← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

كلابها عواء العواء، ما تمرّ السحب إلا على سفوحها، ولا ترق شياطين الكفر إلا من سطوحها، إنا جعلنا نجوم النصال لها رجوما، وأدمنا لوبل الوبال عليها سجومًا. ومنه قوله: وأسلم البلد، وقطع زنار خندقِهِ، وأبيح حمى حماته، واستولى الفرق على فرقه، وتطايرت الصخور في نصرة الصخرة المباركة، وحجرت على حكم السور بسَفَه أحجارها المتداركة، وظهرت الصخرة بمياه العيون التي بِبُعْدِها قَدْيَتْ، وَصُقِلَتْ بالشفاه، وطالما كانت بأيدي المشركين قد صدئت. ومن شعره قوله من قصيدة أولها (١): [من الطويل] وأسأل عنكم عافيات دوارسًا … غَدَت بلسان الحال ناطقةً خَرْسا ومنها: مضى أمس مني في انتظارِ غدٍ لكم … وكلُّ غَدٍ لا شك منقلب أمسا وقيل لنا في الأرض سبعةُ أَبْحُرٍ … ولسنا نرى إلا أناملك الخَمْسا ومنه قوله: [من البسيط] ما طبت نفسًا ولا استحسنت بعدكم … شيئًا نفيسًا ولا استعذبت لي نَفَسا وكيف يُصبح أو يُمسي محبّكم … وشوقكم يَتَوَلاهُ صباح مسا نادَمْتُهُ وأخوه النجم يحسدني … فإنني كنت أرعاه إذا خنسا (٢) ومنها قوله يصف مقتولًا: ما زال يعطس مزكومًا بغَدْرتِهِ … والقتل تشميتُ من بالغدر قد عطسا ومنه قوله (٣): [من المديد] حيرتي طالت بذي حَوَرٍ … طال في النجوى مجاوره حَلّ ما شدَّتْ مناطقُهُ … ثِقْلُ ما شدَّت مآزره ومنه قوله (٤): [من الطويل] ثوى همه لما ثوى الصبر (٥) عنده … مقيمًا وشط الصبر في جيرة شطوا

стр. 3957

وأَرْقَهُ طيفٌ فرى (١) نحرهُ الدُّجَى … وقد كادَ جيبُ الليلِ بالصبحِ ينعَطُ تشاغَلْتُم عنه وثوقًا بوُدِّهِ … كأَنَّ رِضَاكم عن محبّكُمُ سُخطُ مَلَكتُم فأنكرتم قديمَ مَوَدَّتي … كأنْ لم يكن في الحُبّ (٢) معرفة قط ومنه قوله وقد اعتقل ببغداد (٣): [من الكامل] قل للإمام علام حبس وليكُمْ … أُولُوا جميلكم جميل ولائه أوليس إذ حبس الغمام وليه (٤) … خلّى أبوك سبيله بدعائه ومنه قوله (٥): [من الكامل] في بُرْدِكَ الأَسَد الهصور محرشًا … وبجود كفّكَ تُسكب الامطار (٦) تهب الألوف ولا تهاب ألوفَهم … هان العدوّ عليك والدينار ومنه قوله، وقد جاء قفل من أصفهان لم يعرفه منهم احد وعرفهم كلهم بآبائهم (٧): [من مجزوء الخفيف] أنا ضيف وإنّما (٨) … أينَ أينَ المُضيف؟ أنكرتني معارفي … ماتَ مَنْ كنتُ أعرف ومنه قوله (٩): [من الطويل] وما هذه الأيام إلا صحائفٌ … نُسطّر (١٠) فيها ثُمَّ نُمحى ونُمْحَقُ ولم أرَ في عمري (١١) كدائرةِ المُنى … تُوسّعُها الآمال والعمر ضيق

стр. 3958

ومنه قوله (١): [من الخفيف] هي كتبي فليس تصلحُ مِنْ بعـ … ـدي لغير العطار والإسكاف هي إما مزاود للعقاقيـ … ــر وإما بطائن للخفاف ومنه قوله (٢): [من الرمل] وهضيم الكشح في حُبّي له … لم يزدني كاشحي إلا اهتضاما كَرُمَ (٣) العاشق فيه مثلما … لَؤُمَ العاذل فيه حين لاما بقوام علم الهزّ القَنَا … ولحاظ تودع السكر المداما خده يجرحه لحظ الورى … فلذا عارِضُهُ يَلْبَسُ لاما ومنه قوله (٤): [من الطويل] هلموا إلينا (٥) نحو مشمش جلّقٍ … وثَمَّ بمن نهوى على الأكل نلتقي كأنّ مناب الشهد فيه مُجَسَّدٌ … أَجَدَّلَهُ عهد الرحيق المعتق حكى جمرات بالغضا قد تعلّقَتْ … فيا عجبًا من جمره المتعلق كأنَّ نجوم الأرضِ فوقَ غُصونِهِ … كراتُ نُضار بالزمرد مُحِدِّق (٦) قلت: وقد ذكر الفاضل صلاح الدين ابو الصفا خليل الصفدي (٧): ان العماد كان قالها كرات نضار في اللجين مطرّق، فلما أنشدت السلطان صلاح الدين قال: تشبيه الورق باللجين غير موافق فغيرها العماد، كما ذكرنا. وقوله (٨): [من الكامل] قد كان يسمح بالوصال خيالها … لو لم تضن العين بالإغفاء وَدَنَتْ تودع للفراق وإنما … اقصاء سهم القوس في الإدناء

стр. 3959

وقوله (١): [من الكامل] بدر فؤادي في محبَّةِ وجهِهِ … بدريه المعدود من شهدائه رمق المحبّ فلم يَدَعْ رمقًا له … هلا أخذت ذمامة لدمائه وقوله (٢): [من الكامل] ماء الصبا في وجنتيه وناره … ضدّانِ بين تموج وتلهب وكأن وجنته وخط عذاره … فيها طراز مفضّض في مُذْهَبِ وقوله (٣): [من الرمل] هات ا بدر الدجى شمس الضحى … قهوةً تُهدي إلينا الفرحا واملأ الكأس إذا فرغتها … إنَّ روح الراح يبغي شبحا واقتدح زند سروري طربًا … واسقنيها كل دور قدحا لا تَلُمْ يا صاح أفديك على … سُكْرِ قلب فيك لو صح صَحَا وقوله (٤): [من الكامل] وعلى السوالف منه فود مُرْسَلٌ … فيه فؤاد المستهام مقيد متقلّد بدمي وظنّي أنّه … بمدامعي أو مثلها متقلّد ما عايَنَتْ عيناي صدغًا فاحمًا … إلا وأسوده لقلبي أسود أيخاف عارِضُه عقارب صدغِهِ … وعليه زعف للعذار مزرد وقوله (٥): [من الطويل] مشعشعة لاحت كأن مزاجها … كَسَا كأسها بالورس ثوبًا مصبغا يطوف بها ساقٍ من السكر خِلْتَه … وقد عرفت منه الفصاحة الشغا إلى ريقه المعسولِ يَظما محبُّهُ … وروّي به عود الأراك الممضغا وما فتر العينين إلا ليقتُلا … وما عقرب الصدغين إلا ليلدغا وقوله (٦): [من المنسرح] يروقُني في المها مُهَفْهَفُها … ومِنْ قدود الحسان أهيفها يا ضعف قلبي من أعينٍ نُجلٍ … أفتكُها (٧) بالقلوب أضْعَفُها

стр. 3960

يا منكرًا مِنْ هوى بليت به … علاقةً ما يكادُ يَعْرِفُها دع سر وجدي فما أبوح به … وخل حالي فَلَسْتُ اكْشِفُها وقوله (١): [من الطويل] نهيت فؤادي عن هواكم فما انتهى … ونَهْنَهْتُ دمعي في الغرام فما رَقَا ومِنْ فَرْطِ وجدي خلتُمُ بي جِنّةٌ … إذا لم ترقوا لي فما ينفع الرُّقى وقوله (٢): [من الكامل] هَبْ أَنَّ قلبي للنصيحة قابل … مانافعي والدمع ليس بقابل مالوا إلى وصلي فحين وصلتهم … ملّوا وليس يمل غير الواصل وقوله (٣): [من الكامل] سل سيف ناظره لماذا سلَّه … وعلى دمي لم دَلَّه قَدْ له (٤) وأحذر سهام اللحظ منه فإنما … عن قوس حاجبه يفوق نبله (٥) واقبل وإن حسدوك عذرَ عِذاره … واحسد على عسل بفيه تمله ا منجدًا ناديته مستنجدًا … في خلّتي والمرء يُنْجِد خلَّهُ سر حاملًا سرّي فأنت لحملِهِ … أهْلٌ وخفّف عن فؤادي ثِقْلَهُ فإذا وصلت فغض عن وادي الغضا … طرف المُريب وحيي عنّي أهْلَهُ وقوله (٦): [من الوافر] ألا يا عاذلي دعني وشأني … وما تُجري المدامع من شؤوني بكل خدينةٍ للحسن مالي … سو بلو هَوَاهَا مِنْ خَدين كريم أو كغضنٍ أو كبدرٍ … بِلَحْظ، أو بقد، أو جَبِينِ تبسم درها عن أرجوان … وأزهر وَرْدُها عن (٧) ياسمين وقوله (٨): [من الطويل] قفوا وسلوا عن حال قلبي وضعفه … فقد زاده الشوق الأسى فوق ضعفه

стр. 3961

أرقتُ فجَفْني ما يريق سوى دمي … كأنَّ الهوى أوصى جفوني بنزفه ومنهم: [١١] نصر الله بن محمد بن محمد، ضياء الدين، ابو الفتح ابن الأثير الجزري (١)، الكاتب متكبّر نَفَخَ في غير ضَرَم، وبذخ بالسمن وشحمه وَرِم، ولم يلتفت الدهر إليه بعطفه، ولا أقبل عليه ببعض عطفِهِ، حتى شمخ شمما، ونطق خرسًا، وأصغى صممًا، وكانت له مخيلة ظهرت بارقتها، وبهرت سارقتُها، شرب بودقها الهيام، وضرب ببرقها الغمام الخيام، وقد كان بالموصل، ونشأ به مسود اللمم، محتد اللمم، في درس يباكره ويغاديه، ويسقيه ماطره بروائحه وغواديه، فملأ الحفظ خاطره حتى اندفق، وكلا الحظ سائره حتى توقد الشفق، فغالب الاسود، وقارب ان يسود، لولا عجب رداه، وردّ وجهه عن الطريق فما أدّاه، فوقع إذ سف، وتكدّر إذ شف، واتصل بالخدمة الأفضلية فغمط به فضلها، وقبض بِسَببه ظلها فلم يحمد أحد له ولا لسلطانه فعلًا، ولا عدَّ له ولا للأفضل فضلا، وجَلَسَ للناس وقد لبس رداء الكبرياء، وسَلَبَ بحمقِهِ، وقاد الكبراء، فأحرج الصدور عليه وعلى ملكه، وأحوج المقدور بما لديه إلى مهلكه، فَتَميّزت الخواطر عليه غيظًا، وأبرزت الضمائر له برد القلوب قيظًا، فأودع النفوس ودائع الحنق، وأنزع له الدهر العبوس مشارع الرنق، وخرج من دمشق في صناديق المطبخ مختبئًا حين أخرج الأفضل منها، وكان ينتقص الفاضل والعماد وسائر الكتاب، ويحطّ قدر الأفاضل، ويسخر بالناس، ويتوقف في قضاء الحوائج، ويحمل ملكه على جفاء أهله، وقطع ذرى رحمه، ويبعد بينه وبين أقاربه، فلهذا مقت، وغض طرفه، وبهت، وفيه يقول الشهاب فتيان (٢): [من مجزوء الرجز] متى أرى وزيرَكُمْ … ومالهُ مِنْ وَزَرِ يقلَعَهُ اللهُ فذا … أوان قلع الجزري وفيه يقول ابن عنين: [من الوافر]

стр. 3962

كأن قفا الوزير عَرُوضُ سوءٍ … يقطع بالبَسيط وبالمَديد قذالٌ لا يزالُ النعلُ فيهِ … كمنزل أحمد بن أبي الحديد وكان كاتبًا مطلعًا، مترويًا بالعلوم، مضطلعًا، إلا أنه كان متكلفًا، متطبعًا، ومتعجرفًا، متصنعًا، وكان يتعاطى اكثر مما يستحق، وله تصانيف منها: «المثل السائر»، و «الوشي المرقوم»، و «المعاني المبتدعة»، وأمثلتها، «المثل السائر». وقد عمل عليه موفق الدين (١) (ابن) ابي الحديد كتابًا سماه: الفلك الدائر على المثل السائر، وعمل آخر كتابًا على كتاب (ابن) ابي الحديد سماه: القطع الدابر على الفلك الدائر. وكلام هذا الرجل أعني الضياء، وإن كان محكم الصنعة ناظرًا الى دقائق المعاني فإنه في غاية التكلف لاعتماده على معاني الناس وأكثاره من الحل والاقتباس، وقد بنى كتابه المسمى بالوشي المرقوم على هذا، وعليه كانت طريقته في كلامه ومنحاه في قوله، ولا يكاد يسمع له من النظم إلا ما قل. مولده يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بالجزيرة. ومن نثره: قوله في وصف كريم: فلان يغار من جود غيره إذا جاد، ويرى الأفضلية في المكارم إلا في وحدة الانفراد، فصديقك الذي يحبّ محبّة الله في ودّهِ، ولا يتعدى الخجل الى الثقة بعهده، ولو أعطينا الرشد لما كنا نأسى على ما يختلف على تغييره المساء والصباح وكان ﴿كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (٢). ومنه قوله في وصف البلاغة: إذا نزل من سماء فكري ماء، سالت أوْدِيَةٌ بقدرها، واهتزت رياض بزهرها، وليست الأودية إلا خواطر الأفهام، ولا الرياض إلا وشائع الأقلام. ومنه قوله: وفي الآباء عوض عن الأبناء، وفي الأمس خَلَفٌ لما يستهدم من شرفات البناء، وقد قيل إن في سلامة الجلة هدر للنيب، وإذا سلمت طلعة البدر فأهون بالأنجم إذا انكدَرَتْ للمغيب، وما دام ذلك المعدن باق، فالقُضُب كثيرة، وإن أودى منها قضيب.

стр. 3963

قلت: لو قال: الدوح، أو الأصل، أو ما شبه ذلك، كان أنسب من قوله المعدن، واكثر ملاءمة مع قوله قضيب. ومنه قوله: وفلان قد خَبَرَ الدهر في حلب أفاويقه، ونقض مواثيقه، فهو لا يَرِدُ الماء إلا بماء، ولا يهتدي في مسرى أرض إلا بنجوم سماء، ومن شأنه ان يرد الأمور برأيه ولا يبعث فيها رائدا، وإذا قيل ان فلانًا ذو كيد قال: من الكيد ان لا يدعي كائدًا. ومنه قوله: لقونا، وقد أشرعوا الأسنّة التي شاركتهم في الأسماء، وإذا أَوْرَدَت أَرْوَتْهُم من غليل الحقد، كما يتروى من شرب الدماء، لكن ذادها عن الورد ما هو أصلب منها عودًا، في يد مَنْ هو أمضى منهم جدًّا وأسْعَد جدودًا، وإذا لاقت الريح إعصارًا زالت عن طريقه وضاق ذرعها بمضيقه. ومنه قوله: رأيتُ أَجَمَةٌ ولا ليث يحمي تلك الأجَمَة، بل رأيت بيض عقاب تحضنه رخمة، وليس المشار إليه إلا نائمًا في صورة يقظان، وهو كزيد وعمرو إذ تجري عليهم الأفعال وهما لا يشعران. ومنه قوله: وفلان قد جعل الرأي دبر أذنه، ووضع جفير (١) السيف تلقاء جفنه، ولم يعرج على لهو فيقول له: اليوم خمر وغدًا أمر، ولا يصغى الى مسير فيأخذ بقول زيد ولا عمرو، فهو مطل على مغيبات الأمور، غير غافل تمام الأعقاب إذا تمت له الصدور ومنه قوله: الغني يخف بكثير من الأوزان، والنظر في هذا إلى الأثر لا إلى العيان، ولا عجب ان يوزن الواحد بجميع الورى، ولهذا قيل: كل الصيد (في) جوف الفرا. ومنه قوله: كم في الأرض من شمس تخجل لها شمس السماء، ويتضاءل إليها تضاؤل الاماء، ويعلم ان ليس لها من محاسنها إلا المشاركة في الأسماء، فلربما طلعت في الليل فقال الناس: هل يستوي بياض النهار وسواد الظلماء، ولا عجب للعيون إذا

стр. 3964

رأتها أن تظن ذلك في احلام النوم، او يخيل إليها أن يوشع في القوم. ومنه قوله: ولقد رأيته فرأيت العالم في واحد، وعلمت أن الدهر للناس ناقد، ما أقول إلا ان الله ردّ به الأفاضل إلى معاد، ثم وضعه موضعه (١)، فذلك من جملة الأعداد في الاعتداد، لكن [ان] كان ذنبي خطأ، فقد جاءت معذرتي عمدًا، ولا عقوبة مع الاعتذار، ولو كان الذنب شيئًا إدا، والمقدرة لا تسيغ لكريم ان يمضي غيظًا أو يطيع حقدًا. ومنه قوله: الأحوال شبيهة بالأبدان في عوارض سقمها، وكل داء من أدوائها له علاج إلا ما كان من سأمها وهرمهاوقد قيل ان الطب هو معالجة الأضداد بالأضداد، ولهذا لا يطب مرض الآمال، إلا بجود الأجواد، وفي شهود الجناية من الأشراف ظلم للسادات لا تعدّه النفوس من ظلمها، ولربما كلم السوار يدًا، فذهب فخر زينتها بألم كَلْمِها، ولهذا هانت جناية بني عبد المدان، وضرب بهذا المثل في شرف المكان، والناس في المنازل أطوار، فمنهم أنجاد ومنهم أغوار. ومنه قوله: بازي أشهب تفخر السوابق بأنّها له سميّة، وترتمي الطير في جو السماء وهي له رمية، كأنما يجلو القذى عن عقيقتين، ويظلّ من توحّشهِ وإيناسه من خليقتين، ومَنْ أدنى صفاته أن يقال: هذا خلق من الرياح في صورة ذي منسر وجناح، وقد لقب بالبازي لكثرة وثوبه، وما غدا لمطلب صيد ففاته شيء من مطلوبه، ولقد تكاثرت قلوب الطير لديه في كل حال، حتى شبه رطبها ويابسها بالعناب والحشف البالي (٢). ومنه قوله في المطر: وانحل بها خيط السماء، حتى استوى ري بطونها للظماء، ولكنه للريح التي حَبَتْهُ بما حبا، ولم يكن مسك طله معتصرًا إلا من كافور الصبا. ومنه قوله: ولقد سنوا دروع الحديد على مثلها، ولولا اتقاء البغي لرأوا حمل العار في حملها، فإذا صافحتها أسنّة الخرصان رأيت أشخاص الكواكب في غدران.

стр. 3965

ومنه قوله في لئام: أصلح الأفساد، ورد البلاد، وقد استذابت نقادها، واستجلبت وهادها، ووردت وعولها بحيث ترد آسادها. ومنه قوله: فعلم ذلك جهل لا يرع منه عنف الملامة، وداء لا يكفي في تقليل دمه الفصد للحجامة، بل اليد لمن وضع السيف فيه موضع العصا، ومَنْ عمى الضلالة ما لا يبصر إلا بسفك الدم، ومنه ما يبصر بتسبيح الحصى. ومنه قوله: وكم لطيف الخيال مِنْ يد يبذلها وصاحبة يمنعها، ولطالما سمح برؤية عين لا يراها، ونجوى حديث لا يسمعها، فيا لَهُ من باطل أشبه في مراره حقا وأوهم القلب انه داواه وما داوى، والغليل انه أشفاه ووما أشفى. ومنه قوله: قليل الاحتفال بالخطوب المختلفة، وإذا انتقلت أحوال الزمان، وكانت حالة غير منتقلة، فعلمه يطل على أفكاره، ويرى الأمر الخفي من خلف أستاره، ولا تبلغ الانجاد والأغوار مدى انجاده وأغواره، فهو اليقظ الذي هجع النجم وهو لا يهجع، والماضي الذي يجزع السيف وهو لا يجزع، والمعافى المضروب له المثل بأنه لا يخدع. ومنه قوله: ريعان العمر تشترك فيه نهضة الأجسام والهمم، ولهذا كان شباب العلا في الشباب، وهرمها في الهرم، وما تشابها في اللفظ إلا لتشابههما في المعنى، وكلاهما ذو رونق في حُسْنِهِ، إذا اجتمعا زادا حسنًا، وما أقول إلا أن بين سواد الشعر والسؤدد غراسًا، كما ان بينهما في التسمية جناسًا. ومنه قوله: من كل بطل يزحم غوارب الأهوال بغاربه، ويلقى وجوهها الكريهة بجانبه، ولطالما كافحها في الحرب حتى تقضت وقائعها غبارًا على ذوائبه، فهو يقدم فيها إقدام مَنْ ليس له أجَل، ولا يرى للخدّ الأسيل حسنا لا يخد من الأسل. ومنه قوله: تماثلت فرائد عقودها وثغرها، فلا يدري أنظمت حلية نحرها في تبسمها، أم حلية مبسمها في نحرها، فلو انتثرت تلك الفرائد في الليل البهيم، لالتقطت حبات

стр. 3966

العقد النثير في ضوء العقد النظيم. ومنه قوله: إذا نظر الخادم الى حبسه المقتنى من خدمة الديوان العزيز لم يحتج الى أولية مجد قديم، ولا الى فضيلة سعي كريم، فالخطوط مقتسمة في تلك الأبواب بلثم التراب، ولو عقلت النجوم كما يزعم قوم لنزلت إليها خاضعة الرقاب، وقالت لها: أنت أولى بمكان السماء الذي منه مطلع الأنوار، ونشوء السحاب. ومنه قوله في رؤوس علقت على قلعة: ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدمت نفس الأعناق، وكأنها أصيبت بجنون فعلقت عليها القتلى مكان التمائم، أو شينت بعطل فعلقت مكان الأطواق. ومنه قوله: لم تكسه المعركة نسج غبارها، حتى كسته الجنّة نسج شعارها، فبدل ثوب أحْمَرِهِ بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره. ومنه قوله في وصف الحياء: الحياء لباس يُتقى وجه الكرم بوقائه، وهو كاللحاء الذي يبقى العود ببقائه. ومنه قوله: لو أردت دوام الدهر على حالٍ واحدة ما دام، والبأساء والضراء خيالات أحلام، فما ينبغي لك ان توليه حمدًا ولا ذمًا، فإنك تتقلد منه يدا ولا يدا، ولا تشكو منه ظلما ولا ظلما. ومنه قوله: ولئن صبرت فلأن الجزع لا يفيد ردّ الفائت، ولقد علمت أن للمصائب أجرًا، ولكنه لا يفي بشماتة الشامت. ومنه قوله: مَرَرْنا عليهم مرور الأمحال، وأمناهم وهم رجال بلا أرض، وتركناهم وهم أرض بلا رجال، ولقد مَشَتْ المنايا في دمائهم حتى ظلت حسرى، وشبع السيف منهم حتى تفرز بطنه، وشرب الرمح حتى تأوَّدَ، سكرا، ولم يبق للاسلام في عقده غل إلا شفاه، ولا عنده دين إلا استوفاه. ومنه قوله: في الحرب إذا أيتم (١) السيوف من الأغماد، فقد أيتم الاولاد من الآباء، وأثكل

стр. 3967

الآباء بالأولاد، فلا يُرى أدْهَمَ نَقْعِ إلا وهو ببياضها أبلق، ولا أحمر دم إلا بحدها مُهْرَق، فهو مصارع النفوس، ومطالع السعود والنحوس، والنار التي عُبدت من قبل المجوس. ومنه قوله: لا يكون الكريم كريمًا حتى يكون لنفسه غريمًا، فإن العطايا حقوق واجبة على أقوام، وإذا لم يجد الغمام بمائه، فأي فائدة في كثرة ماء الغمام؟ ومنه قوله: توانى عنه رُسلُ النجاح، ووكّلت به عزمةٌ أوْقَفَتْهُ على رجل، وأنْهَضَتْهُ على رجل وأنْهَضَتْه بجناح، ويمنعه من الإتيان على عجل، أن القضاء على مهل. ومنه قوله: هونت نفسي حتى صرت أصرّفها كما اشتهي، وأنهاها وآمرها فتأتمر وتنتهي، ومن صفاتها أنها لا تُمنى من غيرها بزاجر، وقد استوت حالتاها في باطن من الأمر وظاهر. ومنه قوله: جمع المال فَقْرٌ لا غنى، وهو كشجرةٍ لا ظل لها ولا جَنى، وصاحبه لا يستفيد به إلا ذما، ولا يستزيد بالسعي له إلا همًا، واليسار على هذه الحال هو عين الاتلاف (١)، والذهب والحجر سواء إذا لم تُصْرَف فيه يد الانفاق، وفضيلة المال داء الأعراض، كما أن فضيلة الزاد داء الأجساد، وعلاجهما شيء واحد في الوقوف على درجة الاقتصاد. ومنه قوله: وصنائع المعروف تورث من الثناء خلودًا، وتكون لغير ذوي الجدود جدودًا، تبتني العلياء بما يفنى ولا يبقى، وترقى بصاحبها الى منال النجم وهو لا يرقى، والسعيد مَنْ جَعَلَ مالَهُ نهبًا للمعالي لا لليالي، وعُرْضةً للمآثر لا للذخائر، ومن نال الدنيا فاشترى آخرته ببعضها، وأقرض الله من مواهبه التي دعاه إلى قرضها، فذلك الذي فاز بالدارين، وحظي فيها برفع المنارين. ومنه قوله:

стр. 3968

سارية تمشي لثقلها مَشْيَ الرداح، ويكاد يلمسها مَنْ قام بالراح، وما نتجت نتاجًا إلا أسرّت في ضمنه حمل أقاح، ولا اظلمت إلا أضاء البرق في جوانبها فتمثلتْ ليلًا في صباح، فهي مسودة مبيضة الأياد، مقيمة وهي من الفؤاد، نوامة على طول سهرها بالوهاد، فكم في قطرها من ديباجة لم تصنع أفوافها، ولؤلؤة لم تُشَقّ عنها أصدافها، ومسكة لم تُخالط سرر الغزلان أعرافها، فما مَرَّتْ بأرض الا أحيتها بعد مماتها، ووسمتها بأحسن سماتها، وغادرت غدرانها فائضة من جهاتها، ومثلها والنبت مطيف بها بالأقمار المتعلقة بأردية ظلماتها. ومنه قوله: فلان قد كشف عن مقاتِلِهِ، وعرض بجهة الأدلة على قاتله. ومنه قوله: وقَلَمُهُ هو يراع نفت الفصاحة في روحِهِ، وكمنَتْ الشجاعة بين ضلوعه فإذا قال أراك نَسَقَ الفرند في الأجياد، وإذا صال أراك كيف اختلاف الرماح بين الآساد، طورًا ترى نحلة تجني عسلًا، أو شَفَةً تملي قُبَلًا، وطورًا ترى إمامًا يلقى دروسًا، وآونة تنقلب ماشطة تجلو عروسًا، ومرة ترى ورقاء تصدح في الأوراق، وأخرى ترى جوادًا مخلّقًا بخلوق السباق، وربما تكون أفعوانًا مطرقًا، والعجب أنه لا يزهى إلا عند الإطراق، ولطالما نَفَثَ سحرًا، أو جَلَبَ عطرًا، وأدار في القرطاس خمرًا، وتَصَرَّف في وجوه الغناء، فكان في الفتح عمر وفي الهدي عمارا وفي الكيد عمرًا (١)، فلا تحظى به دولة إلا بحدث على الدول، وقالت: أعلى الممالك ما يني على الأقلام لا على الأسل، والقلم مزمار المعاني، كما ان أخاه في النسب مزمار الأغاني، وكلاهما شيء واحد في الإطراب، غير ان أحدهما يلعب بالأسماع، والآخر يلعب بالألباب، ومنه قوله: وقَلَمُهُ هو الذي إذا قَذَف بشهب بنانِه رأيت نجومًا، وإذا ضَرَب شبا حدّه رأيت كلومًا، وإذا صوّر المعاني في ألفاظها رأيت أرواحًا وجسومًا، ولطالما قال فاستخف موقرًا، وكسا وقارا، وأطال فوجدت إطالته بحلاوته إقصارًا، فهو دق المعاني المخترعة، يستخرجها من قليبها، ويبرزها في ثوبها القشيب، وليس خلق الأثواب كقشيبها، يجتني معانيه من ثمرات مختلفة طعمها، وينسج ألفاظه من ديابيج مؤتلفة رقمها. ومنه قوله في ذم كاتب: لا يمشي قلمه في قرطاس له إلا ضل عن النهج، ولا تصوّغ لفظًا إلا قيل: ربّ

стр. 3969

حدث من الفم كحدث من الفرج، ولكن ما كل مَنْ تناول قلمًا كتب، ولا كلّ مَنْ رقى منبرًا خطب، الدعاوى في هذا المقام كثيرة، ولكن ليس القنا كغيرها من القُصُبْ. ومنه قوله (١): وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس، وتغنيني وحدتها عن كثرة الجلاس، وينطق لسان حالها أنها أحْمَدُ عاقبةً من مجالسة الناس، فلا الأسرار عندها بملفوظة، ولا السقطات لديها بمحفوظة، وكانت الريح تتلعب بلهبها، وتختلف على شعبه بشعبها، وطورًا يُقيمه فتصير أنملة، وطورًا تُميله فيصير سلسلة، وتارة تجوّفه فيصير مدهنة، وتارةً تجعله ذا ورقات فيتمثل سوسنة ومرةً تنشره فينبسط منديلا، ومرة تلفه على رأسها فيصير إكليلًا، ولقد تأملتها فوجدت نسبتها إلى العنصر العسلي، وقدها قد العسال، وبها يضرب المثل للحليم، غير أن لسانها لسان الجهال، ومذهبها مذهب الهنود في إحراق نفسها بالنار، وهي شبيهة بالعاشق في انهماك الدمع واستمرار السهر، وشدة الاصفرار. ومنه قوله: ولقد عدا السحاب طوره إذا هَطَلَ في بلدة هو بها مُقيم، لكن عذره أنه أتى متعلما، وقد جَرَت العادة بإفادة التعليم، وما أقول انه يقابل ذاك الوجه الندي، إلا بوجه قلَّ ماؤه، ولو استحيا منه حق الحياء لما هَطَلَتْ سماؤه، وأني يُقاس فيض كرم السحاب بفيض كرمه، أو ديمه الدائمة بإقلاع ديمه. ومنه قوله: إذا رفعت الخطوب أعناقها، لقيها من رأيه بسعد الذابح، وان بقى ليلها، غشيه من عزمه بالسماك الرامح، فهو يسفك دماءها، ويجلو ظلماءها، ولهذا ترى وقد أجْفلت عن طريقه، فرجَعَتْ عن حرب عدوّه الى سلم صديقه. ومنه قوله في اليأس والطمع: ان نظر الى اليأس والطمع وجدا سواء في جدوى الاعطاء، ولا فرق بينهما إلا في روح التعجيل وكرب الإبطاء، ومن ههنا عجل البأس غنى والطمع فقرا، وأُوسع صاحب هذا ذمًا وصاحب هذا شكرا. ومنه قوله:

стр. 3970

إذا فاز المرء من اليقين بحظه، ولحظ الدنيا بقلبه لا بِلَحْظِهِ، علم ان عطاياها عارية مردودة، وانها وإن طالت مدة وجودها فأنها مفقودة، وما ينبغي له حينئذ ان يُسَرّ بالشيء المعار، وينقل له من دار المتاع الى دار القرار. ومنه قوله: وكانت الدنيا به مسرورة، فطوى عنها لباس السرور، وكانت الزلفى له بحياته، فانتقلت الزلفى إلى أهل القبور. وما أقول انه كان للأرض إلا بمنزلة الأرواح من الأجساد، ولا شك ان السماء حسدتها على الاختصاص به مما اعتادت من حَسَدِ الحساد، بماذا يمدحه المادح وقد أسلمه العيان الى الخبر؟ وان قيل لولا النبي لم تُخلق شمس ولا قمر، قلت: ولولا موته لم تخسف شمس ولا قمر. ومنه قوله: وكيف يظلم ذاك اللحد وبه من أعمال ساكنه أنوار؟ أم كيف يجدب وبه من كف فضِهِ سحاب مدرار؟ أم كيف يوحش والملائكة داخِلَةٌ عليه ببشرى عاقبة الدار؟ أم كيف يخفيه طول العهد على زوّارِهِ وطيب ترابه هادٍ للزوّار؟ وا أسفي كيف أطأ على الأرض وهو في بطنها ملحود؟ أم كيف تراعى نجوم السماء وما هو بينها موجود؟ أم كيف أعد أسماء البحار وليس في جملتها معدود؟ أم كيف أحمد من بعده عيشًا ولم يكن العيش إلا به محمودًا. ومنه قوله: العفو عن المذنب عقوبة لعرضهِ، وإن نجا بسلامة نفْسِهِ، وخيانته هي التي تلبسه من غضاضتها ما لم يبلغه العقاب بلبْسِهِ، وقد قيل إن الرفق بالجاني عتاب، والإحسان إليه متاب، ولا شك أن بسطة القدرة تذهب بالحفيظة، وتزيل وجد الصدور المغيظة، وشيم الولي تحب ان يكون رضاها شفيعًا الى غضبها، وان نَبَضَتْ منه بادرة سهم ردّتها شيمة التغمّد على عقبها، فلا شافع إليها إلا وسيلة كرمها، ولا ذمة عندها إلا الاستذمام بحرمها. ومنه قوله: إذا ادعت له الأوصاف رتبة فضل شهد شاهد من أهلها وكَفَتْه وراثتها عن آبائه ان يشارك البعداء في فَضْلِها، وأحقُّ الناس بالمعالي من كان فيها عريقًا، ولا يكون المرء خليقًا بها إلا اذا كان أبوه بها خليقًا، واذا زكَتْ أصول الشجر زكت فروعُهُ، ولا يعذب مذاق الماء إلا إذا طاب ينبوعه. ومنه قوله:

стр. 3971

وأكْرِمْ بيديهِ التي تسمح بديّة القتيل، ويرى الكثير من عطائها بعين القليل، وما كل من شاء استمرّت يده بالسماح، وقد تحجم عنه من تقدم على مكروه الصفاح، على أنه قد قيل: إنَّ بين التسميتين إخاء، فالسخاء يكون نجدة، والنجدة تكون سخاء، ومصداق هذه القول اجتماعهما لليد الكريمة التي ألِفَتْ إنجاح الوعد وإنجاح الوعيد، وضَمِنَتْ ارزاق الناس وارزاق الحديد، وقالت في الندى: هل من صاد، وفي الوغى: هل من مزيد؟ فالساري الى أبوابها لا يصل إليه في نهج السرى وهو مهتد منها على قبس القارع، أو قبس القرى. ومنه قوله في وصف هملاج (١) له: في العربية حسب أصلها، وفي العجمية نسيب جهلها، فهو من بينهما مستنتج، لا ينسب الى الضبيب (٢)، ولا الى أعوج (٣) سديد الحملة، شديد الجملة، لا يُشان بالغلو، ولا يتعب راكبه بفرط العلو، أثْبَتُ من الصافنات صبرًا، وأوطأ ظهرًا، وأطوع للتصريف، وأسلم في الهيكل والوظيف رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، طوع الكرة والصولجان قد استوت حالتاه بادنًا ومضطمرًا، فإذا أقبل خلته مرتفعًا، وإذا أدْبَرَ خِلْتَهُ منحدرًا، كأنه دمية محراب، أو درة هضاب، فهو مخلق بخلوق المضمار، وبدم الشرب والصوار بناصية شائلة، وغرة سائلة، كنوارة في شقيق، ولؤلؤة في عقيق، يثنى عليه بأفعاله، لا بعمه وخاله، وإذا كان الكريم في كل جنس، فهو كريم جنسِه، وإذا كانت العِراب بأنسابها أبناء أمهاتها، فهو ابن يومه لا ابن أمْسِهِ. كأنما ألقي لجامه على سالفة عقاب، أو شدّ حزامه على بارقة سحاب. ومنه قوله في الخيل والسير: ولما دهم نزلنا للاستراحة، والهجير في الاستعار وقذف بالدرك الأسفل من النار، والحرباء قد لجأ الى ظلّ المقيل، وسمح بمفارق عين الشمس، وهو بها عين البخيل، فلم يكن إلا مقدار وضع الرجل من الركاب، ومصافحة الجنب لصفحة التراب، حتى قيل: قد فجأتكم عصابةٌ من أهل العبث، تشد في ضرائها، وتجنب نقعها من ورائها، وقد فَرَطَتْ أجيادها بأعنّتها، وطاوَلَتْ هواديها بأسنّتها،

стр. 3972

فغدت حينئذ نجزةً من الخيل تدرك ما كانت به طالبة، وتفوت ما كانت منه هاربة، لا تَمَلُّ من موالاة الدروب، وهي عند النزول كمثلها عند الركوب. فما استويت على ظهرها، عقدت مع الرحى عقد الرهان، وعَرَضَتْ عليها حكم الشقراء والميدان، ثم قلتُ: ان استشعرت مسابقتي فقد جئت شيئًا فريا، وتلت قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (١) وما كان إلا هنيهة حتى حال الركب للرواح عند الإظهار، واستسلمت المدى بالتقريب قبل الإحضار، وجئت القرآن فلقيته منها بصدرٍ يطارد الامواج مطاردة الفجاج، وعين لا يروعها هبوات الماء كما لا يروعها هبوات العجاج، فتلك فرسي التي أعدها لكل مخوفةٍ، وهي حوت كلّ مَعْبَرٍ، وظليم في كل تنوفة. ومنه قوله في الناقة والفرس: سِرْتُ وتحتي بنتُ قفرة، لا يذهب السوى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بإثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام قيل: أكمة من الأكام، ولم تسم جسرةً إلا أنها تقطع عرض الفلا كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفًا إلا أنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل، يقبل بجذع ويدبر بصخرة، وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن جسرة، ويجري مع الريح الزعزع فيذرها وقد ظهر فيها أثر الفترة، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على آثارها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه فلم يبرح، والكواكب قد ركَدَتْ فيه فلم تسبح، وإنما أود لو زاد طوله، فلم تظهر غرّة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: انه أدنى المبعد، وأكمّ الأنوا ودلّ عليه القول النبوي «بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار»، وما زلتُ أسير مرتديًا بثوبه حتى يكاد أن ينضو لون السواد، وظهر ذنب السرحان، فأغار على سرح السماء، كما يغير السرحان على النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نَهْلَة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة، وإنما كان على ظهر السائر. ومنه قوله في الخاطر: الخاطر كالضرع، إن حلبته طف، وان تركته جف. ومنه قوله: لا ريب في أن لحاظ النواظر كمتون البواتر، وإنما اشتركت جفونهما في

стр. 3973

الأسماء لاشتراكهما في سفك الدماء. ومنه قوله في الحكمة: عقل المؤمن حول مالِهِ، وماله من حول صبره، فإذا افتقرت يده ذهبت بعقله، وإذا صبرت نفسه ذهبت بفقره. ومنه قوله: فرّوا وقد علموا أنّ العار مقرون بالفرار، لكنهم رأوا كلمة الأعراض أهون من كلمة الأعمار، وتلك نفس خدعت بالحياة الذليلة التي الموت الذ منها طعمًا، وليس الموت إلا في ان تلاقي النفس ذلًا، او تفارق جسما، ولربما يسلا المهزوم ويقول القائل ان الأسد يغلبها الأسود وان الحرب ليست بمضاء العزائم، وإنما هي بمضاء الجدود، وهذا القول مسلاةٌ كاذِبةٌ لهم مكذوبة، ولولا العزم لم تر حصون مفتتحة، ولا جموع محروبة، وبالجد يدرك الجد، ولولا القدح لم ينفث الزند، ولما جيء بأسرى القوم مَنَنا عليهم بإطلاق السراح، وقاتلت عنهم شيمة الصفح إذ لم تقاتل عنهم شيمة الصفاح، وحمية الآباء لا تقتل من لم يحوه مكر الطراد، ولا حمية صهوات الجياد، وأي فرق بين الأسير في عدم الدفاع، وبين أشباهه من ذوات القناع؟ ومنه قوله: وما زال يزعج ديار الكفر بغزواته، حتى لم تهن حاملة بإتمامها، ولا متعت عينها بلذة منامها، فاسم القرور من نسائهم منسوخ بغارة المقربات الجياد، ولذيذ النوم بأرضهم مسلوب بايقاظ جفون البيض الحداد. ومنه قوله في بليغ: إذا ارتجل أتته المعاني غير مكرهة ولا محرجة، وأبرزها كوامل الصور غير مخدجة، وإن تروى تهافتت على توقد خاطره تهافت الفراش، وجاءته سوانح وبوارح حتى تقول: تكاثرت الظباء على خراش (١). ومنه قوله في تكذيب أهل النجوم: ولقد أوْهَمَ أهل التنجيم بالتسيير والتقويم والحكم على أفعال العليم الحكيم، فأخبروا عن النجوم في سعودها ونحوسها، بما لما تخبره من نفوسها، وقضوا في ترتيب أبراجها، واختلاف مزاجها، وحكموا على حوادث العمر من حال وجوده الى

стр. 3974

عدمه، في سعادته وشقائه، وصحته وسقمه، وأشباه ذلك من الزخارف التي نصبوها حبائل للاكتساب على غير ذوي الألباب، وكلها أضغاث أحلام، وأوضاع لا تخرج عن خط الأقلام. ومنه قوله: ولم أبك إلا عصر الشباب الذي هو في الأعمار بمنزلة الربيع من الأعوام، وما كنت أعرف كنه أمره، حتى مضى فرحلت معه الحياة بسلام، فالأيام فيه غوافل، والسنون لقرب عهدها مراحل، ولم أقْضِ وطرًا إلا خلفت أندى منه مرتعًا، وأحسن مرءً ومسمعًا، أيام لا أعاقر خمرةً إلا لمى، ولا وردةً إلا خدا، ولا نقلا إلا فما، ولكأني ما كنت قمرا حلف إلا بالقدود وهيفها، والجفون ووطفها، وليالي الذوائب وشرفها، ووجوه الأقمار التي لا تشاب بكلفها، ولا يرى في غرر الشهور ولا في منتصفها، فأصبحت قد بدلت غريب الأحوال بأليفها، وعوضت من نضرة الأوراق بيبس خريفها، فولى الصبا الآن بسلام، ولوعة ينبيء بها الدمع السجام. ومنه قوله فيمن قصر: ولتقر تفاح الخدود، فلست من تقبيله غرا، ولا من عضه، اللهم غفرا، وقد ينطق المرء بما يكون فيه لسانه آثمًا وفعاله برا، ولولا حكم الفصاحة لما ذكرت بانة ولا علم، ولا وقف المتغزل بأقوله موقف التهم. ومنه قوله: لما عود الطير من جزر أعدائه تتبعه أسرابا، واستسقى سحابها ما تحته من سحاب خيله، فاستسقى سحاب سحابًا، ولقد مرت عليه الشمس فضعفت ان تحرق جناحا، أو تحمي بحرها سلاحا، فلم يلق بين الريش فرجةً ينثر فيها دراهمها، ولربما خالَسَها النظر إذا هزت قوادمها. ومنه قوله في الاستعطاف: المولى إذا لين له غُلِبَ على أمره، وأزيلت مغيظة صدره، وهذه خليقتان من البعيد الذي يمسه بلحمة، ولا يمت إليه بحرمة، فما للظن بالقريب الذي فاز بمزية الشركة في عرقه، وفضل الجوار لاحق أوجب من حقه، فكيف نسي المولى عادة كرمه، ووضع وجوه قومه تحت قدمه، وجعلهم حصائد سيفه وقلمه، وحاشاه أن يقطع رحمًا أوصاه الله بوصلها، ويعضد (١) شجرة أصله الكريم من أصلها، ويزعم بأنهم أخرجوه من معهود خلائقه، وبدلوا أنواء غيوثه بمخيلة صواعقه، ولكنهم شفعوا

стр. 3975

للذنب بالاعتذار، وعلموا ان خيط أرشيتهم لا يؤثر في كدر البحار، وقد قدر المولى، والمقدرة تصغر الذنوب، وتذهب ترات القلوب، فإن نقم منهم أنهم جمعوا قلة الآداب الى إدلال ذوي الانتساب، فتلك سُنّةٌ سنّها حُكْمُه، وَجَبَلَهُم عليها حلمه، وما يتحدث الناس ان الكريم عاد عن غباوة إغضائِهِ، ورجع في حكم قضائه، وأوّل راض مسيرةً من يسيرها (١)، فَلْيُسْبِل المولى عليهم ستر فضله، وينجز إساءة فعلهم بإحسان فعله، وليأخذ بأدب الله وأدب رُسُلِهِ في الاعراض عن الجاهل وجهله، ويعلم ان قوم المرء كنانته التي بها يناضل، وذروته التي بها يطاول، وإذا لم يحمل ما يريب من أدانيه رمته أقاصيه، ولا بدّ للانسان من طاعة ومعصية، ومن أجل طاعته تُغْفَر معاصيه، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢)، وبعد، فإذا أشار المولى ان يقتل حرا فليعف عن زَلَلِهِ، فإن إصابة عِرْضِهِ أشد من إصابة مقتله. ومنه قوله: سَليبُ المَدائحِ أبهَجُ حُسنًا من الغُصونِ المَكسُوَّةِ بأوراقِها، والحَمائمُ المُتَحلّية بأطوقها، فهو عار من اللباس مكسو من المحامد التي صاحبها هو الكاسي. ومنه قوله في ذم الود المتكلف: خير الودّ ما عطف عليك اختيارًا، إلا ما أعدته بالعتاب اقتسارًا، فإن شيمة التبرع كحسن التأدب غير مجلوب، والإنجاح في الطلب إتعاب لوجه المطلوب، إلا ان خير الود ود تطوّعت به النفس، لا ود أتى وهو متعب. ومنه قوله: والشيب يُعيد جدّة الشباب وهي أخلاق، وهي على كراهة لقائه مكروه الفراق، فواهًا لنزوله، واهًا لرحيله، وسحقًا له بديلا من الشباب، وسحقًا لبديله. ومنه قوله في الهجو: لم أر له في حظوط المساعي من قسم كأنه فيها واو عمرو أو ألف بسم، فهو لا يزال منكرا غير معروف، فأما زائد لا حاجة إليه، وأما محذوف. ومنه قوله: السر أمانة لا تُباع، ووديعة لا تُضاع، فالعين تكاتم القلب فيها ما تبصره،

стр. 3976

والقلب يكاتم اللسان ما يُضْمِرُهُ، وإذا حوفظ على السرّ هذه المحافظة، فقد ألقى في سهولة لا يُرام اطلاعها، ونيط بصخرة أغبى الرجال على كثرة المحاولة انصداعها. ومنه قوله في قتال قوم كانوا بجبل ثم نزلوا فهزموا: وبعد، فإنّ العساكر رَكِبَتْ لارتياد موقف الحرب، واختيار المصعد السهل في الجبل الصعب، لتكون على بصيرة من أمورها، ولتأتي البيوت من أبوابها لا من ظهورها، فانبسطت كتائبها في كل منخفض ومنحدر، ومزلزل ومستقر، فحينئذ نفخ الشيطان في أنفه وساقه الى حتفه، فبرز بمن قبله من الجنود، ونزل عن قلل الأوعال الى مصطخر الأسود، وكان حزن الخطب في أحزانه، وتباعد مناله في تباعد مكانه، فلما أسهل النصر في طلبه، وأمكن يَدَهُ من سلبه، لا جرم انهم رُدُّوا على الأعقاب، ونُسِفوا نَسْفَ الريح السحاب، فلم يكن لهم سلاح أوقى من الفرار، ولا عاصم إلا الجبل الذي عصم من طوفان السيف وما عصم من طوفان العار. ومنه قوله (١): ونار بين أيدينا سرب ظباء مدرّب على القنص ومقانصه، عارف بغوائله ومخالصه، وقد طرق مكانه حتى لم يهن بمرتعه ومشرعه، ولا أمن مصرعه وكبس منه ما تمتع برؤية أشباهه من الفرقدين، ولم ينس الفجيعة بإلفه الذي خرّ لفمه واليدين، فلما أحسّ بنا طار خيفة حتفه، وكاد ان يخلف ظلّه من خلفه، فأرسلنا عليه (٢) سلسل الضريبة، ميمون النقيبة منتسبًا الى نجيب من الفهود ونجيبة، كأنما ينظر من جمرة، ويسمع من صخرة، ويطأ من كل برثن على شفرة، وله إهاب قد حيك من ضدّين بياض وسواد، وصوّر على أشكال العيون، فتطلّعتْ إلى انتزاع الأرواح من الأجساد، وهو يبلغ المدى الاقصى في أدنى وثباته، ويسبق الفريسة فلا يقنصها إلا عند التفاته، وقد علمت الظباء ان حبائلها في حبل ذراعه، وان نفوسها مخبوءةٌ بين أضلاعه، فلم يكن إلا نبضة عرق أو ومضة برق، حتى أدرك عقيلةً من تلك العقائل، فأناخ عليها بكلكله، ووقف بإزائها ينتظر وصول مرسله. ومنه قوله: والتاريخ معاد معنوي، يُعيد الأعصار وقد سَلَفَتْ، وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وَعَفَتْ، وبه يستفيد عقول التجارب من كان غرًّا، ويلقى آدم ومن بعده من الأمم وهلم جرًا، فهم لديه أحياء وقد تضمنتهم بطون القبور، وعنه غيب وقد جعلتهم

стр. 3977

الأخبار في عدّة الحضور، ولولا التاريخ لجهلت الأنساب، ولم يعلم الانسان ان أصله من تراب، وكذلك لولاه لماتتْ الدول بموت زعمائها، وعمي من الأواخر حال قدمائها، ولم تحط عِلْمًا بما تداولته في الأرض من حوادث سمائها، ولمكان العناية إليه لم يخل منه كتاب من كتب الله المنزلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، ومنها ما أتى بأخباره المفصّله، وقد وَرَدَ في التوراة في سفر من أسفارها، وتضمن تفصيل أحوال الأمم السالفة ومدد أعمارها وقد كانت العرب على جهلها بالقلم وخطه، والكتاب وضبطه، تصرف الى التواريخ جُلَّ دواعيها، وتجعل له أوفر حظ من مساعيها، فتستغنى بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها، وتعتاض برقم صدورها عن رقم مسطورها، كل ذلك عنايةً منهم بأخبار أوائلها، وإبانة، فضائلها، وهل الانسان إلا ما أسسه ذكره وبناه؟ وهل البقاء ألا بصورة لحمه ودمه لولا بقاء معناه؟. ومنه قوله: الخادم يعود المولى من شكاة جسمه، والناس يعودون الخادم من شكاة همه، وإذا مرض المولى المنعم سرى مرضُهُ الى عبيدِهِ وخَدَمِه، فهم مشاركوه في اسم مرضه، وإن خالفوه في صورة ألمه، وقد تمرض أرواح المرض أجساد، ويشتركان في كل شيء حتى في عيادة العواد. ومنه قوله في السير: ولقد سرتُ سير الأخبار، وأخذتُ بمطالع الليل والنهار، حتى عُدِمتُ رفقةً ورفقا، وصيرتُ للغرب غربًا وللشرق شرقًا. ومنه قوله: إذا وقفت بالدار تُسائل أحجارها، وتبكي آثارها، فإنك لا تبكي التراب، بل الأتراب، ولا تندب الآثار الحائلة بل الأحباب الزائلة، ولا فائدة في سلامك على الطلل الذي لا يعي خطابًا ولا يرد جوابا، فإنا نخاطب أصداء لا تملك إعادة ولا إبداء، وإذا شَغَلْتَ نفسك بسؤال التراب والجندل، فلا فرق بي سؤال من لا يجيب، وجواب مَنْ لا يسأل، ومنه قوله قريب منه: ولقد قصد منه كريمًا لم تزل معاهد أكنافه معهودة، … ومن شيمة مواهبه ان تكون قاصدة قبل أن تكون مقصودة، من يسأله غير درجات المعالي فقد قَدَحَ في مواهبه، وحط من مراتبهِ، أَمْسَك المال وجَعَلَ حادث هلاكِهِ في ضمن إمساكه، فلو حلف سائله أن يصافح السحاب لبّر في يمينه بمصافحة يمينه، وليس هذا من المجاز الذي.

стр. 3978

يتوسع في مقاله، بل هو من حقيقة القياس الذي يحمل على اشباهه وامثاله. ومنه قوله: وبأيديهم كل لدن شدّته في لينه، ولكن النصر منوط بتمكينه، فما منهم إلا من اعتقل ما يماثله قدًّا، أو يناسبه جدًا، فإذا مثلت شكولها وشكولهم قيل: صعاد، في أيدي صعاد، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: أساود في أيدي آساد، ومن صفاتها انها لا تنشد [إلا] إذا كانت قصائد، ولا تجور إذا كانت قواصد، قد أدبها الثقاف من عهد فطامها، وكانت منابت التراب من شرابها، فأصبحت منابت الترائب من طعامها، فهذه هي الرماح التي تعلقها أيدي الأبطال وتأوى منها إلى معاقل بذلك الاعتقال. ومنه قوله: مَنَنا عليهم من الأسلاب بالبيض القواطع، ليجعلوا حليها أساور في أيدي البيض، ذوات البراقع وحلية السيف لا تحسن الا بكف يكون به ضاربًا لا له حاملًا، وإذا عطل في مواقف الجهاد فالاولى ان تجعل له عاطلًا، فخفنا أن ينشدهم قول أبي العتاهية (١): [من الهزج] فَضَعْ ما كُنْتَ حَلّيتَ … به سَيفَكَ خَلخَالا ما تَصْنَعُ بالسَيْفِ … إذا لَمْ تَكُ قَتّالا ومنه قوله: ولقد تعقبت للأيام نقصها بإتمامها، ونقضها بإبرامها، ونسي نعي ميتها ببشرى حيها، ونشرت المكارم التي كانت طويت فوفى أنس نشرها بوحشة طيها، وأصبح عزاء الناس مستدركًا بالهناء، وعوّضوا عن كنز الغنى بكنز الغناء، حتى استرجعت العبرات ما جادت به من سحاب مزنها، واستبدلت ببرد مسرّتها من حرارة حزنها. ومنه قوله في الحلم: إذا حكمت قدرته في الذنوب كان العفو لها عائقًا، واذا أحَبَّ الشفعاء أن يشفعوا إليه كان كرمه لهم سابقًا، فلا بارقة في بوارقه الا وهي مغشية بغمامة حلمه، ولا بادرة من بوادره إلا وهي محبوسة في قبضة كظمِهِ، وعلى هذا فإن الجاني غير مقتصر لديه الى إقامة الأعذار، ولا إلى التوبة التي تستر عورة الإصرار، فيوشك انه تخلق بخلق الله سبحانه في عموم المغفرة، ورأى أن لا أثر يبقى في صدر المغيظ إذا تولّت إذهابه يد المقدرة.

стр. 3979

ومنه قوله في الخمر: سقيت مغارسها بالسرور بدلًا من الماء، وجمع لها بين وصفين من تذكير الافعال وتأنيث الأسماء، وما سجنت في دنّها إلا لما عندها من النفار، وكانت حمراء اللون فألبسها طول السجن ثوب الاصفرار، وقد شبهت بالنار الموسوية في تألّق ضرامها، وبالنار الخليلية في بردها وسلامها، وإذا نظر إليها والى زجاجها اشكل الأمر بينها وبين الزجاج، وقيل هذا سراج في كأس أم كأس في سراج؟ ومنه قوله: النفوس تؤثر الخير تكلفًا والشرَّ طبعًا، وهي مجبولة على حبّ الشهوات قلبًا ولسانًا وبصرًا وسمعًا، ولكن للتدريج أثر في تقويم الاعوجاج واصطناع الياقوت من أحجار الزجاج، ولهذا استخرج من اوراق الشجر وشايع الديباج. ومنه قوله في المدح: إذا أفضتَ في الثناء عليه تنافَسَ النظم والنثر في الاستقلال بأوصافه، وما منها إلا من فض ختام طيبه ونشر مطاوي أفوافِهِ، فما ترى في مديحي لمولانا من حسن فليس لها مخلوقًا، بل من أوصاف سيدنا مسروقًا. [من البسيط] إذا القصائد كانت من مدائحهم يومًا … فأنتَ لعمري من مدائحها ومنه قوله: المال يكون في خزائن أربابه صامتًا، وإذا خرج في العطايا صار ناطقًا، فيا قُبْحَهُ في أيديهم حبيسًا، ويا حسنه عنهم ابقا، ولم يسمع قبله بابق أفاد صاحبه حمدًا، وبنى له مجدًا. ومنه قوله في قريب منه: جود مولانا قد هون على الناس مشقة الاغتراب، وأراهم من نعيم الأنعام ما حبّب إليهم فراق الأحباب، فما منهم إلا مَنْ يحمد خطوب الأيام التي أخرجته من دياره، ونقلته عما لم يؤثر الانتقال منه إلى ما لقيه من إيثاره، فمثال بابه الكريم بقتلى الايام، كمثل الجنة بقتلى الحمام، فلو علم داخل الجنّة انها تكون له مصيرًا، لاستعذب كأس الحمام وإن كان مريرًا، وذلك كما قال ابن الخياط (١): [من البسيط] لأشكرن زمانًا كان حادثه … وصرفُهُ بي الى معروفكُمْ سَبَبا

стр. 3980

ومنه قوله: إذا حكمت سيوفنا في أموال العدا، حكمت فيها وسائل الندى، فهي طالبة ومطلوبة، وسالبةٌ ومسلوبة، إلا أنها تأخذ ما تأخذه اقتسارا، وتعطي ما تعطيه اختيارا، فلها بسطة الغالب ومنة الواهب. ومنه قوله في شكر منعم: إذا تقابَلَتْ مدائحي وسجاياه، رأيتُ مرآةً صقيلة، تقابل صورة جميلة، فلولا هذه ورونق صقالها لما تمثلت تلك على هيأة جمالها، وأنا أوّل من طبع مرآة من الكلام، وصوّر الأخلاق فيها بصورة الأجسام. ومنه قوله: وردت إشارة سيدنا أن أنظم في فلان قصيدًا يكون في نظمه فريدًا، وقد علم أن أحرار الكلام وردت ان لها عزة الاحرار، وهي كالنفوس الأبية في الاستعلاء والاستكبار، فإذا كلفت مدح لئيم صدّت مجانبة وذهبت مغاضبة، ولهذا أبى كلامي وهو الحر في نَسَبِهِ، الكريم في حسبه ان يمدح مَنْ عرضه حراق قادح، وفريسة جارح، وطعمة هاج لا مادح، ولطيمة الطيب لا تلتئم بالكنيف وصورة الشوهاء لا يزين منها التسوير والتشنيف. ومنه قوله في قلم: أخرس وهو فصيح الإيراد، وأصم وهو يسمع مناجاة الفؤاد، لا ينطق إلا اذا قطع لسانه، ولا يضحك إلا إذا بكت أجفانه. ومنه قوله في تفضيل الإحسان على الثناء: الشكر أخف من الإحسان وزنًا، وصاحبه يستبدل الذي هو خير بالذي أدنى، ولقد ربحت صفقته إذا باع أقوالًا وحاز أموالًا، وأعطى كلمات خفافًا، وأخذ عروضًا ثقالًا، ومَنْ زَعَمَ ان شكر الشاكر أفضل من موهبة الواهب فقد أغلى القول فيما ليس بغال، وأتى ويده السفلى من مكانٍ عال، وأي فضل لمن غايته ان يكون مجازيا لا موازيًا، ومعاملًا لا معادلًا؟ وإذا أنصف علم أنه جاء أخيرًا، ولا فرق بينه وبين من أعطى أجره فصار أجيرًا، وما ارى الشكر إلا حديثًا يذهب في الرياح لو لم تقيده مكارم السماح، فلا حاجة مع لسانها الى الشاكر، وإذا نطقت الحقائب فقط أغْنَتْ بنطقها عن مديح الشاعر (١).

стр. 3981

ومنه قوله: الخادم لا يشكو الأقوام، ولكن يشكو الايام، فان المعدى على قَدْرِ العدوى والمشكو إليه على قَدْرِ الشكوى، ومما يشكوه منها انها تبادهه، ولا تواجهه، وتسارره ولا تجاهرُه، ولو كان لها شخص للقيه بعزم مولانا فقارعه، أو أرهبه باسمه الكريم فوادعه، وهي عبيدة تجني وهو المطلوب بجنايتها، وإذا رأت بأحَدٍ عناية من جاهه قرنتها بعنايتها، والمملوك يطالب مولانا بأرش جراحها ويسأله عناية تكف من غرب جماحها. ومنه قوله في سرى النياق: كم للركاب من يد لو علمتها لجعلت تراب اخفافها للعيون إثْمَدًا، وخطط منازلها للجباه مسجدًا، فهي الحاملة أعباء الهمم والممكنة من نواحي النعم. ومنه قوله: جوده بعيد على الأمل غير مفتقر الى العذل، وإذا احتفل فهو نهر طالوت الذي حلل للغرفة لا للنهل. ومنه قوله في كريم: لا يضرب بين ماله حجابًا وبين السائلين، وإذا عَدَل على الجود أجاب بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). ومنه قوله في الاقتصاد في طلب الرزق: الانسان في كفالة الله يرزقه غير واثق، وهو في كل طريق إليه مالك، ولكل باب فيه طارق، وكثيرا من يأتيه الرزق وهو عن طلبه نائم، ويقعد عن ابتغائه وهو إليه قائم، ولا يُصرّف الأقدار إلا القادر على خلقها، وكم من دابة مرزوقة وهي ضعيفة عن حمل رزقها. قلت: ذكرت بهذه الكلمة دعاء كتاب كتبه ابن عبد الظاهر (٢) عن الملك الظاهر (٣) الى وزيره بأن يربع دواب الحرس، وكان قد أمر باخصائها لإزعاجها له بالنهيق، ثم رآها فرحمها، فأمر بذلك الدعاء: ولا زال يشكره غرب البلاد وشرقها، وحمامها وورقها، وما من دابة في الأرض إلا على الله وعلى حسن تدبيره رزقها.

стр. 3982

عدنا الى ابن الأثير، ومنه قوله في ذكر الخدمة: لو ساغ لولي من أولياء الديوان العزيز ان يمت بولائه، أوْ يُدِلُّ بما أبلاه في الخدمة من حسن بلائه، لكان لسان الخادم في هذا المقام أكرم صدقًا أو مكانه منه أشرف حقًا، لكن ليس لقائم بخدمتها ان يمن بقيامه كما ليس لمسلم ان يمن بإسلامه، والخادم وإن أمسك عن ذكر خدمه، فقد نطقت بها شهرة سماتها، وأصبحت مواقفها في الموقف أبكارا، ونطق البكر في صماتها، ولم تزل معروضة بالديوان العزيز، وكل وقت أبان وقتها، وهي كالآيات لا تأتي منها آيةٌ إلا كانت أكبر من أختها. ومنه قوله: ولطالما أورى الاغتراب عِزًّا، وأثار من السعادة كنزًا، حتى ان الله جعله سنة في أنبيائه ورسله، ونهج لهم سبيل العزّ بسلوك سبله، كسنّة الغربة اليثربية في الهجرة النبوية، وما أوْجَسَهُ من القوّة بعد الفرار، والكثرة بعد ثاني اثنين إذهما في الغار، والتقليل سبب للسكون، والشهادة داعية لهدوء العيون، ولو لزم السيف غمده لم يبن أثر مضاربه ولا خدمه لسان في نظم شاعرِهِ ولا نثر خاطبه، وبالاغتراب عذب ماء البحر لما فارق السحاب. ومنه قوله: له القلم الذي يصرع الخطب الجليل بضعفه، ويسبق الحرف الأمون بحرفه، وإذا نكس رأسه رأيت أبهة الخيلاء في عطفه، فهو يجلّ بأسًا ويدق جسمًا، ويمج من لسانه شهدًا وسُمًا، فإذا ارتقى أنامله قيل: خطيب رقى منبرًا، وإذا اهتز في يده كأنه جان ولى الخطب مدبرًا. ومنه قوله: لو ذهب الحزن بالدمع وانهماله، لكان الصبر بصاحبه أحرى، ولو لم ينل به أجرا، فكيف وصلوات الله ورحمته من ثوابه، وما اعتاض المرء صبرًا عن المصاب، إلا كان فيه عوض عن مصابه. ومنه قوله: المكر ضراب من تحت الثياب، وسيفه لا يقطع إلا وهو في القراب، وصاحبه يلقى بوجه الأحباب، وهو كالجبل الذي تحسبه جامدًا وهو يمر مر السحاب، يفرق الجموع وقد كادت تكون عليه لبدا، ويجعل قولها أضعف ناصرا وكثرتها أقل عددا، ويستغني بلين كيده عن شدّةِ أيدِهِ، وكثيرًا ما يطعن أقرانه قبل الطعان، ويفاجئهم

стр. 3983

بالذعر وهم من الأمن في صوان. ومنه قوله في التضرع الى قريب مضايق: أنا أسأله بالرحم التي أمر الله باتقائه واتقائها، وتكفّل بالإسقاء يوم القيامة لمن تكفل بإسقائها، واشتق لها لكرامتها عليه اسمًا من اسمه وقسم لواصلها ببسط العمر والرزق اللذين هما من أفضل قسمه، فلا تتركني أتأوّه بقلب المتألم، وأجهر بلسان المتظلم، وان اصله بسهام الدعاء القاصدة، وأحاكمه الى صراعة البغي التي ليست عن الباغي براقدة، واتمثّل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (١) ويعزّ عليّ أن ألقاه بهذا القول الذي أنا فيه غير مختار، ولئن كان من المحظور النهي عنها فالمحظور يباح لمرتكبه عند الاضطرار. ومنه قوله في تذكير بعض الطغاة: تذكير الطاغي من سنة الله التي خَلَتْ في عبادِهِ، وان عسر نقله عما جبلت عليه فطرة ميلاده، وقد أمر موسى بتذكير فرعون مع انه لم يستفد ذكرى، بل زاد الى طغيانه طغيانًا والى كفره كفرا. ومنه قوله: ونُصبت المجانيق، فألقت عصيها وحبالها، وصبّ على أقطار البلد نكالها، فسجدت له الأسوار سجود السَّحَرةِ لفعل العصا، وبادرت للايمان بها مبادرة من أطاع وما عصى، ولم يكن في أيمانها إلا بعد اذن الاحجار التي ما أذنت لمشيد إلا أخذ في البوار، وخرّ من الأقطار، وأصبح كشجرة اجتثت فوق الارض مالها من قرار. ومنه قوله في كتاب: ورد كتابه، فطلع طلوع الصباح السافر على المدلج الحائر، لا بل أقْبَلَ إقبال الحياة على الاجساد، والحيا على ألسنة الجماد، فَعُظم موقعه ان يُذال باليد أو ينال بالنظر، أو يوصف بأنه ثاني المطر، أو ثالث الشمس والقمر. ومنه قوله، رسالة في البندق (٢): من المآرب ما يفعل طالبه، ويرتاح ناصبه، ويشترك فيه الناس، وكل منهم صاحبه، كالقنص الذي هو للخاصة نهزة مراح، والعامة صفقة أرباح، وهو جامع برياضة أجسام ومسرّة، أرواح، وسأذكر موقفًا وقفته، وموسمًا عرفته تخلسه الدهر إذا

стр. 3984

عرفته، وذلك أني في زمن الربيع والأرض ديباجة، والسماء زجاجة، والجو قد أصبح بأنفاس الرياض معطرا، والشمس قد ضربت في أرجائها عمودًا، فأخضر اخضرارًا معصفرًا، ولقد أصاب من مثل العام شخصًا، وجعل الربيع بمنزلة ثغره النسيم، أو عمرًا وجعله بمنزلة شبابه الوسيم، وقد زاد عندي حسنًا اني اصبحت في هذا اليوم أصحب أخاه الذي شابَهَهُ في اعتدال زمانه لا في تلوّن ألوانه، وناسبه في طيب شيمه، لكنه أسخى منه في فيض كرمه، وهو مولانا الملك الذي سعيه مشتق من لقبه، وسبقه الى المعالي كسبق المنتمي إليه من نسبه، والمسمون بالملك كثير، غير أن هذا الاسم لا يختص إلا به: [من الكامل] مَلِكُ زهت بمكانه أيامه … حتى افتخرن به على الأيام (١) وكان المنتظم بخدمته في هذا اليوم غلمان كأنهم لؤلؤ منظوم، وهو أشرف خادم لأشرف مخدوم، ومقامهم في الحسن سواء فلا يقال فيهم وما منا الاله مقام معلوم، وكلهم قد تأهب للطرد تأهبه للطراد، وهم متقلدون قسي البندق مكان النجاد، فإذا (٢) تناولوها في أيديهم قيل: أهلة طالعة من اكفّ أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مَسُومَةٌ بأيدي أقطار، وتلك قسيّ وُضِعَتْ للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال، واذا نَعَتَها ناعت قال: انها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصيغت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان (٣) ونبات، ومؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البرّ ومجاهلِهِ، ومن صفاتها انها لا تتمكن من البطش إلا حين تُشَدّ، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وتردّ، ولها بنات أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صَنْدَليّة الإهاب، وكأنما صُنِعَتْ لقوّتها من حَجَرٍ لا من تراب، فإذا قذفتها الأطيار (٤) قيل: وَيَصْعَدُ من الأرض من جبال فيها ومن بَرَد، ولا ترى حينئذ إلا قتيلا، ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود، فهي كافلةٌ من تلك الأطيار بقبض نفوسها منزلةٌ لها من جوّ السماء على أم رؤوسها، فما كان إلا إن ابتدر أولئك الغلمان طلقًا من الرمي يأتي على اختيار المختار المنايا ذات أسماع وأبصار، وإذا عرض له السرب لم يخش فوت خطأ ولا فوت قرار، فمن بين دراجة أُدرجت في

стр. 3985

ثوب دمائها، وحمامة حم عليها نزع ذمائها، ومن كروان فجع بينهم فراخه، وأوزة ودت لو جاءت الى الصائد ومكيد فخاخه، فلم يضرنا مع ذلك فقد المنتخب من الجوارح، وكان اليوم كيوم المحصّب من كثرة الذبائح، وشهدت في خلال هذا المتنزّه من لطائف اللذات ما يغلو على مستامه، ولا يجيله خاطر المنى في أوهامه، وإذا تذكرته النفس اعاد آخر طعمه أوّله، وقالت: نرى الدهر نام عنه أو أغْفَلَه، على أنه لا يستغرب مواتاة مثله لمثل هذا السلطان الذي الأيام له عبيد، ولا تُمضي إلا ما يُريد، ومن اكرم نعم الله علي ان أصبحتُ من خدمه معدودًا، وعلى خدمته محسودًا، فلهذه النعمة ان أمسكها إمساك الشكور، ولأصاحبها مصاحبة الغيور، وقد كنت بالأمس أنذر لها نذورًا، وأنا الآن واف بتلك النذور والسلام ومنه قوله من كتاب كتبه في معنى كتاب فاضلي كتبه الى الظاهر يعزّيه بوالده، وكان جرى حديث هذا الكتاب في بعض المجالس، فاستحسن، وطلب الجماعة الحاضرون أن يُعارض بمثلِهِ، فأملى هذا الكتاب عليهم، وكان المتوفى قد مات وقت الصباح: كتب المملوك كتابه هذا في ساعة أفلت الشمس فيها عند الصباح، وذهبت بروح الدنيا التي ذهبت بذهابها كثير من الأرواح، وتلك ساعة ظلت بها الألباب حائرة، وتمثلت فيها الأرض مائرة، والجبال سائرة، وأغمد سيف الله الذي كان على أعدائه دائم التجريد، وخفّت الأرض من جَبَلِها الذي كان يمنعها ان تميد، وأصبح الإسلام وقد فقد ناصره، فهو أعظم فاقد لأعظم فقيد، وليس أحَدٌ من الناس الا وقد أصم سمعه الخبر وأصيب في سواد القلب والبصر، وقال وقد توفي رسول الله ﷺ بقول عمر، ولما غلبت على الدفاع عنه ألقيتُ بيدي، إلقاء مكسور الجناح، واستنجدتُ الدموع، والدموع من شرّ السلاح، ونظرت الى العساكر حوله ولا غناء لها عن كثرة السيوف والرماح، وقد ودّعته وداع مَنْ لا مطمع له في أيامه، وحال الترب بيني وبينه، فصار بعيدًا منّي على اقترابه، وبرغمي ان يمشي لي قَلَم بعزائه، وأن أكاتب به أعزّ أعزائه، ليس عندي صبر حتى أحث على مثله، ولو كنت من رجاله لغلبني الأسى بخيله ورجله، والذي يستنطقه المولى من رأي فإن هذه الرزية أخرسته عن الكلام، وتوفته مع مخدومه الذاهب فاستويا جميعًا في الحمام، ولكن في وصية عبد الملك لاولاده ما يغني عن الآراء واستنطاقها، وقد ضرب لهم مثلًا في الاجتماع والافتراق باجتماع القداح وافتراقها، والسلام. ومنه قوله مما كتبه الى الأفضل علي (١) عند عودته الى الديار المصرية المحروسة:

стр. 3986

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (١)، يقبل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الافضلي النوري، جعل الله الليالي والأيام من جنده، وأظهر آيته في اعتلاء أمره وتجديد جده، ووهبه ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وعَقَدَ له لواء نصر لا شركة للناس في عقده، ويهنيء مولانا بأثر نعم الله المؤذنة باجتبائه، حتى بلغ أشده. واستخرج كنز آبائه، ولو انصف لهنّأ الأرض بوابلها، والأمة بكافلها، خصوصًا أرض مصر؛ لأنها قد حظيت بسكناه، وغَدَت في بحرين من فيض البحر وفيض يمناه، فأصبحت تشمخ بأنفها، وتسطو بطرفها، وتُجِيرُ من الأيام وصرفها، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، أو سيقت له الجنة بنضارتها وسرورها: [من الكامل] ما زلت تدنو وهي تعلو عِزَّةً … حتى تواري في ثراها الفرقد (٢) وقد كان منتهى أمل الأدباء أن تعود الضالة إلى ربها، وتفك الطريدة المغصوبة من يد غاصبها، فأتى فضل الله بما لم يؤمله أمل الآمل، وعوض عن القطرة الواحدة بسحاب هاطل، وهذه نعمة يضيق عنها مجال القول المعاد، ويسرع بياضها في سواد الحساد، فلو غَدَت الجباه ساجدة، والقلوب حامدة، والأيدي ترفع الدعاء بادية وعائدة، لما وفى في ذلك بحقها، ولا أخرج الأعناق من عهدة رقها، وأحسن ما فيها انها زارت على غير ميعاد وحثت ركابها من غير سائق ولا حاد، وتخطت وقد ضرب دونها بسور من صدور الظبى ورؤوس الصعاد، فلم يكن لأحد فيها منة سوى الله الذي قرب بعيد اسبابها، وفتح مستغلق أبوابها، وأبرزها على حين غفلة من حجابها، فيجب على مولانا ان يختزنها بالانفاق، وان يقيدها بالاطلاق، وان يقص اجنحتها لتظل طائرةً في الآفاق، والمملوك في هذه الوصية كصيقل نصل له من جوهره صقال، وعاصر سحاب له من نفسه انهمال. ومنه قوله في المجانيق: ونصب المجانيق فأنشأت سحابا يخشى محلّها، ولا يرجى وبلها، فما سيقت الى بلد حي إلا أماتته، ولم تأتِهِ إلا أتاه أمر الله إذا أتته، فلم تزل تقذف السور بصوبها المدرار وتنزل عليه جبالًا من بَرَدٍ غير أنها من أحجار.

стр. 3987

ومنه قوله في التوكل: وألطاف الله لا يعرفها إلا من عرف الله فوفاه حقه، ولم يكن ممن ضرب له مثلًا ونسى خلقه. ومنه قوله: وأفتى قوم بوقار المشيب بغير علم وأضلوا، وما أراه إلا محراثًا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا. ومنه قوله في الحث على الصدقة: إنما الصدقة لمن قَمَّصَهُ الفقر لباسًا، فستر ذلك اللباس، وكان لا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس، والنار تتقى بشق تمرة، وما سد رمقًا لا يطلق عليه اسم قلة، وإن لم يكن موصوفًا بكثرة. ومنه قوله في عيادة مريض: ولما بَلَغَ المملوك خبر شكاته، هيض منه ما ليس بمهيض، وأصبح وهو الصحيح أشد شكوى من المولى وهو المريض، وقد ودّ لو وقاه، وتلك أقصى درجات الوداد، ولم يق إلا نفسه بنفسه، وقد تجتمع النفسان في جسدٍ من الأجساد، ولقد ناجي المملوك نفسه ان هذه الشكاة لا تلبث إلا تلبث الزائر عند المزور، وانها لم تأت إلا لتظهر ما عند الناس من مودّات الصدور، فكم من أيدٍ بالدعاء ممدودة، ونذور عند الله ليست بمعدودة، ولقد أخذ المملوك بالخبر النبوي فجعل الصدقة طبيبًا، وتقال بأحاديث منام لم يحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا. ومنه قوله: وهم سيوف الله التي إذا جردت زالت الهام عن مناكبها، واستوى في القتل نفس مضروبها وضاربها، فما عليها جاهدت صابرةً محتسبة، ما كان من موارد هلكها، ولا ألم عندها للكلوم إذا جلت يوم القيامة، ولونها لون دمها وريحها ريح مسكها. ومنه قوله في عدم قبول توبة باغ: التوبة وإن جبّت ما قبلها، فانها معتبرة ممن ندم على ما فات، وأخلص فيما هو آت، وأما من يظهر أمرًا ويبطن خلافه فإنه لا يَلِجُ بابها ولا يرجو ثوابها. ومنه قوله: الفراسة تقرب عيونها، وتصدق ظنونها، والانسان شرّ مكنون، يظهره الاختبار، ويخفيه الاختبار، وقد عَوّلْنا في ولاية فلانة على فلان، وما أهلناه لها حتى توسمنا

стр. 3988

منه ما يتوسم من الصاحب، وعضدنا رأينا فيه برأي من عندنا من الناصحين. ومن قوله: فلان يومُهُ في الصحبة كَغَدِهِ، ولسانه في العفاف كيدِهِ، لا يحفر لأخيه قليبًا، ولا يكون على عوارته رقيبا. ومنه قوله: مواقيت الحمد مقسومة على مواقيت النعم، ولكل منهما قسمة منه وإن تفاوتت في أقدار القسم، ولا نعمة أعظم من سعادة المثول بالديوان العزيز الذي يرغب إليه ويرهب، ويقرأ فضله في السماء ويكتب، يحجب لمهابته عن الأبصار، ويداه عنها لا تحجب، والعبد يحمد الله على هذه النعمة حمدًا لا يزال جديدًا، وليس فوقها غاية في الزيادة، حتى يسأل مزيدًا، ولو امن انكار أمير المؤمنين لخر بهذا المقام ساجدًا، وهو يسجد طائعًا، كما يسجد لله عابدًا: [من المتقارب] طلبْنا رضاه بترك الذي … رضينا لَهُ فتركْنا السُّجُودا ولو بصر مخدوم العبد بمكانه لحسده على مواضع رجله، ورأى العلياء وهي شراك نعله، وقال: يا ليتني فزت بمثل هذا الحظ الذي ليس شي كمثله، وكيف لا يحسد وقد وقف بموقف يقرب من الجنّة ويباعد من النار، ويُقمّص الواقف به رداء فخر لا يخلق على تطاول الأعمار، ويعطيه أمانًا من زمنه حتى يصبح وله على الزمن الخيار، ولا جناح عليه ان ملكته مخيلة الأعجاب وان رأى السماء فوقه وهي منال يد في الاقتراب، ولولا انه بصدد أداء الرسالة التي تحملها لبسط من عنانه، وانتهى الى غاية ميدانه، الآن ينهي خدمة مخدومه الذي له في الأولياء نَسَبٌ كريم، وعِرْقٌ قديم، يقول الاستحقاق وأنا به زعيم، ومن أحسن أوصافه انه لا يمت بما عنده من عقيدة في الطاعة ناصعة من الأكدار، راقية كل يوم الى درجة تحتاج في التي قبلها الى الاستغفار. ولئن حصل بذلك على مراضي أمير المؤمنين، فإنه لا يني فتورًا، ولكنه يأخذ بالقول النبوي فيقول: «الا أكون عبدًا شكورا». وله شعر ذكره ابن العطار (١)، منه قوله: [من الطويل] رضيت بما ترضى به لي محبّةً … وقدتُ إليك النفس قود المُسلّم ومثلك من كان الفؤاد شفيعَهُ … يكلمني عنه ولم يتكلم

стр. 3989

وقوله: [من المنسرح] لا طَرَقَ الداء من بصحبتِهِ … يصحُّ مِنَّا الرجاء والأمل لا عجبًا أن نقيكم حذرًا … نحنُ جفون وأنتم مقل وقوله: [من الطويل] وسائلتموه بعدكم كيف حاله [و] … ذلكَ أمْرٌ بين ليس يُشْكِلُ فَعَنْ قلبه لا تسألوا فَهُوَ عندكُمْ … وأما عن الجسم المخلّف فاسألوا وقوله (١): [من مجزوء الرجز] ثلاثة تجلو الفرح … كأس وكوب وقدح ما ذُبِحَ الزق بها … إلا ولم ذَبَحْ وقوله: [من الطويل] وأهيف تحكيه الغزالةُ مُقْلَةٌ … وجِيدًا ويحكيها لنا في شماسه أعار قضيب البان لين انعطافِهِ … فأهدى إليهِ حُلَّةٌ مِنْ لباسِهِ وقوله: [من البسيط] لولا الكرام وما سنّوه مِنْ كَرَم … لم يدرِ قائلُ شِعْرِ كيف يمتدح وهذا البيت عكس قول أبي تمام (٢): [من الطويل] ولولا خلال سنّها الشعرُ ما دَرَتْ … بغاةُ الندى من اين تؤتى المكارم ومنهم: [١٢] قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زبادة الشيباني (٣) باني عُلا لا تُفرع ذروتها، ورامي صفًا لا تُقْرَعُ مروتها، أظل على السماء

стр. 3990

والسماك، وأقَلَّ الانهمال في سحب المسرّة والانهماك، وانشأ البدائع، وأنشأ الوشائع، وقلّد من صنائع الخلفاء أشرف الصنائع، وولى أجَلَّ الوظائف بحضرة الخلافة، وكان بالديوان العزيز كاتب الإنشاء واستاذ الدار وحاجب الباب، وبيده كثير من هذه الأسباب، ثم نقم عليه لأمر ما جناه بيديه، فعزل وبقي معزولًا، ثم تولى ومات سمينًا وكان مهزولًا. ومن نثره قوله: لا تنال مناقب الفتوح، إلا بمقانب الحتوف، وخليق بالأمير انه ينجد ويُمير، والديوان العزيز منتظر لإنجادِهِ، وتعليق سيف المضاء بنجاده. ومنه قوله: وكم لك من تدبير غدت به سماء الخطوب مصحية، وشموسها بيمن سعيك مضحية، يتشعب الخلل إذا تفاقم وطرًا، وتقرع أنف الحوادث إذا طم أو طغى، ولا مضيق إلا وبك انفراجُهُ، ولا طريق للثناء إلا وعليك انعراجه، فقد تكلفت بمصالح الدولة حتى صرت لها أبًا، وكفيت من المهم ما سلم لك الحاسد الفضيلة فيه شاء أم أبي، فلذلك نادى منك أمير المؤمنين يقظًا أجاب، ورفع بينك وبينه الحجاب، فانهض بما ناطه بك نهوض من لا يتعاظمه أمر وان ثقل عِبْؤُه ومحمله، واكفه المهم فيما تستقبله وتتقبله، وسارع الى كل ما يرسمه لك، وتمثله، واسحب على ثرى التفويض إليك أذيال الحل والعقد، وأقدر قدر هذه النعمة التي أحلتك ذرى فلك المجد. ومن شعره قوله: [من السريع] فهو من البغضاء في طبعه … لم يكفف الاحسان عدوانه فالماء يطفي النار طبعًا وإنْ … أطالَ حَرُّ الناس اسخانه ومنه قوله: [من الكامل] مشمولة جاء النديم بها … كالنار يقدحها مِنَ القَدَحِ نحيا من الهم المُميتِ بِها … فتُميتُنا مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ ومنه قوله (١): [من الخفيف]

стр. 3991

باضطراب الزمان ترتفع الانـ … ـذال فيه حتى يعم البلاء وكذا الماء ساكنًا فإذا حُرْ … رِك ثارت مِنْ قَعْرِهِ الأقذاء ومنه قوله (١): [من البسيط] إني لأعظم ما تلقونني جلدًا … إذا توسطت هول الحادث النكد كذلك الشمس لا تزداد قوتها … إلا إذا حصلت في زبرة الأسد ومنه قوله (٢): [من البسيط] لاتغبطن وزيرًا للملوكِ وإن … أنالَهُ الدهرُ منهم فوق رتبته واعلم بأنَّ له يومًا تمور بهِ الـ … أرضُ الوقور كما مارَتْ بهيبته هارون وهو أخو موسى الشقيق له … لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته ومنه قوله مما كتب الى المستنجد (٣): [من البسيط] يا ماجدًا جلَّ قدرًا أن نهنيه … لنا الهناء بظل منك ممدود الدهر أنتَ فيوم العيد منك وما … في العُرْفِ أنّا نهني العيد بالعيد ومنهم: [١٣] شهاب الدين النسائي (٤)، أبو المؤيد محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن المؤيد الخرندزي كتب الانشاء للدولة الخوارزمية، وكبت الأعداء بالصولة العجمية، وكان ذا فصاحة بلغته شغاف الأرب، وسَوَّغَتْه نطاف الأدب كالضرب، وفرّغته لاقتطاف بدائع العرب، وصنّف سيرةً سنيّة (٥)، تسمع وقائع سيوفها المشرفية في الرقاب، وتنصر صنائع معروفها وقد مَضَتْ عليها الأحقاب، وفاءً بعهده لتلك الدولة التي والاها وَخَدَمها وأولاها ما شرف بغرره خدمها، فلم يدع مما يبهج حرفًا، ولا يدع للسان

стр. 3992

الطيب عرفًا، بعبارة صاغها بلطافة أعْجَب من الفريد، وأعجل في القلوب تأثيرًا من لواحظ الغيد. ومن نثره قوله من كتاب كتبه الى الديوان العزيز مع رأس طغرل (١): وصل بغداد في الرابع والعشرين من ربيع الاول سنة تسعين وخمسمائة، افتتحه بقوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٢) قال فيه: وردت المراسم الشريفة بردع ذلك المارق الخائن، والمنافق الحائن، الذي استمرأ مرعى بغيه، واستعذب آجِنَ غيّه، وأدْلَج في ليل ضلالته وخبط في عشواء جهالته، شاربا من آسن الطغيان نهلًا وعلًا، غير مراقب الله ذمة ولا إلا، مستسهلًا للخطر الحسيم، مغترًا بحلم الحليم غير مبال بانسلاخه من الدين، وخروجه عن زمرة المسلمين، نَبَذَ أمر الله وراء ظهره، ولم يخش أليم عذابه، ولا راقب وبيل عقابه، فراسله الخادم داعيًا له الى الطريق اللاحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، مهيبًا به الى طاعة الامام وعارضًا عليه تجديد الاسلام، او الاستعداد للمصاف، والرجوع على حكم الأسياف، فخيره بين هذين الأمرين، وحكمه في أحد القسمين، وكلاهما عنده خطّة خسف ومورد حتف، فلما أبى إلا إصرارًا على خطيئته وامرارًا لحبل منيته، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣)، دَلَفَ إليه الخادم في كتيبة شهباء من جنود الامام، مقنّعة بالزرد المحبوك، محتفة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذامر أسودها وتئن كالجبل العظيم، والليل البهيم، ضاربة رواقات العجاج، ممتدّة الأطناب في الفجاج، وكأن ظللها ليل، ولهاذم الرماح نجوم، ودخان الأسنة نار، والصوارم جحيم، وكأن رماحها آجال إلا أن المنايا في أوائلها، وحديدها نار إلا ان المنايا تجول في مناصلها، ولم تزل تزحف وفوقها جيش من النسور والعقبان، وتدأب وبين أيديها جيش من السباع والذوبان، وارثها شخص المنون وهو عريان، إلى ان وافى ذلك المخذول، وقد جمع للقاء، واستعد في جيش جم تضيق بهم البيداء قد استلاموا للقتال واستلموا كعبة الضلال، إلا ان الله صب عليهم الخذلان لما تراءى الجمعان، وبرز الكفر الى الإيمان، فتلا

стр. 3993

الخادم عليهم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١) ولم يكن إلا كنغبة خائف أو لمعة خاطف حتى انجلت جند الله عنهم وهم كأعجاز نخل خاوية، وأُصول ذاوية، لا يُعرف لهم قتيل من دبير، ولا يفرق بين مأمور وأمير، وأنْفَذَ الله حكمه في الطاغية، وعجل بروحه الى الهاوية، وملك الخادم بلادهم، وحاز طريفهم وتلادهم، ونساءهم وأولادهم، وبادر بانفاد رسول مبشرًا، وأنْفَذ معه رأسه وطبله وعلمه، ليعلم ان قد كسر وطُلَّ دَمُهُ، والخادم يُنهي ان وراءه بلادًا شاسعة، ومُدُنا واسعة، وهو بعيد الايام، ولا يمكنه طول المقام. قلت: وسلك هذا النسائي مع سلطانه مهمها يعزف الجن في بيدائه، وتضيع الريح في أرجائه في يوم تتململ أفاعيه في رمضائه، ويُسْجن وحشه في فضائه، يذوب به حصى الأكام، ويلفح الوجوه اشواظ الضرام، وقد مرّ الجندب وصك وجه الغدير الطحلب، وصح ان الصدى قد قام يبلغ، والحرباء تخطب، ولا ورد إلا راكد الشراب، أو مورد كأنّه حجر الأحباب، كأنما صُبّ على وجهه الزيت الذائب، أو ذرّ الكبريت للشارب، لا يهنا برده، ولا يسوغ ورده، فقال له سلطانه: صف ما نحن فيه، فقال على البديهة: [من الرجز] قَذَفت بالعيس بوجه المهمه … رميتُ منه مشبهًا بمشبهِ والشمس قد أذكت ضرام نارها … لكنّه في موقد من أوجه والقفر خافٍ لا يبينُ طَرْفُهُ … واضحها للعيس كالمشتبه وجندب الأرضِ بها مبلّغ … وخاطب الحرباء كالمبتده والوِرْدُ لو يشرب عصفور بهِ … على فسيح غُدْرِه لم يروه مُقَتّر مقدّر مكدّر … يقصر عنه صفة المشبّه فاستحسن أبياته وأجازه عليها بلدًا بعمله، وسايَرَهُ وقد لمع برق فأتلق كأنه غرة في أدهم أو أبلق، أو سلاسل من ذهب وما لها حَلَق، لا يني غمامه ينهمر انهمارا، يلد اثر القطار قطارا، وهو يجلو الظلماء بضوء جبينه المشرق، ويمتد من أرجائه ذهب ثم يتحدر من حافاته، ورق، فأمره ان يقول فيه فقال: [من الرجز] أنعت برقًا في الدجى يأتلِقُ

стр. 3994

كأنه في جلدتيهِ بَلَقُ يجلو الدجى له صباحٌ شَرِقُ يرفض منه وابلٌ مُغْدَوْدِقُ كأنّهُ جُودُ المَليكِ المُغْدَقُ أو أنّهُ مِنْ كفّه مندفق طورًا بدا حُمَّى وطورًا علق ومن شعره قوله: [من المتقارب] واني لفي قيد [هذا] الزمان … لكالدرّ إذ بات حشو الصدف واني على الرغم منْ حُسَّدي … لأسلافي الصيدِ نِعْمَ الخلف فإذ كان انكر قدري الزمانُ … فَذَا هِزَّةٌ صدرتْ عَنْ خَرَفْ فَعَنْ أُمَمِ تنجلي غُمّتي … كبدر الدجى بعدما قد خَسَفْ وتأتي المقادير منقادةً … تقول: عفا الله عما سلف ومنهم: [١٤] ابن ابي الحديد، موفق الدين (١)، أبو القاسم (٢) بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني، أبو حامد كتب في ديوان الخلافة، وكبت من برع في المقال خلافه، وكان ذا لَسَن وبراعة، ورسن ممتد في البراعة، وكان من غلاة الشيعة (٣)، وولاة مقالات الرفض الشنيعة، رأس في الاعتزال، كيس جَدَل، يتفقا سمنها بالهزال، على انه كان يظهر التمذهب للشافعي، وكان أصوليًا لا يحبس لسانه بالعي، مع انه كان بالبيان يسحر، وبالجمان يسخر، وهو الذي عاب على ابن الأثير الجزري في المثل السائر، ووضع عليه الفلك الدائر، كما قدمناه في ترجمة المذكور، وما قصر في المناقشة، ولا عذر في المعاجلة له والمباطشة.

стр. 3995

ومن نشره قوله: وبعد، فقد عرض بالديوان العزيز كتابك أيها الزعيم، وخطابك وأمير المؤمنين عليم، وشرحت ولاءك وذلك حبلك الوثيق، وكذلك إخلاصك القديم، وانماؤك الى الباب الأشرف، وهذه عقيدة أخذتها عن سلفك، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١)، نعم ولا يلقنها الا ذو فعل كريم من ذي سلف كريم. وبرز الأمر الأشرف عن الديوان العزيز بتلقي واردك بالكرامة التي عدّيت بها رتبة كل نظير، وأصبحت وعلى رأسك شربوش وتاج، وأنت صاحب تخت وسرير، وستجاب من ديوان الوزارة المشرفة مفصلا عن فصول كتابك، وحسبك حسبك شرفًا تتشرف به من الديوان العزيز، إذ كان هذا من خطابك. ومنه قوله: وأنهى امر الجزري إلى أنه قلع قَلْع الجزر، وأغناه ما تكهن أو حزر، وهذا معجل كل مائق، وله مؤجل يأتيه يوم تقوم الخلائق. ومن نثره قوله في تقليد قاض: وأرفع المناصب وأعلاها، منصب الحكم العزيز، الذي يجتبي الشرع في ندبه ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف بها الحلال والحرام، ويتصرف في أمر ذي الجلال والاكرام، وان أحق من ألقى زمام أحكامه إليه من تفرد بما لديه وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخَذَ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها، فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعَلِم الرواية على تشعبها والأسانيد وطرقها في حالتي تسهلها وتصعبها، وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر بحسن إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصلها، وأصول فقه حواها وحصلها. وكنت أيها القاضي فلان لك فخر بعلم علمها لا يباهي، وورع لا تُماثل فيه ولا تضاهى، وافادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها، فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقى من أجله ذوو الطلبة للاستفادة واعلم انك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أغلى السعادة، وأجر على عادتك [في] التحرز في الأحكام، وأمض على سنتك في الاحتياط في كلّ نقض وإبرام، وارع يراعك كل ما يفتقران يرعى،
следующие страницы →