← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

كأنما اليوم وقدْ مَوّهتْ … مشرقهُ الشمس ولا جاحد ثوبٌ مِنَ الشرب ولكنّه … طرّزمنه كُمه الواحد استغفر الله بل ذلك بِشْرُ ذلك البشر، بل الملك الكريم وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم، لا بل صفيحة (١) عمله، وصفيحة أمله، وأنموذج راية الثناء عليه، وصنو يده البيضاء، وصنع يديه فلله تلك اليد المقبلة، والله تلك اليد المؤملة، والله تلك المواهب المجزلة، والله تلك الراحة التي لا تقاس بأنملة، والله ذلك البنان الساحر، والله ذلك البيان الساخر، والله ذلك اللسان المذرب، وذلك البحر الزاخر، والله ذلك الأنسان الذي طال باع عمله، وطار فأوقد ضرام ذلك الصحو شعاع فهمه، وطاب حتى ثَمَره، وجناب حلمه، وطاف الأرض صيتُهُ، ونفق كاسد الفضائل باسمه، لقد ألبس المملوك رداء الفخار، وعرّفه العوم، وكان لا يطمع أن يشق بحره الزخار، ومحا عنه صبغ دجنة تلك الليلة، وفرج عنه لباس تلك السحب، وقد ضم عليه ذيله، وفرق ذلك النور المعتلج وقد جاراه جفنه، وأجرى مثله سبله، وأطلق لسانه من الاعتقال، وانطق بيانه فقال، وحمى له هجير الذكاء فقال، ووقفه ولولا إيقافه له لغير على آثاره وجه من سبق. فكتب هو الجواب: [من الكامل] جاء الجواب يزف منه فواضلا … ويرف في روض البيان خمائلا أغرقْتَ غُرَّ السحب حين وصفتها … يا مَنْ غدا بحرًا يموج فضائلا لو لم تكن يُمناك بحرًا زاخرًا … ما أرسَلَتْ تلك السطور جداولا ضرب من السحر الحلال متى تَشَا … أَخْرَجْتَهُ فيعود ضربا داخلا ما إن جلا راويه بحربيانِهِ … إلاّ وزان مشاهدًا ومحافلا فمتى يرومُ بهِ اللحاق مقصر … والنجم أقرب من مداه تناولا أبرزته أفقًا فكل قرينة … برج حوى معناه افقًا كاملا فكأنما تلك الحروف حدائق … امست معانيها تصيح بلابلا وكأنَّ ذاكَ الطَّرْسِ خَدُّ رائقٌ … والسطر فيه غدا عذارًا سائلا مهلًا أبا العباس قد أفحمتني … وتركتني بعد التحلي عاطلا بالله قل لي عندما سَطَرْتَهُ … هل كنتَ تحسب أن تجيب الفاضلا أقسمت لو جاراك في إنشائه … ما كان ضم على اليراع اناملا

стр. 4132

حركتُ منك حمية عَدَوِيَّةً … مَلأَتْ فضاءَ الطرس منك جحافلا كم فيهِ مِنْ لام كلامة فارس … قد هزَّ من الفات خطك ذابلا هل شئت أن تُنشي الجواب سحابة … تندى فجاءت منك سيلًا سائلا يا فارس الإنشاء رفقًا بالذي … نازلتَهُ يوم الترسل راجلا لو رامَ أنْ يجري وراءَكَ خطوةً … نصبتْ له تلك الحروف حبائلا فاحبس عنانَكَ قد تجاوزت المَدَى … وتركت سحبان الفصاحة باقلا والفاضل المسكين أصبح فنّه … من بعد ماقد راح فينا خاملا فاسلم لتبيلغ النفوس مرامَها … فالدهرُ في أبواب فضلك ماثلا كم فيكَ لي أَمَلٌ يروقُ لأنّني … أدري بأنك لا تخيب آملا وكتبت أنا الجواب إليه: [من الكامل] وافى الكمي بها يهزّ مناصلا … ويروم صبغًا للشبيبة ناصلا سبق الظلام بها ونبَّه ليلَهُ … ولو أنه في الفجر حلى العاطلا حمراء قانية يذوب شعاعها … وترى حصى الياقوت فيها سائلا حمراء قانية تحثُ كؤوسها … وقع الصوارم والويشج الذابلا ذهبيّة ما عرق عانة كرمها … لكنّها كف الكريم شمائلا كف لمنبجس النوال كأنما … دُفَعُ السيول تمد منه نائلا كرم خليلي يمد سماطَهُ … ويُشِبُّ نارًا للقرى وفواضلا ولهيب فكر لو تطير شرارةٌ … مِنْهُ لما بل السحاب الوابلا يُذكي بهِ في كلِّ صُبْحٍ قرةٌ … فهما لنيران القرائح آكلا عَجَبًا له مِنْ سابق متأخر … فات الأواخر ثم فات أوائلا دانوه في شبه وما قيسوا به … من ذا تراه للغمام مساجلا ماثل به البحر الخضم فإنه … لا يرتضي خلقًا سواه مماثلا وافت عقيلته ولو بدأ امرةٌ … فيها استقل من البروج معاقلا جاءت شبية الخود في حُلَلٍ لها … حمر بتذهيب الخدود لها حلى قد خُصّبت بدم الحسودِ أما تَرَى … اثر السواد بها عليه دلائلا حِلَلٌ على سحبانَ تَسْحَبُ ذَيْلَها … وتجرُّ مِنْ طَرَفِ الذيول الفاضلا خلت الهلال يلوح طلع نقابها … حتى نَضَتْ فرأيت بدرًا كاملا

стр. 4133

بنت القريحة ما وَنَتْ في خِدْرها … حُسنُ المليحة أن تواصل عاجلا جاءت تصوعُ مِنَ العِناقِ أساورًا … لا بل تخوضُ مِنَ السيول خلاخلا قبلتها وأعدت تقبيلي لها … إنَّ المتيَّم لا يخاف العاذلا وأتَتْ وجيش النَّوْءِ مرهوب السطا … ملأ الوجود له قنًا وقنابلا والبرق مشبوب الضرام لأنه … صاد الغزالة حيثُ مَدَّ حبائلا وأتت ورأس الطود يشكو لمّةً … قد عَمَّمَتْ بالثلج شيبًا شاملا وكأنما نثرت قراضة فضّةٍ … أيدي البروق وقد خرقن أناملا ملات به كلَّ الفضاء فلا تَرَى … إِلا لُجينًا جامدًا أو سائلا والأفق كالكأس المفضّضِ ملؤُهُ … صهباء قد عقدت حبابًا حائلا أبناء يومٍ قد تقهقر ضوؤه … وبدا ذُبالًا في الأصائل ناحلا والجو منخرق القميص كأنّهُ … حَنِقٌ يقدُّ من السحاب غلائلا والسيل منحدر يسيل مهندا … إفرنده ذهب يمد سلاسلا لله أنتَ أبا الصفاء فإنني … القى خليلا منك لي ومخاللا أنت الذي حلقت صقرًا أجدلًا … وضَمَمْتَ في برديك ليثًا باسلا يا من ينفّقُ سوقَ كلِّ فضيلةٍ … إسأر فما أبقيت بعدك فاضلا فكتب هو الجواب: [من الخفيف] يا فريدًا ألفاظه كالفريد … ومجيدًا قد فاق عبد المجيد وإمام الأنام في كل علم … وشريكا في الفضل للتوحيدي عرف العالمون فضلك بالعلـ … ـم وقال الجهال بالتقليد مَنْ تمنى بأن يرى لك شبهًا … رام نقضًا بالجهل حكم الوجود طال قدري على السماكين لما … جاءني منك [عقد] در نضيد شابة الدر في النظام ولما … شابَهُ السحر شاب رأس الوليد هي ام الأمين ذات المعالي … من بني هاشم ذوي التأيد أنت كنت البادي لمعناه حقًا … حين لوّحت لي بذكر الرشيد * * * وهذا آخر من ختمنا به أهل قطرنا أحياء وأمواتًا، ولا حفلة بمن تخطيناه فواتًا، وإذ كان هؤلاء أعيان القوم من أول هذه الملة وإلى اليوم ممن اشتهر

стр. 4134

لعلو قدره، أو لغلو دره، وثم بقايا ما حلوا مع أحد هذين، ولا كانوا في قسميها اللذين. وهذه جملة كافية في الكتاب المشارقة، وإنما أطلعنا من شموسهم شارقة وهي دالة على ما بعدها من نهار يطنب في الخافقين، ويطيب ملأى النيرين الشارقين. آخر السفر الثاني عشر من مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر الثالث عشر: فأما الكتاب المغاربة، وما لهم من نجوم غير غاربة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين حسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 4135

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد: فهذا هو السفر الثالث عشر من موسوعة ابن فضل الله العمري (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) وقد اختص بكتاب الانشاء من المغاربة، معتمدًا في تراجمهم وتسجيل نصوص من أدبهم على كتابين مهمين هما: «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام»، وكتاب «قلائد العقيان لابن خاقان»، وذيل عليهما بمن لم يُذكر في الكتابين، ثم ترجم لمن قدم من المغاربة على مصر. ثم تحدث على الخطابة والخطباء قبل الإسلام وخطباء المشرق ممن ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، كما ترجم من جاء بعد الجاحظ، وذكر نصوصًا كثيرة لهم. ثم ذكر حال الخطابة في المغرب، ومن اشتهر بها، ثم عرج على خطباء مصر. ضم هذا السفر تراجم كثيرة، وامتاز بتسجيل نصوص كاملة فريدة لم نجدها عند غيره من مؤرخي الأدب، وفيه نصوص لم ينقلها من كتاب، وإنما أخذها مباشرة من معاصريه من المترسلين والكتاب والخطباء. اعتمدت في تحقيق هذا السفر على مخطوطة أيا صوفيا المرقمة، مكتبة السليمانية باستانبول التي نشرها الدكتور فؤاد سركين، وهي نسخة كاملة كتبت بخط واضح قريب من الثلث إلا أنها كتبت بحروف مهملة في مواضع كثيرة، ولم تخلُ من تصحيف وخطوط مبهمة يصعب فهمها. تتألف هذه المخطوطة من (٣٤١) صفحة، وتحتوي الصفحة على (٢٣) سطرًا،

стр. 4136

وهي خالية من البياضات والخرجات، وكتب في أعلى الصفحة الأولى وهي صفحة العنوان، اسم ناسخها أو مالكها وتاريخ النسخ أو التملك، وهو: «محمد بن علي بن عيسى بن داود بن شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي عفا الله عنهم، عام ٧٤١». عملت جاهدًا على توثيق النصوص على مصادرها التي نقل عنها المؤلف أو على غيرها ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، كما حاولت اصلاح ما صُحف من كلمات، وترجمت من ذكر من الأعلام والمواضع. أرجو أن أكون قد قدمت ما ينفع الناس. والحمد لله رب العالمين. المسيب - العراق في ٢٩ ربيع الثاني ١٤٢٥ هـ الموافق ١٧ حزيران ٢٠٠٤ م مهدي ع. الحسين النجم

стр. 4137

[كتاب الإنشاء المغاربة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ على الله توكلت وأما الكتاب المغاربة، وما لهم من نجوم غير غاربة، فسنأتي منهم على بحور تزخر عبابًا، وتُسحِرُ ألبابًا، أبدأهم بابن بسام وغُرر ما ابتكر، ثم بالفتح بن خاقان وأعيانًا ممن ذكر، وأُذيل على ابن خاقان (١) إلى هذا الأوان، وأكثر عددهم بأهل مصر، إذا وقعها الحظ في سوقهم وإن لم توسم بوسمهم، ولم تدخل في مجر اسمهم، وإنما أذكرهم في آخر المغاربة. إذ كان للبحث في إخراج مصر عن قسم الغرب مجال، وما ضر الشرق أن سامح أخاه الغرب برجال على أن الغرب كثير ناسه ملي بأنواع الأدب وأجناسه، ولهم الفضل المغرب والبيان المعرب، والبنيان المعجب، ولهم غوص لا يُدرك له قرار، وغور هبَّتْ على نجد له نسمات أسحار، جاوروا السحب وقلدوا درة النحر. فمنهم: [١] أبو الحسن، علي بن بسام (٢) ممير الذخيرة وجامعها، ومعير الشم تلك الأنوف وجادعها، ذخر فيها النفائس

стр. 4138

الغوالي، وفخر المنافس المغالي، وأخذ منها الجواهر وما فنيت، وزايلتها الخواطر وما فتئت، وطالما أثرى منفق من ذخيرتها ومرتفق نميرتها من كنوز ما وقعت عليها المآرب، ولا وقعت عليها أرباب المطالب، لا بل تلك ربما أنفذها الإنفاق، وأنفقها داعي الإملاق، وهي معدن مولد الذهب فكيف تملق، وبحر يخرج الدر فكيف لا ينفق، قذفت بها أمواج ذلك البحر الذي يُمتار، ومجاج النحل الذي منها يُشْتار، من عبق ذلك الروض، وغدق ذلك النوض، وثمر ذلك الدوح، ومكنون ذلك اللوح، وفضائل ذلك الفاضل الذي ما رقت لولاه أصل المغرب، ولا أنضب جدول ذلك النهار في روضه المعشب، ولا رفعت للأندلس أعلام، ولا عُرِفَتْ وقائع وأيام، ولا تميزت لأهله أقدار، ولا تطرقت بفضلِهِ سِير وأخبار. ولا حفظت له ذخيرة خير من كل درهم ودينار فاقتضيت بها لوعود الدهر ديون، وحازت آثارًا وكلها عيون. ومن نثره قوله: وهو على نباهة الذكر وشرف المحل من فهر، قد اقتصر على عفّة في العيش يتبرّض حميمها، لا بل يتزوّد نسيمها، والشمس وإن سترها الضباب فغير خفية السنا ولا مجهولة العنا. ومنه قوله: طرائد سيوف، وجلاء حتوف قد خلعهم لين العيش على خشنه، وأسلمتهم غفلات الزمان إلى محنه. ومنه قوله (١): عارِضُ إِذا هَمَعَ استوشَلَتْ البحار، ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار، وهو أحد من أوى بأشبيلية من الحسب إلى ثبج عظيم، ومشى في الأدب على منهج قويم، سابق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم، وصارم لا يحلّى غمده إلا بأفراد النجوم. ومنه قوله: بحر من بحور الكلام قذف بدر النظام، وطوقه أعناق الأيام، أسحر من أطواق

стр. 4139

الحمائم، وأبهر من النجوم العوائم، كان من شعراء الدولة العبادية، ثم خلع الشعر بعدها خَلْعَ النجاد، وتبرأ منها تبري العباسية من دعوى زياد، إلا إلمام الطيف بعين الفرق، والتفات الدليل ببنيات الطرق. ومنه قوله في مؤرخ: كان سهمًا يصمي رميه، وبحر لا ينكس أذيه، لو ثبت الماء لما نقع، أو تعرّض لابن ذكاء ما سطع، يتناول الأحساب التي قد رست في التخوم، وأنافت على النجوم، فيضع منارها ويطمس آثارها، بلفظ أحسن من لقاء الحبيب غب الموعد، وآمن من عذر الطبيب عند العود. ومنه قوله في ذكر ابن عمار (١): شاعر لا يجارى، وساحر لا يمارى (٢)، إن مَدَح استنزل العُصْم، وإن هجا أسْمَعَ الصم، وكان قد اتخذ الشعر مدة صناعته (٣)، ثم خلع بعد هذا طاعته (٤)، رغبة بنفسه عن محلّة (٥) سؤددها سؤال، وأجْوَدُها كذب ومحال. ومنه قوله (٦): وقد وعدت في صدر هذا الكتاب بأن أتخَلَّل أشعار الشعراء، ورسائل الكتاب والوزراء، بما عسى أن يتعلّق بأذيالها ويساير أفياء ظلالها (٧)، ونشير (٨) بأسماء طوائف توابعها الذين استظهروا على شهواتهم بجر ذيولها، وامتروا (٩) بطالاتهم من أخلاف أباطيلها. وسينخرط في ملك ما أُوشّح به هذا التصنيف (١٠) من تلخيص التعريف (١١) بأخبار ملوك الجزيرة لابن حيان (١٢). وعلى تاريخه (١٣) الكبير عوّلت، ومن خط

стр. 4140

يده أكثر ما نقلت (١)، على أنّه لم يخلص إلي من غمامه إلا قطرة، ولا حصلت إلي من حسامِهِ إلا إبرة، فلذلك ما ارتشفت ثمادي، ونفخت فيما لم أجده من كلامه رمادي (٢). وأنفقت في ذلك من تافه زادي. ومنه قوله (٣): بنادرة الفلك الدوار، وأعجوبة الليل والنهار، نظم كما اتسق الدر على النحور، ونثر كما خلط المسك بالكافور، إلى نوادر كأطراف القنا الأملود، تشق القلوب قبل الجلود. ومنه قوله: وكان أبو الوليد - يعني ابن زيدون - أحد من جرّ الأيام جرًا، وفات الأنام طرًا، إلى أدب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه، وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر قرانه، وحظ من النثر غريب المعاني شعري [الألفاظ (٤)] والمعاني. أخبرني غير واحد من شعراء (٥) أشبيلية قال: لما خَلَصَ ابن عبد البر (٦) من يد عباد، خلوص الفرزدق من يد زياد، بقيت حضرته من أهل هذا الشان، أعرى من ظهر الأفعوان، وأخلى من صدر الجبان، فهم [يوما] (٧) باستخلاف أبي [عمر] (٨) الباجي، فكأن أبا الوليد غص بذلك، وواطأ [أبا محمد] (٩) ابن الجد على الإشارة (١٠) بالاستغناء عما هنالك، فكانت (١١) الكتب تنفذ من إنشاء أبي الوليد إلى شرقي الأندلس، فيقال: تأتي من أشبيلية كتب هي بالنظم الخطي أشبه منها بالنثر (١٢). ومنه قوله (١٣):

стр. 4141

وأما ولادة (١) في نساء زمانها (٢) واحدة أوانها (٣)، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر (٤)، يعشوا أهل الأدب إلى ضوء غُرَّتها، ويتهالك أفراد الدهر (٥) على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها (٦)، وتخلط ذلك بعلق نصاب، وكرم أنساب وطهارة أثواب. على أنها (٧) طرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل لقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. وأما ذكاء خاطرها، وعجب (٨) نوادرها، فإنه من آيات ناظرها، [وكانت تخالل الوزير أبا عامر بن عبدوس] (٩). وطال عمرها وعمره (١٠) حتى أربيا على الثمانين، وهو لا يدع مواصلتها، ولا يغفل مراسلتها، وتحيف هذا الدهر المستطيل حال ولادة، فكان يحمل كلّها، ويرقع ظُلَّها، على جدب واديه، وجمود روائحه وغواديه. ومنه قوله: وهو في وقتنا غرّة الزمان الزاهرة، وآية الإحسان الباهرة، أحد من تقدم أهل الفضل تقدم الاسم على الفعل، واستولى على النيل استيلاء الشمس على الظل، وله صدر يسع الدهر كله، ولسان يخلق السحر لو استحلّه. ومنه قوله: وافاني منك كتاب ظللت أسامره وأناجيه، قلبت إليه وفيه، وخفت أن أمحو سطوره تقبيلًا، فوضعته على رأسي إكليلًا، وصرتُ به على الدهر أميرًا، ولم لا، وقد ملأ عيني نُورًا، وأمدني مسكًا وكافورًا. وداخلَتْ نفسي منه قوّةً لا أعرفها، فكيف أصفها؟ ولا أدريها فكيف أحكيها؟ وهي أظنّ ما يداخل المضلّ إذا أنشد فوجدا، أو المقل إذا استعدى على الأيام فأعدى، أو المحل يئس من السقيا فسقي. وظل ينشد:

стр. 4142

وحديثها كالغيث يسمعه … داعي سنين تتابعت جذبا فأصاخ يرجو أن يكون حيًا … ويصيح من فرح هيا ربا ومنهم: [٢] أبو نصر، الفتح بن محمد بن خاقان القيسي (١) مؤلف قلائد العقيان، وممثل فرائد تلك النحور للعيان، فأحيا رمم أولئك الأعيان، ووصل ذلك البيان، وخلَّد للمغرب فخرًا بفضلِهِ، وذخرًا بما حَفَظَ لأهلِهِ، ثم طلع بين نجومهم بدرًا، ونثر خلال حصبائهم درًّا، وفاض على جداولهم بحرًا، وآض في أخريات أسحارهم فجرًا، وكان له عليهم رفعة السماء على رقعة الماء، لفضل أناف به إنافة البدر على الميسم، وغطّى عليهم تغطية الشفاه على المبسم، ويقال: إنه ما ضم بنانه قلمًا، ولا أم بيانه لقمًا حتى حفظ عشرة آلاف رسالة جعل خاطره مكان خطها، وحافظ ذكره موضع ضبطها فمرى بها شُعب فكره وأساله، ورضع من درر الدراري بما نالت يداه، وطالت مذاكيه إلى مداه وأتى كأنّ حالية العذارى تتكسر على حصاه وسابق الثريا قد ألقى وراءه عصاه، وآخر حاله أنه وسد كتابه وذبح عليه بيد بعض من ذمه فيه وعابه، وعلم بالقاتل، وإنما درأه المداراة عند المقاتل، وتلك شيمة الأيام، وسخيمة صدور الأنام، ألا ترعى حق، فاضل، ولا تراع بحد مناضل. وهي الدنيا تعاقب ما بنت ولا تُعاقب بما جَنَتْ، ومن نثره قوله (٢): واعلم (٣) أن المعتمد قد جيش إليها ليتركها خاوية على عروشها، طاوية الجوانح على وحوشها، فأمر الراضي (٤) بالخروج إليه، فأظهر التمارض والتشكي، وأكثر التقاعس

стр. 4143

والتلكي، فوجه المعتمد مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده، ولم تنصر جنوده، فعندما رأوا (١) العدو تفرقوا في تلك الأماريت (٢) وفرقوا من تخطف تلك العفاريت (٣) فآب أخسر من بائع السدانة، ومضيع الأمانة، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه، وشَغَلَهُ عن إقامة نوافله وفرضه (٤)، وفرق (٥) العزائم البطية بين الصوارم والرماح الخطية. ومنه قوله (٦): وأيام كأنها من حسنها جمع وليال، كأن فيها على الأنس حضور، ومجتمع راقت إشراقًا وتبلجًا، وسالت مكارِمُهُ أنهارًا وخُلُجًا، إلى أن عَدَتْ عليه الأيام بمعهود العدوان، ودبّت إليها دبيبها لصاحب الإيوان (٧)، وانبرت إليه انبراءها [لقيس بن] (٨) زهير وراء عُمان، ونُقل هو وابناه (٩)، لم تعطف (١٠) عليهم إلا جوانح الليل، ولم تقف لديهم إلا بوارح الويل، وباتوا لم يطلب لهم بثأر، ولا انتظم شملهم بعد الانتشار، وهي الأيام (١١) أقفرت شعب ودان (١٢)، وعَفَّرت ملك غمدان، وأظفرت الحمام بعبد المدان (١٣)، وفرقت عن مكنس رامه (١٤) ظباه، ورمت بسطام بن قيس فخر على الإلاءة، ومزقت (١٥) ابني بدر بجفر الهباءة.

стр. 4144

ومنه قوله (١): وأخبرني ابن عبدون (٢) أن الجدب توالى بحضرته حتى جفت مذانبها، واغبرت جوانبها، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض إلى السماء بوسها (٣)، فأقلع المتوكل (٤) وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى أن غيم الجو وانسجم النو، وصاب الغمام، وترنمت الحمام، والمتوكل ما فض لتوبته ختاما، ولا نفض (عن) (٥) قلبه منها قتاما. ومنه قوله (٦): وأخبرني أنه سايره (إلى شنترين) (٧) وهي لا يردعها صرف، ولا يقرعها طرف. قد أطلت على خمائلها أطلال العروس (٨) على منصتها، واقتطعت (٩) في الجو أكثر من حصتها، (فمروا بألبش) (١٠) قُطْرِ سالت به جداوله واختالت فيه خمائله، فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، أو بقعة أنيقة، فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نوّارِهِ، وخجلت خدوده (ورده من زوّاره) (١١) وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المجالس (١٢) أزرارها. ومنه قوله (١٣): وبقي ابنه (١٤) قد نهل بالغصص، وذهل خوفًا من القنص، إلى أن ركب في البحر

стр. 4145

طريقًا غير يبس (١)، وساعدته الريح بنفس، فامتطى ثبجه (٢) إلى حين شاء جنوح، فأصبح وأطراف شراعه تلوح وأطلاله تبكي عليه وتنوح، فأرجاه إلى بجاية سكانه، وحباه منها موضعه ومكانه. ومنه قوله (٣): ودَخَلْتُ بلنسية (٤) فألفيته قد انحنى. وعُوِّضَ من شطاطِهِ (٥) بالحنا (٦)، وهو يمشي بالعيش على ضجر، ويمشي على ساقٍ من الشجر، ولا تحرق المنسأة من الكبر، ولا يملك رأس البعير إن نفر (٧)، وأقمنا نتعاطى أحاديث كأنها رضاب، ونتراضي الأيام غضاب. ومنه قوله (٨): وبوسطها مجلس قد تفتحت للروض أبوابه، وتوشّحَتْ بالأزر المذهبة أثوابه، يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم في الطلول، وضفافه بالدوح (٩) محفوفة والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة (١٠) وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم، ووافي الليل فذدنا عن جفوننا (١١) طروق النوم، وظللنا بليلة كان الصبح منها مقدود، والأغصان تميس كأنها قدود والمجرّة تتراءى نهرًا، والكواكب تخالها في الجوّ زهرًا، والثريا كأنها راحةٌ تُشير، وعُطارِدُ لنا بالطرب تشير، فلما كان من الغد وافيت أبا عبد الرحمن (١٢) فأفضينا بالحديث إلى ذكر متنزهنا بالأمس (١٣) فقال: ما بهجة موضع قد بان قطينه (١٤) وذهب، وتسلب الزمان بهجته وانتهب، عهدي به وقد استدعاني (١٥) في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست الأرض

стр. 4146

بزخرفها، وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع، ولا يحل غير الفؤاد من مربع، وهم يديرون رحيقًا خِلْتُها في كؤوسها (١) درًّا وعقيقًا .. فأقمنا والشُّهُبُ تغازلنا، وكأنّ الأفلاك منازلنا، ثم توجع لذلك العهد، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد وأنشد: سقيًا لمنزلة اللوى وكثيبها … إذ لا (أرى) (٢) زمنا كأزماني بها ومنه قوله (٣): ورِثَ الرئاسة عن ملوك عضدوا موازرهم، وشدوا دون النساء مآزرهم، ركبوا الصعاب فذللوها، وابتغوا سببًا إلى النجوم حتى انتعلوها، فملكوا الملك بأيد، وعقلوه من النجدة (٤) بقيد، وكان ذو الرئاستين يتشطط على نُدَّامِهِ، ولا يرتبط في مجلس مدامه، فلم تتم معه سلوة، ولا فُقدت في ميدانِهِ كبوة، وقليلًا ما كان يقيل (٥)، ولا يناجي المذنب عنه إلا الحسام الصقيل، ومع هذا، فإنه كان غيثًا (٦) للندى، وليثًا في العدى (٧)، وبدرًا في المحفل، وصدرًا في الجحفل. ومنه قوله (٨): والجو سماكي العوارف، لازوردي المطارف، والنور مبتل، والنسيم مُعْتَل والرذاذ يرش، والربيع (٩) على الأرض فَرْسٌ، وقد صقل الغمام الأزهار حتى أذهب نمشها وسقاها فأروى عطشها. ثم وَجَّه فيه إلى روضة أرجت نفحاتها، وتدبجت ساحاتها، وتجردت جداولها (١٠) كالبواتر، ورمقت أزاهرها بعيون فواتر، وركب متصيدًا في يوم غيم، نضح رذاذه (١١) وجه الثرى، وتلقعت الشمس بمطرفه (١٢) فما تُرى. ومن قوله (١٣): وأخبرني (١٤) أنه دخل عليه في ليلة قد ثنى السرور منامها، وامتطى الحبور غاربها

стр. 4147

وسنامَها، وراع الأنس فؤادها، وستر بياضُ الأماني سوادها، وغازل نسيم الروض زوّارها وعوادها، ونور السُّرح قد قلّص أذيالها، ومحا من لجين الأرض أميالها (١) والبدر قد كمل، والتحف بضوئه (٢) القصر، واشتمل (٣). ومنه قوله (٤): وأخبرني (٥) أنه كان عنده في يوم قد نشر من غيمه رداء ندّ، وسكب من قطره ماء ورد، وأبدى من برقه لسان نار، ومن (٦) قوس قزحه حنايا آس حُفّت بنرجس وجُلنار. ومنه قوله (٧): ولما افترس ملوك الأندلس ذلك الليث، وطمس رسومهم ذلك الغيث بقي ذو الرئاستين (٨) طالعًا بأفق الملك، وقد أفلت نجومه محترسًا من ذلك الليث أن يُفاجئه هجومه (٩)، إلى أن حطّته المنية، وتخطت إليه تلك الثنية، وبقي ابنه على رسمه إلى أن دبت (١٠) إليه تلك الأفاعي، واشتملت عليه تلك المساعي، فخر من عرشه، وأقيم من فرشه. ومنه قوله (١١): ولم يزل يكشف العدو (١٢) دفينه، ويجدف والموج يعوق سفينه، إلى أن هبت ريحه، فجرى، وتسنّى تسريحه (١٣)، ووافى شاطبة (١٤) فأقام مشتملًا بالخمول، سائلًا (١٥) عن المأمول، إلى أن برئت بلنسية من آلامها، فبادر إلى استلامها، وعاد إليها، ولزم مطلعه متواريًا، وأقام ثابتًا لاساريا، لم يطأ رقعة أرض، ولا خرج لأداء سنة ولا فرض، حتى أدرج في كفنه، وأخرج إلى مدفنه (١٦)، فانقرض

стр. 4148

الكلام بانقراضه، وبكت البلاغة على أغراضه. ومنه قوله: وفي الساقية الكبرى دولاب بين كناقة أثر حوار، أو كثكلى من حرّ الأوار، وكل مغرم فيه ارتياحه. بكرته ورواحه. ومنه قوله: تحيل لنفسه حتى تسلك من خَيْسِهِ، ففر فرار الخائف، وسرى إلى اشبيلية سري الخيال الطايف، فوافاها غلسًا قبل الإسراج والإلجام، ونجا إليها برأس طمرة ولجام، فهشت له الدولة فأحمد قراره، وأرهفت النكبة غراره، وحصل عند المعتضد كالسويداء من الفؤاد، واستخلص استخلاص المعتصم لابن أبي داود، حتى أدركه حمامه، ولقي السرار تمامه. ومنه قوله (١): وأخبرني أنه استدعاه في ليلة قد ألبسها البدر رواءه. وأوقد فيها أضواءه، وهو على البحيرة الكبرى، والنجوم قد انعكست فيها تخالها زهرًا، وقابلتها المجرة فسالت فيها نهرًا، وقد أرجَتْ نوافجُ الند، وماست معاطف الرند، وحسد النسيم الروض، فوشى بأسراره، وأفشى أحاديث آسِهِ وعَرارِه ومشى مختالًا بين لبات الزهر (٢) وأزراره، وهو وجم، ودمعه مُنْسَجِمٌ، وزفراته تترجم عن عرار (٣) وتجمجم. ومنه قوله (٤): والغصون قد التحفت بسندسها، والأزهار تُحيي بطيب تنفسها، والنَّسيم يُلم بها فيضعه بين أجفانها، وتودعه أحاديث آذارها ونيسانها، وبين يديه فتى من فتيانه، يتثنى تثني القضيب، ويُجيل (٥) الكأس في راحة أبهى من الكف الخضيب، وقد توشّح، فكأن الثريا وشاحه، وأنار فكأنَّ الصُّبحَ من محياه كان اتضاحه. ومنه قوله (٦): والغصون تختال في أدواحها، وتتثنى في كف (٧) أرواحها، وآثار الروض (٨) قد أشرقت [عليهم] (٩) كثكالى تحن على خرابها وانقراض أطرابها .. وقد

стр. 4149

يلين الحديد، ويبلى على طيه الجديد. ومنه قوله (١): وبرز الظافر منفردًا من كماته عاريًا من حماته وسيفه في يمينه، وهاديه في الظلماء نور جبينه. فإنه كان غلامًا لما بلله الشباب بأندائه، وألحفه الحسن بردائه، فدافعهم أكثر ليله، وقد منع منه بلا حق رجله وخيله، حتى أمكنتهم فيه غرة (٢) وسقطت به عثرة (٣)، فمر بمصرعه (٤) أحد أئمة الجامع المُغلّسين، فرآه وقد ذهب ما عليه ومضى، وهو أعرى من الحسام المنتظى، فخلع رداءه عن منكبه (٥) وستره [به] سترًا أقنع المجد به وأرضاه، وأصبح لا يعرف (٦) ربُّ تلك الصنيعة، ولا يعرف فيشكر له يده الرفيعة، ولما كان من الغد، حز (٧) رأسه، ورفع على رمح (٨)، وهو يشرقُ كنار على علم، ويرشق صدر كل ناظر (٩) بألم، فلما رمقته الأبصار، وتحققته الحماة والأنصار، رموا أسلحتهم، وسووا للفرار أجنحتهم. ومنه قوله (١٠): ولما ثوى (١١) عرش الخلافة، وخوى نجمها، ووهي ركن الإمامة وطمس رسمها، وصار الملك دعوى، وعادت العافية بلوى، استنسر البغاث (١٢) وصحت الأضغاث واستأسد الظبي في كناسه، وثار كل أحدٍ في ناسه، وخلت المنابر من رقاتها، وفقدت الجمع مقيمي أوقاتها، وكان باديس (١٣) بأغرناطة قد حجب سنانه لسانه، وسبقت إساءته إحسانه، لا يرام بريث ولا عجل، ولا يبيتُ له جار [إلا] على وجل، وأمره أضيع من مصباح الصباح، وهمه في غبوق واصطباح، وبلاده مراد لفاتك، وستره في يد الهاتك، فسقط الخبر إلى المعتضد (١٤)، ملقح (١٥) الحرب، ومنتج الطعن والضرب، الذي صاد الطير تحت أجنحة العقبان (١٦)، وأخذ

стр. 4150

الفريسة من فم الثعبان، فسدَّد إلى مالقة سهمه وسنانه، وردّ إليها طرفه وبنانه، ووجه إليها جيشه المتزاحم الأفواج المتلاطم الأمواج، وعليه (١) ابنه المعتمد سمام الأعادي، وحمام الأسد العادي، وطيروا إلى باديس خبرًا أصحاه من نشوته، ولحاه (٢) على (٣) صبوته، فأخرج (٤) كتيبة وعليها ابن الناية (٥) قائد جنده، وموري زنده، وكان أشار على المعتمد برابرة بالتنفيس عن الممتنعين (٦)، فعدل عن انتهاز فرصتهم، إبراء غُصَّتهم إلى الاستراحة من تعبه، والإراحة (٧) على لهوه ولعبه، فما أمسى إلا وقد غشيه ليلها، وسال عليه سيلها، فخاب سعيه، وفال رأيه، ونجا برأس طمرة (٨) ولجام، وأوى إلى أحد المعاقل أعرى من الحسام. ومنه قوله (٩): وعندما سقط الخبر عليه، خرج حاسرًا من مفاضته، جامحًا كالمهر قبل رياضته. وفي يده سيفه يتلمّض للطلي والهام (١٠)، ويعد بإفراج (١١) ذلك الاستبهام، ثم انصرف وقد أراح نفسه وشفاها، وأبعد عنه الملامة ونفاها. ومنه قوله (١٢): وكان (١٣) أشهر ملوك أوانه خيرًا، وأيمنهم طيرًا، ما اشتغل بمعاطاة مدامة، ولا توغل (١٤) شعب ندامة. ومنه قوله (١٥):

стр. 4151

ولما أحس بهم المأمون، خرج بعد قليل وجد فليل (١)، وقد رتبت له بطريقه رصائد، ونصبت له فيها مصائد، علق فيها زمامه، ورشق إليه منها حمامه، فانقضوا عليه انقضاض الجارح، وانصبوا عليه انصباب الطير إلى المسارح، فقطع رأسه وحيز، وخيض به النهر وجيز، ثم انتقلوا إلى رندة (٢) أحد معاقل الأندلس الممتنعة، وقواعدها السامية المرتفعة، تطرد منها على بعد مرتقاها، ودنو النجم من ذراها عيون لانسيابها (٣) كالرعد القاصف، والرياح العواصف، ثم تكون [واديا] (٤) يلتوي بجريانها (٥) التواء الشجاع، ويزيدها في التوغر والامتناع، وقد تجونت (٦) نواحيها وأقطارها، وتلوّنت (٧) فيها لياناتها وأوطارها، فلا يتعذر لها مطلب، ولا يتصور فيها عدو إلا أعلقه ناب أو مخلب. ومنه قوله (٨): وما زالت عقارب تلك الداخلة تدبُّ وريحها العاصفة تهب، حتى دخل البلد من واديه، وبدت من المكروه بواديه، وهو ملقى بين جواريه، مغتر بودائع ملكه وعواريه، ولما انتشر الداخلون في البلد، وأوهنوا (٩) عرى القوى والجلد، خرج الموت يتسعر في ألحاظه، ويتضور من ألفاظه، فلقيهم برحبة (١٠) القصر، وقد ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من وجيبهم (١١) أعضاؤها، فحمل فيهم حملة (١٢) صيرتهم فرقًا، وملأتهم فرقا، ثم والى (١٣) عليهم الكر، حتى أوردهم النهر، وما بهم جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد (١٤)، وعاد إلى قصره وقد عزم على أفضع أمر، وقال: (بيدي لابيد عمرو) (١٥)، ثم جمع هو وأهله، وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وأول عيد عيده بأغمات (١٦)، وهو سارح، وما غيرت السجون له مسارح، دخل عليه (١٧) من يسلّم عليه

стр. 4152

ويهنيه، وفيهم بناته، وعليهنّ أطمار كأنها (١) كسوف وهنَّ أقمار، وأقدامهن حافية، وآثار نعمتهنّ عافية، وأقام بالعدوة (٢) برهةً لا يردع له سرب وإن لم يكن آمنًا، ولا يثور له كرب، وإن كان في ضلوعه كامنًا، إلى أن ثار أحد بنيه بأركش، معقل كان مجاورًا لاشبيلية مجاورة الأنامل للراح، ظاهرًا على بسائط وبطاح، لا يمكن معه عيش، ولا يتمكن من منازلتها جيش، فسار نحوه سير (٣) بن أبي بكر، فوجه وشره قد تشمر وضُره قد تنمر، وجمره قد تسعّر (٤). وأمره متوعر، فنزل عدوته، وحلّ للحزم حبوته، وتدارك داءه قبل إعضاله، ونازله وما أعد آلات نضاله، فبقي محصورًا لا يشد له إلا سهم، ولا ينفذ له إلا نفس أو وهم، وتماسك (٥) شهورًا حتى عرض (٦) له أحد الرماة، ورماه فأصماه، فهوي من مطلعه، وخرَّ قتيلًا في موضعه، وبقي أهله ممتنعين حتى اشتد (٧) الحصر، وارتد عنهم النصر، وعمهم الجوع، وأعيت أجفانهم لعدم الهجوع (٨)، فنزلت (٩) منهم طائفة متهافتة، وولّت بأنفاس خافتة، فتبعهم من بقي، ورغب في التنعيم من شقي، فوصلوا إلى الملمات، وحصلوا في غُصّةِ الممات، ولما زار الشبل خيفت صولة الأسد، لم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها، وأجلَّ ساحة الخطوب فناءها، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة عائرة حتى قال: قلت: ثم أنشد الفتح ما قال (١٠). ومنه قوله (١١): ملك (١٢) تفرع من دوحة سناء، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١٣)، كلف بالعلم حتى صار منهج (١٤) لسانه، وروضة أجفانه لا يستريح منه إلا إلى متن سائل

стр. 4153

الغُرّة. ميمون الأسرة، يُسابق به الرياح، ويُحاسن بغرّته البدر اللياح، عريق في السناء، عتيق الاقتناء (١)، سريع الوخد والإرقال. من آل أعوج أو لذي العقال (٢)، إلى أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء (٣) وضم إليها رندة، فانتقل من متن الجواد إلى ذروة الأعواد، وما زال يدبرها بجوده ونهاه، ويورد الأمل فيها مناه، حتى غدت عراقًا وامتلأت إشراقًا، إلى أن اتفق في الجزيرة ما اتفق، فانتقل إلى رندة معقل أشب، ومنزل إلى السماك (٤) منتسب، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيها، وأمكنت منه يدي مسيها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه (٥). ومنه قوله (٦): وقصر الشراجيب (٧) هذا، متناه في البهاء والإشراق، مباه لزوراء العراق، وكان يعتدها محيا (٨) آماله ومنتهى أعماله إلى التفاف خمائلها، وتقلدها بنهرها مكان حمائلها. ومنه قوله (٩): في يوم جادت فيه السماء بهطلها، وأتبعت وبلها بطلها، وأعقب رعدها برقها، وانسكب دراكًا ودقها، والأزهار قد تجلّت من كمامها، وتحلت بدر غمامها، والأشجار قد جلي صداها، وتوشحت بنداها، وأكؤس الراح، كأنها كوكب يتوقد، تديرها أنامل تكاد من اللطافة تعقد. ومنه قوله (١٠): ولما وصل بادس (١١) إلى قرمونة، أخرج إليه المعتضد جيشه يقدمه ابنه الظافر، ويقود منه أسودًا في المغافر، فلما التقى الجمعان، حمل فيهم عسكر المعتضد (١٢) حملة خلعتهم عن مركزهم، وأزالتهم بالذُّل من تعززهم، فتفرقوا في تلك البسائط

стр. 4154

والربي، وشرقوا بسقيا الأسنة والظبا، وأوقع بهم الظافر أحسن إيقاع، وتركهم مصرعين (١) في تلك البقاع، وانصرف إلى أشبيلية. وألويته تختال في أكف الرياح، وذوائبه تكاد تتقصف من الارتياح. ومنه قوله (٢): في عشيَّةِ تجود بدمائها، ويصوب عليها دمع سمائها، والبطحاء قد خلع عليها سندسها ودثرها نرجسها. والشمس تنفض على الرّبى زعفرانها. والأنوار تغمض أجفانها. ومنه قوله (٣): قد أرهقته الرزايا وألحت، وهمت عليه سماؤها (٤) وسَخَّتْ، فأكثر التشكي من زمنه، وأظهر جوي محنه، وأصبح يبدي الضجر، ويكاد يبكي الحجر. ومنه قوله (٥): حضر مع المأمون (٦) بن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية، التي (٧) تطمح إليها المنى، ومرآها [هو] (٨) المقترح والمتمنّي، والمأمون قد اجتنى [وأفاض الحبا، والمجلس يروق، كان الشمس في أفقه والبدر في مفرقه والنور] (٩) عبق، وعلّ ماء النهر مصطبح ومغتبق، والجو قد عنبرته أنواؤه (١٠)، والروض قد رشته أنداؤه، والأسد قد فغرت أفواهها، ومجت أمواهها. ومنه قوله (١١): جاءت به الدنيا كما شاءت العلياء، وقار كما ثبتت الأرض. ومقدار له النافلة والجلالة (١٢) والفرض، وغدت به العلوم وقد سهل صعبها، وسلك شعبها، ثم مضى فسد الدهر تطلعه، وضم عليه القبر أضلعه.

стр. 4155

ومنه قوله (١): إذا عقد حباه (٢) أطرق الدهر توقيرًا، وخلته من تهيبه أسيرًا (٣)، لم يستنر إلا بشمسه، ولم يستشر في رأيه غير نفسه، والمهابة تخدم لحظته (٤) والإصابة تقدم لفظته (٥)، كأن الحميا ثني بشاشته وتخفيه، وكأن الخلق قد جمعوا فيه. ومنه قوله (٦): وقار كما رسى الهضب، وأدب كما اطرد السلسل العذب، وشيم تتضاءل قطع الرياض، ويبادر الظن بها إلى شريف الأغراض، أدمن التعب في السؤدد جاهدًا، حتى تناول الكواكب قاعدًا. ومنه قوله (٧): ومررنا في إحدى نزهنا (٨) بمكان مقفر، وعن المحاسن مسفر، وفيه بكير (٩) نرجس كأنهن عيون مراض، يسيل وسطه ماء رضاض بحيث لا حس إلا للهام ولا أنس إلا ما يتعرض للأوهام. ومنه قوله (١٠): شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، ويخذ في مفرق الشمس (١١) ركائبه، استفتحت الأندلس وقومه أصحاب رايات، وأرباب آمادٍ في السبق وغايات، واستوطنوها فغدوا بحور مواهبها، وبدور غياهبها، وجاء أبو الحسن (١٢) آخرهم، فجود فاخرهم، فبماذا أصفه وقد بهر، وبدا فضله كالصبح إذا اشتهر، ولكني أقول: تفخر به الدنيا وتزهى، وهو للعلياء سماك (١٣) وسهى. ومنه قوله (١٤):

стр. 4156

فحملنا إلى إحدى ضياعه بقرية تقترب من حضرة غرناطة (١)، فرش بها على الزمرد بساطه، فحللنا قرية على ضفة نهر أحسن شادمهر (٢)، تسقيها جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال. ومنه قوله (٣): وعلّق أحد فتيانها، وأنجد أعيانها، وكان أجمل من جال في خلد، واستطال علي جلد، وهام به هيام الأحوص (٤) بدعد، والراعي (٥) بهند بني سعد، … وكان الفتى ينافر وصله، ويطرد في مباعدته أهله، إلى أن أطل شعر عارضه، ودل لمعارضه، فعاد إلى مساعدته، واستعاد بدنوه من مباعدته. ومنه قوله (٦): ولما نوى الانفصال، خاف الانتهاب والاستئصال، فأراد أن يكتم ذلك الفرار، ويطوى إعلانه في الإسرار، وخشي أن يفطن بخروجه، ويطلع عليه من خلال فروجه، فعزم على مواعدة بعض الإخوان، ومطالعة ما في تلك الخوان (٧). ومنه قوله (٨): وهو اليوم بدر هذه الآفاق، وموقف الاختلاف والاتفاق، جرى (٩) في ميدان الطب إلى منتهاه، وتصرف في سماكه وسهاه، وله تصانيف (١٠) في الحكم، آلف منها ما ألف، وتقدم بها (١١) وما تخلّف. فهذان أديبا ذلك الصقع، وربيبا ذلك الصنع، فاقا في تدوينهما المحاسن،

стр. 4157

وترتيبهما الأقمار للمحاسن. فأما من فتح الفتح بن خاقان باب ذكرهم، ومنح لباب شكرهم، فسنورد منهم ما تبل به تلك العظام، وتحل عقود الغمام على أولئك العظام، فتجعل لهم النشور، وتباكر سقيا الرحمة بصايب تلك القبور، وها أنا آتي بجماعة مما ذكر من الكتاب ممن لا يجوز لهم الإخلال ولا يجول معهم سابق في كرم الخلال، وسأدعي لكل واحد ما أتى عليه الفتح بشاهد ماله من جاحد. ومنهم: [٣] المتوكل أبو محمد، عمر بن المظفر (١) وهو ملك دخل في قسم الكتاب لعنايته بالآداب، بكلم ما لها قيم، تتقالل لها الزهر، وتتضاءل الشموس في وقت الظهر، هو السحر المأثور، واللؤلؤ المنثور، يمتهن به وما يخرج من أشباهه بحورها، وتتهم به الغواني إلا ما تجنيه في المراشف ثغورها، ووصفه الفتح فقال: ملك جند الكتائب (٢) والجنود وعقد الألوية والبنود، وأمر الأيام فائتمرت، وطافت بكعبته الآمال واعتمرت. ثم قال: إلى نظم يزري بالدر النظيم، ونثر تسري رقته (٣) سرى النسيم. ومن نثره قوله (٤):

стр. 4158

ولما أتاني ثناؤه عليك بالغيب (١) إرسالًا، كأنما هب صبًا أو شمالًا، لزمني أن أعلم (٢) بمكانه من الانقطاع إلى جانبك (٣) والتحيز إلى فيئك (٤)، وأن أشفع له شفاعة حسنة، أدرك معها لديك كرم الشفيع، ويجوز بها منك شرف الصنيع (٥)،، وهي منة طوقته إياها، وأطلعته برياها، ويعيذ الله مجدك أن يكون ما وهبت مرتجعًا، أو ما أوليت منتزعًا. ومنه قوله في عهد كتبه بولاية أشبونة، وقد أتته طاعتها: لم يسوّغ أبناء النعم مثل الذي سوغتموه من إلزام الطاعة، والدخول في الجماعة، لذلك لا ألوكم - ونفسي فيكم نصحًا، فيمن أتخيره للنيابة عني في تدبيركم، والقيام بالدقيق والجليل من أموركم، وقد وليت عليكم من لم أؤثر والله فيه دواعي التقريب، إلى (٦) بواعث التجريب، وهو الوزير القائد أبو عبد الله بن خيرة، ابني دربةً، وبعضي صحبة، وقد رسمت له من وجوه الذبّ والحماية، ومعالم الرفق والرعاية، ما التزم الاستيفاء لجده، والوقوف عند حده (٧)، والمسؤول في عونه لمن لا عون إلا من عنده، ولن أعرفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله إلا بما سيبدو للعيان، ويزكو مع الامتحان، ويرفع من قبلكم على كل لسان. قلت: ومنه توقيع سنذكره، ونجل ذكره إننا نشكره: قال الفتح (٨) أخبرني الوزير أبو بكر بن القبطرنة، إنه كان يساير المتوكل إذ جاءه خبر بخروج واحد (٩) من أهل يابرة فارًا عن ابنه العباس ولحاقه بالمعتمد على الله، فبينا هو يردّد الوعيد، ويُبدي في ذلك ويُعيد، إذ بكتاب العباس قد وافاه، يقسم أنه ما أخرجه ولا نفاه، ولا حمله على ذلك إلا البطر وإنه كان له في ذلك أرب ووطر، وكانت حاجةً في نفسه قضاها، وإرادةً أنفذها وأمضاها، فوقع له على رقعته (١٠): قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجرأتك عليها (١١)، وعودتك إليها. واتصل لي ما كان من خروج فلان عنك، ولم تتثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حتى (١٢)

стр. 4159

فر عن أهله ووطنه، والعجلة من النقصان، وليس يحمد قبل النضج بحران (١)، وهو (٢) الذي أعجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك: ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك، وصدرت به كتبك فأنا والله أريح نفسي من شغبك، وإن لم تكن الأخرى، فهو لك الحظ الأوفى، فاختر لنفسك ما ترى. (٣). ومنهم: [٤] أبو عمر الباجي (٤) بديعه غريب، وبعيده قريب كله جزل وجد، لا هزل، مع أنه للأوام ينقع، وفي القلوب يقع، أقصد من السهام، وأسرع من التصور للأفهام. وقال فيه الفتح (٥): بحر لا يمتطى ثبجه، ولا تخاض لججه، يقذف (٦) لسانه اللؤلؤ المكنون، ويصرف من بديعه الأنواع والفنون. ومن نثره قوله (٧): إن الله (٨) تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحًا يبسطها إذا شاء ترفيهًا وإنعامًا، وعلى آخرين فسادًا وانتقامًا (٩) ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١٠)، وإنه بعد ما كان من إمساك (١١) الحيا، وتوقف السقيا الذي ريع به الأمن واستطير له الساكن، ورجفت له الأكباد فزعًا، وذهلت الألباب جزعًا، وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء درها، فكادت برود الأرض تطوى وورود نعمة (١٢) تزوى نشر الله رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منته،

стр. 4160

وأزاح محنته، فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفق، ورواء غدق، من سماء طبق استهل (١) جفنها فدمع (٢)، من نباتها أثاثًا، رئيا، ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه (٣) إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنّة أن تعود فتنة، ومن المنحة أن تعود (٤) محنة. ومن شعره قوله (٥): أروح إلى محلكم وأغدُو … يسوقُ بي (٦) الهوى والشوق يحدو أنا الصادي وبرد الماء أنتم … ومالي من ورود الماء بد ومنهم: [٥] أبو بكر، محمد بن القصيرة (٧) ذويدٍ ليست بالقصيرة، وفهم ثاقب البصيرة أحلته الدول في مفارقها، وحلته في مغاربها بأشعة مشارقها، فعلى أجَلَّ الرتب، وجلا متون الشك والريب، وكان فرقد تلك السماء، وفرد تلك الأسماء، مقدمًا في ذلك الجيل، مقلدًا دونهم بالجميل، حالًا من أهل تلك الآراء محل السنان المتقد من اليزنية السمراء. وقال فيه ابن خاقان (٨): غرة في جبين الملك، ودرة لا تصلح إلا لذلك السلك. ومن نثره قوله (٩):

стр. 4161

وافتني (لك) (١) أطال الله بقاك - أحرف كأنها الوشم في الخدود، تميس في حلل إبداعها كالغصن الأملود، وإنك لسابق هذه الحلبة، لا يدرك غبارك في مضمارها ولا يضاف بدرك إلى سرارها (٢)، وما أنت في أهل البلاغة إلا نكتة فلكها، ومعجرة تشرف الدول بتملكها، وما كان أخلقك بملك يدنيك وملك يقتنيك، ولكنها الحظوظ لا تعتمد من تتجمل به وتتشرف ولا تقف إلا على من توقف، ولو اتفقت بحسب الرتب. لما ضربت إلا عليك قبابها، ولا خلعت إلا عليك ثيابها (٣). قلت: وقد ذكره ابن بسام (٤) ولقبه بذي الوزارتين وقال فيه: عذبة هذا اللسان العربي، وسويداء قلب هذا الإقليم الغربي، نشأ في دولة المعتضد، وشهر بالعفاف فلزمه، ويُسر للعلم فتعلمه وعلمه، وكانت له نفس تأبى إلا مزاحمة الأعلام، والخروج على الأيام، وهو دائمًا يغض جناحها فتجنح (٥)، ويطأطئ من غلوائها فتتطاول وتطمح، وفطن له ابن زيدون فلم يزل يضرّح قذى العطلة عن مائه، ويعلو (٦) رماد تلك الهيبة عن نار ذكائه، إلى أن نبه عليه المعتضد آخر دولته، فتصرف فيها قليلًا على بقية من تلك البقية، وتقشف (٧) من ذلك التعفّف، إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد، فأنهضه إلى مثنى الوزارة، وأكثر ما عوّل عليه في السفارة، ثم أتى أمير المسلمين كتاب من صاحب مصر، لم يكن بد من الجواب عليه والانتصاف منه. وتفقد يومئذ أعلام المشاهير، فاستدعاه لحينه، وولاه كتبه ودواوينه. وأورد من نثره قوله (٨): فدنونا إليه بمحلاتنا (٩)، ثم اضطر بناها بإزائه، وأظللنا عليه براياتنا، حتى كدنا نركزها بفنائه، فأجمع مضطرًا على اللقاء، وقدَّم بعض أخبيته دهشًا في الرقعة التي كانت بيننا على صغرها، فاهتبل فيما قدّر غرَّةً، وحمل (١٠) فتنادى المسلمون بشعارهم المنصور وأقبلوا بحال مؤذنه بالظهور (١١)، ثم صدق أمير المسلمين (١٢) الحملة، وصدم

стр. 4162

في جمع لم يكثر عدده (١) الجملة، فلم يلبث [أعداء الله] (٢) أن ولّوا الأدبار، واستصرخوا الفرار، واتبعتهم خيل المسلمين (٣) بقية اليوم والليلة، فلم يخلص منهم (٤) إلا من تراخي به عنان البعد، أو أتت على حشاشته (٥). وأما محلّتهم فانتهبت في أوّل وهلة، وشُربت بأسرها في فرد نهلة (٦)، ولم يصب من المسلمين (٧) على هول المقام، وشدة الالتحام (٨)، كثير، ولا مات من أعلامهم تحت تلك الجولة إلا عدد يسير، وإن كان اذفونش - لعنه الله - لم يمت تحت السيوف بددًا، فسيموت لا محالة كمدًا. ومما أنشده له قوله يهنئ بمولود: من كان عبّاد أباه فحسبه … لي بالدليل على النجابة هاتفًا أعجب به من قبل أن يطأ الثرى … أجرى إلى أمد المكارم واجفا لم يستهل بكاء ولكن منكرًا … إذ لم تَعُد له الدروع لفائفا أو لم يكن ملك المذاكي مهده … فذًا ومشتجر الرماح مآلفا لو أن في أيدي القبائل سله … تمضي به نحو الأعادي زاحفا اقرب بمنهله إلى أرض العلى … يعري شواهق نحوها وتنائفا وترى الاجاج الاجن عذبًا صافيًا … فيها وحرّ الشمس ظلًا وارفا شيم الليوث يبين في أمثالها … من قبل أن تلغ الدماء مراشفا وبدا بأفق المجد منه كوكب … لألاؤه ينفي الظلام العاكفا ومنهم: [٦] أبو المطرف ابن الدباغ (٩) بليغ أغصه الخطب بريقه، ووقف الحدثان في طريقه، وولع ريح التبريح يجاري غصنه ووريقه.

стр. 4163

قال فيه الفتح (١): أحد أعلام الوزارة المتسمين بحليتها (٢)، المرتسمين في عليتها (٣)، المشتهرين بالبلاغة، المقتصرين على حسن التناول في كل إراغة. إلا أنَّ الأيام تعدَّتْ على آماله، وأغرت صرفها بكماله. ومن نثره قوله (٤): كتابي وأنا كما تذريه، غرض للأيام ترميه، ولكني غير شاك من آلامها (٥)، لأن قلبي في أغشية من سهامها، فالنصل على مثله يقع، التألم بهذه الحالة قد ارتفع (٦)، كذلك التقريع إذا تتابع هان، والخطب إذا أفرط في الشدّة لان، والحوادث تنعكس إلى أضدادها (٧)، إذا تناهت في اشتدادها (٨). ومنه قوله (٩): وللراح من قلبي محل لا تصل إليه سلوةٌ، ولا تعترضه جفوة، إلا أنَّ معينها قد جف، وقطينها قد خفَّ. فما توجد للسباء، ولو بحشاشة الحوباء، فصلني بما يوازي قدري، ويقوم له شكري، فإن قدرك أرفع من أن تقضي حقه زاخرات البحار، ولو سالت بذوب النضار، لا بصافية العقار. ومنه قوله (١٠): يومنا يوم تجهم محياه، ودمعت عيناه، وبرقعت شمسه الغيوم، ونثرت صباه لؤلؤه (١١) المنظوم، وملأ الخافقين دخان دجنّه، وطبق بساط الأرض هملان جفنه، فاعرضنا عنه إلى مجلس (١٢) حليته يشوق في ترائبه، ونده يعبق في جوانبه، وأباريقه تركع وتسجد، وأوتاره تنشِدُ وتُغرِّد، وبدوره تستحثُ أنجمها محيية (١٣)، وتقبل أنملها

стр. 4164

مُفدِية، وسائِر نَغماتِها خُذْ وهاتِها، وقَد أَمَلنا (١) أَنْ تَحْتَ خُطَاك حتَّى يَلوحُ سَناك، وتستشفي (٢) بِمَراك. ومنه قوله (٣): كِتابي وعِندي من الدهر ما يَهْدُّ (٤) أيسره الرواسي، ويَفْتت الحَجر القاسي، ومن أُجلُّها قلبَ محاسِني مَساويًا، وجعلى أوليائي (٥) أعاديا، فقس هذا على سواء، وعارض به ما عداه، ولا تَعجَبْ إِلا لثُبوتِي لَمَا لا يثبُتُ عليه الحَلْقُ السَّرْدُ، وبَقَائي عَلَى مَا لا يَبقَى عليه الحَجر الصَّلْدُ، ولا أطولُ عليك، فقد غَيرَ عليَّ حتى شَرابي، وأوحشني ثيابي، فها أنا اتهم عياني، واستريب من بناني، وأجني الإساءة من غرس إحساني، وقاتل الله الحطيئة في قبره، فَلَشْدُ ما غَرَّ بقوله: من يَزرع الخَير لا يَعدَم جَوازِيهِ … لا يَذهب العُرف بين الله والناس (٦) أنا والله عملت خيرًا (٧)، فعدمت جوَازِيهِ، وما أحمدت عوائده ولا مباديه (٨)، وزرعته فلم أحصد إلا شرًا، واجتنيتُ معه (٩) إلا ضرًا، وهكذا جدي، فما أصنع وحظي (١٠)، فما الذي ينفع، وقد أبي القضَاءُ إلا أن أُفني عمري في بُؤس، ولا أنفك في نحوس؟ ويا ليته باقيه قد انصرم، وغائب الحمام قد قدم، فعسى أن تكون بعد الممات راحة من هذا التَّعب (١١)، وسلوة من هذه الخطوب والنوب (١٢)، ودع بنا هذا التَّشكي، فالدهر ليس بمعتب من يجزع (١٣)، وفي (١٤) الأيام رجاء ومطمع.

стр. 4165

ومنهم: [٧] أبو القاسم بن الجدّ (١) له كمال الجد، وكلام الجد، وملاك المجد، والمنزل الفرد، والمنهل العد، والمعاني التي لا تزال تستجد، والكتابة التي يودّ مسك الليل منه أن يستمد. وقال فيه الفتح (٢): آية الإعجاز الذي جمع طبع العراق وصنعة الحجاز، واقطع استعارته جانبي الحقيقة والمجاز. ومن نثره قوله (٣): كتابنا، وقد اتصل بنا أنكم من مطالبة فلان على أولكم، وفي عنفوان عملكم، وأنه لا يعدم تشغيبًا ولا تأليبًا من قبلكم، فإلى متى تلحون في الطلب، وتجدون في الغلب، وتقرعون النبع بالغرب (٤)، لقد آن لجمرتكم في أمره أن تطفى، وللنائرة بينكم أن تهدأ (٥)، ولذات بينكم أن تنصلح (٦)، ولوجوه المراشد قبلكم أن تتضح، فإذا وصل إليكم كتابنا (٧) هذا، فليقبل كل واحد منكم على ما يعنيه، ولا يشتغل بما لا يعنيه (٨)، ولا بد بكل عمل من أجل، ولكل ولاية من غاية، ولن يسبق شيء أناه، وإذا أراد الله أمرًا سنّاه ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ (٩) وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١٠). ومنه قوله (١١):

стр. 4166

مرحبًا بك أيها البرّ المفاتح، والروض النافح، فما أحسن تولجك، وأعطر تأرجك، لقد فتحت بالمخاطبة. طالما كنت له هيابًا، ورفعت حجابًا تركت قلبي له وجابًا، وما زلتُ أحوم عليها شرعةً، ولا أسيعُ منها جرعة، وأغازلها أملًا، ولا أطيق لها عملًا، وألاحظها أبدًا (١)، ما دون دونها كمدًا: وفي تعب من يحسد الشمس نورها … ويجهد أن يأتي لها بضريب إلى أن وردني كتابك. فازددت له تهيبًا ورعبًا، وعاينت منه مركبًا صعبًا، وقلتُ: التغافل عن الجواب أولى بالصواب، إذ ليس بلبيب من يعارض البحر (٢) بالوشل، ويناهض التشمير بالفشل، ولا بأديب من يقيس الشبر بالباع، والمد بالصاع، والجبان بالشجاع، فمن طلب فوق طاقته افتضح، ومن تعسف الخرق النازح رزح، ومن سبح في البحر كم عسى أن يسبح. ومن شعره قوله (٣): سلام كعرف المسك أو عبق الند … على من غدا في الفضل فردًا (٤) بلا ند على من تحداني بمعجز شعره … فأعجز أدنى عفوه منتهى جهدي أبا عامر لا زال ربعك عامرًا … بوفد الثناء الحر والسؤدد الرغد لقد سمتني في حومة القول خُطَّةٌ … (لففتُ لها رأسي حياءً من المجد) (٥) ومنهم: [٨] أبو بكر (٦) محمد بن أحمد بن رحيم سماء شمس وقمر، وكمام زهر وثمر، تأخرت عن الحاقه الخطا، وقصرت وقد توقّل العلياء وامتطى، وله لطائف تفدى بالنفس والذات، ذكر له فيها أيام لذات، منها

стр. 4167

على هذا الروي أبيات، ترتع حول حماها، ويرتوي بعذب لماها. وقال عنه ابن خاقان (١): رجل الشرق سؤددًا وعلاء، وواحده اشتمالًا على الفضل واستيلاء. ومن نثره قوله (٢): وقد أرسلتها أخبط ودك، وأطلب على الأيام عهدك، فإن جُدت مجيبًا كان بفضلك، وإن ضننت فليس بكفو لمثلك، على أنك للكرم أميل. وعلى أخذ اللباب الرجال أحيل، وها أنت إذا شئت وقد عرضت لك وكفيت. ومن نظمه قوله (٣): أفديك (٤) من منزل بالنفس والذات … كم مر لي فيك (٥) من أيام لذات خير البنيات لا تنفك آهلةً … بمن حوته وهم خير البريات الله يوم ضربنا للمدام به (٦) … رواق لهو بكاسات وجامات وللبلابل ألحان مرجَّعةٌ … يجيبهنَّ غوانينا بأصوات جنَّاتُ أنس رعى الرحمن بهجتها … حسبتُ نفسي منها وسط جنّات منازل لست أهوى غيرها سُقيتُ .. حيًا يعمُّ وخُصَّت بالتحيات وهي الأبيات التي عرضت بها. عدنا إليه ومنه قوله (٧): لما سريت إلى حمص وقد ظمئت … أسرى إليها (٨) سحاب منك مركوم ووافت الريح تستسقي الغمام بها … مهما تهب فللأنواء تغييم كأنما المحل والأنواء تكنفُه … جيشان إذا هازم يُلقى ومهزوم رق النسيم وراقت كلُّ غاديةٍ … فالأفق طلق وبرد الأرض مرقوم وقوله (٩): يا بغيتي قلبي إليك رهينةٌ … فلتحفظيه فربّما قد ضاعا إني لاقنع من وصالك بالمنى … ومن الحديث بأن يكون سماعا

стр. 4168

وقوله (١): ولئن همت بالجمال فإني … أبدًا عفت موضع الارتياب ودعتني عن المقابح نفسٌ … خُلقت من محاسن الآداب ومنهم: [٩] أبو محمد بن القاسم (٢) أبو محمد بن القاسم، أثنى عليه ابن خاقان بجهده، ووصف له حال خمول كفنه ببرده، وكحله بسهده، إلا أنه قال: إنه أقبل على ربّه بيداء كتبه، وقال: وقد وصفه في الأدب بأعلى الرتب. وقد أتيتُ من نثره المنتخب ونظمه المستحلى المستعذب ما تعاطيه المدامة، ولا يدانيه قدامة. قلت: وهو كما وصفه به الفتح وفوقه، وصاغ الثريا خاتمه والهلال طوقه، وسرى إلى الأفق والنجوم رواكد، وأغار على شرحها والكواكب رواصد. قال الفتح (٣): فمن ذلك ما راجعني به من رقعة كتبتها إليه مودعًا، ووصفت فيها النجوم: عذيري من ساحر بيان، وناثر جمان، ومظاهر إبداع وإحسان، ما كفاه أن اعتام الجواهر اعتياما، وجلاها في أبهى (٤) مطالعها نثرًا ونظامًا، حتى حشد الكواكب والأفلاك، وجلبها نحوى كتائب من هنا وهناك، وقدمًا حمل لواء النباهة، وأعجز أدوار البداهة، وليس الغمر كالنزر، رويدك أبا النصر (٥)، فما سُمِّيت فتحًا لتفتح علينا أبواب المعجزات، ولا مُلئت سرورًا لترتقي علينا إلى الأنجم الزاهرات، فتأتي بها قبيلا، وتريد منا أن نسومها كما سمتها (٦) قودًا وتذليلًا، وأنّى لنا أن نساجل احتكامًا، أو نُباسل أقدامًا، مَنْ أقدم حتى على القمرين، وتحكّم حتى في انتقال الفرقدين، وقص قوادم النسرين، ثم ورَدَ المجرة وقد تسلسلت غُدرانها، وتفتح في حافاتها أقحوانها،

стр. 4169

وهناك اعتقد النجم التنجيم (١)، وأحمد المراد الكريم، حتى إذا رفع قبابه، وقد كما أحب أطنابه، سئم الدهناء، وصمَّم المضاء، فاقتحم على العذراء رواقها، وفصم عن الجوزاء نطاقها، وتغلغل في تلك الأرجاء، واستباح ما شاء أن يستبيحه من نجوم السماء، ثم ما أقنعه أن بهر (٢) بإدلاله، حتى ذعرها بجياد أقواله، وغمرها باطراد سلساله، فله ثم خيلٌ وسَيْل، لأجلها شمر عن سوق التوأمين ذيل، وتعلق برجل السفينة سهيل، هنالك سلم المسالم، وأسلم العارض والمقاوم، فما الأسد وإن لبس الزبرة (٣) يلبًا (٤)، واتخذ الهلال مخلبًا. وإنما انتهض تحت صبا أعنته، وقبض على شبا أسنّته، وما الشجاع وإن هال مقتحمًا، وفغر عن الدواهي فما، وقد أطرق فما رآه، ولا وجد مساغًا يأباه، وما الرامي وقد أقعص عن مرامة، ووجئت لبته بسهامه، أو السماك وقد قطر دفينًا، وغودر بذابله طعينًا، وما الفوارس وقد جللت سربتها عجاجة، ومسخت حليتها زجاجةً، وكذلك (٥) قطب زحل واضطرب المريخ في نار وجده واشتعل، ووجل المشتري، فامتقع لونه وضياؤه، وشعشع بالصفرة بياضه ولألاؤه، وتاهت الزهرة بين دلّ الجمال وذلك الاستبسال، فلذلك ما تتقدم تارة (٦) وتتأخر، وتغيب آونة (٧) ثم تظهر، وأما عطارد، فلاذ بكناسه، ورد بضاعته في أكياسه، وتحجبت الشمس بالغمام، واعتصم بمغربه القمر التمام (٨). هذه حال النجوم [معك] (٩)، فكيف بمن يتعاطى أن يشرع في قول معك (١٠)، أو يطلع من ثنية فضل مطلعك (١١)؟ فخذ السائح من عفوي، وتجاوز لمقتي وصفوي، ومتعني (١٢) بفكري فقد رجع فليلًا، ودع لي ذهني عسى أن يتودّع قليلًا. قلت: ولما شاع ذكر ما كتب به الفتح، وما أجابه ابن القاسم من هذا الجواب كتب القاضي عياض (١٣) إلى ابن القاسم، فكتب إليه هذا ابن القاسم رسالة منها (١٤):

стр. 4170

هيبت أنت هبوب زيد الفوارس (١)، وقربت تقريب الألد المداعس، تومض في وجوم وتمتعض للنجوم، فاستخرجتها (٢)، ومن هناك صبحت الفتائق (٣)، وفتحت المغالق، فأذعن لشروطك الشرطان وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا ثبور، وعصفت بالدبران الدبور، وهكذا استعرضت المنازل، واستنهضت (٤) للخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواهًا للمعاصم والجيوب (٥). لم يبق غير طريد غير مُنْفَلِتٍ وموثق في حبال القد (٦) مسلوب استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة بهودجها، وغودرت العقرب يخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاب طرادها (٧)، لما مَسَحْتَ تلك الآفاق، وأنخت فيها وشددت الوثاق، عطفت ذات (٨) الشمال، واتبعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا ألقى إليك اليمين، واستدارت حولك الفكة (٩) فسميت قصعة المساكين، وانتهيت إلى القطب فكأن عليه المدار، وتبوّأته ففيه (١٠) عن جلالتك افتخار. ومن نظمه قوله وقد كتب إليه بعض أصدقائه (١١): واحسرتا لصديق ما له عوض … إن قلت من هو؟ لا يلقاك معترض ألقاه بالنفس لا بالجسم من حَذَرٍ … لعلّةٍ ما رأيت الحر ينقبض فكتب إليه من قطعة: ناشدتك الله والإنصاف مكرمة … أما الوفاء بحسن الود (١٢) مفترض هب المزار لمعنى الريب مرتفع … ما للوداد بظهر الغيب مُنْخفض! ومنهم:
следующие страницы →