باضطراب الزمان ترتفع الانـ … ـذال فيه حتى يعم البلاء
وكذا الماء ساكنًا فإذا حُرْ … رِك ثارت مِنْ قَعْرِهِ الأقذاء
ومنه قوله (١): [من البسيط]
إني لأعظم ما تلقونني جلدًا … إذا توسطت هول الحادث النكد
كذلك الشمس لا تزداد قوتها … إلا إذا حصلت في زبرة الأسد
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
لاتغبطن وزيرًا للملوكِ وإن … أنالَهُ الدهرُ منهم فوق رتبته
واعلم بأنَّ له يومًا تمور بهِ الـ … أرضُ الوقور كما مارَتْ بهيبته
هارون وهو أخو موسى الشقيق له … لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته
ومنه قوله مما كتب الى المستنجد (٣): [من البسيط]
يا ماجدًا جلَّ قدرًا أن نهنيه … لنا الهناء بظل منك ممدود
الدهر أنتَ فيوم العيد منك وما … في العُرْفِ أنّا نهني العيد بالعيد
ومنهم:
[١٣] شهاب الدين النسائي (٤)، أبو المؤيد محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن المؤيد الخرندزي
كتب الانشاء للدولة الخوارزمية، وكبت الأعداء بالصولة العجمية، وكان ذا فصاحة بلغته شغاف الأرب، وسَوَّغَتْه نطاف الأدب كالضرب، وفرّغته لاقتطاف بدائع العرب، وصنّف سيرةً سنيّة (٥)، تسمع وقائع سيوفها المشرفية في الرقاب، وتنصر صنائع معروفها وقد مَضَتْ عليها الأحقاب، وفاءً بعهده لتلك الدولة التي والاها وَخَدَمها وأولاها ما شرف بغرره خدمها، فلم يدع مما يبهج حرفًا، ولا يدع للسان
стр. 3992
الطيب عرفًا، بعبارة صاغها بلطافة أعْجَب من الفريد، وأعجل في القلوب تأثيرًا من لواحظ الغيد.
ومن نثره قوله
من كتاب كتبه الى الديوان العزيز مع رأس طغرل (١): وصل بغداد في الرابع والعشرين من ربيع الاول سنة تسعين وخمسمائة، افتتحه بقوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٢) قال فيه:
وردت المراسم الشريفة بردع ذلك المارق الخائن، والمنافق الحائن، الذي استمرأ مرعى بغيه، واستعذب آجِنَ غيّه، وأدْلَج في ليل ضلالته وخبط في عشواء جهالته، شاربا من آسن الطغيان نهلًا وعلًا، غير مراقب الله ذمة ولا إلا، مستسهلًا للخطر الحسيم، مغترًا بحلم الحليم غير مبال بانسلاخه من الدين، وخروجه عن زمرة المسلمين، نَبَذَ أمر الله وراء ظهره، ولم يخش أليم عذابه، ولا راقب وبيل عقابه، فراسله الخادم داعيًا له الى الطريق اللاحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، مهيبًا به الى طاعة الامام وعارضًا عليه تجديد الاسلام، او الاستعداد للمصاف، والرجوع على حكم الأسياف، فخيره بين هذين الأمرين، وحكمه في أحد القسمين، وكلاهما عنده خطّة خسف ومورد حتف، فلما أبى إلا إصرارًا على خطيئته وامرارًا لحبل منيته، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣)، دَلَفَ إليه الخادم في كتيبة شهباء من جنود الامام، مقنّعة بالزرد المحبوك، محتفة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذامر أسودها وتئن كالجبل العظيم، والليل البهيم، ضاربة رواقات العجاج، ممتدّة الأطناب في الفجاج، وكأن ظللها ليل، ولهاذم الرماح نجوم، ودخان الأسنة نار، والصوارم جحيم، وكأن رماحها آجال إلا أن المنايا في أوائلها، وحديدها نار إلا ان المنايا تجول في مناصلها، ولم تزل تزحف وفوقها جيش من النسور والعقبان، وتدأب وبين أيديها جيش من السباع والذوبان، وارثها شخص المنون وهو عريان، إلى ان وافى ذلك المخذول، وقد جمع للقاء، واستعد في جيش جم تضيق بهم البيداء قد استلاموا للقتال واستلموا كعبة الضلال، إلا ان الله صب عليهم الخذلان لما تراءى الجمعان، وبرز الكفر الى الإيمان، فتلا
стр. 3993
الخادم عليهم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١) ولم يكن إلا كنغبة خائف أو لمعة خاطف حتى انجلت جند الله عنهم وهم كأعجاز نخل خاوية، وأُصول ذاوية، لا يُعرف لهم قتيل من دبير، ولا يفرق بين مأمور وأمير، وأنْفَذَ الله حكمه في الطاغية، وعجل بروحه الى الهاوية، وملك الخادم بلادهم، وحاز طريفهم وتلادهم، ونساءهم وأولادهم، وبادر بانفاد رسول مبشرًا، وأنْفَذ معه رأسه وطبله وعلمه، ليعلم ان قد كسر وطُلَّ دَمُهُ، والخادم يُنهي ان وراءه بلادًا شاسعة، ومُدُنا واسعة، وهو بعيد الايام، ولا يمكنه طول المقام.
قلت: وسلك هذا النسائي مع سلطانه مهمها يعزف الجن في بيدائه، وتضيع الريح في أرجائه في يوم تتململ أفاعيه في رمضائه، ويُسْجن وحشه في فضائه، يذوب به حصى الأكام، ويلفح الوجوه اشواظ الضرام، وقد مرّ الجندب وصك وجه الغدير الطحلب، وصح ان الصدى قد قام يبلغ، والحرباء تخطب، ولا ورد إلا راكد الشراب، أو مورد كأنّه حجر الأحباب، كأنما صُبّ على وجهه الزيت الذائب، أو ذرّ الكبريت للشارب، لا يهنا برده، ولا يسوغ ورده، فقال له سلطانه: صف ما نحن فيه، فقال على البديهة: [من الرجز]
قَذَفت بالعيس بوجه المهمه … رميتُ منه مشبهًا بمشبهِ
والشمس قد أذكت ضرام نارها … لكنّه في موقد من أوجه
والقفر خافٍ لا يبينُ طَرْفُهُ … واضحها للعيس كالمشتبه
وجندب الأرضِ بها مبلّغ … وخاطب الحرباء كالمبتده
والوِرْدُ لو يشرب عصفور بهِ … على فسيح غُدْرِه لم يروه
مُقَتّر مقدّر مكدّر … يقصر عنه صفة المشبّه
فاستحسن أبياته وأجازه عليها بلدًا بعمله، وسايَرَهُ وقد لمع برق فأتلق كأنه غرة في أدهم أو أبلق، أو سلاسل من ذهب وما لها حَلَق، لا يني غمامه ينهمر انهمارا، يلد اثر القطار قطارا، وهو يجلو الظلماء بضوء جبينه المشرق، ويمتد من أرجائه ذهب ثم يتحدر من حافاته، ورق، فأمره ان يقول فيه فقال: [من الرجز]
أنعت برقًا في الدجى يأتلِقُ
стр. 3994
كأنه في جلدتيهِ بَلَقُ
يجلو الدجى له صباحٌ شَرِقُ
يرفض منه وابلٌ مُغْدَوْدِقُ
كأنّهُ جُودُ المَليكِ المُغْدَقُ
أو أنّهُ مِنْ كفّه مندفق
طورًا بدا حُمَّى وطورًا علق
ومن شعره قوله: [من المتقارب]
واني لفي قيد [هذا] الزمان … لكالدرّ إذ بات حشو الصدف
واني على الرغم منْ حُسَّدي … لأسلافي الصيدِ نِعْمَ الخلف
فإذ كان انكر قدري الزمانُ … فَذَا هِزَّةٌ صدرتْ عَنْ خَرَفْ
فَعَنْ أُمَمِ تنجلي غُمّتي … كبدر الدجى بعدما قد خَسَفْ
وتأتي المقادير منقادةً … تقول: عفا الله عما سلف
ومنهم:
[١٤] ابن ابي الحديد، موفق الدين (١)، أبو القاسم (٢) بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني، أبو حامد
كتب في ديوان الخلافة، وكبت من برع في المقال خلافه، وكان ذا لَسَن وبراعة، ورسن ممتد في البراعة، وكان من غلاة الشيعة (٣)، وولاة مقالات الرفض الشنيعة، رأس في الاعتزال، كيس جَدَل، يتفقا سمنها بالهزال، على انه كان يظهر التمذهب للشافعي، وكان أصوليًا لا يحبس لسانه بالعي، مع انه كان بالبيان يسحر، وبالجمان يسخر، وهو الذي عاب على ابن الأثير الجزري في المثل السائر، ووضع عليه الفلك الدائر، كما قدمناه في ترجمة المذكور، وما قصر في المناقشة، ولا عذر في المعاجلة له والمباطشة.
стр. 3995
ومن نشره قوله:
وبعد، فقد عرض بالديوان العزيز كتابك أيها الزعيم، وخطابك وأمير المؤمنين عليم، وشرحت ولاءك وذلك حبلك الوثيق، وكذلك إخلاصك القديم، وانماؤك الى الباب الأشرف، وهذه عقيدة أخذتها عن سلفك، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١)، نعم ولا يلقنها الا ذو فعل كريم من ذي سلف كريم. وبرز الأمر الأشرف عن الديوان العزيز بتلقي واردك بالكرامة التي عدّيت بها رتبة كل نظير، وأصبحت وعلى رأسك شربوش وتاج، وأنت صاحب تخت وسرير، وستجاب من ديوان الوزارة المشرفة مفصلا عن فصول كتابك، وحسبك حسبك شرفًا تتشرف به من الديوان العزيز، إذ كان هذا من خطابك.
ومنه قوله:
وأنهى امر الجزري إلى أنه قلع قَلْع الجزر، وأغناه ما تكهن أو حزر، وهذا معجل كل مائق، وله مؤجل يأتيه يوم تقوم الخلائق.
ومن نثره قوله في تقليد قاض:
وأرفع المناصب وأعلاها، منصب الحكم العزيز، الذي يجتبي الشرع في ندبه ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف بها الحلال والحرام، ويتصرف في أمر ذي الجلال والاكرام، وان أحق من ألقى زمام أحكامه إليه من تفرد بما لديه وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخَذَ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها، فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعَلِم الرواية على تشعبها والأسانيد وطرقها في حالتي تسهلها وتصعبها، وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر بحسن إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصلها، وأصول فقه حواها وحصلها.
وكنت أيها القاضي فلان لك فخر بعلم علمها لا يباهي، وورع لا تُماثل فيه ولا تضاهى، وافادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها، فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقى من أجله ذوو الطلبة للاستفادة واعلم انك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أغلى السعادة، وأجر على عادتك [في] التحرز في الأحكام، وأمض على سنتك في الاحتياط في كلّ نقض وإبرام، وارع يراعك كل ما يفتقران يرعى،
стр. 3996
وكلما يجب ان يمعن فيه النظر عقلا وشرعا، ثم والعدول فلتعتبر أحوالهم، والزمهم بكل ما هو أجمع وأحرى بهم، فيهم تؤخذ الحقوق، وتقام الحدود، وهم أمناء الله في أرضه، حيث هم على خلقه شهود، ومن وصايا العلم في تحقيق مسائل الخلاف لك عناية، فهي عادة لا تقطع، وعدة لا تستدفع، وهي للمكمل الادوات، المبرز بجميل الصفات، تذكرة تبدؤك نصائحها، وتتضح لديك مصالحها، فخذها نصب عينيك وتجاه أمرك، وأدم إحضارها في قضاياك، ومرورها على فكرك.
ومن شعره قوله: [من الكامل]
بالله ضع قدميك فوق محاجري … فلقد قنعت من الوصال بذاكا
وأطل معاتبتي فإن مسامعي … تهوى حديثك مثل ما أهواكا
لا عانقتك من البرية كلها … إلا يدي اليمني وبند قباكا
كلا ولا رشفت رضابك بعدما … قد ذقته إلا التي تهواكا
ومنه في مليح جعل عارض الجيش وخلع عليه خلعة خضراء (١): [من مخلع البسيط]
وأهيف كالقضيب قدا … في خضر أثوابه يميد (٢)
قبلته باعتراض (٣) معنى … لأنه عار جديد
واتفق له سرى ليلة برقها قد سرى، موهنا كوجيب الفؤاد، وموهما بأن طرفه لم يكتحل برقاد، كأنه فرس معار أشقر، أو نار شب ضرمه وما خفي منه أكثر، والرباب دون السحاب، كخليع من الفتيان يسحب مئزرا، وأم رؤوم على الأرض تدهن لمم الثرى. فقال: [من الكامل]
أسري وومض البرق يخفق قلبه … يذكي له في الليل قدح زناد
وتوهمي ان ليس يكحل عينه … رقاد بلى قد كصلت برقاد
ودون الغوادي للرباب جلاجل … ترود وهادا من علي نجاد
تزور بمبتل الحيا هامد الثرى … ويرشف ثغر النور ريق غواد
ثم لما أبهم عليه الأمر وأشكل لم ينخ راحلته ليعقلها ويتوكل، وقد سرى في
стр. 3997
ليل يخفي ظلامُهُ قَصْدَ السبيل، ويملأُ هولُهُ صدر الذليل، ويفترس غوله خلب الغرير، فكيف الدليل، تململ وتضجر، وقال ولم يتبصر: [من السريع]
مالي ولليل وظلمائِهِ … ومَهْمَةٍ فيه يحار الدليل
كأنني في لجةٍ غارقٌ … يا قوم قولوا لي كيف السبيل
ومن شعره أيضًا مما انشدنيه شيخنا ابو الثناء (١) الحلبي قوله: [من البسيط]
أفدي الذي زارني والخوف يقلقُهُ … يمشي ويكمن في العطفات والطرق
قبلت أطراف كفّيه على ثِقَةٍ … بالأمن منه وخديه على فَرَقِ
فكان في أخريات السكرِ مُضْطَرِبًا … إذا أراد انتظام اللفظ لم يُطِقِ
لله ما أحسن الصهباء منعمةً … عليّ إذ عَلَّمَتْهُ طيبة الخُلُقِ
أَهْدَتْ إليه سرورًا نِلْتُ معظمه … كالفعل يَنْصِبُ مفعولين في نَسَقِ
وقوله: [من الكامل]
أعدى البياض الى مجاوره … ما ذاك إلا انَّهُ مَرَضُ
هلا تيسر للسواد كذا … وكلاهما في حكمنا عَرَضُ
وقوله: [من الكامل]
يامَنْ تَدَلَّسَ بالخضاب مشيبه … إنّ المدلس لا يزال مريبا
هب ياسمين الشعر عاد بنفسجًا … أَيَعودُ عُرجون القوام قضيبا
وقوله على إلحاده في تفضيل السيف على القلم: [من الطويل]
وما تُدرك الأقلام شأو مهندٍ … يُضيءُ إذا ما قام بين الكواكب
وأني لها وهي التي في طُرُوسِها … تخرُّ على الأذقان سود الذوائب
وكم بين من يبكي اذا ما انتدبته … لأمر وبين الضاحك المتلاعب
وقوله على عكسه على طريقة ابن الرومي في المغايرة: [من الطويل]
وما تطرق الأقلام في الطرس ذلّة … ولكنها حَياتُ رَمل قواتلُ
ومِنْ أيْنَ يلقى السيف بعض فعالها … وآثارها من غير جرح عوامل
إذا كان بين المرء والسيف حائل … فليس عن الأقلام والمرء حائل
وقوله مما كتب به إلى بعض أصحابه وقد فُصد: [من البسيط]
стр. 3998
يَدُ تَسِيلُ المَعاني بَينَ أَسطُرِها … ما عَوَّدَتْ غيرَ مَسِّ الطُرسِ والكاسِ
تجري دِماءُ الأَعادي وَهِيَ سالِمَةٌ … أَنَّى جَرى دَمُها مِنْ مِبضَعِ الآسي
سُهِّلَتْ يا وارِثَ العُليا المَقامُ لَهُ … أَمْ كانَ فاصِدُها مِنْ أَشجَعِ الناسِ
كَأَنَّما شَقَّ مِنها رَأسَ مِبضَعِهِ … بَحرًا مِنَ الجُودِ أَوْ طودًا مِنَ الباسِ
وَإِذ ذَكَرناهُ فَكُنيَتُهُ عَلى ذِكرِ أخيهِ.
وَمِنهُم:
[١٥] [موفق الدين المدائني]
القاسم (أبو) المعالي عز الدين، أبي حامد، عبد الحميد (١)
وكان نابغة في الاعتزال، ومعقلًا للاختزال، ذُو بديهة تصفر منها الأنامل، وتزور مُقَل السيوف والعوامل، وَقَفْتُ من نثره على قوله:
ولي بيانٌ في وصف مجده لا يكل، ولسانٌ في ذكر مناقبه لا يذلُّ، وسهمي لا يخطئ غرضه، وفعلى لا يَرُدى إلا معترضه، إلا أنني لو واصلت الامداد، وزاحَمتُ الأطواد، وأرسلتُ السحب، وراسلتُ الشهب، لما وفيت حقه المتعين، ولا قلتُ إلا الحق البين.
ومن شعره قوله (٢): [من البسيط]
يُصحُّني حُبُّهُ [طورًا] (٣) وينكسني … فَكَم أُصِحُّ مِنَ البَلوى وَأَنتَكِسُ
وقوله (٤): [من الكامل]
ياهاجري لَمّا رَأى شَغَفي بِهِ … ما كانَ حَقُّ مُتَيَّمٍ أَنْ يُهجَرا
أَنَّ الذي خَلَقَ الغَرامَ هُوَ الَّذي … خَلَقَ السُّلوَّ فَلا يَغرُركَ ما تَرى
وقوله (٥): [من البسيط]
أبدت (٦) من الشعر في تشبيه وجنتها … لما أحاط بها سطر من الشعر
стр. 3999
كالظلّ في النور أو كالشمس عارضها … خط من الغيم أو كالمحو في القمر
وقوله فيما أنشدنيه شيخنا ابو الحسن الكندي (١): [من الخفيف]
قَدْ بدا ما تسرّ فيما تقول … إنما أنت عاشق لا عذول (٢)
رابني منك في ملامك تكثيـ … ـر لِصَبْرِي ببعضه تقليل
وحديث مُلَجْلَجٌ فيه للقلـ … ـب على السر آية ودليل
قسم البدرُ بيننا فَلَهُ النور … وعندي محاقه والذبول
إنما أنت مهجتي واتخاذي … بدلًا عن حشاشتي مستحيل
ومنها:
ثروتي فوق همتي (٣) ومرامي فوقَ طوقي وساعدي مغلول وقد رواها شيخنا أبو الثناء الحلبي لأخيه الموفق، وكلاهما ثبت، ولعل الكندي أدرى بطرق الرواية.
ومنهم:
[١٦] ابن بصاقة، فخر القضاة، أبو الفتح، نصر الله بن (٤) هبة الله بن عبد الباقي بن الحسين بن يحيى الغفاري، الكناني
كتب للناصر داود (٥) بن عيسى، ووزر، وجلس معه في صدر الإيوان والطرد، ونشأ، وتأدب بالشام، وأؤمضَتْ له بارقة كانت تُشام، ثم صرف عن وزارة الناصر عنانه، ونَفَضَ منها بنانَه، لأمور نَقَمها، وشرور خاف نقمها، وكان يحذر سوء خلائق
стр. 4000
مالكه، وتوعّر طرائق مسالكه، فطالما أظْلَمَ جوّه واغتم دوّه، فتسلّل منه بمخيلة دبت في السرّاء، ودلّت على الضرّاء، فخاف مساورة ذلك الأرقم، وترك مساقاة الشهد به خوفًا من العلقم، وكان طود حجًا وحجاج، وطوق جيد وحجاج زينة الى فصاحة شَبَّ على إرضاعها، وسماحةٍ تولّى حفظ مضاعها، وبلاغة كانت حلية لنظامه، وحلة لإحلاله في الصدور وإعظامه، ووزر جدي ﵀ بعده، ثم عاف تلك الدولة، ففارقها في ليلة قمراء مسودة، لأمور ما هذا ميقات شرحها، ولا مرقاة صرحها، فأما ما لابن بصاقة، فمن نثره قوله:
وأما الابيات الجيمية الجمة المعاني المحكمة المباني، المعوذة بالسبع المثاني، فإنها والله حَسَنَةُ النظام، بعيدة المرام، مقدمة على شعر من تقدمها في الجاهلية، وعاصرها في الاسلام، قد أخَذَتْ بمجامع القلوب في الإبداع، واستولت على المحاسن فهي نزهة الابصار والأسماع، ولعبت بالعقول لعب الشمول، إلا أن تلك خرقاء وهذه صناع، فإذا اعتبرت ألفاظها كانت درًا منظومًا، وإذا اختبرت معانيها كانت رحيقًا مختومًا، جلت بعلوها عن المغاني الطروقة، والمعاني المسروقة، ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة، فلو وَجَدَها ابن المعتز لا جرى زورقة الفضة في نهرها، وألقى حمولته العنبر في بحرها (١)، وألقى تشبيهاته بأسرها، ولو لقيها ابن حمدان لاغتم فرمى قوس الغمام، وانبرى زي السهام، وتغطى من أذيال الغلائل المصبغة بذيل الظلام، ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته ناصرة، وكرته خاسرة، وأيقن أن وحوشه غير مكسورة، وعقبانه غير كاسرة، فأين الجزع الذي لم يثقب، من الدر الذي قد ينظم ويهذب، وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي؟ فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة، وتشفى القلوب العليلة، بأدوية هذه الانفاس الصحيحة، وأما الابيات فهي هذه (٢): [من الكامل]
ياليلةً قطعتُ عُمْرَ ظلامها … بمُدامةٍ صفراء ذات تأجج
بالساحل الباقي روائح نشره … عن روضه المتضوع المتارج
واليم زاء قد هدا تيّارُهُ … من بعدِ طُول تقلقل وتموّج
طورًا يدغدغه الشمال وتارة … يكرى فتوقظه بنات الخزرج
стр. 4001
والبدر قد ألقى سُنى أنواره … في لجه المتجعِّد المتديج
فكأنّهُ إِذْ قَدَّ صفحةَ مَتْنِهِ … بشعاعِه المتوقد المتوهج
نهرٌ تكوّنَ مِنْ نُضارٍ مائع (١) … يجري على أرض من الفيروزج
قالها الملك الناصر داود وبعث بها إليه يعرضها عليه وهي أبيات يحق لها أن توصف بجودتها شرف قائلها، وإن لم تحل الذروة ولا أوْشَكَتْ.
ثم نعود الى تتمة ما نذكره، فمن قوله:
يقبل الأرض، وينهى انه فارق مالك رقه مرارًا، وما وَجَدَ لفراقه من الألم ما وَجَدَهُ هذه المرّة، وبعد عن جالب رزقه، فانضر ولا مثل هذه المضرة حتى توهم أنها فرقة الأبد، وداخله من الأسف ما لم يبق معه صبر ولا جَلد، وكلما شرع في الصبر، أبى الذكر أن يحدث له صبرا، وكلما سهل عليه الأمر، لم يزده تسهيله إلا عسرا، والله تعالى يسهل من اللقاء كل صعب عسير، ويجمع شمل المملوك بمالكه، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (٢).
ومنه قوله:
المملوك يشافه أرض مالكه بقبول خضوعه، ويبل ترابها بوابل دموعه، ويستقل فيضها ولو أنه من سيل نجيعه، لما ناله من الحادث المؤلم الملم، والخطب المظلم المدلهم، بانتقال الولد الملك العزيز، فلقد وَرَدَ المملوك من الكتاب الوارد بنعيه مشرعًا كدر الموارد، عسر المصدر (٣)، وحضر منه مجمعًا كثير البوادي والحواضر، فيا له ناعيًا أصَمَّ الأسماع وأضماها، وأقذى العيون بل أعماها، وجرح القلوب فأدماها، وما أهمل سحب الجفون لكن أهْمَلَها وأهماها، وتبًا له من نغيص نغص الدنيا على أربابها، وإن كانت معشوقة محبوبة، وكره الحياة عند أصحابها مع انها شهية مطلوبة، وكان الأولى بالمملوك أن يصرف عن ذكر هذه الحادثة صفحًا، ولا ينكأ بتجديده بالقرح قرحًا، ولا يقصد لباب الجزع بعد انغلاقه فتحًا، ولا يطلع التعزية ليلًا، وقد طلعت التسلية صبحًا.
ومنه قوله:
وينهي ورود المثال الكريم، فوقف منه على اللفظ البليغ، والمعنى البديع، وعلم عند تدبّره انه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٤)، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ
стр. 4002
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١) وتصور أن كاتبه قد جاوز البحر فأتْحَفَهُ بجواهره، بل جاور الملك فأسْعَفَهُ بعساكره وصدق تصوره كون ألفاظه جواهر، وكتابه كتائب، وعجبت لخروج الدر من العذب حتى تذكرت ان عادة البحر العجائب، وأما ما أمر به من النيابة عنه في خدمة مولانا الوزير، فقد ناب عنها لكن مناب تراب التيمم عن الماء الطهور، وأنهى مشافهاته وأدّى من جملها في الساعة الواحدة ما لا يفصل في عدة من الشهور، وأما أحوال المملوك، فإنه من صدقات الديوان ما يعدم سوى النظر الى طلعة مولانا التي هي عديمة النظير، ولا تشتهي غير الفوز بخدمته، وذلك هو الفوز الكبير، وكل هذا برفع محل مولانا لمحلّي، ولأجله لا لأجلي: [من الطويل]
أضمُّ قضيب البان من أجل قِدِّها … وألثم ثغر الكأس أحسبُه فاها
إلا ان المملوك قد أطال الإقامة في دار المقامة، ونال الكرامة حتى يكاد يسأم الكرامة وله أسوة بالقائل وقد طالت حياته: «سئمت تكاليف الحياة» (٢) وإذا أغْرَقَتْ المياه وإن كانت عذبة، شكيت المياه.
ومنه قوله:
وينهى ورود المثال الكريم بالنبأ العظيم، الذي أصمى القلوب، وأصمّ المسامع وأوقف الخواطر، وأجرى المدامع، وضيّق على النفوس مجرى الصبر الواسع، وفزعت الآمال فيه الى الكذب، فما أجدى جزع الجازع من نعي الامام الطاهر، التقي العلم الزاهر الزكي، خليفة الله المستنصر بالله بوأه الله جنان عَدْنِه، وأسكنه غرفات أمنه، وانتقاله عن الغمّة الضيقة الى الرحمة الواسعة، ومصيره من الدار المفرقة الى الدار الجامعة، فأظلم بها الافق لكسوف شمس الضياء، ودَجَى ليل الجو لخسوف قمر العلياء، وضحيت وجوه المكارم لتقلّص تلك الأفياء، وكادت تنفطر لفقدِهِ السماء ذات البروج بقضاء نَحْبِها، وبكته دموع قطرها من جفون سحبها، حتى خدّت خدود المروج، وشقت الأرض جيوب تربها فألبسها حدادًا من بياض الثلوج، فيا له خطبًا عمّ الوجود بأسره، وحص جناح الإيمان بحصه بل بكسره، وعرف كل عارف بفضاعة نكره، وقضى لكلّ قلب تجمع همه وتقسم فكره، وأعاد الاسلام غريبًا كما بدأ أول عمره، لكن أقْرِنَ به الخبر الذي سر السرائر، وجلى
стр. 4003
الدياجر، وثبّت القلوب بعد ان بَلَغَتْ الحناجر بولاية مولانا الامام المحتوم الطاعة خليفة الله في أرضِهِ، والقائم بسنّة الإيمان وفرضه، أمير المؤمنين المستعصم بالله ابن خليفته ووليه، وابن عم رسوله ونبيه، فأجْلَت بوائق الحادث الجلل، وقَضَتْ بانقباض الوجل وانبساط الأجل، وحصل العطف والتوكيد بهذا النعت وهذا البدل، فالحمد لله الذي تدارك بالجبر كسر الإسلام، وحسم بالبر مواد الآلام، وأزال باليقين عوارض الأوهام وعاجل بالرتق فتق الأيام فيالها دعوة أجاب داعيها كل مبصر وسامع، وأمن عليها كل ساجد وراكع، وتُلِيَتْ آياتها في كل مصر جامع، وتلقى العبد هذه النعمة بالشكر الذي استغرق غاية جهده ونهاية وُسْعِهِ، وأكثر الحمد لله على ما أولى من جزيل منه وجميل صنعه، وسارع الى تلقي المثال الكريم باتباعه وامتثاله، وأخَذَ البيعة على نفسه وشيعته ورعيته، وأعلن بالدعاء لإمامه على منابر بلاده التي هي مِنْ إنعامه، ولولا أنه في مقابلة عدوّ الدين لما قنع في تأدية فرض العين بسنة النيابة، وكان يسعى الى الباب الكريم بعزيمة وارية غير وانية، ويشفع هجرته الأولى إلى الحرم الشريف بهجرة ثانية.
ومنه قوله في توقيع لقاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى (١) بن الزكي العثماني:
ونحا سيرة أجداده فما عدل عنها ولا حاد، وفضل بالفضائل فما عد غيره في أنجم الغفير إلا كان معدودًا في الأفراد والآحاد، فإذا تولّى أمرًا بلغ فيه أقصى الأمل والإرادة، وإذا باشر مهمًا استقصى العرض فلم يبق موضعًا للزيادة، فرأينا أن ننوله من رتب السعادة ما رأيناه له أهلًا وأن نؤتيه منا فضلًا، وان ننصبه بين أهل بَلَدِهِ حاكمًا، وننضيه لحسم مواد المخاصمات صارمًا، ونحمله من أعباء المناصب ما يكون بحقوقه قائمًا، ويرتضى منه لتدبير عوالي المراتب طبًا خبيرًا، وإماما عالمًا
ومنه قوله في خطبة صداق المراجعة:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٢).
الحمد لله جامع الشمل بعد الشتات، وواصل الحبل بعد البتات، ومُحْيِي الارض بعد الممات، ومنزل الماء الثجاج من المعصرات لإخراج الحب والنبات،
стр. 4004
والعالم بما كان وما يكون، وما مضى وما هو آت، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تضاعف الحسنات، وتمحو السيئات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالآيات البينات، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وأزواجه الطاهرات صلاةً باقيةً بعد نفاد الأزمنة وفناء الأوقات، وبعد، فالنكاح من السنن التي أمر الله بها ونَدَب إليها ورغب رسوله ﷺ فيها، وحَضَّ عليها فقال تعالى في كتابه العزيز المنزل على أفضل أنبيائه ورسله الذي لو اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثلِهِ لا يأتون بمثلِهِ: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ ، وهو المخصوص بالشفاعة والكرامة: تناكحوا، تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة، وقد جعل الله تعالى للزوجين أن يتواصلا وأن يتقاطعا، وأن يتباينا، وأن يتخالعا، ورخص لهما في المراجعة بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٢) وكان من قضاء الله السابق علمه، وقدره المارق سهمه، ما ذكر في الكتاب المقرون بالبركة رقمه، المعجون بالسعادة ختمه كذا وكذا.
ومنه قوله، وهو حلّ بيت المتنبي، وهو: [من الكامل]
ان القتيل مضرّجًا بدموعهِ … مِثْلُ القتيل مُضرَّجًا بدمائه (٣)
قتيل (٤) الجفون في سبيل حبّه، كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربّه، إلاّ أن هذا يغسل بدموعِهِ، وهذا يزمّل بنجيعه، وهذا في حال حياته ميت يرمق، وهذا في حال مماته حي يرزق.
ومنه قوله في حل أبيات ابن الرومي: [من الكامل]
وحديثها السحر الحلال لو أنه … لم يَجْنِ قتل المسلم المتحرّز (٥)
إن طال لم يملل وإن هي أوجزَتْ … وَدَّ المحدث انها لم توجز
شرك العقول وفتنة ما مثلُها … للمطمئن وعُقلة المستوفز
لا جناح على من شغف بفاترة الجنون، فاتكة العيون، عليل لحظها صحيح لفظها تعد السقام الشفاء من قربهما، وتوقع الأنام من شرك من هديها، وإن أثْبَتَتَ طعنت من ناضر غصن رطيب بعامل ذابل، وإن رمقت رَشَقَتْ عن قوس حاجب بنبل
стр. 4005
نابل، وإن نطقت فاستمع لما انزل على الملكين ببابل، فهو السحر الحلال، مع قتله النفوس عمدًا، والعذب الزلال إلا انه يزيد المرتشف له وقدًا، والعاقل للعقول، فلا تجد من وقوعها في عقاله بدأ، يؤمن على طويلة الملك وكل طويل سواه مملوك، ويودّ سامع قليلة لو أنه بالكثرة متصف، وبالزيادة مشمول، يلهي المشتغل عن قضاء أشغاله، ويعوق عن مضي استعجاله، ينزه النواظر في رياض حسنها الناظرة، وتغرق الخواطر في بحار ذهنها الزاخرة، تقيّد الألباب ولو أساءت، وعهدنا الانسان بالاحسان يتقيد، وتصيد القلوب طوعًا وكرها، فاعجبوا من غزالة تتصيد.
ومن شعره قوله (١): [من مخلع البسيط]
يقول لي مادحوه لما … فازوا وما فزت بالرغائب (٢)
ما لك فينا بغير عينٍ (٣) … قلتُ لأني بغير حاجب
فان تعجبتُم لكوني … وردتُ بحرًا عَذْبَ المشارب
ولم أنَل من نداه أربي … فالبحرُ مِنْ شأنه العجائب
ومنه قوله (٤): [من السريع]
غبت عن القدس فأوحشتَهُ … لما غدا باسمك مأنوسا
وكيف لا تَلْحَقُهُ وحُشَةٌ … وأنتَ روح القدس يا عيسى
ومنه قوله في الصوم: [من الطويل]
وما خاتم طول النهار لباسه … وعند دخول الليل يُنضى ويُخْلَعُ
وأعجب شيء ان يُسموه خاتمًا … وما دَخَلَتْ فيه مدى الدهر إصبع
ومنه قوله في قصب السكر: [من الوافر]
جعلت فداك هل لك في حبيب … مجيب في الوصال بلا محال
نقي الثغر معسول الثنايا … له رِيقٌ أَلَذُّ مِنَ الزُلالِ
له قد القضيب إذا تثنى … وهَزَّتْ عِطْفَهُ رِيحُ الشَّمالِ
يقام عليه حد القطعِ ظُلمًا … ولم يسرق ولم يُتهم بمال
стр. 4006
ويُعْصَرُ كعبهُ مِنْ غير ذنب … فيُبدي الشكر مِنْ كَرَمِ الخِلالِ
ومنه قوله في السيف (١): [من الطويل]
وأبيض وضاح الجبين صَحِبْتُهُ … فَأَحْسَنَ حتى ما أقوم بشكره
شَدَدْتُ يدي منه على قائم بما … أُكَلِّفُهُ يلقى الأعادي بصدره
إذا نابني خطب شديدٌ نَدَبْتُهُ … فيهتزّ منه مستقل بأمره
صبور (٢) على الشكوى فلو دُسْتُ خِدَّهُ … على حِدَّةٍ (٣) فيهِ وَثِقْتَ بصبره
ومنه قوله في الرمح (٤): [من الطويل]
عصي ثقيل إن أطيل بنانُهُ (٥) … مطيع خفيف الكل حين يُقصَّرُ
ترى منه أميا على الخط ينتمي … ومغرى بغزو الروم وهوَ مُزَنَّر
عجبتُ لهُ مِنْ صامت وهو أجوف … ومن مستطيل الشكل وهو مدور
ومن طاعن في السن ليس بمُنْحنٍ … ومِنْ أَرْعَن مذ عاش وهو موقر
ومنه قوله في الإبرة: [من الطويل]
ومسمومةٍ بالضدّ من أخواتها … إذا زال عنها سمها ليس تنفعُ
إذا لدغت لم يدخل القلب ابرةٌ … لخوف وإن كانت تمض وتُوجع
ترى خلفها مهما تمست ذؤابة … تجرّ وإنَّ الرأس منها لأقرع
تحلّت بضيق العين وهي سخيّةٌ … لها خِلَعُ بين الأنامِ تُوَزِّعُ
وإِنَّ أَجَلَّ الناس قدرًا وقُدرةً … ليلبس ما تنضوه عنها وتَخْلَعُ
ومنه قوله في صاغرة الاراقة: [من المنسرح]
يا سيدًا لم تزل أوامره … فرضًا على العبد فهو ممتثل
هل لك عند المساء في أَمَةٍ … بيضاءَ حمراء ما بها خَجَلُ
إن تُدنها تأتِ وهي صاغرةٌ … أو تُقْصِها لا يُغِيضُها الملل
تنكحُها كلما أردت ولا … يُضجرها منك ذلك العَمَلُ
تَحْبل في ليلها فإن تُرِكَتْ … إلى غَدٍ زال ذلك الحبل
وهي إذا فتشت فلا دُبُرٌ … يُولَجُ فيه لها ولا قُبُلُ
стр. 4007
ومنه قوله (١): [من المتقارب]
وعلق تعلّقتُهُ بعدما … غدا وهوَ مِنْ سَقَطَاتِ المَتاع (٢)
فغرقني منه نوء البطين … ورواه منى نوء الذراع
ومنه قوله في المحفة (٣): [من الطويل]
وحاملة محمولة غير أنها … إذا حَمَلَتْ أَلْقَتْ سَرِيعا جنينها
منعمة لم ترضَ خدمة نفسها … فغلمانُها مِنْ حولها يخدمونها
لها جَسَدٌ ما بين روحين يغتدي … ولولاهما كان الترهب دينها
فقد شُبّهت بالعرش في أن تحتها … ثمانية من فوقها يحملونها
ومنه قوله في الإبرة (٤): [من الطويل]
وعارية لا تشتكي البرد في الشتا … على أنها منهوكةُ الجسم بالبرد
إذا زال عنها سمها زال نَفْعُها … وكان دواء السم في ذاك بالد
ومنه قوله في الميل: [من الطويل]
ومعتدل في شكلِهِ وقَوامِهِ … وليس له مثل وإنْ كانَ كالغُصْنِ
يُسَنُّ وإن لم يرهفِ السَّنُّ حَدَّهُ … على أنّهُ كالسيف حدّ مِنَ الجَفْنِ
ومنه قوله في المشط (٥): [من الطويل]
يعض بأسنان وليس له فم … ويثغر أحيانًا وليس بذي ثغر
رأى الزهد رأيًا فاغتدى متجلّلًا … على جِسْمِهِ العاري بمسح من الشعرِ
ومنهم: ولده (٦):
стр. 4008
[١٧] محمد بن نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، أبو عبد الله
فطرة ذكاء غذي بلبانها، وغدا في ورق الشباب يهتز اهتزاز قضبان بانها، طلب العلياء والشبيبة ممدودة الطراف، والحبيبة غضة الأطراف، وكان دابه في أدب يؤشيه لطرب ينشيه بفكر ينديه، لبكر يهديه فاهداها خفرات، وأبداها مسفرات، من غرر وسام، ودرر لا تُسام، نَثَرها نثر الجمان، ونظمها قلائد في جيد الزمان، فقدحت الأنوار، وفتحت بين نرجس المجرّة أعين النوَّار، فطالت بها الأيام بكر وأصائل، وطالت بسحبها الأيام غدر وخمائل وكإن مخالفًا لمذهب أبيه في التيه الذي مُقِتَ لأجله، ووقت ميقات الحب لنجله ذكره ابو العباس ابن العطار وقال: ولد بالموصل في رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتوفي يوم الاثنين جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وله كتاب «غرّة الصباح في أوصاف الاصطباح» وكتاب «الانوار في نعت الفواكه والثمار» (١) وله نثر رائق ونظم فائق.
ومن نثره قوله:
بين المشوق وبين الحمام مناسبة في شجو تعبيره لا في شجو ضميره، فهو يعلن نحيبه تألّمًا، وهي تعلن بعتابها ترنّما، وفرق بين الأشجان الملهبة الأضالع والألحان المطربة للمسامع. وقد زعم قوم أنها تذكر عهدًا وتجدّد وجدًا، وهذا شأن من كانت عهوده منسية الايام، ومن لم يكن له من وجدِهِ حمامة لم يهتج لتغريد الحمام، ولست براض أن أرعى للاخوان عهدًا يفتقر الى تذكار، وأضمن لهم وجدًا يحتاج الى تجديد آثار، وأشواقي إليهم على النوى بين الاشواق التي تذهب بِجَلَدِ الجلد، وتوري زناد الصبابة تحت الحشى الصلد، وإذا صافحت برد الموارد وَجَدَتْ حر الغليل في ذلك البرد، وإن زاد غيرها بحديث سعد، وكذلك هي في إرتياحها إليه والتياحها عليه.
ومنه قوله يصف سحابة:
خفقت بها بنود الرعود واطردت فيها خيول السيول، فالسحاب بها بين سائر ونازل، وواضع وحامل.
стр. 4009
ومنه قوله:
ولقد وافيتها في زمن المشمش الذي له المثل السائر والذكر الدائر، فرأيت منظر إبهاء ومخبر اشتهاء ذا لون ذهبي، وشكل كوكبي، وعرف مندلي، وطعم عسلي فهو يتمزق للطافة جلده، ويزهى بلذة طعمه، وعظم قده.
ومنه قوله:
وصل الورد على يد مشبهه عرفًا، ومخجله وصفًا، وما أقول إلا أني جرت في التشبيه، فعدت على خاطري بالتنبيه، وقلتُ: اين الورد الذي تناله الأيدي بتناولها، وتبدله بتداولها، من ورد لا يجنى إلا بالعيون، ولا ينال إلا بالظنون؟
ومنه قوله:
كأنما خلقت أغصانها منابر لخطباء الغرام، وصورت أوراقها محاجر لدموع الغمام، وخرطت أزهارها مجامر للمندل الرطب، وقدر أقحوانها فما لمؤشر الثغر العذب، والطير ما بين متطلع من وكنه وقائم على غضنِهِ، من كل مفوّف الطيلسان ذا طوق يزهى به على طوق العقبان، يترنم خلال أوراق الغصون، فيلتقي شأن المتيم بين الشؤون: [من الطويل]
يَصِلْنَ بنوحي نوحهن وإنما … بكيت بشجوي لا بشجو الحمائم
ومنه قوله في البنفسج والورد:
أنا حبيب للنفوس وتاج للرؤوس، والعطر الموضوع في الجيوب، واللون الذي يشبه عذار المحبوب، ولئن ذممت بأن لباسي لباس السواد، فإن هذا من شيم أهل الوداد، فأقبل الورد في عسكره، وجنوده خافقة السنة عذباته وبنوده، محمر الوجنات من الغضب منكرًا على البنفسج ما جناه من سوء الأدب، فجال في ميدان المفاخرة وصال وهتف بالبنفسج وقال: [من الكامل]
أعَلَيَّ يفتخر البنفسج جاهلًا … والي يُعزى كلُّ فضل يبهرُ
وأنا المحبّب في القلوبِ زمانُهُ … وبمقدمي أهل المسرة تفخر
كيف أطعت هوى نفسك الأمارة حتى افتخرت بحضرة الإمارة؟ ألست صاحب الاسم المعجم و الرداء الذي ليس يعلم؟ بينا ترى ناضرًا وترى الطرف عنك نافرًا، هل لك من الفخر إلا ان تشبّه بالعذار إذا بقل والكبريت إذا اشتعل، ولم تحظ من هذين الوصفين إلا بالصيت المذموم؛ لأن هذا إحراق النار وهذا تسويد الخدّ الملثوم، على أن بعض البلغاء قد انكر تشبيهك بالعذار، ونَزَعَ عنك خلعة هذا الثوب
стр. 4010
المعار، فقال: [من الكامل]
ومهفهف لما بدا في خدّهِ … شِبه البنفسج وانطفا توريده
غم البنفسج حين شوّه خَلْقَهُ … وغدا على مُبيضه تسويده
لكن أنا مرتقب الأيام، ومنتظر الأعوام، وأيامي أيام الأفراح، ومراوح الأرواح، لا يشرف الربيع إلا بورودي، ولا تشبه خدود الغيد إلا بخدودي.
ومنه قوله:
وبينما الغمامة تطلق لسانها، وتذكر إحسانها، إذ عارضتها الشمس فخرجت من أثوابها، وقالت: هذِهِ منّةٌ على الأرض، أنا أولى بها، وانا معجزة الجبار، وعروس الفلك الدوّار، ومربية الأزهار والثمار، ومصلحة ما أفسد تابع الأمطار، على ان للمطر يدًا لا تنسى، وطبًا به جراح البرق يوسى، فإنه مخرج الأرض من موتها الى نشورها وموقد فيها مصابيح نورها، يزف الى عرائس الرياض وافي مهورها، ويظهر ما في بطون الأرض من الكنوز الى ظهورها، قام بنسج أبرادها، ورد أرواحها الى أجسادها فهي لمقدمه تهيج، وتهتز وتنبت من كل زوج بهيج.
وأما نظمه، فلم أقف منه على قصيدة مطوّلة، فأذكرها متمًا ولا مختارًا، إلا بائيةً مختصرةً ستأتي، ومن مقطعاته قوله: [من الرمل]
لَمَعَ البرقُ فهاجت لوعةٌ … لفؤاد بالتجنّي مُتَعَبِ
فتخالُ الجوّ من لمعتِهِ … حبشيًّا في رداء مُذْهَبِ
وهذا معنى مطروق يشبه الليل بالحبشي، ولكن حسنته هذه السمة التي جاء بها، ولا شيء أحسن من ردائه المذهب هنا وان نظر الى قول المعري: حسب الليل زنجيا جريحًا.
وله: [من الكامل]
في روضةٍ سَلَّتْ بها أنهارُها … من كل ماضي الشفرتين مهند
قد صِيغَ فيها فِضَّة بيدِ الضحى … وأتى الأصيل فصاغه من عسجد
وله: [من الطويل]
[و] لم يطلع البدر السماء لأنَّه … رأى بيننا بدرًا له يخجل البدر
تغنى وأسباب السرور تمدُّهُ … وفي لفظه در وألحاظه سحرُ
وله: [من مجزوء الرجز]
اما ترى الليمون يبـ … دو في خلال الورق
стр. 4011
باهر من ذهب … وباطن من ورق
تحوطه غلائل … من اخضر استبرق
إذا دنا الليل لنا … جلا ظلام الغسق
وله في المشمش: [من الكامل]
والمشمش الغض الجني بدا … بين الغصون كأنجم السحر
إن رمت أن أجنيه يشغلني … طيب المشم ورونق النظر
سبحان خالقه وجاعله … نزه العيون وعسجد الثمر
وهذه الكلمة حسنة لولا كاف التشبيه في انجم، فإنها قذى في عين هذه العروس ودعامة ملحقة في هذا البيت، وأما قوله وعسجد الثمر، وكذلك كلمة العماد نثرا وهي قوله: كأنما خرط من الصندل، أو خلط بالمندل.
عدنا الى ابن الضياء الجزري، وله: [من الوافر]
وكمثرى حبوت به الندامى … تزيل تقطب الوجه العبوس
كأكواب صغار من زجاج … وقد ملئت بصفرة خندريس
وله: [من السريع]
قد أسفر الصبح لنا عن نقاب … ورقت الكأس وراق الشراب
فقم بنا نشرب من قهوة … يلمع للشرب كلمع السراب (١)
من قبل ان تلقط شمس الضحى … من أعين النرجس ورد السحاب
أما ترى الخمر وإيماضها … كالسيف والكأس لها كالقراب
فهزها في كأسها هزة … تجن بها أثمار شرخ الشباب
وله: [من مخلع البسيط]
وروضة طليقة حباء … غناءة مخضرة جنابا (٢)
بنجاب عن نورها كمائم … ينحط عن وجهه نقابا
بات بها مبسم الأقاحي … يرشف من ظلها رضابا
وله: [من السريع]
السحب تبكي والثرى ضاحك … بكاء صب مل من جفوته
стр. 4012
والزهر قدْ فتَحَ أزراره … كأنّه استيقظ من رقدته
وله: [من الكامل]
هب النسيم على الغصون فخلتُها … مثل الأحبة ساعة التوديع
وبكيتُ من وَجْدي وفَرْطِ صَبابتي … حتى سقيتُ أُصولها بدموعي
وله: [من مجزوء الرجز]
والشمسُ خَلْفَ الغيم كال … حسناء خلف المعجر
تبكي إذا ما احتجبَتْ … مِنْ شدَّةِ التحر
لها النعامى نَفَسٌ … والدمعُ ماء المطر
تُسْفِرُ أحيانًا لكي تحظى … ببعض النظر
كأنما تنثر في الـ … ـأرضِ نجوم السحر
أو ذَهَبٌ منتثر … على بساط أخضر
وله: [من الكامل]
نثر النسيمُ الظَّلَّ من أغصانِهِ … والروضُ بينَ مُذَهَّبٍ ومفضّضِ
فتخالُه فوق الغدير وقدْ طَفَا … حَبَبًا يدور على شراب أبيض
وله: [من الكامل]
والروض ساء باسم مستعبرٌ … خَضِلٌ بطل سمائِهِ مطلول
والفصل معتدل فيا عجباله … كيف النسيم يمر وهوَ عَليلُ
وله: [من السريع]
في روضة يُطرب أغصانها … سجع طيور في ذُراها فصاح
قدفتح النرجس أحداقَهُ [و] … قِبَل الطل ثغور الأقاح
وتحسب الأنهار في جَرْيها … قَدْ حَمَتِ الزهر ببيض الصفاح
و دغدغ الغيث بطون الثرى … فابتسمت فيه ثغور الأقاح
وكلّما غنّت هزاراتها … شقت جيوب النَّوْرِ هُوْجُ الرياح
وله: [من الرجز]
إني رأيتُ بالأراكِ هتفًا … تزعم أنَّ عندها ما عندي
تبكي بلا دمع وأبكي بدم … شتان بين وجدها ووجدي
وله: [من الوافر]
стр. 4013
تغني يا حمامة فوقَ غُصْنٍ … ثَنَتْ أعْطافَهُ رِيحُ الشمال
فإنكِ كلما غردت صوتًا … أمِيلُ مِنَ اليمين الى الشمال
وله: [من مجزوء الكامل]
زهر البهار بلونه … يزهو على شمس النهار
بَهَرَ العيون بحسنه … فلذاك سمى بالبهار
وله: [من السريع]
أما ترى نرجسنا قائمًا … وهو لنا في ليلنا حارسا
قد فتح الأحداق مُستيقظًا … فظل يخشى ان يرى ناعسا
حتى إذا قبلت من أشتهي … تراهُ مِنْ فطنته ناكسا
وله: [من المنسرح]
والماء بين الرياض تحسبُهُ … قَدْ جَرّدَ البيض وهو يحميها
وكلما غنّت الطيور بها … تراقص الزهر في نواحيها
وله (١): [من مخلع البسيط]
للروض عند الصباح طيبٌ … نَمَّتْ إلينا بهِ الجَنُوبُ
واستمتع الطَّرْفُ مِنْ كَرَاه … فملَّتِ المضجع الجُنُوبُ
والطير فوقَ الغصون يدعو … طاب لكم وقتكم فطيبوا
والكأس في كف ذي قوامٍ … يخجلُ مِنْ لينه القضيب
لولا لباس يقيهِ طَرْفي … لكادَ مِنْ لحظه يذوب
ما سعد الوالدان فيه … ألا لتشقى به القلوب
راح اذا الراح ابرزتتْها … صَبَا الى شربها اللبيب
لها إذا الماء جال فيها … في قعر كاساتِها وتُوبُ
إذا سَرَتْ في عروق شخص … هانَتْ على قلبه الخطوب
وقائل تُب فقلتُ: كلًا … هيهات عن شُربها أتوب
إذا استقام الانام طُرًّا … قل لي: لمن تُغفر الذنوب
وله: [من الخفيف]
стр. 4014
فهي شمس لكن بغير مغيب … ولهيب لكن بغير انطفاء
ومنهم:
[١٨] ابن قرناص (١)، محيي الدين
وهو من أهل حماة، ووقفت له على بديع رقم بغرائب النواة، بيانا كالجوهر المعدود، وإحسانًا كل سمع به معقود، كأنه شخص الحبيب بدا لعين محبّه، أو طيف الخيال وأدنى في قربه، وسمعت كَلِمًا كلّما قرأتها استجدتها، وفقرًا لقرى المسامع مهما قدمت لك استردتها،
فمن نثره قوله:
وسار في فرسان كالأسود، إلا أن براثنها سلاح، وجنود كالطيور إلا أنها تسبق الرياح، حتى أتى فلانة، ورتب عليها نوب اليزك (٢)، للمخايلة لا للمخاتلة، وانتظر ان يخرج إليه صاحبها متضرّعًا، أو يقصد إليه متخضعًا؛ لأنه إنما قصده غضبًا لله، لما انتهكه من محارمه، وأقامه لما رأى العدل الذي شرع في هدم معالمه، وشفقةً على خلق الله الذين بسط عليهم منذ وليهم أيدي مظالمه، فلما أبي إلا الطغيان والتمادي في مهالك العصيان، واغتر بأصحابه الذين هم معه بأجسامهم وعليه بقلوبهم، ووثق برعاياه الذين كانوا أو وقعوا معه بذنوبهم، فلصق الجيش المنصور بالسور المقهور، فدنا وتدلّى، ورأى الخصم عين القصم، فعبس وتولّى، فكشفت الستور، وهتكت حجابه، وتبرّج كل برج فحسر الزراقون لثامه، وأماط النقابون نقابه، وطَلَعَتْ على الأسوار المنيفة من الأعلام الشريفة، كل راية صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، وأيّد الله الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين.
ومنه قوله:
فَلَمْ تَرَ إلا شجرة قائمة على أصولها، وكرومًا خاوية العروش، وسقيط البلح المبثوث، وجبالًا كالعهن المنفوش.
стр. 4015
ومن شعره قوله: [من الرجز]
خُذْهُ إليك أدهمًا مُحجّلًا … من يَعْلُ يومًا متْنَهُ فقد نجا
يُريكَ مِنْ تحجيلِهِ ولونِهِ … (طرَّةَ صبح تحت أذيال الدجى)
ومنه قوله: [من الخفيف]
مَنْ لقلبي مِنْ جورِ ظبي هواه … لي شاغل عن حاجر والعقيق
خصره تحت أحمر البند يحكي … خِنْصِرًا فيه خاتم من عقيق
ومنه قوله: [من الكامل]
جَرَحَ الفؤاد غَداةَ جاء مجرّحا … ظبي مِنَ الأتراك معسول اللَّمَى
أيلامُ عاشقه لفرط بكائه … وعليهِ أعْين دمعه تبكي دما
ومنه قوله: [من الكامل]
وكأن مسطولًا عزيرًا قد غدا … يرعى الحشيشة من جآذر جاسم
وسنانُ أقْصَدَهُ النعاس فرنّقَتْ … في عينه سنة وليس بنائم
ومنه قوله: [من الطويل]
الى الله أشكو داحسًا قَدْ أَضرَّ بي … بوخز حكى وخز الرماح المداعس
وإني لفي حرب اذا بات ضاريا … عليَّ ومَنْ يقوى على حرب داحس
ومنهم:
[١٩] ابن العجمي، كمال الدين أحمد بن عبد العزيز الحلبي، أبو العباس (١)
كتب الدرج في أيام الناصر (٢) بن العزيز، فرقم ديباجها بالتطريز، وفضل فزادها وأزواجها بالتبريز، وكان صدر رئاسة، وبدر عرفان وسياسة، لاقت العلياء بمعاطفه، وراقت الفضائل في كؤوس معارفه، من قوم وهبتهم الثريا سيادتها، وحَبَتْهم حارة الشمس سعادتها، فثنت الجوزاء إليه عنانها، وانقدته النجوم أعيانها، فجعلته الدول حلية للبتها، وشية لأيامها، وقد نَفَضَتْ عليها الليالي صبغ لمتها، وقدم دمشق في
стр. 4016
وائل دولة الظاهر بيبرس، وكتب بها، ثم طلب الى مصر واستكتب، واستعتب لحظه الناقص، فاعتب، وله الآن يقتني بقية العبق في المشام، والشهب في آخر الظلام.
ومن نثره قوله:
ولم يكن إلا كلمح البارق الخاطف، أو شرب الطائر الخائف، حتى علونا جدارها وتسوّرنا أسوارها، وهذه قيسارية (١) كان ريد إفرنس (٢) قد أحكم عمرانها، فألحق بالسماء أرضها، وأبرم أسباب تحصينها إبراما منعه نقضها، وجعلناها امام ما نقصده من الثغور الساحلية، لتعلم الفرنج ان قصدنا لحصونهم امام ما نقصده من الثغور الساحلية شامل، وعزمنا إليهم في كل جهة واصل، واننا لابد أن نُغْرِق ببحر عساكرنا ما بأيديهم من الساحل، لتتفرق عزائمهم فلا ينصب الى جملة واحدة، وتذهل خواطرهم، فتتوهم كل فرقة من الجيوش إليها قاصدة.
ومنه قوله:
وكنا لما شَمَخَتْ بأنفها إباءً، ورفعت رأسها منعةً واستعصاء، وكلنا باستلانة جانبها، ورياضة مصاعبها، كل طويل الباع رحب الذراع، مضطلع بأمر الحصر أي اضطلاع، فقذفها بشهب نجومه، وواصلها بتوالي رجومه، حتى عرف منها موقعه، واستبان من أبراحها موضعه، وألان من شامخها جامحه وممتنعه، فلم يزل يقبل ثغرها حتى أثغر، ويصادم ركبها حتى خرّ، وجاء ما لاصقه على الأكثر، وفي ضمن محاذاتها بالمجانيق، تخللنا حولها الأرض طرقًا وأسرابا، وصيرناها الى الخنادق أنفاقًا وأبوابا، وصبر جنود الله حتى وصلوا بالحجارة الى جدارها، فجاذبوا أذيال بنائها الشامخ، وحلّوا عقد أساسها الراسخ، فتعلّقوا بأبراجهم تعلق قرار لا لانتصار، ولاذوا بمعاقلهم لياذ رُعب لا توهم اقتدار، وأذعنوا بلسان الاستعطاف، فأجبناهم على ان يبقوا تحت أيدينا أسارى، وأغمدنا عنهم السيوف إلا من سبق في قتله السيف العذل، وأتاه الموت قبل تحقيق الأمان على عجل، وقد فتح الله على المسلمين حصنًا كان عليهم وبالًا، وحلّ عنهم من معقله عقالًا، وخفّف عن أعناق محاذيه من سوء جيرته أعباء ثقالًا، ثم أمرنا بهدمها حتى عاد ما كان يرى منها شاهقًا للعيان لا يكاد يُدرك باللمس، وأصبحت خاويةً على عروشها كأن لم تَغْنَ بالأمس.
ومنه قوله:
стр. 4017
فنصبنا عليها من المجانيق كل صائب سهمه، ثاقب نجمه، محرق لشياطين الكفر رَجْمُهُ، يهد ويهدم، ويردي ويردم، ويوهي ويوهن، ويُسرّ باردائه ويعلن لم تنصب عوامله على سور متصل إلا هدمته، ولا مُدَّت أسبابه على مبنى رفع واستغلق بابه إلا كَسَرَتْهُ، ولم يزل يرمي غاديتها بالقارعة، ويصمي اسماعها بأحجاره الطائرة الواقعة، وأقبلنا بالمجاهدين إليها، فأحاطوا بها إحاطة الخاتم بخنصره، والسور بمعصمه، وأمطرنا عليها بسحب القسي وبلا غرقتهم بدافق أسهمه، فتجلد أعداء الله، وجلدوا، وتعاقدوا على الموت وتعاهدوا، وأرسلوا من جروفهم سهامًا، لا يردها راد عن الأجسام، ولا يكسر عينها ما تصم الأعضاء من تظاهر الآلام، وإذا شوهدت راعت الناظر فلم يدر أعَمَدٌ هي أم سهام وشفعوها بضم أحجار صمت، لها أسماع الدرق، وكسرت بها رؤوس البيض، وفقست أعين الحلق وصبر أولياء الله، ولم يزالوا حتى ألحقوا النقابين بجدارها، وبوأوا المقاعد تحت أسوارها، ولم يكن بأسرع من ان شقت النقابون نقاب اسوارها، وأضرموا نارًا طاف بأهل السعير سعيرها، ونطقت عما أكنّه ضميرها فانحلّ من عقود بنائها ما كان متسق النظام، ونبذ من شمل بروجها ما كان حسن الألتيام، وكانت لا تلوي جيدها صَعَرًا، فألصق خدها وهي راغمة بالرغام.
ومنهم:
[٢٠] تاج الدين، أبو جعفر، أحمد بن سعيد (١).
رأس المعالي وتاجها، ولقاح المعاني ونتاجها، كان معدن الجلالة، وموطن الرقة والجزالة، ولم يَزَلْ بدر الفضائل وكمالها، وصدر المحافل وجمالها، ونفس المآثر وعنصرها، وخاتم المفاخر وخنصرها، صحب الأيام مسالمًا، وقاسم الليالي على النجوم الزهر مُساهمًا، واكتنف البلاغة فقلّدته تقليد العموم، وقدمته تقديم الإمام على المأموم، وخدم الدول فأولته انعامًا، وخولته مواهب طالما أخدمته الزمان عاما، وكان نداه موارد ملكها، ونهاه عطارد فلكها، فَأَرَتْهُ وجوها وسامًا، وأرضته مصرًا وشامًا، فأهدى من فرائده ما (٢) ابن العزيز فاستخدم في ديوان الانشاء،
стр. 4018
واستكتب واستعتب له الحظ لو يعتب، ثم نقل الى الباب الظاهري، فكان هناك أحد المتخذين الأعيان، والمتحدثين بسحر البيان، وولي في الايام الاشرفية كتابة السرّ بالحضرة السلطانية، فلم يتم الشهر حتى مات، ودفن بغزة (١)، فأغمدت منه المنايا غُضنًا، ووهبت منه الى جانب الملح بحرًا عَذْبًا، وكان هلالًا للشهر، وروضًا يُلْقَط من أفنانه الزهر.
قال شيخنا أبو الثناء: كان يبطئ ولا يخطئ، وقال: كان عنده اعتناؤه بالألفاظ أكبر من المعاني.
قلت: ويدلّ على هذا ما يرى، وقد وقفنا على كثير منه، واكثره متزن، لو تجسّد لاختزن، كأنّه في تساويه مسجع الحمامة، أو وقع الغمامة.
وحكي (٢) انه لما أناخ هولاكو على شاطئ الفرات، وفرش خوفُه الخدود لمواطئ العبرات، وقطعت من تلك الدولة الأواصر، وأصبحت وما لها قوة ولا ناصر، وكان الناصر بن العزيز قد جهز ولَدَهُ الى أردو هولاكو بطرفٍ بَعَثَها، وكتاب حل في سطوره عقد السحر ونَفَثَها، كتبه له هذا الكاتب المذكور، واستشهد فيه بالبيت المشهور: [من البسيط]
يجود بالنفس ان ظنّ البخيل بها … والجود بالنفس أقصى غاية الجُودِ (٣)
فلما عرضه على الملك الناصر، قال له: هذا كتاب لا يلام دونه القاصر، وكان الأنسب في هذا المكان ان لو استشهدت فيه بقول ابن حمدان (٤): [من الطويل]
فدى نفسه بأبن عليه كنفسِهِ … وفي الشدّةِ الصماء تفنى (٥) الذخائر
وقد يُقْطَعُ العضو النفيس لغيرِهِ … وتُدْخَرُ (٦) للأمر الكبير الكبائر
فأقر له بالصواب، وعلى نفسه بالخطأ، وبدَّل الاستشهاد بما قال، ثم ما أنقذ ذلك الكتاب من عثرة ولا أقال:
ومن نثره قوله:
كتابنا هذا والمرقب (٧) في قبضة ملكنا، وربوعه قد عادت أطلالًا، والأسياف
стр. 4019
التي كانت في أيدي أهلها قد جَعَلْناها في أعناقهم أغلالًا، وقد علم المجلس ما كانوا يحدثون به نفوسهم، ويشعبون به رؤوسهم، واستفزهم من يحسن لهم في الطمع أمورًا، ويعدهم الأباطيل، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، وكان المانع أولًا ما كان من اضطراب الأمور، والتقاء الجيوش واختلاف الآراء، وتغيّر النيات، إلى أن أمكن الله من كل مناوئ منافر، وظفرنا من الأعداء بكل كافر، ولكل مَنْ هو للنعمة كافر، ونحن مع ذلك نحيط بما يمكرونه علمًا، وتملي لهم ليزدادوا إثمًا، فلما تَلَمحْنا مخايل النصر، سرنا إليها سرى الخيال الطارق، وأسرعنا نحوهم كما تسرع لمحة البارق، ولم نزل نوقد لهم البواتر، وندير عليهم الدوائر، ونشتتُ لآرائهم شملًا، ونقطع من مكائدهم حبلًا، ونفض لعزائمهم جمعًا، وتكون جنودنا واقفةً بإزائهم، فيخيل إليهم من خوفهم أنها تسعى إلى ان أدركنا فيهم الثأر، وأطفينا بهم النار، وضَرَبنا عليهم الذلّة، وجمعناهم جَمْعَ القلة، وأصبح ما كان يحميهم يتحاماهم، وقلنا: يا سيوف دونَكِ وإياهم، وكانت هذه القلعة مكانها في جوار النجم، وفناء اليم، تقدمها الجبال، ويعصمها البحر، وتحجبها الأودية، ويحضنها الوعر، وتحفّ بها سيوف لا تكلّ، وآمال لا تمل، وآجال يحفظونهم ولا يضيعونهم، وقوم يعصون الله ويطيعونهم، وسطرناها، وبلادهم مهدومة، وجموعهم مهزومة، ويد الله فوق أيديهم، والخذلان من كل ناحية يناديهم.
ومنه قوله:
وبعد فإن الرتب شرفها بمتوليها ومتوقلها يزيد والعقد ما امتاز على السلوك إلا بواسطة حسبها نظام كل فريد، والمملكة جمالها وزيرها، وقوامها مشيرها، وأمورها تكون ضياعًا، وحزمها يكن مضاعًا، ما لم يُؤازرها ذو أزر شديد، ورأي سعيد، وقلم يقلّم ظفر الملم ويقوم بعبء المهم، ويجري بالأرزاق، ويدخرها، ويقتني الأموال العظيمة لمن يستصغرها، ولولاه لما افتخرت الدول، ولكانت مضطربة لولا ابتناؤها على الأقلام والأسل وكان أولى من عوّل على تدبيره، واهتدى في الأمور بنورِهِ أهلُ العلم، فإنهم المذكورون لمن مَلَك، والمستفتون في الأرواح والأموال ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلَكَ، ويسترشد بهم إذا ضلت الآراء، وأظلّت الأهواء، وطلت الأنواء، وتحكمت الأدواء، وتقسَّمت الأضواء، وكان فلان هو المعنى بهذا المدح، والجدير بأن تجلى عليه هذه الملح، وتجمل بإلقاء دروسه صدر كل إيوان، وبتصريفه مكان كل ديوان، وتحاسدت الوزارة والأحكام عليه، إلى أن نالت الوزارة منه نحتها، منشدة: [من الطويل]
стр. 4020
هو الجِدُّ حتى تفضل العين اختها
ومنه قوله:
يقبل اليد لا زالت أقلامها محسنة في سفارتها، وكتبها لا تسلك إلا بخفارتها، والخدمة إذا لم يكن معها ذمام لا يؤمن عليها شن غارتها، وينهي ورود مشرفته التي أبهجته بما أسمعته، وأدّت الأمانة فيما استودعته، وحملت إليه الرياض زواهر، وأغْنَتْه بما أهدى إليه البحر من الجواهر، وقبل الرسالة والرسول، وقبل الحامل والمحمول، وأعاد الجواب وهو من خوف التقييد على وَجَل، وكتبه والقلم من حياء المماثلة، لا يكاد يرفع رأسه من الخجل، فيعرضه مولانا على فكره النقاد، ويتصفحه بنظره الذي زمام الفضل به منقاد، ويُسْبِلُ عليه سِتْر معروفه الندي (١)، ويعيره نفحة أنفاسه التي يكاد يفوح المسك من عرفها الشذي، والله يشكر له الاحسان الذي لا يبلغ الوصف مداه، ويحرس عليه من الفضل ما ملكت يداه، ويفديه بكل مقصر عن شأوه، فلا أحد إذًا إلا فداه.
ومنه قوله (٢):
يقبل اليد الشريفة المحيوية المجنوبة (٣) الى كل قُبلة، المحتوية على الكرم الذي هو للكرماء قبلة، لا زالت مخصوصة بفضائل الإعجاز، والبلاغة التي كل حقيقة عندها مجاز، والاحسان (٤) الذي يظنّ الاطناب في وصفه من الايجاز (٥).
وينهي ورود مشرفته التي أخَذَتْ البلاغة فيها زخرفها، وأشبهت الرياض (٦) منها أحرفها، وأبانت عن معجزات البراعة، ومثلت له السحر كيف ينفث في عقد تلك اليراعة (٧)، وأبانت مجاري فضله على مثل الجمر، وأفردته بالرتبة التي لا يدعيها (٨) زيد ولا عمرو، وعلّمته كيف يكون الانشاء، وأعلمته ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء (٩)، فوقف المملوك عليها وقوف مَنْ أفحمه الحصر، وتطاول لمباراته
стр. 4021
فيها، ولم يطل (١) من في باعه قصر، واستقدم القلم في جوابها فأحجم، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعْجَم، وقال لحسنها الذي استرق القلوب: قد مَلَكْتَ فاسجح، وبلغ الغاية في نفسه (٢) التي قصرت عن شأوها، ومُبْلِغُ نفسٍ عُذْرَها مثل منْجِح، ومن أين لأحد تلك (٣) البديهة المتسرعة والروية التي هي عن كل من ينتحى وينتحل (٤) متورّعة، والمعاني التي قطف نوارها أبكارا (٥)، والغرائب التي بحرها لا يهدي الدرّ إلا كبارا (٦)، والخاطر الذي تُستجدى الفضلة (٧) من سماحته، واللسان الذي يخرس البلغاء عند فصاحته، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم، والطريق الذي مَنْ دلّ فيه ضل ولو أنه عبد الحميد أو عبد الرحيم (٨)، والكتابة (٩) التي تشرق بأنوار المعاني، فكأنها الليلة المقمرة، واليد التي إن لم تكن الأقلام فيها مورقة فانها مثمرة، ومولانا (١٠) أوتى ملك البيان، واجتمع له طاعة القلم واللسان، وخطبت الأقلام بحمدِهِ على منابر الانامل (١١)، وأخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل، ولو كان الفاضل، وأصبح محله الأسنى، وأسماؤه فيها الحسنى، وجاء من المحاسن بكل ما تُزهى به الدول وأصبحت طريقته في هذا الفن كأنها ملة الاسلام في الملل (١٢)، وعرف الإشارة الى حلب وما صنعت بها الأيام (١٣)، وما أشجى من ربعها الذي لم يبق بشاشته تُستام (١٤)، ووقوف مولانا على أطلالها، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها، وتفجعه في دِمَنِها، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخَذَتْها الأيام من مأمنها (١٥)، وأنه وجدها وقد خَلَتْ عراصها، وزمت للنوى قلاصها، وغربانها في رسومها ناعبة، وأيدي البلا (١٦) بها لاعبة. [من الطويل]
стр. 4022
لم يدرِ رسم الدارِ كيف يُجيبنا … ولا نحنُ مِنْ فرط الأسى كيف نسأل (١)
نشكر الله موقفه (٢) في تلك الدمن ورقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى هذا العهد الذي تمسكت منه الآن بحسب، ورعى له حق الدمع الذي جرى، فقضى في الربع ما وَجَب، ومن للملوك بوقفة في رسومها، واسترواحه بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بقلبه، فأصبح وهو يراه بسمعه، ولقد علم الله أن الاحلام ما مثلتها لعينه إلا تأرّقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرة فاستقرّت على حال من القلق، ولا جردتها الأماني لخياله إلا وراحَتْ مطايا الدمع في السبق: [من الطويل]
ولا قلتُ إيه بعدها لمُسامرٍ … مِنَ النَّاسِ إلا قال قلبي آها (٣)
على انه قد أصبح في ظلّ مولانا في وطن، وأنساه أنْسُه من خفَّ ومن قَطَنْ، وشرف بخدمته التي تعلي لمن خدمها منارا، واستفاد من الايام التي أخَذَتْ منه درهمًا، فأخذ عوضه دينارا (٤)، وأصبح لي عن كل شغل بها شغل (٥) [من المجتث]
فَسَل فؤادَكَ عنّي … يخبرك ما كان مني (٦)
وما ذكرتُ حبيبًا … إلا كنت الذي أعني
[من الطويل]
وان نظرت عيني سواك تلثمت … حياء باردان الدماء مع الدمع
ولو أني استطعت حفظتُ طرفي، ولو وصفت ما عسى ان أصفه من الشوق لكان الأمر فوق وصفي. [من الطويل]
وأني في داري وأهلي كأنني … لبُعْدِكَ لا دار لدي ولا أهل
وعرف المملوك الاشارة الى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي (٧) شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي يتهيب السرى فيها طيف الخيال،
стр. 4023
والمرجو من الله تعالى ان تكون العقبى مأمونة، والسلامة فيها مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دَنَتْ، والراحة وقد أذنت (١) والتهاني وقد أشرقت (٢) بوفودها تلك الرحاب، والرياض وَقَدْ أبدت من ملحها (٣) ما يكفر به ذنب السحاب، والأنس وقد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة وقد ألقت عصاها واستقرت بها النوى.
ومنه قوله في كتاب كتبه عن الملك المنصور (٤) الى ابنه الملك الأشرف (٥) بفتح المرقب:
أعز الله نصرة الجناب العالي الولدي الملكي الأشرفي الصلاحي، عضد أمير المؤمنين، ولا زالت جيوشه تفتح من الممالك حصونها، وتبتذل مصونها، وتستنشد من السعادة غصونها، وتطوى لهم الأرض، ولا يبعد عليهم مرمى يعملون إليه العزائم وينصونها، ويقصون أجنحتها بالشكر ويُقْصُونها، تهدي إليه كل ساعة خبر جنوده وما مَلَكَتْ، وخيوله وما سلكت، وسيوفه وما فتكت، ومهابته وما أخَذَتْ، ومواهبه وما تركت، وتبدي لعلمه الكريم ان الهمم بها تنال الممالك، وترتقي المسالك، وقلّما ظفر بالمراد وادع، وكلّ أنف لا يأنف المسادة فهو أحق الأعضاء بالمجادع، ولم نزل نمثل في افكارنا الصورة التي أقدم عليها أهل حصن المرقب في مبدأ الأمر، عند اضطراب النيات، وضعف البينات، وغرور الأيمان الكاذبة، واستمالات الخيالات الجاذبة، ويأخذ في أمرهم الظاهر بالرخصة دون العزيمة، ويعمل على ما لو تمثل لهم صورة لجروا منه ذيل الهزيمة، ونستر ما تسدّده الى نحورهم من سهم، ونريهم أنا ندفع في صدور الحقيقة بالوهم، ونعرض عن مناقشتهم في الحساب، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٦)، ومتى لم يُؤاخَذْ المسيء بفعله، ويوف مقدار جهله، استدام طمعه، واستقام طلعه، وحركته دواعي الشره والشَّرَة، وتخيل السلامة في كل مرة، فلم نزل نتربص بهم ريب المنون، ونترك منهم ما كان في جنب ما يكون، إلى أن أن إمكان الفرصة، وجمعنا لهم بين الشرقة والغصة، فانفذنا إليهم المرمى، وأعددنا مسعانا في طاعة الله غنما، إذ كانت مساعي الملوك غُرما، ووصلنا السير بالسرى، وطرقناهم كما يطرق الكرى، وأوطأناهم حوافر الخيل،
стр. 4024
وجئناهم مجيء السيل، وظللنا عليهم ظلل الغم، وغشيهم منا ما غشى فرعون وجنوده من اليم، مع كون مكانهم قد جمع لهم منعة البر والبحر، وحلّ منهم بين السحر والنحر، تصدّ الرياح الهوج عنه مخافة، ويرجع عنه الطرف حسيرًا لبعد المسافة، فلم يكن بأسرع من أن فاجأناه، وحللنا بعرصتِهِ، وهاجمناه، وأحاطت به رجال الحرب، وشافهته بخطاب الخطب وعسكرنا بحمد الله قد ملأ الفجاج، واستعذب الأجاج، وقاسمهم الرماح، فأعطاهم الأسنّة وأبقى الزجاج، يتعرض أبطاله المنايا وإن كانت عرضًا، ويقول كل منهم ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (١)، فلم يزل القتال ينوبهم، وسهام المنون تصيبهم، وسحابها يصوبهم، والمجانيق تذلل سورتهم، وتسكن فورتهم، وترميهم بنجومها، وتَصْمِهم برجومها، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيد كلًا منهم مذمومًا مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالسلم، وفتنتنا بهم فَـ ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٢) الى أن فتحناها ولله الحمد عنوةً، وحللنا مكائدهم فيها عقدةً عقدةً، ونقضناها عروة عروة، وسطرنا هذه البشرى وأعلام النصر قد خَفَقَتْ عليها بنودها، ودلّت لها علوج الكفرة وكنودها، والسيف من دمائهم يقطر، والصليب خزيان ينظر، والأذان مكان الناقوس، والقراء موضع القسوس، والكنيسة قد عادت محرابا، والجنّة قد فتحت للمجاهدين فكانت أبوابا، وكنا نود ان يكون الولد معنا في هذه المشاهد، وان ينظرها بعين المشاهد، وانا نرجو ان لا يكون ممن يستلين المرقد، وإن لم تحضره هذه الغزوة فيتأهب للأخرى، فكأن قد.
ومنه قوله من كتاب كتبه الى صاحب اليمن بفتح طرابلس:
هذه الخدمة بما تسنى من فتوح طرابلس الشام، وانتقالها بعد الكفر الى الإسلام، هو فتح طال عهد الإسلام بمثله، وقدح فتّ في عضد الشرك وأهله، لم يجل أمره في خَلَدٍ ولا فكر، ولا رَقَتْ إليه همة عوان من النوائب ولا بكر، مرت عليها الأيام والليالي، وعجز عنها من كان في العصر الخوالي، ولم تزل الملوك تتحاماها، وإذا خطرتها الظنون في بال تخشى ان تحل حماها، ولما أفضى الله إلينا أمر الملك، وأنجى بنا من الهلك، عاهدنا على ان نغزو أعداءه برًا وبحرًا، ونوسع من كفر به قتلًا وأسرًا، ونورد المشركين موارد الحرب المفضية بهم الى الهرب، ونجليهم عن البلاد جلاء طوائف المشركين عن جزيرة العرب، فجئناهم
стр. 4025
وزلزلنا أقدامهم، وأزلنا إقدامهم وبرزنا لشقائهم بشقاقهم، وسددنا عليهم أنفاق نفاقهم، وقصدناهم في وقت تجمعت فيه أشتات الشتاء، وطرق خفية المدارج أبية المعارج، صيفها شتاء، وصباحها مساء، شائبة المفارق بالثلوج، منهلة المدامع من عيون الجبال على خدود المروج، مزرّرة الجيوب على أكمام الغيوم التي ما للابسها من فروج، ولم تزل أقران الزحف في غدران الزعف ترميهم بالقوارص، وتأتيهم من البأس بما ترعد منه الفرائص، وتقلب لهم ظهر المجنّ، وتطرق أفئدتهم من الحرب بكل فنّ، وتقرب الأسواء من الأسوار، وتمزج لهم الأدواء في الأدوار، إلى ان وَهَى سلكها، ودنا هلكها، وسفك منها ما علا ورَخُص ما غلا، وفتحناها وأبحناها، وخليناها وقد أخليناها، فأمست كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وأصبحت حصيدًا كأن لم تغن بالأمس، وهذه المدينة لها سمعة في البلاد ومنعة ضربت دون العزم بالا سداد، فتحت في صدر الاسلام في ولاية معاوية بن ابي سفيان، وتنقلت في أيدي الملوك، وعَظُمَتْ في زمن بني عمار وبنوا بها دار العلم المشهورة في التواريخ، فلما كان في آخر المائة الخامسة، وقدر ما قدر من ظهور طوائف الفرنج بالشام إذ استولوا على البلاد، امتنعت هذه المدينة عليهم مدّةً، ثم ملكوها في سنة ثلاث وخمسمائة واستمرت الى الآن، وكان الملوك في ذلك الوقت، ما منهم إلا من هو مشغول بنفسه، مكبّ على مجالس أنْسِهِ، يصطبح في لهوه ويغتبق، ويجري في مضمار لعبه ويستبق يرى السلامة غنيمة، وإذا عنّ له وصف الحرب لم يسأل إلا عن طريق الهزيمة، أموال تُنهب وممالك تذهب، ونفوس قد تجاوزت حدّ إسرافها، وبلاد تأتيها الأعداء فتنقصها من أطرافها، إلى أنْ أوْجَدَ الله من أوْجَدَه لنصرة دينه، وإذلال الشرك وشياطينه، فأحيا فريضة الجهاد بعد موتها، وردّ ضالة الملك بعد فَوْتِها، ونرجو بقدرة الله أن نُجْلي ديارهم من ناسهم، ونطهر الأرض من أدناسهم، ونجدد للأمة قوّة سلطانها، ونُعيد كلمة الإيمان إلى أوطانها، والله تعالى يثبت في صحائفه أجر السرور بهذه المتجددات التي يَعْظم بها أجر الحامد الشاكر، ويجعل له أوفى نصيب من يومن الغزوات التي أنجد فيها بهممه، والإنجاد بالهمم مثل الإنجاد بالعساكر.
ومن شعره يداعب ابن البصري الكاتب، وكان رديء الخط: [من البسيط]
للمجد خط حكى في القبح صورتَهُ … ناهيكَ مِنْ خطأ بادٍ ومِنْ خَطَلِ
لم يَلْقَهُ أَحَدٌ إلا وينشده … «رمت ا دهر كف المجد بالشلل»
وقوله: [من المجتث]
أُنْبِتُ أنَّ كتابا … بعثتُهُ مَع رسولي
стр. 4026
ملاته منك طيبًا … فضاع قبل الوصول
ومنهم:
[٢١] شهاب الدين، أبو محمد (١) بن كمال الدين أبي العباس، أحمد بن عبد العزيز بن العجمي.
المتقدم ذكر أبيه.
قائل كلم حسان، وقائد كرم وإحسان، سليل صدور كرام، ورسيل سحب مغدقة، وبدور تمام، من بيت في حلب الشهباء، رفع على صهواتها، ولزّت به الخضراء وسائر أخواتها، أعاد الصبح العشاء، وكتب الانشاء، وصرف أوامر الوزارة، وقاسم الوزير حسناته لا أوزاره، وكلامه عذب المساغ، للقلوب به شغل وفراغ، كأنما نشر به جلا أو صاغ، وكان بريئًا من ظلمة التعقيد، كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد.
ومن نثره قوله في توقيع كتبه لقاض اسمه يوسف (٢):
لأنه المستوجب بهجرته إلينا تحقيق ما نواه، وأنه يوسف الفضل الذي لما قدم لمصر قيل لشيمنا الشريفة أكرمي مثواه، وأرتْه أحلامه من الأماني ما جعلناه (٣) صدقا، وأنجز الله تعالى لَهُ منها ما قال معه ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٤)، فليعتصم من طاعة الله بأقوى حبل، ويقف عند مراضيه ليجتبيه ويتم نعمته عليه، كما أتمها على أبويه من قبل، وليتمسك من أسباب التقوى بما يكون له جنّة، ويحرص على أن يكون الرجل الذي عرف الحق فقضى به، وكان المخصوص من القضاة الثلاثة بالجنّة، ويجعل داء الهوى عنه محسومًا، ولحظه ولفظه بين الخصوم مقسوما، ولا يأل فيما يجب من الاجتهاد إذا اشتبه عليه الأمر، أن يعلم انه إن اجتهد
стр. 4027
أخطأ فَلَهُ أجْر، وان أصاب فله أجران، وصوب الصواب واضح لمن استشف بنور الله برهانه، وليتوكل على الله في قصده ويثق، فإن الله سيهدي قلبه ويثبت لسانه، وليجعل الاعتصام بحبل الله تعالى في كل ما تراود عليه النفوس من دواعي الهوى معاذا، ويتبصر من برهان ربه ما يتلو عليه عند كل داعية ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (١).
ومنه قوله (٢):
وينهى أنه وردت عليه مشرّفةٌ شريفة، وتحفة بمنّتها على الأعناق ثقيلة، وبمواقعها من القلوب خفيفة، فقَبَّلها المملوك ولثمها، ونثر عليها قُبَلَهُ ونظمها، نقل معناها إلى قلبه فشفٌ ونَقَدَ ذهبها الخالص وأعاذَه من الصرف، وانتهى الى ما تضمنه من صدقات مولى ملك رقه، وآتاه من الفضل فوق ما استحقه، وأنزل له الكواكب فتناولها بلا مشقة، وأوى الى حمى حرمه، وتغطى عن عين الخطب (٣) بستور نعمه، ورأى فيه الأزاهر وشم شذاها، والجواهر وضم الى العقود حلاها، وشكر هذه المنن ومن والاها، وسبح لما وهب من يحبه (٤) هذه البدائع وآتاها، وعمل بما أمره به مولاه في أمر تلك الورقة، وسدّد سهمها الى الفرض وفوقه، وتحجب لها فأخلى الطريق وطرقه، وعرضها في مجلس الوزارة الشريفة ونشر إستبرقه، وبرز المرسوم (٥) بالكشف، ويرجو أن يتكمّل بالتوقيع، ويكمل (٦) بالتأصيل والتفريع، ثم يجهزه المملوك الى خدمته (٧) الكريمة كما أمر، وما أخر الجواب هذه المدة، إلا ليجهزه معه فتعذر وما قدر (٨).
ومنه قوله:
أولى من عاودته عوائد فضلنا بمحابها، وتلقته صدور عوارفنا برحابها، ونقلت مكارمنا أطماعه من لامع سرابها الى نافع بشرابها، من هاجر ولاءه الى حرم دولتنا القاهرة، وكان من أنصارها، وبادر في هيجاء اعدائها فأغرقهم وأحرقهم بتيارها وبنارها، وتشوقت المسامع الى ما تشتهيه فكان ذكره الجميل من أعظم اسباب مسارها، والفارع ذروة هذه القارع مروة هذهِ الصَّفاة، المجلس الفلاني؛ لأنه جامع
стр. 4028
محاسنها بمفرده، والحامي لسرحها ببطش يده، ورامي غرضها بصفاة مقصده، حمى الأطراف وحاطها، ورفع بهمة فعلق بالثريا مناطها، وكان واحد أولياء الدولة بأسًا لا يكلّ شباه، وعزما لا يوفّر كاهل الريح يقتاد جنائبه، ويركب صباه، وفضلًا جاملا جامعًا فاق فيه كل شبيه إلا أباه.
ومنه قوله:
ولا زال بابه الكريم للأمال ملاذا، وجنابه المحروس من حوادث الايام معاذا، وثوابه وعقابه لوليه وعدوّه. هذا لهذا وهذا لهذا، وينهي أن مولانا ولله الحمد قد جَبَلَهُ الله على فعل الخير، وجعله من أهْلِهِ، وحبَّب إليه الإحسان ومكنه من فعله، خصوصًا من ينتمي الى خدمته الشريفة، ويلجأ الى ظله، ومملوكه فلان ممن يعد نفسه من الأرقاء، ويرتمي الى موالاته التي هي درجات السعادة والارتقاء، وما تهجم المملوك بهذ الخدمة إلا لما كان عند نفسه المثابة، ولا ثقل على خاطره الشريف إلا لوقوع ذلك من مكارم مولانا بموقع الاصابة، وقد جعل المملوك السؤال مفتتح عبوديته لمولانا ومولاته، بحسنةٍ قد أهداها الى صحائف حسناته.
ومنهم:
[٢٢] أحمد بن أبي الفتح بن محمود الشيباني (١)، كمال الدين، ابو العباس
بحرٌ يقذف الدر، وأفق يطلع النجوم الغر، وكان للدنيا جمالًا، وللدين كمالًا، جعل للبيان سحرًا، وللطيب شحرًا، وقدّمته الدولة على الرؤساء، وعظمته على الخلطاء والجلساء، فكانت الملوك تنزله منزلة لسانها ويمينها، وتُحِلُّه محلّة ترجمانها وأمينها، وظلت تصرف به البأس والندى، وتتصرّف في الأولياء والعدا، وآونة تُحزُّ بِقُضُبِهِ الغلاصم، وتُجَرُّ بكتبِهِ الأيدي والمعاصم، وطالما فتحت به المعاقل الأشبة، وساقَتْ سرجها السوام في رياض النجوم المعشبة، ثم قفلت الممالك بأقاليده،
стр. 4029
وقفلت المسالك بتقاليدِهِ، واصطفته الرئاسة لقربها، واصطفت له السياسة موارد شربها، وكتب كتب السير أكثر عمره، وصرف ديوان الإنشاء مدةً بأمره، وكان بدمشق عينًا لأعيانها، وزينًا وحلية لبيانها، راقيًا للإيوان، ورائسًا للديوان، وكان عمي ثم أبي لا يعتمد كل منهما إلا على أمانته، ولا يرنح فكره إلا بإيضاحه وإبانته، وخطه أبهج من الروض الأريض، وأزين من النقش المخضر على معاصم الغواني البيض، وله من كثرة الاطلاع ما حقق به المآرب وصدق انه الشمس ضوؤها يغشى المشارق والمغارب، ولم يكن اكثر منه اتضاعًا في ارتفاع، وتنازلًا وهو في اليفاع، لا يجد في نفسه حرجًا لأحد، ولا مضضًا مِمّن انكر حقّه وجَحَد، لا يضره أي مكان حله، ولا يضره لبس عباءة ام حُلّه، وكان يتعرف الى الله عساه ولعله، ويتعرّض لقضاء حوائج الناس الله لا لعلة، هذا بلا تلكف يشق عليه في عرضه مطلوب، أو يشق به لعرضه أردية أو جيوب، مع ملازمته تلاوة يؤنس بها جانب الجامع المعمور، ومرآة يشرق بها وجه النهار ويغمر قلب الديجور، وعمل زاكِ صَحِبَ به الأحياء، وجاور سكان القبور.
ومن نثره قوله:
طالما حَلَّ الرتب العالية بجليل مقداره، وحلّى المناصب العالية بحلى أنواره، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره، وهامَتْ الأفكار في أودية محامده وما بَلَغَتْ وصف محلّه ومقداره، وافتخر قلم الفتيا براحته، فتباعد السيف عن قربه خوفًا من مهابته، وسدّد الى الحق سهام أحكامه، فأصابت الأغراض، وعالج الأفهام بأفهام كلامه، فشفى صحيحُهُ الأمراض، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة، ونشر الروضة الخضرة، فرسم بالأمر العالي ان يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية (١) بدمشق، فليكتب بها دروس فضله التي لا تُدرس الأيام آثارها، ويغرس في قلوب طلبتها حبّ فوائدِهِ، ليجتني ساعة غرسها ثمارها، لتصبح هذه المدرسة كنيفًا ملئ علمًا، وقليبًا حُشِيَ فهمًا، وفلكًا تبدي شمسًا وتخفي نجمًا، وكنانة يخرج من طلبتها في كل حين سهمًا.
قلت: هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، وقد أخذت الأمينية له من نجم الدين بن سني الدولة (٢).
стр. 4030
عدنا إلى ابن العطار.
ومن إنشائه رسالته التي سمّاها «رصف الفريد في وصف البريد»:
أما بعد حمد الله البرّ، المسير في البحر والبرّ، والصلاة على من علا البراق، واخترق السبع الطباق، وعلى آله وصحبه الذين سبقونا بالايمان وعلى التابعين لهم بإحسان، فإنه لما كانت النفوس مولعةً بحبّ العاجل متطلعة الى الاطلاع على المستقبل من الأمور والآجل، لم تزل أنفس الخلفاء والملوك، وأنفس الأكابر من الأمراء والعظماء به كَلِفَةً صبّة، والى استعلام أحوال ممالكها وعساكرها ورعاياها مُنْصَبّة، وعلم مثل ذلك من خلق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فبردهم في الآفاق ضاربة، وطلائعهم تارة بالمشارق طالعة، وآونة في المغارب غاربة، كرة في بحار السراب تعوم، وأخرى بالآفاق كأنها نجوم: [من الطويل]
تروح فتغدو في الصباح طريدةً … وتغدو فتبدو في الظلام خيالا
تستطلع لهم خبرًا، وتطوي وتنشر بساط الأرض وردًا وصَدَرًا، وتعوض أسماعهم بما تنقله إليهم أثرًا، عما فات أعينهم مشاهدة ونظرًا: [من الكامل]
فلهم وإنْ غَدَتِ البلاد بعيدة … طَرْفٌ بأطراف البلادِ مُوَكَّلُ (١)
من كل فتى قد هجر الكرى، وأشْبَه البدر فلا يمل من طول السرى: [من البسيط]
وخلف الريح حسرى وهي جاهدةً ومرّ يختطف الأبصار والنظرا قد أعد للسفر في ليله ونهاره من الخيل كلّ أشقر صباح، وأشهب مساء، وأصفر أصيل، وادهم ليل: [من مخلع البسيط]
وألجم الصبح بالثريا … واسرج البرق بالهلال
وسابق الظلال فهي تَزْوَرُّ عنه ذات اليمين وذات الشمال، فلا تزال من ورائه مشرقًا قبل الزوال، ومغربًا بعد الزوال، موكل بفضاء الأرض يذرعه متوقع ان كل بلد يقطعه: [من الكامل]
وكأنما اتخذ البروق أعِنّةً … وكأنما اتخذ الرياح جناحا
فمما أنبأ الكتاب العزيز من تطلع المرسلين والأنبياء الى سرعة الاطلاع من الأمور والانباء ما ورد في قصة سليمان ﵇ من طلبه سرعة إتيان عرش بلقيس