ملاته منك طيبًا … فضاع قبل الوصول
ومنهم:
[٢١] شهاب الدين، أبو محمد (١) بن كمال الدين أبي العباس، أحمد بن عبد العزيز بن العجمي.
المتقدم ذكر أبيه.
قائل كلم حسان، وقائد كرم وإحسان، سليل صدور كرام، ورسيل سحب مغدقة، وبدور تمام، من بيت في حلب الشهباء، رفع على صهواتها، ولزّت به الخضراء وسائر أخواتها، أعاد الصبح العشاء، وكتب الانشاء، وصرف أوامر الوزارة، وقاسم الوزير حسناته لا أوزاره، وكلامه عذب المساغ، للقلوب به شغل وفراغ، كأنما نشر به جلا أو صاغ، وكان بريئًا من ظلمة التعقيد، كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد.
ومن نثره قوله في توقيع كتبه لقاض اسمه يوسف (٢):
لأنه المستوجب بهجرته إلينا تحقيق ما نواه، وأنه يوسف الفضل الذي لما قدم لمصر قيل لشيمنا الشريفة أكرمي مثواه، وأرتْه أحلامه من الأماني ما جعلناه (٣) صدقا، وأنجز الله تعالى لَهُ منها ما قال معه ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٤)، فليعتصم من طاعة الله بأقوى حبل، ويقف عند مراضيه ليجتبيه ويتم نعمته عليه، كما أتمها على أبويه من قبل، وليتمسك من أسباب التقوى بما يكون له جنّة، ويحرص على أن يكون الرجل الذي عرف الحق فقضى به، وكان المخصوص من القضاة الثلاثة بالجنّة، ويجعل داء الهوى عنه محسومًا، ولحظه ولفظه بين الخصوم مقسوما، ولا يأل فيما يجب من الاجتهاد إذا اشتبه عليه الأمر، أن يعلم انه إن اجتهد
стр. 4027
أخطأ فَلَهُ أجْر، وان أصاب فله أجران، وصوب الصواب واضح لمن استشف بنور الله برهانه، وليتوكل على الله في قصده ويثق، فإن الله سيهدي قلبه ويثبت لسانه، وليجعل الاعتصام بحبل الله تعالى في كل ما تراود عليه النفوس من دواعي الهوى معاذا، ويتبصر من برهان ربه ما يتلو عليه عند كل داعية ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (١).
ومنه قوله (٢):
وينهى أنه وردت عليه مشرّفةٌ شريفة، وتحفة بمنّتها على الأعناق ثقيلة، وبمواقعها من القلوب خفيفة، فقَبَّلها المملوك ولثمها، ونثر عليها قُبَلَهُ ونظمها، نقل معناها إلى قلبه فشفٌ ونَقَدَ ذهبها الخالص وأعاذَه من الصرف، وانتهى الى ما تضمنه من صدقات مولى ملك رقه، وآتاه من الفضل فوق ما استحقه، وأنزل له الكواكب فتناولها بلا مشقة، وأوى الى حمى حرمه، وتغطى عن عين الخطب (٣) بستور نعمه، ورأى فيه الأزاهر وشم شذاها، والجواهر وضم الى العقود حلاها، وشكر هذه المنن ومن والاها، وسبح لما وهب من يحبه (٤) هذه البدائع وآتاها، وعمل بما أمره به مولاه في أمر تلك الورقة، وسدّد سهمها الى الفرض وفوقه، وتحجب لها فأخلى الطريق وطرقه، وعرضها في مجلس الوزارة الشريفة ونشر إستبرقه، وبرز المرسوم (٥) بالكشف، ويرجو أن يتكمّل بالتوقيع، ويكمل (٦) بالتأصيل والتفريع، ثم يجهزه المملوك الى خدمته (٧) الكريمة كما أمر، وما أخر الجواب هذه المدة، إلا ليجهزه معه فتعذر وما قدر (٨).
ومنه قوله:
أولى من عاودته عوائد فضلنا بمحابها، وتلقته صدور عوارفنا برحابها، ونقلت مكارمنا أطماعه من لامع سرابها الى نافع بشرابها، من هاجر ولاءه الى حرم دولتنا القاهرة، وكان من أنصارها، وبادر في هيجاء اعدائها فأغرقهم وأحرقهم بتيارها وبنارها، وتشوقت المسامع الى ما تشتهيه فكان ذكره الجميل من أعظم اسباب مسارها، والفارع ذروة هذه القارع مروة هذهِ الصَّفاة، المجلس الفلاني؛ لأنه جامع
стр. 4028
محاسنها بمفرده، والحامي لسرحها ببطش يده، ورامي غرضها بصفاة مقصده، حمى الأطراف وحاطها، ورفع بهمة فعلق بالثريا مناطها، وكان واحد أولياء الدولة بأسًا لا يكلّ شباه، وعزما لا يوفّر كاهل الريح يقتاد جنائبه، ويركب صباه، وفضلًا جاملا جامعًا فاق فيه كل شبيه إلا أباه.
ومنه قوله:
ولا زال بابه الكريم للأمال ملاذا، وجنابه المحروس من حوادث الايام معاذا، وثوابه وعقابه لوليه وعدوّه. هذا لهذا وهذا لهذا، وينهي أن مولانا ولله الحمد قد جَبَلَهُ الله على فعل الخير، وجعله من أهْلِهِ، وحبَّب إليه الإحسان ومكنه من فعله، خصوصًا من ينتمي الى خدمته الشريفة، ويلجأ الى ظله، ومملوكه فلان ممن يعد نفسه من الأرقاء، ويرتمي الى موالاته التي هي درجات السعادة والارتقاء، وما تهجم المملوك بهذ الخدمة إلا لما كان عند نفسه المثابة، ولا ثقل على خاطره الشريف إلا لوقوع ذلك من مكارم مولانا بموقع الاصابة، وقد جعل المملوك السؤال مفتتح عبوديته لمولانا ومولاته، بحسنةٍ قد أهداها الى صحائف حسناته.
ومنهم:
[٢٢] أحمد بن أبي الفتح بن محمود الشيباني (١)، كمال الدين، ابو العباس
بحرٌ يقذف الدر، وأفق يطلع النجوم الغر، وكان للدنيا جمالًا، وللدين كمالًا، جعل للبيان سحرًا، وللطيب شحرًا، وقدّمته الدولة على الرؤساء، وعظمته على الخلطاء والجلساء، فكانت الملوك تنزله منزلة لسانها ويمينها، وتُحِلُّه محلّة ترجمانها وأمينها، وظلت تصرف به البأس والندى، وتتصرّف في الأولياء والعدا، وآونة تُحزُّ بِقُضُبِهِ الغلاصم، وتُجَرُّ بكتبِهِ الأيدي والمعاصم، وطالما فتحت به المعاقل الأشبة، وساقَتْ سرجها السوام في رياض النجوم المعشبة، ثم قفلت الممالك بأقاليده،
стр. 4029
وقفلت المسالك بتقاليدِهِ، واصطفته الرئاسة لقربها، واصطفت له السياسة موارد شربها، وكتب كتب السير أكثر عمره، وصرف ديوان الإنشاء مدةً بأمره، وكان بدمشق عينًا لأعيانها، وزينًا وحلية لبيانها، راقيًا للإيوان، ورائسًا للديوان، وكان عمي ثم أبي لا يعتمد كل منهما إلا على أمانته، ولا يرنح فكره إلا بإيضاحه وإبانته، وخطه أبهج من الروض الأريض، وأزين من النقش المخضر على معاصم الغواني البيض، وله من كثرة الاطلاع ما حقق به المآرب وصدق انه الشمس ضوؤها يغشى المشارق والمغارب، ولم يكن اكثر منه اتضاعًا في ارتفاع، وتنازلًا وهو في اليفاع، لا يجد في نفسه حرجًا لأحد، ولا مضضًا مِمّن انكر حقّه وجَحَد، لا يضره أي مكان حله، ولا يضره لبس عباءة ام حُلّه، وكان يتعرف الى الله عساه ولعله، ويتعرّض لقضاء حوائج الناس الله لا لعلة، هذا بلا تلكف يشق عليه في عرضه مطلوب، أو يشق به لعرضه أردية أو جيوب، مع ملازمته تلاوة يؤنس بها جانب الجامع المعمور، ومرآة يشرق بها وجه النهار ويغمر قلب الديجور، وعمل زاكِ صَحِبَ به الأحياء، وجاور سكان القبور.
ومن نثره قوله:
طالما حَلَّ الرتب العالية بجليل مقداره، وحلّى المناصب العالية بحلى أنواره، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره، وهامَتْ الأفكار في أودية محامده وما بَلَغَتْ وصف محلّه ومقداره، وافتخر قلم الفتيا براحته، فتباعد السيف عن قربه خوفًا من مهابته، وسدّد الى الحق سهام أحكامه، فأصابت الأغراض، وعالج الأفهام بأفهام كلامه، فشفى صحيحُهُ الأمراض، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة، ونشر الروضة الخضرة، فرسم بالأمر العالي ان يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية (١) بدمشق، فليكتب بها دروس فضله التي لا تُدرس الأيام آثارها، ويغرس في قلوب طلبتها حبّ فوائدِهِ، ليجتني ساعة غرسها ثمارها، لتصبح هذه المدرسة كنيفًا ملئ علمًا، وقليبًا حُشِيَ فهمًا، وفلكًا تبدي شمسًا وتخفي نجمًا، وكنانة يخرج من طلبتها في كل حين سهمًا.
قلت: هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، وقد أخذت الأمينية له من نجم الدين بن سني الدولة (٢).
стр. 4030
عدنا إلى ابن العطار.
ومن إنشائه رسالته التي سمّاها «رصف الفريد في وصف البريد»:
أما بعد حمد الله البرّ، المسير في البحر والبرّ، والصلاة على من علا البراق، واخترق السبع الطباق، وعلى آله وصحبه الذين سبقونا بالايمان وعلى التابعين لهم بإحسان، فإنه لما كانت النفوس مولعةً بحبّ العاجل متطلعة الى الاطلاع على المستقبل من الأمور والآجل، لم تزل أنفس الخلفاء والملوك، وأنفس الأكابر من الأمراء والعظماء به كَلِفَةً صبّة، والى استعلام أحوال ممالكها وعساكرها ورعاياها مُنْصَبّة، وعلم مثل ذلك من خلق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فبردهم في الآفاق ضاربة، وطلائعهم تارة بالمشارق طالعة، وآونة في المغارب غاربة، كرة في بحار السراب تعوم، وأخرى بالآفاق كأنها نجوم: [من الطويل]
تروح فتغدو في الصباح طريدةً … وتغدو فتبدو في الظلام خيالا
تستطلع لهم خبرًا، وتطوي وتنشر بساط الأرض وردًا وصَدَرًا، وتعوض أسماعهم بما تنقله إليهم أثرًا، عما فات أعينهم مشاهدة ونظرًا: [من الكامل]
فلهم وإنْ غَدَتِ البلاد بعيدة … طَرْفٌ بأطراف البلادِ مُوَكَّلُ (١)
من كل فتى قد هجر الكرى، وأشْبَه البدر فلا يمل من طول السرى: [من البسيط]
وخلف الريح حسرى وهي جاهدةً ومرّ يختطف الأبصار والنظرا قد أعد للسفر في ليله ونهاره من الخيل كلّ أشقر صباح، وأشهب مساء، وأصفر أصيل، وادهم ليل: [من مخلع البسيط]
وألجم الصبح بالثريا … واسرج البرق بالهلال
وسابق الظلال فهي تَزْوَرُّ عنه ذات اليمين وذات الشمال، فلا تزال من ورائه مشرقًا قبل الزوال، ومغربًا بعد الزوال، موكل بفضاء الأرض يذرعه متوقع ان كل بلد يقطعه: [من الكامل]
وكأنما اتخذ البروق أعِنّةً … وكأنما اتخذ الرياح جناحا
فمما أنبأ الكتاب العزيز من تطلع المرسلين والأنبياء الى سرعة الاطلاع من الأمور والانباء ما ورد في قصة سليمان ﵇ من طلبه سرعة إتيان عرش بلقيس
стр. 4031
ووصوله قبل ارتداد طرفه إليه، وقد نُقل عن نوح ﵇ استبطاؤه الغراب وإردافه له بالحمام، وهذا وقد ضرب المثل ببكور الغراب وخروجه في الظلام، ولولا اعتقاد موسى الكليم ﵇ انه للباري ﷻ أرضى لما قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (١) وفي سيره بأهله ومسراه، ناداه ربه بالوادي المقدس: ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ (٢) وما انعقد على رهن السباق، الاجماع إلا لما فيه من فضيلة الإسراع، ولم يكن الشيطان الرجيم بمطرود لو جرى على سجيته في العجلة، وبادر في السجود، لا سيما وقد خلق الإنسان من عجل، وما يعلو المدرك المسرع من أنوار الجذل، وما يغشى المبطئ من فتور الخجل، ومن كمال فضيلتي الحج والعمرة ما هو واجب أو مستحبّ من الرمل وشتان ما بين المبطئة والسريعة، ويا بعد ما بين الساقة والطليعة: [من البسيط]
وربما فات قوم جُلَّ أمرِهمُ … مِنَ التأني وكان الحزم لو عجلوا
وكثيرا ما قيل في القوم وعداك ذم وتخطاك لَوْمُ وتحرّك تعش، وسر في البلاد تنتعش. وقال الله لخلقه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٣) هذا وأشرف الدراري الكواكب السواري، وما الجواري في البحر كالسواري، وهل أجن إلا الماء الواقف؟ وهل طاب إلا الماء الجاري؟: [من الوافر]
وإن لزوم عقد البيتِ موت … وان السير في الأرض النشور
والقعود مع العيال قبيح، ومن يُمْن النجاح سرعة التسريح: [من مجزوء الكامل]
والمهد اسكن للصبي بحيث جاء به ومرا وبفضيلة السير في البلاد والانتقال بلغ البدر درجة الكمال، وأمنت الشمس المنيرة من الملال: [من الكامل]
والصقر ليس بصائد في وكنه … والسيف ليس بضارب في جفنه
ولولا ضرب إخوة يوسف في الأرض، لما نجا أبوهم من حزنه، وقد جَعَل الله رحلتي الشتاء والصيف للإيلاف، وركني الحج والعمرة للسعي والطواف، وفي استخلاف من لا يستطيع التحيز للضرورة خلاف. [من البسيط]
والمرءُ ما لم يُفِدْ نفعًا إقامته غيمٌ حمى الشمس لم يمطر ولم يسر وسعة الخطوة دليل الإقبال، وسبيل الى بلوغ الآمال، ولا ريب ان العز في النقل
стр. 4032
وفي بلاد من اختها بدل. [من البسيط]
لو كان في شرف المثوى بلوغ منى … لم تبرح الشمس يومًا دارةَ الحَمَل
والحركة ولود، والسكون عاقر، وقد ورد أن الله رحيم بالمسافر، وأنه للخضر ﵇ خليفة، وناهيك شرفًا بهذه الرتبة المنيفة، ولا إنافة على رتبة الخلافة، والسيف إن قرّ في الغمد صدي والليث لولا الوثوب ردي، ولو يستوي بالقيام القعود لما ذكر الله فضل الجهاد، ولولا انتقال الدرر عن البحور لما عوضت من الحور بالنحور، وكثيرًا ما ورد في الكتاب العزيز النهي عن التباطؤ والحث على الإسراع: [من الوافر]
وليست فرحة الإياب إلا … لموقوف على ترح الوداع
[من الخفيف]
إنَّ فيه اعتناقة لوداع … وانتظار اعتناقة القدوم
وهذا وكم بين رتبة الاتباع ورتبة الاختراع والابتداع وبين جود الروية وتوقد الابتداء، وكلالة الرقاد وحدة الانتباه، وشتان ما بين عقلة المشيب ونشطة الشباب، وحسبك بأنك ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (١)، وقد علمت فائدة الإسراع بمن لا علم عنده ومن عنده علم من الكتاب، وبحركة النبض يستدلّ على حال القلب، ولولا إدامة الترويح عليه لغم من الكرب، ولا يقاس موقف المأموم بمقام الإمام، وإذا كانت الشجاعة في الإقدام كذلك السلامة في الإنهزام، وقد جعل الله الملائكة دائمة الحركات، وأرسل الرياح منشرات وللسحاب مسيرات، وبأرزاق العباد جاريات، وأقسم بالعاديات المرسلات، وللإسراع سخر لمحب الخير ﵇ الريح والطير، هذه غدوها شهر ورواحها شهر، وهذه تستطلع له انباء الملوك فتستنزلهم على حلك الذل والقهر، ولذلك درجت الملوك الحمام ورتبت البريد فبلغت بهما في الوقت القريب ما زيد من غاية المرام البعيد، وقرّبت لهم مستبعدات المطالب وأطلعتهم بسرعة الاعلام على نهايات العواقب، فبلغت هذه بسرعة إيصال البطائق ما لم يكن أحد من البشر بطائق، وارتفعت محلقة في الهواء، وحَلَّقتْ مسخّرةً في جوّ السماء، وما خَفَقَتْ بأجنحتها إلا وَقَدْ وافت بالبشرى مخلقة، وما اخفقت وما خضبت كفها وتطوّقت إلا للسرور وصَفَقَتْ، وما حفظت العهود من الأسرار وما ردّها الحنين الى الادكار، ما قطعت
стр. 4033
مسافة ايام في ساعة من نهار، وما وما وما، ولا عرجت طائرة نحو السماء إلا وقد ذكرت عهودًا بالحمى، إلا أن بطائقها ربما نقلت من جناح الى جناح، وحصل بنقلها أعظم خطر وأوفر جناح، وكشف خدرها، وأذيع سرّها، فغدت مذاعة السرائر وكانت محجوبة عن مقلة كلّ ناظر، وذاك حافظ لما استودع من الأمانة المؤداة، أمين على ما حَمَلَ من النفقات والمشافهات الى الأجانب وأهل المودات، حريص على إيصال كتبها، صائن لها في حربها صيانة الصوارم في قُربها، والعيون بهدبها، يوصلها بطيها مختومة بخاتم ربّها، فهو السهم الخارج عن كبد القوس، لا يزيغ عن الغرض، وتلك ربما جرحها الجوارح، وعرض لها بالبنادق من اعترض، وصدها عن بلوغ المرام غموم الغمام، وعموم الظلام وقطع طريقها، وحتم تعويقها، وقضى وحكم عليها بالتأخير؛ لأنها فيها لا تطير، وذلك في الليل والنهار، والصحو والغيم يسري ويسير، ولذلك لا تسرح الحمام في المهام إلا ويرسل تحتها البريد مورخ بتاريخها، فهو لها وعليها سائق وشهيد وهي وإن شهد لها المترنّم المنتدم بالفضل والتقدم والفضل للمتقدم فربما تقدّمها البريد وسبق وكثيرًا ما توافيا فكأنما كانا على ميعاد، فجاءا معًا في طلق، كفرسي رهان، وشريكي عنان، وافتن فيه الناظرون، وهو يحضر، فاصبع يوميء اليه بها وعين تنظر هذا وكم شابت لقعقعة لجامه النواصي، وزينت لمقدمه البلاد والصياصي، وسرى وجفن البرق خوفًا وطمعًا يغامر ويختلج، فذلك تارةً ربما ترد بما النفوس به تبتهج، وتارةً بما الصدور به تنحرج، وتشاهد بما ينزل من السماء وما في الأرض يلج، وسرى وعيون القطر دامعة، وسيوف البرق لامعة، وسيول العيون للطرف قاطعة، ونبالُ الوبْلِ في أكباد الأرض صادِعة، ووافي المنازل والخيول بها طالعة، وبعد أن أصبحت طائرة أمست تحته واقعة، وكم حال دون مرامه من أوجال أوحال، وعلق لثق، ووهق زلق، يمنعه في سوقه من استرسال، بأوثق شبحة وشكال، وعام في أملاق الى الذقن لا إلى الوسط، وتقطر فوافي ويده مغلولة الى عنقه، وكانت مبسوطة كل البسط، أو بات بعد أن كان راكبًا نازلا، وبعد أن كان محمولا لسرجه وجرابه على كتفه حاملا، وسرى وطرفه بالسماء موكل، ونزل بمنزل ليس له بمنزل وليس به ما يُشرب وليس به ما يؤكل: [من الرجز]
بمهمهه فيه السراب يُلمَّح
وليله بجوِّه مُطَّرَحُ
يدأب فيه القوم حتى يطلحوا
ثم يظلون كما لم يبرحوا
стр. 4034
كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
[من الكامل]
يَمْشِي ذَمِيلًا لِلظَّلامِ وتارةً … رِدْفًا على كَفَلِ الصباح الأشهب
ويعدو كالجبال تمشي إلى ورا، يغدو فلا يسأل عن السليك ولا عن الشنفرى، أو جاءت به عنس من الشام تلقه بعد ان كان يطوي الأرض بسوقه، ويخترق، وقد فلا الفلا وقيل له: هكذا هكذا وإلا فلا. [من البسيط]
يومًا بحزوى ويومًا بالعقيق ويو … مًا بالعذيب ويومًا قصر تيماء
وتارةً ينتحي نجدًا وآوِنةً … شِعْبَ الغُوير وأخرى بالخليصاء
فكم قطع أرضًا وركب ظهرًا، ووجد رفقًا لم يكن كالمنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وقلّما جهز إلا في مصلحة من مصالح المسلمين العامة الشاملة للأمة المحمدية من الخاصة والعامة، ما آب من سَفَرٍ إلا الى سفر، وما سفر في مهم الى بلد فقيل انه سفر ولكنه ظفر: [الكامل]
كأنَّ به ضعفًا على كل جانب … من الأرض أو شوقًا الى كل جانبِ
وَرَدَ مبشرًا، وللمسار في الوجود مسيرًا، فأزال العنا، وأنال المنى، وأفاد الغنى، وانثالت عليه الجوائز والتشاريف من ههنا وههنا: [من البسيط]
ما ذرّت الشمس إلا جاء يقدمها وفي المغارب منه قبلها أَثَرُ وكاد لشدة إحضارهِ يسبق أدنى جوادِهِ في مضماره، فتراه لسرعة سيره لا يرتد طرفه عن أَمَدٍ حتى يتعدّاه الى غيره، فهو أبدًا يسبق طرفه الى مايرمق، وما يستوي طرفه على أمد إلا يتجاوزه ويسبق، فيكاد يأخذ مغربًا من مشرق، فيبلغ غاية الأقطار، ويخترق من الآفاق حجب الأستار، حتى يقال: انه ما سار ولكنه طار، وفي الأرض طار: [من السريع]
قال له البرق وقالت له الر … يح جميعًا وهُما ما هُما
أأنت تجري معنا قال: إن … نشطتُ أضحكتكما منكما
انا ارتداد الطرف قدفتُهُ … الى المدى سبقًا فمن أنتما
ولم يزل البريد مرتبا فيما تقدم وسلف من الأيام، ومعاوية أول من أحدثه في الاسلام وأحكم أمره الذي ملك البلاد شرقًا وغربًا، ونظر الى السحابة فقال: امطري أنى شئت فخراجك إليّ يجبى، وعلم انه من اعظم مهمات (الملوك) العظام، فقال:
стр. 4035
ربما فسد بحبسه ساعة تدبير عام [من الطويل]
فدانت له الدنيا فاصبح جالسًا … وأيّامُهُ فيما يريد قيام
ولاسيما في هذا العصر، وعدوّ الدين قد أمر أمره، واستشرى شره، وامتدت أطماعه في البلاد، وسرى فيها منه الفساد، مسرى السم في الأجساد وهو أولى الامور التي لا يستأذن عليه، وقد وافى مسرعًا، والذي يقال له: لعا إذا قيل لسواه لا لعا. [من البسيط]
وجاء منه بقرطاس يخب به … فأوحش القلب من قرطاسِهِ فَزَعا
محمود الطرائق، مقبول الخلائق عند الخلائق خفيف الحركات، مسارع الى الحركات قصيف يَرْجَح به طلّه خفيف على ظهر المطيّة حمله، وإذا كان الناس أرواحًا وأجسامًا، فهو روح كله، عارف بالآداب والسلوك للمثول بين يدي الأمراء والسلاطين والملوك عذب العبارة، خفي الاشارة منجح السفارة، كتوم الأسرار موفق الايراد والاصدار، صادق اللهجة، ثابت العدالة، ملي باداء السلام وإبلاغ الرسالة، ليست معرفته على آداب السفر مقصورة جامع بين ادب النفس وأدب الدرس، حسن الاسم، وضيء الرسم، سوي الوسم، سريع الى الداعي، مبادر الى امتثال الأوامر والدواعي، ما يفوه بالجواب إلا ورجله في الركاب، فهم، متى رسم لهم بالسفر يسارعون، وإلى الاجابة يهرعون، وعلى الخدمة أنفسهم يعرضون، ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (١)، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ (٢) [من البسيط]
لا يستقر بهم ربع ولا سكن … كأنهم فوق متن الريح نزال
ما ندب منهم ندب لهم إلا وبادر مطيعًا، ما غاب إلا ثاب سريعًا، فما ماثله في السير ذكوان، ولا ضاهاه حذيفة بن بدر وقد ساق هجان النعمان: [من الكامل]
ألف النوى حتى كأن رحيله … للبينِ رحلته الى الأوطان
والله يطوي البعيد لمن يشاء من خلقه، ويسهل العسير وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، إلا ان حضور النيات التي بها انعقاد الامور الدينيات لا يحصل الا بالثبات والأناة، والطمأنينة في الركوع والسجود كمال الفرض، ﴿فَأَما الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) وكما ورد في التنزيل النهي عن التباطؤ ورد النهي عن التسرّع وسببه، فقال عزَّ مِنْ قائل: ﴿لا
стр. 4036
تحرك به لسانك لتعجل به (١٦)﴾ (١)، ونهى عن العجلة تارة في الخير، وتارة في الشر قولا جزما، فقال : ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)(٢) وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١١٤)(٣) ولا ريب ان الثبات من الله تعالى والعجلة من الشيطان الرجيم، وان الله عزوجل امتن بالتثبيت على النبي الكريم فقال : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٤) ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ (٥) ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ (٦) وإن ورد عن سليمان ﵇ طلب الاسراع في الكتاب المبين فكذلك ورد عنه التثبيت في قوله تعالى: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٧)
وبماذا يصف الواصف أو ينعت الناعت فرق ما بين العجلة والتأني، ويكون المرء من أمره على بصيرة ويشاهد في مرآة فكره صورة الخيرة، ويأمن من تردد الحيرة، وقد قيل: أصاب متأن أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، وحصل على أنكاد وأي أنكاد، ولولا التأني قبل ارسال السهم لم تحصل به النكاية، ولولا التثبت في إطلاقه ما وصل إلى الغرض ولا بلغ الغاية، فالعجلة والندامة فرسا رهان وشريكا عنان، وإن حمد المجلي يوم الرهان، وما زالت ثمرة العجلة الندامة، وربما كانت الهلكة في العجلة وفي التؤدة السلامة، وفي الثبات والاناة ما لا يحصر من أمر العواقب في سائر الحالات، وأسرع السحب في الجهام، وما الاقدام في كل أمر من الشجاعة، ولا الثبات من الإحجام: [من البسيط]
والحرب ترهب لكن الأناة لها … عند التأيد اضعاف من الرهب
لا يأمن الدهر بأس الجمر لامسه … وقد يروح سليما لامس الذهب
والتسرع خرق، والأناة حلم ووقار، والتثبت دليل القدرة من الله مثبت القلوب والأبصار، وفرق بين الشجرة الثابتة والشجرة التي ما لها من قرار، وما كان الثبات في شيء إلا زانه ولا التسرع في أمر إلا شانه، ومع العجل الزلل، ومع الزلل الخجل ومع الخجل الوجل، ومع الوجل الخلل الجلل، وللثبات وثبات وأي وثبات، وقليلا ما حصل النصر والظفر إلا بالكمين والبيات، وقد حكم الصادر والوارد والمداني والشارد، وأقر المعترف والجاحد، واعترف الصديق والعدو
стр. 4037
والحاسد، وسار في الأقطار والآفاق، وبلغ مصر والشام والروم والعراق. [من الطويل]
وسار به من لا يسير مُشَمِّرًا … وغنّى به من لا يُغَنِّي مُغَرّدا (١)
ما حصل للإسلام والمسلمين من الانتفاع ولعدو الدنيا والدين من الوهن والضعف والاندفاع بثبات المقر العالي الجمالي، كافل الممالك الشريفة الشامية أعز الله انصاره ومقامه على المرج مع قوة الهرج وكثرة المرج، وانه قام بذلك للدين نصيرًا وللملك ظهيرا، وأخذ هو ومن أقام بخدمته من العساكر الشامية بقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢) [من الوافر]
سديد الرأي لا فوتُ التأنّي … يُلِمُّ به ولا زللُ العَجُول
يُعيبُ مضاءَهُ وقفاتُ حِلْمٍ … كعيب المشرفية بالفلول
وقد كان العدوّ المخذول يظن انه يركن الى الإحجام، ويتربص الدوائر والعرصات من سهام الأيام، فاخلف الله ظنّه، وعجّل هلاكه وضعفه ووهنه، وتحقق أنّه الطود الذي لا يلتقى والسور الذي أحاط بالشام فما ان يُتَسوّر ولا يرتقى، فأجفل إجفال الظليم، وطلب النجاة لنفسه ولم يلو على مال ولا حريم، وحفظ الله تعالى بثباته الاسلام، ورقه خواطر أهل الديار المصرية، وصان أهل الشام، وعادت العساكر المصرية الى بلادها، عود الصوارم الى أغمادها، والأجفان الى رقادها، والجنوب الى مهادها، وافتدى بالسلطان الشهيد قدس الله روحه كما مضى وسبق، وجاءت النصرة بحمد الله تعالى كما أراد لا كما اتفق، وأصبح وأمسى يثني عليه عدوّه فيقول حاسده صدق، وبدل الله المسلمين بالأمن بعد الأوجال، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٣)، وكان من خبر كذا وكذا.
قلْتُ: ولشهاب الدين محمود (٤) في معنى ذلك:
أما بعد حمد الله ميسر أسباب النجاح، وجاعل قوائم العاديات في مصالح الإسلام كقوادم ذات الجناح، فهذه تطوى لها الأرض كما تطوى لذي الصلاح،
стр. 4038
وتلك يتسع لها مجال الفضاء كما يتسع لمرسلات الرياح، وربما تساويا في سرعة القدوم، وامتازت الخيل في سرى الليل بمشابهة الفلك ومشاركة النجوم، إلا ان الخيل يعينها قوة راكبها وثباته، ويغريها بالسبق حدّة عزم راكضها وثباته، ويطوى لها شقة الأرض حسن صبره على مواصلة السرى، ويقرب لها النازح طول هجره لطيف الكرى، حتى ان بعض راكبي بريدها يكاد يعثر طوق ليله بذيل صاحبه، ويلتبس على ناظره ومنتظره، غدّوه في المهمات برواحه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كان الرعب يتقدمه مسيرة شهر الى العدا، والوحي يأتيه بخبر من راح لحربه أو اغتدى، فإنه البريد جناح الممالك وراية المهمات الاسلامية فيما قرب أو نأى من المسالك، وبه تنفذ المهمات في أوقاتها، وتتوافق الحركات فيما يتعين من ميقاتها، وتعرف أحوال الثغور على اتساع أطرافها واختلاف جهاتها؛ كان المبرز في ذلك من عرف منه السبق والف، وسلم له التقدم في السرعة من نظرائه فما ارتيب في ترجيحه ولا اختلف، فكأنّه شهاب يتوقد في سمائه أو برق تألق في أذيال الغمام لسرعة وميضه وانطوائه، ولما كان فلان ممن جلّى في هذه الحلبة، وبرز في ارتقاء هذه الرتبة، فبلغ إليها غايةً لا يشق غبارها المثار، ونشر منها راية لا يتعلق منها الرياح الخوافق بسوى مشاهدة الآثار، فسار على البريد في قوة الهواجر المثبطة وشدتها، وقصر الليالي المعينة على السوق وتقارب مدتها، من دمشق المحروسة الى الديار المصرية في يومين ونصف، فكان له بذلك مزية على أقرانه، ودرجة لا يرتقي إليها إلا من جاراه الى مثلها في ميدانه، وسأل من علم ذلك ان يكتب له خطه بما علمه وان يشهد له بما تحققه من هذه الحركة التي رفعت بين الأكفاء علمه.
عدنا الى ابن العطار، ومنه رسالته في البندق أولها:
أما بعد حمد الله على ما أسبغ من نعمائه، ووالى من آلائه، وأباح الإنسان من شرائه، وفسح له فيما يتدرب به يوم هيجائه، ويعده من قوّة لدفع الصائل عليه من أعدائه، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه، وعلى آله وصحبه وخلفائه وحلفائه، ما مد الكف الخصيب وتر البرق لقوس الغمام، وحلّق طائر الفجر نحو الغرب من وكر الظلام، فإن الصيد مما اتفقت الشرائع المختلفة على تحليله، ولهجت النفوس الأبية بتقديمه على سائر الملاذ الرياضية وتفضيله مع انه الراحة التي لا تنال الا بتجشم التعب، والمسرة التي لا تدرك الا بعد النصب واللغب، وألذه من القلوب موقعًا، وأمكنه من النفوس موضعًا، ما أدركه المرء بنفسه واكتسابه، لا بمشاركة بزاته وفهوده وكلابه، ولذلك أجهد نفوسهم فيه كثير من الملوك والخلفاء، ولم يرضوا
стр. 4039
بالصيد من وجه الأرض فعمدوا الى الصيد من كبد السماء، ولم يجدوا ذلك إلا في صرع الطائر الجليل، الذي لا يشترك فيه صغير مع كبير، ولا حقير مع جليل، ولو لم يكن فيه مع حصول المراد إلا السلامة من التقطر عن الجياد، الكارة أولاها بالاختيار، وأحقها عند الاختبار، وانفوا من كسائر كأشلاء الذئاب، وفضلات ما أكلته الفهود وَوَلِعَتْ به الصقور وَوَلَغَتْ فيه الكلاب، فعمد كل منهم الى الانفراد في رمائه، وصرع كل طائر يتخبط في ذمائه، مخلّق بدمائه، مراصد بارتقائه لعيون الأوتار مع التفافه وتحليقه جذر في حالتي اجتماعه وتفريقه، وتغريبه وتشريقه، وإذا فكر اللبيب فيما أودعه الباري ﷻ من القوى فيها، ظهر له أسرار ما أخفاه من بدائع صنعه بين قوادمها وخوافيها، فمنها التّم (١) الذي هو اتمها صورة وأعظمها سورة، قد علا على الغيوم لرمي بنادق النجوم، وخاص بحر الظلام وعب فيه وأخذ منه قطعةً بساقيه، وقطعةً بفيهِ، حتى وَرَدَ على جبال من برد، فاكتسب منها رياشه، واكتسب من بياضها أرياشه.
ثم الكي الذي هو في طيرانه واعتناقه في مضماره واستنانه كالفراس في ميدانه، كأنه النجم في حالة الرجم، لو عارضه السماك لاقتتعلعه، أو الحوت لابتلعه.
ثم الأوز الذي يمشي متبخترًا، وينقر متحذِّرًا، كأنما يدوس على مثل حدّ السيف، ويمتاز على أبناء جنسه برحلتي الشتاء والصيف، يبيتُ على فرد رجل واحدة، ويرمق موهمًا ان عينه راقدة، وليست براقدة.
ثم اللغلغ (٢) الذي من بلاد الخزر، ولا يتقي من البندق سهام القدر، ولا يخشى ان يصيبه عين من الوتر، لا يحارب إلا بسحر الجفون من خزر العيون، ولا يستجنّ الا من تدبيج الصدر بزرد موضون.
ثم الأنيسة تهادى تهادي الطاووس، وتختال اختيال العروس، حتى تلتقط حبات القلوب، وتصيد سوافر النفوس كم قطعوا في طلبها من أنهار نهار، وسمحوا باتفاق اكياس النجوم خزائن الليل وما فيها من درهم ودينار، فما فازوا بوصالها، ولا ظفروا إلا من على وجه الماء بطيف خيالها.
ثم الحبرج (٣)، الذي تهادى في مشيته غير مروع، وكأنما على كتفيه بقايا من صدأ الدروع، لم يتدرع بمقاصة الأنهار، ولا أوى إلى ظلّ الاشجار، بل بَرَزَ كأنه
стр. 4040
مناجز يشير ألا هل من مبارز؟
ثم النسر الذي علا عليها شأنًا، وغدا لها سلطانًا، وسار فيها بالعفاف عن دمائها أجمل السير، وتحصّن في قنّة الجبل بقبة السماء فأصبح صاحب القبة والطير، حتى لقد ضج الأبد من عمر لبد، لما طالت صحبته له على رغمِهِ، واستعان به النمرود في الصعود الى السماء على زعمه، فما ظنك بفتية تقصد صرع من هذه قواه، ومن جملة أنجم السماء أخواه، لو صارعه عقاب الجوّ لصرعه، أو عارضه أحد النسرين لما قدر ان يطير معه.
ثم العقاب التي اشتهر منها الشهامة والضراوة، حتى اشتهر ما بينها وبين الحية من العداوة، فإنها توسّد فرخها لحوم الأرانب، وما عنقاء مغرب عندها إلا كبعض الجنادب، وطالما حلق وراء كل جنس عصائب منها تهتدي بعصائب (١)، من كل لقوة ذي دكنة وقوة، تخال الغواني ضَمّختها بالغوالي، أو درعتها الغوادي مدرعة الليالي. [من الطويل]
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا … لدى وكرها العناب والحَشَفُ البالي (٢)
وأما التي تحمل بأسباقها، ولا تجهل بأعناقها فنقول:
ثم الكركي الذي فاق العقاب في قوّة طيرانه، والنسر وأم مصر من الدربندات، ولم يبعد على عاشق مصر، نجعة من أقصى البلاد وآفاقها خوارج في طلب أقواتها وأرزاقها.
ثم الغرانيق، التي لا تبرز إلا محمرة الحدق لقوّة الغيظ وشدّة الحنق، حذرةً من قوس الرامي وبندقه، مدرع كل طائر منها محبوك الزرد من مفرزه الى مفرقه. ثم الضوع (٣) الذي زاد على الطيور طولًا وعرضًا، وأعد للدفاع من مغرزه ما هو انكي من السيف والسنان وامضى، وطالما رام الرامي إلحاقه بإرسال البنادق وراءه فأتعب جياد القسي وانضى، كأنه قطعة من الغيم تصرفها الرياح، او بقية الغلس من الليل على وجه الصباح، وكأنما وَرَدَ مرّةً نهر المجرة، ورعى نرجس نجومه كرة، وخاف ان يكون لها كرة.
ثم المرزم (٤) الذي يبارز بجوشن مورد، وجؤجؤ مزرد، كأنه صرح ممرد، كأنما خرج من الهيجاء في طلب النجاء، وبه رشاش من الدماء، فتبصر فإذا الطير مسخّرات في جو السماء.
стр. 4041
ثم السبيطر: الذي يبارز مبارزة الشجاع، ويلتقم الأفعى والشجاع، قد تبدأ الرماة بصدره وبنحره، وليس جوشنه من جناحيه إلا قدامه ووراء ظهره.
ثم العناد: الذي اشتد بأسا، واختار شعار الخلفاء لباسا، وما سمح باظهار ذوائبه واشرافها إلا ليعلم أنها من عظماء الطير وأشرفها، قد تحلّى من الحدق المراض، بالضدين من السواد والبياض، وما منها إلا ما يزاحم النجوم بالمناكب، كأنه يحاول ثأرًا عند الكواكب، لا يبرز إليها رام إلا راجلًا، وهو مشمّر للذيل، غارق الى وسطه في وحل وسيل، يصرع فارسًا من السماء على أشهب الصبح وأشقر البرق وأدهم الليل.
ومنه قوله:
واعلى في الخافقين خوافق أعلامه، وبسط على البسيطة قوادم عدله وخوافي إنعامه، حتى لا تشرق شمس إلا على ما ملكت يمينه، ولا تلقاه ملك إلا خضع له بالسجود جبينه، المملوك يقبل الأرض، ويجمع بين الطهورين، صعيدها الطيب وسحابها الصيب، وينهي ورود المثال الشريف، فتناول منه كتاب أمانه باليمين، وأعطى بمبايعته اليمين، ولثمه وهو موضع رغبات اللاثمين، وورده فرأى العجب أنه البحر العذب ولا يقذف الا الدر الثمين.
ومنه قوله:
وكانت المملكة الحلبية من ممالكنا بمنزلة السور على البلد، والروح من الجسد، وقد علم تعلق الروح بالجسد، واتفق لها الانتقال إلينا، ولنا بها الى ربه الانتقال، وأصبحت من يميننا في اليمين، وكانت وهي في الشمال من الشمال، ولم نَرَ لها الا من غذي بلبانها، وعنى بشانها، عدّ فارس حلبتها يوم رهانها، فطالما طمحت إليه بنظرها، واحتمت به من غير الايام وغررها، فكفاها الأمور الجسام، وحمى حماها، وكيف لا تحمى وهي ذات جوشن بالحسام، ولم يزل طامح نظره حولها يدندن ووليجة أمله بها تلجلج، وعنها لا لا ترن (١) رأينا إنالته هذا المطلوب، وقضينا له منها حاجةً كانت في نفس يعقوب، وحكمناه في ذلك فيما طلب، ومثله من حَلَبَ الدهر أشطره، ونال الزبدة من حلب، وكان الجناب الحسامي هو الجناب المخصب لرائده، العالي عن مسامته مستاميه ويده، فخرج أمرنا العالي ان يفوض اليه نيابة السلطنة المعظمة بالمملكة الحلبية، وقلدناه أمورها، ومَنْ أحق من الحسام
стр. 4042
بالتقليد، وجردناه للانتصار به، ويظهر أثر الحسام عند التجريد، وليتفقد الجيوش ولا يفسح لهم في الركون الى الاعذار والميل، وليتل عليهم ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (١) ولا يستخدم إلا كل شهم شهد الوقيعة، وإذا قفل الجيش كان ساقة، وإذا توجّه كان طليعة، والبريد والحمام هما رسل المهام، وأعلام الإعلام، وأرسلهما في كل مهم معا، وليجمع بين تجهزهما وإن لم يجتمعا، وليرتب أمورهما على أجمل الأوضاع، ليتوافيا على انفراد واجتماع، فكثيرا ما سبق البريد السائر، وجاء قبل الطير الطائر، فبلغ المرام وعاق الحمام الحمام.
ومنه قوله:
أعز الله أنصار المقام، ولا زالت مكارمه كالبحر تقذف لمن جاز به بدره، والروض يسابِقُ مَنْ مرَّ به بنشْرِه، والمسك يبادر من دَنَا بعطره والغيث الذي لا يقتصر على سائله بفيض قطره، يقبل الأرض التي مَنْ حلّ بها نال الغنى، ومن خيم بدارها نال المنى، وما اجتاز بها إلا مَنْ وافاه إسعافه وإسعاده، وما سار أحَدٌ في الآفاق إلا ومِنْ أنعامها راحلته وزاده، وينهي ورود كتاب فلان، يصف احسان مولانا إليه وإنعامه، وما تعجّل في مقامه الأمين من دار الكرامة، واقامته به وبعسكره في حالتي توجهه وعوده، وشكر سحابه العميم وجود جوده، وشكر المملوك عند صدقات ملل لا يخلو لنازل من اكرامه، ولا راحل من انعامه ولا يزال في الاقامة والظعن، أما يؤويهم الى كنفه أو يرسل عليهم ظلّةً غمامه، وتلك سجية مولانا التي جبلت على الإحسان الى كل إنسان، واصطناع المعروف الى المعروف وغير المعروف، والله تعالى يوزع الدهر شكر مولانا الذي شمل بره الانام، وسطرته أنامل الحمد في صحائف الايام.
ومنه قوله:
ووصلنا معه طرابلس فنزل بساحتها، وجعلها للعساكر المنصورة موطن راحتها، وموطن إباحتها، وقد تكفل البحر لها بالامتناع، وضمن لها ما يزيد على حصانة القلاع، وأمدها من بلاد الفرنج كل يوم بمدد، وواصلها بالمراكب الكثيرة العدد، بما يزيد على أمواجه في العدد، فوصل رسل أهلها وتوسلوا بالذرائع، وبذل الأموال والقطائع، وعمارة المأذنة والجمع، فلم يقنع منهم بغير الاسلام او تسليم البلد بجملته، وإعادة القبلة من شرق بيعته الى قبلته، فاعتصموا بالأسوار، وركنوا للقتال.
стр. 4043
من وراء الجدار، وأطلقوا نحو كل سهم من المنجنيق يشير عليهم بنانه بالإيمان، ويميل تارة إليهم وتارةً إلينا ويميدُ كالنشوان، فنصبنا مجانيقنا قبالة مجانيقهم التي نصبوها من وراء أسوارها، ولم تزل ترميهم حتى عاد السور رميمًا والحجر الذي كان بأعلى البرج في اسفل الخندق هشيمًا، وكثيرًا ما كانت تتبر مجانيقهم، فتقضي عليهم ببوارهم، وتبشرهم من أول أمرهم بإدبارهم، وتصيبهم قارعة بما صنعوا، أو تحلّ قريبًا من دارهم، فرجعت عليها العساكر المنصورة، وفي عاجل الوقت ملكوا الباشورة، فعلموا انه لم يبق سوى الاسار أو القتل أو الفرار، فالتبست على كل منهم مذاهبه: [من الطويل].
فراحوا فريقًا في الإسار وبعضُهُم … قتيل، وبعض لاذ بالبحر هاربه
فهجمت العساكر المنصورة عليهم هجوم الليوث الضواري، وعاجلت اكثرهم عن الالتجاء الى المركب والاعتصام بالصواري، وتصرفت فيمن بقى منهم يد القهر، وتنوعت فيهم من القتل والنهب والسبي والأسر.
ومنه قوله (١) مما كتبه إلى أبي الفضل عبد الظاهر (٢): [من السريع]
سقى وحيا الله طيفًا أتى … فقمتُ إجلالا وقبلته
لشدة الشوق الذي بيننا … قد زارني حقًا وقد زرته
وافي من الجناب العالي المحيوي، آنس الله المملوك بقربه، وحفظ عليه منزلته من قلبه وهداه إلى الطريق الذي (٣) كان قد ظفر فيها بمطلب البلاغة من كتبه، ولا شَغَلَهُ بسواه، حتى لا يسمع غير كلامه، ولا يرى غير شخصه، ولا ينطق إلا بذكره لغلبة حبّه، ولا رآه في المنام، ولا زاره (٤) في خفية واكتتام، ولا شاهده بدعوى الأحلام، بلى (٥) فإن المنى أحلام المستيقظ، وهو به طول المدى حالم والناس نيام، ولا ينكر الاخلال بالمكاتبة على نائم، والقلم مرفوع عن النائم، غير ان المملوك الظاهري (٦) أماته الشوق فانتبه، بعدما رآه (٧) بعينه، وهو لا يتأوّل ولا سيما في أمر ما اشتبه، وما كانت زيارته له إلا منافسة له بظنّه ان المملوك علقت به سنة الكرى، ومناقشة لطلبه زوّر الخيال حقيقة لما سرى، لينفي الوسن عن نظره، ثم ينصرف على
стр. 4044
أثره، ولما سجدت له الاجفان ظنّ بها سنة فزارها منبهًا، وما كان إلا ساهيًا بمزاره عن خدمته فلا ينكر على جفنه السجود لما سها، ولكم غلة (١) للشوق (٢) أطفأ حرها بمزاره، وأعلق به أشراك الأجفان، خيفةً من نفاره، وعَقَلَهُ بحبائل جفنيه خشية إن تنزع يد اليقظة حنينه (٣) من بين جنبيه، وضمها على خياله، ضم المحب للعناق يمينه على شماله، ولكن ما فاز بالعناق إلا يد أو يدان، وعناق المملوك للطيف من فرط الوجد بأربعة أيدٍ من الاجفان، وإن لم تؤخذ هذه الدعوى منه بالتسليم، وقيل: ما زاره بل استزاره فكر له في كل وادٍ يهيم، فبلى وحقه، لقد قَصَدَ (٤) مزارًا: [من البسيط]
إن الكريم إذا لم يُستزر زارا
وتالله لقد وافاه ويسراه (٥) على حشاه، ويمناه متشبثة بأذيال دجاه، وفجأه فوجده على أبرح [ما يكون] (٦) من الوجد الذي عهده، إلا ضيف الطيف ما اهتدى إلا بنار أشواقه، وما سرى بل سار في ضياء من بارق دمعه، وما يوري قدحًا من سنابك براقه، وتسوّر أسوار الجفون، وخاض السيول من العيون (٧)، كيف لا وهو يتحقق ان لقاءه المراد، وإذا هو نام زاره طيف كرى في الرقاد. فأجابه (٨) ابن عبد الظاهر: [من السريع]
في النوم واليقظة لي راتب … عليك في الحالين قرّرته
تفضّل المولى إذا زاره … طيف (٩) خيالي منه إن زرته
ورد على المملوك - ادام الله نعمة الجناب العالي الكمالي ولا أسهر جفنه إلا في سبيل المكارم، ولا سهدها إلا في تأويل رؤيا مغارم الفضل التي يراها من جملة المغانم، وجعله يتغمر بحلمه هفوة الطيف، وكيف لا يحلم الحالم - كتاب شريف حبَّبَ إليه التشبيه بنصب حبائل الهذب الجفون، والاستغشاء بالنعاس، لعل خيالًا في المنام يكون وليغنم اجتماعه ولو في الكرى، وتصبح عينه مدينة وإن مضى عليها زمن وهي من القُرى، وينعم طرفه من التلاقي بأحسن الطُّرَف، ويقول: هذا من تلك السجايا أظرف الهدايا، ومن تلك المزايا ألطف التحف ويرفع محل الطيف
стр. 4045
فيرقّيه من الهدب في سلالم، بل (١) يمطيه طرف طرفه ويجعلها له شكائم، لا بل يرخيها لصونِهِ أستارا، ولا يصفها بأنها دخان إذ كان يجلّ موطن الطيف الكريم أن يؤجج نارا، ويعظمه عن انه إذا أرسل خياله رائدًا، أن تتبعه المناظر (٢) وأن يكلفه مشقةً بسلوك مدارج الدموع، إذ هي محاجر، ثم يخشى أنه يحصل نفور من التغالي في وصف الدموع بأنها سيول، فيهول من أمرها ما يهول، ويقول: هل الدمع إلا ماء يرش به بين يدي الطيف، وهل الهدب على تقدير انها دخان إلا ما لعله يرتفع لما يقري به الضيف؟ وعن إبراد الأجفان (٣) بهذا وإسخان العيون بهذه هل هما لايلاف الخيال إلا ما يقصده من رحلة الشتاء ورحلة الصيف؟ ثم يحتقر المملوك إنسان عينه عن انه يلزمه هذا الأمر تكليفا، ويتدبر قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤) ويقول له لا تطيق القيام بما لهذه الزورة للزوم من الوظيفة (٥)، لأن النوم سلطان وخليفة، وأني بذلك مع خليفة الحبيب ويد الخلافة لا تطاولها يد، والعيون في الصبا زورتها حقيقة، ويمكن أن لا توصف إلا بأنها ضعيفة، فيقول: كم مثلي انسان تطاول لاستنزارة الطيف حتى طرق؟ وكم خيال أتى على أعين الناس فجاء محمولًا على الحدق؟ وكم محب درأ عن النوم بشبهة تغميض الأجفان عن غير غمض (٦) حد القطع على السرق، ثم يأخذ في طريقة غير هذه الطريقة، ويرى الاكتفاء بالمجاز عن الحقيقة، وإذا أقامت (٧) العين الحجة في تصويب استزارة الخيال يقول: ما هذه من الحجج التي تسمّى وثيقة، ويرى ان تمثل الشخص الشريف في الخاطر قد أغناه عن ان يتقلد منه الكرى وكفاه انه ينشد: [من الكامل]
سُرَّ الخيالُ بِطَيْفِهِ لَمَّا سَرَى
ولم يحوجه حاشاه إلى أنه يزوّر له محضرًا ولا أنه ينشد: [من الكامل]
أتُرَى دَرَى ذَاكَ الرَّقِيبُ بِمَا جَرَى
اللهم إلا ان يورد مورد العين أنفع ما يُدخر، والعين الصافية ما برح عندها من الخيال الخبر، وإذا كان القلب متولي الحرب مع الأشواق فكيف يشامح الخيال على انه متولي النظر؟ فحينئذ يشتاق الى الوسن، ويمد له من الهدب الرسن، ويزوره ويستزير، ويقصد ويتلو (ويعفو عن كثير) (٨) ويذهب لأجل ذلك مذهب من يرى أنه
стр. 4046
يقدم الايام على الليالي، ويعظمها لأنه مظنة هجمة الخيال، ويجعل جفونه أرض تلك النجمة التي يُغلب عليها، وما برحت تغلب لها أرض الجبال، وأما النيل فكم احتقره المملوك بالنسبة الى كرم مولانا ونواله، وتكره مذاقه بالاضافة الى زلاله، ويحقق ان مقياس راحته هو الذي يَسْتَسْعِد به الأمم، وان الأصابع من الاصابع الكريمة، والعمود القلم، وان طالب ورد ذاك تعب، وطالب جود سيدنا مستريح، ويكفي واصف نواله له وهو غاية المديح.
واما ما لابن العطار من شعر فكتب أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر إليه (١): [من البسيط]
لا تُنكرن على الأقلام إن قَصُرَتْ لها … مساع إذا أبصرتها وخطى
فعارض الطرس في حد الطروس بدا … من أبيض الرسل شيب فيه قد وَخَطا
فقال ابن العطار يجيبه (٢): [من البسيط]
أقلام فضلك ما شابت ولا قَصُرَت … لها (٣) مساع إذا انصفتها وخطى
بل عارض الطرس لما شابَ غيّرَهُ … بِعُشْبَةِ قبل شيب فيه قد وَخَطا
ومنه قوله (٤) في رثاء الظاهر بيبرس (٥) البندقداري: [من الكامل]
بكت القِسيُّ لفقده حتى انثَنَتْ … ولها عليهِ مِنَ الرنين تحسرُ
ولحزنها بيض الصفاح قد انحنتْ … وتَبِيت في أغمادها تتسترُ
أَرْخَتْ ذوابِلُهُ ذوائبها أسى … وَلِرَنْكِهِ وجه عليها أَصْفَرُ
ولواؤه لبِسَ الحِداد فهلْ تَرَى … كانَ الشعار لفقده يستشعر
ملك بكته أرائك وترائب … وملائك وممالك لا تُحْصَرُ
ولكم بكتهُ حُصْنُهُ وحصُونُهُ … ونزيلُهُ ونزاله والعسكر
مَنْ للممالكِ بَعْدَهُ مِنْ كافل … كم حاطها بالرأي منه مسور
стр. 4047
قد حرّكَ الثقلين هول مُصَابِهِ … فالظاهرُ المودي أو الاسكندر
ومنهم:
[٢٣] محمد بن عبد الله، شرف الدين، أبو محمد بن فتح الدين أبي الفضل بن القيسراني القرشي المخزومي (١)
صدر إيمان وعلا، وبدر زمان أضاء الظلم وجلا، مجيل قداح من الأقلام، ومجيد اقتداح يشقق عن البرق جيوب الظلام، حلف زهد وورع، وجد طال به الأنام وفرع، وكان قريع علم لم يدعه إذ رأس، وفقه طالما ارتبط عليه ودرس، من بيت يتمسح بأركانه، ويُتسمح من امكانه، ولم يزل أهله أهلة كتاب واهل سنّة وكتاب، وخدموا الدول وختموا بالأمانة الأيام الأول، وكانوا كتاب إنشاء وحساب، وأصحاب إرث واكتساب، وأرباب فخار بنفوس وانتساب، ومنهم جماعة حلوا الممالك فوشوا خبراتها، ووسعوا بذائب النضار أصلها وبكراتها، وكانوا أهل مدائح علقت كالسحاب، وعقت البحر، وتعلقت بالسحاب، مع نسب في آل المغيرة (٢) لا تطمع في مسرح كواكبه مواكب الصباح المغيرة، وكان يتروى ويأتي بنثر يفوق كثيرا، ويضحى على ورقه سقيط الطلّ منثورا، مع قضاء باء بيمن نقيبتها، ويجيء بدارين في حقيقتها، مع مرؤةٍ ما غَبَنَهُ فيها شريك، ولا فَتَنَهُ عنها سطا سلطان ولا مليك، وكان يجلس بين يدي كافل الممالك لقراءة قصص المظالم، وهو يقرأ القرآن الكريم، فإذا مر بآية سجدة استقبل القبلة وسجد، وربما استدبر كافل الممالك لاجل اتباع القبلة فَوَجَدَ عليه لهذا، وقال لعمي في الاستفال به، فكان يدرأ عنه حده، ويوصيه فلا تفيد الوصايا عنده بل يقرأ، فإذا مَرَّت به آية سجود سَجَدَ، وما عليه ان لا يَجِدُ في نفسه عليه أو وَجَد، مع ما كان هذا الرجل في إنابة الأدنين من كبراء شَمَخَتْ بهم المناصب، وشَدَخَتْ هامة المناصب.
ومن نثره قوله:
стр. 4048
وبعد فإن أولى ما عظم في النفوس، وازدانت به المحافل والطروس، الشرع الشريف، وبه زَجْر أهل الاجتراء والاجتراح، وتحقن الدماء وتُستباح، ولهذا تعين ان لا يحل ذروته السنية ورتبته العلية إلا مَنْ انعقد الاجماع على انه للولاية متعين، وان موجب استخلاصه واختصاصه للمباشرة بين، ولما كان فلان هو العلم الذي ليس لفضله جاحد والفقيه الواحد، الذي هو أشدّ على الشيطان من الف عابد، والذي عادل دم الشهداء مداده، وماثل البحر الزاخر مدده في الفضائل واستمداده، وباشر قضاء القضاة، وقضاء العساكر المنصورة بالشام المحروس مدة متطاولة، وشكرت مباشرته المنصبين، وحكم بأهليته لما قامت البيئة من خبره وخُبْرِهِ بشاهدين، وبرأت من عيون الأعيان أحكام الاحكام، ولا أثرة بعد عين، وأبدع في تقريبه المسائل وتقريره وتحويره، وتحيل حتى قيل هو في العلو والعلوم شريك القاضي شريك (١)، وبأنباء الشريعة المطهرة هو الخبير الذي ينبيك، وبلغنا انه في هذه المدة حصل له في اثناء البحث ما أَزْعَجَهُ وأَخْرَجَهُ، وعن خُلُقِهِ الرضي أَخْرَجَهُ، وامتنع من الحكم أيامًا، ولم يجر له في الأمور الشرعية لسانا ولا أقلامًا، فاقتضى اعتناؤنا بالشريعة المطهرة اشخاصه إلى بين يدينا واستعلام سبب ذلك يقينًا، وان نصرح له بتجديد توليه تولية مناصبه وتأكيد رفعة يكف بها مُنَاصِبَهُ.
ومنه قوله:
وينهي ان المشرف العالي ورد إليه فتنسم أرواح قربه، وأوْجَدَ مسرات قلبه، واعدم مضرات كربه، وأبَهَجَهُ الكتاب بعبير رياه، وألْهَجَهُ الخطاب بتعبير رقياه، فرأى خطه وشيًا مرقوما، ولفظه رحيقًا مختوما، ووجَدَهُ مختومًا على دُرَر كلامية، وبشر منامية، وحديث نفس عصامية، نرجو من الله ان نشاهد ذلك ايقاظًا ويكون لأنبائه حفاظًا.
ومنه قوله يصف زيادة النيل:
وأقبل يعب عبابه، ويكاثر البحر المحيط انسكابه، ويطاوِلُهُ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ (٢)، وأمر زيادته يعظم عن الشرح ويكبر، ومشاهده لقدرة الله فيه يتلو: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٣) وقد تَلَقَّتْهُ البلاد تلقي المحبّ
стр. 4049
لحبيبه، والعليل المرتقب لطبيبه، وهو كلما حَلّ بُقْعَةً صد صدا، وأجدى جدا، وكلّما حباها بأصبع شكرت له يدًا، وكان قد وصل في اثناء ذلك المفرد من الاعمال القوصية مخبرًا بوفائه، واقتضى مذهبنا الشريف الحكم بخبر المفرد، والعمل ما عنه يروى وإليه يسند، ومع ذلك وصل التثبت الى أن نقل هذا الأمر من الخبر الى العيان، واستحق خليج مصر ان يُفَك عنه الحجر، ويجري مطلق العنان، ومن غرائب هذا البحر وإن كثرت فيه الغرائب، ومن الغرائب انه كلما تتكدر تتبسم له الثغور وتفتر، وانه نيل أزرق وبصبغة تروق البلاد وتخضر، وسطرناها والخواطر الشريفة واثقة بسقيا امنت من فوتها، والعيون ناظرة الى أثر رحمة الله كيف تحيى الأرض بعد موتها، والديار المصرية قد غَدَتْ للريّ في أكمل زيّ، وأبدت تموج الحلل وتبرج الحلي، وزهَتْ حُسْنًا بالزيادة في الحسنى وتلا على ساكنها لسان الرحمة. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١) فالمجلس بحمد الله لما أعاده على الوجود من إشراقه وأنسه، ويستديم النعمة بالشكر: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (٢)، والله تعالى يجعل هذه الرحمة الى جهاته حسنة التفريج، مناظره بها ناظرة الرياض في التدبيج، مظهرة فيها معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٣) ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٤).
ومنه قوله:
وينهي ورود المشرف العالي، فاطلع من جواهر الالفاظ ما لو شاهده البدر لما أسْفَر أو سمع به عبد الحميد لأحَبَّ ان لا يُذكر، فتنزه في رياض كتابته التي اينعت أغصانها، وأبهجت بفنونها أفنانها، فلولا حلّها وحرمة السحر لقلنا سحرا، ولولا انه شغل الأعناق بمننه لقلدناها إذ هي الدر نحرا.
ومنه قوله يذكر النيل:
وأمست التراع منه تراع، وأصبح الجدب مع ما كان فيه من القوة وقد أخَذَ في النزاع، وحققت به عروس مصر أن يزيد كقطرة في بحرها إذ يزيد (٥)، وأن باناس لا ترفع به خلجانها من راس وان ثورا لو حق به شرب لما كمل دورا، وان كل رابية منها تربى على الربوة والنيرب (٦)، وكلّ برق ما عدا سحبها الهاملة خُلَّب، وانها
стр. 4050
تخلب القلوب بالملق، وتسلب الألباب بالحدائق لا الحدق، وان البسطة في البسطة (١)، والنزهة في ربيعها إذا نسج بسطة، وأنها عما قليل تتجلّى في حللها النضرة، وتتبين انها لا عداها الدنيا، إذ هي الخضرة.
ومنهم:
[٢٤] محمود (٢) بن سليمان بن فهد الحلبي، الكاتب
شيخنا العلامة، حجة الكتاب، فرد الزمان، شهاب الدين، أبو الثناء، جبل أدب لا مطمع في ارتقائه، وبحر عِلْم لا مطمح إلا إلى ما يؤخذ من تلقائه، رقى السماء، وتلقى من ربه كلمات، علم بها الكتاب الاسماء، ناضَلَتْ الدول بأقلامه، وكلمت ملوك العدا بكلامه، فحظي ببرها وخطب لحفظ سرّها، وتقدم باستحقاقه، واستعبد الكلام الحرّ باسترقاقه، وأقام بالشام ثم بمصر، فطاب به الواديان كلاهما، وأغدق نوؤهما وكلاهما، وكان كاتبًا لا يعرف له نظير، ولا يعرف مثله في الزمن الأخير، تعين بدمشق فكان للكتاب والدًا، وتفرّد بمصر فبقى سهما في الكتابة واحدًا، وكان بابل سحر وعنبر شحر، وعانة مدام، وغاية اقدام، وغاية أسد ذي ظفر دام، لم يزل نجي ملك همام، ورسيل بحرٍ وغمام، يكتب طالما أينعت روضة زهر، وافق سماء نرجسه الثريا مجرّته النهر، وكان لا يرضى بدارات الأقمار لزهره كمامة، ولا بالهلال لظهر قلمه قلامة، بأدب دق على الأدباء، ورق فنسب الجفاء الى الصهباء، فأشفق الشفق أن يكون لكؤوس كلمِهِ مُدامة، ودخان الند ان يكون على عنبر سطوره غمامة، وكان في الديوانين يتصدى لمهمات الانشاء، فكم أطال لوجوه الأيام غُررًا، وقلّد أعناق الممالك دررا، من مقاليد لو شيدت العماد لما ماد، أوحبا بفضلها
стр. 4051
الفاضل لانطق الجماد، أو أثرت ابن الأثير لاستغنى مما يثير او بنى على أبكارها ابن بنان لما ضُمَّ له على قلم بنان، أو خلت شيئا لابن الخلال، لتاه بكرم الخلال أو خصت ابن ابي الخصال بخصلة لطال بها وصال، وكسر على النصال النصال، الى نظم وطيء بأخمصه الطائيين، وأفنى بخلود الدهر مدة الخالديين، بما أهدى إليه وترك الكندي مضلّلًا، وخلّى العزيز في قومه ابن ابي سلمى مذللًا، حتى لو وسم عبيد بولائه في القريض لما قال: حال الجريض (١)، فأما في توليد المعاني ففات ابني هاني (٢)، ونهض جده وسقط صريع الغواني، فمن نسيب نسي به القديم، وغزل ذكر به كل غزال ورثم كل ريم، ورثاء أسكت النائحتين الديلمي وذا النسب الصميم (٣)، وتشبيه ثلث الملكين ابن المعتز وتميم (٤)، الى بيان (٥) أذهب العسكري في الصناعتين، وفلك جرض الراغب والجاحظ في البراعتين، وكان في كل منهما إمامًا، وسع في كل منهما غمامًا، بسجع كم غازل على أيكه حمامًا، وأعطى الغواني على حلي ذماما، وشق على لبّة النهر أطواقا، وأرخى على أنامل الغصون أكماما، ثم ولي بدمشق صحابة ديوان الإنشاء، وأطلع في الصباح نجوم العشاء. وهو شيخي في الادب، وإن لم يكن لي أبا مثل أب لزمته من قدم دمشق حتى مات، أقرأ عليه، وأقرئ مما لديه ومن حواصله أنفقت وجمعت وفرقت وسدّدت الى الغرض، وفوقت، وأقول ولا أخشى، فمهما وصفته به من المحاسن صدقت؛ لأنّ الرجل أشهر من الشمس، وذكره أسير من قفا نبك، قد أنْجَدَ ذكره وأتهم، وأعرق وأشأم، وغنّى به الملاح والحادي وغني به سكان الجبل والوادي، هذا الى ما له من المشاركة في علم الحديث، وحفظ المتون والرجال، والاطلاع على آراء الناس ومذاهب الأمم في الملل والنحل، وفرق الخلاف ومواضع الاختلاف، وضبط التاريخ واستحضار الوقائع، وذكر نوب الدهر، وتصاريف الزمان، وأيام العرب والعجم، ومعرفة النسب ودول الخلفاء والملوك، وأحوال الوزراء والكتاب والشعراء ومشاهير الأمة والأعيان من أهل كل علم، والمقدمين في كل فن، والمبرزين في كل صنعة، واسماء الكتب المصنفة والمجاميع المؤلّفة، وإجادة النظر في معرفة الخطوط، والإلمام بكتابة المكاتيب الحكمية والشروط الى معرفة الامثال الجاهلي منها
стр. 4052
والمولد، والملوكي والسوقي، وأمثال الخواص والعوام، والعربي منها والعجمي، والأصل في ضرب كل مثل مع اتقان قوانين الديوان مما لم يجمعه سواه، ولو تفرّد بواحد منه لكفاه، و به انتفع كتاب زمانه، وتخرجوا عليه، وتدرّبوا بين يديه، أخذ الفقه عن ابن المنجا، والنحو عن ابن مالك، والأدب عن ابن الظهير، وتنقل في الوظائف وطلبه عمّى الى الديار المصرية بعد محيي الدين بن عبد الظاهر على معلومه، وكتب بين يدي الوزير ابن السعلوس، وقلّ ان كتب مدة مقامه بالحضرة مهم جليل إلا من إنشائه، وعُيّن لقضاء الحنابلة بمصر، فامتنع حتى بعث الى دمشق صاحبًا لديوان الانشاء، وأقام بها حتى مات، ومن تصنيفه كتاب «حسن التوسل الى صناعة الترسل» (١) و «منازل الاحباب» (٢) و «أهنى المنائح في أسنى الممادح» (٣)، من نظمه في المديح الشريف النبوي زاده الله شرفًا، ولم يكن مثله في إعطاء كل مقام حقه موفى من غير زيادة ولا نقص وذكر ملاحم الحروب على افراط التهويل في دقة الغزل للطف تخيله ورقة تخيله واستعاراته وغرائب تشبيهاته.
ومن نثره قوله في توقيع لابن جماعة بتدريس المدرسة المجاورة للشافعي:
وهو يعلم أن ذكر هذه البقعة سار في الآفاق جارٍ على السنة الرفاق، عال على قدر شامية الشام ونظامية العراق، وانها جمعت من العلماء أعلامًا، ومن الامة أئمة لولا شرف البقعة لتفرقوا في الأرض هداة وحكامًا، فلا يقف في العلم عند غاية، ويجد في طلب النهاية، وإن لم يكن للعلم نهاية، وليمثل نفسه ماثلًا بين يدي من نسبت إليه، ويقيم روحه مقام من جلس للقراءة عليه، وليبث ما استودعه من اسرار مذهبه ليسبر عنه من معدنه، وينقل الفضل الى الأوطان من مظنته وموطنه، وليلق بها عصا السرى، فانها منزلة لا ينوي مَنْ بَلَغَها سيرًا، وليحمد الله على ما وهبه من بضاعته، فإنه من يرد الله يرد به خيرًا.
ومنه قوله في تقليد وزير:
وليبدأ بالعدل، فإن الله قدمه على الإحسان، وحلّى به أيامنا، ويجانب الظلم وأهله، فإن الله أرهف بمحوه من الوجود سيوفنا وأقلامنا، ويقرنه بالاحسان فإن الله رفع بهذا منار ملكنا، وأعلى بذا أعلامنا، ويمد خزائن الاموال بكنون تدبيره، ويعد
стр. 4053
لمهمات الدولة القاهرة ذخائر تصرفه الجميل، وحسن تأثيره، وليزن ذلك بالرفق المثبت فإنه مع الخبرة أجدى من العنف وأجدر، وإذا رام المنبت بلوغ الغاية، فإن المتثبت أقوى منه على ذلك وأقدر، فإن النماء مع العدل كفرسي رهان، وليس الخبير من حصل الأموال بالظلم، بل من حصلها والحق عزيز والباطل مهان، وليتحر الحق المحض فيما أَمَرَ بأخذِهِ رفقًا، ويناقش على حقوق بيت المال فإنهما سواء من أخذ لغيره باطلًا أو ترك له حقًا، وليجتهد في عمارة البلاد، فانها على الحقيقة معادن الأرزاق وكنوز الأموال التي لا ينفدها الانفاق.
ومنه قوله:
وقلّدته مهابتنا سيفًا يلمع مخايل النصر من غمده، وتشرق جواهر الفتح في فرنده، وإذا سابق الأجل الى قبض النفوس، عرف الاجل قدره فوقف عند حده، ومتى جرده على ملك من ملوك العِدا وهنَتْ عزائمه، وعجز جناح جيشه ان تنهض به قوادِمُهُ، وعلم ان سيفنا على عاتق الملك الأغر نجاده، وفي يد جبار السماوات قائمه.
ومن قوله:
وسرنا بالجيش الذي لا يدرك الطرف حدّه ولا الوهم عدّه، وكأن ذوائب السحاب عذب بنوده، وكأن شوامخ الآكام مناكب أبطاله مواكب جنوده، وما قصد عدوا إلا ونازلهم قبل خيلهم خياله، وقضى عليهم وعده ووعيده، قبل ان ترهف اسنته أو ترعف نصاله، وإذا لمع حديده وخفقت عذبه وبنوده، قيل هذا غمامُ تَلَهَّبَتْ بوارِقُهُ، ودمدمَتْ صواعقه، أو بَحْرٌ تلاطمت أمواجه، أو سيل غصت به فجاجه، وعكس اشعة الشمس اضطرابه وارتجاجه، وما علا جبلا إلا وألحق صعوده إليه جَرْيَهُ بالصعيد، وما منع الريح مواجهته إلا لتسمع صهيل خيله بأقصى الروم من أقصى الصعيد.
ومنه قوله:
وما رهَجَ العدو المخذول بالحركة، ورمى الصيت، فإن عدة العاجز الصياح، وقوة الجبان في القول، والقول يذهب في الرياح، وقد علموا أنهم ما قدموا إلينا إلا وكان أحد سلاحهم الهرب، ولا طمعوا في النجاح وكان لهم في غير الحياة أرب، يبالغون في الاحتشاد، والجازر لا يهوله كثرة الغنم، ويستكثرون من السواد ووجود مَنْ لا ينفع أشبه شيء بالعدم، فقوّتهم ضعيفة، ووطأتهم خفيفة، وثباتهم أقصر من حل العقال، وصبرهم أسرع من الظل في الانتقال، وخيولهم لا تطيع أمر أعنتها إلا في الفرار، ورماحهم لا تحمل كل أسنتها إلا للخور والانكسار، وسهامهم لا عهد لها بالمقاتل، وصفاحهم كلّ شيء من القصب غيرها يمكن وصفه بأنه قاتل، فإن
стр. 4054
دلأهم الشيطان بغروره فسيبرأ منهم سريعًا، وان اطمعهم في اللقاء فستردهم كلام سيوفنا كأقسام الكلام الثلاثة هزيمًا أو أسيرًا أو صريعا.
ومنه قوله برسالة طردية (١):
لا زال يُمْنُهُ يستنزل العصم من معاقلها، ويُسمع السهام الصُّمَّ ما تُحَدِّثُ به حركات الطير عن مقاتِلِها، ويُلْجئ صوادي (٢) الوحش الى سيوف أوليائه لترقرق (٣) ماء الفرندِ فيها بمناهلها، وينهي (٤) انه سار الى ما واجه وجه إقباله (٥) متيمنا بسعده الذي ما بَرِحَ يعتلقُ بحباله ومعه من الجوارح كلُّ بازي شديد الأسر، صحيح على ما اتصف به من الكَسْرِ، ينظر من بهار، ويخطر في ليل رقم به أديم نهار، ذي رأس مُدَبِّج ورأس مُتَوَّج، ومِخْلَبٍ خطوف ومِنْسَرٍ كصدغ (٦) معطوف، أسرع من هوج الرياح، وأقتل (٧) من عوج الصفاح، ينحط على الطير من عل، ويسبق الى مقاتل الوحش كل رام من بني ثعل، ومن الضواري كلُّ حامٍ أسبق من السهم وأخفى في (٨) الوثبة من الوهم، ذي صدر (٩) مجدول وساعِد مفتول، وأنياب عصل (١٠)، وظفر أقطع من النصل، ومن الفهود كلّ أهرت الشدق ظاهر الحدق (١١)، بادي العبوس، مدير الملبوس، شثن البرائن بأنياب (١٢) كالمدى، ومخالب كالمحاجن، قد أخَذَ من الفلق والغسق (١٣) إهابا وتقمص من السماح والبخل (١٤) جلبابا، يُضرب المثل في سرعة وثوب الأجل به ويُشْبِهُهُ، وتكاد الشمس مذ لقبوها بالغزالة، لا تطلع على وجهه، يسبق الى الصيد مرامي طرفه، ويفوت لحظ مرسله إليه، فلا يستعمل (١٥) النظر إلا وهو في كفه، وتَتَقدَّمه الضواري الى الوحش، فإذا وَثَبَ له تعثرت من خلفه، ومعنا غِلْمَةٌ نَحْنُ بسهامهم منها أوثق، وهم بإصابة شواكل المراد من كلّ ما ذُكر أحذق (١٦)، إذا أخذ كل منهم حِنْيَتَهُ أرانا القمر في القوس، وإن نظم رميته قيل: هذا حبيب وإن لم يكن ابن أوس، فما لاح طائر إلا وله من السهام أجَل، ووراءه من
стр. 4055
رجل الجوارح زجل، إن اخطأ هذا اصاب هذاك، وربما كان لهما استهام في تحصيله واشتراك، وإن سنح وحش، فالسهام أدنى الى وريده من قلادة جيده، فإن فات فالكلب أَعْرَفُ باختلاسه منه بكناسه، وأسرع الى احتباسه من رجع أنفاسه، وإلا فالفهد أسرع الى لحاقه من أجَلِهِ، وأَلْزَمُ لعنقه لو كان يَعْقِل من عمله، وظللنا بين قدير مُعَجَّل وقديد مؤجل [من الطويل]
نَمُشُّ بأعرافِ الجياد كفوفنا (١)
ونقري من صواف الطير وأصناف الوحش ضيوفنا، وكنا بين صيدٍ تَحَصَّلَ وآخر يترقب، وغدونا [من الطويل]
كأن عيون الوحش حول خبائنا … وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وقد أرسلنا إليه من ذلك ما يتحقق به ان يمْنَهُ أَمَارَنا وأورى نارنا، ويستدل به على حسن ظفرنا في سفرنا وأنارة توفيقنا في طريقنا، والله تعالى لا يخلي منه مكان تأييد، ويبلغه من السعادة فوق ما يريد.
ومنه قوله:
وإن المخذولين أقبلوا كالرمال واصطفوا كالجبال، وتدفقوا كالبحار الزواخر، وتولوا كالأمواج التي لا تعرف لها الأول من الآخر، فصدّتهم جيوشنا المنصورة صدمة بددت شملهم، وعلمت الطير أكلهم، وحصرتهم في الفضاء، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها، فأسرفت في القضاء، وحصدت سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف وكانوا: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ (٢)، وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج منهم إلا من لا يُؤبَهُ لهم من فريقهم، وقسمتهم جيوشنا المؤيدة من الفلوات الى الفرات بين القتل والاسر، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم، واعقبتهم تلك الكسرة ان هلك طاغيتهم أسفًا وحسرة، وحزنا على من قتل من تلك المقاتلة وأسر من تلك الأسرة، وأماته الرعب من جيوشنا المنصورة فجأة واستولى عليه الوَجَل، فجاءه من أمر الله ما جاءه.
ومنه قوله مما كتب بمال مهلك سيس:
وتبادر إلى الطاعة قبل أن نبذلها فلا تقبل، ويتمسك بأذيال العفو قبل ان يرتفع
стр. 4056
دونه فلا تُسْبَل وتعجّل بحمل أموال القطيعة، وإلا كان أهله وأولاده في جملة من يحمل الينا، ويسلم ما عدا عليه من فتوحنا، وإلا فهو يعلم انها وجميع ما تأخر من بلاده بين أيدينا.
ومنه قوله: (١)
هذه المكاتبة الى فلان لا زال مأمونَ الغَرّة، مأمول الكرة، مجتنيًا حُلْوَ الظَّفَر من كمام تلك المَرَّة المُرَّة، راجيًا من عواقب الصبر ما يسفر له مساءً تلك المساءة عن صبح المسرّة (٢)، واثقًا من عوائد نصر الله بإعادته ومن معه في القوة والاستظهار كما بَدَأَهم أوّل مَرَّة، أصدرها وقد اتصل به نبأ ذلك المقام، الذي أوْضَحَتْ فيه السيوف عُذْرَها، وأبْدَتْ به الكماة صبرها، وأظهرت فيه الحماة من الوثبات والثباب ما يَجِبُ عليها، وَبَذَلَتْ فيه الأبطال من الجلاد جُهْدَها ولكن لم يكن الظَّفَرُ إليها، وكان عليهم الأقدام على غمرات الحرب الزبون والاصطلاء بجمرات المنون، ولم يكن عليهم إتمام ما قُدّر أنَّه لا يكون، فكابرت رقاب الأعداء في ذلك الموقف السيوف وكاثرت أعدادهم الحتوف، وتدفّقَتْ بحارهم على جداول مَنْ معَهُ، ولولا حكم القدر لا نتَصَفَتْ تلك الآحاد من تلك الألوف، فضاق بازدحام الصفوف على رحاله (٣) المجال، وزاد العدد على الجلد فلم يُفد الاقدام على الأوجال مع قدوم الآجال، وأملي للكافرين بما قدر لهم من الإنظار، وحصل لهم من الاستظهار، وعُوضوا بما لم يعرفوه من الإقدام على (٤) [ما] ألفوه من الفرار ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٥) وقد وَرَدَ أنّهم ينصرون كما ننصر، وإذا كانت الحروب سجالًا، فلا يُنْسَب إلى مَنْ كانت عليه إذا اجتَهَدَ ولم يُساعده القدر، انه قصر، مع انه قد أَشْهَرَ ما فعله في مجالِهِ من الذب عن رجاله، وما أبداه في قتاله من الضرب الذي ما تروى فيه خصمه إلا بدره بارتحاله، وأنَّ الرماح التي امتدت إليه أَخْرَسَ سيفه أَلْسِنَة أسنتها، والجياد التي أقدمت عليه جعل طعنه أكفالها مكان أعنتها [من الطويل]
فأثبت في مستنقع الموت رجله (٦)
стр. 4057
ووقف وما في الموت شك لواقف (١) ليحمي خيله ورجله حتى تحيز أصحابه الى فئة مأمِنِهم، وأقامَ نفسه دونَهم دريئةً لمن بَدَرَ من سرعان القوم، أو ظهر من مكمنهم، وهذا هو الموقف الذي قام له مقام النصر إذ فاته النصر (٢) والمقام الذي أصيب فيه من أصحابه آحاد يدركهم أدنى العدد، فقد فيه من أعدائه مع ظهورهم الوف لا يدركهم الحصر، وكذا فليكُن قلب الجيش، كالقلب يقوى بقوته الجسد، واذا حقق (٣) اللقاء فلا يفرّ عن كناسه إلا الظبي ولا يحمي عرينه إلا الأسد، وما بقي إلا ان تعفو الكلوم وتثوب الحلوم، وتندمل الجراح وتبرأ من فلول (٤) المضارب صدور الصفاح، وتنهض لاقتضاء دين الدِّين من غُرمائه المعتدين، وتبادر الى استنجاز وعد الله، فإن الله يمحص المؤمنين ويمحق الكافرين، والليث إذا جُرح كان أشدَّ لثباته وأمد لوثباته، والموتور لا يُضطلى بناره، والثائر لا يرهب الاقدام على المنون في طلب ثاره، والدهر ذو دول، والزمان مُتَلوّن، إن دَجَتْ عليكم منه بالقهر ليلة واحدة، فقد أَشْرَقَتْ لكم فيه بالنصر ليال أول، فالمولى لا يلتفت الى ما فات، ويقبل (٥) بفكره على تدبير ما هو آت، ويُعدُّ للحرب عدّته، ويُعجّل أمَدَ الاستظهار وَمُدَّتَه، ولا يؤخر فرصة الإمكان، ولا يعد ذكر ما مضى فإنه دَخَل في خبر كان، ولا يُظهر بما جرى عجزًا، فإن العاجز من ظن انه يصيب ولا يُصاب، ولا يتخذ غير ظهر (٦) حصانه حصنًا فلا حرز أمنع من صهوة الجواد، ولا سلم أسلم من الركاب، وليعلم ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، ويدرع جنّة الصبر ليكون من النصر على ثقة ومن الظفر على يقين فإنَّ ﴿اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨)، ومن كان الله معه كانت يده الطولى، وإذا لاقى عدو الله وعدوه فليصبر بحملته فإن الصبر عند الصدمة الأولى، والله تعالى يكلؤه بعينه ويمده بعونه، ويجعل الظفر على عدوّه موقوفًا على مطالبته له بدينه.
ومنه قوله في مثله على الطريق المعتاد في ذم المهزوم (٩):
стр. 4058
هذه المكاتبة الى فلانٍ أقالَهُ الله عثرة زَلّته، وأقامه من حفرة ذِلّته، وتجاوز له عن كبيرة (١) فراره من جمع عدوّه على قِلَّتِهِ. بلغنا أمر الواقعة التي لقي فيها العدو بجمع قليل غِناؤُهُ، ضعيف بناؤُهُ، كثيف في رأي العين جَمْعُهُ، خفيف في المعنى وقُعُهُ ونَفْعُهُ، أسرع في مفارقة المجال من الظل في الانتقال، وأشبه في مُماثَلَةِ الوجود بالعدم من طَيْفِ الخيال، يحفّون منه بقلب واجب، ويهتدون من تجريبه وتهذيبه برأي بينه وبين الصواب حاجب (٢)، ويأتمّونَ منه بمقدم يرى الواحد من عدوه كألف، ويتسرَّعُونَ منه وراء مقدم (٣) يمشي الى الزحف ولكن إلى خلف، جناح جيشه مهيض، وطرف سنانه غضيض، وساقة عسكره ضالعة (٤)، وطلائعه كالنجوم ولكن في حال كونها راجعة، تأسف السيوف بيمينه على ضارب، وتأسى الجنائب حوله إذْ تُعَدّ لمحارب فتغدو لهارب، وانه حين وقَعَتْ العين على العين، وأيقن عدوّه لما رآه من عَدَدِهِ وعُدَدِه بمعاجلة الحين، أعجل نُصُولَ العِدا عن وصولها، وترك غنيمة الظَّفَرِ لعداه بعد أن أشرف على حصولها، تُناديه ألْسِنةُ الأسنّة: الكرة الكرة، ولا يلتفت الى ندائها، وتَشْكُو له سيوفه الظمأ وقد رأت موارد الوريد فيعيدها الى الغمود بدائها، فَمَنَح عدوّه مقاتل رجالِهِ، وأباحهم كرائم مال جنده وماله، وخلا لهم خزائن سلاحه التي أعَدَّها لقتالهم، فأصْبَحَتْ معدة لقتاله، فنجا منجى الحارث بن هشام (٥)، وآب بسلامة أعذب منها لو عَقِلَ شُرب كأس الحِمام، واتّسم بين أوليائه وأعدائه بسمة الفرار، وكان يقال: النار ولا العار، فجمع له فراره من الزحف بين النار والعار وعاد بجمع موفور من الجراح، موفّر (٦) من الاثم والاجتراح (٧)، لا علم بما جرى عند أسيافهم، ولا شاهد بمشاهدتهم الوغى غير مواقع الظبى في أكتافهم، فبأي جنان يَطْمَعُ في مُعاوَدِةِ عدوه، وهذا قلبه، وهؤلاء حزبه؟ وذلك القتال قتاله (٨)، وتلك (٩) الحرب حربه، وبعد، فإن كانت (١٠) له حميّة تظهر (١١) آثارها، أو أريحية
стр. 4059
فتشب (١) نارها، أو أَنَفَةٌ فستحمله على غسل هذه الدنية وتبعثه على طلب غايتين، إما شهادة مريحة أو هنية (٢) والله تعالى يوقظ عزمه من سِنَتِهِ، ويعجل له الانتصاف من عدوّه قبل إكمال سَنَتِهِ.
ومنه قوله:
فكم مل ضوء الصبح مما يغيره، وظلام النقع مما يثيره، وحديد الهند مما يلاطمه، والأجل مما يسابقه الى قبض الأرواح ويُزَاحِمُه.
ومنه قوله:
وكفى السيوف فخرًا أنها للجنة ظلال، وإلى النصر مآل، وإذا كان من بيان الحديث سحر، فإن بيان حديثها عمّن كلمته هو السحر الحلال.
ومنه قوله في قريب من معناه:
حَسْبُ الْسِنَةِ الأسنةِ شرفًا، أن كشف خبايا القلوب يُذم إلا منها، وأن بث أسرار الضمائر تكره روايته إلا عنها، فمكرر حديثها في ذلك لا يفضي الى الحلال، وإن لم يكن حسن حديثها الذي يسحر الألباب مما يحل فليس في الحديث سحر حلال.
ومنه قوله في قريب من معناه إلا انه جعله في البلاغة:
البلاغة تُسْحِرُ الألباب، حتى تحيل العرض جوهرا، أو تحيل الهواء المدرك بالسمع لانسجامه وعذوبته في الذوق نهرا، لكنه سحر لم يجن قتل المسلم المتحرز (٣) فتأوّل في حله، وإذا كان من الحديث ما هو عقلة المستوفز، فهذا أنشوطة نشاطه البليغ، وحل عقال عقله.
ومنه قوله:
خطهُ شَرَك للعقول، وفتنة تُشغل المطمئن بملاحة المرأى المكتوب عن فصاحة المسموع المقول، ولو لم يكن البيان سحرًا، لما تجسّدت منه في طرسها هذه الدرر، ولو لم يكن بعض السحر حلالًا، لما انجلى ظلام النفس عما يهدي به من هذه الأوضاح والغرر.
стр. 4060
ومنه قوله مما كتب به الى أمير سرية (١):
ولا زال أخف في مقاصده من وطأة ضيف، وأخفى في مطالبه من زورة طيف وأسرع في تنقله من سحابة صيف، وأروع للعدا في تطلعه من سَلَّة سيف، حتى تعجب عدو الدين في الاطلاع على عوراته من اين دهي وكيف؟ ويعلم ان أول قسمة (٢) اللقاء حصل عليه في مقاصده الحين، أصدرناها إليه تحته على الركوب بطائفة أعجل من السيل، وأهْوَول من الليل، وأيمن من نواصي الخيل (٣)، وأقْدَم من النمر، وأَوْقَع على المقاصد من الغيث المنهمر، وأرْوَغَ في مخاتلة العدا من الذئب الحذر، على خيل تجري ما وَجَدَت فلاة، وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعة أو أناة، تتسنّم الجبال الصم كالوعل، وإذا جارتها البروق غَدَتْ وراءها تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوحل (٤)، وليكن كالنجم في سراه وبعْدِ ذُراه، إن جرى فَكَالهم، وإن خَطَرَ فكالوهم، وإن طلب فكالليل الذي هو مدرك (٥)، وإن طلب فكالجنّة التي لا يجد ريحها مُشرك، حتى يأتي على عدوّ الدين من كلِّ شَرَف، ويرى جمعه من كل طرف، ولا يسرف في الإقامة عليه، إلا إذا علم ان الخير في السَّرَف، وليحرز جمعهم، ويسبق الى التحرز منهم بصرهم وسمعهم، وينظرهم بعين مَنَعَها الحزم ان ترى العدد (٦) الكثير قليلًا، وصدها العزم ان ترى العدد الحقير جليلًا. بل ترى الأمر على قصّه، وتروي الخبر على نَبِّهِ، وإن وجد مغرورًا (٧) فليأخذ خبره، وإن على قدر الإتيان بعينه، وإلا فليذهب أثره، ولا يهج فيما لديه نار حرب إلا بعد الثقة بأطفائها، ولا يوقظ عليه عين عدو، مهما ظهر له ان المصلحة في إغفائها، وليكشف عن أمورهم ما يبدي عند الملتقى عورتهم، ويُحمد في حالة الزحف فورتهم، وليجعل قلبه في ذلك ربيئة طرفه، وطليعة طرفه وسرية كشفه، والله تعالى يمده بلطفه، ويحفظه بمعقبات من بين يديه ومن خَلْفِهِ.
стр. 4061
ومما كتب الى نواب بعض الثغور (١):
أصدرناها ومنادي النفير (٢) قد أعلن بيا خيل الله اركبي (٣)، ويا ملائكة الرحمن اصحبي، ويا وفود الظَّفَر والتأييد اقربي، والعزائم قد ركضت على سوابق الرعب (٤) الى العدا، والهِمَمُ قد نَهَضَتْ إلى عدوّ الاسلام، فلو كان في مطلع الشمس لاستقربَتْ ما بينها وبينه من المدى والسيوف قد أنِفَتْ من العمود فكادت تنفر من قربها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب فتشوَّقَتْ إلى الارتواء من قلبها، والكماة قد زَأَرَتْ كالليوث إذا دنَتْ فرائِسُها، والجياد وقد مرحت لما عودتها من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها، والجيوش، وقد كاثَرَتِ (٥) النجوم أعدادها، وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكته الكرام أمدادها، والنفوس قد أضْرَمَتِ الحمية للدين نار غَضَبِها، وعداها حرُّ الاشفاق على ثُغور المسلمين عن بَردِ الثغور وطيب شَنَبِها، والنصر قد أَشْرَقَتْ في الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله في إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المال أوائله، والألسن باستنزال نصر الله لهجة، والارجاء بأرواح القبول أَرَجَة، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمة مبتهجة، والحماة وما منهم إلا مَنْ استظهر بامكان قوته وقوة امكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدد عدوّه، بل عن مكانه، والنيات على طلب عدو الله حيث كان مجتمعه، والخوطر مُطمئنّة بكونها مع الله بصدقها، ومَنْ كان مع الله كان الله معه، وما بقي إلا طي المراحل، والنزول على أطراف الثغور نزول (٦) الغيث على البَلَدِ الماحل، والإحاطة بعدوّ الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرين من عذاب واصب (٧) وهم ناصب، وإحالة وجودهم الى العدم، وإحالة السيوف التي ان أنكرتها أعناقهم، فما (٨) بالعهد من قدم، واصطلامهم على أيدي العصابة المؤيدة بنصر الله في حربها، وابتلاؤهم من حملاتها بريح عاد (٩) التي
стр. 4062
تدمر كل شيء بأمر ربها، فليكن مترقبًا (١) لطلوع طلائعها عليه، متيقنًا من كرم الله تعالى استئصال عدوّه الذي إن فرّ أدركته من ورائه، وإن ثبتَ أَخَذَتْهُ من بين يديه، وليجتهد في حفظ ما قِبَلَهُ من الأطراف وضمها، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المخوفة ولمها، وإصلاح ما يحتاج الى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرفة وَرَمِّها، فإن الاحتياط على كل حال من أكد المصالح الاسلامية وأهمها، فكأنّه بالعدو، وقد زال طمعه وزاد ظَلَعُهُ، وذم (٢) عقبى مسيره، وتحقق سوء منقلبه وضميره (٣)، وتبرأ منه الشيطان الذي دلاه بغُرورِهِ، وأصبح لَحْمُهُ موزعًا بين ذئاب الفلاة وضباعها، وبين عقبان الجوّ ونسورِهِ، ثقةً من وعد الله الذي تمسكنا منه باليقين، وتحققنا (٤) أن الله ينصر من نصره، وأن العاقبة للمتقين.
ومنه قوله:
هذه المكاتبة إلى فلان أتبع الله ما ساءه من أمرنا مع العدو بما يسّه، وبلغه عنا من الانتصاف والانتصار ما يظهر من صدق الصفاح وألسنة الرماح سره، وأراه من عواقب صنعه الجميل ما يتحقق به آن كسوف الشمس لا تنال طلعتها، وأن سرار القمر لا يضره، توضح لعلمه انه ربما اتصل به خبر تلك الوقعة التي صَدَقْنا فيها اللقاء، وصدمنا العدو صدمة من لا يحبّ البقاء، وأريناه حربًا لو أعانها التأييد فلت جموعه، وأذقناه ضربًا لو أن حكم النصر فيه إلى النصل أوجده مصارعه وأعدمه رجوعه، وحين شرعت رياح النصر تهبّ وسحاب الدماء من مقاتلهم تصوّب وتصب، وكرعت الصفاح في موارد نحورهم، وكشفت الرماح خبايا صدورهم، ولم يبق إلا ان تستكمل سيوفنا الريّ مِنْ دمائهم، وتقف صفوفنا على ربوات أشلائهم، وتقبض بالكف من صفحت الصفاح عن دمه. وتكف بالقبض يد من البسته الجراح حلة عَنْدَمِهِ، أظهروا الجزع في عزائمهم، وحكموا الطمع في غنائمهم، فحصل لجندنا إعجاب أَعْجَلَ سيوفنا ان تتم هدم بنائهم، وطمع مَنَعَ فوارسنا ان تكفّ عن النهب الى أن تصير من ورائهم فاغتنم العدو تلك الغفلة التي ساقها المهلكان: العجب والطمع، وانتهز فرصة الكرة التي أعانه عليها المطمعان: إبداء الهلع وتخلية ما جمع، فانتشر من جمعنا بعض ذلك العقد المنتظم، وانتقض من حزبنا ركن ذلك
стр. 4063
الصف الذي أَخَذَ فيه الزحام بالكظم، وثبت الخادم في طائفة من ذوي القوة في يقينهم، وأرباب البصائر في دينهم، فكسرنا جفون السيوف، وحطمنا صدور الرماح في صدور الصفوف، وأرينا تلك الألوف كيف تعد الآحاد بالألوف، وحلنا بين العدو وبين أصحابنا بضرب يكف أطماعهم، ويردّ سراعهم، ويعمي ويصم عن الآثار والأخبار أبصارهم وأسماعهم، إلى ان نفسنا للمنهزم عن خناقه، وأيأسنا طالبه من لحاقه، ورددناه عنه خائبًا، بعد ان كانت يده متعلقة بأطواقه، وأحجم العدو مع ما يرى من قلتنا عن الإقدام علينا، ورأى مِنّا جدًّا كاد لولا كثرة جمعه يستسلم به إلينا، وعادوا وكنا في قلوبهم رعبًا يبيتهم وهم الغالبون، ويدركهم وهم الطالبون، ويسلبهم رداء الأمن وهم السالبون، وقد لم الخادم شعث رجاله، وضم فرقهم بذخائر ماله، وأمدهم بنفقات جلت أحوالهم، وأَطْلَقَتْ في طلب عدوّهم أقوالهم، وسلاح جدد استطاعتهم، وأعان شجاعتهم، وخيول تكاد تسابقهم الى طلب عدوهم، وتحضّهم على أخذ حظهم من اللقاء كأنها تساهم في أجر رواحهم وغدوهم، وقد نضوا رداء الاعجاب عن اكتافهم، واعتصموا بعون الله وتأييده لا بقوة جلدهم ولا بحدة أسيافهم، وسيعجلون العدو إن شاء الله عن إندمال جراحه، ويتعجلون إليه بجيوش تسوؤه طلائعها في مسائه، وتصبّحه كتائبها في صباحه، والله تعالى لا يكلنا الى جلدنا، ولا ينزع أعنة نصره من يدنا.
ومنه قوله (١) مما كتبه (٢) على لسان مولود الى أبيه، ولم يكتب به:
يقبل الأرض ابتداءً بالخدمة من حين ظهر الى الوجود، وتشوقًا الى امتطاء صهوات الجياد بين يدي سيده قبل المهود، وتمنيًا (٣) أن يكون أول شيء يقع عليه نظره من الدنيا وجه مولانا الذي تعلو بنظره الجدود، وتتيمّن برؤيته كواكب السعود، ويُنهى أنَّه يعجل الشوق على صِغَرِهِ، وكأن كمال المسرة به أن يقع نظر مولانا الشريف عليه قبل البشرى بِخَبَرِهِ، لتلقى عليه أشعة سعادة مولانا في ساعة ظُهورِهِ، ويكسى قبل أن تلقى عليه الملابس من إشراق مُحيّاهُ حُلَلَ نورِهِ، ويكون أوّل ما يَلِجُ مَسامِعَهُ صَوتُ مولانا يحمد ربه، على الزيادة في خدمه، وتكثير من يضرب بين يديه في الحرب بسيفه، ويقف في السلم أمامَهُ على قدمِهِ، فأنَّ مَنْ يكون نَجْل مولانا تنطق بالنجابة مخايله، وتدلُّ على الشجاعة سماته، قبل أن تدل عليها شمائله، والهلال سيصير في أُفُقه بدرًا منيرًا، والشبل
стр. 4064
سيعود كأبيه أسدًا هَصُورًا، والله تعالى يَهَبُ العبد عمرًا يبلغ به من طاعة مولانا ما يَجِبُ عليه، ويرزقه عملًا صالحًا يتقرب به الى ربه وإليه.
ومنه قوله (١): رسالة كتبها في البندق:
الرياضة - أطال الله بقاء الجناب الفلاني، وجعل حُبَّه كقلب عدوّه واجبا، وسَعْدَهُ كوصف عَبْدِهِ للمسار جالبًا، وللمضار حاجِبًا - تبعث النفس على مجانبة الدَّعَةِ والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون الى الوكون، وتحضُّها على أخذ حَظها من كُلِّ فَيٍّ حَسَنٍ، وتحثها على إضَافَةِ الأدوات الكاملة، الى فصاحة اللسن، وتأخذ بها طورًا في الجِدِّ وطورًا في اللَّعِبَ. وتُصرِّفُها في مَلاذ السُّمُو في المشاق التي يَستَروحُ اليها التعب، فتارة تحمل الأكابر والعظماء (٢) في طلب الصيد على مواصلة السرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار، ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر، وذلك من محاسن أوصافهم التي يُذَمُّ المعرض عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جد الحرب، فهذه صورة لَعِبٍ يُخْرَجُ اليه منها، وتارة تدعوهم الى البروز الى الملق، وتحدوهم في سلوك طريقهم (٣) مع من هو دونهم على مُلازمة الصدق، ومُجانبة الملق، فيعتسفون اليها الدجى إذا سَجَا، ويقتحمون (٤) جرف النهار إذا انهار، ويَتَنعمون بوعثاء السَّفَر في بلوغ الظفر، ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر، ويُؤثرون السَّهَرَ على النوم، والليلة على اليوم، والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام، ولما عُدْنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمْرِهِ وحديثَهِ، تُقْنا إلى ان نَشْفَع صيد السوانح برمي الصَّوادح، وأن تفعل في الطير الجوانح بإهِلَّةِ القسي ما تفعل الجوارح، تفضيلا لملازمة الإرتحال على الإقامة في الرحال، وأخذًا بقولهم: [من البسيط]
لا يُصلح النفس إذ كانتْ مُدَبرةً … إلا التنقل من حال الى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتُشيرُ من الأفق الغربي الى جانب رمسها، وتُغازل عُيونَ النَّور بمُقلَةَ أرمد، وتنظر الى صفحات الورد نظر المريض الى وجوه العود (٥)، فكأنها كتيب أضحى من الفراق على فَرَقٍ، أو عليل يقضي بين
стр. 4065
أصحابه (١) بقايا مدة الرّقّ، وقد أخذلّت عيون النور لوداعها، وهُمُ الروض بخُلع
حلّته المُموّهة بذهب شُعاعها: [من البسيط]
والطَّلُّ في أَعْيُنِ النَّوّارِ تَحْسَبُهُ … دمعًا تَحَيَّرَ لمْ يرقأُ ولمْ يكُفِ
كُلُولؤ ظلّ عِطْفُ الغُصْنِ مُتَّشِحًا … بعِقْدِهِ وتبدّى منهُ في شَنَفِ
يَضُمُّ منْ سُنْدُسِ الأوراقِ في صُرَرٍ … خُضْرٍ ويَجْنِي من الأزهارِ في صَدَفِ
والشمس في طِفْلِ الإمساء [تنظرُ مِنْ] (٢) طَرَفٍ غدا وهُو منْ خَوْفِ الفِراقِ خَفِي
كعاشقٍ سَارَ عن أحبابِهِ وهَفا … بِهِ الهوى فتراءاهمْ على شَرَفِ
إلى أن نضا المغربُ عن الأفقِ ذَهَبْ قلائدها، وعوّضه عنها النجوم بخُدَمِها وولائدها، فلبسنا بعد أداءِ الفَرْضِ لُبُثَ الأَهْلَة، ومَنَعْنا جفوننا أن تردّ النوم إلا تحلة، ونهضنا وبَرَدُ الليلِ مُوشَّعُ، وعِقْدُهُ مُرَصَّعُ، وأُكْلِيلُهُ مجوَّهَرُ، وأَدِيمُهُ مُعَنْبَرُ، وبدرُهُ في خِدْرِ سرارِهِ مُسْتَكِنُ، وفجرُهُ في حشا مطالعِهِ مُسْتَجِنُ، كان امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل فكأن ثرياه لامتِداده مُعَلَّقَة بأمراس كتانٍ على صُمِّ جَنْدَل [من الطويل] (٣):
ولاحتْ نجومُ الليلِ زَهرًا كأنّها … عُقودٌ على خُودٍ من الزّنجِ تُنْظَمُ
محلّقة في الجوّ تُحْسَبُ أنّها … طيورٌ على نَهرِ المَجَرّةِ حُوَّمُ
إذا لاح بازي الصُّبْحِ وَلَّتْ يُؤمُّها … الي الغرب خوفا (٤) منه نسر عناق
إلى حَدائقَ مُلتَفَّةٍ، وجداول مختفة، إذا جَمَشَ النسيم غصونها اعتنقت عناق الأحباب، وإذا فَرَكَ من المياه متونها انسا بت في الجداول انسياب الحباب، ورَقَصَتْ في المناهلِ رَقْصَ الحباب، وإن لمْ تُغَوْرْ نورها، حيتْهُ بأنفاسِ المعشوق، وإن أيقظ نواعسُ وَرْقِها غَنَّتْهُ بألحانِ المَشُوق، فنسيمها وان، وشَمِيمُها لِعُرْفِ الجِنانِ عُنوان، ووردها من سهر نرجسها غَيْرانُ، وظِلَّها في خُدودِ الوردِ مُنْبَعِثُ وفي طُرَرِ الريحان حيران وطائرها غَرِدُ، وماؤها مُطَّرِدُ، وغصنها تارةً يعطفُه النسيم إليه فينعطفُ، وتارةً يعتدلُ تحت ورْقائِهِ فتُحْسَبُ انها همزة على أَلِف، مع ما في تلك الرياض من توافق