← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

ما لا يُعدّ نظمًا ولا نثرًا، إلا أنه موزون ظفر منه بدر مخزون، ورد عن صدر مخزون. وإذا وقع على التلحين. ومسح منها زمانه في كل حين، يظهر مزحوفه وموزونه، وسالمه ومجنونه، إلا أن كتابنا لا مجال فيه لإيراده، ولا تركض فيه لجنب جواده. ولم يذكر الفتح له نثرًا، على أنه طالما اعتنى به وأثرى. وقال فيه (١): وأخلاقه هي التي فلت من غربه، وكانت سببًا لطول كربه، فإنها كانت تحتدم في جوانحه احتدام القيظ، وتكاد تميز من الغيظ (٢)، وكان طاهر الأثواب من كل دنس، ظاهر الصواب حتى نبس. وقد ذكره ابن بسام، فقال فيه (٣): وأبو بكر من كتاب الوقت والأوان، ومن أهل البلاغة والبيان، والمتوكل أول من اتخذه كاتبًا، واقتدح زنده فأورى شهابًا ثاقبًا، ومما أورد له قوله (٤): واتصل بي دخولك بعقيلة أترابها وبيضة خدرها وربة محرابها (٥)، ورابني التواؤك (٦) ومدح في نشاطي إبطاؤك (٧)، وساءني أن يستمطر من الأمل جهامًا، وتسترهف (٨) لدى ذلك العمل كهامًا، ويجد صاحبك معرّدًا عن المناجزة، لائذًا بالمحاجزة. تريد جوًّا ويريد برًا … كأنما أسعط شيئًا مرا قلت: لعله قد حظي بما جني له، فافتتح الحصن الذي نازله قسرًا (٩)، وأفضى به الصدع إلى التئام والشعب إلى التمام (١٠)، فإن لم يكن ذاك فهناك، وظفرت يداك، وإن

стр. 4202

يكن ما عداه، ويكفي الله، فمع اليوم غد، وفي اللمم خلال ذلك متعلل (١). وكذلك قوله أيضًا كالجواب عنها ومنه (٢): وردني كتابك، وقد وقفت على مقطعه، وعجبت من التفرغ لمودعه، وإن (٣) كنت منذرًا فليخف وقعك، أو حذرًا فليفرخ روعك، فالحد بحمد الله ماضي، وكلا الفريقين راض، على بطش الماضي (٤) وعنف التقاضي، ثم لا بأس ولا إبلاس ولو عرت نبوة، وعدت (٥) دون المراد (٦) كبوة (٧). وسيف بني عبس وإن كان صارمًا … نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد (٨) ولله أخوك الذي لا فرق عندكما بين ما يعروه ويعروك، ولو لقيت أعداءك. بمثل صاحبه مضاءًا وإقدامًا، وتسرعًا واستقدامًا: طعنتهم سلكي ومخلوجة … كفتك لامين على نابل (٩) وقال الفتح: وقد أثبت له ما يعلم حقيقة قدره، ويعرف كيف أساء الزمان إليه بغدره. فمن ذلك قوله (١٠): ركبوا السيول من الخيول وركبوا … فوق العوالي الزرق سمر نطاف وتجللوا الغدران من ماذيّهم مُرتجةً … إلا على الأكتاف ومنه قوله (١١): وشمس كسوناها ببدر صيانةً … وقد عاد وجه الأرض أسود حالكا أطرنا بها طير الدُّجى عن بلاده … إلى أن رأت عيناي فيه (١٢) المسالكا

стр. 4203

حججنا بها بيتًا من اللهو لم تزل … عكوفًا بها حتى قضينا المناسكا وقد ذكر صاحب اللمعة له من رقعة يصف فيها مرتع روضة أسرع إليها باكر الغمام نوضه، وأنزع منها حوضه، وهم يحذو لها النسيم وما استطاع خوضه، وهي: ونزلنا بروضة باكرها الوابل، وأودعها ما عنده إلى قابل، فغادر غديرها يفهق امتلاء، وزهرها يسر الناظر اجتلاء، وقد تقابلت أنوارها صفوفًا، ولبست أقطارها الربيع شفوفًا، فضاحك أقحوانها خزاماها، وحدت صباها نعاماها، وحف بها جدول ريان بكتم القذاة قراره، ولا ينسخ بليل الطل نهاره، فذكرنا في كريم معاهده وقديم مشاهده أيام صبوة خلعنا عن مناكبنا رداءها، وأرقنا عن نواظرنا إغفاءها، زمانًا كانت فيه لممنا أمثال صحائفنا، وأيامنا أشباه مفارقنا، لم يعد من ذلك عيد إلا إلمامه ذكرى، وهيمان خاطر لا يكرى. ومنهم: [٢٣] أبو بكر بن الملح (١) هو للكلام كأبيه، الملح في الطعام، لا يصلح طعمه إلا بمذاقه، ولا يخرج شيء عن وفاقه، وكان باقعة باس ورابعة طهر بعد إدناس، قال فيه الفتح: إنه أقام مدةً لم يتأنس إلا بنشوة، ولم يتنفّس فيها إلا عن صبوة، والدين يلحظه بطرف كلف، وقلب عليه مؤتلف، إلى أن اقتصر باطله. واستبصر مسوّفه وماطله. ومما أورد له قوله (٢): والروض يبعث بالنسيم كأنّما … أهداه يضرب لاصطباحك موعدا سكران من ماء النعيم فكلما … غنّاة طائره (٣) وأطربَ رَدّدا يأوي إلى زهر كأنَّ عُيُونَهُ … رُقباء تقعد للأحبةِ مَرْصَدا قد حف موقعه عليه ورُبَّما … مسح (٤) النسيم (٥) بعطفه فتأوّدا

стр. 4204

ومنها قوله: قد ظل أنف الدهر أخنس راعفًا (١) … وطرف النجم أخزر أرمدا وأحم يثأر للغدير كأنما (٢) … سال النجيع خلاله وتولدا ومن نثره قوله، مما لم يضع في القلائد عقيانه، ولا اتصلت بعيون الفوائد أعيانه، قوله: إن خف عليك - أطال الله بقاءك - الانتظام معنا، والالتئام بنا على شاطئ النهر وقد طرز كميه طراز الزهر والنسيم في ذلك الميدان، فخلى العنان يركض في ذلك الصفيح، ويجيء بريا بنفسج وشيح من حفي البر والحضر، وسقيا النهر والمطر. وما فينا من يثقل عليك مرتعه، ولا يضيق بك موضعه، وما بيننا تكليف حتى ولا في زيادة رغيف، غير ما يكفي من خبز نضيج، ولحم طير من كل زوج بهيج، وشراب أصفر لا يجحد حقه ولا يكفر، له شعاع ممتد كأنه خيوط مسدت باليد، يترك السقيم صحيحًا، ويبعث في الميت روحًا، فما هي بأول يد لك تعتدها، ولا بآخر عارفة ما دمت - أطال الله بقاءك - نستمدها. * * * وهذا آخر ما ذكرته من رجال القلائد، مما هو أزهى من أمثالها في أعناق الولائد، وأثبت في أثناء ما قلت في كل ترجمة ببعض مقال مؤلفه فيما ترجمه. وصرحت في كل مكان باسمه لأبين كلامه من كلامي، وإن كان لا تخفى إلا على الأعمى أو المتعامي، وأين أنا من ذاك، وهل استفدت إلا من هناك، وأين مجاري السمك من السماك، وذكرت قول غيره في بعضهم تذييلًا، وسقتُ فيه بالقمر والنجوم قبيلًا. ومن كتاب المغاربة المجيدين: [٢٤] الوهراني (٣) أديب اخترع طريقًا، وافترع عذراء لم تكن رحيقًا، طلعت شمسه من المغرب،

стр. 4205

ولم يغلق للرحمة باب، ولا كانت من مقدمات النذر للألباب، وقدم والدولة الصلاحية قد استعلت، ويد تصرفها على البلاد قد استولت المجلس الناصري معمور بالأجلاء، مأهول بالقاضي الفاضل وأقرانه من الفضلاء، وريح الأدب قد هبت، ووفود الخواطر إلى تلك المشاعر قد لبت، والحظ الفاضلي قد أخذ معه حظ كل فاضل، وأخذ للكل ولم يترك إلا الفاضل، وكان يغار على كل بيت فكر، ويرى أن لا ينصب لغيره على مخبأة خِدْر. وكان الوهراني لوذعيًا، تحميه لألاؤه، وألمعيًّا تُريه البصيرة آراؤه، فخاف نفثات ذلك الصل، وعبثات ذلك السيف، الذي لا يكلّ، فمال إلى السخف، إذ كان لا يُحسد على تلببه، ولا يُنافس في ترديه وتجلببه، وجعل هذا سببًا لإظهار ما عنده من الإحسان، وتكلّم ولم يخف عثرة القلم، ولا زلة اللسان، فرفرف عليه جانب من الحنو الفاضلي، ورق عليه كما يرق عتيق البابلي وهنيت له نغبةٌ من العيش قدر عليه رزقها، وقرر له رفقها، وولي خطابة المسجد الجامع بداريا، وقيل له الآن (أنت وحي ليلى ودار ريا) وكان إلى هذا ليس له من خاطر الدين ما يزعَهُ، ولا من حاظر العقل ما ينزعه، فرداه سوء التجري فرداه من شاهقه، وألقاه عدم التحري لقى لبوائقه، وأطلق لسانه فعثر في طلقه، وكبّه في طبقه، وتخرص في المنام الذي أتى فيه بالأكاذيب، وحسن باطله بحسن الترتيب، وذكر فيه الملائكة الكرام وانتهك عرض السلف الحرام، وغير ذلك من كباره التي لا تطاق، ومنكراته التي لا يُصبر عليها، وقد ذكرت بعضها هنا، وإنما ذكرته لئلا أخلي الكتاب منه، وهو من المسموع بهم والمسؤول عنهم وأنا أستغفر الله مما ذكرت من دده، وأوردت من أباطيله، وعقدت اللسان على القلم حين تسطير أضاليله، وإن كنت لم أوردها إلا كالصدأ الحالي. وأنا فيه ناقل لا قائل، ومن الله العصمة، وبه السلامة. ومن نثره الرقعة التي عن جامع دمشق (١): لما حكمت يد الصناع (٢) في مساجد الضياع، وارتج باب العدل وغُلق، ونبذ كتاب الله وحلق، فزعت المساجد إلى جلق (٣) وهو يومئذ أميرها، وعليه مداد أمورها،

стр. 4206

فلما دخلوا عليه من بابه، واجتمعوا تحت قبته ومحرابه، كتب لهم جامع النيرب (١) قصة إليه، وتوصلوا إلى من عرضها عليه (٢)، فكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة: المماليك مساجد الكورة، يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، بيت الأتقياء (٣) والصالحين، مدفن الأنبياء والمرسلين، معبد الملبين (٤)، صاحب الدولتين بنية أمير المؤمنين أعلى الله مناره، وأيد أنصاره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إليه ما يقاسونه من جور العمال، وتضييع الأعمال ونهب الوقوف، وخراب الحيطان والسقوف، قد ألفهم الظلمة والظلام، وأنكرهم المؤذن، والإمام، فلا تسمع فيهم إلا اذان البوم وتسبيح [الغيوم] (٥)، قد ركعت أركانها وسجدت سقوفها وحيطانها، تبكي عليها النواقيس، وترثي البيع والكنائس (٦). [يرثي له الشامت مما به] (٧) … يا ويح من يرثي له الشامت وقد فزعنا أيها الملك إلى بابك، وأوينا تحت جنابك فافعل بنا ما هو الأهل بك، والسلام. فلما وقف على هذه الحكاية، وفهم مقتضى هذه الشكاية، استوى جالسًا في مقعده، وضرب بيده على يده، وقال: وكيف [وأنّى] (٨) أم للإنسان ما تمنى، ثم رفع رأسه وتغنّى: وما شرب العشاق إلا بقيتي … ولا وردوا في الحب إلا على وردي ثم أشرف عليهم من إيوانه بين حفدته (٩) وأعوانه، وأقبل يقلب طرفه في الجموع، ويكفكف أسراب الدموع، لما يرى من اختلالهم، وفساد حالهم، فابتدر جامع المزة للمقال، فتقدم بين يدي الملك وقال: الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب، وصيّر أموالنا كالسراب، وجعلنا مأوى للبوم والغُراب، أحمده حمد من كان فقيرًا فاستغنى، وأدرك بمال الوقف ما تمنّى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عالم عامل، متحمل لثقل الأمانة حامل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين الطيبين الأكرمين، أما بعد، أيها الملك السعيد، ثبت الله قواعد أركانك، وشيد ما وهى من بنيانك، فإن الخراب قد استولى على المساجد، حتى خلت

стр. 4207

من الراكع والساجد، فأصبحت جوامع الغوطة غيطان، لا سقوف لها ولا حيطان، ومشاهد البقاع صفصفًا (١) كالقاع، ومساجد حوران مخازن وأفران، فكم من بنية لعب الجور بأربابها، ونسج العنكبوت [على بابها] (٢)، وكم من بيوت الله أغلقت دون أصحابها، فعشعش الحمام في محرابها ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٣) وقد دخل العمال أيها الملك على الوقوف بحجة العمارة والسقوف. فاتفقت علينا الأهواء، واختلفت فينا الأمطار والأنواء، فلا يزال المسجد ينهار، وتأخذه السيول والأمطار (٤) حتى ينمحي رسمه، ولا يبقى فيه إلا اسمه، وأنت أيها الملك عمادنا. وإليك بعد الله معادنا، فالتفت أيها الملك إلى مالنا. وانظر في مصالح أحوالنا، يصلح الله أحوالك، ويسدد أقوالك وأفعالك، والسلام. ثم جلس فقال الملك: هؤلاء المساجد (٥)، فما بال المشاهد، فبرز مشهد برزة، متوكئًا على شهد الأرزة، وهو يصلصل ويصول، ويلطم وجهه ويقول: كلما حاولتُ أشكو قصتي … لا ألاقي غير ذي قلب جريح يتشكي مثل شكواي له … يالقومي ما عليها مستريح أما بعد أيها الملك السعيد، أدام الله جمالك، وبلغك في العدو آمالك، فإن مقام إبراهيم أصبح في كل واد يهيم، ومغارة الدم (٦) لا تستفيق من الدم، ومسجد الكهف لا يفتر من اللهف (٧)، وقبر شيث قد استأصله الخبيث، وقبر نوح يبكي وينوح وقبر جيله ما لنا في عمارته حيله، وقبر إلياس قد تعوّضنا عنه بالياس، فأمست المشاهد كأربابها، وأصبحت رميمًا كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحدا بها الحادي: جرت الرياح على رسوم ديارهم … فكأنما كانوا على ميعادِ فقال الملك: رب طارق على غير وعد، وفي كل وادٍ بنو سعد، ثم استفتح المقال بأن قال: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على المكروه سواه، نَصَبَ الصراط العدل وسواه، وأمد بعونه وقواه، فمن أضل ممن اتبع هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الإجمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه

стр. 4208

والمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا سيد الأولين والآخرين، رسول الله، أما بعد، يا معشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، فإنه والله ما يصل إليكم من الجور إلا ما يفضل عني، ولا ينتهي إليكم إلا ما يستعار مني، ولولا أن أركاني سليمة، وبنيتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية يغنى عليه «يا دار مية» وقد والله شرقت بغصتكم، وحرتُ في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل ردكم إلى الشيخ العاذل، فلا يرعى لكم حرمة، ولا يراقب إلا ولا ذمة، «شكوى الجريح إلى الغربان والرخم» والرأي عندي تكتبوا للشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن تجعلوا في الكتاب أنواعًا من العتاب، فإن التأم رأيه برأيكم، وإلا فالسلطان ورائكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. فبادر الغلام بالدواة والأقلام (١)، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، واكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من ملك الجوامع بجيرون، إلى أبي سعيد بن أبي عصرون: لقد أسمعت لو ناديت حيا … ولكن لا حياة لمن تنادي أما بعد، يا غدار، فقد هيجت الألم، وأبهمت الظلم، ومن استرعى ظالمًا (٢) فقد ظلم، كم تغاضينا على خياناتك، وتغافلنا عن جناياتك، حتى اكتنزت الأموال وادخرتها، وجمعت الذخائر واختزلتها، لكن من أجل هذا كانت سياحتك، بسببه طالت نياحتك، ولأجله كنت تسيح وتصيح، حتى غبطك المسيح، لقد عجبت أيها الشيخ من حالك في ابتداء حالك، ومن فساد أمرك في آخر عمرك، صليت بالمسوح والقيد، حتى ظفرت بأنواع الصيد، وقلدت الأمور العظام حتى تقلدت الذنوب العظام، إن كنت في العمل إلا كما قيل في المثل: صلّى وصام لأمر (٣) كان يأمله … حتى حواه فما صلّى ولا صاما عرفني أيها الشيخ المفتون، والبائع المغبون، لم بعت الباقية بالفانية والقاصية بالدانية، إن فعلت ذلك لا لعلة أو لتحقيق ملة، أما أن تكون قد استطبت السكباج (٤) واستلينت الديباج، وأما أن تصدق أهل الأحقاد في أنك نصيري (٥) الاعتقاد، لا تقول

стр. 4209

بالنجعة ولا تصدق بالرجعة، وكلاهما أنت فيه ملوم ومعاقب ومذموم، وحسبك أنه قد بلغني ما أنت عليه من قلة الوفاء مع هؤلاء الضعفاء، فاحسم عنهم أذاهم، ولا تمكن منهم أعداهم والسلام. فلما وصلت الرقعة إليه، وقرأ ما انطوت عليه، فكّر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، وشتم المساجد وبانيها ولعن المشاهد وقاطنيها، وقلب الرقعة، وكتب فيها: وصلت رقعتك - أصلحك الله - كأنها ضربة موتور، ونفثة مصدور، تخلط فيها الهزل بالجد، وتبدي غيظ الأسير على القد، وأيم الله لقد قَذَفْتَ سريا، ﴿جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (١)، فاشدد من عقالك، وتأيد في مقالك، فما كل شخص يذم شكله ولا كلّ طائر يجوز (٢) أكله (٣)، لو كان لك عقل يهديك أو رأي يهديك، لواريت إوارك، وسترت عوارك، أليس قد اشتهر عند الداني والقاصي بأنك قطب المعاصي حتى لقبوك بسوق الفسوق، وميدان المردان (٤)، ورحاب القحاب، حتى قال فيك الشاعر: تجنّب دمشق ولا تأتها … وإن راقك الجامع الجامع فسوق الفسوق به قائم … وفجر الفجور به طالع لا جرم إن الله قطعك بالطريق، وعاقبك بالحريق، وجعل المضيء على أبوابك، والزط في قبلة محرابك، فلو أنك البيت المعمور لهجِرْتَ، أو بيت مكة لما حججت، فتوقف عند مقدارك، وانظر في إيرادك وإصدارك، والسلام. فلما وقف الجامع على رقعته، ورأى ما فيها من رقاعته قام وقعد، وأبرق وأرعد وقال: اكتب يا غلام، بسم الملك العلام. من العاتب الواجد إلى الملك الزاهد، قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، لم يتركني الحجر الذي من ورائي، أما بعد أيها الملك العادل - أدام الله أيامك، ونشر في الخافقين أعلامك - فإن الله شرف بنيتي وحرمها، وطهر بقعتي وكرمها، طالما زُوحِمت بالمناكب، لما كنت هيكلًا للكواكب، وكم أصبحت مشكاة الأنوار، وبيتا لأسطر من النار، ثم انتقلت إلى اليهود بعد انقراض ملّة هود، فأنستُ بالزبور والأنبياء في القبور، ثم جاءت دولة الصلبان فقويت بالقربان ومعاشرة الرهبان، ثم جاء الإسلام، فتشرفت بدين محمد ﵇،

стр. 4210

فأنا المعظم في كل زمان، المقدم في كل قران وكيف يسعك - أيدك الله - التغافل عن حالي، أو التحيّن لنهب أموالي، ويدك مبذولة في البلاد، ومتحكمة في رقاب العباد، وأي شيء يكون جوابك يوم النشور إذا بعثر ما في القبور، وقد وقفت موقف الذليل، بين يدي الملك الجليل، وأقول: يا رب سل هذا لم أهملني وسلّمني لمن أكلني؟ فلا تردّ يومئذ جوابًا ولا تُحير خطابًا، ولا آخذ منه جميلًا ولا كفيلًا، ولا أقبل عنك شفيعًا ولا وكيلًا فتقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا، فقدم أيها الملك لنفسك، ما تجده غدًا في رمسك، وخذ هذا المذكور بالحساب قبل يوم الحساب، تبرأ من التباعة، وتدخل في أهل الشفاعة، والسلام على من عمر مساجد الإسلام، ورحمة الله وبركاته. فلما وقف نور الدين (١) على كتابه، وتجرّع كأس عتابه، التفت إلى المساجد فرثى لهم، وسدد أحوالهم (٢)، وأسرها يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم، ثم نظر إلى ابن عصرون، فأنزله واعتزله وحجبه عن بابه، واختزله، وألقاه في سجن الصدود، وخلّده فيه إلى يوم الخلود، وقرأ عليه، ألا بعدًا لمدين كما بعدت ثمود، والسلام، المملوكة ريحانة بغلة الوهراني تقبّل الأرض بين يدي المولى عز الدين حسام أمير المؤمنين - نجاه الله من حرّ السعير، وعظم بذكره قوافل العير ورزقه من التبن والحب والقرط الشعير وسق مائة ألف بعير، واستجاب فيه صالح أدعية الجم الغفير من أهل الخيل والبغال والحمير - وتنهى إلى ما تقاسيه من مواصلة الصيام، وسوء القيام، والتعب في الليل، والدواب تنام، قد أشرفت مملوكته على التلف، وصاحبها لا يحتمل الكلف، ولا يقول بالعلف، ولا يوقن بالخلف، لأنه في بيته مثل المسك والعبير، والأطر يفل الكبير، أقل من الأمانة في الأقباط، والعقل في رأس قاضي سنباط، فشعيره أبعد من الشعرى العبور، ولا وصول إليه ولا عبور، أعز من قرط مارية، لا تحرجه صدقة ولا هبة ولا عارية، والتبن أحبّ إليه من الابن والجلبان أعزّ عليه من دهن البان، والقضيم بمنزلة العقد النظيم، والفضة، أكمل من سبائك الفضة، والقول من دونه ألف باب مقفول فما يهون عليه أن يعلف الدواب إلا بعيون الآداب والفقه اللباب، والسؤال والجواب وما عند الله من حسن الثواب، ومعلوم أن البهائم لا

стр. 4211

توصف بالحلوم، ولا تعيش بسماع العلوم، ولا تطرب إلى شعر أبي تمام، ولا تعرف الحارث بن همام، ولا سيما البغال التي تشتغل في جميع الأشغال، مسكة من القصيل أحب إليها من كتاب التحصيل، وقفة من الدريس أشهى إليها من فقه محمد بن إدريس، لو أكل البغل كتاب المقامات مات، ولو قيل له أنت هالك إن لم تأكل موطأ مالك، ما قبل ذلك، وكذلك الجمل، لا يتغدى بشرح أبيات الجمل، وحزنة من الكلأ أحب إليه من شعر أبي العلاء، وليس عنده طيب شعر أبي الطيب، وأما الخيل فلا تطرب إلا إلى سماع الكيل، ولو أكلت كتاب الذيل ماتت بالنهار قبل الليل، ولا تستغني الأكاديش عن الحشيش بكل ما في الحماسة من شعر أبي الحريش، وإذا أطعمت الحمار شعر أبي عمار، حلّ به الدمار، وأصبح منفوخًا كالطبل على باب الإصطبل، ومع هذا كله، فقد راح صاحبها إلى العلاف، وعرض عليه مسائل الخلاف، وطلب من تبنه خمس قفاف، فقام إليه بالخفاف، فخاطبه بالتقعير، وطلب منه ديبة شعير، فحمل عياله على ألف بعير، فانصرف الشيخ مكسور القلب مغتاظًا من السب والثلب، فالتفت إلي وقد حنق علي. وقال: إن شئت أن تكدي فلا ذقت شعيرًا ما دمت عندي. فبقيت المملوكة حائرة، لا واقفة ولا سائرة، فقال لي العلاف: لا تجزعي من خباله، ولا تلتفتي إلى سباله. ولا تنظري إلى نفقته. ولا يكون عندك أحسن من عنفقته. هذا الأمير عز الدين سيف المجاهدين، أندى من الغمام، وأمضى من الحسام، وأبهى من البدر ليلة التمام، يرثي للمحروب، ويفرج عن المكروب، وهو من بني أيوب، لا يرد قائلًا، ولا يخيب سائلًا، فلما سمعت المملوكة هذا الكلام، جذبت الزمام، ورفضت الغلام، وقطعت اللجام، وشقت الزحام، حتى طرحت خدها على الأقدام. ورأيه العالي، والسلام. عبد مولاي القاضي الأجل الفاضل - أدام الله جده وأهلك ضده، من السرور بقربه والدخول في سربه، كما سرّ مهجور بوصل الحبائب، ومن الارتياح إلى جلاله، والورود على زلاله، كما ارتاح ظمآن العذب المشارب، ومن الاهتداء لعانيه، والاعتكاف على حفظه، كما نظم الدر المفصل ناثر. ولولا أن عبدها أخفش البصيرة والبصر، تغلبه لكنه الحصر، ويضعف عن مقابلة الشمس والقمر للازمه السعد لبابه والتوفيق لأحبابه، لكنّه الخفاش يعشو عن الأنوار، والجعل يتأذى برائحة النوار، ولا يغترّر المولى بزخارفه، وتنميق مخارفه، فالعود أطيب من ثراه والكلام أحسن ممن انتزاه، ولأن تسمع بالعيدي خير من أن تراه، ولولا نسب خادمه أقبح من المشيب، وخروجه إلى المدح أوحش من الخروج، وقريضه أوجع من القريض، ونقده أشدّ من الفقر، وقرائنه كالقرين السوء، لأرسلها كالأفراس وأسكت بها صياح الأجراس، والسلام.

стр. 4212

إلى الأثير بن بنان: لولا أن بعض الفضلاء المتقدمين، والفصحاء المتكلمين، خاض أودية الأوهام على بنات الأفهام، وغاص في بحار الأفكار على المعاني الأبكار، ليمدح به السبعة الدراري ويجعل النجوم الجواري لها كالجواري، ويصفها بما يشرفها في أفلاكها ويجملها في عيون ملاكها، لما وجد لها أجمل من صفات سيدنا القاضي الأجل، الأثير - أدام الله علوّه وكبت عدوّه - وعلم علمًا يقينًا أن الفلك الأثير لا يحتوي على مثل القاضي الأثير، حتى لو أن شاعر الفلك وهو الشعري العبور، قصدها وحلّها ممتدحًا لها فوجد رجل ثبات سيدنا وأناته ونسب المشتري إلى ديانته وأمانته، واستعار للمريخ حزمه وعزمه، وأثنى على الشمس بسياسته ورئاسته، ومدح الزهرة ببشره ونشره، وذكر عطاء ببراعته ويراعته، وأثنى على القمر بإنجازه ونجازه، لجعلوا عليه غلائل المجرة، وكللوه بنجوم الأكليل، وأنزلوه في مراقد، وأنعشوا له جماعة بنات نعش، وأوقدوا على رأسه نجوم الثريا، ونثروا عليه كواكب النثرة، وأنعموا عليه بمنزلة النعائم، وأقطعوه بلاد البلدة، وأمروا سعد الذابح أن يذبح له الجدي، ويملأ له الدلو، ويقلي له الحوت ويشوي له الحمل، وأن يطبخ له الثور كله سكباجًا، وأن يحمل له من خبر السنبلة، ومن ثمرة الجوزاء ما يضعف ميزان الفلك عن حمله، وكلوا السماك الرامح أن يرعاه برمحه من دبيب السرطان ومن شوكة العقرب، ومن ذراع الأسد ومن سهام القوس، حتى يعود إلى فلكه، وهو أسعد النجوم، وحقيق بمن هذه خلاله أن يمدح جلاله، ومن هذه صفاته أن تتفجر صفاته، ومن هذه أوصافه أن يحمد وصافه، لا سيما ابن سبيل طالت به في الشام الغيبة، وعوّقته عن الإسراع الهيبة، حتى اكتال من اكتال وانكسرت الريبة، والمرء يسعى ورزق الله مقسوم، هذا بعدما ركب الليل جملًا، واحتذى أديم النهار نعلًا، وخرج من باب الجابية إلى باب الطابية متلذذًا بالعنا، طامعًا في اليسار والغنى، وإنما يقطع أعناق الرجال المطامع، فوصل إلى القاهرة كالعاشر من خيول الحلبة، والتاسع من أولاد الكلبة، ليس له طي يخصه ولا بز يمصه، فوجد الأمور قد تغيرت عن كيانها، والقصور تبكي على سكانها: ومن ذا الذي يا عز لا يتغيّر فلولا الأخوان لما ردته أسوان، ولولا الأصحاب لضاقت به الرحاب، إن المعارف في أهل النهي ذمم، واجتمع يومًا ببعض المعارف الراسخين في المعارف، فسأله عن أسعار الأشعار، فأخبره عنها بالكساد والفساد، وعن أهلها بالحراف والانحراف وقال: كل كلام مسجوع لا يُسمن ولا يُغني من جوع، وصاحب القصيد كالباسط ذراعيه بالوصيد، وما عند الأمراء أحسن من ذقون الشعراء،

стр. 4213

فلو بشر أحدهم بشار، وهناه ابن هاني وقصده أبو العلاء، ونزل به صريع الدلاء، ومدح الدولي بداليته والطائي بطائيته والوأواء بواويته. لما أجازه على ذلك بجوزة ولا أثابه على ذلك بثوب خليع، ورد أمس الذاهب أهون عليه من أخذ ذهبه، وخلع الأكتاف أهون من خلعه وحنوط الغاسل أقرب من حنطته، والشعري العبور أقرب من شعيره، وقرط ماريّة أقرب من قرطه، والتبن عنده مثل التبر، يعلم عليه بالمداد والحبر، ويقاس بالشبر، فليس لابن سبيل على ماله سبيل، فلما سمع الخادم حديثه، وفهم قديمه وحديثه، رمى بأقلامه ودواته، وكم جميع أدواته. إلى (١) الأمير نجم الدين بن مصال: كتب هذه الأحرف عبد مولاي المفضّل الأمير نجم الدين، علم الوحدين - أطال الله بقاءه، وجعله من كل سوء وقاءه - ومن مربط صدره من خيول الشوق جواد لو ركبه ضحوة من باب النصر قاتل معه الحلبيين قبل صلاة العصر، فلا والله ما شوق رجل من أبناء الملوك طلعته كالشمس عند الدلوك (٢) له نضرة ونعيم، وهو بالرياسة زعيم، لبس الخز والأجروان، وربي في حارة برجوان (٣) بحيث يناله من القصر بهجة أنواره، ومن الكافوري نسيم نوّاره، فيضيق مربطه بالهماليج، ويزهو مطبخه بالأباليج (٤)، لا يعرف طعم البوس، ولا يدري ما خشونة الملبوس، يرتاض في طرفي النهار على شطوط الأنهار، وينام في الليل مع الحور بين الترائب والنحور، وينصرف عند المقيل إلى العارض الهطيل، في ظل ممدود، وطلح منضود، وفاكهة (٥)، وماء مسكوب، فعبر بهذه الأحوال مدة من الأحوال، إلى أن صرف الدهر إليه عنانه، وصوّب إلى صدره سنانه، فحذفه بيده الشمال، وألقاه إلى العدو إلى بلد الشمال، بحيث لا يعرف قرارًا، ولا يذوق النوم إلا غرارًا، ولا ينزع له ساق عن قدم، ولا يشرب الماء إلا بدم: يقارع أتراك ابن خاقان ليله … إلى أن يرى الأصباح لا يتلعثم فيصبح من طول الجلاد مخبّلًا … وكان قديمًا دائمًا يتنعم فعوضه الله عن لباس المعتق الجديد بلباس الحديد (٦)، وعن عمائم اللاذ

стр. 4214

بطراطير الفولاذ، وعن أكل الفراريج بلحوم الجرادين والبراذين، وعن شم الرياحين الطريّة إذا وافت، بروائح المنزلة إذا جافت، وعن سماع الطيور الأنيقات بفقع أصوات المنجنبيقات، وعن تقليب متاع البزاز بالتقلب تحت قلعة إعزاز، وعن مقابلة تجار الدكاكين بمفاركة السكاكين، يظلّ نهاره عرضًا للهام وللجيش اللهام: وإذا غفا سلّت عليه سيوفها الأحلام فضج من عمل البيكار (١)، وانقطع إلى الوسواس والأفكار (٢)، فذكر يومًا منزله وداره، وهو في أعمال مدينة دارة، [ومن] (٣) إلى تلك الصفف والمجالس، وهو قريب من مدينة بالس (٤) وتصور الطبقة والروشن، وهو على سطح جبل جوشن (٥)، وتخيل مرتعه وحماه وهو في الشرق من مدينة حماة، فتمنى أن يطير إلى تلك الأوطان من تل السلطان (٦) وأن يثب من باب الجابية إلى رأس الطابية، ثم تصور المسافة الطويلة دون باب زويلة، وأنشد: أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم … وأين من المشتاق عنقاء مغرب فتصعدت حينئذ زفراته، وتضاعفت حسراته، فأكب على تخصيص يديه، وبكى حتى خرّ مغشيًا عليه، بأشد من شوق الخادم إلى لقائه، وتطلعه إلى ما يردّ من تلقائه، فيسأل الربّ الذي هو بالإجابة جدير، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير، أن يمتعه بنظره عن قريب، إنه سميع مجيب (٧)، ولا يعتقد المولى أدام الله عزّه، إن الخادم أساء في صدر هذا الكتاب إليه، ولا وصفه بالحال الذي هو عليه لعلمه بأنه عنده من المحبة لسلطانه، ما يسليه عن أوطانه، ومن الغرام بأميره ما يلهيه عن سميره، وأن حديثه أحبّ إليه من الخدم السنية وملازمته أشهى إلى قلبه من العيشة المرضية، ولا شك أن أسعد الناس رجلًا يتصبح بوجه الملك الناصر، ويقبل يديه التي هي كالعناصر، ويخدم ركابه الذي تتشرف بخدمته الأملاك، وتمتثل أوامره التي تنفذها الأفلاك، فيسأل الذي جلت قدرته أن يمتعه بأطول الأعمار، ويبسط له خدّ كل معاند جبّار بمنه وكرمه. كان عبد مولاي الأمير أدام الله عزّه قد أخذ نفسه فيما مَرَّ من قرائن هذه الرقعة بلزوم ما لا يلزم. فمر في ذلك الهذيان مثل الفرس الجواد، إلى أن عن له أن يضيف إلى ذلك فصلًا آخرًا منسوقًا على ذلك المنوال، يشرح فيه قصته مع ابن ظفير، وما دهي به في ذلك العام،

стр. 4215

فوالله ما لحق أن يمرّ بخاطره مرورًا حتى يبست الأنامل ونشف اللسان، وجمد الخاطر وتبلد الحس وانقلب الكيموس (١)، وصعدت الصفراء إلى دماغه، فاستحكم الفساد، وبقي بعد ذلك ثلاثة أيام يتكلم بكلام مخبط غير مفهوم، وهو إلى الآن في عقابيل ذلك، ألا ترى أنه قال البارحة لجماعة من جلسائه الذين يبيتون معه: منكم من يحفظ قول النابغة الذبياني في سيف الدولة [بن] حمدان لما شتمه المعتصم بمحضر أبي هريرة ﵁: جزاك الله يا بن ظفير عنّي … وأطعمك الهريسة بالقرين قعدت على المطارف والحشايا … فلا غث لديك ولا سمين وجئت إلي بالأسحار تسعى … فلا ذهب تركت ولا قماشا نصبت عليَّ يا خواف بظرًا … بصحن حلاوة من سم موت فأشمت الأعادي بي قسرًا … ولا سيما أبو اليمن الكنيدي يعيرني ويضحك من بكائي … كأن الدهر أعطاه الأمانا فأصبحت كما كنت نحسًا … أكدّي الناس بالشعر الركيك أكديهم بشعر مثل هذا … فيعطوني الخرا وسط الذقون وأرجع للنساخة من جديد … وهذا بعد ما ضعفت جفوني فيا لهفي ويا حزمي على ذهيب … أصول به على الدهر الخؤون لقد شادوا بني شادي بنائي … بعشرات المواهب والمئين وقد ملأوا من النعمى جرابي … فقطعه الحراف على جبيني برامكة الزمان، بحار جودٍ … بدور التم آساد العرين لقد منّوا علي وخلصوني … من الأيام والرزق الحرون ولكن الحراف صديق بختي … يطالبني مطالبة الديون لو أن الناصر الملك المرجي … حليف الجود فتاح الحصون يخلّصني من ابن ظفير يومًا … سجدت له على مر السنين ثم مال إلى الكيس الذي فرغه ابن ظفير في كمه، وفيه الدنانير، وتركه فارغًا، فملأه الخادم بفلوس النحاس ومثاقيل الرصاص، ورؤوس المسامير، حتى صار مزبطرًا مثل ما كان، ثم أضجعه معه في الفراش، وضمه إلى صدره، وقال: لا إن شاء الله ما ضاع لي شيء، وهذا رحلي مع الشيطان، أحياه الله أعقل من أن يوسوس إلى

стр. 4216

بإتلاف مالي، وعندما ضعفت القوة وكثرت العائلة، ولا يزال يتلهى بلحيته حتى يثور إليه عقله، وهو يعلم أن هذا هو المحال، فيخرج الكيس من الفراش، فيمده بين يديه، ويقعد عند رأسه مثل القتيل وينشد: سراة الليل ما فعلوا … أحبتنا الذي رحلوا تراهم ذاكرين لنا … وإلا غيرنا وصلوا لقد شط المزار بهم … فلاكتب ولا رُسل وقد شف الجوى كبدي … وقد ضاقت بي الحيل يكرر هذه الأبيات ويبكي ويلطم ساعة، ثم يفرغ الكيس بين يديه، فيقع الخرا في جوف لحيته، فيضرط بفمه ضرطة صافية، ويقول لنفسه في أول شارب لقيت، ثم يشيل الكيس فارغًا بيده ويقول مثلما تقول النائحة: هذه العمائم عندي … أين الرجال أوّاه (١) ويكرر هذا ساعة ثم يبكي ويقول: دياري غاب سكانك … وهد الدهر أركانك ثم يكرر هذا ساعة، ويقول: دنانير كلموني، دنانير كلموني، دنانير كلموني، يكرر هذا ألف مرة، فمرّت به عينه، فرأى فيما يرى النائم، كان المولى صلاح الدين ثبت الله سعده، واقف على باب سعاده، مستند إلى الباشورة (٢)، وأبو الفتح ابن القابض عن يمينه، وأبو سعيد البدليسي وأبو نصر التكريتي (٣) عن يساره، فجئت حتى وقفت بين يده، قرأت عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى آخرها، فقال حفظه الله أيش حاجة الوهراني الزنديق؟ فقلت: من يصلي (٤) ويصوم الخميس والاثنين، ويقرأ كل يوم السبع، ولم يتجاوز إلى مكروه ما يكون زنديقًا. فقال سلمه الله: لو رأيتك تمشي على الماء، ما رأيتك إلا في صورة زنديق، فقلت له: المستعان بالله، ومالي في القضاء حيلة، وأردت الانصراف فقال: ارجع وأنت برصيص العابد، أيش حاجتك؟ فقلت: يا مولاي جميع ما أنعمت به عليَّ أنت وقرابتك. أخذه منّي أين ظفير في ساعة

стр. 4217

واحدة، فقال أيده الله: أطعمك شيئًا من حلاوته؟ فقلت له: الكثير الطيب، فليته كان أخر رزقي، فقال: صدقت هي شبكته التي يصطاد بها أموال المدابير، ثم التفت إلى ابن القابض فقال: رح معه إلى ابن الأصبهاني يدفع له مائتي رمانة مليسي، وندفع له نحن من سنجار مائتي رمانة أخرى حتى يتخلّص، فرحنا إلى ابن الأصبهاني، فدفع لي مائتي رمانة مقيرة، فقلت له: ما هذا الذي عليها يا أبا الحسن؟ فقال: هذه أوساخ الناس وما أظنّك تأخذها وهي على هذه القضية، فقلت: آخذها، ولو كان فيها خراهم، ثم قبضتها منه وانتبهتُ، ففسَّرتُ المنام على خلاصي من ابن ظفير على يد الملك الناصر - خلد الله ملكه - واستخفّني الطمع على أن أكتب هذا الكتاب وهو: - أدام الله علوّه - يعلم أن العرب قالت في أمثالها: لا عطر بعد عروس، وما حسن يد هند في السوار بعد السبعين، وإذا صر الغش، فما تصنع دعد بالشنوف (١)، وأما أمثال العامة إنما تخبا [الدموع] (٢) للشدائد، وما خدمك الوهراني طول هذه المدة إلا أن يستعين بك في وقت الشدة، اللهم إلا أن تكون حقدت عليه كونه يغلبك في الشطرنج كل وقت، فهو يتوب إلى الله تعالى من ذلك، وما يرجع يغلبك أبدًا، وربّما أخذ منك الحظ ويتغلّب لك في الدسوت القائمة، ويندس في رحم عياله، كان عند ابن ظفير خمسمائة دينار، أخذ منها مائة تبقى عنده أربعمائة، وهو يقنع منها بمائتي دينار، ويجعله في حلّ من البقية، إن رأيت أن تتفضّل بحسن توصلك، وفاضل عنايتك وسعادتك وتشفع له عند الملك الناصر - أدام الله أيامه - بأن يوقع له بمائتي دينار على ديوان الزكاة بالقاهرة إنعامًا عليه وإحسانًا إليه، فهو المقصود، ونهاية المأمول، وتكن من المولى - أدام الله عزّه - كمن نجاه من الموت واصطنعه من القتل، وخلّصه من الشنق، وأنزله من الصلب، واستوهبه من ضرب الرقبة، وافتكه من الأسر وأعتقه من العبودية واستنقذه من ماضغي الأسد. وانتزعه من التمساح، وقلعه من شدق التنين، ونجاه من الحريق، وخلصه من الغرق، وأطلقه من الهاوية، وأدخله الجنّة [ونجاه] (٣) من النار، ويكون الوهراني بعد هذا العبد القنّ الملازم لباب داره حتى يموت، وكان الخادم قد عزم على مخاطبة القاضي الفاضل، فذكر قول المتنبي: أتيتُ فؤادها أشكو إليه … فلم أخلص إليه من الزحام فتوقف عن ذلك، ثم حمله الحرص والطمع على المكاتبة، فلما تناول القلم،

стр. 4218

وكسر الورقة، أحس في عظامه بالفتور، وأصابه الزمعُ والهيبة، مثلما يصيب الحمار الصغير إذا واجه الأسد الكبير، أو الرجل الجبان إذا لاقى البطل الشجاع، فتطلس ذهنه، ونفر عنه ما كان يأتيه من المعاني الرقيعة في الألفاظ السخيفة، ثم ثاب إليه عقله بعد ذلك فقال يخاطب نفسه: أيها الرجل الرقيع، بأي شيء تريد تخاطب هذا الرجل الرئيس؟ ما أنت من النظراء ولا من الأكفاء، فتكتب إليه تسأله عن حاله وتستطلع أخباره، فلو فعلت ذلك لكنت من الأغبياء المجانين، ولا أنت من خاصته وجلسائه فتكتب إليه تصف الشوق المبرح والحنين، فلو فعلت هذا لقال: هذا الكلام غير صحيح، قد كان معي في بلد واحد، ما كنت أراه في خدمة الباب إلا مرّةً واحدة في الزمن الطويل، ولا أنت من حاشيته وخدامه، فتكتب إليه تعرّفه بأخبار البلد، وما جرى فيه من العجائب من الخواص والمقدمين، فلو فعلت ذلك [قال: ايش] (١) هذا الانبساط البارد؟، ومن سأله عن هذا الحديث؟ [هذا] (٢) والله فضول عظيم، ومن سأله عن هذا الحديث فتكتب إليه تسأله أن يصطنعك بعنايته وتدبير أمرك من ابن ظفير، فيكون ذلك تتمة السعادة، أو فعل يقارنه التوفيق، ألا تراك سلّمت عليه في القاهرة فزوى وجهه عنك، كأن الشمس طلعت من جبينك، أو كأنك شاركت الكندي في قتل ابن صورة، وبني عثمان في مجاهدتها ومجاهرتها بأسباب العداوة، وعلى رؤوس الأشهاد. وصل (٣) كتاب المولى الأمير الأجل الصاحب تقي الدين مصطفى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، حتى يتوب المخلص من القيادة، وينقطع المعتدي إلى العبادة (٤)، وأدام عزه ونعماءه، حتى يستقر (٥) المولى في موضع واحد، ولا يبقى مصيات باطني ولا لأحد بألفاظ أحسن من فتور الألحاظ، ومعاني أحسن من ترجيع الأغاني، وكان ذلك أجمل في عينه من الروض غب السحاب، وألذ من الصفع بخفاف القحاب، ولا والله إلا أعذب من محادثة السمّار، وألذ من مماكسة الخمار، لا والله إلا أحلى من مطابقة الزامر للعوّاد، وأشهى إلى النفس من مواعيد القوّاد، فطرب فلان (٦) على كتابه، ولا طرب فلان الفلاني (٧) لما اجتمع بفلانة في دعوة فلان ليلة السبت

стр. 4219

العشرين من محرّم هذه السنة وغنت له بالدف: ما غير البعد ودًا كنتُ أعْرِفُه … ولا تبدّلتُ بعد الذكر نسيانا ولا ذكرت صديقًا كنت آلفه … إلا جعلتُك فوق الكل عنوانا فإنه لما سمع ذلك قام وقعد، وصاح ولطم، وفتل شعر عنفقته، وأدار شربوشه (١) على رأسه، وخرق غلالته طرح خمشتني قطيطتي كانت عليه - وجرى إلى الشمعة ليحرق لحيته فيها، فلم يترك لذلك، فحلف بحياة الجماعة ليسكبن قدحه في سرتها، ويتلقاه بفمه من [بين] أشفارها، بحيث تكون لحيته ستارة على باب ثقبها، فلم يتركه عشيقها في هذه الأيام لذلك، فحلف برأس الملك المعظم ليشربن بخفها ثلاث دركانات، فقالت: هذا هين، ولو أردت أن أسقيك بالخف ثلاثمائة في ساعة واحدة فعلت، وأحن من هذا كله لو كان لهذا الطرب ثمرة معجر دبيقي أو وثوب حريري، فتغافل وتساكر. ولا زال يعبّ في الخف إلى أن وقع إلا طرب ابن ريس فلان ابن فلان في دعوة فلان ليلة الثلاثاء، العاشر من صفر لما غنت له فارس الشام: أرى بيت لبنى أصبح اليوم يُهجَرُ … ومن أجل لبني ذلك البيت يُشكرُ لقد كان فيها للأمانة موضع … وللسرّ كتمان وللعين منظر فإن تكن الدنيا بلبني تقلبتْ … عليَّ فللدنيا بطون وأظهر فإنه لما سمع بذلك طرب طربًا عظيمًا، وضرب بعمامته وجه المغني، وخلع ثيابه، وبقي عريانًا بالفقس. وأقبل عريانًا يمشي على أربعة، وفي ثقبه جزرة ريحان. وهو ينبح ألوانًا من النباح، ويقول: أنا كلب بن كلب، اصفعوني بالنعال لا والله، إلا طرب التاج بن المقلع لما شرب في دعوة فلان في الجزيرة ليلة الأحد النصف من صفر وغنت الحنونية (٢) صوتها المشهور الذي أتلفت عليه الأموال، وخربت به البيوت العامرة: أنا الباز المطلّ على نميرٍ … أتيح له من الجو انصبابا فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبًا بلغت ولا كلابا فلم يبق في المجلس من المصريين أحد إلا خر ساجدًا على وجهه، وأما فلان ابن فلان فإنه لما سمع ذلك طار عقله، وزهق لبه، وأقبل يصيح صياح الديوك والغربان، وينهق نهيق الحمير والبغال وأقسم برأس فلان ليقبلن جحرها، وليمصن بضرها، وأمسكت له حتى فعل بها ذلك بعد أن حشى في كسها عشرين دينارًا، وفي ثقبها عشرة

стр. 4220

دنانير، لا والله، إلا طرب الصوفية في دعوة ابن زين التجار (١) في ليلة عيد الأضحى من هذه السنة، وقد حضر عندهم مرتضى المغني معشوق العماد الكاتب (٢)، وقد أسبلوا شعره على أكتافه، وأمسك أبو شعيب الشمعة بين يديه، وهو يغني لابن رشيق القيرواني: فتور عينيك ينهاني ويأمرني … وورد خدّيك يُغري بي ويغريني أما لئن بعت ديني واشتريت به … دنيا فما بعتُ فيك الدين بالدون سبحان من خلق الأشياء قاطبة … تراه صور ذاك الجسم من طين أستغفر الله لا والله ما نفعت … من سحر مقلته آيات ياسين فإنهم لما سمعوا ذلك هاجوا وماجوا (٣)، وزعقوا ونعقوا، وقفزوا إلى السماء، ونزلوا إلى الأرض، وضربوا بأرجلهم حتى انخسف ببعضهم الموضع الذي كانوا فيه، فنبشوا تحت الردم أمواتًا فغسلوا وكفنوا ودفنوا، وبعضهم يرقص لا يعلم مما جرى حرفًا واحدًا. لا والله إلا طرب فلان (٤) لما حضر دعوة ابن العميد وغنى له الكيكي: نسيمه يتلقاني بزورته … مبشّرًا لي به من قبل يلقاني سألته قبلة تحيي النفوس بها … فضمّني ضم مشتاق فأحياني يا معشر الناس ما أحلى شمائله … لو كان ينصفني لو كان (٥) يرعاني فإنّه لما سمع ذلك طرب طربًا شديدًا، ونتف جانب لحيته الأيسر، وقام إلى باب المجلس فلطم رأسه باللوالك إلى أن تقطعت اللوالك، وقفاه، ثم حَلَفَ ليركبن الكيكي على قفاه، ثم لا يبرح حتى يشرب قدحًا ويغنيه صوتًا ففعل به ذلك وما فرغ حتى كاد يموت. فصل (٦): وبعد ذلك كله فالذي فعل المولى تقي الدين أدام الله ظله من لقاء الجمع الكبير بالعدد القليل عين الخطأ، وضد الصواب، لأن المغرر ليس بمحمود، وإن سلم فالله، الله، الحذر ثم الحذر، لا يكون لها مثنوية أبدا، ولا يرجع المولى يلقى ألف وستمائة فارس، إلا أن يكون في خمسة وثلاثين ألف فارس من خيار أصحابه بشرط أن يكون خيالة العدو مثل حمزة الزامر، وعثمان الجنكي، وأبي علي العواد، وعزيز البربطي، ومثل هؤلاء الفرسان، ويكون أصحابك أنت مثل فلان ابن فلان

стр. 4221

وفلان ابن فلان الذي ما اجتمع المملوك بواحد منهم قط إلا تجشأ (١) في وجهه سكاكين وسيوف، ويزعم أنه يقر قش الحديد والرأي عند المملوك الوهراني غير هذا كله، وهو أن يستقيل من الخدمة وينقطع في القابون، وينكث التوبة، ويترك الصلاة، ويجمع علوق دمشق، وقحاب الموصل، وقوادي حلب، ومغاني العراق، وتلذذ حواسك الخمس، ولا تبصر إلا الوجه المليح، ولا تسمع إلا المعنى المطرب، ولا تشم إلا الذكي الرائحة، ولا تذوق إلا الطعام الطيب، ولا تلبس إلا الثوب اللين، وتقطع بقية عمرك على هذه الحالة، ويتشكل في جميع ذلك على عفو الغفور الرحيم، وتعلم أن يومًا واحدًا من أيامك في دمياط، أو ساعة من وقوفك يوم الرملة يكفر عنك ما أشار عليك به المملوك، والسلام، هذا الذي أشار به عليك المملوك هو المحك والمعيار، وهو الفرق بين الصحة والمرض، إن قبله المولى وعمل به، علم المملوك أن المولى صحيح المزاج، سالم العقل، نقي البدن من الأخلاط السوداوية، وإن ردّ هذا الرأي، ولم يقبل هذه المشورة، ولعن وهران وكلّ من جاء منها، علم المملوك أن المولى منحرف المزاج، قد غلبت عليه الأخلاط السوداوية، فيأخذ على بركة الله وعونه اهليلج كابلي وأسود من كل واحد درهمين افتيمون اقريطي عشرين درهمًا بسبايح وسنامكي من كل واحد عشرة دراهم غاريقون وخريق أبيض، وملح هندي من كل واحد خمسة دراهم أيارج فيقرأ خمسة عشرة درهمًا، يشرب الجميع آخر الليل، ويقطعه بعد العصر، الغداء مرقة فروج بأسفيدياج نافع إن شاء الله تعالى، وإن فعل المولى هذا، ونقى بدنه من السوداء، علم أن نصيحة الوهراني هي الصواب والسلام. إلى مجد الدين بن المطلب وهو بالشام المولى تقي الدين (٢): عبد مولاي الوزير الأجل السيد الأوحد، مجد الدين شرف الإسلام شمس الخلافة، بهاء الملة، أوحد الرؤساء، سيد العراقين، أطال الله بقاءه، وأدام عزه ونعماءه، وكبت حسدته وأعداءه، كتب هذه الأحرف على حال عجلة شديدة، وعنده من الأشواق والحنين مثل ما عند أهل الفيوم (٣)، وإنما علم المملوك حقيقة ذلك لأنه صعد إليها في هذه الأيام ليتفرج على ضيعة يوسف بن يعقوب، ويبصر آثار ابن أخي يوسف بن أيوب، فشاهد من محبّة أهل البلد للمولى الصاحب المخدوم، ما يجوز

стр. 4222

الحد والصفة، فلو أن امرءًا عُبد من دون الله لعبدوه ولما قرب الخادم من مدينة الفيوم، وأبصر المركب الذي طلع عليه لا يسير إلا في ظلّ النخيل، وبين أغصان الأشجار والكروم، طرب الخادم على حنين الدواليب وتغريد الأطيار، فافتتن وفضلها على كل موضع مليح أبصره في الزمان، ثم لما نزل في المدرسة، وحط رحله في الروشن العالي الذي على النهر الكبير، عاشت نفسه باستنشاق ذلك النسيم، ثم إنه دخل الدار الكبيرة، والدار الصغيرة، وتفرّج على علو الهمة، وحسن الترتيب، ثم إنه مشى وحده إلى الحمام الصغير الذي في زاوية الدار فاستطاب الموضع لخلوته، وشدّة برده في قائلة نصف النهار، فجلس فيه مفكرًا ومعتبرًا بما كان فيه من الأنس وما صار إليه من الوحشة، فخنقته العبرة شوقًا إلى صاحب المكان، فلم يشعر إلا والحائط الشمالي قد انشق، وخرج منه شخص عجيب الصورة، وليس له رأس ولا رقبة البتة، وإنما وجهه في صدره ولحيته في بطنه، مثل بطنه الناس في يده اليمنى زربول (١)، وفي يده اليسرى شمشك عتيق، فقمت إليه هيبة له، وخوفًا منه، وقلتُ له من أنت يرحمك الله. قال: أنا أبو خطرش من بني الدردبيس الساكن في هرم ميدوم، جاوبني على كل بيت ألقيه عليك، وإلا قطعت قفاك بهذا الزربول، فقلت له: لست بشاعر والله يا سيدي، ولا أجوز في هذا الباب، فقال: تكذب في جوف لحيتك أنا أعرفك تكدي الناس بالشعر منذ ثلاثين سنة في هذه الديار، فقلت له أنا أسيرك افعل ما تريد، قال: أجز وأوجز: لمن الديار … بساحة الفيوم؟ فقلت: فقال: وتبدلت من بعد عيد كالمها … وولائد كاللؤلؤ المنظوم فقلت: فقال: وبسيد من آل شادي أروع … مثل الحسام الصارم المثلوم فقلت: فقال: بنواعب الغربان تضحك دائمًا … وحمائم تبكي لفقد حميم فقلت: فقال: بكت السماء لبعدهم من بعدهم … بسحابة منهلة وغيوم

стр. 4223

فقال: طلبوا دمشق فَعُوضوا عن أرضنا … بالنيرين وقصر أم حكيم فقال: وبعنبشا ودموشة وصنوفر … بصري وصرخد في جوار الروم فقال: وسألت رسم الدار لما جئتها … وجميعها كالمعجز المرقوم فقال: أي الملوك سَمَتْ بهم همم العلى … حتى كساك بأطلس وطميم فقال: قالت تقي الدين أعني ذا الندى … عمر بن شاهنشاه رد رسومي فقال: وإليه أكبادي تطير تشوقًا … وعليه أجفاني ذوات كلوم فقال الشيخ أبو خطرش: أحسنت والله، أنت إذا كان هذا شعرك على البديهة فكيف يكون على الروية؟ مالك ما تتعانى الشعر؟ فقلت: ما أريد أن أتعب، أنا أعمد إلى أحسن قصيد للشعراء المتقدمين آخذها، وأمدح بها، وأقضي حاجتي، وإن كذبني واحد حملت الكلاب على عياله، فقال: دعني من هذا، ما فعلت في غنيماتك التي أمر لك بها المولى تقي الدين؟ فقلت له: يا شيخ أبا خطرش طلبتها من الخولي ثعلب، أن يعطيني إياها سمان الظهور كبار اللوايا مثل علوق الإسكندرية، وقحاب القاهرة، فأعطاني إياها مثل القحاب (١) المهجورين وعباد الله الصالحين، الذين يصومون النهار ويقومون الليل، فقال: وما السبب في ذلك؟ فقلت له: كان الفقيه البهاء أراد أن يشتريهم مني بالدون الطفيف حتى يأخذهم هو من غنم المولى بشمورية (٢) كبار، فلم أجِبْهُ إلى البيع فانحسني كما ترى، فقال: سعادة المولى غلبت عليه، والله لو اشتراهم منك لأخذ كل فحل في غنم الأمير فقلت له: صدقت يا أبا خطرش ما تقول في الفقيه عبد الله، فقال: إلى الساعة ما أبدلت له خبرًا كلفته كبيرة ودخله قليل، قد حصل بين حاذف وقاذف، فأما الحاذف فالقاضي العجمي، قد تخيّل منه فهو يرميه في كل يوم

стр. 4224

بداهية، وأما القاذف فالفقيه بهاء الدين قد ثقل عليه مكانًا من يوم تسلّم هذه المواضع لو قدر عليه لقطعه أربًا وأربًا. ألا ترى أنه يستعير منه الآلات التي للوقف فلايردها عليه، ويأخذ منه للفقهاء الذين طلعوا منه دينارًا لكل واحد في رأس كل هلال ولا ينطق بكلمة واحدة، فقلت له: لقد سلم وقف الفيوم ألا يرجع الأمر فيه فيلحقه بوقف منازل العز الذي دخله في كل سنة تسعمائة دينار والنفقة عليه في جميع أحواله ثلاثين دينارًا ويأكل الفقيه البقية خضمًا وقضمًا، لا يخاف من الله، ولا من الناس. فقال الشيخ أبو خطرش: سمعت الناس يقولون: إنه يدفع للصاحب في كل سنة خمسمائة دينار يسكنه بها عنه، وإلا فهو أذكى الناس، وقد بلغه أن المدرسة ليس لها مؤذن ولا إمام. فقلت له: حاش لله، وأعوذُ بالله، لا والله ولكن غلط غلطة عظيمة، ورد النظر إليه وأشْهَدَ عليه الشهود بذلك، وأخذ الفقيه على ذلك خط خليفة بغداد في هذه الأيام، فما بقي يلتفت إلى المولى ولا إلى غيره. فقال الشيخ أبو خطرش: أنا أقول لك [السر] (١) في هذا الأمر. فقلت له: وما هو؟ فقال: اعلم أن الله تعالى ما خلق موضع منازل العز والروضة إلا للفسق والفساق فما يقدر المولى تقي الدين يعاند الله في قضائه ويجعلها للعلم والعلماء، قد اجتهد جهده، وما قدر يخرجها عن قضاء الله وقدره، ثم إن الشيخ أبا خطرش تحوّل للرواح. فقلت له: تعاهدني يا أبا خطرش في منازل العز. فقال: السمع والطاعة وغاب عني، فما رأيته إلى الآن قد انقطعت عن الخادم، كتب المولى مجد الدين وأرجو أن يكون ذلك لخيره وقد استشعر المملوك من ذلك هذا مع اتصال كتبه إليه مع كل نجاب (٢)، وكان قد سمع أنكم ترجعون إلى ديار مصر، فنذر الله تعالى صيام شهر تموز ثلاثين سنة إن صح هذا الكلام، فأما غير ذلك، فإن الموضع الذي يسكن فيه المملوك لحسن سفارتك وبركة توسطك وسعادتك، قد تداعى جميعه بحيث أن يكون الساكن فيه مرتكبًا خطرًا عظيمًا، وقد سألت الفقيه أن يساعدني في العمارة فلم يفعل، وتنفس أنفاسًا ميشومة دغله، وأنا فما يمكني أن أعمره بجملة كبيرة، وإذا فرغت منه يقول: قم أخرج، وما أقدر أقول له كلمة، وقد سألته أن يحكرني إياه، وقصدته بالناس وتشفعت إليه بكل أحد فلم يفعل وقد تزايد حرصه وكلبه على

стр. 4225

الدنيا أضعاف ما تعرف، وقد اشتهيت على الله أن يحتال لي حيلة يحكرني بها الموضع الذي في يدي والسلام. قد حفر في هذه السنة خليجًا [وساقه] (١) إلى ضيعته. فبلغ ارتفاعها ألف دينار لأجل ذلك، ولكنّه قد كان مرّ بخليجه في أرض لأيتام ابن اللهيب فسأله وكيلهم أن يعمل لها قنطرة بفلقتين نخل كل يساوي خمسة دراهم يعبروا عليها إلى أرضهم، فلم يفعل، فشكوه إلى السلطان فأمر بسدّه عن أرضهم فجرى عليه من الفزع على الضيعة مثل ما تعرف وأشدّ، وأما حقيقة أخبار المولى فما نريد نسأل لأنا نعرف ذلك بأفعال دون الأقوال، والذي في القدر المغرفة تخرجه، وإذا استقرت القاعدة على شيء سمعنا به. لولا العجلة لكتبت إليه من العجائب والغرائب ما يرقصه طربًا والخوف من آفات الكتب أشد إن رأيت أن يظهر المولى الصاحب من هذا الكتاب على شيء من أخبار أبي خطرش، غير الشعر فافعل، فإنه يحب البهاء محبّة مفرطة، ولا يقال لمن يحب فمن يحب إلا ما يجب، فالله تعالى يكشف له ما هو عليه من الخيانة ورقة الدين، ويكشف هذه الغمة على يديك والسلام الأتم عليك ورحمة الله وبركاته. أيا (٢) نفحةً أهدَتْ إليَّ تحيّة … ينم عليها العرف من أم سالم مشت في أراك الواديين فنبهت … به كل نشوان المعاطف ناعم ألا إنما أحكي بدمعي ولوعتي … بكاء الغوادي وانتحاب الحمائم وصل كتاب مولاي الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أطال الله بقاءه، وجعل خادمه من كل سوء وقاءه، فكان أحسن من النار في عين المقرور، وأعذب من الماء البارد في صدر المحرور، وتناوله فكان في قلبه أحلى من الدراهم وأنفع لجراح البصر من المراهم، فلما فض ختامه وحط لثامه أبصر به خطًا أجمل من غياض الميطور (٣)، ولفظًا أرَقٌ من نسيم الروض الممطور، قد استفتحه سيدنا بكل لفظ مذهب، وذهب فيه من التعاظم إلى كل مذهب، وأرجو له ذلك من الله بحسن العون، فإنه يقال إن الفأل مقدمة الكون على أنه وجد بين جوانح الخادم من نار الشوق أجيجًا، لو أنّ النار التي كلست الكلاسة، واشتملت على الحائط الشمالي، وعرست في العروس وأذنت بهلاك المؤذنين، وأهلت لغير الله بدار ابن هلال يكون مثلها، لما

стр. 4226

اقتصرت على المقصورة ولا بردتها البرادة، حتى تصحن الصحن، وتنسر النسر وتجرد القبة من رصاصها، وتكبها من عراصها، وترميكم بالخطب الفادح في الخطيب، ويحرمكم إياه في المحراب، فلا ينبري إلى المنبر أبدًا، ولو أحفظ ذلك الحافظ ثقة الدين وأغراه بمراثيه إلى يوم الدين، فأين ذات الطوق عن التغريد على هذا الشوق، وأين حمامة النيرين عن النياحة على طول البين، وأين شحرور منين (١) عن المساعدة بالحنين؟ لا والله ما رجل من سادات بني سرايا شرده عن وطنه الغارات والسرايا، كان قد ربي في السروج، ونشأ بين المروج يتردّد من حصن اللبوة إلى بساتين الربوة، ويرتاض من عين سردا إلى وادي بردى، ويصطبح في سوق آبل، ويغتبق في كروم المزابل، ويقيل في عين جور، ويبيت في الساجور، وهذه المواطن كما علمت رائعة الجنان، ورائحة الجنان فرماه الحظ بالدهر المنقوص، وطوحه إلى أرباض مدينة قوص، يتقلى في حرّ السعير، ويتمنّى خبز الشعير، إدامه البصل والصبر، وفراشه الأرض والحصير، فأنْحت عليه الهواجر في آخر شهر ناجر فتمنى على الله ريح صبًا تهب من نحو بلاده، فهبّت عليه من صحراء عيذاب بكل نقمة وعذاب، فطلعت روحه إلى التراق، وقيل: هل من راق، فمدّ يده إلى الماء ليبرد كبده مما يكابده، فوجده أحر من ماء الحمام وزبل الحمام، فتذكر حينئذ ما خلفه من الربوع، وحنّ إلى تسلسل الماء في النابوع، وإشتاق إلى الجداول الساقية من عيون عرق (٢)، فعظم حينئذ مصابه، وتزايدت أوصابه، وعلم أن سفره عن السفيرة (٣) والكبرى هي الطامة الكبرى، وعدم الصبر والسلوان عن دير سلوان. وقال في نفسه: أنزى الذي خلقني وبراني، يعيدني إلى جنة الزبداني؟ أتراه يجمع شملي في كفر عامر، بالسادات من بني عامر، أتراني أحرق الشيح والحوذان، عند حورتي ودان (٤)، تمنيت أن أكون كالقن والقين، وأعبر تحت أبيات بقين، ثم إن أنّة مهجور، وتنفس عن صدر مسجور، وأنشد: ألا ليت شعري هل أرى ساعة (٥) … أجرّ ذيلي في ذيول سنير (٦)

стр. 4227

أصيلًا وحولي ناصر من منير … وهل أرد الماء الذي عند ديره (١) ثم أقبل على لطم خديه، وتعضيض يديه، وبكى حتى وقع مغشيًا عليه، بأشد من شوق الخادم إلى لقائه، وتطلعه إلى ما يرد من تلقائه: والله يطوي بساط الشمل عن كثب … حتى ترى الشمل وهو ملتئم (٢) وإلى هذا الموضع انتهى فشر الكتاب، وهذيان الشعراء، ويريد الخادم أن يطلق يده وقلمه، ويسابق لسانه وفمه، فإنه قد لحقه من الضجر والكلل ما يلحق الجحش الصغير إذا حمل أحمال البغال القرّح، وانضاف إلى ذلك استعجال حامله وتوثبه للرواح فتناول حينئذ كتابه الوارد، وكرر نظره في أنبائه ليجاوب عن الفصول المضمنة فيه فوجده صفرًا من الأنباء خاليًا من غرائب أخبار البلد، عاريًا من طرائف أحوال الإخوان، قد استفتحه بطلب الثأر من مزاح الخادم معه في كتابه المتقدم إليه من ثلاث سنين في أوّل هذا الكتاب قام الدليل على بطلان قوله إنه نفذ إليه عدة مكاتبات، لأنه لو كان ما ادعاه من ذلك حقًا، لما قدم على هذا الفصل شيئًا في أول كتاب نفذه غليانه في قلبه، ثم ينهاه أدبه وفضله بعد هذا عن تكرار ذلك المعنى بعينه في أول كتاب آخر. فصح بطلان قوله بالدليل والبرهان، وعجب الخادم من يكن ذلك الحقد من قلبه واستيلائه عليه، وثباته له بين الحشا والترائب، لم يخرجه من صدره ضجر القعود في دمشق والبطالة فيها مع الزمان، ولا طول المشقة وبعد الشقة إلى العراق. ولا مكابدة الجمالين والحمالين في الطريق، ولا قذارة المساكن والمسالك ببغداد، ولا كرب دخانها وحانها في طرفي النهار، ولا وخم غبارها وآبارها في الأصائل، ولا عيون الماء وسوالف الآرام في سوق الجوهر، ولا دخمسة (٣) التجار ومطل الحاكة بالمتاع، ولا تعذر السفر والرفقة والرجوع إلى الشام، ولا قطع المسافة من الجزيرة والمعشوق (٤)، ولا الخوف من غارة خفاجة وسرايا غزية، ولا الحذر من عياري السواد، وحرامية الأفرنج، ولا تغيّر الملك والإمارة بالشام، ولا انقلاب الدولة وانتقالها من قوم إلى آخرين، كأنما لصق صدر كتابي في صدره بأشراس، أو كأنما سمّر فيه بمسمار وثيق، وأظنّه لو مات والعياذ بالله قبل أخذه لثأره، لمزق الأكفان ونبش المقابر، ورجم أهل الآخرة بالحجارة. ولقد فكر الخادم ليلة وصول كتابه في سوء رأيه

стр. 4228

فيه، وشدّة حقده عليه، وبقي مُتفجّعًا من مطالبته له بالآثار الهزلية، بعد الزمان الطويل وامتنع عليه النوم لأجل هذا إلى هزيع من الليل. ثم غلبته عينه فرأى فيما يرى النائم كان القيامة قد قامت، والمنادي ينادي: هلموا إلى العرض على الله، فخرجتُ من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت إلى أرض المحشر، وقد ألجمني العرق، وبلغ مني التعب والفرق، وأنا من الخوف على شرّ الأحوال، وقد أنساني جميع ما قاسيته عظيم ما أعانيه من شدّة الأهوال فقلت في نفسي هذا اليوم العبوس القمطرير، وأنا رجل ضعيف النفس خوار الطبع، ولا صبر لي على معاينة هذه الدواهي، كنت أشتهي على الله الكريم في هذه الساعة رغيفًا عقيبيًا (١) وزبدية (٢) طباهجة (٣) ناشفة وجبن سناري، ونعارة نبيذ حلبوني (٤)، والحافظ العليمي ينادمني عليها بأخبار خوارزم، وفخر الدين ابن هلال يغني لي: يا أهل نعمان إلى وجناتكم … تُعزى الشقائق لا إلى النعمان وأبو العز بن الذهبي بعينيه، ويسقيني الصرف من النعارة حتى يعرق جسمي، وأغيب عن الوجود فتنقضي عنّي الشدائد في غير معقول، فما انقضت أمنيتي حتى طلع عبد الواحد بن بدر من جانبي وقال لي: الساعة رأيت عدة جوار يطلبونك مع بعضهم أولاد يزعمون أنهم منك قد نفيتهم عنك وبعضهم يدعي أنك بعتهم لغيرك وهم حبالي منك، فقلت له: هون عليك، ولا يكن عندك أحسن منهم: قد باعت الأسباط قبلي يوسفًا وهم هُمُ ووجمتُ من كلامه ساعة، وقلت: لو أني مثل الحافظ العليمي الذي لا يقتني إلا الغلمان الذكور، وكلما التحى واحد باعه واشترى آخر، ما حلّت بي هذه المصيبة، فقال لي ابن بدر ورأيت الحافظ العليمي يقلب عليك الأرض، فقلت: وأين أجده؟ فقال: هو هذا واقف مع النبيه الموصلي أفخاذه من البول، فقلت له: وأيّ شيء أصابه المسكين؟ فقال: إنه سمع انشقاق سماء الدنيا فجرى إلى أفخاذه من شدّة الزَّمع، فقلت له: هو معذور، وسرت إلى نحوك وناديتك، فأقبلت إلي تجري، وما كلمتني كلمةً دون أن لكمتني لكمة موجعة وشتمتني، وقلت لي: يا عدو الله ما كفى أنك تخاطبني بنون الجمع وكاف المخاطب دون أن ذكرت اسمي بغير كنية ولا لقب، والله لا توصلن إلى أذيتك بكل طريق، فقلت له: يا

стр. 4229

كافر القلب، أما ترتدع، أما ترعوي، أما ترى السماء تنفظر مثل فطائر المزة في الكوانين. أما ترى الملائكة منحدرة من السماء زرافات ووحدانا، أما ترى الميزان يرتعد بما فيه مثل المحموم إذا أخذه النافض يوم البحران، أما ترى السواط يرقص بما عليه؟ رقص القلوص براكب مستعجل أما ترى مالكًا خازن النار قد خرج منها محملق العينين في يده اليمنى مسطيحة، وفي يده اليسرى السلسلة المذكورة في القرآن، وهو يدور في الموقف على اللاطة والقوادين من أمة محمد ﷺ . ونحن متهمون بذلك، بالله أترك دبارة القفا (١)، وهون عليك هذا الأمر واتركنا لما نحن فيه، فقلت له: والله ما هو شيء هين علي فأهونه ولا أسامحك به، ولا أفارقك حتى أرفعك إلى كمال الدين بن الشهرزوري ينكل بك تنكيلًا، يردعك عن الاستخفاف بي في كل مكان، فقلت: وأي شيء بيني وبينك، وأنت بينك وبين كمال الدين من المودة. وأنا أعرفك أبغض الناس فيه، فقلت لي: يا جاهل بأحكام السفر إنّي لما سافرت معه إلى العراق، واجتمعت به في الطريق، وحدثته بأيشم حديث خوارزم، وأنشدته طرفًا من شعر ابن بابك (٢)، فتأكد ما بيني وبينه، وصرت عنده من المقربين، فقلت له: وأي شيء لكمال الدين في الأمر اليوم اتبعتنا أحكامه إلى هذا المكان؟ فتقول: نعم عرضوا اليوم صحائف أعماله بين يدي الحق ، وهي شيء عظيم مثل جبلي ثبير وأبان، فقالت الملائكة: أي رب اشغالنا في هذا اليوم كثيرة وجاء هذا الرجل بأمر عظيم، وقد سبقه أمم من الناس وهو يريد يوم قيامة وحده، لا يحاسب فيه سواه، وموازين لا يشركه فيها غيره، فقال الباري : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة، سلموه إلى الروح الأمين، فيقول جبريل ﵇: هذا شيخ من شيوخ الإسلام، ومن عظماء أمة محمد ﷺ ، وله من أعمال البر ما يوفي عنه مظالم العباد، أوقفوا أمره، وأحيلوه علي بالمطالبات، فدخل في زمرة الروح الأمين فما لأحدٍ عليه من سبيل، وهو يحضر المقام المشهود في كل يوم يعمل فيه دهليزات يتم فيها ما يريد، وقد قدم مقدمات لابن عصرون رديئة، ما أظنّه من عقدها بناج، وبينا نحن في المحاورة، وإذا نحن بمالك خازن النار، وقد هجم علينا وقبض علي وسحبنا خلفه (٣)، فارتعنا لذلك ارتياعًا عظيمًا

стр. 4230

فقلت له: هذا الذي كنت أخوفك منه وقد وقعنا فيه، فقلت: أنت يا سيدي يا مال، اسمع مني كلمتين لوجه الله تعالى فقال: كيف أسمع منك وقد حذفت ربع اسمي في النداء، فقلت: والله ما حذفته للترخيم الجائز عند النحاة، وإني لفي شغل عن ذلك، ما حذفته إلا لشدّة الهلع وانقطاع مادة الكلام، فيقول لك: هات كلمتيك، فتقول: يا سيدي هذا رجل مغربي من أهل القرآن، وأنا رجل محدّث عن رسول الله ﷺ ، فبأي جرم تأخذنا قبل العرض على الله تعالى، واستعلام ما يعاملنا به الكريم. فقال له: يا خبيث، أنت كنت من المقدمين في اللياطة، ومن المتبصرين، فقلت له: أنا، وكيف ذلك يا سيدي فقال: هذا كان يفسق بأولاد المسلمين، ويثبت أسماءهم في جريدة على حروف المعجم حتى لم يبق عليه إلا القليل، وسمعت أنه أدخل أمردًا إلى خزانة مظلمة ونيمه تحت ضوء الروزنة، فلما لم يطابق الضوء جحره قال له: تعطف يا سيدي وقدمها إلي بفضلك يا خنزير، وأي فضل لأمرد منكوح، وسمعتُ أنه أخذ يحيى المطرز، وما قام عليه فتركه وراح، فلما كان بعد ذلك بمدة اجتمع به فطالبه بالتمام، ولو عددت عليه ما قيل في لطال الزمان، وأما أنت (١) فرجل قوّاد لا يشك فيه، فاستشطت عند ذلك غيظًا وأظهرت القلق العظيم، وقلت: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ فقال لي مالك: لعل مولاي يريد أن يهجوني بشعر مثلما رأيت في صحائفه اليوم، أو يعمله في مقامة مثل فعله في بني آدم. والله لألطمنك بالقلع حتى يبول القندلاوي على ساقيه، واشتهيت أن أعلم ما سبب ذلك، وغيظك عليّ تقدر أن تقول إنك ما كنت تقود إلى رفيقك، هذا في دار القوادة بجيرون في شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، فلما سمعنا ذلك خرسنا وأبلسنا، وعلمنا أن الناقد البصير لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فرجعنا حينئذ إلى الملاطفة، وقلنا له سألناك بالله لا تعجل علينا، فنحن صائرون إليك بعد قليل، وما لنا عنك من محيص، فتركنا بعد الجهد، فدخلنا في غمار الناس، فقلت له: يا أخي قد طير هذا الجبّار عقولنا ومرّت لنا ساعة صعبة بسبب الولدان. اطلع بنا إلى جبل الأعراف نشرف منه على الموقف، ونتفرج منه على بساتين الجنان، فنستريح وترجع إلينا أرواحنا في ذلك المكان، فقلت لي: ولم قلت لأن يأسنا من الجنة أكثر من رجائنا فيها، ومتى رأينا أشجارها وأنهارها وفاتنا دخولها تضاعفت علينا الحسرات والأحزان، وعدم ذلك في التخيل خير من وجوده في العيان، وأنه يقال في المثل: عين لا ترى (٢) قلت: لا يرجع، فتحوّل منّي التفاتة فأرى أبا المجد بن عبد الحكيم عابرًا

стр. 4231

وفي يده رقعة حمراء مذهبة، وهو رائح بها يهرول فسلمنا عليه، وسألناه عن حاله، فقال: لولا ملازمة الصلاة كنت من الهالكين، فقال له: أين تريد، فقال: أردّ هذه الرقعة على صاحبها، فقلنا له، وأي شيء في الرقعة؟ ومن صاحبها؟ فقال: هذه الرقعة للمؤيد بن العميد بعثها معي إلى رضوان يطلب منه كمثرى سابوري ورمان ديبقي لا يوجد إلا في الجنة. ولقد لقيني أبو الحسن بن المنير (١) فخطف الرقعة من يدي، وقرأها وقال: هذه رقعة رجل دهان عارف بالأصباغ وإنزال الذهب، ولكنه جاهل بصناعة الكتابة ظاهر التكلف فيها يريد أن يتمم بعض الصناعة ويستر عوارها بالألوان المشرقة والأوراق المصبغة، والتذهيب الرائق، ومع هذا لا يجوز أن يكاتب بمثل هذه الرقاع إلا القحاب المتعاشقات والظراف والمتساحقات، فكن عاقلًا وردّها على صاحبها قبل أن تلطم على باب الجنّة عشرة آلاف زربول مثل هذا الملك الكريم على الله يخاطب في مثل هذه الرقاع، هذا طلائع بن رزيك (٢) مع سخافة عقله وسكره من خمرة الولاية فقال يومًا في مجلسه لما عرض عليه الشيرزي قصائد الشعراء والمكدين من أهل الشام وفي جملتها رقعة ابن العميد فيها سطر مكتوب بالأخضر اليانع وسطر بالأصفر الفاقع، وسطر بالأبيض الناصع في الورق الأحمر القاني، مطرز الجوانب بالذهب الإبريز، من صاحب هذه الرقعة يا زكي؟ فقال رجل من رؤساء دمشق ومقدميها أحذق الناس بالتزويق في الأوراق والتصحيف للألفاظ ومعرفة أصناف الفواكه والثمار، فقال له ابن رزيك: ما أدري ما تقول، غير أنك سلبته فضل الفضلاء ونسبته إلى الفلاحة والرعونة والجنون، ومع هذا فهي تدلّ على جهل قائلها ومهانته ألا ترى أن الناس يتوصلون إلى برنا بالفضل والبراعة، وتوصل هذا الرجل بلعب البنات وزخارف الصبيان، لو كتب هذا الكلام الذي في رقعته على فخذ خروف سمين وألقي في الطريق لأنفت الكلاب من أكله، ثم ناولها لبعض الفراشين وقال: ادفعها لجارك الفقاعي يلصقها على عتبة دكانه يستجلب بها الزبون، ثم التفت إلى الناس وقال: هؤلاء أهل الشام ورؤساء الدمشقيين. قال أبو المجد: أنا والله ما استجري أوصلها إلى رضوان بعد أن سمعت هذا الكلام، وأنا رائح أردها عليه، قلت له: ادفعها إلى أقربها بأخوتها، فإني قد حصلت من رقاعه إلى ملوك المصريين خمس رقاع، وبينا نحن في المحادثة

стр. 4232

عليها، وإذا بضجة عظيمة من جنبي المحشر والناس يهرعون نحوها مستبشرين فملنا جميعًا إليها، وإذا بحلقة بعيدة الأقطار، فيها من الأمم ما لا يحصى، كلهم يصفقون ويلعبون وثلاثة في وسطهم يرقصون إلى أن سمعوا ووقعوا إلى الأرض، فسألنا بعض أولئك الحاضرين عن الفرح وعن الثلاثة الذين يرقصون، فقال: أما الثلاثة فعبد الرحمن بن ملجم المرادي والشمرين ذي الجوشن والحجاج بن يوسف الثقفي (١) مجرمو هذه الأمة، وأما الفرح الذي ألهاهم عن توقع العقاب حتى رقصهم الطرب مع ما كانوا عليه من رجاحة العقل ونزاهة النفس فهو الطمع في رحمة الله بعد اليأس منها، والسبب في ذلك كون الباري غفر للفقيه المجير والمهذب بن النقاش فخذوا رحمكم الله بحظكم من الفرح والسرور، فقلت له: وأي شيء ينالنا نحن من نجاة هذين الرجلين، ومن فوزهما بالرضوان، ونحن إلى الحزن أقرب منا للسرور، فقال: قد أجمع الناس أنه لم يولد في الإسلام مولود قط أرق من دين هذين الرجلين، ولا أقل خيرًا منهما، فإذا غُفر لهما فما عسى أن تكون ذنوب الحجاج وأصحابه في ذنوب هؤلاء، إن يكن ذلك إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، فقال: أبو المجد بن أبي الحكم: فالشعرة دنانير التي لك عند ابن النقاش، إلى متى تتركها له الحقها قبل أن يدخل الجنّة، فما ترجع تراه أبدًا، وأقوم وأعدو ملء فروجي وأنتم خلفي إلى أن انتهيت إلى جماعة كبيرة من الملائكة والناس وهم ينظرون إلي ويقولون هذا هو قد جاء، وأخالط ذلك الجمع وأتخللهم إلى صدر ذلك الملأ، وإذا بملك عظيم تقشعر من نظره الجلود، وتشمئز من طلعته النفوس، والمهذب ابن النقاش قائم بين يديه يكلمه بالعجمية وهو مقبل عليه بجملته، فلما أحس بي الملك قال: اذكر سعيدًا تراه. والتفت ابن النقاش وقال: اذكر الكلب واستعدّ له بهذا، أيش تعمل معي في ايشم الذهب الذي لك في ذمتي، قد عوّقوني عن دخول الجنّة لأجله، فقلت له: طيب والله طيب، وتبدو لهم إن شاء الله ويردوك إلى الجحيم، أريد الساعة آخذ من حسناتك بعشرة دنانير ما يساوي خمسة عشر دينارًا، ورح أنت إلى حيث شئت، فما أشعر إلا بضرطة عظيمة هائلة جاءت من خلفي طنت لها أكناف المحشر. فالتفت عن يساري، فإذا بجماعة من أصحابنا قيام يضحكون، فاتهمت بها الصفيّ بن كريم الملك، واغتظت عليه وتوعدته، فحلف أن ما صفّها لي إلا التاج بن أبي الصقر، فحردتُ واغتظت وقلت لكم: يا قوم هذا وقت المجون؟ فقال ابن أبي الصقر: نعم إذا رأينا واحدًا منحوسًا يطلب من ابن

стр. 4233

النقاش بعشرة دنانير حسنات ما نضرط في ذقنه إي والله ونخرأ في لحيته وإنك يا أبله يعطيك من أوراده بالليل من تهجده بالقرآن في السحر. أو يعطيك من صيام الاثنين والخميس، أو من مواصلة الثلاثة أشهر أو يعطيك حجة مبرورة مقبولة من حجاته، ما تستحي تتكلم بهذا الكلام، قلت: يا قوم فما أثبتوا له شيء من غزواته مع نور الدين؟ فقال: ما كان الرجل يخرج من بيته بنية الجهاد والأعمال بالنيات، قلتُ: فما فعلت صدقاته، فقال: جميع ما وُجد له خمس قراطيس على يدك لابن الجيش الجيروني وهم فيها على قولين، فإن كانت الشمال قال: روائحها نتنة وأظنّها تشرنح وقال ملك اليمين: اسم الصدقة عليها مكتوب، وهي موقوفة إلى الآن، قلت: فصلاته أيش فعل الله بها، قد كان يصلي المغرب في بعض الليالي إذا قامت بغتة وهو في وسط الجامع فقال: وجدوا له ثمانين صلاةً في ستين سنة، فيها ثمانية وعشرين بغير وضوء والاثنين وخمسين مبتوتة لك بارك الله لك فيها باثنين وخمسين قرطيسًا، كل صلاة بست فلوس قلت له: فلم يبق إلا أن أحط من سيئاتي بقيمة عشرة دنانير على سيئاته، فيقول ذلك الملك المهيب بحمية وتعصب: هذا رجل مغفور له، لا تناط به السيئات، فقلت له: يا سيدي فادفعوا له بالعشرة دنانير موضعًا في الجنة صغيرًا مثل إقطاع العزّ المكي في البحيرة، فقال الملك: ما هذا إلينا هذا إلى الحق سبحانه، وهو الجواد الكريم وأنت أما أن تحالله من دينك بطيبة قلبك، وإلا أضرب برأسك الحيطان فاهج على رأسي وأعدو ملء فروجي، وأصيح بجميع حلقي دعوة مظلوم يا كريم فلحقتموني أنتم فأمسكتموني، وقلتم أنت مجنون، تعرف لمن تخاطب؟ فقلت: لا، فقلتم: هذا عزرائيل ملك الموت، وهو يعنى بالمهذب عناية عظيمة، وهو الذي شفع فيه وخلصه من العذاب الأليم، فقلت لكم: ومن أين هذه المعرفة بين المهذب وعزرائيل؟ فقال لي أبو المجد بن الحكم من جهة الطب، أما علمت أن المهذب كان من أعيان ملك الموت في دار الدنيا، ما دخل على عليل إلا وأنجزه في الحال وأراح ملك الموت من التردد إليه وشم الروائح الكريهة والنظر إلى شخصه المزعج، وخلصه من الانتظار الطويل، فهو يرعاه لأجل ذلك ويحبه من ذلك الزمان، وأما أنا فما أقدر أقع في عينه (١)، ولا يبصر لي رقعة وجه أبدًا لأني كنت أضار به على العليل مضاربة حتى أخرجه من فكّه وأخلصه بعد اليأس، فلاجرم أنه ما أمهلني أتم الأرغن الذي ابتدأته ولا تركني أتمنى بأم الحكم (٢) ساعة من الزمان، فقلت

стр. 4234

لي: قم وارجع إلى الملك قبّل يده وقل له قد تركت هذا المقدار لأجلك، فافعل ما تريد، فقالت الجماعة كلهم: هذا هو الصواب، انهض على بركة الله، فقمت معكم إلى الملك وحاللتُ الرجل من الذي عليه، ففرح بذلك عزرائيل، وقال: ما أقدر لك على مكافأة إلا أني أبشرك تعيش بعد المهذب عشر سنين بكل دينار سنة، فسررت بذلك ورضيت به وقمت وأنا له من الشاكرين، فقلت لي أنت بعد انفصالنا عنه: قد تعبنا يا فلان من المحاورة والوقوف واشتدّ بنا العطش والظمأ، هل لك في الحوض فمت عنده بالعلم والقرآن لعلهم يسقونا منه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، فقلت لك: سر بنا فتوجهنا نحوه، وابن بدر معنا، حتى إذا قربنا منه رأينا أبا القاسم الأعور وحوله جماعة من الأشراف، يندفون شعر رأسه بالدلاء والتواسيم (١) ويقولون: يا خنزير رح إلى يزيد بن معاوية يسقيك الماء، فوقفنا ساعة وأحجمنا عن الإقدام خوفًا من سوء الأدب، فوافانا تاج الدين الكندي (٢)، فجاء إلينا وسلّم علينا. فسألناه عن حاله فقال: لو اتبعت مذهب أئمة الحنابلة في التشبيه هلكت معهم، ولكني كنت أسرّ الأشعرية وأضمر التترية وقد وعدني الإمام الشهيد سيبويه بأن ينفعني إذا رآني عند الميزان، وأنتم ما لكم ما تتقدموا وتسلّموا على أمير المؤمنين وتأخذوا إذنه في الورود، قد أذن اليوم لجماعة من الأدباء أنحس منكم بكثير، ولعلكم خفتم مما وقع فيه قسيم الأعور (٣) من اللطام، فقلنا له: نعم، فقال: حاشاكم أنتم من هذا، كان قسيم رجلًا فضوليًا يكاشف الأشراف ويؤذيهم في كل مكان، فتقدمنا إلى أمير المؤمنين فوجدناه على شفير الحوض، وحوله جماعة من الهاشميين، كأن الشمس تطلع من وجوههم، والمقداد بن الأسود الكندي قائم على رأسه، في يده لواء أخضر من سندس الجنة منشور، ومنير الدولة يخاطبه في بني سرايا ويقول له: يا أمير المؤمنين ما كان ظننا بك هذا، فقال: ما أوبقكم وأوثق أمركم إلا معز بن حسن بكثرة ما رفع عليكم من العظائم، وإلا كنت قد خلصتكم من أول النهار. فيقول له: حاتم [هو] (٤) أخي يا أمير المؤمنين شتت شملنا في الدنيا، وأوبقنا في الآخرة، فهو الميشوم الطلعة في كل حين، فقال له (٥): والله يا أمير المؤمنين لتسمعن في صحيفة أعماله من الفضائح ما لم يسمع بمثله لمخلوق سواه، أقل ما فيها أنه أخذ

стр. 4235

طفلا من الفلاحين اسمه يوسف ففسق به حتى التحى وفرغ من الصبيان، فعقد على أختهم عقدا مفسودا وفسق بها حتى ملها، وعبرت يوما أمها فكشفت الريح عن ساقيها وقطعت عجيزتها فأمسكها وغصبها على نفسها فلم يسلم من أهل البيت إلا شيخهم الكبير بمصيره إلى التراب، فتنكر أمير المؤمنين من سماع هذا الحديث، وثقل ذلك عليه حتى ظهر ذلك في وجهه، والتفت إلينا وقال: أنتم ما تريدون؟ فقلت أنا: يا أمير المؤمنين نحن قوم من أهل العلم والقرآن، وقد بلغ بنا الجهد من شدة العطش ونسألك أن تنعم علينا وتطلق لنا الورود، فقال لي صلوات الله (عليه) مسترسلا إلي يهزأ بي، ويمجن معي: أي آية في كتاب الله بها مائة وأربعون عينا؟ فقلت: أعرفها يا أمير المؤمنين، قال: صدقت، فقيل يا أمير المؤمنين من أين عرفت صدقه ولم تسأله فقال: بشاشة المعرفة بها ظهرت في عينيه، ثم قال صلوات الله عليه: هذا الحوض بين أيديكم ردوا كيف شئتم، فصاح قسيم الأعور من بعيد: الله الله يا أمير المؤمنين، لا يتم على أمير المؤمنين محالهم، هؤلاء والله أشد الناس كفرا ونفاقا، وأشدهم نصبا وانحرافا، وهم عبيد يزيد، فقلنا له: يكذب والله يا أمير المؤمنين علينا، ولقد رمانا بالإفك والبهتان، فقال: هل لكم من يعرفكم بغير الذي يقول؟ قلنا، نعم يا أمير المؤمنين، الشريف الدويدة الرواس، والشريف العصيدة، رسول القاضي. والشريف زقازق الذي يبيع اللحم في القبة، والشريف نقيقا (١) الذي كان ضامن الحمر والقيان في دمشق، هؤلاء أولادك وذريتك صلوات الله عليك، يشهدوا ببراءتنا من هذا الملعون، واغتاظ الحسين صلوات الله عليه من ذكر هؤلاء، وصفق بيديه، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اليوم يشمت بنا بنو أمية، فالتفت أمير المؤمنين إلينا وقال: لا شك أنكم من عبيد يزيد قد شرعتم تسبونا بطريق لطيف هؤلاء الذين ذكرتم من ذرية إبليس اللعين، ومن أولاد الشيطان الرجيم، إذ كان لكم ثقة يشهد ببراءتكم، وإلا فلا تقربوا هذا المكان، فيقول محمد ابن الحنفية اغتنموا أنفسكم قبل البادرة في الإحراق، فننصرف من بين يديه ونحن لا ندري كيف الطريق، فقلت لكم: هلم بنا نطلب الشريف أبا العباس النقيب فما لنا ولا لهم مثله، فخرجنا في طلبه فلقينا زين الدين بن الحليم، ومعه أمم من النساء لا يحصيهم إلا الله تعالى، وهم يسحبونه إلى عرصة القيامة والقصاص وملك النحاة رائح خلفه يحرضهم عليه، ويغريهم به. ويقول له: ما يخلصكم اليوم من هؤلاء لا شعرك الركيك ولا رسائلك الباردة، ولا بد لك من

стр. 4236

الاجتماع بأبيك الرابض في أمك الهاوية، وهو يقول لك: خرب الله بيتك، أي شيء بيني وبينك، هجوتك وهجوتني، وشتمتك وشتمتني، وقد راح هذا بهذا، ونحن من أهل العلم، ولا يليق بنا إلا المحاللة والاستغفار، لأنك في موقف صعب وأنا رائح إلى رب كريم، رجائي به حسن، وظني به جميل، فانكسر أبو نزار ورجع عنه خجلان، ثم ترتفع الضوضاء، وإذا بموكب عظيم مقبل من المقام المحمود، كأنهم الشموس والأقمار، ركبان على نجائب من نور يؤمون المشرعة العظمى من الحوض، فسألنا عنهم، فقيل: هذا سيد البشر ﷺ في أصحابه وأهل بيته، فنجري خلفه، ونجهد أنفسنا في طلبه، فلم نصل إليه من شدة الزحام، فصعدنا على تل مشرف من جبل الأعراف حتى عبر علينا وعن يمينه ويساره أبو بكر وعمر، وبين يديه أولاده الصغار مع الحسن والحسين، ومن روائه حمزة والعباس وجعفر وعقيل وبقية أصحابه بمشرف مع المهاجرين والأنصار، وهو يصغي تارة إلى حديث علي وتارة إلى حديث عثمان، وهما بين أولاده الصغار وبينه والناس يضجون بالبكاء، ويشيرون عليه بالأيدي ويستغيثون عليه من كل مكان، فلما انتهى إلى شاطئ المشرعة، وقف عندها، فانجاب إليه الصوفية من جميع الأقطار يقدمون إليه أخلة الأسنان والشيشات فسأل عنهم فقيل له: هؤلاء قوم غلب عليهم العجز والكسل على طباعهم في الدنيا فهربوا من كد الصنائع والأعمال إلى زوايا المساجد والمشاهد بحجة العبادة والانقطاع، فلا يزال أحدهم يأكل وينام إلى أن يموت، قال: فبأي شيء كانوا ينفعون الناس، ويعينون بني آدم؟ فقيل: والله ولا شيء، البتة، ولا كانوا إلا كمثل شجر الخروع في البستان. يشربون الماء، ويضيقون المكان، وليس لهم ثمرة، فيكاسر عنهم فيأخذون شيشاتهم وينصرفون، ثم يأتي أسد الدين ونجم الدين راكبين على فرسين كالعروسين، وعلى كل واحد منهما خلعتان، خلعة الحج وخلعة الجهاد، وكل خلعة تساوي ملك الأرض سبعين مرة، وأسد الدين رائح يطلب من النبي ﷺ خلعة فتوح مصر، ونجم الدين يقول له: لا تذكره بمصر، فهو موغر الصدر لأجلها، فيقول له أسد الدين: قد ذكر العلماء بالنسيان ما بين ملوكها وبين قرابة وكتبوا بذلك خطوطهم في المشاريح، وبعد هذا فما أذكرها له، وانتهى إليهما صلاح الدين، فأخذاه وأوصلاه إلى النبي ﷺ ، وأمراه بتقبيل يديه ورجليه، ففعل ذلك ومسح على رأسه ودعا له بالنصر والتأييد وأوصاه بالضعفاء والمظلومين، ونزلوا على المشرعة العظمى، وأقاموا عليها ساعة زمانية، ثم انصرفوا إلى المقام المحمود، وأقبلنا نحن نطلب الشريف النقيب إلى أن وجدناه واقفًا مع جماعة من البوابين (١) يسألهم عن بطليموس الحكيم، هل يصح عنده أن الكواكب

стр. 4237

السّبعة (١) طبائع أم لا؟ وهل قام الدليل والبرهان على أن للكواكب أطوال وعروض أم لا؟ فلمّا رآنا قطع الكلام والتفت إلينا فسلّمنا عليه وقلنا له نظام الدين عسى تتفضّل علينا وتمشي معنا ساعة تشهد لنا عند أمير المؤمنين بالبراءة ممّا قذفنا به من النّصب والانحراف من أولاد فاطمة ﵍. فقال لنا: والله في هذا الوقت بنفسي، وعلى أن شهادتي ما تنفعكم عنده لأني رميت في مجلسه بالفلسفة والعمل بأحكام النجوم، وقد أضرّني ذلك عنده وزوى وجهه عنّي، وأنا من ذلك في خطر كبير، فبينا نحن كذلك وإذا بالأعور البغدادي قد جاء إلينا وقال: كيف رأيتم فعلي بكم، انحسكم أم لا، أنتم تحتقروني وتطرحوني وأنا منحوس كبير، ثم أخذ يعتذر إلينا ويتنصل مما جرى علينا، ويقول: والله ما أردت بذلك القول إلا أن تصفعوا بالدلاء والتواسيم كما صفعت أنا لأني علمت أنّكم قد شتمتم بي وكنتم بذلك مسرورين، وأمّا إذا قد سلمتم من ذلك فأنا أدلّكم على من يسقيكم الماء من هذا الحوض، ولا يحوجكم إلى شيء من هذا الصداع الطويل، اتبعوني أهدكم إلى الرشاد، فتمتنع أنت من ذلك وتقول: إذا كان الغراب دليل قوم … فلا يعدو بهم طرق الخراب الموت بالعطش، ولا اتباع هذا الأعور الملعون، فقلت لك: بالله أتركنا من خنفستك، فليس هذا وقت الصلف، ولا الأنفة، أمّا سمعت قول الشاعر: لا تعجبن لخير إن أتاك به … فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا ومشينا معه مقدار أربع فراسخ، وإذا بجمع عظيم يحتوي على شيوخ وشباب وكهول قد حفّ مجلسهم بالسكينة والوقار، وجلالة الملك والرئاسة، تلوح على وجوههم، فسألنا عنهم فقيل لنا: هؤلاء السادة والقادة من بني عبد شمس، فدخل قسيم الأعور، حتى دخل بين يدي عظيمهم. فقال له: يا خال المؤمنين، يا كاتب وحي ربّ العالمين، نحن قوم من محبيكم. قد طردنا عن الحوض لأجلكم. ونحن هالكون لشدّة العطش بسببكم. فقال: لك بينة تشهد بما تقول؟ فقال: نعم جماعة من شيعتكم ومحبيكم الأكراد، فقال: أحضرهم، فقال: ابعث معي رجلًا من أجلاء وزرائك يساعدني عليهم، فبعث معه رجلًا شاميًا فتخلّل الناس ونادى بأعلى صوته: يا عبد الملك بن درباس، قاضي قضاة مصر في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلم

стр. 4238

يجبه أحد، فوقع ابن بدر إلى الأرض مغشيًا عليه من شدّة الأوام، فقعدنا عند رأسه، وسألنا هل عندكم من قطرة ماء نبل بها حلقه فقال: لا والله، لو تقدمتم قليلًا لما احتجتم إلى هذا كله، فقلنا له وكيف ذلك؟ قال: لأن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، تبعثُ إلى أخيها معاوية كل يوم خمس ثلجيات مزملات، كل ثلجية مثل جبل الثلج عشرين كرة، فيها الماء الخاص من عين التنسيم، يدفع واحدة منها إلى عمرو بن العاص، والأخرى إلى زياد بن أبي سفيان وذويه، والأخرى إلى سعيد بن العاص وذويه، ويقسم الواحد في آل أبي سفيان، وما كان بأسرع من أن حضر القاضي في جماعة من الأكراد، فتقدموا إلى معاوية فسلموا عليه، ثم التفتوا إلى ابنه يزيد فقالوا: السلام عليك يا إمام العدل، السلام عليك يا خليفة الله في الأرض، السلام عليك يا بن عم رسول الله يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، نفعنا الله بطاعتك وأدخلنا في شفاعتك، ورفع درجتك في الجنّة، كما رفعها في الدنيا، فردّ عليهم ردًّا حسنًا، وقال للقاضي صدر الدين: الحمد لله الذي جعل في شيعتي وأصحابي من يصلح أن يكون قاضي قضاة المسلمين، فقال له القاضي: كل ذلك ببركة الفقيه عيسى ضياء الدين (١)، فقال له: أوصيك بأصحابك الأكراد خيرًا، فإنهم أولى بحسن تدبيرك من سائر الناس، فقال: نعم يا أمير المؤمنين ما أحتاج فيهم وصيّة، هذا أنا قد وليت القضاء لجماعة منهم، وأنا أعرفهم في بلادنا لا يعيشون إلا من لصوصية البقر في الليل، وسرقة الحمير بالنهار، ولم أفعل ذلك إلا إني ألزمت باستقضاء قوم أنحس منهم بكثير، فلما رأيت ذلك رجعت إلى قولهم في المثل. إذا كان حولًا تحولًا ربة البيت أولى، وأنا أستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، فقال: تعرف هذا؟ وأشار إلى أبي القاسم الأعور، فقال: نعم يا أمير المؤمنين أعرفه حوسًا، فقال: وما الحوس؟ فقال: الذي يعمل منه المناحيس، قال: فإنه قال: إنه كان يدعو لنا ويترضى عنا، فقال: هو يفعل ذلك مكسبًا ومعيشة، فلو أن اليهود جعلوا له جعلًا على سبّ النبي ﷺ لبادر إليه، وما يصده عنه تقى ولا دين، فأمر به فتشرد عن تلك الرحاب. ثم قال يزيد للقاضي: من هؤلاء فقال: أما هذا فإنه رجل عليمي وهو فخذ من كلب بن وبرة أخوال أمير المؤمنين. وأما هذا، فهو مغربي حضرت معه دعوة فيها جماعة من الأعيان، وجرى حديثك، فترضى عنك، وسأل الله أن يحشره معك، فقال: وجبت، ثم استدعى عبيد الله بن زياد وقال: خُذ معك ألف رجل من السكاسك والسكون واقصد المشرعة التي عليها سهل بن حنيف (٢)

стр. 4239

في جماعة طي وهمدان، فاضربهم بالسيف حتى تزيلهم عنها وأورد هؤلاء الرجال حتى ينالوا بغيتهم من الماء، وينصرفوا ريانين، وإذا أتاك الأشتر النخعي في نخعه مددًا للطالبيين، فانزل على المشرعة وأثبت له حتى تتصل بك الجيوش، فقال له معاوية: لا تبعث ابن زياد، فإنه مما يهيج القوم ولكن قدم ذا الكلاع الحميري، فربما انتفعوا هنالك باليمانية، وكسرت عادية الشر وحدة القتال، فما استتم القول حتى استلام القوم، وتقدموا بين أيدينا يرفلون بالحديد، ولا يلوون على شيء، فقلت لك: كانت وقعة صفين في الدينا على دم عثمان، ووقعة صفين في الآخرة حتى نشوب نحن سم الموت، ويسمع النبي ﷺ بذلك فيخرجنا من الشفاعة، فتقول: النبي ﷺ أجل من هذا، وبعد أن نروى من الماء ما نبالي، ورآنا أبو القسم فعدى إلينا وقال: خذوني معكم، وإلا أنحتكم، وهيجْتُ عليكم قبائل العراق، فقلتُ لك: بالله خُذْهُ معنا، أي شيء علينا منه؟ فقلت لي: والله لا صحبته أبدًا في طريقهم، ولا تركته يذوق منه قطرة أبدًا فصاح علينا: إلى أين يا بقر الشام يا شيعة الطاغوت، يا عبيد الطلقاء، هذا الأنزع البطين بين أيديكم إلى أين تذهبون وغاب عنا، وصمدنا صمد اليمانيين، فلم يشعر بنا إلا ونحن في وسط الماء سابحون، وطاروا إلى عددهم وجاءا إلينا مرعوبين فلما أبصروا بني أبيهم في كتيبة لا ترام أمسكوا وتراطنوا بالحميرية ساعة، ثم اختلطوا فلم يقع بينهم فقال، وأقبلنا نحن نشرب ونستريح، وتقول لي: أين أنت من عين ماء الديباج، كنت أشتهي الساعة قطعة صابون رقي، وقليل تراب مراغي أغسل بها لحيتي، فإنها قد اتسخت من الغبار والعرق، فقلت لك: ما تحتاج إلى شيء من هذا، الساعة تستريح منها، فقلت لي: وكيف ذلك؟ فقلتُ: لا شك إن كنت من أهل السعادة فما يدخل الجنة إلا أجرد أمرد، وإن كنت من أهل النار فالزبانية يعملون منها الفتائل توقد ليلة الميلاد فتيلة على باب جهنّم، فبينا نحن في أطيب عيش وأهناه، وإذا بصيحة عظيمة قد أقبلت وأصحابنا يتطايرون لا يلوي أحد على أحد، فطارت عقولنا، وبقينا حائرين لا ندري إلى أين نروح، وقلنا: يا قوم ما هذا؟ فقالوا: هذا علي ﵇ قد أخذ الطرقات على الشاميين وجاءتنا سرعان الخيل، فيها محمد ابن الحنفية يزأر في أوائلها مثل الأسد الهصور، فلما انتهى إلينا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة وصمم إلي بالسنان ليطعنني فوثبت بين يديه، فوقعت من سرير النوم، فانتبهت خائفًا مذعورًا، ولذة ذلك الماء في فمي، وطنين الصيحة في أذني، ورعب الوقعة في قلبي، إلى يوم ينفخ في الصور، ولي حينئذ عذاب شديد، وأصلى سعيرًا، وأدعو ثبورًا، وصلى الله على سيدنا

стр. 4240

محمد نبيه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وله تقليد لأبي الثناء محمود بن يحيى بن أفلح اللخمي المعروف بأنكوا من قاضي الفاسقين (١): الحمد لله الذي تجاوز عن كل غيّ، ووعد بالمغفرة لكل حي، فقال: تعالى ورحمتي وسعت كل شيء، أحمده حمد الثرى للمطر، والمحب على بلوغ الوطر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة توصل إلى الولدان وتجمعني في الجنة مع المردان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الوفي بذمته، والشفيع للمذنبين من أُمته صلى الله عليه وعلى الأئمة الطاهرين من عترته، هذا ما عهد قاضي قضاة الفاسقين، وناصر دين العاشقين، وإمام العصاة والمنافقين، جمال البدود (٢) والدساكر ورئيس الحانات والمواخر فخر العلوق والمساخر، ذو القرنين الحاضر، مسخرة غلام نقاط أمير المؤمنين أبقاه الله للقيادة يتلو صحفها ويصفي تحفها، وللياطة يفضح علوقها، ويفتح مغلوقها، وللبدود يعدي قحابها ويحمي رحابها، وهو يومئذ متولي قضاء الفسق في الإسلام نافذ القول في الأغشام ماضي الحكم في المغرب والعراق والشام، إليك أيها القاضي الأجم، فخر القيادة وتاجها، قطب المعاصي وسراجها، عزّ العلوق وعمادها، ركن اللياطة وزنادها، جمال الفسقة وعينها. شرف الدناءة وزينها، أبو الثناء محمود بن أفلح اللخمي أدام الله لك السرور، ومتعك بالغفلة والغرور، لا زالت همتك مصروفة إلى المحاب، وكتافك مصطبة لخفاف القحاب، ومنزلك معمورًا بالعلوق، وعارضك مصفرًا بالخلوق، تقضي بالحقوق، وتنهى عن العقوق، أبدًا إلى يوم ينفخ في البوق، ولما انتهى إلينا أيها القاضي الأجم، أطال الله قرونك، وأدام في الخمر رهونك ما أنت عليه من سوء الخلائق. وذميم الطرائق، وانهماكك في المعاصي، وضربك بالمخاصي، وفسقك بالأداني والأقاصي، وأنك أكذب الناس لهجة، وأخبث العالم مهجة، وأبعدهم في المعرفة حسًا. وأبخلهم على المال نفسًا، تتلو صحف الأكاذيب، وتسعى في المعاصي مثل الذيب استخرتُ الله تعالى، وقدمتك على القضايا السرية بثغر الإسكندرية، فاحذر من الاضطهاد، وتشمر عن ساق الاجتهاد، ولا تترك شيئًا من أمور الفسق مطلقًا ولا بابًا من أبواب المعاصي مغلقًا، فأول ما أذكر لك أيها الأذل تقوى الله التي إن دخلت فيها بلا شيء استعجلت العذاب
следующие страницы →