٥): [من البسيط] يا ليلةً باتَ فيها البدر معتنقي … والناس بالبدرِ والظلماء في شُغُلِ بتنا نفض عقودًا للحبيبِ فإن … فصلتها فبتشذيرٍ مِنَ القُبل قُلْ في الزلال إذا وافي على عطش … فقد دللت على التفصيل بالجُمَل وقوله من أبيات (٦): [من الوافر] وبالأشعار نعرف قائليها … كما حدثت عن بحرِ بِسَجْلِ

стр. 3946

سبقت بها فقد صارت لقوم … مَحَارِبَ والذي بعدي مصلي وقوله (١): [من مجزوء الرمل] سقني يا بدر شمسًا … كلّلوها بالثريا واجعل الظلماء شمسًا … كلما درات وفا إنما الكاسات تيجا … ن لها العيش محيا وهي نار جعلوها … حينَ يَعْين الهم كيا قدْ طَوَينا إذْ أُدِيرت … بُرْدَةُ الظلماء طيا كانطواء الخَوفِ عنّا … حينَ ولى الله طيا وقوله من قصيدة (٢): [من الخفيف] يا غزالًا له السيوف حجاب … في فؤادي أضعاف تلك الحُجُبِ ماعهدنا والنائيات كثيرٌ … أنَّ ضيفًا يُضام بين العرب أغليلًا والماء فوق الثنايا … وهوانًا بين القَنا والقُضُبِ أين تلك الرسوم أين تراها … تَبِعتْ في الرحيل إثر الركب أثرى يا زمان أنتَ مُعنَّى … برُباها كمثل قلب الصب زَفَرَتْ بالصَّبا صدور الليالي … وبكت بالحيا جفون الشُهبِ وقوله من قصيدة (٣): [من الكامل] لو لم يعطل خاطري مِنْ سَلْوَةِ … ما كانَ خدي بالمدامع حالي أوْ دَعْتُه قَلْبي فخان وديعتي … فسواده في خده بالخال فعل السقام بمهجتي وجوارحي … أفعال حصن الدين بالأموال لَوْ لَمْ يبق في أيامه من فتنة … للناس إلا فتنة بجمال (٤) تُسمى الرماح قنًا فأما بعدما … صارت بكفك فالرماح عوالي وقوله (٥): [من الطويل] أساكن أكناف المقطم دَعْوَةً … تداعتْ بها الألفاظ وهي دموع تقولون درياق الهوى الدمع إن جرى … فذا الدمع يجري واللسيع لسيع أبى الحزن لي مِنْ أنْ أماكس في الهوى … فحزنُكَ يشري والدموع تبيع

стр. 3947

وقوله (١): [من مجزوء الكامل] دَعْ عينَهُ لعنائها … فشفاؤه في دائها العينُ مِنْ أعدائِهِ … والقلبُ مِنْ أعدائها هذا ونيران الهوى … مشبوبةٌ مِنْ مائها قُمْريةٌ قَمَريةٌ … في حُسْنِها وغنائها القلب كارِهُ نأيها … والسمع عاشق نايها ولقد رضيت بقتلتي (٢) … إن كان ذاك برأيا وقوله من قصيدة (٣): [من مجزوء الكامل] يا مالك الحسنين والـ … ـحَنَينِ مِنْ خَلْقٍ وخُلْقِ لو لم يكن من فضل مد … حي فيك إلا فضل صدقي ما ضرَّ جَهْلَ الجاهليـ … ـنَ ولا انتفعت أنا بحذقي وزيادتي في الحذق فهـ … ـي زيادة في نقـ رِزْقي وقوله من مرثـ مرثية (٤): [من البسيط] تبكي عليك عيون أنتَ قرتُها … وما قضى الحقَّ باكي البحر بالخُلُجِ في كل شدة بحر لم تزل فرجًا … [ف] عظم الله أجر الناس بالفرج وقوله (٥): [من البسيط] قالوا جرى قلمي في مدح غيرِكُم … لا والذي علم الإنسان بالقَلَمِ وما خلوت بذكراكم وكان معي … ثانٍ يُثَلِّثُ ذِكراكُمْ سوى الكَرَمِ وقوله من أبيات (٦): [من الطويل] إذا هزَّ فيها صارم البرقِ خِلْتَهُ … يُروِّعُ مِنْ تلك الجداول أرقشا يمدُّ عليها المد سورًا منتضى … ويُرجعُهُ طورًا سوارًا منقشا وترجعه سهمًا إلى مقتلِ الثَّرى … فيسري بأوراق الغصون مُريشا هوى كسماح الصالح المَلِكِ الذي … نُكَتِّمُهُ والشمس ليس لها غشا

стр. 3948

يَقْتُلُ حَيَاتَ الحُقودِ من العِدَا … بِحَيَاتِ سُمْرٍ بالأَسِنَّةِ نُهَّشا فأَوسطُها أولى من العَيْنِ بالهُدَى … وَأَطْرافُها أولى مِنَ الهَمِّ بالحَشَا غَنِينا عَنِ التشبيبِ قُدَّامَ مدحهِ … فأذْهَلَ وصف الليثِ مَنْ وَصَفَ الرَّشا وقوله (١): [من البسيط] وكيف أحسبُ ما يُعطي العُفاةَ وما … حَسِبتُ بعض الذي ما زال يُعطيني الكتب تشكره عنا ولا عَجَبٌ … ما يُشكر السحب الا بالبساتين وقوله (٢): [من المتقارب] وأعيد لما دجا عَتْبُنا … تبدَّى على الخدِّ منه الشَّفَقُ صفا فوق خديه جمرُ الصِّبا … فكانَ الحَباب عليهِ العَرَقُ وقوله (٣): [من الكامل] أما المشيب فأنَّهُ قَدْ أبرقا … وكأنني بسحابِهِ قَدْ أَغْدَقَا فأبرز إليه أبيضًا في أبيض … لا يُدْرِكَنْ رَمي النفارِ مِنَ النَّقا كان الهوى خلَّ الصبا وصديقه … حتى تلاشيبي وأن نتفرقا وقوله (٤): [من المديد] أي شَانٍ لا يُبَاحُ بهِ … بَعْدَمَا قَدْ بَاحَ لي شَانُ وكلامُ الصِّب أدمُعُهُ … لَكَ والأفواه أجيانُ أدمعي والحبُّ إِنْ حَكَمُوا … فهو دعوى وهي برهان مازَها من قبلِ معطفِهِ … فوقَ غُصْنِ البان بستان جُلَّنَارُ الوجنتينِ لَهُ … مِنْ ثمار الصدر رُمان كيف أرجوهُمْ وعندَهُمُ … حُرُماتُ الحُب أضغان منها: وله سيف كناظره … حارس للخلق يقظان عاد كفر الكافرين إذا … ما رأوه وهو إيمان يتداعى إذ دعوت بِهِ … [حين] (٥) يلقى الشرك أوثان للظَّبا الأجفان نعرفها … ولهذا الف آذان

стр. 3949

وهو مرآة يبينُ بها … مِنْ ضمير الضد اضغان ومنها: قم لتملا من نفوسِهِمُ … ورماحُ الخظ أشطان وحدود الأرضِ مُشرقة … من دم والخيل خيلان ومنهم: [١٠] محمد (١) بن محمد، عماد الدين، أبو حامد القرشي، الأصبهاني، الكاتب ركن الدول، وعمادها، ومزن الممالك وعهادها، عَلَمٌ يهتدي به الساري، وكرم ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطود المرجحنّ، وسرى كالجود فأوى إليه المستكن، وتحلّت به ترائب الأيام، وحلت بحجبه ربائب الخيام، فعلا مقدارًا، وأبى ان يتخذ دارة القمر دارًا، فقصت دونه أجْنِحَةُ النعامى، وطرقت أفنية المعالي الابكار والأيامى، وعزّ في تلك الدول فغالت في قيمته، وغالبت في نشر لطيمته، وكان ذا أيد تنهض بكل عظيمة، وتأبى كل هضيمة، بعزم يزاحم أبان، وتقدم إذا نكل كلُّ جبان باقتدار، لسان وابتدار بديهة الاحسان، وكانت قصبات السبق لا تحرز إلا لأدهمه، ولا تحرز دارات البدور إلا لدرهمه. نشأ في حجر عمه المستوفي (٢)، وتأدب بأدبه، وعرف في ديوان الخلافة باسمه، وخدم بالأبواب الإمامية، فقدم على الأولياء، وتمسك بالأسباب العلمية ومواريث الأنبياء، وكتب للدول النورية، فازدادت به نورا وازدانت منه بفرائد بحور على نحور، واتصل بالمقام الصلاحي فأصلح الفاسد، وأربح الكاسد، وكان بالخدمة الناصرية كاتب الإنشاء بها حقيقة،

стр. 3950

وساحب ذيل كل حديقة، وأما الفاضل فكان قد رفع عنها وكبّرها، ثم كان اكبر منها، وكان العماد بحرًا يتلاطم موجا، وأفقًا يتلألأ أوجًا، وكان ملازما للسلطان سفرًا وحضرًا، ووردًا وصَدَرًا، ومحصلا بصحبته الآفًا وبدرًا، وكان فقيهًا، جَدَليًا، عالمًا، فاضلًا، أديبًا، أريبًا، كاتبًا شاعرًا، ناظمًا، ناثرًا، ذا تصرف في البيان وتفنن في الكلام، لو ازدحم عليه ألْفُ بريد لجهزه أو نظم كل فريد لما أعجزه، وله الجيد النادر، والغض الناظر، والبعيد المرام عمل الوقت الحاضر، وله التأليفات الكثيرة والمصنفات المفيدة، والرسائل البديعة، والقصائد الصنيعة، إلا انه كان متطبعًا، متصنعًا، يظهر عليه أثر الكلفة وثقل التصنّع مغرى بالتجنيس مع مافيه من الكل على المسامع، لقرب مخارج الحروف مما تنفر منه الطباع، ويبعد منه الانطباع، وسئل الفاضل عنه فقال: سيدنا العماد مثل الزناد، ظاهِرُه، بارد، وباطنه واقد، وكان محل الثقة من الفاضل آمنًا من توثبه عليه، وتغلبه على ما جعله السلطان إليه، وبهذا كان يطمئن إذا غاب مع ما ينويه من قلب السلطان، وكان العماد شديد الحرص على تحصيل الدنيا، وكان الفاضل يلومه ويعتبه، ويعذله ويؤنّبه، فبعث مرةً يشكو إليه ضرورة، فكتب إليه الفاضل: يا سيد أخيه، لا تُسْمِعِ الدهر هذه الشكوى، فيستعذبها فتستمر على العدوى، ولو اشتغلنا بالله لكان يغنينا، ولو قعدنا عن الرزق لأتانا لا يعنينا، وفي الحديث: اتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا ندري كيف يكون المنقلب، فبالله إلا ما سمعت وأخذت هذا الأدب. وله في هذا حكايات منها: أن رجلًا من أهل حمص جاءه بطبق كيزان، وتفصيلة كتان، وقيمة ذلك كله نحو خمسين درهمًا، وسأل حاجةً، فأخذ قصته وقرأها على السلطان وكان قد بلغه الخبر، فلم يجبه، فأعاد العماد عرض القصة، وقراءتها مرات في مجالس عدّة، والسلطان لا يأمر فيها ولا ينهى، ففطن العماد، وعلم أن الخبر قد اتصل بالسلطان، فأعاد عرض القصة، فلما لم يجبه عنها قال: يا مولانا، الطبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باقٍ إلى الآن لم أتصرف فيه، فإن كان ما ينقضي شغله أعدت عليه طبقه، فضحك السلطان، وعجب من دناءة نفسه، وأمر بقضاء شغل الرجل. وحكي أنه كان شديد التهافت على أخذ الختوم الذهب الذي يجيء على كتب الفرنج، فوصل منهم كتاب بغير حضوره، ففتحه السلطان بيده، وأخَذَ بعض الحاشية الختم، فلما جاء العماد، قيل له: اكتب جواب هذا الكتاب، فقال: يكتب جوابه من أخذ الختم، فعزّ قوله على السلطان، وقال له: قم أخرج الوقت، ما هو محتاج

стр. 3951

إليك، فأتى العمادُ الفاضِلُ، وعرّفه بما كان، فقال له: رُح إلى الخانقاه، واقعد بها مع الفُقَراء، والبس زِيَّهُم، فإذا طلبك السلطان، قل: أنا قد دخَلْتُ في أمر لا أخرج منه، ثم لا تخرج حتى يأتيك السلطان بنفسه مرضيًا، ثم لم يلبث الفاضل حتى أتته رُسُل السلطان في طلبه، فلما أتاه شكا إليه العماد، وقال له: اكتب جواب هذا الكتاب، فقال: والله ما أعرف ما أكتب؛ لأن العماد كان يصدر هذه الكتب ولا يعرفه سواه، ولم يزل يلطف الأمر حتى قال: اطلبه، فبعث في طلبه فلم يحضر، واعتذر، فعظم الفاضل الأمر، وكرّر الرُّسُل في طلبه، وهو لا يحضر، فقال الفاضل: أنا أروح خَلْفَه، وأتَلَطَّف به فوالله هذا باب ما يسده سواه، ثم ذهب إليه، فأطال المكث، ثم عاد إلى السلطان، وقال: لقد حرصت به فلم يُجِب، ورأيته مقبلًا على ما دخل فيه إقبالًا ما أظنه بقي يخرج عنه، وما ضرَّ السلطان لو زار الفقراء وترضى عبده، ولم يزل به حتى أتاه وترضاه. ومن نثره: قوله جوابًا عن السلطان في تفضيل دمشق (١): عرفنا طيب الديار المصرية ورقة هوائها، ونحن نسلم إليها المسألة في طيبها وتوفير نصيبها ورقة نسيمها، ورائق نسيبها، لكن، هلا رأت ان الشام أفضل، وان أجر ساكنِهِ أجْزَل، وان القلوب الى قبله أميل، وان الزلال البارد أعَلَّ وأَنْهَل، وان الهواء في صيفه وشتائه أعْدَل، وان الزهر به أشبّ، والنبت به أكهل، وان الجمال فيه أكمل، وان القلب به أروح، والروح به أقبل. ودمشق عقليته الممشوطة وعقلته المنشوطة، وحديقته الناضرة، وحدقته الناظرة، وهي عين انسانه بل إنسان عينه، وصيرفي نقوده، وعين نضاره ولجينه، فمستامها مستهام، وما على محبّها ملام، وما في رويتها ريبة، وفي كل جيرةٍ منها حبيبة، ولكل شائب من نورها شبيبة، ومع كل ورقة ورفاء، وعلى كل معانقة من قدود البانات عنقاء، وشادي بانها على الأعواد يطري ويطرب، وساجعاتها بالأوراق تعجم وتعرب، وكم فيها من جوار ساقيات وسواق جاريات، وأثمادٍ بلا أثمان، وروح وريحان، وفاكهة، ورمان، وخيرات حسان، وقد تمسكنا بالآية والسنّة والاجماع، وغنينا بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع، أما أقسم الله تعالى بدمشق في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٢) والقسم من الله بها دليل على فضلها المصون، وأما قال رسول الله صلى الله عله وسلّم: الشام خيرة الله من أرضه

стр. 3952

يسوق إليها خيرة الله من عباده، وهذا أوضح برهان قاطع على انه خير بلاده. أما الصحابة رضوان الله عليهم [فقد] أجْمَعُوا على اختيار السكنى بالشام، أما فتح دمشق بكر الاسلام! وما ينكر ان الله ذكر مصر وسماها أرضًا، فما الذكر والتسمية في فضيلة القَسَم (١) من الشام، بنقل يوسف الصديق إليها عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم المقام بالشام أقرب على الرباط، وأوجب للنشاط، وأجمع للعساكر السيارة من سائر الجهات، واين قطوب المقطم (٢) من سنى سنيٍر (٣)؟ وأين ذرى منف (٤) من ذروة الشرف المنيف المنير؟ واين الهرم الهرم من الحرم المحترم؟ وبينهما الفرق ما بين القدم والفرق، وهل للنيل مع طول نيله وطول ذَيْلِهِ واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل؟ وما لذاك الكثير طلاؤه هذا القليل، وسيل هذا السلسبيل؛ وإذا فاخرنا بالجامع وقبة النسر (٥)، ظهر عند ذلك قصر القصر، على ان باب الفراديس (٦) بالحقيقة باب النصر، وما رأس الطابية كباب الجابية (٧)، ولو كان لناسها بأناس لم يحتاجوا الى قياس المقياس، ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحب الوطن من الإيمان، ومع هذه فلا ننكر ان مصر إقليم عظيم الشأن، وأن مغلها كثير، وماؤها غزير، وأن عدها نمير، وأن ساكنها ملك أو أمير، وأن الذهب فيها لا يوزن بالمثاقيل، ولكن بالقناطير، ولكن نقول كما قال المجلس السامي الفاضلي، أسماه الله، إن دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر ولا شك أن أحسن ما في البلاد البستان، وهل دمشق إلا مثل الجنان؟ وزين الدين (٨)، وفقه الله، تعرض للشام فلم يرض أن تكون المساوي حتى شرع وعد المساوي، ولعله يرجع إلى الحق ويُعيد سعد إسعاد وفاقه إلى الأحق. ومنه: ولو واصل خدمه بمقتضى مخالصته، لما وفى في جميع عمره ببعض ما يجب.

стр. 3953

عليه من حق المجلس وشكره، ولكنه يهاب الفضل العزيز فيتجنّب، ويستصغر قدره عند قدره المعظم فيتأدب، ومَنْ يقدم على مقابلة الشمس بسراجِهِ؟ والعَذب بأجاجه؟ والدر بزجاجه؟ وأي قدر للقطرة عند البحر الخضمّ، وأيّ فَخْرٍ للسُّها عند إنارة البدر التم؟ وكلّما شرع في خدمة فنصب يده المهابة وبسطتها الصبابة، وجَلا لَهُ جلا لَهُ وجه الهيبة، فَرَجَع مما رجاه من سماحة خاطره بالظنة والخيبة، وقال لقريحته: دعي الاقتراح ولا تستدعي الافتضاح، وليس إلا الاعتراف بالقصور لا الافتراق للمحظور. ومنه قوله: على انه لم يبلغ مبلغ استفراغ جهد البلاغة في الدعاء، والثناء أمد المقصرين، وإن بد القرين، وزاحم الأسود، وَوَلجَ العرين، فالعجز عن الإدراك إدراك، والعجب في التوحيد بادعاء الحول والقوة إشراك. ومما كتبه في فتح القدس (١): ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٢) الحمد لله الذي أنجز لعبادِهِ الصالحين وعد الاستخلاف، وقَهَر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف (٣)، وله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، وبدل وحشة الكفر فيه من الاسلام بالأنس، وجَعَل عزّ يومِهِ ما حيًا ذُلَّ أَمْس، وأسكنه العالم والفقيه بعد بطرك وقس، وعبّاد الصليب والشمس (٤)، وأخرج أهل الجمعة منه أهل الأحد، وقمع مَنْ كان يقول بالتثليث اهل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٥)، وقد فتح الخادم (٦) بحمد الله من الداروم الى طرابلس، وجمع ما حوت مملكة الفرنج إلى

стр. 3954

نابلس، ورجع الاسلام الغريب منه الى داره، وفر سيل السير في قراره، وطلع قمر الهدى، وملأ بألسنة عزّها ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١) قريب المدى، وعاد الاسلام باسلام البيت المقدس الى تقديسه، وَرَجَع بنيانه من التقوى إلى تقديسه تأسيسه. ومنه قوله: جوده جود، وطوله طود وكرمه كرم، يعتصر صفو سلافه، ونِعَمُه نعم تنحر وتنهر لأضيافه، ولا يحبّ الدينار إلا مبذولًا لعافيه، ولا يدخر كنزًا إلا لجنى راجيه. ومنه قوله: ما ظفر مدلج الإظلام بالسنى، ومُحْوِج الإعدام بالغنى، كظفر الخادم وفوزه بشرفه وعزّه، وسعادة جدّه، وجدّة سعده، وحياة روحه وروح حياته، وحسنى حاله وحلية حسناته، وسنى سنائه المشرق عند إسفار اصباح أمله، وسفور وجه جذله، بورود المثال الممتثل المقبل المقبل المفضل المُفضّل عن المجلس العالي الفاضلي لا فتئ حكم الشرع في شرع حكم فتياه فتيا، وروض الولي بولي رضاه وجوده. مجوّدا موليّا، ولا بَرِحَ كاشِحُهُ يطوي على الشح برح هوى، جوه بالغيم مغيم، ومناصحه يحوى المنى صحة عقيدته، وعقد صحته مبرم قويم. ومنه قوله: وكتبها المملوك في منزلة عُيُونها سخينة، ونطافها ثخينة، وفوّارها فوّار، وانجادها أغوار، وساكنها غير ساكن، وقاطنها غير آمن، وجدا جداولها علاقم، وجنى جنادلها أراقم، وحياتها موحيات تسعى متلويات، وتلتوي ساعيات، كأنما صاغت الجن من سنابكها الخلاخل أو أراغَتْ لنا من لواذعها الغوائل، ثقال الرؤوس كأنها نصب الفؤوس، فهي حطب العطب، وخَشَبْ الأَشَبْ، فمن طوال كحراب الزنج، وقصار كبنادق الشطرنج، وأوساط كأسواط العذاب، سراع كأنامل الحساب، وقصار كبارقات السحاب، ومارقات النشاب، ومنها ما هو كدباسق الأتراك، أو كألوية الأملاك، ومنها بتر كأيدي السارقين، وخفاف كدين المارقين، ومنها ماهو كمزمار الزط، أو كزنار القبط، ومنها ما هو كأنه أصْهَب الفهود/ ١٩٩/ أو تكك ذوات النهود، أو أنياب النمور، أو كمخالب الصقور، أو أعصاب الخيول،

стр. 3955

أو أنياب الفيول، أو طوامير الكتاب، أو مسامير الأبواب، ومنها كل برقاء اذا انسلخت من جلدها، ألقت كم درع، وبقيت حديد ذرع وسوداء كصحيفة المجرم، وصفراء كصفحة المتألم، قصيرة مقتصرة الاعمار، دقيقة جليلة الأخطار، الحيات أمها، والممات سمها، عنبرة لا يحملها حامل، ولا يشمها. وبهذه الرسالة ذكرت شعرًا كنت وصفت فيه منزلةً كثيرة الأفاعي. ومنه: [من الطويل] وأرض ترى الحيات فيها سواريًا … كأن مساريها ضروب من الرقم أساوِدُ رقط كالنمال دبيبها … ولكن تراها في القساوة كالدهم وتختلف الألوان منها كأنها … أزاهير روض وشعتها يد الوسمي إذا نُشرت كانت حزامًا وإنّها … كعروة إذ تطوي المساحب للضم ومطرقة فوق الكثيب كأنها … ضفائر ضمتها مبدنة الجسم وآخر من دون الطريق محملق … شجاع على متن الطريق له يحمي ينضن في فيه لسانٌ مخصَّرٌ … كأن عليهِ طائر القطن والشحم يشم دخان الموت من ليس دانيًا … إليه ويلقى الموتَ مِنْ عاجل السُّمّ يذوب به قلب الحديد مخافة … ويفعلُ فعل النار في موقد الفحم تقنّع شبها بالكمي وإنه … لأفتك منه إذ يطاعن أو يرمي بمرهفة ذلق يقصر دونها … مدى القاطع الهندي والرمح والسهم يُساور أوهام اللبيب ادكاره … ويقتله قبل الغوائل بالوهم إذا ما ترقى الطود خلتَ بأنّه … يجاوز كثبان السحاب إلى النجم وذو حَنَق ما البرقُ إلا شرارةٌ … لأنفاسِهِ أو رشق الحاظه المضمي ويحدث مالا كان في شهب الدجى … خسوفا عقيب الشمس بالقمر التم وأقسم لو ألقي على الصخر سمه … لأثر ذاك السم في شاهق الصم ثم نعود إلى تتمة كلام الأصفهاني، فمنه قوله: صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرض وقيل لها ابلعي، وعجاجها في السماء وقيل اقلعي وفاض ماء النصال، وغاض ماء الضلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النعمة، ونبئهم ان الماء بينهم قسمة. ومنه قوله: ووجدناها قلعة أرضها في السماء، وتلْعَةً في حوزها حواز الجوزاء، وعلى

стр. 3956

كلابها عواء العواء، ما تمرّ السحب إلا على سفوحها، ولا ترق شياطين الكفر إلا من سطوحها، إنا جعلنا نجوم النصال لها رجوما، وأدمنا لوبل الوبال عليها سجومًا. ومنه قوله: وأسلم البلد، وقطع زنار خندقِهِ، وأبيح حمى حماته، واستولى الفرق على فرقه، وتطايرت الصخور في نصرة الصخرة المباركة، وحجرت على حكم السور بسَفَه أحجارها المتداركة، وظهرت الصخرة بمياه العيون التي بِبُعْدِها قَدْيَتْ، وَصُقِلَتْ بالشفاه، وطالما كانت بأيدي المشركين قد صدئت. ومن شعره قوله من قصيدة أولها (١): [من الطويل] وأسأل عنكم عافيات دوارسًا … غَدَت بلسان الحال ناطقةً خَرْسا ومنها: مضى أمس مني في انتظارِ غدٍ لكم … وكلُّ غَدٍ لا شك منقلب أمسا وقيل لنا في الأرض سبعةُ أَبْحُرٍ … ولسنا نرى إلا أناملك الخَمْسا ومنه قوله: [من البسيط] ما طبت نفسًا ولا استحسنت بعدكم … شيئًا نفيسًا ولا استعذبت لي نَفَسا وكيف يُصبح أو يُمسي محبّكم … وشوقكم يَتَوَلاهُ صباح مسا نادَمْتُهُ وأخوه النجم يحسدني … فإنني كنت أرعاه إذا خنسا (٢) ومنها قوله يصف مقتولًا: ما زال يعطس مزكومًا بغَدْرتِهِ … والقتل تشميتُ من بالغدر قد عطسا ومنه قوله (٣): [من المديد] حيرتي طالت بذي حَوَرٍ … طال في النجوى مجاوره حَلّ ما شدَّتْ مناطقُهُ … ثِقْلُ ما شدَّت مآزره ومنه قوله (٤): [من الطويل] ثوى همه لما ثوى الصبر (٥) عنده … مقيمًا وشط الصبر في جيرة شطوا

стр. 3957

وأَرْقَهُ طيفٌ فرى (١) نحرهُ الدُّجَى … وقد كادَ جيبُ الليلِ بالصبحِ ينعَطُ تشاغَلْتُم عنه وثوقًا بوُدِّهِ … كأَنَّ رِضَاكم عن محبّكُمُ سُخطُ مَلَكتُم فأنكرتم قديمَ مَوَدَّتي … كأنْ لم يكن في الحُبّ (٢) معرفة قط ومنه قوله وقد اعتقل ببغداد (٣): [من الكامل] قل للإمام علام حبس وليكُمْ … أُولُوا جميلكم جميل ولائه أوليس إذ حبس الغمام وليه (٤) … خلّى أبوك سبيله بدعائه ومنه قوله (٥): [من الكامل] في بُرْدِكَ الأَسَد الهصور محرشًا … وبجود كفّكَ تُسكب الامطار (٦) تهب الألوف ولا تهاب ألوفَهم … هان العدوّ عليك والدينار ومنه قوله، وقد جاء قفل من أصفهان لم يعرفه منهم احد وعرفهم كلهم بآبائهم (٧): [من مجزوء الخفيف] أنا ضيف وإنّما (٨) … أينَ أينَ المُضيف؟ أنكرتني معارفي … ماتَ مَنْ كنتُ أعرف ومنه قوله (٩): [من الطويل] وما هذه الأيام إلا صحائفٌ … نُسطّر (١٠) فيها ثُمَّ نُمحى ونُمْحَقُ ولم أرَ في عمري (١١) كدائرةِ المُنى … تُوسّعُها الآمال والعمر ضيق

стр. 3958

ومنه قوله (١): [من الخفيف] هي كتبي فليس تصلحُ مِنْ بعـ … ـدي لغير العطار والإسكاف هي إما مزاود للعقاقيـ … ــر وإما بطائن للخفاف ومنه قوله (٢): [من الرمل] وهضيم الكشح في حُبّي له … لم يزدني كاشحي إلا اهتضاما كَرُمَ (٣) العاشق فيه مثلما … لَؤُمَ العاذل فيه حين لاما بقوام علم الهزّ القَنَا … ولحاظ تودع السكر المداما خده يجرحه لحظ الورى … فلذا عارِضُهُ يَلْبَسُ لاما ومنه قوله (٤): [من الطويل] هلموا إلينا (٥) نحو مشمش جلّقٍ … وثَمَّ بمن نهوى على الأكل نلتقي كأنّ مناب الشهد فيه مُجَسَّدٌ … أَجَدَّلَهُ عهد الرحيق المعتق حكى جمرات بالغضا قد تعلّقَتْ … فيا عجبًا من جمره المتعلق كأنَّ نجوم الأرضِ فوقَ غُصونِهِ … كراتُ نُضار بالزمرد مُحِدِّق (٦) قلت: وقد ذكر الفاضل صلاح الدين ابو الصفا خليل الصفدي (٧): ان العماد كان قالها كرات نضار في اللجين مطرّق، فلما أنشدت السلطان صلاح الدين قال: تشبيه الورق باللجين غير موافق فغيرها العماد، كما ذكرنا. وقوله (٨): [من الكامل] قد كان يسمح بالوصال خيالها … لو لم تضن العين بالإغفاء وَدَنَتْ تودع للفراق وإنما … اقصاء سهم القوس في الإدناء

стр. 3959

وقوله (١): [من الكامل] بدر فؤادي في محبَّةِ وجهِهِ … بدريه المعدود من شهدائه رمق المحبّ فلم يَدَعْ رمقًا له … هلا أخذت ذمامة لدمائه وقوله (٢): [من الكامل] ماء الصبا في وجنتيه وناره … ضدّانِ بين تموج وتلهب وكأن وجنته وخط عذاره … فيها طراز مفضّض في مُذْهَبِ وقوله (٣): [من الرمل] هات ا بدر الدجى شمس الضحى … قهوةً تُهدي إلينا الفرحا واملأ الكأس إذا فرغتها … إنَّ روح الراح يبغي شبحا واقتدح زند سروري طربًا … واسقنيها كل دور قدحا لا تَلُمْ يا صاح أفديك على … سُكْرِ قلب فيك لو صح صَحَا وقوله (٤): [من الكامل] وعلى السوالف منه فود مُرْسَلٌ … فيه فؤاد المستهام مقيد متقلّد بدمي وظنّي أنّه … بمدامعي أو مثلها متقلّد ما عايَنَتْ عيناي صدغًا فاحمًا … إلا وأسوده لقلبي أسود أيخاف عارِضُه عقارب صدغِهِ … وعليه زعف للعذار مزرد وقوله (٥): [من الطويل] مشعشعة لاحت كأن مزاجها … كَسَا كأسها بالورس ثوبًا مصبغا يطوف بها ساقٍ من السكر خِلْتَه … وقد عرفت منه الفصاحة الشغا إلى ريقه المعسولِ يَظما محبُّهُ … وروّي به عود الأراك الممضغا وما فتر العينين إلا ليقتُلا … وما عقرب الصدغين إلا ليلدغا وقوله (٦): [من المنسرح] يروقُني في المها مُهَفْهَفُها … ومِنْ قدود الحسان أهيفها يا ضعف قلبي من أعينٍ نُجلٍ … أفتكُها (٧) بالقلوب أضْعَفُها

стр. 3960

يا منكرًا مِنْ هوى بليت به … علاقةً ما يكادُ يَعْرِفُها دع سر وجدي فما أبوح به … وخل حالي فَلَسْتُ اكْشِفُها وقوله (١): [من الطويل] نهيت فؤادي عن هواكم فما انتهى … ونَهْنَهْتُ دمعي في الغرام فما رَقَا ومِنْ فَرْطِ وجدي خلتُمُ بي جِنّةٌ … إذا لم ترقوا لي فما ينفع الرُّقى وقوله (٢): [من الكامل] هَبْ أَنَّ قلبي للنصيحة قابل … مانافعي والدمع ليس بقابل مالوا إلى وصلي فحين وصلتهم … ملّوا وليس يمل غير الواصل وقوله (٣): [من الكامل] سل سيف ناظره لماذا سلَّه … وعلى دمي لم دَلَّه قَدْ له (٤) وأحذر سهام اللحظ منه فإنما … عن قوس حاجبه يفوق نبله (٥) واقبل وإن حسدوك عذرَ عِذاره … واحسد على عسل بفيه تمله ا منجدًا ناديته مستنجدًا … في خلّتي والمرء يُنْجِد خلَّهُ سر حاملًا سرّي فأنت لحملِهِ … أهْلٌ وخفّف عن فؤادي ثِقْلَهُ فإذا وصلت فغض عن وادي الغضا … طرف المُريب وحيي عنّي أهْلَهُ وقوله (٦): [من الوافر] ألا يا عاذلي دعني وشأني … وما تُجري المدامع من شؤوني بكل خدينةٍ للحسن مالي … سو بلو هَوَاهَا مِنْ خَدين كريم أو كغضنٍ أو كبدرٍ … بِلَحْظ، أو بقد، أو جَبِينِ تبسم درها عن أرجوان … وأزهر وَرْدُها عن (٧) ياسمين وقوله (٨): [من الطويل] قفوا وسلوا عن حال قلبي وضعفه … فقد زاده الشوق الأسى فوق ضعفه
следующие страницы →