ومما كتب الى نواب بعض الثغور (١):
أصدرناها ومنادي النفير (٢) قد أعلن بيا خيل الله اركبي (٣)، ويا ملائكة الرحمن اصحبي، ويا وفود الظَّفَر والتأييد اقربي، والعزائم قد ركضت على سوابق الرعب (٤) الى العدا، والهِمَمُ قد نَهَضَتْ إلى عدوّ الاسلام، فلو كان في مطلع الشمس لاستقربَتْ ما بينها وبينه من المدى والسيوف قد أنِفَتْ من العمود فكادت تنفر من قربها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب فتشوَّقَتْ إلى الارتواء من قلبها، والكماة قد زَأَرَتْ كالليوث إذا دنَتْ فرائِسُها، والجياد وقد مرحت لما عودتها من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها، والجيوش، وقد كاثَرَتِ (٥) النجوم أعدادها، وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكته الكرام أمدادها، والنفوس قد أضْرَمَتِ الحمية للدين نار غَضَبِها، وعداها حرُّ الاشفاق على ثُغور المسلمين عن بَردِ الثغور وطيب شَنَبِها، والنصر قد أَشْرَقَتْ في الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله في إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المال أوائله، والألسن باستنزال نصر الله لهجة، والارجاء بأرواح القبول أَرَجَة، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمة مبتهجة، والحماة وما منهم إلا مَنْ استظهر بامكان قوته وقوة امكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدد عدوّه، بل عن مكانه، والنيات على طلب عدو الله حيث كان مجتمعه، والخوطر مُطمئنّة بكونها مع الله بصدقها، ومَنْ كان مع الله كان الله معه، وما بقي إلا طي المراحل، والنزول على أطراف الثغور نزول (٦) الغيث على البَلَدِ الماحل، والإحاطة بعدوّ الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرين من عذاب واصب (٧) وهم ناصب، وإحالة وجودهم الى العدم، وإحالة السيوف التي ان أنكرتها أعناقهم، فما (٨) بالعهد من قدم، واصطلامهم على أيدي العصابة المؤيدة بنصر الله في حربها، وابتلاؤهم من حملاتها بريح عاد (٩) التي
стр. 4062
تدمر كل شيء بأمر ربها، فليكن مترقبًا (١) لطلوع طلائعها عليه، متيقنًا من كرم الله تعالى استئصال عدوّه الذي إن فرّ أدركته من ورائه، وإن ثبتَ أَخَذَتْهُ من بين يديه، وليجتهد في حفظ ما قِبَلَهُ من الأطراف وضمها، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المخوفة ولمها، وإصلاح ما يحتاج الى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرفة وَرَمِّها، فإن الاحتياط على كل حال من أكد المصالح الاسلامية وأهمها، فكأنّه بالعدو، وقد زال طمعه وزاد ظَلَعُهُ، وذم (٢) عقبى مسيره، وتحقق سوء منقلبه وضميره (٣)، وتبرأ منه الشيطان الذي دلاه بغُرورِهِ، وأصبح لَحْمُهُ موزعًا بين ذئاب الفلاة وضباعها، وبين عقبان الجوّ ونسورِهِ، ثقةً من وعد الله الذي تمسكنا منه باليقين، وتحققنا (٤) أن الله ينصر من نصره، وأن العاقبة للمتقين.
ومنه قوله:
هذه المكاتبة إلى فلان أتبع الله ما ساءه من أمرنا مع العدو بما يسّه، وبلغه عنا من الانتصاف والانتصار ما يظهر من صدق الصفاح وألسنة الرماح سره، وأراه من عواقب صنعه الجميل ما يتحقق به آن كسوف الشمس لا تنال طلعتها، وأن سرار القمر لا يضره، توضح لعلمه انه ربما اتصل به خبر تلك الوقعة التي صَدَقْنا فيها اللقاء، وصدمنا العدو صدمة من لا يحبّ البقاء، وأريناه حربًا لو أعانها التأييد فلت جموعه، وأذقناه ضربًا لو أن حكم النصر فيه إلى النصل أوجده مصارعه وأعدمه رجوعه، وحين شرعت رياح النصر تهبّ وسحاب الدماء من مقاتلهم تصوّب وتصب، وكرعت الصفاح في موارد نحورهم، وكشفت الرماح خبايا صدورهم، ولم يبق إلا ان تستكمل سيوفنا الريّ مِنْ دمائهم، وتقف صفوفنا على ربوات أشلائهم، وتقبض بالكف من صفحت الصفاح عن دمه. وتكف بالقبض يد من البسته الجراح حلة عَنْدَمِهِ، أظهروا الجزع في عزائمهم، وحكموا الطمع في غنائمهم، فحصل لجندنا إعجاب أَعْجَلَ سيوفنا ان تتم هدم بنائهم، وطمع مَنَعَ فوارسنا ان تكفّ عن النهب الى أن تصير من ورائهم فاغتنم العدو تلك الغفلة التي ساقها المهلكان: العجب والطمع، وانتهز فرصة الكرة التي أعانه عليها المطمعان: إبداء الهلع وتخلية ما جمع، فانتشر من جمعنا بعض ذلك العقد المنتظم، وانتقض من حزبنا ركن ذلك
стр. 4063
الصف الذي أَخَذَ فيه الزحام بالكظم، وثبت الخادم في طائفة من ذوي القوة في يقينهم، وأرباب البصائر في دينهم، فكسرنا جفون السيوف، وحطمنا صدور الرماح في صدور الصفوف، وأرينا تلك الألوف كيف تعد الآحاد بالألوف، وحلنا بين العدو وبين أصحابنا بضرب يكف أطماعهم، ويردّ سراعهم، ويعمي ويصم عن الآثار والأخبار أبصارهم وأسماعهم، إلى ان نفسنا للمنهزم عن خناقه، وأيأسنا طالبه من لحاقه، ورددناه عنه خائبًا، بعد ان كانت يده متعلقة بأطواقه، وأحجم العدو مع ما يرى من قلتنا عن الإقدام علينا، ورأى مِنّا جدًّا كاد لولا كثرة جمعه يستسلم به إلينا، وعادوا وكنا في قلوبهم رعبًا يبيتهم وهم الغالبون، ويدركهم وهم الطالبون، ويسلبهم رداء الأمن وهم السالبون، وقد لم الخادم شعث رجاله، وضم فرقهم بذخائر ماله، وأمدهم بنفقات جلت أحوالهم، وأَطْلَقَتْ في طلب عدوّهم أقوالهم، وسلاح جدد استطاعتهم، وأعان شجاعتهم، وخيول تكاد تسابقهم الى طلب عدوهم، وتحضّهم على أخذ حظهم من اللقاء كأنها تساهم في أجر رواحهم وغدوهم، وقد نضوا رداء الاعجاب عن اكتافهم، واعتصموا بعون الله وتأييده لا بقوة جلدهم ولا بحدة أسيافهم، وسيعجلون العدو إن شاء الله عن إندمال جراحه، ويتعجلون إليه بجيوش تسوؤه طلائعها في مسائه، وتصبّحه كتائبها في صباحه، والله تعالى لا يكلنا الى جلدنا، ولا ينزع أعنة نصره من يدنا.
ومنه قوله (١) مما كتبه (٢) على لسان مولود الى أبيه، ولم يكتب به:
يقبل الأرض ابتداءً بالخدمة من حين ظهر الى الوجود، وتشوقًا الى امتطاء صهوات الجياد بين يدي سيده قبل المهود، وتمنيًا (٣) أن يكون أول شيء يقع عليه نظره من الدنيا وجه مولانا الذي تعلو بنظره الجدود، وتتيمّن برؤيته كواكب السعود، ويُنهى أنَّه يعجل الشوق على صِغَرِهِ، وكأن كمال المسرة به أن يقع نظر مولانا الشريف عليه قبل البشرى بِخَبَرِهِ، لتلقى عليه أشعة سعادة مولانا في ساعة ظُهورِهِ، ويكسى قبل أن تلقى عليه الملابس من إشراق مُحيّاهُ حُلَلَ نورِهِ، ويكون أوّل ما يَلِجُ مَسامِعَهُ صَوتُ مولانا يحمد ربه، على الزيادة في خدمه، وتكثير من يضرب بين يديه في الحرب بسيفه، ويقف في السلم أمامَهُ على قدمِهِ، فأنَّ مَنْ يكون نَجْل مولانا تنطق بالنجابة مخايله، وتدلُّ على الشجاعة سماته، قبل أن تدل عليها شمائله، والهلال سيصير في أُفُقه بدرًا منيرًا، والشبل
стр. 4064
سيعود كأبيه أسدًا هَصُورًا، والله تعالى يَهَبُ العبد عمرًا يبلغ به من طاعة مولانا ما يَجِبُ عليه، ويرزقه عملًا صالحًا يتقرب به الى ربه وإليه.
ومنه قوله (١): رسالة كتبها في البندق:
الرياضة - أطال الله بقاء الجناب الفلاني، وجعل حُبَّه كقلب عدوّه واجبا، وسَعْدَهُ كوصف عَبْدِهِ للمسار جالبًا، وللمضار حاجِبًا - تبعث النفس على مجانبة الدَّعَةِ والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الركون الى الوكون، وتحضُّها على أخذ حَظها من كُلِّ فَيٍّ حَسَنٍ، وتحثها على إضَافَةِ الأدوات الكاملة، الى فصاحة اللسن، وتأخذ بها طورًا في الجِدِّ وطورًا في اللَّعِبَ. وتُصرِّفُها في مَلاذ السُّمُو في المشاق التي يَستَروحُ اليها التعب، فتارة تحمل الأكابر والعظماء (٢) في طلب الصيد على مواصلة السرى، ومقاطعة الكرى، ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار، ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر، وذلك من محاسن أوصافهم التي يُذَمُّ المعرض عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جد الحرب، فهذه صورة لَعِبٍ يُخْرَجُ اليه منها، وتارة تدعوهم الى البروز الى الملق، وتحدوهم في سلوك طريقهم (٣) مع من هو دونهم على مُلازمة الصدق، ومُجانبة الملق، فيعتسفون اليها الدجى إذا سَجَا، ويقتحمون (٤) جرف النهار إذا انهار، ويَتَنعمون بوعثاء السَّفَر في بلوغ الظفر، ويستصغرون ركوب الخطر في إدراك الوطر، ويُؤثرون السَّهَرَ على النوم، والليلة على اليوم، والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام، ولما عُدْنا من الصيد الذي اتصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمْرِهِ وحديثَهِ، تُقْنا إلى ان نَشْفَع صيد السوانح برمي الصَّوادح، وأن تفعل في الطير الجوانح بإهِلَّةِ القسي ما تفعل الجوارح، تفضيلا لملازمة الإرتحال على الإقامة في الرحال، وأخذًا بقولهم: [من البسيط]
لا يُصلح النفس إذ كانتْ مُدَبرةً … إلا التنقل من حال الى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتُشيرُ من الأفق الغربي الى جانب رمسها، وتُغازل عُيونَ النَّور بمُقلَةَ أرمد، وتنظر الى صفحات الورد نظر المريض الى وجوه العود (٥)، فكأنها كتيب أضحى من الفراق على فَرَقٍ، أو عليل يقضي بين
стр. 4065
أصحابه (١) بقايا مدة الرّقّ، وقد أخذلّت عيون النور لوداعها، وهُمُ الروض بخُلع
حلّته المُموّهة بذهب شُعاعها: [من البسيط]
والطَّلُّ في أَعْيُنِ النَّوّارِ تَحْسَبُهُ … دمعًا تَحَيَّرَ لمْ يرقأُ ولمْ يكُفِ
كُلُولؤ ظلّ عِطْفُ الغُصْنِ مُتَّشِحًا … بعِقْدِهِ وتبدّى منهُ في شَنَفِ
يَضُمُّ منْ سُنْدُسِ الأوراقِ في صُرَرٍ … خُضْرٍ ويَجْنِي من الأزهارِ في صَدَفِ
والشمس في طِفْلِ الإمساء [تنظرُ مِنْ] (٢) طَرَفٍ غدا وهُو منْ خَوْفِ الفِراقِ خَفِي
كعاشقٍ سَارَ عن أحبابِهِ وهَفا … بِهِ الهوى فتراءاهمْ على شَرَفِ
إلى أن نضا المغربُ عن الأفقِ ذَهَبْ قلائدها، وعوّضه عنها النجوم بخُدَمِها وولائدها، فلبسنا بعد أداءِ الفَرْضِ لُبُثَ الأَهْلَة، ومَنَعْنا جفوننا أن تردّ النوم إلا تحلة، ونهضنا وبَرَدُ الليلِ مُوشَّعُ، وعِقْدُهُ مُرَصَّعُ، وأُكْلِيلُهُ مجوَّهَرُ، وأَدِيمُهُ مُعَنْبَرُ، وبدرُهُ في خِدْرِ سرارِهِ مُسْتَكِنُ، وفجرُهُ في حشا مطالعِهِ مُسْتَجِنُ، كان امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطا مسك وصندل فكأن ثرياه لامتِداده مُعَلَّقَة بأمراس كتانٍ على صُمِّ جَنْدَل [من الطويل] (٣):
ولاحتْ نجومُ الليلِ زَهرًا كأنّها … عُقودٌ على خُودٍ من الزّنجِ تُنْظَمُ
محلّقة في الجوّ تُحْسَبُ أنّها … طيورٌ على نَهرِ المَجَرّةِ حُوَّمُ
إذا لاح بازي الصُّبْحِ وَلَّتْ يُؤمُّها … الي الغرب خوفا (٤) منه نسر عناق
إلى حَدائقَ مُلتَفَّةٍ، وجداول مختفة، إذا جَمَشَ النسيم غصونها اعتنقت عناق الأحباب، وإذا فَرَكَ من المياه متونها انسا بت في الجداول انسياب الحباب، ورَقَصَتْ في المناهلِ رَقْصَ الحباب، وإن لمْ تُغَوْرْ نورها، حيتْهُ بأنفاسِ المعشوق، وإن أيقظ نواعسُ وَرْقِها غَنَّتْهُ بألحانِ المَشُوق، فنسيمها وان، وشَمِيمُها لِعُرْفِ الجِنانِ عُنوان، ووردها من سهر نرجسها غَيْرانُ، وظِلَّها في خُدودِ الوردِ مُنْبَعِثُ وفي طُرَرِ الريحان حيران وطائرها غَرِدُ، وماؤها مُطَّرِدُ، وغصنها تارةً يعطفُه النسيم إليه فينعطفُ، وتارةً يعتدلُ تحت ورْقائِهِ فتُحْسَبُ انها همزة على أَلِف، مع ما في تلك الرياض من توافق
стр. 4066
المحاسن، وتباين الترتيب، إذ كُلّما اعتل النسيم صَحَّ نشر الروض (١) وكلما خرّ الماء شمخ القضيب: [من الكامل]
وكأنما تلك الغصون اذا انثنتْ … أعطافُها رُسُلُ الصَّبا أحباب
فلها إذا افترقت من استعطافها … صُلْحٌ ومِنْ سَجْعِ الحمام عاب
وكأنها حول العيونِ مَوَائِسًا … شَرْبٌ وهاتيك المياه شراب
فَغَدِيرُها كاس وعذب نطافها … راح وأضواء النجوم حباب
تحيط بمَلَقٍ (٢) نطافُها صافٍ، وظلال دوحها ضافٍ، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكدة وفي رأي العين طافٍ، إذا دغدغها النسيم حَسِبت ماءها بتمايل الظلال فيه يتبرج ويميل، وإذا اطردت عليه أنفاس الصبا ظننت أفياء تلك الغُصون فيه تارةً تتموج، وتارةً تسيل، فكأنَّه مُحِبُّ هام بالغصون هوًى، فمثلها في قلبه، وكأن النسيم كلف (٣) غار من دنّوها إليه فمثلها عن قربه: [من مجزوء الكامل]
والسرو مثل عرائس … لفّت عليهن الملاء
شَمَّرنَ فضل الأزْرِ عن … سُوقِ خَلاخِلُهُنّ ماءُ
والنهر كالمرآة تـ … صر وجهها فيه السماء
وكأن صواف الطير المبيضة بتلك الملق خيام أو ظباء بأعلى الرقمتين قيام، أو أباريق فضّةٍ (٤) رؤوسها لها فدام، ومناقيرها المحمرة أوائل ما انسكب من المدام، وكأن رقابها رماح اسنتها من ذهب، أو شموع، اسْوَدُ رؤوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب، وكنا كالطير الجليل عدّه، وكطراز العمر الأول جَدُّه: [من الكامل]
من كل أبلج كالنسيم لطافة … عفّ الضمير مهذب الأخلاق
مثل البدور ملاحة وكعُمِرها … عددًا ومثل الشمس في الإشراق
ومعهم قسي كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلة في نحافتها وتكوينها، والأزاهر في ترافتها وتلوينها، وبطونها مدبجه (٥)، ومتونها مدرجة، كأنها الشَّولة في انعاطفها، أو أرواق الظباء في التفافها، لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها في الحواصل أوكار، إذا انتصبت لطير ذَهَبَ من الحياة نصيبُهُ، وإن ينصب (٦) لرمي بدت لها أنه أحَقِّ بها من نصيبه، ولعلَّ ذاك الصوت زجر لبندقها، وإن يبطيء في سيره، أو
стр. 4067
يتخطى الغرض إلى غيره أو وحشة لمفارقة أفلاذ كبدها، أو أسف (١) لخروج بنيها عن يدها على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لحضهم التحذير بالإغراء: [من البسيط]
مثل العقارب أذنابا معقدة … لمن تأملها أو حقق النظرا
إن مدها قمر منهم وعايفه … مسافر الطير فيها وانبرى سفرا
فهو المسيء اختيارا إذ نوى سفرا وقد رأى طالعا في العقرب القمرا ومن البنادق كرات متفقة السرد، متحدة العكس والطرد، كأنها خلطت (٢) من المندل الرطب أو عجنت من العنبر الورد، تسري (٣) كالشهب في الظلام، وتسبق إلى مقاتل الطير مسددات السهام: [من البسيط]
مثل النجوم إذا ما سرن في أفق … عن الأهلة لكن نونها راء (٤)
ما فاتها من نجوم الليل إذ (٥) رمقت … إلا نبات يرى فيها وأضواء
تسري فلا يشعر الليل البهيم بها … كأنها في جفون الليل إغفاء (٦)
وتشمئز الطيور إذ تهفوا قوادمه … خوافقا في الدياجي وهي صماء
تصونها جراوة كأنها درج غرر، أو درج غرر، أو كمامة نمر، أو غمامة وبل، حالكة الأديم، كأنما رقمت بالشفق حلة ليلها البهيم. [من السريع]
كأنها مشرق في وصفها نشبت … منة في الدجى الأنجم
أو ديمة قد أطلعت قوسها … ملونا وانبعثت تسجم
فاتخذ كل لها مركزا، وتقاضى من الإصابة وغدا منجزا، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محررا: [من السريع]
كأنهم في يمن أفعالهم … في نظر المنصف والجاحد
قد ولدوا في طالع واحد … وأشرقوا من مطلع واحد
فسرت لها من الليل عصابة، أظلتنا من أجنحتها سحابة، من كل طائر أقلع يرتاد مرتعا، فوجد ولكن مصرعا، وأسفت يبغي ماء جماما، فورد ولكن
стр. 4068
سَمَا (١) مُنقعًا، وحَلَّقَ في السماء يَبغِي مُلَعبًا، فبات هو واشياعه سُجَّدًا لِقُسِيَّ، وركَّعًا، فتبارَكْنا بذلك الوَجهِ الجَمِيلِ، وتَداركنا أوائل ذلك القَبيل، فاستقبل أولنا تَمَا (٢) تُمَّ بُدْرُه، وعَظُم في نوعه وقدره (٣)، كأنه برق كَرَّع في غَسَق، أو صُبْح عُطِف على بقية الدجى عطف النَّسَق، تحسبه في ائتلاف (٤) المنى غُرَّةً نَجُح، وتخاله تحت أذيال الدجى طُرَّة الصُّبح، عليه من البياض حُلَّة، وقار، وله كُرَّة من عنبر فوق منقار من قار، له عُنُق ظليم والتفاتة ريم، وسُرى غيم يُصرِّفه نَسِيم: [من المتقارب]
كلون المشيب وعُصفر الشباب … ووقت الوصال و يوم الظفر
كأنَّ الدُّجى غارَ مِنْ لَوْنِهِ … فَأَمْسَكَ مَنقارَهُ ثمَّ فَرَّ
فأرسل (٥) عن الهلال نجمًا، فسقط منه ما كبر بما صَغُر حجمًا، فاستبشر بنجاجه، وكَبَّر (٦) عند صياحه وحصَّله (٧) من وسط الماء بجناحه، وتلاه كي نَقِيَّ اللباس، مُشتعل شيب الرأس، كأنه في عرانين شيبه لا وبله كبير أناس، إذا أسفَّ في طيرانه فغمام، وإن خَفَق بجناحه فقَلَّع له بيد النَّسيم زمام، ذو غَبْيَّة كالجِراب، ومناقير كالحِراب، ولون يغر في الدجى كالنجم، ويتخدع في الضُّحى كالسَّراب، ظاهر الهرم، كأنما يخبر عن عاد أو يحدث عن إرم. [من الكامل]
إنَّ عَامَ فِي زُرْقِ الغَدِيرِ حُسْبِتْهُ … مُبَيَّضُ غيم في أَديمِ سماء
أو طَارَ في أفقِ السَّمَاءِ ظَنَنْتَهُ … في الجَوَّ شَيخًا عائِمًا في مَاء
متناقض الأوصاف فيه خِفَّة ال … جُهَّالِ تحت رَزانةِ العُلَماءِ
فثنى إليه الثاني عِنان بَنْدَقَه، وتَوَحَّاه فيما بين أصل رأسه وعنقه، فخر كَمَارد انفضَّ عليه نجم من أُفُقه، فتلقَّاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحة الماء من وجه الغَدِير، وقارنته أوزة حُلَّتُها دَكناء، وحُلِيَّتُها حَسْناء، لها في الفضاء مُجال، وعلى طيرانها خِفَّةً ذوات التَّبرُّج، وخَفْرُ ربَّات الحِجال، كأنما غبت في ذَهَب، أو خاضت في لَهَب، تَخْتال في مَشْيتها كالكاعب، وتنائى في خُطوها كاللاعب، وتَعْطُو يجيدها كاللظْيِ الغرير، وتتدافع في سَيرها مُشَى القِطاة إلى الغدير: [من الطويل]
إذا أقْبَلَتْ تَمْشِي كَخُطْرَةِ كاعِبِ … رُداحٍ وإن صَاحَتْ فُصُولَةً خَادِمُ
стр. 4069
وإن أقلعت قالت لها الريح ليتَ لي … خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادِمِ
فانعم بما في البعد زادَ مُسافرٍ … وأَحْسِنْ بها في القُرْبِ تُحفة قادم
فلوى الثالث جيده إليها، وعَطَفَ بوجه قوسِهِ عليها، فَلَجَّت في ترفعها ممعنة، ثم نزلت على حكمه مذعنة، فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط، وحاذتها لغلغة (١) تحكي لون وشيها، وتصف حُسْن مَشْيها، وتربي عليها بغُرَّتها، وتُنافِسُها في المحاسن كضرتها، كأنَّها مدامةٌ قُطبَتْ بمائها، أو غَمامةٌ شَفَتْ عن بَعْضِ نجوم سمائها: [من السريع]
بغرَّةٍ بيضاء ميمونةٍ … تُشْرِقُ في الليل كبدر التمام
وإن تَبَدَّتْ في الضحى خِلْتَها … في الحُلَّةِ الدكناء بَرْقَ الغمام
فنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فَلَك سعْدِهِ بنجم وبالها، فجدَّتْ في العلو مُغدَّةً، وتطاردت أمام بُنْدُقِهِ، ولولا اطراد الصيد لم تكن لذة، وانقض عليها من يده شهاب حَتْفِها، وأدركها الأجَلُ بخفّة طيرانها من خَلْفِها، فوقَعَتْ من الافق في كفّه، ونفر من في بقايا صفها عن صفّه، وأتت في إثرها أنيسة (٢)، كأنها الغذراء العانِسَة، أو الأدماء (٣) الكانِسَة، عليها خفَرُ الأبكار، وخفّة ذوات الأوكار، وحلاوة المعاني، التي تجلي على الافكار، ولها أنس الربيب، وإذلال الحبيب وتلفت الزائر المريب من خوف الرقيب، ذات عُنق كالإبريق أو الغُصْن الوريق، قد جَمَع صفرة البهار إلى حُمْرة الشقيق، وصدرٍ بهيّ الملبوس، شهيّ إلى النفوس. كأنّما رُقِم فيه النهار بالليل، أو نُقِشَ فيه العاج بالأبنوس، وجناح يُنْجِيها من العطب، يحكى لونه المندل الرطب، لولا أنه حطب: [من المتقارب]
مُدَبَّجةُ الصدر تفويفُهُ … أضاف إلى الليل ضوء النهار
لها عُنُقٌ خالَهُ مَنْ رآه … شقائق قد سيجت بالبهار
فوثب الخامس منها إلى الغنيمة، ونظم في سلك رميه تلك الدرة اليتيمة، وحصل بتحصيلها بين الرماة على الرتبة الجسيمة، وأتى على صوتها، حُبْرَجٌ (٤)، يسبق همته جناحه، ويغلب خَفْق قوادمه صياحه، مدبج المطا، كأنّما خَلَعَ حُلَّة منكبيه على القطا، ينظر من لَهَبٍ، ويخطو على رجلين من ذهب: [من المتقارب]
стр. 4070
يزور الرياض ويجفو الحياض … ويُشبه في اللون كُدْرَ القَطا
ويهوى الزروع ويلهو بها … ولا يَرِدُ الماء إلا خطى
فَبَدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان (١) قوسه بامتداد باعه، فخر على الالاءة (٢) كبسطام بن قيس (٣) وانقض عليه راميه فحصله بحذق وحمله بكيس، وتعذر على السابع مرامُهُ، وَنَبابه عن بلوغ الأرب مقامُهُ، فصَعِدَ هُوَ وترب له إلى جبل، وثبت في موقِفِهِ مَنْ لم يكن له في مرافقتهما قِبَلْ، فعنَّ له نسرٌ ذو قوائم (٤) شداد، ومناقير حداد، كأنه من نسور لقمان بن عاد، تحسبه في السماء ثالث أخويه، وتظنه (٥) في الفضاء قبته المنسوبة إليه، قد حَلَق كالفقراء رأسه، وجعل مما قصر من الدلوق الدُّكْن (٦) لباسه، واشتمل (٧) من الرياش العسلي إزارا، واختار العزلة فلا تَجِدُ له إلا في فَنَنِ الجبال الشواهق مزارا، قد شابت نواصي الليالي، وهو لم يشب، ومضت الدهور وهو من الحوادث في معقل أشب (٨). [من الطويل]
مليك (٩) طيور الأرض شرقًا ومغربا … وفي الأفق الأعلى له أخوان
له حال فتاك وحلْيَةُ ناسك … وإسراعُ مقدام وفرة واني
فدنا من مطاره، وتوخى ببندقةٍ عنقه، فوقع في منقاره، فكأنّما هَدَّ منه صخرا، أو هدم به بناء مشمخرًا، ونظر إلى رفيقه مبشرًا له بما امتاز به عن فريقه، وإذا به قد أظلَّتْهُ عُقاب كاسر، فكأنما أَظَلّت صيدًا أُفلِتَ من المناسر، إن حطت فسحاب انكشف، وإن أقامت فكأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف (١٠) بعيدة ما بين المناكب، إذا أقْلَعَتْ لجت في علقٍ كأنما يحاول ثأرًا عند بعض الكواكب (١١): [من المتقارب]
стр. 4071
ترى الطير والوحش في كفها … ومنقارها ذا عظام مذالة
فلو أمكنَ الشَّمس من خوفها … إذا طَلَعَتْ ما تسمت غزاله
فوثب إليها (١) وثبة ليث قد وثق من حركاتِهِ بنجاحها، ورماها بأوَّلِ بندقة فما اخطأ قادمة جناحها، فأهوت كعود صرع، أو طودٍ صُدع، قد ذهب بأسها وتَذَهَبَ بدمها لباسها، وكذلك القدر يخادع الجو عن عُقابه، ويستنزل الأعصم من عقابه، فحملها بجناحها المهيض، ورَفَعَها عن الترفع في أوج جوها من الحضيض، نزلا إلى الرِّفْقَةِ جَذِلين بربح الصَّفْقَةِ، فوجد التاسع قد مَرَّ به كركي (٢) طويل السفار، سريع النفار شهي العراق، كثير الاغتراب، يشتو بمصر ويصيف بالعراق، لقواديه في الجو هفيفٌ، وأديمُه (٣) لون السماء طرأ عليه غيم خفيف، تحن إلى صوته الجوارح، وتُعْجَبُ من قُوَّته الرياح والبوارحُ، له أثَرُ حُمْرةٍ في رأسه كوميض جَمْر تحت رماد، أو بقية جرح تحت ضماد، أو فص عقيق شقت عنه بقايا ثماد، ذو منقار كسنان، وعنق كعنان، كأنما ينوس على عمودين (٤) من آبنوس [من السريع]
إذا بدا في أفق مُقْلِعًا … والجو كالماء تفاويفه
حَسِبْتُه في لُجَّةٍ مَرْكَبًا … رِجلاه في الأفق مجاذيفه
فصبر له حتى جازه مُجَلِّيًا، وعَطَفَ عليه مصليًا، فخر مضرّجًا بدمه، وسقط مشرفًا على عدمه، وطالما أفْلَتَ لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبة من حما مسنون، فكثر التكبير من أجله، وَحَمَلَهُ راميْهِ على وجه الأرض برجله، وحاذاهُ غُرنوق (٥) حكاه في زيه وقدره، وامتاز عَنْهُ بسواد صَدْرِهِ، له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنه مكان شنفه (٦): [من السريع]
لهُ مِنَ الكركي أوصافه … سوى سواد الصدر والراس
إن شال رجلًا وأنبرى قائمًا … الفيته هيأة برجاس
فاصغى العاشر له منصتًا، ورماه مُلْتَفِتًا، فخر كأنّه صريع الألحان، أو نزيف بنت الحان، فأهوى إلى رجله بيدِهِ وأيْدِهِ، وانقض عليه انقضاض الكاسر على
стр. 4072
صيده، وتبعه في المطار صوغ (١) كأنه من النضار مصوغ، تحسبه عاشقًا قد مدّ صفحته، أو بارقًا قد بثّ لفحته. [من السريع]
طويلة رجلاه مُسْوَدَّةٌ … كأنما منقاره خنجر
مثل عجوز رأسها أشمَطٌ … جاءت وفي رقبتها مِعْجَرُ
فاستقبله الحادي عشر، ووثب، ورماه حين حاذاه من كثب، فسقط كفارس تقطر عن جواده، أو وامق أصيبت حَبَّةُ فؤادِهِ، فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه، واقرن به مَرْزَم (٢) له في السماء، سمى معروف، ذو منقار كصدغ معطوف، كأن رياشه فلق اتصل به شفق، او ماء صافٍ عَلِق باطرافه عَلَى: [من الهزج]
له جسم مِنَ الثلج … على رجلين من نار
إذا أقلع ليلا قلـ … ـتُ برق في الدجى ساري
فانتحاه الثاني عشر مُتممًا، ورماه مصمّمًا، فأصابه في زوره، وحصله (٣) من فوره وحصل له من السرور ما خرج به عن طوره، والتحق به شبيطر (٤) كأنه مدية مبيطر، ينحط كالسيل، ويكرّ على الكواسر كالخيل، ويجمع من لونه بين ضدين يُقبل منهما بالنهار ويدبر بالليل، يتلوّى في منقاره الأيم تلوّي التنين في الغيم [من البسيط] (٥)
تراه في الجو ممتدًا وفي فمه … من الأفاعي شُجاعٌ أرْقَمٌ ذَكَرُ
كأنه قوس رام عُنْقُهُ يدها … ورأسه رأسها والحية الوتر
فصوب الثالث عشر إليه بندقةً فقطع لحيه وعُنُقه، وفقع كالصرح الممرد، أو الطراف الممدد واتبعه عنّاز (٦)، أصبح في اللون ضده وفي الشكل نده، كأنه ليل ضمّ الصبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره: [من البسيط]
تراه في الجو عند الصبح حين بدا … مُسُودَّ أَجنحةٍ مُبيضٌ حَيْزوم
كأسود حبشي عام في نهر … قد ضم في صدره طفلًا من الروم
стр. 4073
فنهض تمام القوم إلى التتمة، وأسفرت عن نجاح الجماعة تلك الليلة المدلهمة، وغدا ذلك الطير الواجب واجبًا، وكمل به العدد قبل أن تطلع الشمس عينًا او تبرز حاجبًا، فيالها ليلة حصرنا بها الصوادح في الفضاء المتسع، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كلّ شمل مجتمع، وأصبحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النظام، أو شرب كأنَّ رقابهم من اللين لم يُخْلَق لهُنَّ عظام، وأصبحنا مثنين على مقامنا منثنين بالظفر إلى مستقرنا ومقامنا، وأعين المولى جهدنا ومدعين لَهُ قَبِلَنا أوردنا، حاملين ماصرعنا إلى بين يديه، عاملين على التشرف بخدمته والانتماء إليه. [من الطويل]
فأنت الذي لم يُلفَ مَنْ لا يَوَدُّه … ويدعو له في السر أو ندعي له
فإن كان رمي أنتَ تُوضح طرقَهُ … وإنْ كانَ جيش أنت تحمي رعيله
والله تعالى يجعل الآمال منوطةً به وقد فَعَل، ويجعله كهفًا للأولياء وقد جَعَل، ومنه قوله، مما كتبه جوابا عمن قيل من ادعى إليه في البندق:
ولا زالت قدمة فضله مذهبة الفواتح بالفتوح، منبضة بالنجوم عن قوس عزم، مذ تشبه به هلال الأفق لم يجسر نسر السماء الطائر أن يلوح، منبئة عن فتكات اهتمام، لاذو الجناح أمامه بناج، ولا يسلم منه مثار الوحش الجموح، مطرزة حلل الظلام برداء شفق نشره في الأفق من صوب صابية دم الطير المسفوح، صدرت هذه المكاتبة، تتلقى بالقبول وجه قصدِهِ الجميل، وتقابل سعد طائره الميمون بواجب الود الجليل، ويثني على عزمه الذي ما برح يسري في بردة اليمن إلى رواتبه كل فخار، وتثنى أعنة الثناء إلى هممه التي استخارت التوفيق في الأدعاء إلى قديم مجدنا الذي تتشرف به الأقدار، فجاد وشكر سداد مقصده الذي لا يخفى مواقع اصابته الليل، واشتداد ساعده الذي أسبل الجناح على رجل حامله في الأفق إسبال الذيل، معلمة إن مكاتبته الكريمه وردت منبئةً عن طروقه مظان الاسترواح، وسراه إلى مواطن النجح التي تحمد فيها عند الصباح في رفقة من أولياء دولتنا، ما فيهم إلا مَنْ حَسَبُهُ في الولاء صميم وحديث مجدِهِ في إصابة مواقع الصواب في الخدمة قديم، مرهفًا عزمة ما رأى نجوم أهلتها النسر الطائر إلا أصبح كأخيه واقعا، ولا نَهَضَتْ إلى باسط جناح تهنيه في أفق السماء إلا خرّ بين يديه متواضعا، وإن السعد هيأ له مقامًا يستنزل فيه عظيم الطير من عواصم الأفق، وتسلك فيه رسل قوسه إلى أرواح ذوات الجناح المحلقة في الفضاء أقرب الطرق، وأنه حين مرّ به من اللغالغ صف قد أوثق بعضه القدر، وأوثق أوله بدرة عزمه، والبدر لمن بَدَر، أرسل أعزه الله عن كبد القوس ابنها
стр. 4074
فأنت، وخطب إلى نفس تلك العصبة من الطير نفسها فما ضنَّت، وصرع لغلغةً مليحةً، فأصابها في أقوى قوادمها إصابةً صحيحة صريحة، فأهوت الى بين يديه من مكامن مكانها، وحملها القديم الذي أشار إليه رافعا بالقسم بعلي لشانها، فتمنى كل تم لو حَصَلَ كما حَصَلَتْ، [و] ود كل صوغ لو صيغت عيونه في جملة حليها التي فصلت، وانه ادعى لنا بهذه النسبة التي تثنت بالقبول أحكامها، وتقضي بانتساج الأواصر حكامها، وقد علم بذلك جميعه، وأفضنا في شكره، وأفضينا إلى غاية الثناء الجميل عند ذكره، وسررنا ببلوغ الوطر، وحصول الظفر، وتفاءلنا أنه كذلك ينزل على حكم سيوفنا كلّ مَنْ كَفَر، وقابلنا ذلك بوجه القبول المبتهج، وأمضينا حكم هذا الانتماء الملتحم والانتساب الممتزج، ومن أولى منه بهذا الفخر الذي انتظمت عقوده، وتقابلت في أفق مجدِهِ سعوده، فليأخذ حظه من بشرى هذا القبول وبشره، حبرة خبره الذي يتضوع الوجود بنشره، والله تعالى يجعل مطالبه مقرونة بالنجاح، قادمةً إليه بأنباء السعود على أوثق قوادم واثبت جناح.
ومنه قوله في النيل:
أجرى الخلق على عوائد كرمه وأجرى لهم قدرته من حجب الغيب مواد نعمه، وأعلا لديهم موارد نيلهم، حتى ما كان يشرب بعروق ساقه من نيلهم بتناول الماء بفمه، وأمر البحر فأقبل بالفرج القريب من الأمد البعيد، وأذن له في الرفع عن محله، فسجد على الترب شكرًا وتيمم الصعيد، وإن لم يبق به الآن على وجه الأرض صعيد، وأقبل بعد تقصير عامه الماضي بوجه عليه حمرة الخجل، وعزم سبق سيفه إلى المحل العدل بالأجل، وحزم أدرك الجدب موجه قبل أن يقول سآوي إلى جبل، واستظهارًا على كل ما علا من الأرض حتى أن الهرمين باتا منه على وَجَل، ومهد الأرض التي كانت ترقبه فهولها المنظر على الحقيقة، ووطيء بطن الثرى فنتج الخصب بينهما، وذبح المحل في العقيقة، وتجعد على الآكام فخيل للعيون أنها تسيل، وشبّت مفارق الثرى بياض زبده وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل، يستقبل نعم الله التي سيسم الأرض وسمها، ويولى النعم وليها، ويأتي بالركاب أتبها، حتى تغص بالنعم تلك الرحاب، ويظن لعموم ذي البلاد الشامية أن نيل مصر رَكِبَ إليها على السحاب.
ومنه قوله في مثله:
صدرت، ونعم الله قد عَمَّت، وآلاؤه مع تحقق المزيد قد تمت، والسيل قد بلغ في تتبع بقايا القحط الزبى، والنيل قد عم بنيله حتى كلل مفارق الآكام وعمم رؤوس الربى، وحمى الأرض من تطرق المحول إليها فاصبحت منه في حرم، وظهرت به
стр. 4075
عجائبُ القدرة، ومنها ابن ست عشرة بلغ إلى الهرم، وبث وجوده في الوجود، فلو صور نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم، وتلقّت منه النفوس أبهج محبوب طرد ممقوتًا، ووثقت من حمرته بالغنى والمنى إذ لم يَدُرّ أيَاقُوتًا تشاهد أم قوتًا، وجرى في الوفاء على أكمل ما ألف من عادته، وظهر بإشراقه وعموم نفعه ظهور الشمس، فألقى على الأرض أشعة سعادته، وبلغ الله به المنافع، فزعزع الجبال الشمّ ولم يتجاسر على الجسور، واقطع الأرض الخصب الأرض كلها فله في كل بقعة مثال مرئي ومنشور منسور، وبعث إلى كل عمل من سرايا جنوده عارضًا مغضبًا على المحلّ، مايخطَرُ إلّا وسيفهُ مشهور، وجرى الأمر في التحليق على عوائد السرور، وعلّقت ستارة المقياس للإخفاء عادة الاستار، بل للإشاعة والظهور، واستقر حلم المسرّة على السنن المعهود، وعاذ الناس به عند مرورهم إذ ذلك برحمة الله ﴿يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَومٌ مَشْهُودٌ﴾ (١)، وهاهو الآن يرفع إلى كلّ تلعة على جناح النجاح، ويخيف السبل وماعليه حرج، ويقطع الطرق وليس عليه جناح.
ومنه قوله: يبشر بركوب السلطان بعد تقطّر كان حصل له عن جواده:
ولا زال مبشرا من النصر بما يقرّ به عين الهدى، ويكمد قلوب العدا، وينذر أهل الكفر من ركوبنا اليوم بطلائع ركابنا عليهم غدا، ويسر حزب الإيمان من أخبار موكبنا الشريف بيوم كفر الدهر ذنب إساءته بالأمس وافتدى، صدرت تخضّه ببشرى عمّت بشائرها، وسرّت بالمسرات الكاملة بوادرها، وتأرجت الأرجاء، فلولا أمانة الكتب لقيل: تمت بأسرار السرور ضمائرها، وطارت بها مخلقات التهاني في الوجود، ووجب بسببها وجوب السجود الشكر على كل مؤمن يتعبد عن تجدد النعمة بفرض السجود، وذلك أنه قد علم ما كان حصل من تأخر ركوبنا هذه الأيام، بسبب ما كان حصل من التقطر الذي كانت عاقبته بحمد الله مأمونة، وكبوة الجواد بحسن المآل ميمونة، بما ألفنا من عوائد تأييد الله وعنه مضمونة، وكان تأخر الركوب في تلك المدة اللطيفة لموافقة آراء الحكماء في خدمة المزاج، وملاطفة العلاج، وقد منّ الله في كمال الصحة، وشمول العافية، وزوال البأس، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٢) ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، وسطّرناها مبشرة بركوبنا الذي خضعت له أعناق الكفر والشقاق، وسارت به ركائب البشائر ونجائب التهاني في الآفاق، وضاقت به فجاج الأرض بأولياء الطاعة، فلولا سلوكهم آداب
стр. 4076
الخدمة في الترجل بين أيدينا لزلزل ركض خيلهم بمصر أطراف العراق، فكان ركوبنا في موكبنا المنصور يوم كذا، وكان يومًا مشهودًا، ووقتًا من مواسم الزمن معدودًا، أربت فيه النعم على الحصر، ورفل به الدين في حلل التأييد والنصر، وسرى إلى أرواح العدا رعبه، وعزّ به في كل افق دين الاسلام حزبه، وتحقق به العدو الذي أملى له أن حركته حركة الذبيح، وجمعه الذي ألفه الشيطان بغروره للتكسير لا للتصحيح، وتضاعف شوقه إلى الجناب العالي في ذلك الموكب الذي أخذ الأولياء فيه من المسرة بأوفى القسم وأوفر النعم، ورفلوا فيه في مطارف الحبور، واتخذوه بينهم عيدا سموه عيد السرور، وقد عجلنا بأعلامه بذلك، لعلمنا بمحبته الصادقة وموالاته التي هي بمحض الصفا ناطقة، ولأنا نعلم بمضاعفة سروره بها، وأدائه نذور الشكر بسببها، فليسرّ الأولياء بإشاعتها، وتتقدم بضرب البشائر في وقتها وساعتها، والله تعالى يضاعف إقباله، ويبلغه من النعم منيته وآماله.
ومنه قوله في تقليد لنائب البيرة (١) بالاستمرار:
وعلم العدو أنه الندب الذي كثرت في سبيل الله أيامه، وما قَصَدَهُ العدو إلا وتمنى الذهاب وحث للهرب الركاب، وقنع من الغنيمة بالإياب، وولى جمعهم الأدبار، ولم يعد إلى أهلهم سوى الأخبار، وما أقدموا عليه إلا وقد علموا القوة من بأسه أنهم لا ينصرون، وما نظروا إليه إلا وقد جعل الرعب من بين أيديهم سدًّا ومِنْ خلفهم سدًا فهم لا يبصرون، وما قاتلوه بعدما قابلوه إلا أن الله طمس على قلوبهم، واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وكم أرسلوا في أيامه إلى الثغر السوابق، فضرب بينهم بسور، وطارت إليهم من كنانة بأسه حمام الحمام بأجنحة النسور، وسرت سراياه في بلاد العدوّ فسبقها الرعب إليهم وأحاط النهب بما لديهم، واستولى عليهم الذعر حتى صاروا يحسبون كل صيحة عليهم، وأطلع على خفايا أحوالهم، فما أجمعوا أمرًا إلا وعلموا به إذ يأتمرون، ولا مكروا مكرًا إلا أظهره الله عليهم، والله أعلم بما يمكرون، وكان فلان هو الذي ماشام معه العدو بارقة ثغر إلا وأمطر (٢) من الوبال بوابل، وأوقعهم من النكال في كفة حابل، فاقتضت الآراء الشريفة أن يزداد أمره تمكّنًا وقدره تحليًا بالنعمة وتزينا، وسره استقرارًا بعلو رتبته وتوطنًا، وثغره تحسبا بما افتر من النعمة وتحصّنا، ولذلك رسم بالأمر الشريف لا
стр. 4077
زالت الثغور بمهابته تبتسم، والجنود تتحكم بسطواته في ذخائر العدا وتقتسم، ان نجدد له هذا التقليد الشريف باستمراره في النيابة بالبيرة على أجمل عوائده، وأكمل قواعده، لنهوضه في مصالح الاسلام والمسلمين بما أحصى الله ونسوه، وإجراءه عليه بما ألفه سلفنا الطاهر من رشد كفايته وأنسوه؛ ولأنهم غرسوه في هذا الثغر لتنمى به المصالح ويتعين أن يتعاهد بالإحسان سقيا ماغرسوه، فليتلق هذه النعمة بباع الشكر المديد، ويبرق بعلو الهمة إلى المزيد، من فضل الله عليه، فإن لديه المزيد، ويجرد على من جاوره من العدا سيف عزمه، فإن نصر الله باسيافنا أقرب إليه من حبل الوريد، ويجعل سراياه طلائع جيوشنا المنصورة، فإنها قد تكون بأقصى الممالك وماهي من الظالمين ببعيد، ويكون متيقظًا للعدو في حال سكونه، فإنه قد يتحامل الجريح، ويتحرك الذبيح، والحازم من تراه في الأمن في درعه، فلا يبدو ليله إلا وهو لها متيقظ في العدو وإن غَفَلَ، مشمرًا له عن ساق العزم وإن أسبل ملابس غُرورِهِ ورفل، فإنه إذا فعل ذلك لم يلحقه نَدَمٌ ولا لوم، والخاسر من جلبت عليه تعبَ سَنَةٍ راحة يوم، وليكن وله من الكشافة في كل فريق فرقة ناجية، ومن القصاد بكل طريق عصبة بأسرار القلوب مناجية، ليعلم ما يأتي وما يذر وإذا لم يأت بعدوه حراك، فما يضرّ مع الأمين مبيته على حَذَر، وليضمّ الأطراف التي يطمع العدو بها في فرصة يختلسها أو دنيةٍ يفترسها، ليتعاهد منه رجال الثغر بالاحسان الذي يؤكد طاعتهم، ويجرد قوتهم في الجهاد، واستطاعتهم فانهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وتقربوا بالجهاد في سبيله إليه، ولا يَدَع بالثغر مملوكًا نصرانيا، فإنه يطلع على الأسرار، ويتطلع إلى الكفار، ولعبد مؤمن خيرٌ من مشرك أولئك يدعون إلى النار.
ومنه قوله:
وينهي أنه أرسل طَيَّها قصيدة تنوب إلى حضوره، وتعتذر لقصوره، وتنبئ عن مساهمة خاطره لخاطرِهِ الكريم في مساءته وسروره: [من الطويل]
ومَنْ سرَّ أهل الأرض ثم بكى أسى … بكى بعيون سرها وقلوب
ولما سام المملوك قلمه السعي في ذلك، مال إلى النفور، وجنح، وقال ما عادتي أن اسعى إلى هذا الجناب الشريف إلا في التهاني والمدح، فقال له المملوك إن مساء تلك المساءة أوْجَبُ أجرًا، واستقبل من المساء فجرًا، فكتب ما يقف الخاطر الشريف على مضمونه، ويتحقق به أن لمضمار حقه مدى نفق جياد القرائح من دونه.
ومن قوله:
يقبل الأرض رافعًا مجاب الدعاء، فاسحًا مجال الولاء، ناشرًا على أعطاف
стр. 4078
الطروس حلل الثناء، مبشرًا نفسه والمسلمين بما من الله به من قدوم مولانا تحت ألوية الظفر والنصر، محبوًا بيمن العزمات التي قسمت أعداء الله وبلادهم بين الحصد والحصر، متوسلًا إلى الله تعالى أن يجعل عزماته المرهفة في سبيل الله، حيث سلكت ملكت، وسيوفه المحرّدة على أعداء الله أين سفرت من الغمود سفكت.
ومنه قوله من توقيع حسبة:
وبعد فإن أولى ما أنعم فيه نظر الاختيار، وأمعن فيه تدبّر الارتياد والاعتبار، أمر تعم الأمة منافعه، وتتم به بركات الرزق الذي تدّر بالتقوى منابعه. ويزال به الغش عن الأمه في الملابس والمطاعم. وبذاد به البخس في المكيال والميزان اللذين هما من أظهر المضار، وأخفى المظالم، وتراعى به الهيئات الدالة على إتمام المرؤة وإكمالها، وتدحض به النقائص التي تنتقد على أرباب المكانات في أقوالها وأعمالها، ولما كانت الحسبة هي الأمر الذي اشترك عموم نفعه، والمعنى الذي نبه على حصول الاضطرار إليه في إباحة الشيء ومنعه، والسبب الذي يحسم به مواد الأذى في التعرض إلى البيوع الفاسدة، والأقدام على مزج الأقوات النافقة بالكاسدة، والتحرز من الغش في الأشياء التي لا يترك صانعها هو وأمانته، ولا يقنع منها بسوى اليقين، وإن غلبت على واضعها عفته وصيانته، فإن البلوى بها قد تعم، والحزم بها في ترك التقليد، وإذا كانت الأفراد لا تظهر مع الهيأة الاجتماعية فبين من يتحراها بالمباشرة، وبين من يتلقاها بالقبول بون بعيد، فلذلك يتعين أن يكون مباشرها ممن هدته العلوم الدينية إلى ما يعتمد من مصالح لا يخرج فيها عن حكمها، وحدته القواعد الشرعية إلى ما يستند إليه فيها من عوائد لا يعدل بها عن وسمها الشريف ورسمها.
وكان فلان هو معنى هذه الألفاظ المجملة، وسرّ هذه المقاصد التي كان يحتاج إيضاحها من ذكره إلى التكملة، وبتجاربه للفضائل قوة في الحق لا يستفزها الرقى، واستقامة في الانصاف لا تميلها الأهواء عن سنن التقى، ورسم بالأمر الشريف أن يفوض إليه نظر الحسبة الشريفة، تفويضًا يمضى حكمه في مصالحها، ويجمل نظره في داني الأمور ونازحها، فليفعل في ذلك ما تقتضيه هذه الرتبة من منع احتكار وقطع أسعار، وتفقد ما يصنع من منسوج ومرقوم، ومشروب ومطعوم ومجلوب ومخزون، ومكيل وموزون، ومعدود ومذروع، وباق على هيأة ومصنوع، ويجعل لذلك حدًا في الجودة معلومًا، وقدرًا في القيمة مفهومًا، ووصفًا في العلو والدنو والتوسط بينهما موسومًا.
ومنه قوله، توقيع خطابة:
وبعد: فإن صهوات المنابر لا تستقل بكل راكب، ولا تستقر إلا تحت كل فارس
стр. 4079
يزاحم شرف عمله الكواكب بالمناكب، ولا تذعن إلا لمن امتطى أعوادها أطال في المعنى وأطاب، وإذا قال أما بعد لم تختلف الآراء في أنّه دلّ على الحكمة بفصل الخطاب، وإذا ذكر بأمر الله أَصْحَبَ كلَّ قلب جامح، وغض كل طرف طامح، ورد كل عبد عن طاعة ربّه نازح، وأصغى من صغى منه إلى قول مشفق في الله صالح، وخرجت الموعظة منه على لسان صادق، فلم تعد حبات القلوب، وتتبع كلامه أدواء الضمائر فشفاها، ولا داء أوجع من الذنوب، ووثقت النفوس في أنه قول إمام عصره فتلقته بالتسليم، وجلست العلماء تحته للاقتداء بفوائده، فكان على الحقيقة فوق كلّ ذي علم عليم، وأحق المنابر بارتياد مَنْ يصلح لاقتصاد غاربها، وأولاها بالصدود عمن برّز في صورة خاطبها، ما كان من أعظمها رفعة، وأكرمها بقعة، وافخمها جماعة وجمعة، وأقدمها شهوة في الآفاق وسمعه، وأعجبها بناء وأبناء، وأحملها عن أئمة الأمة أثقالًا وأعباء، وأكثرها زَجَلًا بالتلاوةِ والأذكار، وأعمها بالقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار، ولما كان المسجد الجامع بدمشق المحروسة، هو الذي زاحم الأرض المقدسة بمنكبيه، فلو كان للمساجد الثلاثة رابع لشدّت إليه الرحال، وتحقق بالرفعة التي تُسامى أن نور المشكاة تشرق من أرجائه ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ (١) تعين أن يختار لها من رجل المنابر، وبطل المحابر، وهو فلان الذي شفت مواعظه القلوب وأثمرت بالتقى، واستلت سخائم الصدور، واستقرت من المصلّى على النقا ورسم بالأمر الشريف أن يفوض إليه الإمامة بالمسجد الجامع بدمشق المحروسة، والخطابة بمنبره الكريم، عملًا بالأولى في التقديم، واحتياطًا للإمامة التي هي أثبت دعائم الدين القويم، فَلْيَحِلّ هذه الرتبة التي لم تقرّب لغيره جيادها، ولتُحل هذه العقيلة التي لا تُزان بسوى العلم والعمل أجيادها، ويَرْق هذه الهضبة التي يطول إلا على مثله صعودها، ويلق تلك العصبة التي تجتمع للاقتداء به حشودها، ويعلم أنه في موقف الابلاغ عن الله تعالى لعبادِهِ، والإنذار بما وَرَدَ عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله لا مرادِهِ، وتحت منبره من الأعيان من أن تلق غيره القول بتقليده، تلقاه بانتقائه وانتقاده، فيعتصم بالله في قوله وفعله، ويتيقن أن الكلمة إذا خرجت من القلب لا تقع إلا في مثلِهِ، وليجعل خطبة كل وقت مناسبة لأحوال مستمعيها، متناسبة في وضوح المقاصد بين إدارك من يعي غوامض الكلام ومَنْ لا يعيها، وليوشّح خطبته
стр. 4080
بالدعاء لإمام عصره، ومالك أمصار الإسلام مع مصره، وللأمة بعموم تخصيصه وحصره، وهو يعلم أنه يكون في المحراب مناجيًا لربه، واقفًا بين يدي من يحول بين المرء وقلبه، فليلجأ إلى الله تعالى في الإعانة بالإخلاص على هول مقامه، ويسأله التثبيت بالعصمة في مستقره ومقامه، وليراع من وراءه من أهل التكليف، وتكثر جماعتهم بتجنب ما نهى النبي ﷺ معاذًا من ترك التخفيف، ولينظر في عموم استطاعتهم دون خصوصها، فإن فيهم العاجز وذا الحاجة والضعيف، وليحافظ على فروض الكفايات الوازعة، والسنن التي ينادي لها: الصلاة جامعة، وليغرس في كل قلب حبه، ليقوموا إلى الإئتمام به وهم فارهون، وليعمل في البدأة في ذلك بصلاح نفسه، فقد جعل ﷺ ممن لا تُجاوز صلاتهم آذانهم من أم قومًا وهم له كارهون.
وله: مما كتبه على قصيده:
فليس فيها بيت دخل في شفاعة أخيه، ولا معنى يثبت على غير قواعد الصحة أو أخيه، ولا كلمة يصلح في مكانها سواها، ولا قافية أوهى السناد ركنها أو أضعف الإقواء قواها، وكل بيت منها بيت قصيد يُعقد بالخناصر عليه، أو سلك فريد يُشار ببنان البيان إليه، أو مقرّ معنى رئيس تجلس نفائس المعاني بين يديه.
وأما نظمه فمنه قوله: [من البسيط]
هذا ولم يبق لي في لذة أرب … إلا اجتماعي بأصحابي والزامي
وأين هم؟ خلفوني مفردًا ونأوا … فبت أُسْهِرُ أجفاني لنوام
وأين نيل مرامي من لقائهم … ضاقَ الزمان وهيا سهمه الرامي
ومنه قوله: [من الكامل]
مَلِكٌ يوطّدُ رَكَنَهُ مِنْ مُلْحِدٍ … أو مُعْتَدٍ بجداله وجلاده
ألف الوقائع والسُّرى دونَ الكَرَى … فقصور لذته ظهور جياده
يروي لسان سنانه في حربه … خبر المُدرّع عن صميم فُؤادِهِ
مُتَّيقظ العزمات يعجل بأسهُ … جيش العدو بها عن استعداده
ومنه قوله: [من البسيط]
بانوا بقلبي وقلبي سار يتبعُهُ … فلستُ أطمعُ منهم في خيال كرى
ويح المحب الذي سارت أَحِبَّتُهُ … عنه ولم يقض من توديعِهِمْ وَطَرَا
وخلفوه يناجي الركب بعدَهُمُ … فلا يُبلّغهُ عَنْ رَكَبِهِمْ خَبَرَا
بانوا فَصَوَّح نبتُ الروض بعدَهُمُ … هذا وقد غادروا دمعي به غدرا
стр. 4081
ومنه قوله يعزي ببنت: [من الطويل]
وكم أوْجُهِ قَدْ غِبْنَ في ظُلمةِ الثَّرى … فلم يَرَها في ظلمة الليل كوكب
ولا كالتي في المجدِ خالاتُ أمّها … رقيَّةُ بنتُ الهاشمي وزينب
ومنه قوله (١): [من المتقارب]
رأتني وقد نال منّي النحول … وفاضت دموعي على الخد فيضا
وقالت: بعيني هذا السقام … فقلتُ صدقت وبالخضر أيضا
ومنه قوله: [من الكامل]
ورأيته في الماء يسبحُ مرّةً … والشَّعْرُ قَدْ رفَّتْ عليهِ ظِلالُهُ
فظننتُ أن البدر قابلَ وَجْهُهُ … وَجْهَ الغدير فلاح فيه خياله
ومنه قوله (٢): [من الكامل]
وسرت به في البحر جارية سوداء … يسبق سيرها الشهبا
فلو أنَّ حُكْمَ البحر طوع يدي … لأخذتُ كل سفينةٍ غَصْبا
ومنه قوله: [من الطويل]
أقولُ له والغصنُ يُشبهُ قدَّهُ … أُداعِبُهُ والظَّبي يحسب إياه
أفيك سوى ذا الوجهِ يُسبى به الورى … فقال: وهل في البدر إلا محياه
ومنه قوله (٣): [من الطويل]
مضوا فاستردَّ الدهر أنسي الذي مضى … كأنَّ لهُ عندي بقربهِمُ قَرْضا
وبانوا فالى البان لا مال بعدَهُمْ … ولا عانَقَتْ أَغصانُه بعضُهُ بَعْضا
ومنه قوله: [من السريع]
هنئت بالطفل الذي استرجعت … به العلا ماضاعَ مِنْ دَينها
تكادُ تُخفي الشمس إن قابلَتْ … طلعتَهُ خَوْفًا على عَيْنِها
ومنه قوله: [من الرمل]
دع فؤادي والصبا إِنَّ الصَّبا … عالجتْ سُكر فؤادي فصحا
وأعد لي ذكرَ مَنْ حَلَّ الحمى … فعسى يرجع قلب ترحا
стр. 4082
يا أخلائي ومَنْ حَسَّنَ لي كلفي … فهو الذي قد نَصَحَا
أرشدوني هل قضى حق الهوى … من ببذل الروح فيه سمحا
ومنه قوله يرثي شيخه مجد الدين ابن الظهير: [من الطويل]
بكته المعالي ولم يُرَ قَبْلَهُ … كريمٌ مضى والمهلكات نوابه
ولا غرو أن تبكي المعالي بشجوها … على المجد إذ أودى وهن صواحبه
أما والذي أرسى ثبيرًا وحلمهُ … لقد طاش حِلْمي يومَ زُمَتْ ركائبه
وقفنا وقَدْ جَدَّ الوداعُ عشيَّةً … فَمُمْسِك دمع يومَ ذاكَ وساكبة
أنودع نفس المجد بيتًا مصرّعًا … طويلا على زواره متقاربة
ظننتُ بأني مخلص في ودادِهِ … وأخطأ وهمي، أسوأ الظن كاذبه
رجعت وأمسى الجود يصحب نفسَهُ … إلى رمسِهِ فالجود لا أنا صاحبة
ومنه قوله: [من الكامل]
قُلْ لي عن الحمام كيفَ دَخَلْتَها … يا صاحبي لتُسرَّ خِلًا مُشفِقا
أدَخَلْتها وأولئك الأقوام قد … شدّوا المآزر فوق كثبان النقا؟
ومنه قوله يصف قناة احتفرت وأنبط ماؤها لقرية المعيصرة: [من البسيط]
أعَرْتها نظرةً غَرًا ولو لَمَحَتْ … سحائب الصيف لانهلت غواديها
فأصبحت مثل ظهر الأرضِ باطنُها … نورًا كأنَّ الثريا ركبت فيها
يكاد يقطعها الساري على فرس … ركضًا وليس تدانيه أعاليها
تبدو على الترب من بطن الثرى فترى … تقبّلُ الأرض إجلالًا لمنشيها
ومنه قوله: [من المتقارب]
إذا دغدغتني أيادي النسيم … فمِلْتُ وعندي بعض الكسل
فَسَلْ كيف حال قدود الملاح … وعن حالِ سُمْرِ القَنَا لا تَسَلْ
ومنه قوله يمدح المنصور لاجين أيام نيابته بالشام ويذكر إحراقه نصرانيًا تعرض
إلى مسلمة في رمضان: [من الكامل]
يامن به وبرأيهِ ورَوائِهِ … بَلَغَ المراد الدين من أعدائه
يا كافل الإسلام قبلك لم يقم … هذا المقام سواكَ مِنْ كُفَلائِهِ
أرسلتها بالعدل أحسن سيرة … بكَ يقتدي مَنْ كَانَ مِنْ أكفائِهِ
وغَضَبْتَ للإسلام غضبةً ثائر … للهِ غرِ مارك في رائه
стр. 4083
وحميتَ سَرْحَ الدين مِنْ متخلّص … رجس يسنّ الغدر في استخفائه
أخفى سراه إلى الحريم وما دَرَى … أنَّ الإله وأنتَ مِنْ رُقبائِهِ
جمع الخيانة والخنا في الأرض والـ … إشراك بالرحمان فوق سمائه
فأمرت أمرًا حازمًا بحريقه … ورأيت أن القتل دون جزائه
طهرت من دمه الثرى فقذفتَهُ … في النارِ إذْ هي منتهى نظرائه
وَرَفَعْتَ قدر السيف عنه وإنّهُ … ليُجلُّ عن تنجيسه بدمائه
أرعَبْتَ أهل الشرك منه فكلّهم … يلقى خيالك واقفًا بإزائه
وسلبتهم طلب الحياةِ فَمَنْ غَفَا … ألفى دبيب النار في إعضائه
أو لو تخيل في المقام بحرمة … خشي الحريق ومات في إغفائه
ياداعي الإسلام صنت السرب أن … تدنو كلاب الشرك من ضعفائِهِ
ماغرت إلا للإله وخلقهِ … مِنْ فَتْكِ شَرِّ عبيده بإمائِهِ
واستشهد الشهر الشريف فإنه … يُثنى بما أبديت في أثنائه
عَمْتَ حرمته وأهلكت الذي … لم يَرْعَ حق الله في آنائه
فاسلم لهذا الدين تحرس سِربَهُ … وتُغص جَفْنَ الشرك منك بمائِهِ
واشكر الهك بالذي أُلْهِمْتَهُ … فيما فَعَلْتَ يُزِدْكَ مِنْ نعمائِهِ
ومنه قوله يهنئ بإبلال من مرض: [من مجزوء الكامل]
صَحَت بصحتك الأماني … وضَفَتْ بها حلل التهاني
وجرى شفاؤك والسرور … كما جَرَى فَرَسا رهان
برو أتى وضَنّى مضى … فهما علينا نعمتان
ولكل يوم سجدة … للشكر لابل سجدتان
ومنه قوله في وداع الحجرة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: [من الكامل]
يا سيد الثقلين دعوة من أتى … يسعى إليك ولو على الأجفان
فارقتُ رَبْعَكَ أولا لأداء ما … كتب الاله علي في القرآن
وَرَجَعْتُ أضحك للتواصل مرةً … أخرى وأبكي للفراق الثاني
ومنه قوله وقد أشرف على مكة المعظمة: [من الطويل]
أقول لصحبي والفيافي كأنها … صحائفُ خُتْ بالمَطِي سطورها
стр. 4084
دعوا طيّ عَرْضِ البيدِ بالسيرِ والسُّرى … فهذا حمى ليلي وهاتيك دورها
ومنه قوله: [من الرمل]
قاتل الله رفيقًا بالحِمَى … أَنْفَدَ الأدمع واستبقى الغراما
عادَ مِنْ بَرْقِ الثنايا فسقى … وجنة الصب ولم يسق البشاما
وكثيب في الحمى تحسبه … ظله الناحل وجدًا وسقاما
يرقب الأرواح إن هبتْ صبًا … علّها أنْ تُبْلِغَ الحي السلاما
ومنه قوله: [من الطويل]
كأني بكم والبيدُ تُطوى لديكُمُ … وقَدْ فُزْتُم دونَ المتيم باللقا
وقد عبرت عن وجدكم عبراتُكُمْ … إذا الدمعُ منكم ثمَّ أفصح منطقا
ومنه قوله: [من الطويل]
سلوا الركب هل مروا بجرعاء مالك … وهل عاينوا قلبًا تركت هنالك؟
وأَحْسَبُهُ ما بينَ سَلْع إلى قُبا … أقام وإلا فهو مابين ذلك
ومنه قوله: [من الطويل]
إذا البرقُ مِنْ تلقاءِ كاظمةٍ عَنَّا … أَذابَ الحَشَا مِنَّا وزادَ الكَرَى عَنَّا
حسبناه إيماض الثغور على النَّقَا … وليس به لكنه قارب المعنى
متى قال حادينا رويدًا فبينكم … وبين الحمى مقدار يومين أو أدنى
وَهَبْنا له شطر الحياة فإن أبى … ولمْ يُرْضِهِ ماقد وهبنا لَهُ زِدْنا
ومنه قوله: [من الخفيف]
هل لحي إلى اللقاء سبيل … وجيوش الفناء فينا تجول
أو يَلَذُّ المقام ثاو بدار … ليس يدري متى يكونُ الرَّحيل
مزمع للمسير عنها ولا زا … د وإن كان فهو نزر قليل
شغلته وفُرِّغَتْ مِنْ لُهاها … يدُهُ فهو فارغ مشغول
ومنه قوله: [من مجزوء الكامل]
ولى الدجى وكأنكم … بسنى الصباح وقد تنفس
وغدا رداء دجى تدر بـ … ـالكواكب وهو أطلس
عَلِقَ الظلام بذيلِهِ … فكأنه ثوبٌ مُقَنْدَس
والشمس تبدو في … المورّد أولًا ثم المُوَرّس
стр. 4085
كالخُودِ تجلَّى بالثيا … بِ تظلُّ تخلعُها وتلبس
ومنه قوله: [من البسيط]
تُبدي السماء لنا معنى الحِمَى بسنّى … ناءٍ قريبِ سُفورِ الوجهِ مُحتجب
إذا ظمئنا توهمنا مجرّتها … نهرًا طفَتْ فيهِ أكوابٌ مِنَ الشُّهُبِ
كأنها روضةٌ حَفَّتْ أزاهرها … بجدولٍ مِنْ نميرِ الماءِ ذي شُعَبِ
أو حلَّةٌ من بديعِ الوَشْيِ مُعْلَمَةٌ … بِالنَّوْرِ معقودة الأزرارِ مِنْ ذَهَبِ
ومنه قوله: [من الطويل]
عسى وقفة بالركب يا حادي الركب … لأسأل مابينَ المحاملِ عن قلبي
فعهدي به لما استقلت ركابكم … وقد قال للساري إلى طيبة سربي
وقد تُقعِدُ الأقدارُ مَنْ قَلَّ حظُّهُ … على أنه وافي الهوى وافر الحب
ولكنني لم أتَّهم في تأخري … على كثرة الأسباب شيئًا سوى ذنبي
ومنه قوله (١): [من الطويل]
أسروا إلى ليلى سراهم فما انجلى … وبات كطرفي نجمه وهو حيران
كلانا غريق في الدموع وفي الدجى … كأن دموع (٢) العين والليل طوفان
ومنه قوله (٣): [من الطويل]
كأن الدراري والنجوم ودارة … حوته وقد زانَ الثريا التئامها
حَبَابٌ طفا مِنْ حول زورق فضّةٍ … بكف فتاة طاف بالراح جامها
كأن سهيلًا والنجوم وراءَهُ … صفوف صلاة قام فيها إمامها
ومنه قوله في الرثاء: [من الطويل]
أبحر الندى طود المعالي وإنّهُ … ليُغنى عن التصريح باسمك مَنْ يُكني
حَلَلْتَ برغمي في الرُّغام وإنَّهُ … لِمَنْ تحتَهُ يُبلي ومَنْ فوقه يضني
أمر على مغناه كي يذهب الأسى … كعادته الأولى فيغري ولا يغني
وأقسم أن الفضل ماتَ لموته … ويخطرُ في ذهني أخوه فاستثني
ومنه قوله: [من الطويل]
стр. 4086
شربتُ بكأس ما رآها أخو أسى … ولا ذاقها قبلي مُحِبُّ ولا بعدي
فكرّر بسمعي ذكر سَفْحِ طويلع … وبان المصلَّى منعمًا واحد لي وحدي
ومنه قوله: [من الكامل]
بانوا وخلفني الأسى في رَبْعِهم … أبكي الطلول مُصَرَّحًا ومُعرضا
ولو استطعتُ فراقها لتبعتُهمْ … فزمامها بيدي وماضاق الفضا
ومنه قوله وهو من باب المغايرة: [من الكامل]
ولقد ذكرتُكِ والفوارس نحونا … تترى فمدرع وآخر حاسرُ
فنسيت حُبَّكِ عنه ذاك فخامة … وودِدْتُ أَني في الهزيمة طائر
ومنه قوله: [من البسيط]
من حاتم (١) عنه واطرح فبهِ … في الجُودِ لا بسواه يُضرب المثل
أين الذي برّه الآلاف يتبِعُها … كرائم الخيلِ مِمَّنْ برّه الإبل
لو مثل الجود سرحًا قال حاتمه: … لا ناقة لي في هذا ولا جَمَل
ومنه قوله: [من البسيط]
ياراكب الناقة الوجناءِ مُشتملًا … ثوبَ الظلام كنجم لاح في أُفق
يوم قبل ازدحام الركب طيبه كي … يطفي الجوى أو يروي غلة الحرق
كن لي رفيقًا لاسعى نحوها عَجِلًا … إما على صَحْنِ خدّي أو على حَدَقي
عساك تحيي بما توليه مِنْ كَرَم … روحي وتُدرك ما تلقاهُ مِنْ رَمَقي
وإن أتيت فقل خلّفت مرتهنًا … بالسوق يأتيكَ إن طال المدى وبقي
ومنه قوله: [من المتقارب]
بلغتُ مرادي ونلتُ المُنى … وزادَ سُروري وزال العا
فماذا ارتجي بعد ذا … وهذا الرسول وهذا أنا
فبشراك بشراك يا ناظري … تملى وإياك أن تغبنا
فحيث التفت رأيت الرسول … وآثارَهُ مِنْ هُنا أو هنا
تملى فهذا مكان الحبيب … وهذا التواصل قد أمكنا
وخل الدموع إلى وقتها … وإن حَسُنَ الدمع عند الهنا
стр. 4087
وختمت ذكر شيخي ﵀ بهذه الأبيات المتضمنة للمديح الشريف ليختم بالصالحات عمله وإني لا ؤمل أن يحسن في دار الكرامة نُزُله، وأن لا يخيب في الله وفي رسوله ﷺ أَقَلَهُ، ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١).
ومنهم:
[٢٥] ابن حمائل علي (٢) بن محمد بن سليمان بن حمائل الشيخ الإمام، جمال الدول، علاء الدين أبو الحسن
أهل هذا البيت تخدمهم الامم من بيت صلاح ما فيه شبهة لمن يذم، وكتب الإنشاء منهم جماعة، وتلقوا بالفطرة سرّ هذه الصناعة، فنفذوا لسلطان البراعة، ونفثوا سحر البيان في عقد اليراعة، وكان هذا الرجل نسيج وحده، في العوارف الحسان، ونسيب جده أعنى غانمًا (٣) غانمًا للإحسان، مع ملابسته للدول في أمورها، وممارسته لها في أحوال حزنها وسرورها، إلا أنه كان يحجزه دينه، ويحجبه يقينه، وكان أقوم أهل بيته برئاسة لاكبر فيها، ورياضة لا كدر الصافيها. ومرؤءة كانت تلذ له ولو أدّت إلى الخطر، وأبدت الأهوال دون الوطر، ووقع على القصص، فأولى مننًا، وأجرى الله به الخيرات زمنًا، ولم يقصد إلا وجه الله بفعله، ولا أسدى المعروف إلا لأهله، ثم مات غالِب من جرى لهم به ذلك المعروف، وبقي في بقاياهم، وحصل به الملوك الذين كتب منهم الآخرة ببعض دنياهم، ولم يكن أسرع منه إلى أداء حق واجب، ولا أدعى لصحبة، صاحب، ولا أسبق إلى عيادة مريض وتشييع جنازة، وتنويع كرامة وغزارة، مع ملازمة الصلاة مع الجماعة، وتعهد للمسجد، ولو قدر لما غاب عنه ساعة، ومداومة تلاوة لا تفتر من تردادها، وصلوات لا يخل بأورادها، هذا وبابه مفتوح، وسحابه ممنوح، وتجشمه مع جلسائه مطروح، وتجهمه بالنسبة إلى غيره خفة روح، لبشاشة وجه تروي غلة الصادي، وسعة صدر
стр. 4088
تفيض على رحاب النادي، وسرعة إجابة تعاجل صوت المنادي، مع يد في هذا الشأن لا يخونها بنانها، بل يزينها بنيانها.
ومن نثره ما اتعب القرائح في أثره قوله يصف قلعة (١):
ذات أودية ومحاجر، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرًا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرًا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر المحيط، إلا أن هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حرّ الهواجر، وقد توعّرت مسالكه. ولا يداس فيه إلا على المحاجر، يتفاوت ما بين مرآه العليّ وقراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه، وكأنما ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢).
ومنه قوله ولقد أحسن في وصف القلم فقال:
القلم الذي كم أعان من هو قاريء للحروف، ومن هو لصنوف الضيوف قاري. وهو الراكع الساجد في ملازمة الخمس طاعة للباري، شُقّ لسانه فنطق، وأنار صباحه وهو على جلابيب غسق، ثم خضع له السيف، وزاره معنى تخيله لمامد، وهكذا في الظلام زور الطيف، ولم يزل يعظم ويتسوّد، ويحكى الرمح فيتخطر، والغصن فيتأوّد، ويقيم فلا يقتات، ويسافر فيتزوّد.
ومنه قوله:
فسارعوا إلى انجاد من نازَلَهُ العدو من إخوانكم المسلمين، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وامضوا عليهم بقدمكم واقدامكم، وانصروا الله بجهادكم واجتهادكم، فانكم ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤)، وكتاب الله أولى ما عمل به العاملون، قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
ومنه قوله:
وقد تجردوا عن العلائق، واشتغلوا بخدمة المخلوق (٦) عن الخلائق، وبرئوا من التكلف، وزهدوا في عرض الدنيا فهم من الذين تعرفهم بسيماهم ﴿يَحْسَبُهُمُ
стр. 4089
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ (١).
ومنه قوله يَصِفُ الكُرَة.
وانتهى إلى حديث الرغبة في تلك اللعبة، وهي الجارية التي لم تزل بالضرب دانية شاسعة، متبدلة من الطراد والإبعاد، دائرة في أرض الله الواسعة، فلم تزل أيدي الأيدين، وحملات المؤيدين خافضةً لها رافعة، تالية في مجال القتال إلى النجم، فإذا ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (٢) من الشجر الأخضر كونها، وإذا سأل عنها سائل قيل: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ (٣)، لاتزال الفوارس إليها كالجهاد بالجِداد تتعادى، وعليها مع المرافقة والمصادقة بالتنافس، تشبه الهامة الملقاة بين أرجل الجياد في الحرب، ولا تزال هاربة من طالبيها لكثرة ما يقع فيها من الضرب، تنفر من الأبطال نفور حمر مستنفرة فرَّت من قسورة، وتتواثب عليها الرجال تواثب الليوث الضارية، فكم لهم من الكُرَة على تلك الكُرة.
ومنه قوله في توقيع رجل يعرف بالجمال إبراهيم:
فليعمل بتقوى الله في هذه الأعمال آتيًا فيها من حسن التأني كل ما يليق أن تشاهده العيون من الجمال، وهو أدرى بما يعتمده، إذ هو الصدر الذي كل أحمد بعلمه عليم، والرئيس الذي لا يخفى بين الرؤساء، وهلا يخفى مقام إبراهيم؟.
ومنه قوله من كتاب كتبه:
يَقْبَلُ اليَدَ لا زالت بمننها مُواسية، وَلكَلِّمُ القُلُوبِ بِطَبٍّ كَلَامُهَا آسِيهْ، ولعهود محبيها على ممر الأيام، وإن نسيها من نسيها غير ناسيه، وينهي ورود الكتاب الكريم، فتسلى كلّ من حَجَبَتْهُ النَوى، وتملّي بنضارته ومحاسنه عن وجه بالجفاء قد جفَّ، وعصر بالذم قد ذوى، وعلم الإشارة العالية إلى أمر الحبيب النازح، والذي [إذا] جد في الصد كان غير مازح، وإنه استدلّ من كلام المملوك على شدة موجدته لبعده، وعدم صبره عن استجلاء وجهه واعتناق قده، ودعا بعودة ذلك الغائب قبل أن يذوى عوده، ورجوعه قبل أن تنطفئ بطلوع الذقن صعوده، وقد تحقق تفضله وهو نعم من أُمِّهُ الشاكي وأَمَلُهُ: [من الطويل
ولا بُدَّ مِنْ شَكْوَى إلى ذي مُروءةٍ … يُوَاسيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يتوجَّعُ
ومنه قوله في كتاب إلى قاضي القضاة إمام الدين القزويني (٤):
стр. 4090
أدام الله الأنس بقرب الجناب العالي القضائي الامامي، وجعله للمتقين إمامًا، ورأيه للصواب زمامًا، ولقاءه بمنّه حيث يحلّ تحية وسلاما، ورد المشرف الكريم الذي تلقاه بقلبه قبل يده، وحلّ منه بمحل روحه من جسده، وناظره من أسوده وسرّ بما تضمنه من أخبار قربه، وبما دَلَّ عليه من فنون فضلِهِ الذي المملوك منه على بينة من ربه، ويحقق الإشارة الكريمة في تفويض قضاء القضاة إلى نظره الكريم، وحصول التعويل في ذلك على مقامه الذي يتشرّف به كلّ عظيم، ولقد حال هذا المنصب من جلالة قدره ما سر به واغتبط، وتحقق بمصيره إليه أنه على الخبير به سقط، ووصل التقليد الشريف، وقبل وقوبل بالامتثال، وحصل السرور به وعم، وكمل به هناء القلوب وتم، وعرض له من الارتياح إلى لقائه ما سلبه القرار، وعظم به الشوق عنده، وأعظم ما يكون، إذا دَنَتْ الديار من الديار، ولولا ما يعلمه المولى من التصدي لمهمات الاسلام، لما نابت من قصد لقائه الاقلام عن الاقدام، والله تعالى يقدمه قدوم البدر بروج سعوده، ويديم في المعالي سموه إلى الغاية التي لا مزيد على غايتها في صعوده.
ومن شعره قوله: [من الطويل]
بكيتُ بدمع فاق دمع الغمائم … وناحت لنوحي ساجعات الحمائم
على جيرة جار الزمان لفقدِهِمْ … وَمِنْ بعدِهِمْ جاورت غير ملائم
مضت لي بهم أيام أنسٍ حميدةٌ … نَعمْتُ بها دهرًا كأحلام نائم
وإني بأرض الشام اشتقاقُ ارْضَهم … إذا لَمْعُ برق لاح منها لشائِمِ
فلله أيام الصبا حيث لا نرى … وقارًا لنا إلا بخلع العمائم
ومنه قوله (١): [من الطويل]
وكم سرحةٍ لي في الرُّبى زمنَ الصّبا … أشاهد مرأى حسنها متملا
ويسكرني عَرْفُ الشذا مِنْ نسيمها … فأقضى هوًى من طيبه حتف انفيا
وأسأل فيها مَبْسِمَ الروضِ قُبلَةً … فيبرزُ مِنْ أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزهًا … فأبدى لعيني حسن مرأى بلا ريا
غدا الغصنُ فيه راقصًا ونسيمُهُ … يكرُّ على مَنْ زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خرَّ إذ … نسيم الصبا أضحى [به] متمشيا
تغنت لديه الورق والغصن راقص … فيغرق وجه الأرض من كثرة الحيا
стр. 4091
وهذه أبيات الله من سمع مثلها، لو حصلت لابن خاقان لجعلها واسطة قلائده، أو ابن بسام لا تخذها من أفضل ذخيرته (١).
ومنه قوله: [من البسيط]
فَعِدَّ نفسَكَ مِنْ أهل القبور بها … فعن قليل إليها سوف تنتقل
واذكر مصارع قوم قد قضوا ومضوا … كأنهم لم يكونوا بعدَما رَحَلُوا
يا ليتَ شِعْرِي ما قالوا وقيل لهم … وما الذي قد أجابوا عندما سُئلوا
ومنه قوله (٢): [من مجزوء الرمل]
سَلَبَ المهجة مني … بالجفون الفاترات
لو يزور البيت لم يَر … مِ الحَشَا بالجَمَرات
وكنت قد بعثت له درجين أحمرين من الورق، ثم لم أعد أجهز له بعدهما شيئًا فكتب إلي: [من البسيط]
يا مَنْ مكارمه عمت فكم شملت … ذا فاقةٍ مابقى منه سوى الرَّمَقِ
قد كنت أرسلت لي درجتين لونهما … مِنْ حُمرةٍ مثل لون الشمس في الأفق
وبعد ذلك لم أفرح بمثلهما … مِنْ سيدي لا ولا شيء من الورق
فبعثت إليه درجين أحمر وأبيض وكتبت إليه معهما: [من البسيط]
امسك سحابَكَ لا يُفضي إلى الغَرَقِ … فقد كفى منه صوب الوابل الغَدَقِ
بدائع من علاء الدين بت بها … ألذ في طيب تقبيل ومعتنق
مطلوبه ورقٌ مني ويا عجبًا … مِنَ الغصون إذا احتاجت إلى الوَرَقِ
وقد بعثت به تجلى الخدود له … في أحمر شرق أو أبيض يَقَقِ
وما عليّ إذا أرسلت رائدَهُ … وعاد بالشهب مخبوءًا من الأفق
هذا علي وهذا جود راحتِهِ … يا مَنْ رأى البحر والأنواء في نَسَقِ
ومنهم:
стр. 4092
[٢٦] عبد الباقي (١) بن عبد المجيد بن أبي المعالي متى (٢) بن أحمد بن محمد بن عيسى بن يوسف القرشي، المخزومي، أبو المحاسن، تاج الدين، المعروف باليماني، المكي مولدًا
أحد مشاهير الأدباء، وأحد جماهير الأولياء. سرحة فضائل، ودوحة علم يتفيأ ظلالها عن الأيمان وعن الشمائل، بحر يؤخذ منه در (٣) بلا ثمن، وروض (٤) تجد منه روح الرحمان من قبل اليمن. قدم مصر قديمًا ثم الشام، وأقام بدمشق مدة، ثم هفت به ريح يمانية، وذهب بلبه برق علانية فَسُلِبَ قرارًا، وغَلَبَ استقرارًا، وعاد إلى وطنه آيبًا، وعاود وسكنه لاذامًا ولا عائبًا، واتصل بالملك المؤيد داود، ووصل منه بثقة ودود، فعوّل عليه وقلّده كتابة السرّ لديه، وبقي حتى انمحى من اديم السماء هلاله، وأضحت في تلك الأفياء ظلاله، فقربه قريبه الملك الظاهر قربًا حقده الملك المجاهد بن الملك المؤيد، فأخذ أمواله واجتاحها، ونزف أمواهه وامتاحها، وتطلبه ليردي به ففر وسكن مصر، ثم ما استقر فقصد دمشق، ثم أتى القدس الشريف واستوطنه، واتخذ المسجد الأقصى موطنه ورأيته به بين علوم ينشر جناحها، وتعبدات يضيء في حندس الليل صباحها.
ومن نثره قوله من رقعة كتبها إلي قال فيها:
وكتبها المملوك في يوم توقدت جمرته، وطالت في نهار القيظ حجوله وغرّته.
وناره على الأكباد موقدة، لو لم يكن إلا لأن المملوك فارق سيده، ونسيم المملوك
стр. 4093
سموم، وشربه يحموم وحشاه تكاد تذوب، وجفنه كراه في نهاره وليله مسلوب، وهيهات ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (١).
فكتبت عنها إليه جوابًا منه:
وكتبتها واليوم قد طال في أفقه جناح الشعاع، وأدهم الصبا وغر برقه اللماع، وصرَّ الجندب في نواحيه وسكت الطير بعد تلاحيه، وغرق في آلة الليل وعرف بسوادِهِ في كف ماحيه، والشمس في كبد السماء ترمي بشرر كالقصر، والأصيل قد الى أن لا يميد ولا يجنح للعصر.
ومن نثره أعني اليماني قوله:
وينهي أنه بلغه وفاة الولد، وأن الله نقله إليه ولم يعلق بشيء من الذنوب، وجعله ذخيرة وفرطا لمولانا يوم يجازى كلّ امرئ بما قدم من سالف العمل المحسوب، فلقد جرّع الاحشاء صابه، وجرح القلب لساعة التفريق مصابه، وقطع الاكباد فقده، وأورث الأحزان بعده فياله من قرة عين أورثها القدر قذى الأجفان، وغصن سؤدد اقتطعته قبل الازهار يد الاحزان، وهلالُ حُسْنٍ اعْتَوَرَ نوره الحدثان، وثمرة جود أُوْدِعَت مدارج الأكفان، ورَبَّعُ أُنْسِ أَمسى صاحبه بالخطوب خللًا، وفادح أمرٍ أضحى بيان أمره جللًا، على أن الخطوب لا تزاحم إلا ثبيرًا، ولا تعاند بورودها إلا كبيرًا، وفي سجاياه الكريمة خلال قل أن تكون لغيره من الناس، وصفات تفرد بها وهي الثبوت عند هجوم البأس، ولئن غاب من سماء علائه هذا النجم الزاهر، وذهب أثره المنير الباهر، فكم في فلك محامِدِهِ من نجم سيادة بأنوار الرئاسة ساطع، وكوكب فضل ما يقال له: هذا غارب حتى يقال لأخيه: هذا طالع.
ومنه قوله من كتاب كتبه إلي:
وينهي أنه لما كان من خدم هذا البيت الشريف والغني بسمة ولائه بين أوليائه عن التعريف، وقد سارت مدائحه في هذه البقية العمرية مغربة ومشرقة، ومنجدة ومعرفة، يهجم بها وجفنه لبعده عن باب سيده لا يذوق غمضا، ولا يعرف ليلًا أقبل أو يقضى، وقصارى مناه أن لا يقبل فيه قول حاسد أو جاهل، حاشا المجلس الشريف، أو عالم معاند ومولانا يعذر المملوك، فإنه كتب هذه الضراعة والليل أسفر دجنه والسهر قد توسّم المملوك حتى تغير ذهنه، والمملوك مايتغير في هذا البيت المعمور العمري ظنه.
стр. 4094
فكتبت له جوابا منه:
وانتهى إلى هنا، والنسيم في السحر قد هلهل ثوب الظلام، وسحب رداءه على أعقاب ذيول الغمام، والجوزاء قد انتشرت تحت مسبح السرطان، وشعاع الشمس المحمر قد غرق في مقلة الأسد الغضبان، والديك قد طلع على شرف الجدار، وصاح في الليل منه جاويش النهار، والمصابيح قد فرغ سليطها، وكثر في ضوء الصباح تخليطها، فوقف المملوك وقفة الحيران، وتململ تململ الغيران، وأراد أن يطيل القول بقدر ما يدعوه إليه رائد الشوق، ويحمله على أن يحمل السمع الكريم فوق الطوق، ثم رجع فعاتبه الطليح، وجاذبه قلمه الطريح، وانبه أدبه وقال له: قد آن لك أن تريح الرجل من تطويلك وتستريح.
ومنه قوله: أعني اليماني في كتاب يزعمه في معنى الكتاب الفاضلي بفتوح القدس:
هذا وعلوم الديوان العزيزة محيطة باستيلاء أهل التثليث على البيت المقدس. والمسجد الذي هو على التقوى مؤسس، وأنهم جعلوه مفزع طريدهم، ومقر شريدهم، ومعقل رهبانهم، ومعلم أديانهم، ومقر طالبهم، ومنتجع هاربهم، ومنهج شرعتهم، وعمود بيعتهم، وعكاظ نفاقهم، وموسم شقاقهم، وبادي سمارهم، ومظهر شعارهم، ومنار منارهم، وملتقط أخبارهم، ومنزل أحبارهم، مع أن طوائف الفرنج ببيعته طائفة، وأمم النصارى على دين الصليب به عاكفة، لا يعرفون عن الانجيل غير ما بدلوه، ومن القرب غير ما مثلوه، فنهض إليه الخادم في جحفل من أولياء الدولة القاهرة، يرون الموت مغنمًا، والسلامة مغرمًا، والهزيمة عارًا، والادبار نارًا، ما حلّوا بأرض إلا وأنبتت من ساعتها قنًا، ولا نازلوا حصنًا إلا بلغوا من شامخه المنى، وبايعوا الله على أخماده جهارا، وعاهدوه على أن لا يذر ماضي سيوفهم على وجه الأرض من الكافرين ديارًا، فلما شاهدنا رفعتها، وميّزنا علوّها ومَنَعَتها، رأينا معهدًا أخذ الشيطان على أهله أن لا يخفر لهم عهدا، وعلما أمسى لدين النصرانية على ما أدعوه فردا، قد كملوا عدتها وعديدها، واستخدموا للمحاربة شقيها وسعيدها، وإذا رأوا على أرجائها حفيرًا لجمالها سوارًا، ولحمايتها من التطرق إلى منازعة نزعها إسوارًا، بناء ولكن تقصر عن مماثلته يدان، وإتقان هو بلا شك من صنعة الجان، وعمارة ولكن من ساحر عتيد، وتدبير ولكن عن رأي شيطان مريد، وتماثيل يخيل إلينا من سحرهم أنها تسعى، وصحراء أرض ليس لمن أقام بها ظلّ هناك ولا مرعى، فاسترقينا مكانا دلّنا عليه حسن الايمان، نصبنا على ارجائه منجنيقًا هدر بازله، وهَتَمَ ثغر تلك الأبنية نازله، وتجسدت عصيه حيات تلقف ما
стр. 4095
صنعوا، وفرقت ما جمعوا، وظل لنا ولهم يوم ولا كيوم ذي قار، وحرب ولكن أين حزب أهل الجنّة من حزب أهل النار، سيوف مخروطة، وأيد منا ومنهم بالدعاء مبسوطة، وعجاج انعقد مثاره، وقسطل ولكن استعر بحوافر الصوافن إواره، قد بذلوا أنفسهم دونها، وراموا ولو بهلاكهم صونها، وعلا شرفاتها منهم أمم لا تُحصى، وجمع آلت يد المنية لعددهم لا بدّ تستقصى، ولم تزل المنايا تشحن بقوة الله ذلك الحفير، وتورد سكان تلك البقاع بعون الله سوء المصير، ثم سارت رجافتنا، وحال النقب في أرجائها، وبلغت الأماني من النصر غاية رجائها، وصيرناها بالحديد والطلل الدارس بعد المشيد، وحملنا عليهم بقلب رجل واحد، فانطمس محكم التثليث، واستبان طريق الواحد، وتفرق من بها بين أسير اثقلته أغلاله، وقتيل غرته بالاقدام آماله، وطريد لا يعرف له مكانًا، وخائف كلّما تبدى له مرأى ظنّه إنسانًا، وفتحناها بكرة الجمعة، وَعَلَتْ أعلام الخلافة المعظمة على بقايا شرفاتها خافقة، وأطلاب الاسلام لاستئصال شأفتهم متلاحقة، وقام خطيبنا على صهوة المنبر الأقصى مرتجلًا، وصاغ أوصاف المواقف المعظمة والمواطن المكرمة لجيده حلى، وذكره الحرب وكان ناسيا، وألان له بالمواعظ قلبا وكان لعدم الادكار قاسيا، وأعدنا إليه ما كان يعهده من الجمع، وتقدمنا بهدم ما استحدث من البيع، وشيدنا مادثر من كل مشهد، اعتمدوا تخريبه ومعبد، واستنقذنا معالم الصخرة الشريفة من الإشراك، فعادت إلى إخوة الحجر الأسود، وهذا الفتح، وإن كان المقصود منه مكانًا مخصوصًا، فهو فتح يشتمل على مدن عامرة، ورباع غير غامرة، وقلاع مرفوعة، وفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقرى ظاهرة، وركبان واردة وصادرة، وهذا المسجد شقيق الحرمين، وثالث الرحلتين، ومعبد الأنبياء وموطن بركة الأولياء، فلله دره فتحًا أقرّ نور الدين في ناظِرِهِ، وشعار الإسلام في مشاعره.
قلت: ووقفت على رقعة ذكر فيها يومًا، أصبح والثريا فيه كأنها في بروج المطالع، كف جود تختمت في رؤوس الأصابع، والصباح جام لجين ملأته أشعة الشمس خمرا، والمجرة بحر مزبد يقذف الفواقع درًّا، والنسر قد حنجر مما حام، وسهيل قد تقدم خوفًا من الزحام، وقد عارضت وسط السماء الشعرى، كأنها ياقوتة في مذرى والجوزاء قد مالت كشارب قهوة لم تمزج، أو حسناء تنفست في المرآة ونظرت محاسنها ولم تتزوج (١).
стр. 4096
والرقعة هذا مضمونها وهو:
أسعد الله مولانا بهذا اليوم الذي تمثلت ثرياه صورة كأس يطاف به على الجلاس، وأتى نسره إلى المجرّة حائمًا على الورود زاريا كأنه مجهود والجوزاء مسبلة الذوائب، وسهيل لها خاطب، والشعرى شعرها وغدائرها الغياهب، ومد الله عمر مولانا، ومتَّعَه بشرف المناقب.
وبهذا ذكرت قولي من قصيدة وهو: [من الكامل]
شق الصباح غلالة الظلماء … وجلا النهار غدير كل سماء
لولا كواكب في الصباح تأخرت … كحمائم مبثوثة في ماء
بصبيحة رقت حواشي هذبِها … ووَشَى النسيم بها إلى الأنواء
حتى تَجَلَّتْ مثل خود ختمت … بالنجم تحت مظلة الجوزاء
وبدا سهيل ثم والشعرى يلي الـ … ياقوتة الصفراء بالحمراء
وكأنما زهر المجرّةِ روضة … قَدْ كُلِّلَت بجواهر الأنداء
والنسر في شَفَقِ الصباح مشمّر … كي لا يُبَل لباسه بدماء
عدنا إلى اليمني. ومن شعره قوله: يذم عدن (١): [من الكامل]
عدن إذا رُمتَ المقامَ بِرَبْعِهَا … فلقدْ تُقيمُ (٢) على لهيب الهادية
بلد (٣) خلا مِنْ فاضل وصُدُورُهُ … أعجاز نخل إذ تراها خاوية (٤)
وقوله: [من الوافر]
إذا حَلَّتْ أيادي البرقِ رَمزا … على كنز العمام سقين حرزا
وأمطرت الغيوم خيول سيل … على وجه الثرى يجمزن جمزا
أَثَرْنَ بياته فكسا ربوعًا … تعرَّت عن ملابسهن خزا
وباع المشتري لما توالى … محبَّتَه لكف الأرض بزا
واطلعت الرياض نجومَ نَوَرٌ … فتُغريها أيادي الشَّرْبِ حزا
وولى عسكر الظلماء هزمًا … أخافتْ مِنْ سنان البرق وخزا
فحينئذ تَرَى عُقَدَ الثريا … على جيد الحمائل قد تجزى
стр. 4097
فما هذا التأتي يا نديمي … لقد خالفت إذ خالفت عجزًا
وجامُ الشرْبِ يُنْسَبُ للثًّرْبِيا … وشَمْسُ الراح نحو الكرْمِ تَعْزِي
فواصلني بها فلعلَّ دائي … يزولُ إذا شربتُ الخمر مُرَّا
على نهر المجرَّة والداري … عيونٌ حولها يَبْدِينَ غمزا
فجرِّدْ جيش لهوك يا خليلي … لغزو غنيمة من قبل تُعْزَى
ومنهم:
[٢٧] ابن غانم عبد الله (١) بن علي بن محمد بن سلمان (٢)، عرف بابن جمال الدين، أبو الفضل، غانم المقدسي
شاب برع وبهر، وطلع مثل الكواكب وظهر، وما أعرف في أي وقت اشتغل، ولا متى ألهب شغفه واشتعل، كأنما لقن سحر البيان من حين ولدته أمه، وبرز في الأفق نجمه، وأتى بلطائف الشباب، وتلاءم في الكؤوس جائل الحباب. هذا إلى حسن خط كأنما نممنه عذاره، وقيام حسنه عن المحبين باعذاره، وهذا كله في مدة أقصر من رجع النفس، وأسرع من قدح الزناد للقبس، في زمان أعجل من إيماء المليح، وأقل من مقام الضيف عند الشحيح، لكنه لما جاء بالألفاظ يبهر حسنها، ويرجح وزنها، ظن أنه قد انتهى، وتناول بإحدى يديه القمر وبالأخرى السها، فترك الطلب، وقد كان له انتصب، واستنزف ثَمَدَه البِلى حتى نضب، وكان يشغله ما يشغل الشباب، ويصرفه عن الثبات على حال ما يصرف النسيم الهاب، فكان لا يرى مستقرًا قدر دقيقة، ولا رجع طرف حقيقة، فكان يعيبه التهور (٣)، ويزينه كثرة التصور، وما
стр. 4098
سلم حتى ودّع، ولا تلقته القوابل حتى شيعه من شيع.
ومن نثره قوله في جواب كتبه عن نائب الشام تنكز (١) إلى نائب طريق في معنى الحريق (٢) الذي حصل بدمشق سنة اربعين وسبعمائة:
أعز الله أنصار المقر الشريف، وحرس برّه الذي يتحرى، وحبوه الذي يتسرع إلى القلوب ويتسرى، وأمره الذي يبرد بنداه كل كبد حرّى، وسره الذي إذا ناجته خواطر الإشفاق والإرفاق انشدهما: (قفانبك من ذكرى) المملوك يقبل الباسطة الشريفة، تقبيلا يبرد به الغليل ويداوى بطبه الفكر العليل، وينهي ورود مشرفة تتضمن أمر الحريق الذي حصل بدمشق في هذه المدة، حتى أحرقها بناره، وحف جنتها بالمكاره، وسلّ عليها سيف الضرام، وحكم عليها حكم الدهر على الكرام، وأطلع في وجه شامها لغير الحسن شاما، وكاد يأتي عليها لولا تدارك لطف الله بـ ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٣) وهجم على جيرون (٤) فغير وهشتها، وعلى الخضراء (٥) فرمى فرشتها، وعلى اللبادين فكسر قلبها؛ لأنه كان زجاجًا، وعلى الوراقين فما شعرت حتى صارت باللهب كل ورّاق سراجًا، وكل طلحية وقد تفرّق طلحها المنضود، وكل كراسة وقد رد وجوهها البيض وهي سود، واضحى فم الفوّارة يصاعد حجرات انفاس، وسوق النحاسين يرسل منه إلى سور الجامع شواظ من نار ونحاس، وكل محبوبة بالطرائفيين وقد رأت مكروهها، وكل براعة دهماء وقد ابيض بالنار فودها، فلذلك سودت الدوي وجوهها، وغادر كل دكان دكا، فأوسع قوائم العمد وأطلاع السقوف كسرًا وفكّا، واقعد بيت الساعات إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكان يصلي به من يُصلّي، ويقبل على صف العابدين فيولي، واهتزت المأذنة بحمى نافض وتشعث وجه المشهد ألأبي بكرى فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورق صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنه بنار على علم، ومازالت مراءاة اللهب حتى خربت المنار، ووصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار، فيا لها داهية عمت
стр. 4099
المسلمين ومصيبة سودت وجه الدنيا، فبيض الله وجه الدين، وواقعة لها اقتربت الساعة، وقارعة لولا المعوذات لما قُبلت فيها شفاعة، ويالها عينًا دخلت على هذه الأسواق فَخَلَتْ، ويدًا استجدت منها محاسنها فأعطتها وما بَخِلَتْ. كانت لعمارتها رمانة. فأمست جلنار، وكانت محاسنها ليس عليها غبار، فأصبحت لا تعرف من الغبار، وماسكت لهذه النار لسان. ولا خفى لها شخص ولا عيان، ولا نشفت الدموع التي أطفأتها، ولا بردت ضلوع القياسير التي دفأتها، حتى طلعت شمس الفتنة من غربها، وتعالت أصوات النائبة عن قربها، وأتى النقص من جهة الزيادة، وسعى الداء بما وسع العيادة، فصار سوق الكفت كفاتًا، وسوق الخام رفاتًا، وخرجت قيسارية القاس عن القياس، وتوارد الاياس والرجاء في أمر البلد بمجموعة ولكن غلب الاياس، فركب المملوك بنفسه ومن عنده من الأمراء، وبأيديهم أسلحة المعاول، وعلى عواتقهم لقطع عنق النار سيوف الجداول، فكم من أرس قد داسته النار دوسًا، وكم من قد وقوس تصرفت فيهما، فصار القوس قدا، والقد قوسا، وكم من أوتار أخذت منها الأوتار، وكم من سهام نفذت لها في قلب الاسلام كما شاء الكفار، وكم من حلقة انقضت، وكم من عين بيضاء اسودت، وعين سوادء ابيضت، وكم من لجام دخل فيه لسان النار فلاكه، وكم من بحر سرج رمى عليه اللهب شبكة فأكل أسماكه، وبقي المملوك كلما دار إلى دار سبقه إليها المقدار، أو أشار إلى دكان تداعَتْ منها الأركان، هذا والصاغة تعوّذ عين ذهبها من عين لهبها، والمأذنة ترجف فرائص تختها من مصرع أختها، وتدارك الله الحال بلطفه، ومن بإطفاء ذلك الحريق، ولولا منه لم نطقه ولم نُطْفِهِ، ولم تقتصر الحال عن هذين الحريقين، بل تتابع بعدهما لهما أمثال، ومايشك المملوك في صدق ما أشار إليه مولانا من تلك الحكايات، وضربه من الأمثال، فإنه ما يسعر هذه النار إلا عدوّ أزرق، ومَنْ أُحرق قلبه بحريق جانب من معبده، فلا غرو إذا أحرق.
ومنه قوله: [من الكامل]
يا سادة نزحوا دموعي عندما … نَزَحُوا وعهندي منذ ذلك عام
أوما وجدتم ري دمعي عندما … وافاكم من ناظري غمام
كيف اعتقدتم سلوتي عن ذكركُم … ايطيب إلا بالكمال كلام
ها أنتم في ناظري مادمت يقـ … ـظانًا وتجلوكم لي الأحلام
أشجى فراقُكُمُ دمشق فغصنُها … قلق إذا ناحت عليهِ حَمامُ
ونزلتم الشهباء فاجتالت لأن … علمت بأن النازلين كرام
طابت بكم ويطيب كلُّ حمى غدا … يُعزى لابراهيم فيه مقام
стр. 4100
وينهي ورود مثاله الكريم، بعد أن وجَدَ عن بعد ريحه، وشام برقه العالي، قبل أن يأتي قميصه بالبشرى الصريحة، وأحسن الخاطر بسروره الزائر، وإن كان ماكل روايات الخواطر صحيحة، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (١)، وصدقت ظنون حبي، ويا أيتها الأيام التي قد طال بيني وبينها عَتْبُ النوى حَسْبي، ثم عطف على الكتاب الكريم يغازله، ويصاعد فيه نظر اللوم وينازله، ويقول له: أين لطف الترسل إذ عدمنا لطف الكلام؟ قد احترقنا بنار إبراهيم ولا برد ولا سلام، قَدْ أَخَذَ بفراقه لذة أيامنا نهبا، وقد كنا ونحن بالشعراء لا نطيق جفاءه، فكيف وقد ركب علينا الشهباء، وشرع في فنون العتب ينسقها، وفي حمول الشكوى يوسقها، إلى أن فض لطيمة الطرس ففاح عبيره، ولاح حبيره، وباح بالبيان صغير لفظه وكبيره، فكل زهرة حرف عليها للحسن ندى، وكل غصن سطر طفا حبّ القلوب عليه نقطا، وبدا يود ابن هلال (٢) لو استعار منه معنى الكمال، ويتطلع ياقوت (٣) إلى أن يكون فصًا لخاتمه الذي ختم به على هذا السحر الحلال، ويتهافت المسك على أن يكون به تحرير ذلك الحرير، ويخلع صوف ذلك الغزال، فلما رأى المملوك نسمات تلك المحاسن قد ناوحت الهبوب وترواحت بالشمال والجنوب، وأنشد لسان حالها: ومن أين للوجه الجميل ذنوب، قبل بشفاعة حسنه الأعذار، ونادى حرب العتب: ضعي الأوزار، وعاود وصف الشوق فيقول: ما لربيع على أنس البلاد به، وتحلّى عاطل الروض بذهبه، واستطال صاحي الطير بخيامه المضروبة، حيث حبال الشمس من طنبه/ ٣٥٨/ باشد من شوق المملوك إلى تلك المحاسن التي من رأى خط شبابها تحقق ان مامحاه آسن، وقد آن للمملوك أن يهرب من الاستهداف لهذه الأوصاف، وألا ينسبه إلى انحراف كل قليل الانصاف، وما أكثر القليل ذكر مولانا المقام، ومقامه فشوق وما ذوق، وعرض بيتين انشرا من لسان المملوك وقلمه ميتين، فحذا حذوهما في اللفظ، وتصرف في المعنى، وقال في معنى ما مولانا بصدده من ملازمة الاشتغال: