والرقعة هذا مضمونها وهو:
أسعد الله مولانا بهذا اليوم الذي تمثلت ثرياه صورة كأس يطاف به على الجلاس، وأتى نسره إلى المجرّة حائمًا على الورود زاريا كأنه مجهود والجوزاء مسبلة الذوائب، وسهيل لها خاطب، والشعرى شعرها وغدائرها الغياهب، ومد الله عمر مولانا، ومتَّعَه بشرف المناقب.
وبهذا ذكرت قولي من قصيدة وهو: [من الكامل]
شق الصباح غلالة الظلماء … وجلا النهار غدير كل سماء
لولا كواكب في الصباح تأخرت … كحمائم مبثوثة في ماء
بصبيحة رقت حواشي هذبِها … ووَشَى النسيم بها إلى الأنواء
حتى تَجَلَّتْ مثل خود ختمت … بالنجم تحت مظلة الجوزاء
وبدا سهيل ثم والشعرى يلي الـ … ياقوتة الصفراء بالحمراء
وكأنما زهر المجرّةِ روضة … قَدْ كُلِّلَت بجواهر الأنداء
والنسر في شَفَقِ الصباح مشمّر … كي لا يُبَل لباسه بدماء
عدنا إلى اليمني. ومن شعره قوله: يذم عدن (١): [من الكامل]
عدن إذا رُمتَ المقامَ بِرَبْعِهَا … فلقدْ تُقيمُ (٢) على لهيب الهادية
بلد (٣) خلا مِنْ فاضل وصُدُورُهُ … أعجاز نخل إذ تراها خاوية (٤)
وقوله: [من الوافر]
إذا حَلَّتْ أيادي البرقِ رَمزا … على كنز العمام سقين حرزا
وأمطرت الغيوم خيول سيل … على وجه الثرى يجمزن جمزا
أَثَرْنَ بياته فكسا ربوعًا … تعرَّت عن ملابسهن خزا
وباع المشتري لما توالى … محبَّتَه لكف الأرض بزا
واطلعت الرياض نجومَ نَوَرٌ … فتُغريها أيادي الشَّرْبِ حزا
وولى عسكر الظلماء هزمًا … أخافتْ مِنْ سنان البرق وخزا
فحينئذ تَرَى عُقَدَ الثريا … على جيد الحمائل قد تجزى
стр. 4097
فما هذا التأتي يا نديمي … لقد خالفت إذ خالفت عجزًا
وجامُ الشرْبِ يُنْسَبُ للثًّرْبِيا … وشَمْسُ الراح نحو الكرْمِ تَعْزِي
فواصلني بها فلعلَّ دائي … يزولُ إذا شربتُ الخمر مُرَّا
على نهر المجرَّة والداري … عيونٌ حولها يَبْدِينَ غمزا
فجرِّدْ جيش لهوك يا خليلي … لغزو غنيمة من قبل تُعْزَى
ومنهم:
[٢٧] ابن غانم عبد الله (١) بن علي بن محمد بن سلمان (٢)، عرف بابن جمال الدين، أبو الفضل، غانم المقدسي
شاب برع وبهر، وطلع مثل الكواكب وظهر، وما أعرف في أي وقت اشتغل، ولا متى ألهب شغفه واشتعل، كأنما لقن سحر البيان من حين ولدته أمه، وبرز في الأفق نجمه، وأتى بلطائف الشباب، وتلاءم في الكؤوس جائل الحباب. هذا إلى حسن خط كأنما نممنه عذاره، وقيام حسنه عن المحبين باعذاره، وهذا كله في مدة أقصر من رجع النفس، وأسرع من قدح الزناد للقبس، في زمان أعجل من إيماء المليح، وأقل من مقام الضيف عند الشحيح، لكنه لما جاء بالألفاظ يبهر حسنها، ويرجح وزنها، ظن أنه قد انتهى، وتناول بإحدى يديه القمر وبالأخرى السها، فترك الطلب، وقد كان له انتصب، واستنزف ثَمَدَه البِلى حتى نضب، وكان يشغله ما يشغل الشباب، ويصرفه عن الثبات على حال ما يصرف النسيم الهاب، فكان لا يرى مستقرًا قدر دقيقة، ولا رجع طرف حقيقة، فكان يعيبه التهور (٣)، ويزينه كثرة التصور، وما
стр. 4098
سلم حتى ودّع، ولا تلقته القوابل حتى شيعه من شيع.
ومن نثره قوله في جواب كتبه عن نائب الشام تنكز (١) إلى نائب طريق في معنى الحريق (٢) الذي حصل بدمشق سنة اربعين وسبعمائة:
أعز الله أنصار المقر الشريف، وحرس برّه الذي يتحرى، وحبوه الذي يتسرع إلى القلوب ويتسرى، وأمره الذي يبرد بنداه كل كبد حرّى، وسره الذي إذا ناجته خواطر الإشفاق والإرفاق انشدهما: (قفانبك من ذكرى) المملوك يقبل الباسطة الشريفة، تقبيلا يبرد به الغليل ويداوى بطبه الفكر العليل، وينهي ورود مشرفة تتضمن أمر الحريق الذي حصل بدمشق في هذه المدة، حتى أحرقها بناره، وحف جنتها بالمكاره، وسلّ عليها سيف الضرام، وحكم عليها حكم الدهر على الكرام، وأطلع في وجه شامها لغير الحسن شاما، وكاد يأتي عليها لولا تدارك لطف الله بـ ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٣) وهجم على جيرون (٤) فغير وهشتها، وعلى الخضراء (٥) فرمى فرشتها، وعلى اللبادين فكسر قلبها؛ لأنه كان زجاجًا، وعلى الوراقين فما شعرت حتى صارت باللهب كل ورّاق سراجًا، وكل طلحية وقد تفرّق طلحها المنضود، وكل كراسة وقد رد وجوهها البيض وهي سود، واضحى فم الفوّارة يصاعد حجرات انفاس، وسوق النحاسين يرسل منه إلى سور الجامع شواظ من نار ونحاس، وكل محبوبة بالطرائفيين وقد رأت مكروهها، وكل براعة دهماء وقد ابيض بالنار فودها، فلذلك سودت الدوي وجوهها، وغادر كل دكان دكا، فأوسع قوائم العمد وأطلاع السقوف كسرًا وفكّا، واقعد بيت الساعات إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكان يصلي به من يُصلّي، ويقبل على صف العابدين فيولي، واهتزت المأذنة بحمى نافض وتشعث وجه المشهد ألأبي بكرى فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورق صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنه بنار على علم، ومازالت مراءاة اللهب حتى خربت المنار، ووصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار، فيا لها داهية عمت
стр. 4099
المسلمين ومصيبة سودت وجه الدنيا، فبيض الله وجه الدين، وواقعة لها اقتربت الساعة، وقارعة لولا المعوذات لما قُبلت فيها شفاعة، ويالها عينًا دخلت على هذه الأسواق فَخَلَتْ، ويدًا استجدت منها محاسنها فأعطتها وما بَخِلَتْ. كانت لعمارتها رمانة. فأمست جلنار، وكانت محاسنها ليس عليها غبار، فأصبحت لا تعرف من الغبار، وماسكت لهذه النار لسان. ولا خفى لها شخص ولا عيان، ولا نشفت الدموع التي أطفأتها، ولا بردت ضلوع القياسير التي دفأتها، حتى طلعت شمس الفتنة من غربها، وتعالت أصوات النائبة عن قربها، وأتى النقص من جهة الزيادة، وسعى الداء بما وسع العيادة، فصار سوق الكفت كفاتًا، وسوق الخام رفاتًا، وخرجت قيسارية القاس عن القياس، وتوارد الاياس والرجاء في أمر البلد بمجموعة ولكن غلب الاياس، فركب المملوك بنفسه ومن عنده من الأمراء، وبأيديهم أسلحة المعاول، وعلى عواتقهم لقطع عنق النار سيوف الجداول، فكم من أرس قد داسته النار دوسًا، وكم من قد وقوس تصرفت فيهما، فصار القوس قدا، والقد قوسا، وكم من أوتار أخذت منها الأوتار، وكم من سهام نفذت لها في قلب الاسلام كما شاء الكفار، وكم من حلقة انقضت، وكم من عين بيضاء اسودت، وعين سوادء ابيضت، وكم من لجام دخل فيه لسان النار فلاكه، وكم من بحر سرج رمى عليه اللهب شبكة فأكل أسماكه، وبقي المملوك كلما دار إلى دار سبقه إليها المقدار، أو أشار إلى دكان تداعَتْ منها الأركان، هذا والصاغة تعوّذ عين ذهبها من عين لهبها، والمأذنة ترجف فرائص تختها من مصرع أختها، وتدارك الله الحال بلطفه، ومن بإطفاء ذلك الحريق، ولولا منه لم نطقه ولم نُطْفِهِ، ولم تقتصر الحال عن هذين الحريقين، بل تتابع بعدهما لهما أمثال، ومايشك المملوك في صدق ما أشار إليه مولانا من تلك الحكايات، وضربه من الأمثال، فإنه ما يسعر هذه النار إلا عدوّ أزرق، ومَنْ أُحرق قلبه بحريق جانب من معبده، فلا غرو إذا أحرق.
ومنه قوله: [من الكامل]
يا سادة نزحوا دموعي عندما … نَزَحُوا وعهندي منذ ذلك عام
أوما وجدتم ري دمعي عندما … وافاكم من ناظري غمام
كيف اعتقدتم سلوتي عن ذكركُم … ايطيب إلا بالكمال كلام
ها أنتم في ناظري مادمت يقـ … ـظانًا وتجلوكم لي الأحلام
أشجى فراقُكُمُ دمشق فغصنُها … قلق إذا ناحت عليهِ حَمامُ
ونزلتم الشهباء فاجتالت لأن … علمت بأن النازلين كرام
طابت بكم ويطيب كلُّ حمى غدا … يُعزى لابراهيم فيه مقام
стр. 4100
وينهي ورود مثاله الكريم، بعد أن وجَدَ عن بعد ريحه، وشام برقه العالي، قبل أن يأتي قميصه بالبشرى الصريحة، وأحسن الخاطر بسروره الزائر، وإن كان ماكل روايات الخواطر صحيحة، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (١)، وصدقت ظنون حبي، ويا أيتها الأيام التي قد طال بيني وبينها عَتْبُ النوى حَسْبي، ثم عطف على الكتاب الكريم يغازله، ويصاعد فيه نظر اللوم وينازله، ويقول له: أين لطف الترسل إذ عدمنا لطف الكلام؟ قد احترقنا بنار إبراهيم ولا برد ولا سلام، قَدْ أَخَذَ بفراقه لذة أيامنا نهبا، وقد كنا ونحن بالشعراء لا نطيق جفاءه، فكيف وقد ركب علينا الشهباء، وشرع في فنون العتب ينسقها، وفي حمول الشكوى يوسقها، إلى أن فض لطيمة الطرس ففاح عبيره، ولاح حبيره، وباح بالبيان صغير لفظه وكبيره، فكل زهرة حرف عليها للحسن ندى، وكل غصن سطر طفا حبّ القلوب عليه نقطا، وبدا يود ابن هلال (٢) لو استعار منه معنى الكمال، ويتطلع ياقوت (٣) إلى أن يكون فصًا لخاتمه الذي ختم به على هذا السحر الحلال، ويتهافت المسك على أن يكون به تحرير ذلك الحرير، ويخلع صوف ذلك الغزال، فلما رأى المملوك نسمات تلك المحاسن قد ناوحت الهبوب وترواحت بالشمال والجنوب، وأنشد لسان حالها: ومن أين للوجه الجميل ذنوب، قبل بشفاعة حسنه الأعذار، ونادى حرب العتب: ضعي الأوزار، وعاود وصف الشوق فيقول: ما لربيع على أنس البلاد به، وتحلّى عاطل الروض بذهبه، واستطال صاحي الطير بخيامه المضروبة، حيث حبال الشمس من طنبه/ ٣٥٨/ باشد من شوق المملوك إلى تلك المحاسن التي من رأى خط شبابها تحقق ان مامحاه آسن، وقد آن للمملوك أن يهرب من الاستهداف لهذه الأوصاف، وألا ينسبه إلى انحراف كل قليل الانصاف، وما أكثر القليل ذكر مولانا المقام، ومقامه فشوق وما ذوق، وعرض بيتين انشرا من لسان المملوك وقلمه ميتين، فحذا حذوهما في اللفظ، وتصرف في المعنى، وقال في معنى ما مولانا بصدده من ملازمة الاشتغال:
стр. 4101
[من الوافر]
أقمتُ مجاورًا في عُقْرِ بيتي … لأنَّ تنقلي داء عقام
إذا رُزِقَ الفتى عقلًا ودينًا … ودنيا برة طاب المقام
آخره تتمة:
مَلَلْتُ من المقام على خمول … وحلَّ من الهموم بي انتقام
ولو أني سعيتُ لكسب مال … حلال طال لي فيه المقام
وإذا وَصَلَتْ المقامة تمت المقامة، وإلا فكلام المملوك خبط عشواء في هذه الحالة، نسق المملوك من كتابه (عرف الادب الوردي) فتنهد وارتاح إلى ذلك الدين الذي عرّى المملوك من فضله، مع أنه ما برح حتى للرياض بالكسوة يتعهد، فيا شوقي إلى دنانيره وقد ألقاها الشوق في بناني، وإلى وجناته الوردية وقد وقَفَتْ نصب عياني، ولكن ما أفعل في سوء الحظ، غايتي أن ألومه، ومولانا يعرض عليه لهفاتي وما يخفى عنه طريق اكرومة.
ومنه قوله:
وينهي ورود البشرى التي ملأت الوجوه بشرا، والوجود نشرا، وأقامت بالسرائر سوقًا أضحت تباع به البشائر وتشرى، بما حَصَلَ لمولانا من الإقيال الشريف الذي تَعدَّدَتْ تشاريفه وتحدّدت تكاليفه، وتزيدت على وسع الآمال مصاريفه، من تيجان غمام اعتدلت فوق مفرقه، وألوان فراج أحرق في سمور سجفها زركش النجوم، فلاحت تلك اللمع من محرقه، ومن هالات طرحات كأنما كن لشهابه المشرق فلك تدوير، ومن أبدان سنجاب حكت بياض البطون وزرقة الظهور طلوع الشمس في يوم مطير، فقابل المملوك وسائر المماليك المحبين هذه النعمة بحقها من الشكر، وأفاق بهبوب نسيمها، وإن كان غرامه في هذه المدة بمطالعة مسالك الأبصار لا يدعه يفيق من السكر، فلله هذا الحبيب المشنف والغريب المصنف والمنوّع المنوّر، والدهر الذي هو بأهله من لدن آدم مصور، حرس الله هذا الجمع الصحيح وهذا الفصل الذي نثر من الدر في حجور التراجم كل مليح، وهذا السياق الذي سير الشموس من الطروس على نجائب، وهذا الوفاق الذي حصله بين البر والبحر، وحدث عن العجائب بعجائب، فما كان للمملوك دأب في هذه المدة إلا التقاط درره من أصداف الأوراق، واجتناء ثمره من غصون تلك السطور، وكله قد راق، فإن اعترضته عنبرة ثناء فَتَها على جمر الشوق فتا، أو عارضته عرائش تصانيف الأولين أقام تلك المجلدات فتصير ستا، والمرجو من الله تعالى رؤية ذلك الوجه
стр. 4102
الكريم على ما يسر الأولياء، ويسوء الأعداء، وحاشاه أن يكون له أعداء.
ومن شعره قوله (١) في مليح نظر إلى الشمس عند غروبها مضمنًا: [من الرمل]
وغزال غازل الشمس وقدْ … وقَفَتْ فوق ثنيات الأصيل
فتعوّضناه منها بَدَلًا … (وتفارقنا على وجه جميل)
ومنه قوله غير مضمن: [من السريع]
وذي دلال حسنه وافر … تُقَصِّرُ الأوصافُ عَنْ كُنْهِهِ
رنا من الشمس وقدْ غَرَّبَتْ … بفاترِ اللحظ إلى شبهه
ففوّضَتْ في الحسن من بعدها … ولاية العهد إلى وجهه
ومنه قوله مضمنًا: [من المنسرح]
ورب ظبي مخضر شاربه … رطب حواشي اللمى موردها
قال وشمس الأصيل قد وقَفَتْ … على ثنايا الأصيل تُنشدها
كعاشق سارَ عَنْ هواهُ ففي … مقلته دمعة يرددها
(قفا قليلًا بها علي فلا … أقل من نظرة أزودها) (٢)
ومنه قوله: [من الكامل]
نَعَسَ الحبيب فقيل ماذا شأنُهُ … فاجابهم بالحاجب المقرون
وبرة أشرت وطرفٍ أدعج … كالنون فوق العين تحت السين
فهؤلاء أعيان كتاب المشارقة ممن مات وفات، وبقي منه ماينشر العظام الرفات، وأكثرهم قد جهل قبره وفني، وما فنى ذكره ولا بِرِّهُ. خلا عمى الصاحب شرف الدين أبي محمد عبد الوهاب (٣) ﵀، فإنني ذكرته في كتاب «فواضل السمر في فضائل آل عمر» إذا لم يكن بد من ذكره هناك مع أقربائه، وسلف أهل بيته وآبائه، وكذلك
стр. 4103
والدي تغمده الله برحمته وإن كان دون أخيه قدر مقال لا مقام، و دُرّ نظام لا انتظام، وسيأتي ذكر جماعة من أهل هذا البيت في الكتاب المذكور ومنه يعرف خبر كل معروف غير منكور على أنني بشهادة الله لآنف لي ولسلفي أن ننحاز إلى هذه الفئة أو نلم كرى بعيونها المغفية، والله [در] المعري حيث يقول (١): [من البسيط]
دَعِ اليِراعَ لِقَومٍ يفخرُونَ بِهِ … وبالطوالِ الدّينياتِ فافتخِر
فَهُنَّ أَقْلامُكَ اللاّتِي إِذا كَتَبَتْ … يومًا أَتَتْ بمِدادٍ مِنْ دَمِ هَدَرِ
فأما الأحياء بالجانب الشرقي ممن يطلق عليه هذا الاسم بالاستحقاق، فبقية.
ومنهم:
[٢٨] زين الدين (٢) الصفدي، أبو الحفص عمر بن داود بن هارون بن يوسف الحارثي
من بيت قضاء وخطابة ببلاد صفد والساحل من زمان الفتوح، وهم أهل قرى لا يغلق بابهم المفتوح، وفيهم بنين (٣) من يضيف الوارد والصادر، ويطيف كرمه بالعاجز والقادر على قلة يسار وخلة إعسار، وبرع هذا الرجل فيهم، وتأدب، وتذهب أدبه وتهذب، وأتقن علم العربية، وتم له تمام الفضائل الأدبية، إلى فقه درسه، وفضل نوعه وجنَّسَهُ، وعلم معقول أدركه بمجرد التصور، ووازع إيمان منعه فيه من التهور، واطلاع اشرف من يفاعِهِ، وأطلّ عليه من شرف ارتفاعه، كل هذا إلى ذكاء يتدفق سيله، ويعرف من بين النجوم سهيله، وتفرد بمعرفة التنفيذ للمهمات قل من يحسنها، أو يحير جوابًا حيث ينطق ألسنها. هذ مع خط كأنما الحف جناح الطاووس، أو تلألأت تحت جنحه أشعة الشموس، وحسن مصاحبة تطمئن بها النفوس. ومواظبة على علًا يسود بها ويسوس، صحبته من قديم، وعرفه أولياء الأمر،
стр. 4104
وتنبه ذكره، ثم رقد، وهب لهب صيته ثم خَمَد، وجرى ماء حظه يتدفق ثم جَمَد، ورتب في كتابة الدرج في عدة مواضع من الممالك في أقرب مدة من الزمان، واشتهر برجاجة العقل والكتمان، ووفور الفضل والأدب، ثم كتب الإنشاء بدمشق ثم بمصر، فأنشأ غرّ التقاليلد. ورقم برودها، ونظم ما استجدت منه أجياد الحسان عقودها، وحضر بين يدي المقام الشريف، وكان عندي موضع الثقة، وقدمته لأهليته، ثم بعد أن رفعت ذلك الشعار، وخلعت ذاك الرداء المعار، قلتُ الموت ولا العار، لبث قليلا ثم تَبِعَتْهُ عوادي الضرّاء وروعته في وسط السرّاء، ثم كان في صفد بين قومه، إلا أنه لا يجد قوت يومه، وبقي حيًّا ميتًا، لا يملك بيتًا، ثم انفرجت حلقة ضائقته، وعادت لوامع شارقته، وفسح له في سكنى دمشق، فعاد إلى صدور مجالسها، ثم كتب في ديوان الإنشاء بها، وحلّ مفاخر رتبها، فتبلل عودها بأندائه، وأشرقت سعودها باستظهاره على أعدائه، ثم طلب إلى مصر، ووقع بالدست، وهو الآن جمال الأوان، وكمال الديوان، وبيده الأزمة، وإليه الأمور المهمة، وفضله يستحق التتمة.
ومن نثره قوله في ورقة كتبها إلى والدي:
وينهى أن إحسان مولانا وصل إلى ذلك الفقير الصالح، الذي من قرية نين، وهي قرية المملوك التي أخرجته، وإنما خدمته للبيت العمري هي التي خرجته، وإلى طبقات الناس درجته، وقد بقي يعوزه كتاب كريم إلى مشدّ صفد، نظرًا لكتاب الكريم الذي صار في يده إلى نائبها والمملوك يسأل الصدقة عليه بالمطلوب، وأن يكون كتابًا حسنًا يعيره مولانا سماحة كرمه وقلمه، ويُلحفه جناح جاهه وكلمه، صدقةً على المملوك دونه، ويدًا يقبلها ويقبلها ممتنة غير ممنونة، والوحا الوحا، وقد ضجر المملوك وهو استحى، والله يرفع درجة مولانا حتى يكون على الكواكب مستفتحا، ولنظره في حديقة المجرة مَنْزَها، وبعرف نرجسها مترنحا.
ومنه قوله في تهنئة بعود الركاب السلطاني من الحج:
وجمع الحجيج في سنتهم الواحدة بين حجتين، وكتب لمناسكهم بيمنه أجْرَ مصلّي القبلتين، وتم لتوجههم بأنواره، الهدى والنور، وحصلوا من صفقته الرابحة على تجارة لن تبور، ووقاهم لفح الهجير تطوفهم بالكعبتين، ذات المقام وظله، وامنهم العقبى تمسكهم بالعروتين من البيت العتيق وفضله، وعشوا إلى ضوئين من ناره التي هي أم القرى، ومكة المسماة في الذكر القديم أم القرى، فهذه المهاجرة التي جدّدت السنة بمحمدها، والمثابرة التي أعلنت الالسنة بمدح سؤددها، وهو الجدير بأن يوفيها من استبشاره وشكره أكمل وظيفة، وان يقدر موقعها حق قدره،
стр. 4105
وإن كان مما لا يطيق الامة تكليف.
ومنه قوله وقد أهدى إليه صاحب له طبق مشمش مع غلام مليح:
وصل البر الذي زاد على منتهى الطلب، وأشهد النواظر بين يدي قضيب البان كرات الذهب، وجاء بالبدر وقد اتسق، والنجوم وقد ركبت في دائرة الطبق، فبهت لدنو صور الكواكب من اللمس، وتسيير القمر في منازل الأرض، وهو الذي لا ينبغي أن تدركه الشمس، ثم تأمل وتملّى، واستجلى واستحلى، وقال شكرًا للمرسل والرسول وياحسن الحامل، وبالذة المحمول أهلًا بما لم أكن أهلًا لموقعه، ومرحبًا بكرم جمع بين تنوّعه وتسرّعه، أين الأمل من هذه الغاية؟ وكيف غفل الدهر حتى تناهى في الإحسان إلى هذه النهاية؟ مولى يسعى إلى عبده، وغصن تجيء ثمرة تميس في أوراقه من برده.
ومنه قوله في ذكر الدواة:
وقد أرسلها مشتعلة بالسر مفارق راسها، مستعدية على وضعها الذي انتزع روحها باستمداد أنفاسها، واستحال عليها مع الدهر حتى عكس النقب في روعها من قرطاسها، فهي بيضاء إلا أن السواد كان أنقى لسمائها، وناجية عندها أن الغرق أسكن لروعتها من نجاتها، وأملها أن تسودها يد لك لا تسود إلا من النفس، وأن تديل لها من سالب صبغتها وهو الطرس، فيطيل لسان فمها، وهو القلم يمج على حواشيه لعاب الظلماء في لهوات الشمس.
ومنه قوله في أمر وفاء النيل:
وذلك أنه عند تسطيرها، وردها المثال الشريف يتضمن نَبَأَهُ بسطوره التي كأنها جداوله، وأنه جاء لمؤمله بنفسه التي ليس في يده غيرها، فكأن المسؤول لا شك سائله، وما أظنّه إلا حيًا نزل دون تلك الديار مهابة لمن حلّها من مطايا الغمام، واحلها من أحلّه أن يلم بها ركبًا، فمشى على وجهه إليها تناهيًا في الإكرام، ولم يزل يجري لمستقر له، ويضمه شيئًا فشيئًا إلى أن أدرك آخره أوّله. ووارده في كل ساعة يشهد بنجاح رأى الرائد على التحقيق، ومخلقه المتواري بحجاب الماء يوميء بأصبعه إلى حسن العاقبة على أنه في حالة الغريق، ولو قدر على المقال لظهر خافيه ونطق بتوفية عوائده، وأنى ينطق والماء ملء فيه، حتى إذا تكمل سمو أمواجه حالًا على حال، وتنور أقاصي الأرض من ثنية المقياس، فأدناها النظر العال، لم يملك طبعه السيّال أن غطى مساوئها البادية، ورأى ظمأها إليه مع القصور عنه، فنقع بانتقاله إليها غلة كبدها الصادية، وكان له الفضل على الثرى والورى في ذلك المسعى، وقالت
стр. 4106
ألطاف الله المتتابعة: هذا الماء وسيتلوه المرعى، وكأن هواءه المعتدل على اعتلاله عدلًا، فحمل قلب كل غدير ما أطاق، ولم تبق عين بقعة كانت فارغة إلا وكلها عند نظرة الدمع مأق.
ومنه قوله:
وينهى أنه لو أمكن دفاع القضاء، أو قبل غريم الموت المتقاضي أخذ الفداء، لحمى هذا المحترم بأنصار الرجال، لا بجواري العيون المحزونة، ولصرفت عنه المهج يد المنون يبذل نفوسها المصونة، فقد كان والله شقيق الشمس رفعة وهدى، ومباري غرة البدر في الندي، ورسيل الغيث في الندى، وإن أمسى الزمان لتواري شخصه آية ليلٍ مُحِيَتْ، وظلة غيم رأيت عليها لمحة بارق لمعت ثم زويت، فلعهدي وهو بآية نهار حياته المبصرة أحسن (١) اجتلاء، وأبهى وأبهر بين المشاهد في المعنى والصورة روية ورواء. طوبى له، حلّ في أمنع جوار، وحصل على سعادة في دار القرار، يفرح بها من ارث شقوة الحزن في هذه الدار، والمملوك مذ سمع نعيه يحسد صم الرماح، ويتزود من سواد مقلته ودمعها في ظلمة باك من فقد نورها على الصباح، وما أدعو لمولانا وحده إلى سنة العزاء المشروط، ولا أقول له: مهلًا ليذهب بك فرط الجَزَع على أخيك مذهب القنوط، وإنما أشرك نفسي معه في التعزية والتسلية، وأتجلد وإن كان لا جَلَدَ على نفوذه هذه الرمية المضمية، فاتعلل وأتمثل بقول الأول: [من الطويل]
ولو لم أكن منكم يعذّبكمُ بكُمْ … ولكنَّ حظّي في المصاب جليل
إلا أن أخصه لاختصاص نسبه، وافرده بجامع ادبه، فلا أجمع لأقسام الكمال من أدبه، وأستشهد بأن أنشد: [من الطويل]
ومَنْ يَكُ ذَا نفس كنفسِكَ حَرَّةٍ … ففيه لها مُغْنٍ وفيها لَهُ مُسلِي
ومنه قوله (٢):
وينهى ورود المشرّف الكريم، ووقت الصوم قد حان، وهلاله في عنان السماء مرخى العنان، يُشار إليه بالبنان، كأنه الطليعة، وهي الراء من أول رمضان، أو الساقة وهي النون من آخر شعبان، أو الخائف اختفى عن العيان، وترامته الأبصار فاستعان، أو طالب حاجة مع الشمس أدركه الليل فوقف وقفة الحيران، أو كوة في غار فغار، أو رقيب وقد اختبا (٣) ليطلع على مغيبات الأسرار، أو الحاجب لا جرم أنه حجب عن
стр. 4107
الإفطار (١)، أو كأنه ما انهار من جرف النهار، أو المجلب الصائل على النظار، الصائد مجاوره من النجوم، لتتكمل فيه الأنوار، وتتم باجتماعها إليه في صورة الأقمار، أو المنجل الحاصد للأعمار، القاصد جنى ما علا نهر المجرة من الأنهار، أو طوق لم ينظم أو مبدأ عمامة لمعمم (٢)، أو قرط خانته العلاقة فانقطع، أو ما انخرم معه في شحمة الأذن لما وَقَعْ، أو علامة عضة، أو قلامة مبيضة، أو قطعة من سوار فضة، أو تشريف نوارةٍ غضّة، أو شَفَةُ فتاةٍ بضّة، أو حافر جواد حلّى أرضه، أو وطأة حافِ خلى من أثر كعبه بعضه، أو درهم فيه ثلمة، أو دينار مخسوف الجانب لحكمه، أو تمثال عشر في ختمة، أو نصف دائرة من خط بيكار ما أتمه، أو عرجون قديم، أو مامال من كأس نديم، أو شطر من كرة مقسومة، أو ضاحك أسنانه مهتومة. أو هالة والت قطرًا منها غير مركومة، أو لثام على حنك، أو زورق من ورق حمولته من عنبر الحلك، أو حجل نزع من ساق، أو ورق راجع من الأوراق، أو ما انحل من الخصر من النطاق، أو وقف من عاج، أو صدع في زجاج، أو جدول منعطف، أو قفل في فلاة قد حذف، أو لبة فؤاد، أو غصن أثْقَلَهُ الثمر فاناد، وعقد سماءه بأرضه أو كاد، أو ثغرة في سور، أو فم قدح مكسور، أو نؤي محفور، أو فخ منصوب على طول الدهور، أو عرق مغروس (٣)، أو بعض ما في ريش الطاووس من المنقوس (٤)، أو حلقة منقوصة، أو أذن ريم مقصوصة أو ضفيرة معقوصة، أو خاتم زال فصه ففغر، أو ما انداح من رمية في صفحة الماء بحجر، أو طيّة من المكان، أو سرة محققة في كشح ريان، أو ذؤابة مردودة. أو حزة من بطيخة مقدودة، أو خيزرانة ملتقية غير معقودة، أو قوس محني القرى، أو عروة مفكوكة من العرى، أو فتر مرفوع، أو طيلسان مقوّر مقطوع، أو قبضة إبريق مخلوعة، أو آلة للطيب مصنوعة، أو يد التفت على عناق حبيب، أو شعرة مشيب نَصَلَت من خضيب، أو ما أحاط من الاكليل بالجبين، أو محراب لبعض المصلين، أو سالف تحسين، أو مشقة قاف أو سين، أو ما اندفع في جؤجؤة السفين، أو أحد الجفنين، أو عذار حول الخدين، أو رأس من كتابة صاد لم يلتحم أو عين أو دال منقلب أو طاء منفصل الطرفين سقط ألفه المنتصب أو مبسم مثقوب، أو تعريفة جيم مكتوب، أو عقرب شائلة، أو شعلة نار لعبت بها الريح الجائلة، فهي مائلة، أو حيّة ملتوية، أو صولجان مقصوف لم يبق
стр. 4108
منه سوى الحنية، أو ترقوة بدا عظمها، أو طارة غرض خرق هيئاتها سهمها، أو فلكة مغزل مشتظاة، أو دف أمسكت به كف سوداء على أعلاه، أو ما تحت تنفس المرأة [في المرآة] (١)، أو قنطرة منكوسة الوضع في البنيان، أو طبق قائم أخذ من حافته شيء فبان، أو غرة في أدهم من الخيل، صانعت بها الشمس عن نفسها لخاطف الليل، أو رداء أسبله الشرف فكف الغرب منه الذيل، أو صعدة أو مكان ورقة من وردة، أو قفل على تجليد، أو احدى المطيفين بالوريد، أو لبب مركب، أو كوز مرتب، أو قتب مجرد، أو سرج مؤكد، أو قربوس منه مفرد، أو واحدة من خشكنان، أو حدقة نجلاء من إنسان، أو طعنة ميلها بسنان، أو سيف لان في يمين ضارب، أو مطرح القلادة من ترائب الكاعب، أو المملوك مما شفته الاشواق، وصنعته به عوادي الفراق، أو ماخذه في خده الدمع المهراق، وكان للناس اشتغال باستقبال الهلال، وقلب المملوك في اشتغال، مما عنده مِنَ البلبال، ومن ضنى جسده البال، وحالت الأحوال، وما استحال، وبات طرفه يتملّى من المشرف الكريم حظًا ماله مثال. وتأمل منه لفظًا بمعانيه تضرب الامثال، وتقلب وجهه في افقه الدال على ود صح فليس به اعتلال.
ومنه قوله:
وعلمنا ما ذكره من أمر الصقر الذي وقع له، وما لحظه فيه من القبول، فأرسله وحمله إلى حيث حَمَلَهُ ووصل، وقد طرّز رقوم المحاسن حلله، وزانته بديباجة مكملة، وحلية مكللة، خالصًا كالذهب، متوقدًا كشرارة لهب، وموثى الصدر كما طَفَتْ على الكأس فواقع الحبب، أو كروضة منها ما لم يخرج من الأكمام، ومنها ما هب مع النسيم حين هب، حسن الاستعدادللتدريب، مدركًا فإذا دعي يجيب، مظفرًا كجد مهديه فلا يجيب، وقد قبلناه تبركًا بما يهديه، واشتغلنا به اشتغالًا حقق ما لحظه من القبول فيه، ورفعناه مِنْ يدنا الشريفة إلى رتبة لا يصل معها، وإن كان بعدها يتيه، وقدمناه على ما عندنا من الجوارح على كثرة عددها، وغزارة مددها، كتقدم المقام على الملوك الصائلة في عديدها وعددها، فلو رآه وله في حلاوة الالتفات تشوف الريم، وفي طلاوة الانصات دل الأغيد الرخيم، وإلى أغراض مرسله تشوف الواله إذا ظل يهيم، واصابة الباع المستفيد بالسهم المستقيم، وعلى الصيد حرص الغريم على الغريم، وفي طلبه سورة الظالم وثورة الظليم، إن اعطى الكلمة فحليم، وإن كشف عنه غطاؤه فبصره حديد، ورأيه حكيم، فاقترب، فيد تطلقه وأخرى تحتطب، وسابق يحصل ما يجتذب ويجتلب، وسائق (٢) يقد ثقة بعوائده ولا
стр. 4109
يرتقب، يهفو بقوادم أقوى من قوائم، وعزائم على النجح علائم، كأنه كبير قوم، أو ممسك لصوم، يعفو عما كسره، ويعف عن شره، إذا افترس حرس، وإذا احرز حرز، وإذا أدرك ترك، ولكن من مخالبه في شَرَك كأنه يعرف التحليل فيبقي للتذكية، أو يحبّ الثناء فيعمل على التزكية. حتى إذا أدّى الأمانة وقضى إدمانه، وسطا في صيانة، تنحى جانبا، وانتحى مجانبا، واحتشم هائبا، انطوى على الطوى وأعرض مع الخوى على ما حوى، فإذا أباحه محصّله مما يأكله، وأطلقه عما أوثقه، وخلى مايبنه وبين ما صاد، بايته باقتصاد كأن عليه رقيبًا بمرصاد، وتناول قدر الحاجة بشهوة مهاجة، ورجع إلى الكلمة بطرف غضيض وبطش غير مهيض، وثبات بعد وَثَبات كطرفي نقيض، بصره ثم تصرفه بين أيدينا في صيده، وحسن تلقفه، لما يعن له بلباقة كيده، ورشاقة أيدِهِ، ولا يثني عليه ثناء مَنْ أنهب سعيد، ورام ورمى فتم مرامه وصح رميه، ونحن نشكر مكارمه التي ملأت الحقائق والحقائب، ومدت عصائب جنود وجود يتبعها من الطير والعفاة عصائب.
ومن نظمه قوله: [من الوافر]
أقول وقد سألت قصاص قتلي … فقامَ لها الكرى بالاعتذار
كفاني من توفاكم بليلٍ … ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ (١)
ومنه قوله: [من الطويل]
وماقيل: هذا اليومُ يُخلِفُ دَرَّهُ … فيخلفه بالدر بيضُ الغَمَائِمِ
وقد عُكس التشبيه فيهِ فَعِهْنُهُ … جبالٌ لصلع الأرضِ مِثْل العَمَائِمِ
ومنه قوله وقد أهدي إليه حلواء: [من الوافر]
ولما جاءني منك افتقاد … حلافحكى ثناءك حين يجري
حصلت بما أتى وَحَصَلْتَ منّي … على الحلوين من بر وشكر
ومنه قوله: [من الوافر]
أتى زيد إلى الحمَّامِ يثنى … معاطفه كما مال الرديني
فكان الماء وهو عليهِ جارٍ … يُربنالؤلؤًا فوق اللجين
ومنه قوله: [من الطويل]
ولما أراد الصَّب خطًا تسابقت … مدامع عينيه تحاول محوه
стр. 4110
كأن بعينيهِ مِنَ الخَطِّ غيرةٌ … على وجهِ محبوبي إذا سار نحوه
ومنه قوله مما يكتب على عصابة ذهب لامرأةٍ حسناء: [من الوافر]
تأمل هذه الوجنات تُرْهَى … وقدْ حَلَّى تجليها الدَّلال
ترى شمس الضُّحَى منها ومني … يتوجها على الرأس الهلال
ومنه قوله: [من السريع]
أنزِلْتُ مَنْ أهواه في مُقْلَتي … صونًا لَهُ مِنْ أعين الحُسدِ
فجاءَ قلبي من طريقِ الكَرَى … يسرقها منها فلَمْ يرقُدِ
ومنه قوله: [من الوافر]
تبسم ثغرها والخالُ يبدو … عليهِ كقلب ظمآن إليه
فقلتُ: الصبحُ؟ قالت: كيف يأتي … وليل الخال بواب عليه
وكتب إلي: [من البسيط]
إنا ليملكُنا مِنْ هيبةٍ خَرَسُ … في حيكم وعلينا منكم حَرَسُ
وإِنْ خَلَوْنا وخلنا وحشةً عَرَضَتْ … عُذْنا بأسمائكم فاعتادنا الأنس
فنحن منكم وفيكم لا يزال لنا … مِنْ غَيْرَةٍ حَرَسُ مِنْ هيبةٍ خَرَسُ
حالان في حبكم ما حال بينهما … عهد الهوى وعليكم ليس تلتبس
وهل علمتم وحكم الحالِ واحدةٌ … أنا على النأي للاذكار نَخْتلِسُ
إذا مرضنا تداوينا بذكركم … ونترك الذكر إجلالًا فَنَنْتِكِسُ
ومن لنا لو لثمنا تربكم فيها … شفاء أكبادنا والبُرْءُ يُلْتَمَسُ
أرضُ لها قَبَس من نورِكُمْ وكذا … مِنْ وطء أقدامِكُمْ يندى بها اليَبسُ
تفديكم أنْفُس منا تحبّكُمُ … حياتُها منكم في موتِها نَفَسُ
فكتبت إليه: [من البسيط]
مَرَّتْ على عَجَلٍ والركب مُحْتَبَسُ … فما شككت بها والأمرُ مُلْتَبس
وبان بانُ الحِمَى واهتز إذْ خَطَرتْ … ولاحَ ضوء هلال أو بدا قبس
وفاحَ مِنْ مسك دارين لنا سَحَرًا … نَشْرُ الخمائل إلا انه نَفَسُ
وبت والليل يرميني بأنجمِهِ … مثل العيون ومنها أعين نُعُسُ
فقمْتُ في غفلة النُّوّام أشربُها … صِرْفًا مِنَ الراح إلا أنها لَعَس
وما توهّمتُ أنَّ الليل منصرم … حتى تجرّد من جلبابه الغَلَسُ
стр. 4111
وافت تذكّر بالعهد القديم وما … نسيته وهي لي في وَحْشَتِي أَنَسُ
ثقي سليمى بود لا يغيّره … نأي الديار ولا يذكي له الحرس
بل ماتجنُّ جوّى منه القلوب ولا … يُبدي هواه ومنه الجَمْرُ يقتبس
ياجيرة القدس ما قلبي كصخرته … وليس لي عين سلوان فَتُلْتَمَسُ
لم نعتقد بعدكم والله يعلم ذا … إلا الوفاء لكم والحر يحترس
قول ابن زيدونَ في حَرِّ الصَّبابة في … بِنْتُمْ وبِنّا وسوف البين ينعكس
عَتْبًا وصُلْحًا ولا يدري بنا أحَدٌ … والودّ يبرأ أحيانًا وينتكس
فَسُرَّ عادلنا لا كان عادلنا … وكان أفصح نُطْقِ العاذل الخَرَسُ
ومنهم:
[٢٩] خليل (١) بن إيبك الصفدي، أبو الصفا، صلاح الدين
هو خليلي الذي أنادي، وصاحبي إذا شكرت الأيادي، والذي أنادي منه خليل الصفاء، وصديق الوفاء، والذي أرضاني عن صنيع الليالي لما أتاني بنجومها قليلًا، والذي لم أخالل سواه إلا قلتُ ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ (٢)، والذي صحبت أبا الصفاء من وده الذي لم تشبه الشوائب والخليل إلا أنه كان لأحمد أكثر مما كان عنده ابنه في النوائب، والذي عاقدني منه خليل صدق فما ذمَمْتُ له ذمامًا، وأوقد لي من حميته نارًا خليلية كانت بردًا وسلاما، موسوية، فلهذا ما تركت ظلاما، والذي لم يزل يرشد من خاطري مضللًا، ويريني في صفائه ما أردت ممثلًا، ويغنيني أن أقف عند سوى تصانيفه وأقول: [من الطويل]
خليلي هذا ربع عَزَّةَ فاعقلا (٣)
وملأ سمعي بأدبه حتى قلتُ يكفيكما، وأغنى ناطري بكتبه فقلت: [من الطويل]
خليلي هبا بارك الله فيكما
стр. 4112
وقررت له وأقررت أنه إمام المحسنين، وبايعته واتبعته وأنا من الموقنين، وبسطتُ يدي فبايعت ملك البلغاء خليل أمير المؤمنين، وربحت في مزاد تصانيفه استزيرها، وقنعتُ بمذاكرته ولم أقل: [من الطويل]
خليلي هل من رقدة استعيرها
أقسم بالله وهو أوكد الأيمان، وأوثق ما يقف معه أهل الإيمان، ما إن رأيت منه آدب، ولا مع غناه عن التحصيل أداب، ولا أظنّ منه أجمع لمدحة وآبدة، وأخبار أمم باقية وبائدة، لديها وأقدة، ولا مُقَل الفراقد عن التطلع إلى هذا، وما كسا، الزمان مثله ثوبيه ولا حمل الوجود حفيا شبهه بين جنبيه، فهو محدث يحدث بالصحيح، وتروى عنه العجائب، والمعروف وكله غرائب، كم قال وكم ألجم بالحصر كل لسن، وقام بالسنّة وكل سنده علي، وحديث حسن. هذا على أنه حامل فقه لا ينقل إلى أوعى منه، ومتقن علم لا يؤخذ القديم والحديث إلا عنه، نعم، وأنعم به من مؤرخ ينشئ الامم وينشر الرمم، وينشد ضوال الأنباء، وقد أماتها البكم، وأقبرها الصمم، فشقّ أصداف اللحود عن دُرَرهم، وكشط جلد الدهماء عن غررهم، وأوجدهم فما كتب من التاريخ وجودًا ثانيًا، فأقاموا به أرواحًا، وسُئلوا فقالوا فصاحًا، ساقهم في تاريخه فكأنما قاموا في صعيد واحد لديه، وأتى بهم من عهد آدم وهلم جرا إليه، أَجَلْ، وهو أَجَلُّ كاتب تخضع لطرسه مهارق السحائب، ويخشع لقلمه سيف البرق المسنون، ويسقط قلبه الواجب، وأضاء أيضًا له نور حكمة يغلب فجرها الطالع مشارق الأنوار، ويغلُّ فكرها السابق يد القيرواني (١) إن نظمت أبكار الأفكار، ويذهب التحصيل، وليس من بدره المنير درهم ولا من شمسه المشرقة دينار، وينبو دونه مضرب السيف، ولو أن الآمدي ذا الفقر ذو الفقار فأما ابن سناء فتخفى في طي البروق إشاراته، والرازي يرزأ كتبه وتجف في لسان القلم عباراته، وقل أن وجد في علم اقليدس مثله من يحل إشكاله وبجل أشكاله، ويغدو من قلّ علمه الاقلودي للأرض مقسمًا، ولمقادير الكواكب متوسمًا بل لو وصل إلى ابن واصل علمه لقنع بما فضل أو ابن العديم جمال الدين ما عدم ماتعنى إليه وماوصل، وكل هذا عوله على أدبهِ الذي هو أغضّ من ورق النبات، وأحسن من تذهيب الحياء فضة خدود البنات بقريحة أصفى من الماء، واورى من النجوم في الظلماء، وأغرب من عنقاء، وأطرب من ورقاء، وكتب الإنشاء مصرًا وشامًا، فَكَبَت، وجَرَتْ معه
стр. 4113
القرائح إلا أنها السوابق فكبت، وطاب به الواديان، وطال الناديان، وقلّد الممالك ما هو أعلق بها من أطواق الحمائم، وأعبق فيها من جنوب الغمائم، وله التصانيف الكثيرة الكبيرة بنفسها، الأبكار التي مااوت إلا سرادق نفسها.
ومما كتب لي من نثره وأتبعه من شعره قوله: من ذلك كتاب كتبه بشارة بوفاء النيل، وهو:
ضاعف الله نعمة الجناب العالي، وسرَّ نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من أنباء الهناء كل آية أكبر من الأخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفّس صبيحها تفرّق الليل وتفرّى وأورد له من أخبار الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرّا، هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تخصه بسلام يرق كالماء انسجاما، ويروق كالزهر ابتساما، وتتحفه بثناء يجعل المسك له ختاما، ويضرب له على الأرض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص البلاد المصرية بوفادة وفائه، وأغنى به قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافة وفائه، ونزهه عن منّة الغمام الذي إن جاد فلا بُدَّ من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي الأرض التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار، ولا تُرمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج مفارق الطرق ورؤوس الجبال، ولا تبيت البروق ساهرة لمنع العيون من تعهد الخيال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس، وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحتها أفواج الأمواج، من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب؛ لأن القطر سهام، والضباب عجاج، قد انعقد ولا يعم الغيث بقاعها؛ لأن السحب لا تراها إلا بسراج البرق إذا اتقد، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل، وأنا بالملق أطبع والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها وجود الوفاء عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كُسِر، وهو كما يقال سلطان، وهو أكرم منتمى واشرف منتدى وأعذب مجتنى وأعظم مجتدى، إلى غير ذلك من خصائصه، وبراءته مع الزيادة من نقائصه، وهو أنه في هذا العام المبارك، جَذَب البلاد من الجذب، وخلصها بذراعِهِ، وعَصَمَها بخنادقه التي لا تراع من يراعه، وحصنها بسواري الصواري، وماهي إلا عهد قلاعه، وراعى الادب بين أيدينا الشريفة بمطالعتنا كل يوم بخبر قاعه في رقاعِهِ، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعًا، وأقبلت
стр. 4114
سوابق الخير سراعًا وفتح أبواب الرحمة بتغليقه، وجَدَّ في طلب تخليقه، تضرع بمد ذراعه الينا، وسلّم عند الوفاء بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلب لكرم طباعه جبر العالم بكسره، فرسمنا بأن يخلق، ويعلم تاريخ هنائه ويُغلق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فوج موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له فيها خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زَبَدَ حركته، ولولا ظَهَرَتْ في باطنه من بدور أناسه، اشعتها المعكوسة، وبشر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نَزَلَتْ بركاتها من الله تعالى على العباد، وهذه عوائد الألطاف الألهية بنا، التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ منها مانهبه لرعايانا من فوائدها، ونخص بالشكر قوادمها، فهي تدبّ حولنا وتدرج. ونخص قوادمها بالثناء والمدح، فهي تدخل إلينا وتخرج، فليأخذ الجناب العالي حظه من هذه البشرى، التي جاءت بالمن والمنح وانهلت أياديها بالغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجى أديم الأفق، ويتخذها عقدًا تحيط منه بالعنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم حتى لايرى في اسقاط الجباية خيانة، والله تعالى يديم الجناب العالي لقص الانباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه عن النائب بالشام إلى الملك الأفضل صاحب حماة، وقد أرسل مشمشًا كافوريا:
لا زال إحسانه كالعلم المشهور، وجوده المنظوم يهدي من الثمرات ما هو كالؤلؤ المنثور، وبره يتحف بما هو كالشهد في الطعم واللون، وكالنجم في الشكل والنور، وكرمه يتضوّع نَشْرًا، وكيف لا وقد جاء بما ينسب إليه الكافور، وينهي ورود المشرفة العالية قرين ما أنعم به مولانا من المشمش الكافوري فوقف عليها، وقابل إحسانه بشكر يشرق نورا، وثناء يدير على الأسماع كأسًا كان مزاجها كافورا، وواجه جوده بحمد يتلوه منه وجه الروض بمنثوره، وتجد الألسنة لمنظومه لذة تنسي الأسماع ما قاله أبو الطيب في كافوره ومتع ناظره بتلك الكواكب التي اتسقت من العلب في أفلاك، وتنسقت كالدرر ومالها غير حسن الرصف أسلاك، وتأملها وهي كرات بلور،
стр. 4115
اكتنفها الأصيل والشفق، وركبت حين ملأت الصدور طبقًا عن طبق، فأكرم بها هدية كانت بحلل الأشجار أزرارا، ولجنات الأوراق نارا، كيف مكنت فروعها يد قاطفها من السلب؟ وكيف أقبلت في حلة الروع والوجل، وهي طيبة القلب؟ كأنها لم تكن لقسي الغصون بنادق، ولا في رقع الأوراق بيادق، فالله يشكر لمولانا هذا الإحسان العلوي الذي جاد بالنجم زهرا، والجود الروضي الذي ملأ العيون حسنا، وملأ الصدور درًا، وأدام الله أيامه التي تسبق فيها الغرائب، وتستبق إلى مكارمها الرغائب، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه إليه أيضا، وقد أهدى إليه رخاما ملونا:
وينهى وصول الرخام الملون الذي فتح به عين هذه الدار المكونة، وأهدى إلى روضها الذاوي أزهاره الملونة، ولا غرو فإن العيون توقظها الشموس بالأشعة من المنام، والأزهار توجد بالرياض من جود الغمام، ولو لم يكن كرم مولانا سحابا، لما جاد بألوان قوس قزح، ولو لم يكن علوّه كالشمس لما انبعثت عنه أنوار تلهب شعاعها في هذه الدار وقدح، وتحاشى المملوك تشبيه ذلك بالزهر فإن هذا أبدًا يانع، وذلك يؤول إلى الذبول، أو التمثيل بالأشعة، فإن هذا أبدًا مشرق. وذاك بذهاب سره يحول ويزول، وهذه معجزة كرم لمولانا، فإن ريش الطاووس صار له جلمدا، وقوس السحاب تجسد له على طول المدى، فلو ناظره مباه بمحاسنِهِ لكان له الفخر، ولو حاولت المياه أن تبليه لما بالي بأنها عليه من الزخر، ولو أجرت دموعها عليه بماء لابتل، فما كل باك خنساء، ولا كل جماد صخر، ولو رأته العيون لسبحت الألسن من راح له صانعا، ولو أراد بليغ أن يقوم بحقه وصفًا لوجده مانعًا، والله يشكر لمولانا هذا الإحسان المديد الوافر، والفضل الأفضلي الذي أنبت في الروض أزاهر.
ومن ذلك مقامة انشأها في الحريق الذي اتفق بدمشق سنة أربعين وسبعمائة (١) وسماها (رشف الرحيق في وصف الحريق) وهي: حكى شعلة بن أبي لهب عن أبي الزناد شهاب أنه قال: لم تزل أذني متشنفة بأوصاف دمشق، مُتَلذِّذَةً بماء الأقلام في ذكر محاسنها من التعليق والمشق، حتى رأيت الحزم شدّ الكور إليها والحرم، فأزْمَعْتُ السير، ولم أزجر الطير، وقطعت أديم الأرض بالسير وركبت إليها مطايا الشوق قبل مطايا السوق، ولم يتلفت القلب إلى الوطن، ولا من النجيب إلى العطن، حتى بلغتها بعد مكابدة السرى، وإثارة العجاج من الثرى، فلما حلَلْتُ مغناها وجدتها: [من الكامل]
стр. 4116
بلدًا أعارته الحمامةُ طَوْقَها … وكساهُ حُلّةَ ريشة الطاووس
وكأنما الأنهارُ فيهِ سُلافةٌ … وكأن ساحات الديار كؤوس
فألقيت العصا في ساحاتها، وألفيت زوال التعب في مصافحة راحتها، فما سرتُ فيها إلى روض إلا وأجلسني من النرجس على أحداقه، وقام السرو من السرور بين يدي على ساقه، وجرى الماء في خدمتي لكرم أخلاقه، وظللني الدوح لطيب أعراقه، ومد الغصن لي ستور أوراقه، وغنّى لي الحمام على عودِهِ، ولو تأنى أو تأبى جره بأطواقه، قال: فشفيت سقمي بنسيمها العليل، واستروحت إلى ما نقله عن بانه وبنفسجه لا إلى ما يتحمله من الإذخر والجليل، وخلْتُ إنه بلطف مسه يلين له الجندل، وجننت بعرفه المندلي، وما رأى الناس من جنّ بالمندل، وبردت بأنفاسه حرّ الصبابة والجوى.
وقلت: [من الكامل]
أضحى نسيم دمشق حياها الحَيَا … يمشي الهوينا في ظلال حماها
فكأنهُ مِنْ مائِها وهضابها … ماداس إلا أعينا وجباها
وقطعتُ بها زمنًا ألذ من وصال الحبيب، وأشهى إلى النفس من التشفي بأذى الرقيب، فلا أبعد الله ما في بساتينها من شجرات ولا قدر الكسوف على ما فيها من كواكب الثمرات، ولا دك هضبات أزهارها التي تضوع بطن نعمان برياها، ولا بمن مشى به من الخفرات فأنها: [من الخفيف]
شوقتنا إلى الجنان فزِدْنا … في اجتناب الذنوب والآثام
قال: ولازمت جامعها الذي تحيّرت العقول في تكوينه وكنهه، وحسنه الذي لم يكن فيه عيب سوى انه لم تقع العين على شبهه، والله من نظم درًّا فيه، حين قال فيه: [من المتقارب]
دمشق لها منظر رائقُ … وكلُّ إلى وصلها تائقُ
وكيف تقاس بها بلدة … أبى الله والجامع الفارق
فإنه يوقظ النائم بحسن رخامه القائم، ويجلو بهيم الدجى حصة الفجر من حصه، وتروي لك زخرفته حديث الحسن بفصّه، كم زَهَرَت فيه ليلة النصف من ذبالة هي نجم توقد، وكم دار به دولاب كانت قناديله تدور مثل الفرقد، وكم طلع في سماء صحنه من ثريا، وكم تمنى القمر لو كان بين نجومه، فما اتفق له ذلك ولا تهيأ. وكم جَلَبَتْ عروسه في عقود وقود، وكم تمتعت الأبصار فيه بوجوه تُخْجِل البدر في ليالي السعود، وكم فيه من عمود قام على قاعدة، وكم به من منجور كغضون
стр. 4117
أوجه العجائز وأزراره ناهدة، وكم من أعطاف رؤيت في صحنه مائدة، وكم من طائر لرفع نسره مخفوض، وكم حسن بناء عند بنائه يعرب أنه مرفوض، كم أظهرت الصناع فيه بدائع لا يدعيها غيرهم، ولا يتعاطى؟ وكم أبرزوا فيه من معجز؛ لأنهم جعلوا الحجارة أوراقًا والرخام أخياطا؟ قد عمر الله تعالى أوقاته بالذكر، وأراح قلب مَنْ يراه من الهم، وأراح عنه الفكر، قال: فلما رأيت مجموعه المختار، وأن العيون تَوَدُّ لو نسج له من شعر جفونها استار، قلت: [من الطويل]
تقول دمشق إِذْ تُفاخر غيرَها … بجامعها الزاهي البديع المُشَيَّدِ
جَرَى لتناهي حسنه كل جامع … وماقصبات السبق إلا لمعبد
قال: فبينا نحن ذات ليلة وقد وردنا حمى المضاجع، ودخل ضيف الطيف على مقلة الهاجع، وإذا بالأصوات تعجّ، والدعوات تَلِجُ أبواب السماء وتلج: [من الطويل]
فلونشدت نعشًا هناك بناتُهُ … لمات ولم يسمع لها صوت منشد
فسألت عن الخبر ممن عبر، فقال: إن الحريق وقع قريبًا من الجامع، وانظر إلى نسج الجو كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع، فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيتُ النار وقد نشرت في حداد الظلماء معصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذبات ذوائبها: [من الطويل]
ذوائب لجت في عُلُوّ كأنما … تحاول ثأرًا عند بعض الكواكب
وعَلَتْ في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرَرٍ كالقصر، فكم زمرٍ أضحت لذلك الدخان جاثية؟ وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ (١)؟ ولم تزل النار تأكل مايليها، وتفني ما يستقلها ويعتليها، إلى أن ارتقت إلى المأذنة الشرقية، ولَعِبَتْ ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقيّة، وثارت اليها من الأرض لأخذ الثار، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء: [من البسيط]
كأنه علم في رأسه نار
فنكست وكانت للتوحيد سبابة ولمعبدها المطرب شبابة، وابتلى رأسها من الهدم والنار بشقيقة، وادار الحريق على دائرها رحيقه: [من المتقارب]
стр. 4118
وبالأرضِ مِنْ حُبّها صُفْرَةٌ … فما ينبت الروض إلا بهارا
وترقى إليها أولو العزم من النظارة، وصبروا على النار، والشعث بعد النعيم والنضارة، وكانت نارها تكون كنار القيامة، وقودها النار (١) والحجارة، هذا وبنفسج الظلام يذوى، ولينوفر النار يشبّ على الماء ويقوى، حتى نثرت غصون ذوائب النار شررها في النواحي، وظننا الدخان روضة سوسن تخللها نرجس وأقاحي، وعقد الدخان سماء أخرى، واطلع الشرار فيها كواكب زهرا، وكأن أهل دمشق دعوا طارق النيل والفرات ليُقرى، وخافوا ضلاله فرفعوا له من النار في الظلماء ألوية حمرا، إلى أن أتاها البحر لا زال نصره عجاجًا، ولا زالت سيوفه تكاثر البحار أمواجًا، فانكشفت لما أن رأت من وجهه سراجًا وهاجا، وطفئت لما أن رأت جوده عذبًا فراتا، وبأسه ملحًا أجاجا، وكاثرها بهمم أمرائه، فأحكم إخمادها، وتلقى بصدره من خطب الزمان ما دهي، ولما طلع في روض السماء ياسمين النهار، وعاد اهليلجًا ما رؤي بالليل من الجلنار، وقف النادبون على الرسوم، ورأوا صنع النار التي عكست نار الآخرة، فكان لكل مكان منها جزء مقسوم: [من الطويل]
فلم يدْرِ رسم الدار كيف يُجيبنا … ولا نحنُ من فرط الجَوَى كيف نسأل (٢)
وأصبح باب الساعات (٣)، وهو من آيات الساعة، وخَلَتْ مصاطب الشهود من السنة والجماعة، وعادت الدهشة وقد آل أمرها إلى الوحشة، وحسنها البديع وقد ثلت النار عرشه، كأن لم أر بها سميرًا، ولا شاهدت من بنائها وقماشها جنّةً وحريرا، قد سلّط الله عليها النار التي ما لها ردة، وأحرق أزهار ثيابها الملونة بوردة، ونظرت إلى الوراقين وقد زال ما بها من الطرائف، وطاف عليها من الدثور والخراب طائف، فيا ضياع أوضاعها المكوّنة، ويا سواد وجوه أوراقها الملوّنة، ولمحت اللبادين (٤)، وقد صارت كالعهن المنفوش ومحيت بأيدي النار سطور كل خاتم منقوش، وأصبح أهلها كالحمائم تنوح على أقفاصها، وتود اللآلي أنها لم تخرج إليهم من مغاصها، فما منهم إلا رب نعمةٍ سُلِبَتْ أصبح بعد الجديد في خلق، أو غني أمسى بعد ما ضم قفصه يكدي في الحلق، وكادت الخضراء تذهب بالنار الحمراء.
قال: فلما رأيت تلك الأطلال الدائرة، ونسخ هاتيك الظلال المتصلة بالهاجرة،
стр. 4119
وخطوطها وزواياها كيف أحاط بها سوء الدائرة، قلت عند مشاهدة تلك الحال في الحال: [من الطويل]
حريق دمشق قد بدا لعياني … ليُظهر لي عند البيان معاني
غَدَتْ نارُهُ في الجو تعلو وترتقي … كأنّ لها عند النجوم أماني
لقد ضوأ الآفاق لامع برقها … وما كلُّ برقٍ شِمْتَهُ بيماني
وقد كاد يمحو آية الليل ضوؤها … ويُبدي نهارًا بعد ذلك ثاني
ونالت عنان الجو حتى رأيتها … يصرِّفُهُ مِنْ تحتها بعنانِ
وطالت إلى نهر المجرّة في السما … لتقصد شيء الحوت والسرطان
فأبصر أهلُ النيل لما ترفعتْ … نجوم شرار في سماء دُخان
كأن دخان النار غبراءُ مُغْزِلٌ … وكلُّ شرار فيه مثل سنان
ولو لم تكن نار الأعادي لما غَدَتْ … وحِناؤها باد بكلّ بَنانِ
ولا صَبَغَتْ بالزعفران قميصها … سرورًا ولا طالت بكل لسان
قال: وما نفض الناس غبار ذلك الهدم، ولا رماد ذلك الصدع الشديد الصدم، حتى وقع بالمدرسة الأمينية حريق ثان، وَدَهَمَتْ شقراء النار دهماء الظلام، ولم يوجد لعنانها ثان، فجمعت بين عين الوداع وسين السلام، وكانت كحمى أبي الطيب، فليس تزور الا في الظلام (١)، فيا لسوق الكفت كيف باد، وفتت الأكباد، علكت النار لجمه، وكسفت نجمه، أين بأسه الشديد ومنافعه التي لا تبيد؟ سكن زبره، ورفع خبره، ويالسوق الخيم كيف ذهب، وعُدم النصر على الكافرين، فتبت يدا أبي لهب، لقد تمسكت النار بأطنابه، وتجلّد لها والنار تحت ثيابه، وأمسى وكل عمود غصنه مهصور، وكل خام وهو على البلى مقصور، كأن الشاعر قديمًا تخيل ما يحصل لها من الأوام، فقال: [من الوافر]
سُقيت الغيث ايتها الخيام
ويالسوق القسيّ كيف محي من الوجود، ونسي، ولم يبق لقوس قلبها، ولم يعطها لباريها ربها، كأنما كان للنار عند القسي أوتار، أو كأن نسخها كان محققًا فجاءهم بقلم الطومار، أو كأن امتهانها كان معلقًا بثلث الليل بعدما رقت
стр. 4120
حواشيها، ولم يقع عليها غبار، فكم قسي توفر من النار سهمها، وعظم بوهنها وهمها، واقامتها النار بعد ما كانت حنايا، وأفنت قرنها وما اختلط بعظم أو الحوايا، لم تبطش ولها أيد، ولم تهرب ولها أرجل، ولم تأنّ وهي مرنان، ولم تدفع الأذى عن نفسها، ونفثها يقتل، ولم ينبسط لها إلى الدفع قبضة، ولم تصل إلى غرض ولم ينبض لعرق وترها نبضة، وقد قال لها لسان النار: هل سمعت بهذه الحادثة في ملحمة ابن عقب؟ أو اتصل بناؤها بقوس السحاب فانتظره وارتقب، كيف غفلت عن هذه النازلة، وأنت عدة قوم قليلًا من الليل ما يهجعون؟ وكيف نمت ولا عجب لمن نعس وهو ذو قرون؟ قال: فبينما هما في المناجاة وتكرار المحاجاة إذ جاء النار خبر مالك، واشرف زهيت به الدول والممالك، فجاس خلال ضرامها، ودخل لظاها، فتلقته ببردها وسلامها، وتتبع أثرها الذي آثر اقتلاعه وافتحمها، فتعلقَتْ إذ تألقَتْ في الجو، والفرار قدام الملوك طاعة، ولم ير تلك الساعة أحد أقرب منه إليها، ولا أسلط سطا منه عليها، وثب في جهاتها مماليكه وأمراؤه، وصغار بنيه وكبراؤه، فهم قوم: [من الطويل]
إذا ركبوا زادوا المواكب بهجةً … وإن جلسوا كانوا صدور المجالس
فلم ير أسهل من خمودها، ولا أسرع من إبطال حركتها وجمودها، ونصر أعزّ الله انصار هذه الملة المحمدية، وحاز بهذه النقبة الكرامة الأحمدية، ولما رأيت مسك هذا الختام وأن الجيش تعالى وانحط القتام قلت: [من السريع]
جاء ليطفي النارَ مَنْ اسمُهُ بحر … فأخفى زندها الواري
ومن يكن بحرًا فلا غَروَ أنْ … تطغَى لظى منه بتيار
وقام في الله لدفع الأذى … مؤيدًا بالقدر الجاري
وغير بدع أن يرد الردّى … بمُرهَف الحدين بار
لأنه سيف ولم يُدّخر … إلا لخطب طارق طاري
واقتحم النار بوجه حكى … بدر الدُّجى إذ لاح للساري
فانظر إليه وهو في وسطها … تشاهد الجنة في النار
قال: ولم يزل الناس من أمر هذه النار في قلق، وحدس نفى عن عيونهم القرار، ورمى جفونهم بالأرق، وحنق يود الصبح لو تنفّس والفجر معه لو انفلق، حتى أظهر الله تعالى أن النصارى قصدوا الجامع بذلك، وتخيّلوا أن النار تلعب في جوانب دمشق: [من الطويل]
стр. 4121
وما الناس إلا هالك وابن هالك (١)
وتوهموا أن فعلاتهم المذمومة تغطي مساويها الليالي الحوالك، فعل مَنْ صوّر الصور بيده وعبدها، وكفر بالوحدانية وجحدها، وعكف على الخيانة والخباثة، واعتمد على عقل أداه إلى أن الواحد تعالى ثلاثة فتهيب بعض الناس رميهم بهذا الحجر، وأعظم نسبة هذا الفعل إليهم، وفجر وخوف بانتصار الفرنج لأهل ملتهم، وإزاحة علتهم، وكشف غمتهم، والأخذ بثار رمتهم، فقال مَنْ صَدق في إيمانه وكان من انصار الأسلام وأعوانه: [من الوافر]
أعياد المسيح يخافُ صحبي … ونحنُ عبيد مَنْ خَلَقَ المسيحا (٢)
فما كان إلا أن صمّمت العزمات السيفية، وعمّت بإحسانها الشامل، حتى خلصت النفوس البريئة من هذه (البرية) وايقظت عين حزمها الراقدة: [من الرمل]
واستبدت مرة واحدة (٣)
ورسم بإمساك مَنْ أبرم هذا الأمر وحرّره، وبيت على فعله وقرره، فأقروا بما فعلوا ووجدوا ما عملوا، فَضُربوا بسياط كشطت غلظ الغلظ من جلدتهم، وأوهنت قوى شجاعتهم وَجَلدِهم، كم فيهم من أسْوَدِ اللمّة فَتَقَ جَلْدَهُ الشيب، وخط وخطه على جنبه ما كان مخبوءًا له في الغيب، وأقبل بعضهم يوبخ بعضًا فيما أشار، ويتبرم هذا إذ يتبرأ ذاك من هذه الآثار، ويتسابون فيما بينهم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (٤)، ولقد قلت فيهم عند التشفي والانكفاء عن عقابهم بما يكف الحنق ويكفي: [من الكامل]
حرثت جنوبهم وشقت أرضها … ليلًا فجادَ نباتها بشقيق
وأريد تاريخ الحريق فخطه … الوالي على أضلاعهم بعقيق
ولما أخذ سُحْتَ أموالهم في إيجاد ما أعدموه بفعالهم، نظر في سوء منقلبهم ومآلهم، وتمام المقابلة على تجنيس أعمالهم، وورد المرسوم الشريف بتسميرهم على الجمال وإظهار ما لهذه الملة القاهرة من هذا العز والجمال، فقضى الله تعالى فيهم أمره، وجعلهم آية لأهل الصليب وعبرة، وأخرجوا وطباع
стр. 4122
الورى على عدم رحمتهم مجبولة، وقدموا في حلقة الناس فخرج كل واحد منهم بجمل وست فحولة، وأقيموا رقباء للشمس كالحرباء فليس لهم من دونها ستر منسبل، وتنوع الناس في شتمهم فقال اشبعتمونا شتما ورحنا بالإبل: [من الكامل]
انظر إليهم في الجذوع كأنهم … قد فَوقوا يرمونَ بالشَّابِ
أو عصبةٌ عزموا الرحيل فنكسوا … أعناقهم أسفًا على الأحباب
وطيف بهم بياض يومين، ثم أنزلوا ليجعل كل سطل منهم دلوين، فجردوا من ثيابهم، وجمل شمل السرور بتمزيق إهابهم: [من السريع]
ساقهمُ البَغْيُ إلى صَرْعَةِ … للحَيْنِ لم تخطر على بالهم
كم أملوا المكروه في غيرهم … فنالهم مكروه آمالهم
وسبق السيف فيهم العذل، وقال كل مسلم لمصرعهم:
تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
وبقيت اشلاؤهم طريحة الحفير، وألقوا في جهنم وبئس المصير.
ومن شعره قوله: [من البسيط]
أدعوك يا موجِدَ الأشياءِ مِنْ عَدَمِ … وصانع العالم العلوي والارضي
إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملًا … فلا تقدر له طولا على عرضي
وقوله: [من السريع]
يارب إن لم ألق منك الرضا … عمري وحاشا فضلك الغامر
فعند حفر القبر لا تنسني … يا حُسْنَهُ نقدًا مع الحافر
وقوله: [من الوافر]
يقول الفكر لي دنست ثوب الشبا … ب في غداة الشيب تتعب
وتَغْسِلُهُ بدمعك كل وقت … وما ينقى لأنَّ الطبع أغلب
وقوله: [من السريع]
لا تسأل الناس فإني امرؤ … ماطاب لي عَرْفٌ مِنَ العَرْفِ
واقنع ولا تجمع حطامًا فكم … في الدهر للدينار من صَرْفِ
وقوله: [من السريع]
لاتجمع الدينار واسمح بِهِ … ولا تَقُلْ كُنْ في حمى كنفي
ما الدهرُ نَحْوِيٌّ فينجو الهُدى … ويمنع الجمعَ مِنَ الصَّرْفِ
стр. 4123
وقوله: [من السريع]
يا زمنًا أوْقَعَنَا شُوْمُهُ … في محنة ليس لها كاشفة
الفضل يحتاج إلى عارف … والحال تحتاج إلى عارفة
وقوله: [من السريع]
لا تَرْع للملاق عهدًا ولا … تُصْغِ لما نمقه واختلق
أنت تري ما [قد] جنته يد … الرامي على الطير برعي الملق
وقوله مضمنا: [من الطويل]
يقول لنا المقياس والنيل هابط … لنقطع آمال المني والمطالع
ومَنْ يأمن الدنيا يكن مثل قابض … على الماء خانَتْهُ فُرُوجُ الأصابع
وقوله: [من السريع]
لا تطع تلق الشر كالنيل إذْ … طغى وزاد الأمر في هيجه
كم جاءَهُ بالشر شر إلى … أن كسر الاضلاع مِنْ مَوْجِهِ
وقوله: [من مجزوء الخفيف]
لم لا أهيم بمصر … وارتضيها وأعشق
وما ترى العين أحلى … من مائها إن تملّق
وقوله: [من البسيط]
لقد رأيتُ بمصر مذ حَلَلْتُ بها … عجائبا ما رآها الناس في جيل
تسود في عيني الدنيا فلم أرها … تبيض إلا إذا ماكنت في النيل
وقوله: [من البسيط]
قالوا: علا نيل مصر في زيادته … حتى لقد بلغ الأهرام حين طمى
فقلت: هذا عجيب في بلادِكُمُ … أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما
وقوله: [من السريع]
قد زاد هذا النيل في عامنا … فأغرق الأرض بإنعامه
وكاد أن يعطفَ مِنْ مائِهِ … عُرى على أزرار أهرامه
وقوله: [من مخلع البسيط]
قد حارب الريح نيل مصرِ … وعَضَّ مِنْ غيظه الأصابع
فجاءت الريح بانزعاج … كسَّرَ مِنْ موجه الأضالع
стр. 4124
وقوله: [من الهزج]
وعين ماؤها صافٍ … كمثل الشمس في الأوج
ولم أر قبلها عينًا … حواجِبُها مِنَ المسوح
وقوله: [من البسيط]
ركبتُ في البحرِ مَعْ أخي أدبٍ … فقال: دعني مِنْ قال ومِنْ قِيل
شَرَحْتَ يا بحر صدري اليوم قلت [له] … لا تُنكر الشرح يانحوي للنيل
وقوله: [من الكامل]
لك أن تغب شخص وذكر أصبحا … ملكين في ذاتي وذلك لائقُ
فخيامُ جَفْنِي فوق ذا مضروبةٌ … ولواء قلبي فوق هذا خافق
وقوله: [من السريع]
كأنما الليل إذا ما دجا … وصدّ مَنْ قلبي بِهِ مُغْرى
صحيفةٌ سَوْدا وشخصي بهِ … من انتحالي الف صفرا
وقوله: [من الطويل]
أتاني وقد أودى السُّهادُ بناظري … يمزّقُ جُنْحَ الليل بارق فيه
فقلت له: ياطيب الأصل هكذا … أخذت الكرى مني وعيني فيه
وقوله: [من الكامل]
لما رقدتُ أتى خيالُكَ بغتةً … فغَدَا فؤادي خافقًا يَتَمَوْجُ
لو أنَّ صحبي شاهدوني في الكَرَى … والقلب يرقص في الخيال تفرّجوا
وقوله: [من المتقارب]
ضمَمْتُ خيالك لما أتى … وقبلْتُهُ قبلةَ المُغْرَمِ
وقمت ومن فرحتي باللقا … حلاوة ذاك اللمى في فمي
وقوله: [من السريع]
عجبتُ إِذْ زارتْ على خُفيةٍ … مَنْ أعلمَ الواشي بمسراها
. هذا فضول من نسيم الصبا … فهو الذي ينقل رياها
وقوله: [من السريع]
قلت له: زرني فلا بد أن … يدري بنا الواشي ويغرى العول
فالريح ما تكتم نَشْرًا وما … يَبْرَحُ ريّاك يُعاني الفُضُول
стр. 4125
وقوله: [من السريع]
قالوا: وشى الحلي بها إذ مشت … إليكَ مِنْ قبل ابتسام الصباح
فقلتُ لا خلخالها صامتٌ … ثَمَّ تذكرت فضول الوشاح
وقوله: [من الكامل]
علم الوشاة بأنَّ ريقَ مُعَذِّبي … راحٌ يُعيدُ الصَّبَّ بعد هلاكه
أما أنا لم يبد هذا مِنْ فَمِي … لكنَّ هذا مِنْ فُضُولِ سواكِهِ
وقوله: [من السريع]
يقولُ لمَّا قُلْتُ: هذا اللَّمَى … أَسكَرَني لما ترشَّفْتُ فاك
سواك ما ذاق لمى مبسمي … استغفر الله ذكرت السواك
وقوله: [من المتقارب]
إذا شئتِ حَليَكِ أنْ لا يَشي … وقد زُرْتِ في الحندس المُظلم
فردي السوار مكان الوشاح … وخلّي سوارك في المِعْصَمِ
قوله: [من الخفيف]
قال لي: لا تفه بميلِ قَوَامي … إن تثنى واستره خوف العيون
قلتُ: إِنَّ الصَّبا التي قد أشاعت … عنك هذا الحديث بين الغُصُونِ
وقوله: [من البسيط]
أقول يا غصنُ هلًا مِلْتَ نحو فتى … فؤاده طار حتى ليس يألفه
فقال: مَنْ قال: قدي مثل غصن نقا … ً قلتُ: النسيم الذي ما زال يعطفه
وقوله مضمنًا: [من الطويل]
أقول لغصن البان: إنْ كانَ لم يمس … قوامك إلا بالصبا في التنسم
فعارض حبيبي حينَ يثنى قَوَامَهُ … وقِفْ وِقْفَةٌ قُدَّامَهُ تتعلم
وقوله: [من السريع]
يوهمني مِنْ لين أعطافه … بأنه لم يقس يومًا علي
ويخدع البند إلى أن غدا … يربطه الغصن على غير شي
وقوله: [من مجزوء الكامل]
لم أنه في روضة … والطير يصدح فوقَ غُصْنِ
فأعلم الوُرْقَ البُكا … ويعلم الغصن التثني
стр. 4126
وقوله: [من المجتث]
يَهْتَزُّ قَدُّكَ لِيْنًا … وفي الحَشَا مِنْهُ غُصَّهْ
يَغِيْبُ عَنِّي حِينًا … وإنْ أَتَى جَا برقة
وقوله: [من الخفيف]
أيها الأَهْيَفُ الذي قدْ تَثَنَّى … عِطْفُهُ والتَوى مِنَ اللين غُصْنُه
لكَ رِدْفٌ مِنْ وافرٍ وبسيط … لا يُرَى في الرُبَى وفي الكُتُبِ وزنُه
وقوله: [من المجتث]
يقولُ رِدْفُ حبيبي … وعطفه المتثني:
ما أنتَ يا غصنُ قَدي … ولا كيبك وزني
وقوله: [من الهزج]
لقد أضعفني حُزْنِي … وَضَاعَفَ خالقي حُسْنَك
فها أنا لم أَزِنْ وجدي … لأني لم أجد وزنك
وقوله: [من البسيط]
ألبستها من عناقي وهي نائمةٌ … ثوبًا يُزَر بلثم غير منفصل
ياخجلتا في غد منها إذا أَخَذَتْ … مرآتها ورأت ما أَنَّرَتْ قُبلي
وقوله: [من المنسرح]
يا برق بلغ رسالتي فَمَهَا … إن أنكرتني قصف لها عللي
لأن بيني وبين مبسِمِها … ليلةَ زارت علامةُ القُبَلِ
وقوله: [من مخلع البسيط]
قلتُ لهُ: إن بعدت عني … تَفَضُّولَتْ بيننا العواذل
أما ترانا لما اعتنقنا … ما دَخَلَتْ بيننا الغلائل
وقوله: [من الوافر]
نظرتُ إلى الرياض ولي مجاز … يُؤديني إلى المعنى الحقيقي
فكم أبصرتُ منْ آس تبدّى … وما اندمَلَت جراحات الشقيق
وقوله: [من المتقارب]
عذارك والطَّرْفُ يا قاتلي … يحاكيهما الآس والنرجس
وقد صار بينهما نِسْبَةٌ … [فـ] هذا يدب وذا ينْعَسُ
стр. 4127
وقوله: [من الخفيف]
إن عيني مُذْ غاب شخصُكَ عنها … يأمرُ السُّهْدُ في كَرَاهَا وَيَنْهى
بدموع كأنهنَّ الغوادي … لا تسل ماجرى على الخد منها
وقوله: [من الكامل]
أمَّلْتُ أن تتعطفوا بوصالِكُمْ … فرأيتُ مِنْ هجرانكُمْ ما لا يُرَى
وعلمت أن بعادَكُمْ لا بُدَّ أنْ … يجري له دمعي دمًا وكذا جَرَى
وجاءت شتوة، وشحت بروقها حاشية السحاب، ووشت لمم الجبال الشائبة توشية الخضاب، وهَدَرَتْ رعودها الصائلة، ووفت عهودها السائلة، وتوالت مدة لا يكشط فيها سماء، ولا يكشف بأيام الثلوج المصبحة ظلماء.
ودامت أيامًا لا تفصل فصالها عن سحائب، ولا تولد بكرة يوم إلا وهي في طفولتها شائبة النواصي والذوائب، هذا ولا تصبح صبيحة ضاحك إلا ووجه الأرض عبوس، ومعطف السماء في بوس، وقوس السحاب ترمي بقسي ما لها وتر، وغدر الثلج الصافية كالبلور وكلّها كدر، والسقوف قد أرّقها المطر فأنهرها، والطرق قد عرفها اللثق ونكرها، والبرد قد اشتدّ كَلَبُه، ولهذا غطى جمده الماء ولم يشتف حتى شرب العذب البارد ممزوجًا بمثل الدماء.
فكتبت إليه:
كيف أصبح مولانا في هذا الشتاء الذي أقبل يرعب مقدمه، ويرهب تقدّمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسمه، وكيف حاله مع رعوده الصارخة وريحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وسرر لياليه التي لا تبيت منها بليلة صالحة، وسحابه وأمواجه وجليده والمشي فوق زُجاجِهِ، وتراكم مطرِهِ الحثيث، وتطاول فرع ليله الأثيث، ومواقده السود الممقوتة، وذائب جمرِهِ المحمر، وأهون بها ولو أن كل حمراء ياقوتة، وتحدر نؤيه المتصبّب، وتحيّر نجمه المتصوب، وكيف هو مع جيشه الذي ماطل حتى نصب مضارب غمامِهِ، وظلّل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه، هذا على أنّه عرى الأبنية، وحلل مما تلف ذَمُّه سالف الاشتية، فلقد جاء من البرد بما رض العظام وأنْخَرَها، ودق فخارات الأجسام وفخرها، وجَمَّدَ في الفم الريق، وعَقَدَ اللسان، إلا أنّه لسان المنطيق، ويبس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا، وقيّد الأرجل فكانت لا تمشي إلا تتوقع عطبا، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل، وحمّل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصم منه من قال سآوي إلى
стр. 4128
جَبَلٌ، ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى، واحتجف ما أتى عليه، وأول ما بدا الدمع بالكرى، فكيف أنت ياسيدي في هذه الأحوال، وكيف أنت في مقاساة هذه الأهوال، وكيف رأيت منها ما شيَّبَ بثلجه نواصي الجبال، أو جاء من البحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصي وخيوط السحاب من جبال، أما نحن فبين أفواج السحب تزدحم وفي رأس جبل لا يعصم فيه من الماء إلا من رحم، وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح، وهم ودقها الفادح، وقوس قزحها المتلوّن، ردّ الله عليه صوائب سهامِهِ، وبدلنا منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه، وجعل حظ مولانا من لوافحه، وما يذكيه ذهنه من ضرامه ومن سوافحه، ما يولّده فكره من تؤامه، وعَوّضنا وإياه منه بالصيف إذا أقبل، وأراحنا من هذا الشتاء ومشى غمامه المتبختر بكمه المسبل.
فكتب إلي جوابًا:
وينهي ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلّة الدهر، والحديقة التي تذكر بزمن الربيع وما تهديه أيامه من أنواع الزهر، فوقف منها على الروض الذي تهدلت فروع غصونه بالأثمار، ونظر منها إلى الأفق الذي كل كواكبه شموس وأقمار، فأنشأت له أطرابه، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا تفعله نظرات الشباب، وأرشفته سلافًا كورسها الحروف، وكل نقطة حبابة، وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم المتصلة الظلام، فلا أوْحَشَ الله من طلعة الشمس وحواجب الأهلة، وعيون النجوم، فما لنا ولهذه السحائب السحابة، والرعود الصحابة، والبروق اللهابة، والغمائم السكابة، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصابة، والبرد الذي أمست ابره لغصون الجلود قطابه، والزميتا التي لا تروي عن أبي ذر، إلا ويروي الغيث عن أبي قلابة، كلّما أقبلت فحمة ظلام قَدَحَتْ فيها البوارق جمرتها، وكلما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت وهي مرهاء لما أسْبَلَتْ من عبرتها، فما هذا طوبة (١) إن هذا إلا جبل ثهلان وما هذا كانون، إن هو كنور الطوفان، التي متى قطن هذه الثلوج يطرح على حباب الجبال، وإلى متى تفاض دلاص الأنهار، وترشقها قوس قزح بالنبال؟ وإلى متى تشقق السحاب ما لها من الحلل والحبر؟ وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجو، وفي أطرافها على الغدران إبر؟ وإلى متى تجمد عيون الغمام وتلحها البروق بالنار؟ وإلى متى نثار هذه الفضّة وما يرى للنجم دينار؟ وإلى متى
стр. 4129
نحن نحنو على النار حنو المرضعات على الفطيم؟ وإلى متى تبكي هذه الميازيب. بكاء الأولياء بغير حزن، إذا استولوا على مال اليتيم؟ وإلى متى هذا البرق تتلوى بطون حياته، وتتقلب حماليق العيون المحمرّة من اسود غاباته؟ وإلى متى يزمجر عتب هذه الرياح العاصفة؟ وإلى متى يرسل هذا الزمهرير أعوانًا تصبح بها حلاوة الوجوه تالفه؟ أترى هذه الأمطار تقلب من أزيار؟ ام ترى هذه المواليد تنتهي فيها الأعمار؟ كم من جليد يذوب له قلب الجليد، ويرى زجاجَهُ الشفاف أصلب من الحديد، وكم من وحل لا تمشي هريرة فيه الوحى، وكم من برد لا ينتطق فيه نوم الضحى، اللهم حوالينا ولا علينا، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كل عن الفِهِ، وإغلاق باب القباب وتخلل الضباب زوايا البيوت والأطفال ضباب الضباب، وكل ضب منهم قد لزم باطن نَافِقَائِهِ، وقدم بين يديه الموت بدايةً بدائِهِ، قد حَسَدَ على النار من كان مذنبا وأصبح عاصيا، وتمنى أن يرى من فواكه الجمرات عنابا أو قراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر فضائل مولانا، فيا طول ما تسفح، وإن كانت العواصف تتشبّه ببأسه فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرّع فيا طول ما تتألّق، وإن كانت قوس قزح تتلوّن خجلًا من طروسه فيا طول ما تتأنق، وإن كانت الرعود تحكي جوانح أعاديه فيا طول ماتفهق وتشهق، وإن كانت السيول تجري وراء جودِهِ، فيا طول ما تجري على طول المدى، وما تلحق، والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي والأليق بهذا الفصل المبغض ألا يتعرض، ورحم الله من عرف قدره، وكفى الناس شرّه، وتحقق أن مولانا في هذا الوجود ندرة.
فأجبته:
وقف لمواقع القلم الشريف، ووقف عليه، وتيمن لمجرد إقباله إليه، وقبله لقرب عهده بيديه وعده، لجلاء المرّة لما أمره على عينيه، لا برح الشهد من جنى ريقه المعلل، والطرب بكأس رحيقه المحلل، والتيه وحاشاه منه في سلوك طريقه المذلل، والجهد ولو كلف لا يجيء بمثل سيره المذلل، والسحاب لا يطير إلا بجناح كرمه المبلل، والروض لا يبرز إلا في ثوب زخرفه المجلل، والبرق لا يهتز إلا في مثل ردائه المشلل، والنصر يفضي لمواضيه على حدّ حسامه المفلل، والفجر لولا بيانه الوضاح لما أرشَدَ دليلَهُ المضلل، والبحر لولا ما عرف من عُبابه الزاخر لما ذمّ على غزر المادة نواله المقلّل، والفخر لو شمخ بأنفه لا ينافس عقده الموشح، ولا يتطاول إلى تاجه المكلّل، وفهمه فهام، وعلمه فزاد صقال الافهام، وقصر عن معرفته فما شك أنه الهام، وانتهى في الجواب إلى وصف أنواء تلك الليلة الماطرة، وما
стр. 4130
مُوهَتْ به السحب من ذهب برقها، وقتلته الأنواء من خيوط ودقها، ونفخت فيه الرياح من حجر كانونها، وأظهرت حقيقته الرعود من سرّ مكنونها، وما تبثه عارضة ذلك العارض الممطر الذي هو أقوى من شآبيبها، وأوقى مما أرقته (١) السماء من جلابيبها، وأسرى من برقها المومض في غرابيبها، وأسرع من سرى رياحها، وقد جمعت أطواق السحب وأخذت بتلابيبها، وسبح المملوك من عجب لهذه البلاغة التي كملت الفضائل، وفَضَلَتْ عن العلم، وفي الرعيل الأول علم الأوائل، وفَضَّلَتْ مبدعها، وحق له التفضيل، وآيته جملة الفضل وفي ضمنها التفضيل، وأنطقت لسان بيانه، واخْرَستْ كل لسان، وأَجْرَتْ قلم كرمِهِ، وأحرزت كل إحسان، ونشرت علم علمه، وأدْخَلَتْ تحته كل فاضل، وارهفت شباحَدِّهِ، وقطعت به كل مناظر وكل مناضل، وقالت للسحاب، إليك وقد طبق إليك، فإن البحر ود جاءك، وللنوء وقد اغدق، تنع فإن الطوفان قد ضيّق أرجاءك، وللرعد وقد صرخ أسكت، فقد آن لهذه الشقائق أن تسكت وللبرق وقد نسخ آية الليل استدرك غَلَطَكَ لئلا تبكت، أما ترى هذه العلوم الجمة وقد زخرفها وأثر في الألباب سحرها، وهذه الفضائل كيف تَفَنَّنَتْ فنونها، وفَتَنَتْ عيونها، وتهدّلَتْ بالثمرات أفنانها، وتزخرفت بالمحاسن جنانها، وهذه الألمعية، وكيف ذهبت الأصائل، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالًا لقائل، وهذه البراعة التي فاضت، وكل منها سكران طافح، وهذه الفصاحة، وما غادرت بين الجوانح، وهذه البلاغة التي سالت بأعناق المطي بها الأباطح (٢)، وهذه الحكم البوالغ، وهذه النعم السوابغ، وهذه الهمم التي ترقت بتوجهها إلى السماء، فكشفت غيابة عارضها، وكفت غواية البرق وقَدْ وَلَع خط مشيبه بخط عارضها حتى جلاها وأضحاها، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ (٣)، وجلا صدأ تلك الليلة عن صفحة ذلك اليوم المشمس، وبدل بذلك الصحو المطبع من ذلك الغيم المؤنس، وأترع غدير ذلك النهار خالصًا من الرنق، وضوّع غير ذلك الثرى خاليًا من اللثق، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشع جانب مشرقها، ويوشي بذائب الذهب وراء أفقها، كما قلت: [من السريع]
стр. 4131
كأنما اليوم وقدْ مَوّهتْ … مشرقهُ الشمس ولا جاحد
ثوبٌ مِنَ الشرب ولكنّه … طرّزمنه كُمه الواحد
استغفر الله بل ذلك بِشْرُ ذلك البشر، بل الملك الكريم وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم، لا بل صفيحة (١) عمله، وصفيحة أمله، وأنموذج راية الثناء عليه، وصنو يده البيضاء، وصنع يديه فلله تلك اليد المقبلة، والله تلك اليد المؤملة، والله تلك المواهب المجزلة، والله تلك الراحة التي لا تقاس بأنملة، والله ذلك البنان الساحر، والله ذلك البيان الساخر، والله ذلك اللسان المذرب، وذلك البحر الزاخر، والله ذلك الأنسان الذي طال باع عمله، وطار فأوقد ضرام ذلك الصحو شعاع فهمه، وطاب حتى ثَمَره، وجناب حلمه، وطاف الأرض صيتُهُ، ونفق كاسد الفضائل باسمه، لقد ألبس المملوك رداء الفخار، وعرّفه العوم، وكان لا يطمع أن يشق بحره الزخار، ومحا عنه صبغ دجنة تلك الليلة، وفرج عنه لباس تلك السحب، وقد ضم عليه ذيله، وفرق ذلك النور المعتلج وقد جاراه جفنه، وأجرى مثله سبله، وأطلق لسانه من الاعتقال، وانطق بيانه فقال، وحمى له هجير الذكاء فقال، ووقفه ولولا إيقافه له لغير على آثاره وجه من سبق.
فكتب هو الجواب: [من الكامل]
جاء الجواب يزف منه فواضلا … ويرف في روض البيان خمائلا
أغرقْتَ غُرَّ السحب حين وصفتها … يا مَنْ غدا بحرًا يموج فضائلا
لو لم تكن يُمناك بحرًا زاخرًا … ما أرسَلَتْ تلك السطور جداولا
ضرب من السحر الحلال متى تَشَا … أَخْرَجْتَهُ فيعود ضربا داخلا
ما إن جلا راويه بحربيانِهِ … إلاّ وزان مشاهدًا ومحافلا
فمتى يرومُ بهِ اللحاق مقصر … والنجم أقرب من مداه تناولا
أبرزته أفقًا فكل قرينة … برج حوى معناه افقًا كاملا
فكأنما تلك الحروف حدائق … امست معانيها تصيح بلابلا
وكأنَّ ذاكَ الطَّرْسِ خَدُّ رائقٌ … والسطر فيه غدا عذارًا سائلا
مهلًا أبا العباس قد أفحمتني … وتركتني بعد التحلي عاطلا
بالله قل لي عندما سَطَرْتَهُ … هل كنتَ تحسب أن تجيب الفاضلا
أقسمت لو جاراك في إنشائه … ما كان ضم على اليراع اناملا
стр. 4132
حركتُ منك حمية عَدَوِيَّةً … مَلأَتْ فضاءَ الطرس منك جحافلا
كم فيهِ مِنْ لام كلامة فارس … قد هزَّ من الفات خطك ذابلا
هل شئت أن تُنشي الجواب سحابة … تندى فجاءت منك سيلًا سائلا
يا فارس الإنشاء رفقًا بالذي … نازلتَهُ يوم الترسل راجلا
لو رامَ أنْ يجري وراءَكَ خطوةً … نصبتْ له تلك الحروف حبائلا
فاحبس عنانَكَ قد تجاوزت المَدَى … وتركت سحبان الفصاحة باقلا
والفاضل المسكين أصبح فنّه … من بعد ماقد راح فينا خاملا
فاسلم لتبيلغ النفوس مرامَها … فالدهرُ في أبواب فضلك ماثلا
كم فيكَ لي أَمَلٌ يروقُ لأنّني … أدري بأنك لا تخيب آملا
وكتبت أنا الجواب إليه: [من الكامل]
وافى الكمي بها يهزّ مناصلا … ويروم صبغًا للشبيبة ناصلا
سبق الظلام بها ونبَّه ليلَهُ … ولو أنه في الفجر حلى العاطلا
حمراء قانية يذوب شعاعها … وترى حصى الياقوت فيها سائلا
حمراء قانية تحثُ كؤوسها … وقع الصوارم والويشج الذابلا
ذهبيّة ما عرق عانة كرمها … لكنّها كف الكريم شمائلا
كف لمنبجس النوال كأنما … دُفَعُ السيول تمد منه نائلا
كرم خليلي يمد سماطَهُ … ويُشِبُّ نارًا للقرى وفواضلا
ولهيب فكر لو تطير شرارةٌ … مِنْهُ لما بل السحاب الوابلا
يُذكي بهِ في كلِّ صُبْحٍ قرةٌ … فهما لنيران القرائح آكلا
عَجَبًا له مِنْ سابق متأخر … فات الأواخر ثم فات أوائلا
دانوه في شبه وما قيسوا به … من ذا تراه للغمام مساجلا
ماثل به البحر الخضم فإنه … لا يرتضي خلقًا سواه مماثلا
وافت عقيلته ولو بدأ امرةٌ … فيها استقل من البروج معاقلا
جاءت شبية الخود في حُلَلٍ لها … حمر بتذهيب الخدود لها حلى
قد خُصّبت بدم الحسودِ أما تَرَى … اثر السواد بها عليه دلائلا
حِلَلٌ على سحبانَ تَسْحَبُ ذَيْلَها … وتجرُّ مِنْ طَرَفِ الذيول الفاضلا
خلت الهلال يلوح طلع نقابها … حتى نَضَتْ فرأيت بدرًا كاملا
стр. 4133
بنت القريحة ما وَنَتْ في خِدْرها … حُسنُ المليحة أن تواصل عاجلا
جاءت تصوعُ مِنَ العِناقِ أساورًا … لا بل تخوضُ مِنَ السيول خلاخلا
قبلتها وأعدت تقبيلي لها … إنَّ المتيَّم لا يخاف العاذلا
وأتَتْ وجيش النَّوْءِ مرهوب السطا … ملأ الوجود له قنًا وقنابلا
والبرق مشبوب الضرام لأنه … صاد الغزالة حيثُ مَدَّ حبائلا
وأتت ورأس الطود يشكو لمّةً … قد عَمَّمَتْ بالثلج شيبًا شاملا
وكأنما نثرت قراضة فضّةٍ … أيدي البروق وقد خرقن أناملا
ملات به كلَّ الفضاء فلا تَرَى … إِلا لُجينًا جامدًا أو سائلا
والأفق كالكأس المفضّضِ ملؤُهُ … صهباء قد عقدت حبابًا حائلا
أبناء يومٍ قد تقهقر ضوؤه … وبدا ذُبالًا في الأصائل ناحلا
والجو منخرق القميص كأنّهُ … حَنِقٌ يقدُّ من السحاب غلائلا
والسيل منحدر يسيل مهندا … إفرنده ذهب يمد سلاسلا
لله أنتَ أبا الصفاء فإنني … القى خليلا منك لي ومخاللا
أنت الذي حلقت صقرًا أجدلًا … وضَمَمْتَ في برديك ليثًا باسلا
يا من ينفّقُ سوقَ كلِّ فضيلةٍ … إسأر فما أبقيت بعدك فاضلا
فكتب هو الجواب: [من الخفيف]
يا فريدًا ألفاظه كالفريد … ومجيدًا قد فاق عبد المجيد
وإمام الأنام في كل علم … وشريكا في الفضل للتوحيدي
عرف العالمون فضلك بالعلـ … ـم وقال الجهال بالتقليد
مَنْ تمنى بأن يرى لك شبهًا … رام نقضًا بالجهل حكم الوجود
طال قدري على السماكين لما … جاءني منك [عقد] در نضيد
شابة الدر في النظام ولما … شابَهُ السحر شاب رأس الوليد
هي ام الأمين ذات المعالي … من بني هاشم ذوي التأيد
أنت كنت البادي لمعناه حقًا … حين لوّحت لي بذكر الرشيد
* * *
وهذا آخر من ختمنا به أهل قطرنا أحياء وأمواتًا، ولا حفلة بمن تخطيناه فواتًا، وإذ كان هؤلاء أعيان القوم من أول هذه الملة وإلى اليوم ممن اشتهر
стр. 4134
لعلو قدره، أو لغلو دره، وثم بقايا ما حلوا مع أحد هذين، ولا كانوا في قسميها اللذين.
وهذه جملة كافية في الكتاب المشارقة، وإنما أطلعنا من شموسهم شارقة وهي دالة على ما بعدها من نهار يطنب في الخافقين، ويطيب ملأى النيرين الشارقين.
آخر السفر الثاني عشر من
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. ويتلوه إن شاء الله تعالى
في السفر الثالث عشر: فأما الكتاب المغاربة، وما لهم من نجوم غير غاربة الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين
حسبنا الله ونعم الوكيل
стр. 4135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
فهذا هو السفر الثالث عشر من موسوعة ابن فضل الله العمري
(مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)
وقد اختص بكتاب الانشاء من المغاربة، معتمدًا في تراجمهم وتسجيل نصوص من أدبهم على كتابين مهمين هما: «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام»، وكتاب «قلائد العقيان لابن خاقان»، وذيل عليهما بمن لم يُذكر في الكتابين، ثم ترجم لمن قدم من المغاربة على مصر.
ثم تحدث على الخطابة والخطباء قبل الإسلام وخطباء المشرق ممن ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، كما ترجم من جاء بعد الجاحظ، وذكر نصوصًا كثيرة لهم.
ثم ذكر حال الخطابة في المغرب، ومن اشتهر بها، ثم عرج على خطباء مصر.
ضم هذا السفر تراجم كثيرة، وامتاز بتسجيل نصوص كاملة فريدة لم نجدها عند غيره من مؤرخي الأدب، وفيه نصوص لم ينقلها من كتاب، وإنما أخذها مباشرة من معاصريه من المترسلين والكتاب والخطباء.
اعتمدت في تحقيق هذا السفر على مخطوطة أيا صوفيا المرقمة، مكتبة السليمانية باستانبول التي نشرها الدكتور فؤاد سركين، وهي نسخة كاملة كتبت بخط واضح قريب من الثلث إلا أنها كتبت بحروف مهملة في مواضع كثيرة، ولم تخلُ من تصحيف وخطوط مبهمة يصعب فهمها.
تتألف هذه المخطوطة من (٣٤١) صفحة، وتحتوي الصفحة على (٢٣) سطرًا،