← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

مرحبًا بك أيها البرّ المفاتح، والروض النافح، فما أحسن تولجك، وأعطر تأرجك، لقد فتحت بالمخاطبة. طالما كنت له هيابًا، ورفعت حجابًا تركت قلبي له وجابًا، وما زلتُ أحوم عليها شرعةً، ولا أسيعُ منها جرعة، وأغازلها أملًا، ولا أطيق لها عملًا، وألاحظها أبدًا (١)، ما دون دونها كمدًا: وفي تعب من يحسد الشمس نورها … ويجهد أن يأتي لها بضريب إلى أن وردني كتابك. فازددت له تهيبًا ورعبًا، وعاينت منه مركبًا صعبًا، وقلتُ: التغافل عن الجواب أولى بالصواب، إذ ليس بلبيب من يعارض البحر (٢) بالوشل، ويناهض التشمير بالفشل، ولا بأديب من يقيس الشبر بالباع، والمد بالصاع، والجبان بالشجاع، فمن طلب فوق طاقته افتضح، ومن تعسف الخرق النازح رزح، ومن سبح في البحر كم عسى أن يسبح. ومن شعره قوله (٣): سلام كعرف المسك أو عبق الند … على من غدا في الفضل فردًا (٤) بلا ند على من تحداني بمعجز شعره … فأعجز أدنى عفوه منتهى جهدي أبا عامر لا زال ربعك عامرًا … بوفد الثناء الحر والسؤدد الرغد لقد سمتني في حومة القول خُطَّةٌ … (لففتُ لها رأسي حياءً من المجد) (٥) ومنهم: [٨] أبو بكر (٦) محمد بن أحمد بن رحيم سماء شمس وقمر، وكمام زهر وثمر، تأخرت عن الحاقه الخطا، وقصرت وقد توقّل العلياء وامتطى، وله لطائف تفدى بالنفس والذات، ذكر له فيها أيام لذات، منها

стр. 4167

على هذا الروي أبيات، ترتع حول حماها، ويرتوي بعذب لماها. وقال عنه ابن خاقان (١): رجل الشرق سؤددًا وعلاء، وواحده اشتمالًا على الفضل واستيلاء. ومن نثره قوله (٢): وقد أرسلتها أخبط ودك، وأطلب على الأيام عهدك، فإن جُدت مجيبًا كان بفضلك، وإن ضننت فليس بكفو لمثلك، على أنك للكرم أميل. وعلى أخذ اللباب الرجال أحيل، وها أنت إذا شئت وقد عرضت لك وكفيت. ومن نظمه قوله (٣): أفديك (٤) من منزل بالنفس والذات … كم مر لي فيك (٥) من أيام لذات خير البنيات لا تنفك آهلةً … بمن حوته وهم خير البريات الله يوم ضربنا للمدام به (٦) … رواق لهو بكاسات وجامات وللبلابل ألحان مرجَّعةٌ … يجيبهنَّ غوانينا بأصوات جنَّاتُ أنس رعى الرحمن بهجتها … حسبتُ نفسي منها وسط جنّات منازل لست أهوى غيرها سُقيتُ .. حيًا يعمُّ وخُصَّت بالتحيات وهي الأبيات التي عرضت بها. عدنا إليه ومنه قوله (٧): لما سريت إلى حمص وقد ظمئت … أسرى إليها (٨) سحاب منك مركوم ووافت الريح تستسقي الغمام بها … مهما تهب فللأنواء تغييم كأنما المحل والأنواء تكنفُه … جيشان إذا هازم يُلقى ومهزوم رق النسيم وراقت كلُّ غاديةٍ … فالأفق طلق وبرد الأرض مرقوم وقوله (٩): يا بغيتي قلبي إليك رهينةٌ … فلتحفظيه فربّما قد ضاعا إني لاقنع من وصالك بالمنى … ومن الحديث بأن يكون سماعا

стр. 4168

وقوله (١): ولئن همت بالجمال فإني … أبدًا عفت موضع الارتياب ودعتني عن المقابح نفسٌ … خُلقت من محاسن الآداب ومنهم: [٩] أبو محمد بن القاسم (٢) أبو محمد بن القاسم، أثنى عليه ابن خاقان بجهده، ووصف له حال خمول كفنه ببرده، وكحله بسهده، إلا أنه قال: إنه أقبل على ربّه بيداء كتبه، وقال: وقد وصفه في الأدب بأعلى الرتب. وقد أتيتُ من نثره المنتخب ونظمه المستحلى المستعذب ما تعاطيه المدامة، ولا يدانيه قدامة. قلت: وهو كما وصفه به الفتح وفوقه، وصاغ الثريا خاتمه والهلال طوقه، وسرى إلى الأفق والنجوم رواكد، وأغار على شرحها والكواكب رواصد. قال الفتح (٣): فمن ذلك ما راجعني به من رقعة كتبتها إليه مودعًا، ووصفت فيها النجوم: عذيري من ساحر بيان، وناثر جمان، ومظاهر إبداع وإحسان، ما كفاه أن اعتام الجواهر اعتياما، وجلاها في أبهى (٤) مطالعها نثرًا ونظامًا، حتى حشد الكواكب والأفلاك، وجلبها نحوى كتائب من هنا وهناك، وقدمًا حمل لواء النباهة، وأعجز أدوار البداهة، وليس الغمر كالنزر، رويدك أبا النصر (٥)، فما سُمِّيت فتحًا لتفتح علينا أبواب المعجزات، ولا مُلئت سرورًا لترتقي علينا إلى الأنجم الزاهرات، فتأتي بها قبيلا، وتريد منا أن نسومها كما سمتها (٦) قودًا وتذليلًا، وأنّى لنا أن نساجل احتكامًا، أو نُباسل أقدامًا، مَنْ أقدم حتى على القمرين، وتحكّم حتى في انتقال الفرقدين، وقص قوادم النسرين، ثم ورَدَ المجرة وقد تسلسلت غُدرانها، وتفتح في حافاتها أقحوانها،

стр. 4169

وهناك اعتقد النجم التنجيم (١)، وأحمد المراد الكريم، حتى إذا رفع قبابه، وقد كما أحب أطنابه، سئم الدهناء، وصمَّم المضاء، فاقتحم على العذراء رواقها، وفصم عن الجوزاء نطاقها، وتغلغل في تلك الأرجاء، واستباح ما شاء أن يستبيحه من نجوم السماء، ثم ما أقنعه أن بهر (٢) بإدلاله، حتى ذعرها بجياد أقواله، وغمرها باطراد سلساله، فله ثم خيلٌ وسَيْل، لأجلها شمر عن سوق التوأمين ذيل، وتعلق برجل السفينة سهيل، هنالك سلم المسالم، وأسلم العارض والمقاوم، فما الأسد وإن لبس الزبرة (٣) يلبًا (٤)، واتخذ الهلال مخلبًا. وإنما انتهض تحت صبا أعنته، وقبض على شبا أسنّته، وما الشجاع وإن هال مقتحمًا، وفغر عن الدواهي فما، وقد أطرق فما رآه، ولا وجد مساغًا يأباه، وما الرامي وقد أقعص عن مرامة، ووجئت لبته بسهامه، أو السماك وقد قطر دفينًا، وغودر بذابله طعينًا، وما الفوارس وقد جللت سربتها عجاجة، ومسخت حليتها زجاجةً، وكذلك (٥) قطب زحل واضطرب المريخ في نار وجده واشتعل، ووجل المشتري، فامتقع لونه وضياؤه، وشعشع بالصفرة بياضه ولألاؤه، وتاهت الزهرة بين دلّ الجمال وذلك الاستبسال، فلذلك ما تتقدم تارة (٦) وتتأخر، وتغيب آونة (٧) ثم تظهر، وأما عطارد، فلاذ بكناسه، ورد بضاعته في أكياسه، وتحجبت الشمس بالغمام، واعتصم بمغربه القمر التمام (٨). هذه حال النجوم [معك] (٩)، فكيف بمن يتعاطى أن يشرع في قول معك (١٠)، أو يطلع من ثنية فضل مطلعك (١١)؟ فخذ السائح من عفوي، وتجاوز لمقتي وصفوي، ومتعني (١٢) بفكري فقد رجع فليلًا، ودع لي ذهني عسى أن يتودّع قليلًا. قلت: ولما شاع ذكر ما كتب به الفتح، وما أجابه ابن القاسم من هذا الجواب كتب القاضي عياض (١٣) إلى ابن القاسم، فكتب إليه هذا ابن القاسم رسالة منها (١٤):

стр. 4170

هيبت أنت هبوب زيد الفوارس (١)، وقربت تقريب الألد المداعس، تومض في وجوم وتمتعض للنجوم، فاستخرجتها (٢)، ومن هناك صبحت الفتائق (٣)، وفتحت المغالق، فأذعن لشروطك الشرطان وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا ثبور، وعصفت بالدبران الدبور، وهكذا استعرضت المنازل، واستنهضت (٤) للخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواهًا للمعاصم والجيوب (٥). لم يبق غير طريد غير مُنْفَلِتٍ وموثق في حبال القد (٦) مسلوب استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة بهودجها، وغودرت العقرب يخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاب طرادها (٧)، لما مَسَحْتَ تلك الآفاق، وأنخت فيها وشددت الوثاق، عطفت ذات (٨) الشمال، واتبعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا ألقى إليك اليمين، واستدارت حولك الفكة (٩) فسميت قصعة المساكين، وانتهيت إلى القطب فكأن عليه المدار، وتبوّأته ففيه (١٠) عن جلالتك افتخار. ومن نظمه قوله وقد كتب إليه بعض أصدقائه (١١): واحسرتا لصديق ما له عوض … إن قلت من هو؟ لا يلقاك معترض ألقاه بالنفس لا بالجسم من حَذَرٍ … لعلّةٍ ما رأيت الحر ينقبض فكتب إليه من قطعة: ناشدتك الله والإنصاف مكرمة … أما الوفاء بحسن الود (١٢) مفترض هب المزار لمعنى الريب مرتفع … ما للوداد بظهر الغيب مُنْخفض! ومنهم:

стр. 4171

[١٠] أبو عامر بن أرقم (١) بالغ الفتح في شكره، ووجد الفتح في ذكره، واجتهد ولم يوف حقه، ولا أنصف حذقه، ولكنه أتى بما سنح لفكره، وقرع سنّ بكره، فأتى له بكل رسالة ترقم، وبسالة يبقى بها منه ابن أرقم، وقال: فريد وقته وابن فريده، وعميد الكلام وابن عميده، ووصف حسن مرباه، وأنه نشأ على ما ألفي عليه أباه. ومن نثره قوله (٢): سيدي أطال الله بقاءك محسود (٣) الجناب، محمود المقام والمناب، من كرم (٤) أمطر قبل أن يُستبرق، وأثمر قبل أن يستورق، سجية نفس توّاقة إلى الحسنى، نزاعة إلى الأسنى (٥)، وكانت (٦) إلى جانبي مجالس ومشاهد ومصادر وموارد، وصلت بها جناحي، ومددت أوضاحي، ونهبت من ذكري (٧) فأثقلت ظهري، وأوجبت علي الشكر دهري، وما تأخرت عن حضرتك لامحًا لغزّتك، قاضيًا حق مبرتك، إلا عن حال لا تعين على الترحال، فعذرًا عُذرًا، وغفرًا غفرًا، وعندي ود كماء المزن، وثناء كروض الحزن، جزاك الله ياسيدي خيرًا، أنت الواصل (٨) وقد قطع الأنام الناصر وقد خذلت الأيام. ومنه قوله (٩) في كتاب كتبه شافعًا لرجل يعرف بابن الزريزير (١٠): سيدي (١١)، ومن أبقاه الله والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصلة (١٢) حيوان يصغر كل أوانٍ، ويُسفر بين الأخوان، ينظر من عين كأنها عين،

стр. 4172

ويلقط بمنقار من قار (١)، يسلّي المحزون بالمقطع والموزون، وينفسُ عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مِسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع (٢) الفلاة، وعمر بن السعلاة (٣)، قطع من مطالع الزيتون (٤)، إلى مواقع السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يُذهب قوى الجليد، والحدائق قد غمضت أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفُور (٥) بحبائل الكافور (٦)، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزرزور ولم يشهده، ولما قال رأيه، وأخفق (٧) سعيه، التفت إلى عطفة أسمط، وإلى أديمة أرقط، فناح، ثم سوّى الجناح، وقد أنكر (٨) مزاجه، ونسي على الدوح ألحانه وأهزاجه (٩)، وإذا ألقي كتابي إليك، يُفسّر هذه الجملة عليك. ومنهم: [١١] أبو محمد بن سفيان (١٠) أورد المجرة خيله الظماء، واقتحم الفلك لا البهماء، ونزل جبهة الأسد اعتسافًا، وطرق هودج العذراء، وما تجافى، ومد يمينه فحل نطاق الجوزاء، ونزل على هام الكواكب في السماء. وقال فيه الفتح (١١): بلغت همته السماء وجَلَتْ أسِرّتُه الظلماء، قلت: ووصف - سيادته الشماء، واستعمل التصريح لا الإيحاء. ومن نثره قوله بما كتب به إلى أبي

стр. 4173

محمد بن القاسم (١)، وهو (٢): كتبت وما عندي من الودّ أصفى من الراح، وأضوا من سقط الزند عند الاقتداح (٣)، وبيننا ذمّة (٤) تجلّ أن تحصى بالحساب، بيض الوجوه، كريمة الأنساب (٥)، لو كانت نسيمًا لكانت بليلًا، ولو كانت زمانًا لم تكن إلا سحرًا أو أصيلًا. فأجابه أبو محمد بن القاسم بقوله (٦): كتبت عن ود لا أقول كصفو الراح، فإن فيه جناحًا، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحًا، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضوأ من القمر التمام (٧)، ومن نظمه قوله (٨): أبا عيسى أتذكر حين كنّا … على هام الكواكب نازلينا؟ ندوس بخيلنا زُهر الثريا … ونُورِدُها المجرة إن ظمينا (٩) وننزل جبهة الأسد اعتسافًا … إذا ما البدر مر بها كمينا ونطرق هودج العذراء وهنًا … فندخُلُهُ عليها آمنينا إذا عنّت لنا الجوزا مددنا … لحل نطاقها عنها يمينا ومنه قوله (١٠): ياضرة الشمس قلبي منك في وهج … لو كان بالنار لم يسكُن ذُري حجر أبيت أسهرُ لا أُغْفى، فإن سَنَحَتْ … إغفاءةٌ فكمثل اللمح بالبصر أقول ما بال بازي الصبح ليس له … وقع وما لغراب الليل لم يطر؟! ومنهم: [١٢] أبو محمد بن جعفر بن إبراهيم بن الحاج (١١) أطاعه الكلام فاقتاد عاصيه، وارتاد قاصيه، فقهر النجوم إذعانًا، وصرف الغيوم

стр. 4174

بيديه عنانا، وقال الفتح فيه بعد ذكر أبيه: عذير بيان وعذير فضل ملء العيان، لم تزل به الفواضل تجلى والفضائل تملى ببديهة متسرعة، وقريحة عما للغير متورعة، ولابنه بدائع (١) مائسات الأعطاف، مستعذبات الجنى والقطاف، ترودها روضة ممطورة، وتخالها كواعب في خيام الأفهام مقصورة. ومن نثره قوله (٢): يا سيدي أبا النصر: وأَلْمعي (٣) العصر، كيف أساجلك في الأدب، وأنت تملأ الدلو إلى عقد الكرب (٤)، وأنا أمتاح من وشل، واستنجد بفشل (٥)، وأستعين بنفس قد شعب الدهر اجتماعها، وقصر باعها، وهي الأيام حربها للكرام ولا أبعد، وأنت المجد الأصيد (٦)، فيما تعدّ، والدول تقول: لو حلّي عاطل أجيادنا وتولّى تصريف أنجادنا وجيادنا، لكان أشراقنا يروق كما طلعت البروق، فهي تعرف (٧)، والحظ لا ينصف، وعساها تلين، ولعل إسعادها يبين، فتستنجز الحظوة (٨) وعدًا، نرد بنداك (٩) ماءً عِدًا، وسيأتي ذكر والده، إن شاء الله تعالى. ومنهم: [١٣] أبو محمد (١٠)، ابن عبدون النائحة الثكلى، والصادحة التي لا تتسلّى، شحن شعره بعبر الورى، وخبر ما تم من مأتم النوائب وجرى بحلاوة كلم قصر عنها كل أحد دون ابن عبدون، حتى

стр. 4175

العبدان عبد الرحيم وعبد المجيد، والشهد لمن جنى النحل ومراشف الغيد. وقال فيه ابن خاقان (١): مُنتمى الأعيان، ومنتهى البيان، المطاول سحبان (٢)، والمُعارض لصعصعة بن صوحان (٣)، نخبة العلاء، وبقية أهل الإملاء. ومن نثره قوله (٤): قد رماني على فوت من بياني بيانك، وقد تولّى إحساني، وأرجحن إحسانك، بعينين، من الصناعتين (٥) نجلاوين، لو رمقا نور الثريا (٦) لتهلل برقها، واستمهل ودقها، وفصلين من دررٍ (٧) وياقوت، بل أصلين من سحر هاروت وماروت، ولئن أشرعت إلي من البيان رمحًا فيه نصلان، ما من طرفيه إلا عالية ركب فيها سنان … ماض (٨)، ولا من شفرتيه إلا باريةٌ لا يثبت لها جنان، ماض، فإلى أي لامة تسدّد رماحك، وعلى أي هامةٍ تجرّد صفاحك؟ هل تجد إلا من يمر بين يديك في شخص ضئيل، وينظر إليك من طرف كليل؟ وهل تحسّ إلا ضلوعًا من ساكنيها قفارًا أو دموعًا من التأسف على التخلّف حرارًا، لا تسعر إلا بالتسليم لسبقك، والتعظيم لحقك، اقتصادًا (٩) بأدنى لمحة، من نثير منك أو نظيم يردّ من الأوهام والأفهام كل لفحة، ولو كانت من نار إبراهيم، وتؤكد من البصائر والخواطر كل نفحة ولو كانت من الريح العقيم. ومن نظمه قوله (١٠): سقاها الحيا من مغان فساح … فكم لي بها من معان فصاح وحلى أكاليل تلك الرُّبى … ورش معاطف تلك البطاح

стр. 4176

فما أنس لا أنس عهدي بها … وجري عليها (١) ذيول المراح ونومي (٢) على خبرات الرياض … يُجاذب بردي أيدي (٣) الرياح وليل كرجعة طرف المريب … لم أدره (٤) شفقًا من صباح ومنه قوله (٥): دعته (٦) ومن سجيته البدار … رؤوس أينعت منها الثمار ليوردها (٧) ظماء وهي ماء … ويُصدرها رواءً وهي نار وتقرضها أياديه (٨) لجينًا … وترجع وهي لو سلمت نضار ومنه قوله (٩): أقول لصاحبي قم لا بأمر … تنبه إنَّ شأنك غير شاني لعل الصبح قد ولى (١٠) وقامت … على الليل النوائح بالأذان ومنه قوله (١١): مررت على الأيام من كل جانب … أصعّد فيه تارة وأصوب ينير (١٢) لي الثغران صبح وصارم … ويكتمني القلبان ليل وغيهب وقد لفظتني الأرض إلا تنوفةً … يحدِّثني عنها العيان فيكذب ومنه قوله (١٣): هل يذكر العهد الذي لم أنسه … ومودتي معقودة بصفاء ومبيتنا في نهر حمص والحجى (١٤) … قد حُلَّ عقد صباه بالصهباء ودموع طل الليل يجلو أعينًا … ترنو إلينا من عيون الماء وقد ذكره ابن بسام (١٥): ومما قاله: أعجوبة الليالي، وذروة المعالي، ذو لسان يفري (١٦) ظبة السيف، وصدر يسع

стр. 4177

رحلة الشتاء والصيف، أفصح من صمت ونطق، وأجمع من صلى وسبق، ولما صمت ذكر ملوك الطوائف. طوى الشعر على غرهِ، إلا نفثة مصدور، أو التفاتة مذعور، وهو اليوم في بلدة يابرة، يرتشف فضل ثماده، ويأكل من بقية زادِهِ، وقد أثبت من نظمه الرقيقة حواشيه الرائقة أعجازه وهواديه، ونثرِهِ الغضة مجانيه، المبيضة مجاليه، ما يشهد له بالفضل، شهادة البرهان بالشكل. ومما أورد من نثره قوله (١): فوددت أن أعار جناحي طائر، فأكون لكعبة ذاك الجلال أول زائر، فأقرن هناك حجة بعمرة، وأفوز من أملي (٢) بنظرة، وأعشو إلى ذاك الضياء، وأرى مجلسي من تلك السماء، والله دهر أطلعك أفقه (٣)، ما أشرف في الأوقات خيمة، وأغبق في الآناف شميمه، وبحقك أقسم (٤)، لقد أظهر بك شرفه وبيّن، وأخذ منك زخرفه وأزين، وجعلك غرة بهيمة، وعذرة (٥) مليمة، والحجة على خصومه، وأنا أخطب (٦) مودته عقيلة،، وأجعل رحمي الأدب والنسب وسيلة، والله (٧) يعينني فرضه علي أُؤديه، وحقه (٨) أقضيه. وقوله (٩): ما كتبت عن قريحةٍ خَمَدَ لهيبها، ونحيزة ركد هبوبها، وذهن أمحت أضواؤه، وطبع أخوت أنواؤه، وجنان فل ظنّته الكسل، ولسان عقد [عذبته] (١٠) الخجل، ندبته إلى الاحتفال فانقطع، وبعثته على الاسترسال فامتنع (١١)، من طمع في مجاراتك قطف ولو ركب البرق، ومن دفع إلى مباراتك تخلّف، ولو سبق الخلق، فقبّح الله العجلة، فما أسوأ آثارها، وأكثر عثارها (١٢)، وأوحش غلطها، وأفحش سقطها، من

стр. 4178

ركبها لم ينج - لو أقيل (١) - من عثار، ومن صحبها لم يخلو - لو قبل - له اعتذار. ومنه قوله (٢): سلام على من لم يستفزه قال ولا قيل، ولم تهزه تلك الأباطيل، وبلغني قول من قضي عليَّ بالظنّة، وحكم علي بالشبهة. لا سيما في خزية (٣) توجب حدًا وتضرع خدًا، وتفل من فاضل حَدًا، لم يطلع مشيعها منّي على ريبة، ولا وقف مذيعها على حقيقة، بل افتراء من مُفْتَر، وادعاء من مدع في تلك التي لا أسميها، فإني طلقتها قبل الدخول ثلاثًا، ونقضت حبل وصالها إنكاثًا، قبل هذا والسلطان مهاود، والشيطان مساعد (٤)، فكيف الآن وقد علت الإنسان أبهةُ الكبر، وخطته واعظة القتير، وردّ ما استعاد من الشباب إلى المعير، وهجر كلّ الهجر من ذاقها شيما، ورفض كل الرفض (٥) من لم يكن إلا (٦) على الحديث نديمًا، وأقسم وأعرف بما أقسم، لقد تركتها خوفًا للمعاد، لا رياء للعباد فلا يظنّ تنصلي لمعذرة أُريد قبولها، وأحبّ تبليغها وتوصيلها، لا والذي صير العقل لصاحبه خصمًا، وجعل بعض الظن إثمًا. ومنه قوله (٧): كتابي عن عهد طال زمانه، واستطال سلطانُهُ، ووقت لا يحزِرُهُ (٨) حساب، ولا يحصره كتاب، ولا يحويه حد ولا يجمعه، ولا يحصيه (٩) عد ولا يسعه، ومالت بيننا في الأكثر أقاليم، لا يقطعها الإيجاف ولا الرسيم (١٠)، لا أقول: مجاهل ومعالم، بل أقول: أقاليم وعوالم (١١)، لا يفهم الحداث فيها إلا التراجم (١٢)، ولا تقطعها الجياد بشدها، ولا الركاب بوخدها، فهنيئًا للحضرة، وجميع أهل الملة حضورك، وفي سبيل (١٣) المجد مقامك ومسيرك، ولولا آلام تناوبت، وأسقام تعاقبت لتلقيت

стр. 4179

أوبتك (١) السعيدة بقدمي، لا بمدادي (٢) وقلمي. ومما أنشد له قوله (٣): وافاك من فلق الصباح تبسم … وانجاب من غسق الظلام تجهم ودموع طل الليل تخلق أعينًا … يرنوبها من ماء دجلة أرقم يا صاحبي بين الصراة ودجلة … ودعا العلاقة مسعد ومتيم هل في لحاظك إنما هي عطفةٌ … زهر على خضر الربي أو أنجم بيض كما ضحكت حواشي روضة … وشى السماك (٤) ملاءها والمرزم خبطت بنا ورق الظلام سوابح … ملء النواظر سيرهن توهم من كل هفاف العنان كأنّه … نفس المشوق تعاورته اللوم ومن المشاهد كالشهود سوامع … ومن الأسنةِ الْسُنُ تتكلم ومنه قوله (٥): وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجى … إليها كماةً والرياح مذاكيا ولو أنها ظلت لكان أمامها … سنا عمر في فحمة الليل هاديا إليه أكلت الأرض بالعيش ثائرًا … وقد أكلت منه الذرى والحواميا حوافي لا يُنعلن والبعد اذن … على نفسه إلا الوجي والدياجيا فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديًا … وَسَلْهُ فلم يسمع سوى الشكر حاديا إليك ابن سيفي يعرب زف خاطري … عقائل لا ترضى البروج (٦) مغانيها إلى من إذا لم تشكني أنت والعلى … أكون بما ألقى من الدهر شاكيا فرد المنى خضرًا ترف غصونها … بمبسوطةٍ تندى ندى وعواليا عوال إذا ما الطعن هز جذوعها … تساقطَتِ الهيجا عليك معاليا وعاون على استنجاز طبعي بهبَّةٍ … ترقص في ألفاظهن المعانيا يعز (٧) على العلياء أن يُلقي العصا … مقيمًا بحيث البدر ألقى المراسيا

стр. 4180

ومن قام رأي ابن المظفر بينه … وبين الليالي نام عنهن لاهيا ومنه قوله (١): هل عمروا الأفق بالآرام والعَفَرِ … أم كحلوا الشهب بالتفتير والحور والنقع قد مد جنح الليل فوقهم … أم عينهم لا ترى التضفير للشعر (٢) والأرض قد لبست أدراع أبحرها … وجرَّدت فوق أيديها ظبي القدر (٣) ما كان في هيئة الأرض القيام لنا … بالليل لولا مزيد من سنا عمر (٤) أنتم على مسلم يا آل مسلمة … بالجود إذ لم ينازعه بنو مطر (٥) لولاكم أهْلَكَ الناس استواؤهم … ولم يكونوا سوى دهم بلا غُررِ ومنه قوله (٦): سروا (٧) ومسك الدياجي غير منهوب … وطرَّةُ الشرق غُفْل دون تذهيب والغيث (٨) ينثر منه راحة خُضبتْ … بالبرق فوقي درًا غير مثقوب هيهات لا أبتغي منهم هوى بهوى … حسبي أكون محبًا غير محبوب يادهر إن توسع الأحرار مظلمةً … فاستلني إن غيلي غير مقروب ولا تخل أنني ألقاك منفردًا … إنَّ القناعة جيس غير مغلوب ما كلُّ من سيم خسفًا عاف مورده … إن الإباء لظهر غير مركوب أمشي البراز ولا أعلى (٩) به أثري … حسب المريب ركوب القاع ذي اللوب ومنه قوله (١٠): وإن نبت حمص بي والله يعصمها … ركبتها عزمة تشأى الكواكب بي وللمؤيد سد الله مُدَّته … رأي يغالط شُهْبَ الليل في القطب تراه أن تدعه يومي ندىً ووغى … النار في عرفج والماء في صَبَبِ إليك مني أعز الله نصرك ما … أبقته أيدي السرى والبيد والنوب

стр. 4181

جاءتك ترقص أردان الكلام به … سوابح تأكل الغبراء بالخبب ومنه قوله (١): سامتكم في المكرمات عزائم … جار على أحكامها التأييد وعلى نشأن مع النجوم وقبلها … ولهن من بعد النجومِ خُلود من معشر أخذوا بأطراف العلا … والأفقُ غُفْلٌ والليالي سود جادوا فبانت (٢) في البسيطة أنجم … وسطؤا فثارت في السماء أسود لا ذنب للآمال إلا أنها … شهب لها من أن تراك سعود أكلت إليك الأرض وهي بحسبها (٣) … إن لم تعقها من ثناك قيود ومنه قوله (٤): وقد زرّوا الضلوع على قلوب … لو انتُضِيتْ لقُط بها الرقاب ولو بسوى الرشيد جعلْتُ هديي … لضَلَّ (٥) الركب فيها والركاب من النفر الأولى طلعوا نجومًا … فمن أنوائهم فينا انسكاب وباء فقلت في الغبراء بُوْحٌ … وثار فقلت في الخضراء غاب لقد عُقدت حباه على جلالٍ … ظُباه لا تهاب كما تهاب كأنّ عداه في الهيجا ذنوب … وصارمُهُ دُعاء مستجاب ومنه قوله (٦): طمعت بحمص إن تلين المطلبي … ولا عجب قد يرشح الحجر الصلد ولي، فأسأت، الذنب في ذاك لا لها … فمنذ توجد (٧) الجعلان لم ينفق الورد ومنه قوله (٨): سأطلب لا بألسنة اليراع … سوى ذا الحظ من أيدي الزماع وأخبط بالسرى ورق الدياجي … ووجه الموت محدور القناع وأمرقُ من أسارير المواضي … كما مرق الهلال من الشعاع فسلني عن ملوك الأرض تسأل … خبيرًا فاقض حق الاستماع

стр. 4182

عرضت عليهم نفسي ونفسي … لأوضح غبنهم عند البياع فما اتبعوا دليلًا في اجتنابي … ولا سلكوا سبيلًا في اصطناعي كأعضاء بها ألم فقلْبٌ … على ضَمَدٍ (١)، ورأس صُداع فما أبقوا ولا هموا ببقيا … ونقل الطبع ليس بمستطاع ومنه قوله (٢): وما أنس ليلتنا والعناق … قد مزج الكل منا بكل إلى أن تقوس ظهر الظلام … واشمط عارضه واكتهل ومس رقيق رداء النسيم … على عاتق الفجر بعض البلل فرحت (٣) وديني أمير الذنوب … ودولته فوق تلك الدول ومنه قوله (٤): رويدك أيها الدهر الخؤون … ستأكلنا وإياك المنون فجعت بزاهر من سرّ فهرٍ … كبدر التم هالته عرين بأروع مثل (٥) عين الحسن قيدًا … إذا أخذت مجاريها العيون وابقتني يد (٦) الأيام فردًا … كما غدرت بيسراها اليمين ومنه قوله (٧): ملكت فاسحج لا أبًا لك يا دهر … أفي كل عام في العلا فتكة بكر مضى لم يَرِثُ عنه السيادة وارث … ولولا (٨) المساعي الزهر لانقطع الذكر فيا ليتني بين العوالي وبينه … وقد ملكتني من أعنتها فهر لأطبق عنه بالعشا حدق القنا … ضرابي وإن كانت لها الأعين الخزر قلت: ولقد قال ابن بسام (٩) بعد هذه الأبيات كلمات يسخر فيها بابن عبدون حيث ادعى الغناء في الحرب، ولعمري لقد طرف، وهو قوله: فيا لأبي محمد بن عبدون في الحرب الزبون، مجنًّا ليس بحصين، لينه كلما شهد وقيعة كان لمجن ابن أبي

стр. 4183

ربيعة (١)، حسب الكتب من الكتائب، وكفاه اعتناق القضب من خرط القواضب، وأرى فهرًا لو ملكته يومئذ أعنتها، وجعلت إليه سيوفها وأسنّتها. لمات منها ضحاكية، (٢)، أو حي حياة فهرية (٣)، ولخر البيت وعموده، وضاع الرعيلُ ومَنْ يقوده. انتهى كلامه وبالله لقد ضحك منه في موضعه، وقطع جلده بمبضعه وأنكاه بكلمته التي هي أشد شرخًا من الحجر، وأحرّ وخزًا من الإبر، لقد ضربه على أخْدَعِهِ، ورماه على جنبه لمصرعه، وأنكاه للسكين، إلا أنها لا تذكى بها الذبائح، وغطاه إلا أنه هتكه بالفضائح، ومن أين هذا البطل وما ادعاه وكيف ترى جنانه الجبان لو وعاه، وماذا تراه كان يصنع والعوالي مطبقة، والأعادي محدقة، وأنّى سمت به همته حتى يتحمل عن هذا الحائن الميت حينه، فيقول يا ليتني بين العوالي وبينه، ثم إنه بهذا العقل يروم أن تملكه فهر أعنتها، وما حق فهر على الله أن هان، ولا أن يطير مع فرع السحاب منها أبان، لقد عرض هنا اللبيب نحره للمدى يبريه، وحبّب إلى هذا البطل الموت وهو كريه، لا بل هو بعض ما يسوّل له زور الدعوة ويريه، لشد ما طنّ الذباب، وفخر بملبسه الغراب، وتطاول الجندل وهو مجندل في التراب. ثم أعود لبقية ما لابن عبدون فمنه قصيدته المشهورة التي ذكر فيها نكبات الأيام وكتاب الأنام قوله (٤): الدهر يفجع بعد العين بالأثر … فما البكاء على الأشباح والصور أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة (٥) … عن نومةٍ بين ناب الليث والظُّفُرِ فالدهر حرب وإن أبدى مُسالمة … والبيض والسمر (٦) مثل البيض والسُّمُرِ فلا يَغُرّنك من دنياك نومتها … فما سجية (٧) عينيها سوى السهر

стр. 4184

ما لليالي أقال الله عثرتنا (١) … من الليالي وخانتها يد الغير تسر بالشيء لاكن كي تغرّ به … كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر بني المظفر والأيام ما برحت … مراحلا (٢) والورى منها على سفر سحقًا ليومكم يومًا ولا حملت … بمثله ليلةٌ في سالف (٣) العُمُرِ ويح السماح. وويح الباس (٤) لو سلما … وحسرة (٥) الدين والدنيا على عُمَرِ سقت ثرى الفضل والعباس هاميةٌ … تُعْزى إليهم سماحًا لا إلى المطر ثلاثة ما رقى النسران (٦) حيث رقوا … وكلُّ ما طار من نشر ولم يَطِرِ ومر من كل شيء فيه أطيبه … حتى التمتع بالآصار والبكر كانوا رواسي أرض الله منذ نأوا … عنها استطارت بمن فيها ولم تقر على الفضائل - إلا الصبر - بعدهم … سلام مرتقب للأجر منتظر يرجو عسى وله في أختها أمل … والدهر ذو عُقب شتى وذو غير ومنهم: [١٤] أبو محمد بن الحبير (٧) لفظه الحبير، وحفظه الخبير، وحظه نابه، ولحظه للنجوم مشابه، وقال فيه الفتح (٨): الذي بهر بإبداعه، وظهر على الصبح عند (٩) انصداعه، وعطل العوالي بيراعه، وأطلع الكلام رائقًا، وجاء (١٠) متناسقًا. ومن نثره قوله (١١): أيد الله الفقيه الأجل، الغيث الواكف المنهل، قاضي الجماعة وسيدها، وعاضدها ومؤيدها، إنه لما أذابتني لفحات الأشواق إلى تلك الآفاق، التي تشرقون بها أقمارًا، وتفقهون فيها بحارًا، وعاينتها نفسًا حية، وقلبًا قد حشي محبّة، بما رقمته

стр. 4185

لعلاك من برود كصفحات الخدود: جادت (١) عليه كل عين برة … فتركن كل قرارة (٢) كالدرهم ونظمته من حلاك كلامًا، لو شُربَ كان مُدامًا أو ضُرِبَ به لكان حسامًا. ومنهم: [١٥] أبو محمد بن عبد الغفور (٣) هو ممن ذمهم الفتح، وتهمه بالقدح، وأكل لحمه، ولم يخف إثمه، وقال (٤): قد كنت نويت إلا أثبت له ذكرًا، ولا أعمل فيه فكرًا، وأودعه مطرحًا، وأقطعه الإهمال مسرحًا. ومن نثره قوله: يتردى من قادة ذويك، وإخوتك السادة وأقربيك، بنجوم رجال كالجبال، أنت بدرها المنير، ورضوى ماثلًا بينها أو ثبير، إذ دنا من علائك شيطان فتنة رجمته بمشرعات الأسنة، أو زحم ركن سنائك منكب عظيم، اختطفته بمطرقات (٥) الأعنة، تطيع إقحامها باللجم، وتفهم عن أهلها تحت اللثم (٦)، كأنما اقتعدت من صهواتها بروجًا، واعتقدت إلى حيث المنازل عروجًا (٧). ومنه قوله، جواب كتاب تضمن الاعتذار عن هزيمة وهو (٨): ما بعثناك لتشهد، وإنما بعثناك لتجهد، فإذا لم تفعل، فلا أقل من أن تتجلد، ولا تتبلد، وتصبر وتحمل من معك على الصبر، ولا تكن أوّل من فرّ فتعدي بفرارك تثبت جارك، ولو كتمتها من شهادة، لما أثم قلبك، فلا تُواتر (٩) الكتب، بما يثير عليك

стр. 4186

العتب، ولتأنف في المستأنف، من إيثار الدنية على المنية (١)، والسلام. ومن نظمه قوله (٢): أشهب، كالرجع مستطير … كأنه الشيب في المفارق حث (٣) غداة الرهان حتى … أجهد في إثره البوارق ومنهم: [١٦] أبو بكر بن عبد العزيز (٤) وما نقص من الأدب نصيبه، ولا أجدب خصيبُهُ، تشقُّ كلماته نورًا، وترشف ثغورًا. قلت: وقد ذكره ابن بسام (٥) فقال: سابق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم، وصارم لا يحلّى غرره إلا بأفراد النجوم، وكان نشأ بين يدي أبيه في دولة المعتمد بحيث تفيء ظلالها، وتشوق إليها إقبالها، وانشقت تلك السماء قبل أن ينوب مناب سلفه من درجها، ويحل بيت شرفه من أبرجها، فلله هو فلى بنانه الأوان، وضاق عنه السلطان، فلقد نهض به جنان يتدفق بالغرائب، ولسان يفري شبا النوائب، وإحسان يملأ أقاصي المشارق والمغارب، وقد أخرجتُ له ما يُخجل الخدود، ويعطل سوالف الغيد. ومما أورد من نثره قوله (٦): وصل كتابك فشفي عليلًا، وبرَّدَ غليلًا، ونسم من روح الظفر بالأمل نفسًا بليلًا، وما كان يشرب ذلك (٧) العذب أن يصير (٨) صابا، ولا لمحل مجدك الموفى على الشهب أن ينحط نصابًا، ولا لوفاء منك، رسا ثبيرًا، أن يذهب مع الرياح هباء مستطيرًا عقدة ودك أحصف، وحجاب مجدك أضفى من أن يُسترق وأكثف، بقيت نعماء تجلّيها،

стр. 4187

ونعماء توليها، وعلياء تنافس فيها، وإن اتبع سيدي فرس البر (بي) لجامها، وأردف (١) عارض المسرة التئامها فقد أمكن من الإحضار، وروى ظماء أمالي بمنهل القطار. قال: ومن نثره قوله مما كتب به إلى محمد بن القاسم: كيف رأى مولاي في عبد له مؤات، يرى الوفاء دينًا وملة، ولا يعتقد في حفظه الإخاء ملة، أدرع العقوق ولبئست الخلة، أبرده بعيب ما جناه الدهر أم تسمح بشيمته، بل تسمح تصفح، ولو كان الغضب يفيض على صدره ويطفح، فله أعزه الله الفعل الأوضح، والعقل الأرجح، والخلق الأسمح، والأناة التي يزل اليلب عن صفاتها، ولا يتعلق الغيب بصفاتها. ومنه قوله مما كتبه إليه أيضًا (٢): الوزير الفقيه، أدام الله عزه وكفاه ما عزه - أعلم بأحكام الزمان من أن يرفع إليها طرفًا، أو يُنكر لها صرفًا، أو يطلب في مشارعها زلالا (٣) أو صرفا، فشهدها مشوب بعلقم، وروضُها مكمن (٤) لكل أرقم، وما فجئته الحوادث بنكبة، ولا حطته النائبات (٥) عن رتبه، ولا كانت الأيام قبل رفعته بوزارة ولا كتبه (٦)، فهو المرء يرفعه دينه ولبه، وينفعه لسانه وقلبه، ويشفع له عمله وحسبه، وتسمو به همته وأدبه، ويعنو بين يديه شانيه وحاسده، وينبت في أرض الكرم حين يريد أن يجتثه حاصده، يقر له (٧) بالفضل من لا يوده، وينصره الله بإخلاصه حين لا ينصره سواعُهُ ولا ودُّه، وما هو إلا نصل أغمد ليجرد، وسهم سُدَّ طريقه ليُسدّد، وجواد ارتبط ليحل (٨) عنانه، وقطر تأتى سحابه، وسيسيله عيانه (٩)، وسينجلي هذا القيام عن سوابق (١٠) لا يُدرك مهله، ويعتمده الملك الهمام بإكرام لا يكدر منهله. ومنهم: [١٧] أبو جعفر بن أحمد (١١) بيانه أسحر من الحدق، وأسخر من ضوء الصباح بالغسق، لا ينزح من الكلام

стр. 4188

قلبيه. ولا يبرح فيه نفس السحر أو قريبه. وقال الفتح (١): وكانت له نفس علية تزهي بماء الجوانح والضلوع، وسجية سنية يعبق بالفضل منها ويضوع. ومن نثره قوله (٢): زارنا الورد بأنفاسك، وسقانا مدامة الأنس من كأسك، وأعاد لنا معاهد الأنس جديدة، وزف إلينا من بنات (٣) البر خريدة، فاحمر حتى خِلْتُه شفقًا، وابيض حتى أبصرتُه من النور فلقا، وأرج حتى كأن المسك في ذكائه، تضاعف حتى قلت (٤) الورد يقطر من حيائه. فليتصور شكري في رؤاه، وليتخيله في نفحته ورياه. ومنهم: [١٨] أبو عبد الله بن أبي الخصال (٥) كاتب المغرب مطلقًا، المغرب بيانه المنتقى طبق ذكره مغربًا ومشرقًا، وطوق الربى منجدًا ومعرقًا، قطف القول منورًا، وقطع نهار الفضل مبصرًا، وسبق الأوائل، وما جاء إلا متأخرًا، وبسق إلى فرع الجوزاء مشمرًا. قال الفتح فيه (٦): تميز بنفسه، وتحيز من جنسه، وظهر بذاته، وفخر بأدواته وتعلق بأبي يحيى بن الحاج (٧)، فملك قياد مأموله، وهب من مرقد خموله، ولم يزل عاثرًا معه ومستقلًا، ومثريًا حينًا وحينًا مقلًا، إلى أن تورطوا في تلك الفتنة التي ألقحوا حائلها، وما لمحوا مخائلها، وطمعوا أن يغتالوا (٨) من أمير المسلمين ملكًا معصومًا، وليبرموا من كيدهم ما غدا بيد القدر مفصومًا.

стр. 4189

وقال: ولما نكب الوزير أبو محمد بن القاسم خاطبه كل وزير مسلّيًا عن نكبته وانتقاله من رتبته، فكتب إليه وهو في جمل من كتب ولم يكن نازلًا عن تلك الرتب برفعة مستبدعة، وأظهر فيها محاسنه وبدعه، وهي (١): مثلك ثبّت الله فؤادك، وخفّف على كاهل المكارم [ما أدبك وآدك] (٢)، يلقى دهره غير مكترث، وينازله بصبر غير منتكث، ويبسم عن قطوبه، ويفل شباة خطوبه، فما هي إلا غمرة ثم تنجلي، وخطرة يليها من الصنع الجميل ما يلي، والحر (٣) حيث كان حر، والدر برغم من جهله درّ، هل كنت إلا حسامًا انتضاه، وساعدًا ارتضاه (٤)، فإن أغمده فقد قضى ما عليه، وإن جرّده فذلك إليه، أما أنّه ما تثلم (٥) حده، وليس جوهر الفرند إلا جده، لا يعدم طنينًا (٦) يشترطه، ويمينًا تخترطه، هذه الصمامة، تقوم على ذكرها القيامة، ماض (٧) طبقت البلاد أخباره، وقامت مقامه في كل أفق آثاره، فأما حامله فنسي منسي، وعدم منفي (٨)، كلا لقد فنيت الحقائق. وأنهبت تلك العلائق [فلم يصحبه] (٩) غير غرار ومتن عار كلاهما بالغ ما بلغ، ووالغ معه في الدمار ما ولغ، وما الحسن إلا المجرّد العريان، وما الصبح إلا الطلق الإضحيان، وما النور إلا ما صارم الظلام، وما النور إلا ما فارق الكمام، وما ذهب ذاهب أجزل منه لعرض واهب. ممن قضى أحق المساهمة في هذه الحال، أسف تردد، وديون (١٠) على الأيام تُحصى وتعدد. ومنه قوله (١١): وقد طلب الفتح منه من الفوائد ما يثبته في القلائد: وأنا بنفسي أعلم، وعلى مقداري أحوط وأحزم. والمعيدي يسمع به لا أن يري (١٢) بشخصه مقتحم مزدري، وفي الوقت من فرسان هذا الشأن، وأذمار هذا المضمار، من تحسُدُ فِقره الكواكب، ويترجل إليه منها الراكب، فأما الأزهار (١٣)،

стр. 4190

فملغاة في رباها، ولو حلت عن المسكِ حباها، وصيغت من الشمس حلاها، فهي تنظر من الوجد بكل عين شكري لا نكري، فإذا كانت أنفاس هؤلاء الأفراد مبثوثة، وخواطرهم على محاسن الكلام مبعوثة، فما غادرت متردَّمًا، ولا استبقت لمتأخرها متقدمًا، فعندها يقف الاختيار، وبها يقع المختار. ومنهم: [١٩] أبو محمد بن مالك (١) سريع البديهة، مريع المراتع النزيهة، يتدفق الأدب بين جنبيه، تدفق الجدول على حافتيه، ويتسرع الكلم عليه، كالقلم بين إصبعيه، كلاهما بارق يقتدح. وسابق إلى ما يقترح. قال الفتح (٢): كتبت إليه يومًا مودعًا فجاوبني جوابًا مستبدعًا. وأخبرني رسولي أنه لما قرأ الكتاب، وضعه وسوى، وكتب وما فكر ولا روى: يا سيدي الأعلى جرت الأقدار بجمع افتراقك، وكان الله جارك في انطلاقك، فغيرك من روع بالظعن، وأوقد للوداع جاحم الشجن، فإنك من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر، لا تستقر على وطن (٣)، كأنك والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه موكل بفضاء الأرض تذرعه، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعيدك من العواري السريعة الارتجاع، فلا تأسف عليه لقلة الثوى وتنشد: «وفارقت حتى ما أُبالي من النوى» ومنهم: [٢٠] أبو القاسم بن السقاط (٤) لجة آداب تستفاد، وحجّة ألباب به تستزاد، كان يتلعب بفصيح المنثور، تلعب

стр. 4191

الريح بالمنثور، يصرف فيه بيانه، ويوليه بنانه، فيجيد كتابة وخطابة، لموقعهما في القلوب إصابة، تلطف أعبق من ردع النهود، وأرق من ديباج الخدود، وأشهى إلى النفوس من إنجاز الوعود. قال الفتح فيه (١): مستعذب المقاطع، كأنما صوّر من نور ساطع، يجتليه الدهر بسامًا وينتضيه حسامًا. وقال وقد ذكر نثره: وكتب يشفع لمدل بذمام شباب (٢) صوّح نوره، وبرح غدر (٣) الزمان وجوره: يا سيدي، ومن أبقاه الله لرحم أدب مجفوة ينظمها، وحُرمة مقطوعة يلجمها، الوفاء لمحاسن الأخلاق كالقلم المُذهب، والخضاب الموشَّى لراحة الحسب، تستفيد به لهجة التكحل في العين، ورونق التشبيب في مصوغ التبر واللجين، فما أحقَّهُ بصدر النادي، وأسبقه إلى المرتبة بشرف المبادي. رعاية لأواصر الأداب، والمحافظة على الخُلّة الواشجة في أعصر الشباب، وما أسحبت الليالي في ميادينه من لبوس، نعيم وبؤس، في بساتينه وموصله أبو فلان (٤) ذكر مشاهدكِ الغر الحسان. ولقد فاوضني من أحاديث ائتلافكما في العصور الدارسة العافية. وانتظامكما في زهرات الأنس وظلال العافية. واتساقكما في حبرات العيش الرقاق الضافية، وارتشافكما سلافة النعيم المزة الصَّافية، بأفانين النجود وزخارف الروض المجود (٥)، ومعاطف الطرر بين خيلان الخدود، ولو ألقيت عذوبته على البحر، لأصبح عذب (٦) المذاق، ولو رقي بها البدر لوقي آية المحاق، وأزمع أن يسير بنوافح (٧) لواعجه في متكاثف النو (٨)، ويطير بجناحه ارتياحه إلى متقاذف ذلك الجو، ليُكمل بالتماحك جفونه، ويجلو بأوضاحك دجونه، ويحقق (٩) بلقائك عهدًا أنهج البين رسمه، ويشاهد بمشاهدتك (١٠) سرورًا مَحَتْ يدُ البعد (١١) رسمه (١٢). فخاطبت محرضًا على التحريض (١٣)، ومتحديًا يلمح التعريض (١٤)،

стр. 4192

وأتت ولي ما يتلقاه من تأنيس (١)، ينشر ميت رجائه، ويعمر مقفر أرجائه. ومنه قوله يستدعي إلى مجلس أنس (٢): يومنا أعزك الله يوم نُقبت شمسه بقناع الغمام، وذهبت كأسه بشعاع المدام، ونحن من قطار الوسمي في رداء هدي (٣)، ومن نضير النوار على نضائد النضار، ومن غر الندمان بين زهر (٤) البستان، ومن حركات الأوتار خلال نغمات الأطيار، ومن سُقاة الكؤوس وتعاطي المدام بين مُشرقات الشموس، وعواطي الآرام، فرأيك في مصافحة الأقمار، ومنافحة الأنوار، واجتلاء غرر الظباء الجوازي وانتقاء درر الغناء الحجازي. ومن نظمه قوله (٥): سقى الله أيامنا بالعذيب … وأزماننا الغُرَّ صوب السحاب إذ الحبُّ يامي (٦) ريحانةٌ … تُجاذِبُها خطرات العتاب وإذ أنتِ نوّارة تُجتني … بكف المنى من رياض التصابي ليالي والعيش سهل الحجاب (٧) … نضير الجوانب طلق الجناب رميتُكِ طيرًا بدوح الصبا … وصدتُك ظبيًا بوادي الشباب ومنهم: [٢١] أبو محمد بن عبد البر (٨) كبير القدر، شهير السناء، كالبدر توقل رتب العلاء. وتوفي بسبب البلاء، لو أنجى حذر من قدر، أو ردّ ورد عن صدر، وكان عداه قد أوقدوا عليه حطب الإحن، ورموا عليه شباك المحن، وقصدوه قصد السهام، الغرض، وأنحلوه نحول المرض، إلا أنه وسع بغزارة خطوة الأجل، حتى قطع الموت حبل المهل، فلما هم به المعتضد

стр. 4193

عباد، فرّ من قبضته فرار الزئبق من النار، والخاشع الزاهد من الدينار. وعلى كلامه مسحة من السحر، ونغمة من السحر. قال الفتح (١): وكتب إلى أحد إخوانه، وقد نال الدهر من امتهانه: من صحب الدهر - أعزك الله - وقع في أحكامه، وتصرف بين أقسامِهِ: من صحة وسقم، وغنى وعدم (٢)، وعند ورودي، أُعلِمتُ بما أصابتك به صروف الأيام، من الامتهان والإيلام، وقد جمعتنا حوادث الأيام وصروفها، وإن اختلفت أنواعها وصنوفها. على أن (الذي) (٣) أصابك. أثقل عبئًا، وأعظم رزءًا، فالله يعظم أجرك، ويجزك ذخرك، ويجعل هذه الحادثة آخر حوادثك، وأعظم كوارثك. ومن نظمه قوله (٤): بحر سقم ماج في أعضائه … فرمى في جلده بالزبد كان مثل السيف إلا أنّه … حُسد الدهر عليه فصدي وذكره ابن بسام فقال (٥): كان قد حلّ من كتاب الإقليم، محل القمر من النجوم، وتصرّف في التأخير والتقديم، تصرّف الشفرة في الأديم، وله ولأبيه قبله، لواء سبق، ولسان صدق، ولما شأى أبو محمد الحلبة (٦)، وتبحبح صدر الرتبة، تهاوته الآفاق. وامتدت إليه الأعناق، ففاز به قدح عبّاد بعد طول خصام، والتفاف زحام، فأصاخ أبو محمد لمقاله، وتورّط بين حبائله وحباله، وكان قد غص ابن زيدون بمقدمه، وجهد - زعموا - كل جهد في إراقة دمه. ولما رأى أبو محمد أنه قد باء بصفقة خسران، وأن العشاء قد سقط به على سرحان، أدار الحيلة، وابتغى إلى الخلاص الوسيلة (٧)، فألقى عصا التسيار، وأخذ في [اقتناء] (٨) الضياع والديار، حتى ظن عباد أنه قد رضي جواره، واستوطن داره، فاستنام إليه بإرساله (٩) إلى بعض خلفائه بالجزيرة (١٠)، فجعل (١١) يتفادى

стр. 4194

منها. ويتثاقل عنها (١)، حتى (٢) انسل من يد عباد، انسلال الطيف، واسأله كيف (٣)؟ ثم جعل يتنقل في الدول، وقد جمع التالد إلى الطارف وكتب عندنا عن أكثر ملوك الطوائف. ومما أورد له من نثره قوله (٤): قد انتظمنا (٥) انتظام السلك، وضرحنا عن مشارب الحال الجامعة لنا قذاة كل إفك وشك (٦)، وظهر الحق المبين من المين، وتبين الصبح لذي عينين، وانفذت الهدية المقتضاة، محفوفة بالحرم والمحارم مكتوفة بالكرائم، ثم بالأعلام الأكارم، وأنا أسأل الله في متوجّهها ومنقلبها الرعاية الموصولة بك. والكفاية المعهودة منك، حتى يفيء عليها ظلُّك، ويبوئها مثوى الحفاية محلُّك، ويحميها حوزك ومكانك، ويؤديها عزّك وسلطانك، ثم حسبي عليها كرمك وكنفك، وخليفتي عليها برّك ولطفك. فهي الآن ملكك وأنت الكريم المسجح، وبضاعة متجري فيك، وأنت المريح المنجح، فإنك - والله يبقيك ويعليك، ويشدّ قبضتك على رقاب أمانيك وأراجيك - ذخر الأبد، وعتاد الأهل والولد (٧)، وعندك ثمرة النفس، وفلذة الكبد، فارقتها عن شدة ضنانة، وأسلمتها بعد طول صيانة، وما زفت إلا إلى كريم يحملها محلّ الأمانة، ويقضي فيها حق الديانة، ويرعى لها انقطاعها عن أهلها، واغترابها عن ملأها ومنشأها، وهو حكم الله الواجب، وقدره الغالب، وسنّته المشروعة ومشيئته المتبوعة، ولنا في رسول الله (٨) أسوة حسنةٌ، وفيما قاله في مثل هذه قدوة يُقتدي بها، وسنّة يحتذى عليها، إذ تلا قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٩) وقال ﵇: «إنما فاطمة بضعة مني، فمن أكرمها فقد أكرمني، ومن أهانها فقد أهانني» (١٠) اللهم بارك لها وبارك عليها.

стр. 4195

وقوله من أخرى في ذكرها (١): وقد توغلت معك في أسباب الألفة، وهتكت بيني وبينك أستار (٢) المراقبة والكلفة، وأنا أستريح إليك بخفيات سري، وأجلو عليك بنيات صدري، خروجًا إليك عما عندي، وجريًا معك على ما يقتضيه إخلاص ودّي، وجلاء لشواغل بالي، واستظهارًا بك على حالي، وشفاء لمضض (٣) نفسي، واستدعاء لما نفَرَ وشَرَدَ (٤) من أُنُسي، كما ينفث المصدور، ويتلقى برد النسيم المحرور، وكما تفيض النفس عند امتلائها، وتجود العين طلبًا للراحة بمائها، أو ذمائها (٥)، وكنت أشرت في كتابي بتوجه من توجّه من قبلي، ممن كان روح نفسي، وريحان جذلي وأنسي، إلى أن قرع ما قرع من لوعة الفراق، ولذع ما لذع من روعة الاشتياق، وأنا أظن أن ذلك عاقبة الصبر تغلبه، والجلد يعقبه. وإن انصرام الأيام ينسيه ويذهبه، فإذا هو قد أفرط وزاد، وغلب أو كاد (٦)، حتى نفى السلو، ومنع الهدو، وتعدى اللذع إلى الإحراق، وتجاوز الروع إلى الأطباق، فالأفق جناح (٧) مظلم، والنهار عندي ليل مستبهم، وكلُّ من كنت آنس به، متوار بالحجاب مستجير بنقاب العتاب (٨)، وإني لأستخف لما أجده حلمي، واستضعف (٩) عزمي، واستنهض للثبات تأييدي وعزمي فينزح الإشفاق المستولي، ويترجم الزفير المستعلي، ويتصوّر لي أن قطعة [مني] (١٠) بانت منفصلة عني، وإن جزءًا من أجزائي ذهب بصبري ورجائي (١١)، حتى إذا تفكّرتُ في خروجها إليك، وأنت من أنت تراجعت وتماسكتُ، وإذا ذكرتُ تعريسها بك، وحالك حالك. تصبّرتُ وتمالكت والله يطلعني من سلامة الوصول، وكرامة الحلول على ما يُقِرُّ العين، ويسر النفس، بمنه ويُمْنه. قال أبو الحسن (١٢) كناية أبي محمد عنها بالهدية كناية سرية، وإنما احتذى في ذلك حذو بلغاء المشرق.

стр. 4196

ذكر أبو منصور الثعالبي قال (١): لما زف بختيار بنته إلى أبي تغلب بالموصل كتب عنه الصابي فصلًا في معناها (٢) استحسنته البلغاء وتحفظوه، وأقرّ له كل بليغ بالبراعة فيه، وهو: قد توجه أبو النجم بدر الحرمي، وهو الأمين على ما يلحظه، الوفي بما يحفظه، … يحمل الهدية (٣)، وإنما نُقلت من وطن إلى وطن (٤)، ومن معرس إلى معرس (٥). مأوى بر وانعطاف إلى مأموى كرم (٦) وألطاف، ومن منبت درت له (٧) نعماؤه، إلى منشأ تجود عليه سماؤه، وهي بضعة مني انفصلت إليك، وثمرةً من جنى قلبي حصلت لديك، وما بان عني من وصلت حبله بحبلك، وتخيّرت له بارع فضلك. وإنما ألم الصابي في هنا أيضًا بفصل لابن ثوابة (٨) كتبه عن المعتضد لابن طولون في ذكر ابنته قطر الندى المنقولة إليه أيضًا. يقول فيه: وأما الوديعة (٩)، فهي بمنزلة ما انتقل من يمينك إلى شمالك (١٠)، عناية بها … وحياطة لها (١١)، ورعاية لموالاتك (١٢) فيها (١٣). فحكي أن الوزير عبيد الله بن خاقان، انتقد الفصل على ابن ثوابة. وقال له: ما أقبح ما تفاءلت لامرأةٍ زُفَتْ إلى الملك بتسمية الوديعة، والوديعة مستردة، وقولك من يمينك إلى شمالك أقبح، لأنك جعلت أباها ابن طولون اليمين، والشمال أمير المؤمنين، ولو قلت على حال: وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجل خطرها عندنا، وهي وإن بعدت عنك بمنزلة من قرُبَ منك، لتفقد فالها وسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه، فكتب الكتاب يومئذ على ذلك.

стр. 4197

وكان من (١) جملة من تحمّل قطر الندى يومئذ على إلى المعتضد أبو عبد الله بن الجصاص (٢) وكان آية من آيات خالقِهِ في الجهل والغباوة، مع وفور الجاه والنعمة (٣)، ونوادره في النوك مأثورة مذكورة. حدث أبو إسحاق الماذراني، قال: خرجنا إلى الشماسية مع الوزير عبيد الله بن سليمان نستقبل ابن الجصاص، وقد وافي بغداد بقطر الندى، وبالمعتضد يومئذ علّة كبرت معها خصيتاه، فلما سألنا عن خمارويه (٤)، وعن الحرة قطرة الندى، قال: أما الأمير ففي عافية، وأما العروسة، فإنما جئتكم بزبد على ورقة (٥). والله ما يضع الخليفة فردة خصاه (٦) عليها إلا قتلها، فاضحك من حضر. ومن أخباره (٧): أنه كان عند الوزير ابن الفرات (٨) يومًا فذكروا هزارًا جارية ابن المعتز. وأنها تزوّجت بغلامه سريعًا بعده، فقال ابن الجصاص لا بن الفرات: أعز الله الوزير لا تثقن بقحبة ولو كانت أُمّك، فتبسّم الوزير، وانقلب المجلس ضحكًا. عدنا إلى الكتاب الوارد، وأجاب أبو تغلب يومئذ بختيار عن كتابه برقعة من إنشاء أبي الفرج الببغاء، يقول في فصل (٩): وأما أبو النجم بدر (١٠)، فقد أدى الأمانة إلى متحملها، وسلّم الذخيرة الجليلة إلى متقبلها، فحلت محل العزّ في وطنها وأوقت من حمى الأسود (١١) إلى مستقرّها وسكنها. منتقلة عن عطن الفضل والكمال إلى كنف السعادة والإقبال. وصادرة عن أنبل ولادة ونسب إلى أشرف اتصال وأنبه سبب. وفي اليسير من لوازم فروضها وواجبات حقوقها. ما عاق رغبتي عن الوصاة بها، وكيف (١٢)

стр. 4198

يوصي الناظر بنوره. أم يحض القلب على حفظ سروره. قلت: وبهذه الكتابة عن الأمراء كتبت في كتاب كتبته عن تنكز، وقد أهديت ابنته إلى ابن بكتمر الساقي، ولم تكن الكلمة شهد الله صافحت سمعي ولا بصري، بل شيء أفرغه في ذلك الوقت الخاطر، وجاء فتوحًا في الوقت الحاضر، وكنتُ في صبًا لا ينظر ما أقوله بعين، فأنكرها مشايخ الكتاب في ذلك الأوان، وازدروها، وصغروها، وما أكبروها، حتى لقيني بدر الدين أبو عبد الله ابن العطار، فسألني عما كان فذكرتُ له الفصل ومنه: وقد جهز المملوك المطلوبة، وهي وديعة كرمه، ونزيلة حرمه، ومولانا أولى من أولاها برّه، وأسبل عليها ستره والمملوك مطمئن بإحسان مولانا الذي متى دعته أجابها، واثق بصيانته التي تودّ المجرة لو كانت حجابها. فقال ابن العطار: مليح والله مليح وحسن، والله حسن، وإنما كنيت بما كنّى به المتقدمون، فسررت بقوله: إن المتقدمين كنوا بها، وقلت: من؟ فقال: الصابي: فقلت: أحب أن أقف عليه، فذهب فأوقفني عليه من خط أبيه العلامة كمال الدين. فأوقفت عليه أولئك الجهلة، فكأنما قذفتهم بالأحجار، أو ألْجَمْتَهُم بلجم من نار. عدنا إلى صاحب الترجمة. ونثره، ومنه ما كتبه عن المعتضد إلى أبيه أبي عمر (١): إن كنا لم نتعارف ترائيًا، ولم نتلاق تدانيًا، … ففضلك في كل قطر كالمشاهد، وشخصك في كل نفس غير متباعد، فأنت واحد عصرك، وقريع دهرك، علمًا بيدك لواؤه، وفضلًا إليك إعزاؤه، وكنت كذلك والناس موفورون، والشيوخ أحياءً يرزقون، فكيف وقد درس الأعلام والكدى (٢)، وانتزع العلم بقبض العلماء فانقضى، والله يبارك في عمرك، ويعين كلًا على برك، وإلى ذلك من شهور حالك، فبيننا من وكيد الذمام السالف، وشديد اتصال التالد والطارف ما أنت (٣) له جد ذاكر وبه حق عارف، ورعاية مثل هذا منك تقتبس، ولديك تلتمس، ولم تزل نفسي إليك جانحة، وعيني نحوك طامحة. انجذابًا إلى العلم، ورغبةً فيه، ومنافسة في قضاء حقوق حامليه، والناس عندنا إلى ما عندك ظماء، ولدينا الداء وأنت الشفاء، فاجعل للمغرب (٤) منك نصيب الشرق، فهو أولى بك وأحق، وعندي لك من الإكرام والإعظام ما يُضاهي حالك ويُسامي آمالك، وقد صار عندي جزء منك متحكمًا فيه على المنصور - أيده الله -

стр. 4199

وعليك، وإرادتي أن أجمع شملكما، وأصل حبلكما. وله (١) عنه من أخرى إلى ابن هود: من اعتقدك (٢) عمادًا له وظهيرًا، ورآك عتادًا وذخيرًا، طالعك بحاله وأمره، وأطلعك على حُلْوِهِ ومرّه. وخرج إليك عن سرّه وجهره، وناجاك بمختلجات صدره، ومعتلجات فكره مستريحًا إلى الشكوى. بالغًا عند (٣) نفسه بالنجوى، واثقًا بقضائك الفصل فيما يُورِدُهُ، عالمًا بحكمك العدل فيما يُورده، راضيًا بإنصافك فيما يقرره لديك ويمهده، والله لا يُعدمني الاستضهار برأيك أعشو إليه سراجًا، وسعيك احتذي عليه منهاجًا، وقد علمت صورة حالي مع المدبرين لقرطبة، وصبري لهم في الخطير والجليل، وانجراري معهم الزمن الطويل، مُغضيًا لهم على ما يوحش ويريب، مغمضًا لهم على بوادر لا تزال تنوب وتثوب، على أنها جنايات القعدة (٤)، لا نكايات المردة (٥)، وإن وُسعهم لا يتعدّى هذا الحدّ، وطوقهم لا يتجاوز هذا الجد. وفي فصل منها: فلم تزل عقارب سعيهم إلي تدبّ، وريح جنايات بغيهم علي تهبّ، وأنا في كلّ ذلك أقابل تخشينهم بالتليين، وأتلقى غلي مراجلهم بالتسكين، أتغاضى عما يردني منهم مرة، وأغالط نفسي في التأويل تارة، ولا أقارضهم عن شيء مما يطالبونني به (٦) مساترةً ومجاهرة، مع إمكان المقارضة سرًا وعلانية، طاعةً مني لعواطف النفس، في الإبقاء على الجنس، ما وجدتُ إلى الإبقاء سبيلًا، وعليه معينًا، وكتبت أرجو مع ذلك أن يتوب تائب استبصار. ويخطر خاطر إقلاع واقصار، فلا والله ما يزدادون إلا تماديًا في الإضرار، والعجب كل العجب أنهم يمالئون عليّ أعداءهم المنابذين، وواتريهم المطالبين، الذين صيروا ملأهم بددًا، وعصاهم قددًا، واستباحوا دماءهم وأموالهم، وغيروا آثارهم وأحوالهم، وجاهدوهم جهاد الكفار، وساموهم سوم أهل الذلة والصغار، فكففت عنهم غربهم، وشغلت بنفسي عنهم حربهم، ولو أغمضت فيهم ولنتُ لواتريهم ومطالبيهم، لما كانت صدور مجالسهم، ومجامع أنديتهم، لأفراسهم إلا مرابط، ولا عاد أهل دارهم وعامر أفنيتهم لخيلهم إلا مسارح وبسائط، فما ظنك ببصائر تقلب في طلب الثأر ومنابذة العدى الفجار - فيا لله كيف تتغلب (٧) الطبائع،

стр. 4200

وتغلب في مهاجرة الخوارج المراق الروافض الفساق - الشرائع. فاعجب لهذا الاعتزاء (١) بالمخالفة، والانتهاء (٢) بالمكاشفة. ومنه قوله (٣): وما ظنكم - معشر المسلمين - وقد رأيتم الجوامع والصوامع بعد تلاوة القرآن، وحلاوة الآذان، مطبقة بالشرك والبهتان، مشحونة بالنواقيس والصلبان (٤)، قد علت فيها كلمة الكفر بعد التوحيد والذكر، واقتعدت المنابر شيعة الشيطان بعد شيعة الرحمن، والقومة المؤذنون تجرّهم الأعلاج كما تُجر (٥) الذبائح إلى المذابح، يكبون على وجوههم في المساجد صاغرين، ثم أضرمت عليهم نارًا حتى صاروا رمادًا. والكفر يضحك وينكي، والدين ينوح ويبكي، فيا ويلاه، ويا ذلاه، ويا كرباه، ويا قرآناه ويا محمداه، ألا ترى ما حل بحملة القرآن وحفظة الإيمان، وصوّام شهر رمضان وحجاج (٦) بيت الله الحرام والعاكفين على الصلاة والصيام، والعاملين بالحلال الحرام. فلو شهدتم معشر المسلمين ذلك لطارت (٧) أكبادكم جزعًا، وتقطعت قلوبكم قطعًا، ولاستعذبتم طعم المنايا لموضع تلك الدنايا (٨)، ولهجرت أسيافكم أغمادها وجفت أجفانكم رقادها، امتعاضًا لعبدة الرحمن، وحفظة القرآن، وضعفة النساء والولدان، وانتقامًا من عبدة الطغيان وحملة الصلبان. ومنهم: [٢٢] أبو بكر بن قزمان (٩) أديب مبرز، ولبيب متحرّز، له تفنّن في القريض، وركوب لسائر بحور الأعاريض. ولم يكتف بالمستعملات، حتى ذلل صعاب المهملات، واخترع أوزانًا أخرى، وابتدع

стр. 4201

ما لا يُعدّ نظمًا ولا نثرًا، إلا أنه موزون ظفر منه بدر مخزون، ورد عن صدر مخزون. وإذا وقع على التلحين. ومسح منها زمانه في كل حين، يظهر مزحوفه وموزونه، وسالمه ومجنونه، إلا أن كتابنا لا مجال فيه لإيراده، ولا تركض فيه لجنب جواده. ولم يذكر الفتح له نثرًا، على أنه طالما اعتنى به وأثرى. وقال فيه (١): وأخلاقه هي التي فلت من غربه، وكانت سببًا لطول كربه، فإنها كانت تحتدم في جوانحه احتدام القيظ، وتكاد تميز من الغيظ (٢)، وكان طاهر الأثواب من كل دنس، ظاهر الصواب حتى نبس. وقد ذكره ابن بسام، فقال فيه (٣): وأبو بكر من كتاب الوقت والأوان، ومن أهل البلاغة والبيان، والمتوكل أول من اتخذه كاتبًا، واقتدح زنده فأورى شهابًا ثاقبًا، ومما أورد له قوله (٤): واتصل بي دخولك بعقيلة أترابها وبيضة خدرها وربة محرابها (٥)، ورابني التواؤك (٦) ومدح في نشاطي إبطاؤك (٧)، وساءني أن يستمطر من الأمل جهامًا، وتسترهف (٨) لدى ذلك العمل كهامًا، ويجد صاحبك معرّدًا عن المناجزة، لائذًا بالمحاجزة. تريد جوًّا ويريد برًا … كأنما أسعط شيئًا مرا قلت: لعله قد حظي بما جني له، فافتتح الحصن الذي نازله قسرًا (٩)، وأفضى به الصدع إلى التئام والشعب إلى التمام (١٠)، فإن لم يكن ذاك فهناك، وظفرت يداك، وإن

стр. 4202

يكن ما عداه، ويكفي الله، فمع اليوم غد، وفي اللمم خلال ذلك متعلل (١). وكذلك قوله أيضًا كالجواب عنها ومنه (٢): وردني كتابك، وقد وقفت على مقطعه، وعجبت من التفرغ لمودعه، وإن (٣) كنت منذرًا فليخف وقعك، أو حذرًا فليفرخ روعك، فالحد بحمد الله ماضي، وكلا الفريقين راض، على بطش الماضي (٤) وعنف التقاضي، ثم لا بأس ولا إبلاس ولو عرت نبوة، وعدت (٥) دون المراد (٦) كبوة (٧). وسيف بني عبس وإن كان صارمًا … نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد (٨) ولله أخوك الذي لا فرق عندكما بين ما يعروه ويعروك، ولو لقيت أعداءك. بمثل صاحبه مضاءًا وإقدامًا، وتسرعًا واستقدامًا: طعنتهم سلكي ومخلوجة … كفتك لامين على نابل (٩) وقال الفتح: وقد أثبت له ما يعلم حقيقة قدره، ويعرف كيف أساء الزمان إليه بغدره. فمن ذلك قوله (١٠): ركبوا السيول من الخيول وركبوا … فوق العوالي الزرق سمر نطاف وتجللوا الغدران من ماذيّهم مُرتجةً … إلا على الأكتاف ومنه قوله (١١): وشمس كسوناها ببدر صيانةً … وقد عاد وجه الأرض أسود حالكا أطرنا بها طير الدُّجى عن بلاده … إلى أن رأت عيناي فيه (١٢) المسالكا

стр. 4203

حججنا بها بيتًا من اللهو لم تزل … عكوفًا بها حتى قضينا المناسكا وقد ذكر صاحب اللمعة له من رقعة يصف فيها مرتع روضة أسرع إليها باكر الغمام نوضه، وأنزع منها حوضه، وهم يحذو لها النسيم وما استطاع خوضه، وهي: ونزلنا بروضة باكرها الوابل، وأودعها ما عنده إلى قابل، فغادر غديرها يفهق امتلاء، وزهرها يسر الناظر اجتلاء، وقد تقابلت أنوارها صفوفًا، ولبست أقطارها الربيع شفوفًا، فضاحك أقحوانها خزاماها، وحدت صباها نعاماها، وحف بها جدول ريان بكتم القذاة قراره، ولا ينسخ بليل الطل نهاره، فذكرنا في كريم معاهده وقديم مشاهده أيام صبوة خلعنا عن مناكبنا رداءها، وأرقنا عن نواظرنا إغفاءها، زمانًا كانت فيه لممنا أمثال صحائفنا، وأيامنا أشباه مفارقنا، لم يعد من ذلك عيد إلا إلمامه ذكرى، وهيمان خاطر لا يكرى. ومنهم: [٢٣] أبو بكر بن الملح (١) هو للكلام كأبيه، الملح في الطعام، لا يصلح طعمه إلا بمذاقه، ولا يخرج شيء عن وفاقه، وكان باقعة باس ورابعة طهر بعد إدناس، قال فيه الفتح: إنه أقام مدةً لم يتأنس إلا بنشوة، ولم يتنفّس فيها إلا عن صبوة، والدين يلحظه بطرف كلف، وقلب عليه مؤتلف، إلى أن اقتصر باطله. واستبصر مسوّفه وماطله. ومما أورد له قوله (٢): والروض يبعث بالنسيم كأنّما … أهداه يضرب لاصطباحك موعدا سكران من ماء النعيم فكلما … غنّاة طائره (٣) وأطربَ رَدّدا يأوي إلى زهر كأنَّ عُيُونَهُ … رُقباء تقعد للأحبةِ مَرْصَدا قد حف موقعه عليه ورُبَّما … مسح (٤) النسيم (٥) بعطفه فتأوّدا

стр. 4204

ومنها قوله: قد ظل أنف الدهر أخنس راعفًا (١) … وطرف النجم أخزر أرمدا وأحم يثأر للغدير كأنما (٢) … سال النجيع خلاله وتولدا ومن نثره قوله، مما لم يضع في القلائد عقيانه، ولا اتصلت بعيون الفوائد أعيانه، قوله: إن خف عليك - أطال الله بقاءك - الانتظام معنا، والالتئام بنا على شاطئ النهر وقد طرز كميه طراز الزهر والنسيم في ذلك الميدان، فخلى العنان يركض في ذلك الصفيح، ويجيء بريا بنفسج وشيح من حفي البر والحضر، وسقيا النهر والمطر. وما فينا من يثقل عليك مرتعه، ولا يضيق بك موضعه، وما بيننا تكليف حتى ولا في زيادة رغيف، غير ما يكفي من خبز نضيج، ولحم طير من كل زوج بهيج، وشراب أصفر لا يجحد حقه ولا يكفر، له شعاع ممتد كأنه خيوط مسدت باليد، يترك السقيم صحيحًا، ويبعث في الميت روحًا، فما هي بأول يد لك تعتدها، ولا بآخر عارفة ما دمت - أطال الله بقاءك - نستمدها. * * * وهذا آخر ما ذكرته من رجال القلائد، مما هو أزهى من أمثالها في أعناق الولائد، وأثبت في أثناء ما قلت في كل ترجمة ببعض مقال مؤلفه فيما ترجمه. وصرحت في كل مكان باسمه لأبين كلامه من كلامي، وإن كان لا تخفى إلا على الأعمى أو المتعامي، وأين أنا من ذاك، وهل استفدت إلا من هناك، وأين مجاري السمك من السماك، وذكرت قول غيره في بعضهم تذييلًا، وسقتُ فيه بالقمر والنجوم قبيلًا. ومن كتاب المغاربة المجيدين: [٢٤] الوهراني (٣) أديب اخترع طريقًا، وافترع عذراء لم تكن رحيقًا، طلعت شمسه من المغرب،

стр. 4205

ولم يغلق للرحمة باب، ولا كانت من مقدمات النذر للألباب، وقدم والدولة الصلاحية قد استعلت، ويد تصرفها على البلاد قد استولت المجلس الناصري معمور بالأجلاء، مأهول بالقاضي الفاضل وأقرانه من الفضلاء، وريح الأدب قد هبت، ووفود الخواطر إلى تلك المشاعر قد لبت، والحظ الفاضلي قد أخذ معه حظ كل فاضل، وأخذ للكل ولم يترك إلا الفاضل، وكان يغار على كل بيت فكر، ويرى أن لا ينصب لغيره على مخبأة خِدْر. وكان الوهراني لوذعيًا، تحميه لألاؤه، وألمعيًّا تُريه البصيرة آراؤه، فخاف نفثات ذلك الصل، وعبثات ذلك السيف، الذي لا يكلّ، فمال إلى السخف، إذ كان لا يُحسد على تلببه، ولا يُنافس في ترديه وتجلببه، وجعل هذا سببًا لإظهار ما عنده من الإحسان، وتكلّم ولم يخف عثرة القلم، ولا زلة اللسان، فرفرف عليه جانب من الحنو الفاضلي، ورق عليه كما يرق عتيق البابلي وهنيت له نغبةٌ من العيش قدر عليه رزقها، وقرر له رفقها، وولي خطابة المسجد الجامع بداريا، وقيل له الآن (أنت وحي ليلى ودار ريا) وكان إلى هذا ليس له من خاطر الدين ما يزعَهُ، ولا من حاظر العقل ما ينزعه، فرداه سوء التجري فرداه من شاهقه، وألقاه عدم التحري لقى لبوائقه، وأطلق لسانه فعثر في طلقه، وكبّه في طبقه، وتخرص في المنام الذي أتى فيه بالأكاذيب، وحسن باطله بحسن الترتيب، وذكر فيه الملائكة الكرام وانتهك عرض السلف الحرام، وغير ذلك من كباره التي لا تطاق، ومنكراته التي لا يُصبر عليها، وقد ذكرت بعضها هنا، وإنما ذكرته لئلا أخلي الكتاب منه، وهو من المسموع بهم والمسؤول عنهم وأنا أستغفر الله مما ذكرت من دده، وأوردت من أباطيله، وعقدت اللسان على القلم حين تسطير أضاليله، وإن كنت لم أوردها إلا كالصدأ الحالي. وأنا فيه ناقل لا قائل، ومن الله العصمة، وبه السلامة. ومن نثره الرقعة التي عن جامع دمشق (١): لما حكمت يد الصناع (٢) في مساجد الضياع، وارتج باب العدل وغُلق، ونبذ كتاب الله وحلق، فزعت المساجد إلى جلق (٣) وهو يومئذ أميرها، وعليه مداد أمورها،
следующие страницы →