← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

الاجتماع بأبيك الرابض في أمك الهاوية، وهو يقول لك: خرب الله بيتك، أي شيء بيني وبينك، هجوتك وهجوتني، وشتمتك وشتمتني، وقد راح هذا بهذا، ونحن من أهل العلم، ولا يليق بنا إلا المحاللة والاستغفار، لأنك في موقف صعب وأنا رائح إلى رب كريم، رجائي به حسن، وظني به جميل، فانكسر أبو نزار ورجع عنه خجلان، ثم ترتفع الضوضاء، وإذا بموكب عظيم مقبل من المقام المحمود، كأنهم الشموس والأقمار، ركبان على نجائب من نور يؤمون المشرعة العظمى من الحوض، فسألنا عنهم، فقيل: هذا سيد البشر ﷺ في أصحابه وأهل بيته، فنجري خلفه، ونجهد أنفسنا في طلبه، فلم نصل إليه من شدة الزحام، فصعدنا على تل مشرف من جبل الأعراف حتى عبر علينا وعن يمينه ويساره أبو بكر وعمر، وبين يديه أولاده الصغار مع الحسن والحسين، ومن روائه حمزة والعباس وجعفر وعقيل وبقية أصحابه بمشرف مع المهاجرين والأنصار، وهو يصغي تارة إلى حديث علي وتارة إلى حديث عثمان، وهما بين أولاده الصغار وبينه والناس يضجون بالبكاء، ويشيرون عليه بالأيدي ويستغيثون عليه من كل مكان، فلما انتهى إلى شاطئ المشرعة، وقف عندها، فانجاب إليه الصوفية من جميع الأقطار يقدمون إليه أخلة الأسنان والشيشات فسأل عنهم فقيل له: هؤلاء قوم غلب عليهم العجز والكسل على طباعهم في الدنيا فهربوا من كد الصنائع والأعمال إلى زوايا المساجد والمشاهد بحجة العبادة والانقطاع، فلا يزال أحدهم يأكل وينام إلى أن يموت، قال: فبأي شيء كانوا ينفعون الناس، ويعينون بني آدم؟ فقيل: والله ولا شيء، البتة، ولا كانوا إلا كمثل شجر الخروع في البستان. يشربون الماء، ويضيقون المكان، وليس لهم ثمرة، فيكاسر عنهم فيأخذون شيشاتهم وينصرفون، ثم يأتي أسد الدين ونجم الدين راكبين على فرسين كالعروسين، وعلى كل واحد منهما خلعتان، خلعة الحج وخلعة الجهاد، وكل خلعة تساوي ملك الأرض سبعين مرة، وأسد الدين رائح يطلب من النبي ﷺ خلعة فتوح مصر، ونجم الدين يقول له: لا تذكره بمصر، فهو موغر الصدر لأجلها، فيقول له أسد الدين: قد ذكر العلماء بالنسيان ما بين ملوكها وبين قرابة وكتبوا بذلك خطوطهم في المشاريح، وبعد هذا فما أذكرها له، وانتهى إليهما صلاح الدين، فأخذاه وأوصلاه إلى النبي ﷺ ، وأمراه بتقبيل يديه ورجليه، ففعل ذلك ومسح على رأسه ودعا له بالنصر والتأييد وأوصاه بالضعفاء والمظلومين، ونزلوا على المشرعة العظمى، وأقاموا عليها ساعة زمانية، ثم انصرفوا إلى المقام المحمود، وأقبلنا نحن نطلب الشريف النقيب إلى أن وجدناه واقفًا مع جماعة من البوابين (١) يسألهم عن بطليموس الحكيم، هل يصح عنده أن الكواكب

стр. 4237

السّبعة (١) طبائع أم لا؟ وهل قام الدليل والبرهان على أن للكواكب أطوال وعروض أم لا؟ فلمّا رآنا قطع الكلام والتفت إلينا فسلّمنا عليه وقلنا له نظام الدين عسى تتفضّل علينا وتمشي معنا ساعة تشهد لنا عند أمير المؤمنين بالبراءة ممّا قذفنا به من النّصب والانحراف من أولاد فاطمة ﵍. فقال لنا: والله في هذا الوقت بنفسي، وعلى أن شهادتي ما تنفعكم عنده لأني رميت في مجلسه بالفلسفة والعمل بأحكام النجوم، وقد أضرّني ذلك عنده وزوى وجهه عنّي، وأنا من ذلك في خطر كبير، فبينا نحن كذلك وإذا بالأعور البغدادي قد جاء إلينا وقال: كيف رأيتم فعلي بكم، انحسكم أم لا، أنتم تحتقروني وتطرحوني وأنا منحوس كبير، ثم أخذ يعتذر إلينا ويتنصل مما جرى علينا، ويقول: والله ما أردت بذلك القول إلا أن تصفعوا بالدلاء والتواسيم كما صفعت أنا لأني علمت أنّكم قد شتمتم بي وكنتم بذلك مسرورين، وأمّا إذا قد سلمتم من ذلك فأنا أدلّكم على من يسقيكم الماء من هذا الحوض، ولا يحوجكم إلى شيء من هذا الصداع الطويل، اتبعوني أهدكم إلى الرشاد، فتمتنع أنت من ذلك وتقول: إذا كان الغراب دليل قوم … فلا يعدو بهم طرق الخراب الموت بالعطش، ولا اتباع هذا الأعور الملعون، فقلت لك: بالله أتركنا من خنفستك، فليس هذا وقت الصلف، ولا الأنفة، أمّا سمعت قول الشاعر: لا تعجبن لخير إن أتاك به … فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا ومشينا معه مقدار أربع فراسخ، وإذا بجمع عظيم يحتوي على شيوخ وشباب وكهول قد حفّ مجلسهم بالسكينة والوقار، وجلالة الملك والرئاسة، تلوح على وجوههم، فسألنا عنهم فقيل لنا: هؤلاء السادة والقادة من بني عبد شمس، فدخل قسيم الأعور، حتى دخل بين يدي عظيمهم. فقال له: يا خال المؤمنين، يا كاتب وحي ربّ العالمين، نحن قوم من محبيكم. قد طردنا عن الحوض لأجلكم. ونحن هالكون لشدّة العطش بسببكم. فقال: لك بينة تشهد بما تقول؟ فقال: نعم جماعة من شيعتكم ومحبيكم الأكراد، فقال: أحضرهم، فقال: ابعث معي رجلًا من أجلاء وزرائك يساعدني عليهم، فبعث معه رجلًا شاميًا فتخلّل الناس ونادى بأعلى صوته: يا عبد الملك بن درباس، قاضي قضاة مصر في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلم

стр. 4238

يجبه أحد، فوقع ابن بدر إلى الأرض مغشيًا عليه من شدّة الأوام، فقعدنا عند رأسه، وسألنا هل عندكم من قطرة ماء نبل بها حلقه فقال: لا والله، لو تقدمتم قليلًا لما احتجتم إلى هذا كله، فقلنا له وكيف ذلك؟ قال: لأن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، تبعثُ إلى أخيها معاوية كل يوم خمس ثلجيات مزملات، كل ثلجية مثل جبل الثلج عشرين كرة، فيها الماء الخاص من عين التنسيم، يدفع واحدة منها إلى عمرو بن العاص، والأخرى إلى زياد بن أبي سفيان وذويه، والأخرى إلى سعيد بن العاص وذويه، ويقسم الواحد في آل أبي سفيان، وما كان بأسرع من أن حضر القاضي في جماعة من الأكراد، فتقدموا إلى معاوية فسلموا عليه، ثم التفتوا إلى ابنه يزيد فقالوا: السلام عليك يا إمام العدل، السلام عليك يا خليفة الله في الأرض، السلام عليك يا بن عم رسول الله يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، نفعنا الله بطاعتك وأدخلنا في شفاعتك، ورفع درجتك في الجنّة، كما رفعها في الدنيا، فردّ عليهم ردًّا حسنًا، وقال للقاضي صدر الدين: الحمد لله الذي جعل في شيعتي وأصحابي من يصلح أن يكون قاضي قضاة المسلمين، فقال له القاضي: كل ذلك ببركة الفقيه عيسى ضياء الدين (١)، فقال له: أوصيك بأصحابك الأكراد خيرًا، فإنهم أولى بحسن تدبيرك من سائر الناس، فقال: نعم يا أمير المؤمنين ما أحتاج فيهم وصيّة، هذا أنا قد وليت القضاء لجماعة منهم، وأنا أعرفهم في بلادنا لا يعيشون إلا من لصوصية البقر في الليل، وسرقة الحمير بالنهار، ولم أفعل ذلك إلا إني ألزمت باستقضاء قوم أنحس منهم بكثير، فلما رأيت ذلك رجعت إلى قولهم في المثل. إذا كان حولًا تحولًا ربة البيت أولى، وأنا أستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، فقال: تعرف هذا؟ وأشار إلى أبي القاسم الأعور، فقال: نعم يا أمير المؤمنين أعرفه حوسًا، فقال: وما الحوس؟ فقال: الذي يعمل منه المناحيس، قال: فإنه قال: إنه كان يدعو لنا ويترضى عنا، فقال: هو يفعل ذلك مكسبًا ومعيشة، فلو أن اليهود جعلوا له جعلًا على سبّ النبي ﷺ لبادر إليه، وما يصده عنه تقى ولا دين، فأمر به فتشرد عن تلك الرحاب. ثم قال يزيد للقاضي: من هؤلاء فقال: أما هذا فإنه رجل عليمي وهو فخذ من كلب بن وبرة أخوال أمير المؤمنين. وأما هذا، فهو مغربي حضرت معه دعوة فيها جماعة من الأعيان، وجرى حديثك، فترضى عنك، وسأل الله أن يحشره معك، فقال: وجبت، ثم استدعى عبيد الله بن زياد وقال: خُذ معك ألف رجل من السكاسك والسكون واقصد المشرعة التي عليها سهل بن حنيف (٢)

стр. 4239

في جماعة طي وهمدان، فاضربهم بالسيف حتى تزيلهم عنها وأورد هؤلاء الرجال حتى ينالوا بغيتهم من الماء، وينصرفوا ريانين، وإذا أتاك الأشتر النخعي في نخعه مددًا للطالبيين، فانزل على المشرعة وأثبت له حتى تتصل بك الجيوش، فقال له معاوية: لا تبعث ابن زياد، فإنه مما يهيج القوم ولكن قدم ذا الكلاع الحميري، فربما انتفعوا هنالك باليمانية، وكسرت عادية الشر وحدة القتال، فما استتم القول حتى استلام القوم، وتقدموا بين أيدينا يرفلون بالحديد، ولا يلوون على شيء، فقلت لك: كانت وقعة صفين في الدينا على دم عثمان، ووقعة صفين في الآخرة حتى نشوب نحن سم الموت، ويسمع النبي ﷺ بذلك فيخرجنا من الشفاعة، فتقول: النبي ﷺ أجل من هذا، وبعد أن نروى من الماء ما نبالي، ورآنا أبو القسم فعدى إلينا وقال: خذوني معكم، وإلا أنحتكم، وهيجْتُ عليكم قبائل العراق، فقلتُ لك: بالله خُذْهُ معنا، أي شيء علينا منه؟ فقلت لي: والله لا صحبته أبدًا في طريقهم، ولا تركته يذوق منه قطرة أبدًا فصاح علينا: إلى أين يا بقر الشام يا شيعة الطاغوت، يا عبيد الطلقاء، هذا الأنزع البطين بين أيديكم إلى أين تذهبون وغاب عنا، وصمدنا صمد اليمانيين، فلم يشعر بنا إلا ونحن في وسط الماء سابحون، وطاروا إلى عددهم وجاءا إلينا مرعوبين فلما أبصروا بني أبيهم في كتيبة لا ترام أمسكوا وتراطنوا بالحميرية ساعة، ثم اختلطوا فلم يقع بينهم فقال، وأقبلنا نحن نشرب ونستريح، وتقول لي: أين أنت من عين ماء الديباج، كنت أشتهي الساعة قطعة صابون رقي، وقليل تراب مراغي أغسل بها لحيتي، فإنها قد اتسخت من الغبار والعرق، فقلت لك: ما تحتاج إلى شيء من هذا، الساعة تستريح منها، فقلت لي: وكيف ذلك؟ فقلتُ: لا شك إن كنت من أهل السعادة فما يدخل الجنة إلا أجرد أمرد، وإن كنت من أهل النار فالزبانية يعملون منها الفتائل توقد ليلة الميلاد فتيلة على باب جهنّم، فبينا نحن في أطيب عيش وأهناه، وإذا بصيحة عظيمة قد أقبلت وأصحابنا يتطايرون لا يلوي أحد على أحد، فطارت عقولنا، وبقينا حائرين لا ندري إلى أين نروح، وقلنا: يا قوم ما هذا؟ فقالوا: هذا علي ﵇ قد أخذ الطرقات على الشاميين وجاءتنا سرعان الخيل، فيها محمد ابن الحنفية يزأر في أوائلها مثل الأسد الهصور، فلما انتهى إلينا صاح بنا صيحة عظيمة هائلة وصمم إلي بالسنان ليطعنني فوثبت بين يديه، فوقعت من سرير النوم، فانتبهت خائفًا مذعورًا، ولذة ذلك الماء في فمي، وطنين الصيحة في أذني، ورعب الوقعة في قلبي، إلى يوم ينفخ في الصور، ولي حينئذ عذاب شديد، وأصلى سعيرًا، وأدعو ثبورًا، وصلى الله على سيدنا

стр. 4240

محمد نبيه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وله تقليد لأبي الثناء محمود بن يحيى بن أفلح اللخمي المعروف بأنكوا من قاضي الفاسقين (١): الحمد لله الذي تجاوز عن كل غيّ، ووعد بالمغفرة لكل حي، فقال: تعالى ورحمتي وسعت كل شيء، أحمده حمد الثرى للمطر، والمحب على بلوغ الوطر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة توصل إلى الولدان وتجمعني في الجنة مع المردان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الوفي بذمته، والشفيع للمذنبين من أُمته صلى الله عليه وعلى الأئمة الطاهرين من عترته، هذا ما عهد قاضي قضاة الفاسقين، وناصر دين العاشقين، وإمام العصاة والمنافقين، جمال البدود (٢) والدساكر ورئيس الحانات والمواخر فخر العلوق والمساخر، ذو القرنين الحاضر، مسخرة غلام نقاط أمير المؤمنين أبقاه الله للقيادة يتلو صحفها ويصفي تحفها، وللياطة يفضح علوقها، ويفتح مغلوقها، وللبدود يعدي قحابها ويحمي رحابها، وهو يومئذ متولي قضاء الفسق في الإسلام نافذ القول في الأغشام ماضي الحكم في المغرب والعراق والشام، إليك أيها القاضي الأجم، فخر القيادة وتاجها، قطب المعاصي وسراجها، عزّ العلوق وعمادها، ركن اللياطة وزنادها، جمال الفسقة وعينها. شرف الدناءة وزينها، أبو الثناء محمود بن أفلح اللخمي أدام الله لك السرور، ومتعك بالغفلة والغرور، لا زالت همتك مصروفة إلى المحاب، وكتافك مصطبة لخفاف القحاب، ومنزلك معمورًا بالعلوق، وعارضك مصفرًا بالخلوق، تقضي بالحقوق، وتنهى عن العقوق، أبدًا إلى يوم ينفخ في البوق، ولما انتهى إلينا أيها القاضي الأجم، أطال الله قرونك، وأدام في الخمر رهونك ما أنت عليه من سوء الخلائق. وذميم الطرائق، وانهماكك في المعاصي، وضربك بالمخاصي، وفسقك بالأداني والأقاصي، وأنك أكذب الناس لهجة، وأخبث العالم مهجة، وأبعدهم في المعرفة حسًا. وأبخلهم على المال نفسًا، تتلو صحف الأكاذيب، وتسعى في المعاصي مثل الذيب استخرتُ الله تعالى، وقدمتك على القضايا السرية بثغر الإسكندرية، فاحذر من الاضطهاد، وتشمر عن ساق الاجتهاد، ولا تترك شيئًا من أمور الفسق مطلقًا ولا بابًا من أبواب المعاصي مغلقًا، فأول ما أذكر لك أيها الأذل تقوى الله التي إن دخلت فيها بلا شيء استعجلت العذاب

стр. 4241

في الحياة الدنيا، وحطمك وأهرمك وقطع لذاتك وحرمك، فجانبه مجانبة الأسد الكاسر، واجعله بمنزلة العدو الباشر، لا تلم به إلا من بعيد، ولا تذكره إلا في يوم عيد، وحسن ظنك بالله العظيم، وثق بعفو الغفور الرحيم، فإنه لا تتوصل إلى جنته إلا بمنته، ولا تتخلّص من عذابه إلا برحمته، فإذا أراد الله أمرًا يسَّرَهُ، وإذا كره شيئًا عسره، فصل من المعاصي ما قطعت، وحمل على شفاعة نبيك ما استطعت، فإنك لا تقوى على حمل التقوى، وأخر التوبة إلى وقت النوبة: وكثر ما استطعت من الخطايا … إذا كان القدوم على كريم وآمرك في أول الأمر أن تنظر في أبواب الخمر، فمن صرفها فصرفه في أعمالك ومن قتلها، فاقتله بنعالك، ومن داس جرياله أو نقص من مكياله، فاجعل حذاك في سباله، وحمل الكلب على عياله، واحكم في مجالس الشراب بهواك، ولا تتكل فيه على سواك، ولا تنادم المعربدين والأثقال، ولا تسامح في نقل من الأنقال وتلق علاج السكران بكمك وأفده بأبيك وأمك، ولا تؤاخذ نديمك بتجافيه ولا تعوّل في السكر على تصافيه، وأطو بساط الخمر بما فيه، وأمرك أن تنظر في أمر الولدان والصغار من المردان، فمن بلغتك أنه مقصر أو أعمى لا يُبصر فخذه بالملاطفة، واحذر عليه من المخاطفة، وصبعه بالخنصر، ودرجه إلى البنصر، فإذا ارتقى إلى الترويس، وانتهى إلى درجة التنكيس، فالصقه بالحصا، وادخل عليه إلى الخصا. وآمرك أن تجمع بين الصغار والكواسر، وأن تطرقهم إلى دخول القياسر وازجرهم عن الجدال. واضربهم على البدال، وعرفهم أنهم يرتقوا من الوجارة إلى التجارة، وأن في البغاية نيل الغاية، لأنها داء الملوك، وعلة الكتاب، وآمرك أن تنظر في الأجاريش والعلوق النكاريش (١)، فمن نتف شعره أو رفع على العشاق سعره، أو تجاوز حده، أو حلق بالزجاجة خده. فحذر منه العاشقين، واسحقه في ملأ من الفاسقين واكتبه في ديوان المنافقين، وآمرك أن تنظر في أعداء الدين من فقهاء القوادين، فمن بلغك أن شرخ درهمًا من عاشق، أو تلهى برجل فاسق، أو شهد له بالزور أو دلاه بالغرور، فاصفع قفاه، واعطه من التنكيل أوفاه، وأمرك أن تنظر في باب الصفاع، وتذكر ما فيه [من] الانتفاع، وأنه يحلل الإخلاط، ويسهل الضراط، فتقدم إلى أصحابك باستعماله، ومر أتباعك باحتماله، وانظر في مشكلات نوازله، وترتيب منازله، واحكم في التخيير بالتحبير، والتخمين بالتعمير ولا تفتي في اللحمية بالمبطنة، ولا في المكشوفة بالمقطنة، ولا تأمر باستبعاد الفقراوية إلا في مكانها. ولا في النعامية إلا في أعكافها،

стр. 4242

وبعد هذا فإن من الجَهَلة بفقْه هذه المسألة، وأنت من ذوي الألباب بفِقْه هذا الباب. فاكشِفه بحُكْمِك وفَهْمِك. وانظر فيه بفاضل عَمَلِك. وآمُرك أن تنظر في أمر المساحقات القِحَاب المُتعاشقات. فإنهنّ إذا تُركْن لذلك اشتغل البعض بالبعض. واستغني بالنافلة عن الفرض، فيكون ذلك سبب الفساد، وداعية الكساد، فاردعهم بالتنكيل واحذر من التواني والتشكيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. نسخة خط القاضي بين سطور التقليد: قلدتك أيها القاضي البليد، جميع ما تضمنه هذا التقليد، استجلابًا لأنسك وتشريفًا لك على أبناء جنسك، عندما بلغنا أن الملك الناصر أيده الله صفعك ودفعك، ولم يلتفت إلى الخطوط التي معك، فضاقَتْ لذلك صدورنا، وأظلمت له بدورنا، إذ كنت من ثقاتنا، ومن كبار طبقاتنا، فجبرنا ما انكسر من قلبك وأمنا ما ارتاع من سِرْبِك، فتلقّ هذه الموهبة بالقَبُول، وقابِلْها بالشكر الضافي الذيول، وأشرف بها على قومك وولدك، وافخر بها على أبناء بلدك. وطالع الديوان الفاسقي بما يُشكِل عليك، ويشتبه من النوازل بين يديك. والسلام التام عليك. وله كتاب كتبه على لسان قاضي الفاسقين بدمشق، حين رحل عنها قاضي الفاسقين إلى ديار مصر يُخبره بما صارت إليه الأحوال بعد توجهه. المملوك النائب عن مجلس الفِسق الوضيع بالشام أوّله (١): كلُّ من في الوجود نحسٌ إلا واحد - أطال الله بقاء قرون مولاي القاضي الأجم قاضي الفاسقين، المعرفاني الطرب إمام اللاطة وأدام له العز والسرور. ومتعه بالغفلة والغرور، ولا زالت يمينه مُصلية لفصوص القراح، وفلكًا لشموس الأقداح، ومنزله مأهولًا بالولدان، معمورًا بالقحاب والمردان، ونغانغه بمجون القحاب محمرة، وأحداقه بلكماتهم مُخضرة، وخيول اللهو إلى فنائه مُسرعة، وصحائف النفع عن ربوع أكتافه مُقلعة، ولا جعل لسلطان الدرة على قفاه سبيلا، ولطوارق القلع إلى رأسه دليلا. كتبت إليه يسر الله معاصيه، وبارك في مخاصيه، أشكو إليه ما عندي من الارتياح إلى طلعته وصَلْعَته، والحنين إلى قامته وهامته، والتطلع إلى قاعته ورقاعته، وشوقي إليه شوق اللائط إلى المباعر، والمنقطع إلى لحوق الأباعر، وحنيني إليه كارتياح رأسه إلى

стр. 4243

النعال، والأرملة إلى لذة البعال، وأقسم بالغصن إذا استوى. والحقف (١) وما احتوى، والصدغ إذا التوى، لو حط بعض شوقي إليه على وجوه الحسان لكسفها. وعلى ربى الأكفال لنسفها، فأسأل الذي قضى بالبين أن يؤلفنا بالنيربين، والذي قضى بالصدود أن يجمعنا في البدود، بمنه وكرمه، وأما غير ذلك، فلا تسأل عما أقاسيه، من جور العلوق، واهتضام المشوق، وبعدما بين القهوة والحلوق وما قد ابتلينا به من القضاة المخالفين، والأئمة المسخفين (٢) من إقامة الحدود، وتعطيل البدود، وتحريم الزمر، وتعطيل أبواب الخمر، وجلدهم السكران، ولو أنه الحكيم بن مطران، وأخذهم العهود على النصارى واليهود، حتى صارت الخمرة أقل من أخلاط الحسد، وأعزّ من جبهة الأسد. لا تبصر في الليالي، إلا كطيف الخيال، وفي النهار إلا عند إراقتها في الأنهار، ونحن وسط الشدة إلى (أن) تنقضي هذه المدة، وعند التناهي يكون الفرج. وكلما تزايد إنكارهم، وتفرغت للتعذير أفكارهم، ذكرت أعزك الله تعصبك ووفاءك، وما كنت تردّ عنا بقفاك، وقيامك على السلطان، وتعصبك لحزب الشيطان، فأنشد متمثلًا في ذلك: أنبيتُ أن النار بعدك أوقِدتْ … واستب بعدك يا كليبُ المجلس (٣) وتبرزوا فيها بكلّ عظيمةٍ … لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا وأما العلوق، ردّ الله كيدهم في نحورهم، ومكّن رماحنا من ظهورهم، فإنهم لما علموا سفرك، وآمنوا من بوادر ظفرك، استبدوا بنفوسهم، وركبوا في الجور على رؤوسهم يعذبون العشاق، ويهجرون المشتاق، ويهلكونهم بالتشريح، ويصقلون أقفيتهم بالتمريخ، ويتعامون على العاشق عند الإدخال ويجيزون أيورًا كالأفحال (٤)، ويناكون مع الغير بالفلوس، وينحلون على الهائم بالجلوس، وأقسم يا سيدي بمداسك ورأسك، وحق النعل إذا طن والدن إذا رنّ، لو كنت كالأمير لأشهرتهم على الحمير، وحرمت عليهم نتف الذقون وكذلك (٥) الساقات والبطون، حتى يريحنا الشعر من الصداع، ويبقى أحدهم على أكلة الوداع، وأعجب من هذا يا سيدي (٦) ما حدثني به بعض من ينتمي إلى هوى أبي بكر اللخمي أن شعره اليوم وقرعته محلوقة كخده لما

стр. 4244

كانت له دبوقة، وهذا من النعم التي يجب أن تكفر، ومن الذنوب التي لا يجوز أن تغفر، فلو نتفت أصلحك الله سبالك، ومزّقت من الغيظ سربالك، لما وصلت إلى بغيتك، ولو علمت الخرا في لحيتك، وأشدّ من ذلك يا سيدي كون النساء يتعاشق، والقحاب يتساحقن، وقد شقوا عليّ العصا، فتركوني أمص الحصا، وأنا بينهم مثل الخصا، فلا جرم أن الله ابتلانا بالخسوف ورمانا بالكسوف، وروعنا بالزلازل، وأخرجنا من المنازل، فإن كنت راعنا في ولايتك، فاطلع علينا برايتك من قبل أن يسلو العاشقون، ويتوب إلى الله الفاسقون فينفسد د (١) الهندام، وتكسد أسواق المعاصي بالشام، ومتى عزفت على الإياب، فأكثر من النفقة والثياب، لئلا تندم على الرجوع، وتموت بالبرد والجوع، ولا تطمع في التكسب بالشعر، فقد راح ذلك السعر، ولو قلت اليوم الحماسة، ما حصل لك بها كناسة، ولو أنك امرء القيس، صفعوك بجلد التيس، ولو أنك ابن منير لحملوا على عيالك الحمير، لأن الجود قد استقلّ، والندا قد انتقل، وقد وصل إلى قليوب، طالبًا لبني أيوب، ونحن اليوم كما قال الوهراني: أنست بنو شادي بمصر وأهلها … فبكت دمشق عليهم والشام رحل الندى والجود يوم رحيلهم … وتخلّف الحرمان والإعدام كانوا لنا كالوالدين تعطفًا … فاليوم نحن لبعدهم أيتام * * * وأما ما نذيل به ممن ساهم ابن بسام الفتح بن خاقان في ذكره، وقاسم يمين الفتح في شكره، مع من تفرّد به ممن وقع في قسمه، وقرع المسامع باسمه، ممن أكثر في الذخيرة الإعلان من جواهره، وصرّ الأوراق على أزاهره، مقتصرين على المشاهير والمختار لهم. فمنهم: [٢٥] الوزير الكاتب، أبو حفص بن برد (٢) شيخ كهول ومرد، وناسج كل حبرة تنسب إلى برد، لم يزل بأجراء أفكاره رائض

стр. 4245

مسومة جرد، وخائض معارك كمت وجرد، فجاءت جياده سابقة تمسح وجوهها وأعطافها، وتتبارى بحورها ونطافها، فورد جمامًا، وسقى الثريا كأسًا والبدر جاما، وكان ذا اقتدار على البيان، وسحر فيه يخيل للعيان بلطائف تستلين الحديد، وتتبين قدر عبد الحميد، وآداب لو غامزت لكانت لحاظًا مراضا، أو بارزت لانبرت سهامًا وأغراضًا. قال ابن بسام (١): كان (٢) في ذلك الأوان واسطة السلك، وقطب رحى الملك (٣) وقلّد ديوان الإنشاء بعد ابن الجزيري (٤)، ثم عن المستعين (٥) وغيره من أمراء الفتنة فأسمع الصم بيانًا، فاستنزل العضم إبداعًا وإحسانًا، وكانت وفاته بسرقسطة سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين. ومن نثره قوله (٦): ولا أحْسَبُ الذي غرَّهم بنا، وجرأهم علينا، إلا ما وهب الله لنا من الحلم مع المقدرة، والكظم عند الحفيظة، وكم من غصص في شهي الغذاء ومن شرق في غير الماء (٧). ومنه قوله (٨): إن الله تعالى قسم لأهل بيتنا بني أمية، من السلطان الموصول (لهم) (٩) بخلافة النبوة ما حازه لهم من بين (١٠) سائر قريش، وسراة رجالها وافرة، وبيوت شرفها عامرة، وكان أول من أجمع عليه خيار صحابته (١١) منهم بالشورى والاختبار عثمان بن عفان

стр. 4246

أمير المؤمنين (١)، وصهر نبيه مرتين (٢)، فلم ينكر فضله هاشمي، ولا دافع إمامته قرشي، ولا نازعه الخلافة عربي ولا عجمي، ثم غلب الشقاء على أقوام فنالوا منه ما انفتح عليه باب الفتنة إلى يوم القيامة، فيا لها مصيبة صدعت شمل المسلمين، وأوهت قوى (٣) الدين، وافترق أهل الإسلام، بعده فرقتين، ثم لم تجتمعا إلا على رجل منا ولم يجدوا غنى عنّا (٤)، وقد آن أن تثوب الحلوم فتعود السيوف إلى أغمادها، والنبال في كنائنها، ونحن نعاهد الله ألا نؤاخذ أحدًا بذنب (٥)، ولا ننطوي له على إمنة بل نزيدكم في العطاء (٦)، ونترككم بمواضعكم التي ارتضيتموها، ندر عليكم جباياتها، وندفع عنكم جناياتها (٧). ومنه قوله (٨): ومتى بلغكم (٩) عن عبد ثرَّبَ (١٠) على مولاه فأفلح، أو سمعتم بجُندٍ شَعْبَ على مُدَبِّره فأنجح؟ والحقُّ لا يضره قلة أهله، والباطل لا ينفعه كثرة جمعه، فإن العاقبة للمتقين، وحزب الله هم الغالبون (١١)، وقد رأيتم (١٢) نتيجة آراء السفهاء، و (سوء عاقبة من تعرّض للبلاء) (١٣) والله تعالى ودينه وخلافته في غنى عمن عمد إليه (١٤)، وحاده، والْحَدَ في الإسلام وشاقه (١٥)، وشقّ عصا الأمة، واستخف بحقوق الأئمة (١٦)، ولولا أن أمير المؤمنين يعلم (١٧) أنَّ ملاكم لم يجتمع على هذا الكتاب، ويوقن (١٨) أن أهل

стр. 4247

الرأي (١) منكم لم يرضوا بهذا الخطاب، كان له (٢) في ذلك نظر يقيم الأود ويعرف الجود (٣)، ومع أن الكظم (٤) من أخلاقه، والحلم مما ضرب في كريم أعراقه (٥)، ولو كشف لكم الغطاء، واجتلى لكم الغيب (٦)، لعلمتم صفاء سريرة أمير المؤمنين بلا ريب (٧). ومنه قوله (٨): إن العاقبة للتقوى، وإنَّ كلمة الله هي العليا، ولا تبتئس فإنّ الحق يدمغ الباطل (٩) وإن لاحت للكذب (١٠) بارقة، وهبت له نافحة، فإنما ذلك استدراج لأهله، وإملاء لحزبه، ثم يأخذهم بما اجترحوا، ويوبقهم (١١) بما اكتسبوا. ومنه قوله (١٢): وإن كنت بحمد الله ومنّه كامل الأدوات، كثير الحسنات، ولكن الزيادة من فضل الله محبوبة من النجباء، مطلوبة من النبلاء، وأنت صدرهم السابق، وسهمهم الراشق (١٣) وهاديهم المبرز، وعاديهم المحرّز (١٤)، وقد نبذنا إليك مع فلان نبذة في كتابنا، ولم يقنعنا دون غاية البيان (١٥)، ونهاية الإحسان، ولم يشفنا إلا إيضاح الدليل، وإقامة السبيل، وقد توالت المحن وطالت الفتن، ونجم النفاق، وشاع الخلاف، وطمع فينا من لا فضل فيه عن نفسه ولا قرار له دون رمسه. وأكثر الآفات شتات آرائنا، وأقوى دواعي أطماع عدونا إخلاف أوليائنا. وقد (١٦) علمت الكافة ما أولاه أمير المؤمنين فلانًا من إحسانه وأفاضه عليه من معروفة، فرفعه من الحضيض، وانتعشه (١٧) عند

стр. 4248

الجريض، ونوّه به بعد الخمول، وكثره وهو قليل، فلم يشكر الله نعمة، ولا وفي له بذمة، وظل يبني الغدرة (١) على غير أس. فخر بنيانه (٢)، ورمى (٣) الرميات في غير هدف، فأخطأت (٤) سهامه (٥) حتى اتسع عليه الخرق، وأعضله (٦) الفتق، وأسفر (٧) له وجه الخذلان، وأسلمه غروره إلى الشيطان (٨)، وقرب المواعيد الزور (٩)، ولبس الأمور (١٠) وليس أمير المؤمنين (١١) بأوّل من أحسن فضاع إحسانه، وسدّد فنكب سنانه (١٢)، وفي الله (١٣) عوض من كل فائت وخلف من ضائع (١٤)، وللأيام أعقاب تديل المكروه (١٥) بالرضى، والشدّة بالرخا (١٦)، وقد علم من عرفنا، وأيقن من أنصفنا، أننا كنا في عيش هني، ولبب (١٧) رخي، وعمل واسع، ومال متتابع (١٨)، وجند مطيع، وحصن منيع، وفي دون (ذلك) (١٩) مقنع، وأيسره ممتع. ومنه قوله (٢٠):

стр. 4249

وقد قيل: إن الشكر (١)، وإن قلّ، ثمُنٌ لكل نوال وإن جل (٢)، ولو نظرت في أخبار الماضين، وكشفت عن سير الأولين، لوجدت ملوك الأمم على قديم الزمان قد تعاملت بالتعاون، وتواصت بالترافد، هذا وإن تنادت أوطانها، وتخالفت أديانها (٣)، والدهر أطوار، والأيام دول، ومع اليوم غد (٤). ومنه قوله (٥): وليعلم أنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه (٦) من العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وأتممنا نقيصته، وخوَّلناه صنوف الأموال، وصيرنا حاله فوق الأحوال (٧)، وبَرَّأناه من النعيم عليه ما أحوج الخاصة والعامة إليه، فلم يقم لله بحق (٨)، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل وديعته الرعية برفق (٩)، ولا تناول فريضة الله (١٠) عليه خدمتنا بحذق، حتى إذا ملكه الأشر، وتناهى به البطر، وعلت به الأمور، وغرَّه بالله الغرور، واحتجن (١١) حرام الأموال، واستمال طغام الرجال، فصرعه بغيه وأسلمه غدرُه، وأخذه الله بما اجترح (١٢)، وأوبقه (١٣) بما اكتسب، فأعجلناه عن تدبيره، وصار إلى سقر وسعيره (١٤). ومنهم: [٢٦] أبو جعفر بن اللمائي (١٥) دوحة علم مثمرة، وشرارة فهم مضمرة، سح سحابة فأغدق، وساح بحره

стр. 4250

فأغرق، وجاء وأيام الأدب في رأد ضُحاها وأغصان الأدباء في رداء لحاها، والناس على الفضائل متوافرون، وعلى الفواضل متضافرون، وعصر المغرب عصر لتحليته بأصائله، وترديته بكرم خصائله، فجرى في آفاق ذلك المغرب مجرى الأصيل، وسر مسرى البرء من العليل، فكان شهاب سمائها، وشباب مشابها، فطلع طلوع هلالها العلى، وأنار إنارة نجومها في العشي، وكانت المسامع تختطف حليه اختطاف البروق للأبصار، وتقطفُ جنيه اقتطاف الأيدي جنى الشهد الأبكار. قال ابن بسام (١): أحد الأئمة الكتاب، وشهب الآداب، ممن سُخّرت له فنون البيان، تسخير (٢) الجنّ لسليمان، وتصرّف بمحاسن الكلام، تصرف الرياح بالغمام، طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه، وله إنشاءات شريفة (٣)، في الدولة الحمودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها (٤)، وقد أخرجت من براعته ما يشهد له بالفضل من صناعته. على (٥) أكثر جماعته. فمن نثره قوله (٦): ريح ودي (٧) لك صبًا، وزمن إقبالي (٨) فيك صبًا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيّئ ظل (٩) وفائك، جان منك ثمرة فرع طاب أكله، وأجناني البر قديمًا أصله، وسقاني برقه (١٠)، ورواني ودقه (١١)، وأنت الطالع في فجاجه، السالك لمنهاجه، سهم في الكنانة (١٢) صائب، وكوكب في السماء (١٣) ثاقب، وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسره، ووصف ود أضمره.

стр. 4251

وموصل كتابي هذا اختل ما أعهده (١) من أمره، وطمى (٢) عليه بحر دهره، فإن سبح غرق، وإن شرب شرق، وله أصل يوصله إلى استقلاله (٣) بك، واعتلاقه بسببك (٤). ومنه قوله (٥): روض العلم في فنائك مونق، وغصن الأدب بمائك مورق، وقد لفظ بحر العلم درره، وأطلع روض الحزم (٦) زهره، فأهدى هذا مع فلان (٧) نفيس أجناسه، وبعث هذا بنسيم (٨) أنفاسه، فهو لؤلؤ أدب، ونوّار طرب، يسقيك حنانه عقار اعتقاده. في كأس وداده، إلى ثمر (٩) معان من بدائعه لا تُجنى، فوق سحر بيان من غرائبه لا ترتقى، فإذا لا حظها الفكر أنس، وإذا رامها يئس (١٠)، ولم يناد مجدك (١١) إلا لتجيبه، ولم يرم (١٢) بك إلا ليُصيبه، فأمطر رجاءه بعض طلك، ووسد جوازئه أبردي ظلك، فما ماؤك بوشل، ولا وردك بنهل، وفيها (١٣) أجر، ولدي (١٤) شكر. ومن شعره قوله (١٥): قد قلت إذ سار السفين بهم … والبين ينهب مهجتي نَهْبا لو أن لي ملكًا أصول به … لأخذت كل سفينة غضبا ودخل عليه بعض أصحابه في علته التي مات فيها، فجعل يروح عليه، فقال (١٦): روحني عائدي فقلت له … مة، لا تردني على الذي أجد أما ترى النار وهي خامِدَةٌ … عِنْدَ هبوب الرياح تتقد؟

стр. 4252

وله قصيدة قال منها (١): يا سيدي وأخي الوفي وما أخي … منه إلى قلب الإخاء بأقرب وإذا غدا العلم المشرف أهله … نسبًا يؤلّفنا فنحن (٢) بنو أب أخفتني الأيام في لهواتها … وسجني فيها فكيف شعرت بي وكتبت عن ود وقد كتب الإخا … بين النفوس صحائفا لم تكتب بأرق من دمع المشوق فؤاده … وأرقٌ من ريق الحبيب وأعذب صُبح تدرع من سواد مداده … ليلًا كفعل الزائر المترقب خفيت معانيه على أفهامنا (٣) … فالفكر بين مصدق ومكذب أذكى من المسك الفتيق نسيمه … أرجًا وأصفى من لعاب الجندب ومنهم: [٢٧] أبو عبد الله البزلياني (٤) محقق نقول، وملقح عقول، لم يزل مورد عذب صاف، ومعهد عدل وإنصاف، منوع أفنان، ومنوّر جنان، تقلدته تلك الدول عقدًا لجيدها، وردته تلك الليالي والأيام بجديدها. وكانت الملوك تودّ لو شدَّت به في أفنيتها، والدول لو شادت به دعائم أبنيتها. وتتنفس منه شذى المسك الأذفر، وتتنافس فيه منافسة الهادي والرشيد في زبيدة بنت جعفر، فلا يزال يتنسم ريحه، ويتنسم لمقدمه حتى حل ضريحه. قال ابن بسام: من أدار الممالك (٥)، ودبرها، وطوى المسالك (٦) ونشرها، وقال ابن حيان: ولما قبض ابن عباد (٧) على البكريين (٨) جعل مكانهم ابنه محمدًا، واستكتب ابن الزلياني، فصارت إليه مصائره، ودارت إليه دوائره.

стр. 4253

ومن نثره قوله (١): من النصح تقريع، ومن الحفاظ تضييع، ولكل مقام مقال، إذا عدي به عنه استحال، ووصل منك إلي (٢) كتاب (٣)، أومأت فيه إلى النصح، وذلك (٤) على سبيل النجح (٥)، وكان بالجملة أوله سباب، وآخره إعجاب، والسباب لا ينطق به كريم، والإعجاب لا يرضى به حكيم (٦). وما أحسن قول القائل (٧): وتجهل أيدينا ويحلم رأينا … ونشتم بالأفعال لا بالتكلم فإن أردت أن تستصلح مني بسبك فاسدًا، وتقرب مني متباعدًا، فما هذه شيم يقضي بها الفضل، ولا سياسة يحكم بها العدل، وإن كنت أردت التخويف والإيعاد، والإبراق والإرعاد، فقد كفاني قول الكميت: أرْعِد وأبرق يا يز … د فما وعيدك لي بضائر وما ذكرته من الذي وقع بين الطائفتين من بني عمنا بالعدوة، فكل امرئ بقدر، ولكل نبأ مستقر، والدنيا أحوال، والحرب سجال (٨) وأكثر الوبال واقع على الظالم، ونازل بالجارم (٩). ومنه قوله (١٠): من رغب عن الفضل بنفسه ندم، ومن فر من الليل أدركه حيث خيم، ومن لكلّ ظمآن بعذب زلال، ولكل آمل بنيل الآمال؟ وما كلّ مُسْتَسْقٍ يُمْطر، ولا كل طالب يظفر، وما ضاق عُذر وسِعَهُ حلمك، ولا خذل (١١) من نَصَرَهُ عزمك (١٢)، وما أحسن

стр. 4254

العافية، ولا كحسنها بعد البلاء، وما ألذ السعادة، ولا كلذتها بعد الشقاء، وما أنفع الورد لغلة الخوامس (١)، وأطيب الظل للضاحي الشامس! ومن عدم الشفعاء شفعت له (٢) فضائلك، ومن قسا عليه الزمان (٣) لانت له شمائلك. ومنه قوله (٤): والشمس بعد السحاب أبهى، والإمكان بعد التعذر أشهى (٥)، وأنا أحسد قرطاسي على ملاقاتك، وأغبط أنفاسي (٦) على مناجاتك، فإن مُنعت منك عيني فقد رأتك في كل حسن تراه، وإن حزنت للبعد عنك، فقد سُرِرتُ بما من لقائك أتمناه. ومنه قوله (٧): ولمثلك تنفع التذكرة (٨)، وقد يهز الصارم فيقد الدروع، ويهاج الضراغم فتفض (٩) الجموع، وحماك الإسلام فكيف يباح؟ وركنك الإيمان فكيف يزاح؟ وجارك الأدب فكيف يهتضم؟ أو تغير عليه عين الوقاح (١٠)؟ ومنه قوله (١١): هذا الوقت الذي كنت أتأياه (١٢)، والحين الذي ما زلت أتمناه، والزمان الذي قاسيت فيه تعب الانتظار، وقطعت إلى بلوغه مسافة الليل والنهار (١٣)، فلا يجتمع رجاؤك واليأس في قلب، ولا تحل محبتك والحرمان في خلب. ومنه قوله (١٤): والكبرياء رداء الله الذي من جاذبه إياه قصمه، والتقى الذي من تعلّق به عصمه، وما تكبر متكبر إلا من جهله، وعجب المرء أحد حساد عقله (١٥)، وجئتك زائرًا، فكأني

стр. 4255

جئتك أملًا، وأردت مصافحتك فما مددت يدًا، وطلبت معانقتك فخلتك مقعدًا، وبعد أن هممت بالنهوض أقعدك الكسل، كأنك غادة (١) أثقلها الكفل، وجعلت تشير بالحاجب وتلوي بالشفة، وتدعي بالجهل في كل شيء معرفة، فما كان ضرك حين أخللت لو كنت أجللت (٢)، وما كان يسؤوك حين ناظرت لو أجملت، وما كان ينقصك إذ (٣) حكمت لو عدلت (٤)؟ وما أبرأ نفسي من زلة ولا أعصِمُها من خلة (٥)، فالأديب يجعل للأديب مخرجًا، ولا يجعل باب العذر له مرتجًا (٦)، هيهات، غلبك على الحق أهله، وقفاك عنه جهله (٧)، وستحصد ما زرعت (٨)، و وتعلم ما صنعت (٩). ومنه قوله (١٠): كتبت (١١)، ومشارب الآمال قد تكدرت، ووجوه المحاسن قد تغيرت (١٢)، إلا أن يتلافى الله الخلل بسديد (١٣) نظركما، فيرقع المتخرّق، ويجمع المتفرق (١٤)، فتعود الأيدي متساندة والنفوس متعاضدة (١٥)، والأنحاء واحدة، والدماء محقونة، والعاقبة مأمونة (١٦)، واتصل بي ما وقع بينكما وبين فلان (١٧) من التنازع الذي أخاف أن يفضي

стр. 4256

بكما إلى التقاطع، وورد عليّ كتابكما (١) في ذلك بما ترقبت انصرام أجله، وانصرام علله (٢)، حيث خشيت أن يتمادى بكم اللجاج ويتعاصى في أموركم [العلاج (٣)] فلم أر نفسي في سعة من إهمال التذكرة وإغفال التبصرة، والله يعيذ الكل من الشتات والشمات، ويعيدكم إلى المواساة والمواتاة، وقد علمتم (٤) ما في صلاح ذات البين (٥) من دعة الأجسام، والرّعة عن الآثام (٦)، والحرب مشتقة (٧) من الحرب، مع ضنك المنقلب (٨)، تؤتم الأطفال، وتلتهم الرجال (٩)، ورجالها (١٠) نادم، وباقيهم واجم، مع الذي يحملون من أوزارهم (١١)، ويحتقبون من أصارهم بالاستنصار (١٢) بالنصارى على المسلمين، يقتلون ويأسرون (١٣)، فالأموال مستهلكة، والحرمات منتهكة، والدماء مهراقة، والنساء مستاقة، وعقد الدين مفسوخ وعهد الإسلام منسوخ (١٤)، وإن نفذ هذا - وأعوذ بالله - فهي حال مؤذنة بالذهاب، وجريرة صائرة (١٥) إلى الخراب، ولم نأمنْ أن يظهر لهم من الخلل في بلادنا، والقلة من (١٦) أعدادنا، ما يجر لهم علينا، ويجربهم (١٧) إلينا (١٨)، وتلك الواقعة التي لا ينتعش عثورها، والقارعة التي لا ينجبر كسيرها. ومنه قوله (١٩):

стр. 4257

الحسب (١) في مواطنه (٢)، كالذهب في معادنه، والشرف في الأشراف، كالدرر في الأصلاف، والمجد في أهله، كالفرع في أصله، ومن أضاءت به آفاق تجيب (٣) وورث السيادة نجيبا عن نجيب، وكان الكرم فيه كالفرند في القواضب، والضياء في الكواكب، والصفاء في الماء، والروح في الهواء (٤)، وإن لم يحظ بك العيان، ولا أسعد بقربك الزمان، فالرؤية بالقلب لا بالعين، والقرب بالنفس لانقلاب البين (٥)، ومن كان مثالك نور ناظره، وخيالك سمير خاطره، فقد قاربك مقاربة الارتياح (٦)، ومازجك (٧) ممازجة الماء للراح (٨)، وأنا أحمد [يوما] (٩) وصلني بمعرفتك، وذم دهرا قطعني عن صلتك. ومنهم: [٢٨] أبو حفص، عمر بن شهيد (١٠) طابع زبر بقوة وأيد، وجاني شهد من شهيد، كان ساحب مطارف، وصاحب معارف، يدنو ثمره لقاطف، ويجلو غررا ومعاطف، وكان في الأفق الغربي شرخ صباه، ومهب قبول أدبه وصباه، يتيه به والأندية عامرة، والأبنية لمقل النجوم مسامرة، وتلك المعاهد معاهد جياد تستبق، ومعالم أجواد تصطبح الكرم وتغتبق، حتى نعق فيها غراب البين بالشتات، وطلق الأمن عروشها الطلاق البتات. قال ابن بسام (١١): وهو وإن لم يزر لملك. ولا دارت (١٢) عليه رحى فلك (١٣)،

стр. 4258

ليس بمتأخر عن طبقات المحسنين، ولا بسكيت حلبات المجيدين، وقد خرجت (١) له ما يشهد برسوخ إعلامه وشهرة أيامه. ومن نثره قوله (٢): أتيتك (٣) بأحدوثة عجب تُضْحِكُ سنّك (٤)، فما زالت النوادر مستغربةً، سيما نوادر زغلة الكتاب (٥)، وجهتُ فلانًا إليَّ بكتاب (٦) وكنت - علم الله - حين موافاتي (٧) بمنزلي حليف ألم، أطلت عليه التململ وأسهرني ليلي (٨) الأطول، وقد انفض عني من كان عندي (٩) رجاء غفاءة (١٠) أستشفي بها، وأسترد بعض منّتي في أطراف هدبها (١١)، فقرع الباب قرعًا منكرًا، تمثل الحرج فيه (١٢) ويبدو (١٣) الضجر في تواليه، فتداخل الخادم رعب، وقالت: وهو خطب، ثم خرجت على تحامل بروعة جنان، ولجلجة لسان (١٤)، تنقل قدمها إليه على وجل: كما يمس بظَهْرِ الحيّة الفَرِقُ ثم قالت: من الرجل؟ فانغض رأسه نحوها، وقبض على لحيته بيمينه، وأحد النظر إليها وتنهد وقال: أوه على طموس رسم الأدب، وتمثل: إني لأفتح عيني ثم أُغلقها … على كثير ولكن لا أرى أحدا (١٥) ثم التفت (١٦) إلى الخادم، وقال: يا لكعاء أنت في نزيه العيش (١٧)، وفي ذلك لم تحفظي بيتًا (١٨) من الشعر يحسن به أدبكِ، ويحجركِ أن تقولي من الرجل؟ أين أنت يا لكعاء من قول أبي تمام (١٩): يحميه لألاؤه ولو ذعيته … من أن يُذال بمن أو ممن الرجل

стр. 4259

وأقسم لو أنك امرأة من الأزد، أسد الباس، ومقاديم الناس، لرأيت لألأة الأزدية في أسرّة وجهي، ولولا تحفّزي للأمر الذي أردت (١) له، لكان لي ولك خطب، ولأعطيتك قانونًا في الفراسة والزجر، ونبذت إليك علمًا (٢) من علوم الدهر، لا يلتبس عليك معه الشريف أيام عمرك، يا هذه قولي لربّ هذا (٣) المنزل يترمرم لإنفاذ هذا الكتاب، فقالت له الخادم: عافاك الله. إنه عليل، ومن وصله ثقيل، وقد برح به السهر، ولان لغفوته السحر، ولا بد من التخفيف عنه، فجرجر جرجرة العود الدبر، وتزيد من الحرج والحصر (٤)، وقال: بَسْلُ علينا معشر الأزد أن نغري ولا نخلق، أو نتوجه في أمر فلا نحقق يا هذه، ليس هذا إيوان كسرى، فيتزوّد لاستنجاح (٥) الحاجة به: المال والصبر والعقل، ومن العجب وقوفي معك منذ اليوم أضرب لك الأمثال وأحرف المقال، وأنت لاهية (٦)، لا يعنيك أمري، أترين صاحبك شرب من الخمر أقداحًا، وسمع نوبات (٧)، فلما اعتدل مزاجه، وتوارت وجوه النوب (٨) عنه، قال للدهر: أدر دوائرك، فإني لا أعلم (٩) بك، قد علمت علته، أقسم لو أنَّ به ألف علة، تكون حياته من جميعها مختلة، لينفذن هذا الكتاب، (قالت له الخادم) (١٠): ويحك ما أجفاك من وافد الأزد أين منك رقة الحجاز وفصاحة نجد؟ ما أقبح هذا العقوق، بمن شرب ماء العقيق، وأسوأ هذا الأدب ممن ينتمي إلى ذؤابة العرب! فقال: يا لكعاء، إنك تجادليني عن نسبي؟ وحياة ما نقلته من الخبر (١١)، وتجشمته من الخطر (١٢)، لينفذن هذا الكتاب أو لأشهدنَّ عليه بالعصيان والتكاسل، والتواني والتثاقل، فمثلي لا يرد (١٣) إلا بحزم، ولا يصدر إلا عن فضل، قالت له الخادم: ما أسوأ تقديرك للأمور! لئن كان مخمورًا خُمار وصب، فهؤلاء الشهود معهم شرب، وعندهم طرب، وصاحب المدينة منه بنسب، وعلى صلة سبب، فأين نذهب؟ فشمخ بأنفه وكسر من طرفه، وتمدد (١٤) في الزفرة، وتردّد في التلهف (١٥) والحسرة، ثم قال: أف للدنيا، فما تزال

стр. 4260

تعنينا بمثل هذه الهنات، فلما شدَّ على شسعه للانصراف أقبل على الخادم فقال: قفي قبل التفرق يا ضُباعا … ولا يك موقفٌ منك الوداعا (١) أما إنك لو لم تكوني بأهلية الضئضئ أحرقتك (٢)، ولكن سأودع عندك (٣) أرجًا يدل على موقفي في هذه البحبوحة، أنا العتكي الحسب والنسب، وذو الهمة والأدب، فقولي (٤) بما شهدت، وحدّثي عما عانيت، وما أراك تجدين ظاهرًا تقيمين به فرض الثناء عليّ، اذهبي لا محفوظة ولا مكلوءة، ثم انحدر فما علمنا ما كان منه. ومنه قوله (٥): ولم تزل الجياد تمعج (٦) بكماتها، والشمس تنتقل في درجاتها، حتى أشرفنا على عين كالدينار، كأنما هُندِست بالبركار، ذات ماء ريان من الشنب والخصر، وحصباء كالأسنان ذوات الأشر (٧)، وقد حفّ بها النبات احتفاف (٨) الشارب بفم الأمرد، وتزينت بخضرةٍ كالمرآة الصقيلة طوقت بالزبرجد. وقوله (٩): فأصغيت فإذا بضرب ناقوس، في دير قسيس، وقرية آنة كلها حانة (١٠)، دار البطاريق وملعب الكأس والإبريق، سائمتها الخنازير، وحياضها المعاصير، ومياهها الأنبذة والخمور، وشكلها مثلث مسطوح هندسته حواري المسيح، بناتها غصون من قدود، تهتز في أوراق من برود، وتثمر رمانًا من نهود، وتفاحًا من خدود، وعقارب من أصداغ، وأفاعي من أسورة وعقود، فيها مدام من رضاب، وشفاه من كواعب أتراب (١١)، وارتجاج بكثيب في مِرْط، وجولان لنطاق، وغصص لخلخال (١٢) وحَبَبٌ في ألفاظ، ومواعيد بألحاظ، وقلوب تكلف وتشغف، ونفوس تنشا وأخرى تتلف، فلما أكثر محدثنا بحضرة الفقيه من هذا التشبيه، ومن هذه المحاسن، (المحركات) (١٣) لكثير من السواكن، قطبنا له وجوه الاستكراه، وعضضنا له على الشفاه، فبينا نحن كذلك نكثر لغطًا، ونرى الحلول بالمسيحيين غلطًا، إذ نظرنا إلى

стр. 4261

اطراد (١) صفوف، من أعطاف خنثة وخصور هيف، وشموس وأقمار، على أفلاك جيوب وأزرار، لا سيوف إلا من مُقَل، ولا دروق إلا من خجل، ولا عارض إلا من خلوق، ولا صناعة غير تخليق، ولا اسم غير عاشق ومعشوق، فتشفّع (القسيس) (٢) بحسن خدودهم، وأقسم بنعمة قدودهم، إلا أجزلتم المنّة، وثنيتُم الأعنة، تعريجًا إلينا، وتحكمًا في المال والولد علينا، وكرمت الشفاعة، وقلنا السمع والطاعة، وجُلنا جولان الزنانير، على هيف الخصور نغص بما بقي من الطريق، غصص الدمالج (٣)، بخدال السوق (٤)، حتى وافينا الباب، وأنخنا بالركاب، وتولى تولي الحرّ، ضروبًا من البرّ، غير أنه قنع بالدن وجه مدامة، تقنّع الورد بأكمامه، وقضانا من الإكرام نافلة وفرضًا، وشددنا الجياد عنه ركضًا، وسرنا حتى رفع إلينا في طريقنا الجدر (٥)، فإذا كنيسة عالية الأطلال من الجمال، إلا تعلّة المتوسّم بالتخيّل والتوهّم، كوجه (٦) الكريم أخلقه ابتذاله، أو كخد الأمرد تغشاه سباله، فهيج ذكرًا، وأوجد ذكرًا، فأنشدت: وكنيسة أخذ البلى منها كما … أبصرتُ فيئًا في مُغارِ يُنهَبُ نمت علينا في السفارة نفحة … من ماء كرمة كان فيها يُسكب أهوى إليها بالمطيّ تخيل … منّا يُريني (٧) والأماني تكذب فتوافت (٨) الركبان في عرصاتها … كلُّ بها متحيّرٌ مُتَعجّب أني تأتت لابن آدم قُدْرَةٌ … حتى استقام وتم ذاك المنصب ومن أي أرض كان رائع مَرْمر … كسواعِد الغزلان فيها يجلَبُ كم صاد إبليس بها من سائب (٩) … بحبائل ألقَى بِهنَّ ترهب وكم (١٠) ابتنى القسيس فيها منبرًا … من جؤذر وبدا عليه يخطب سقيًا لها من دار غيّ لم يزل … فيها كريم بالملاح يعذب (١١) كلا ولا زالت (١٢) نجوم مُدامةٍ … فيها بأفواه الندامي تغرب بئس المصلّى إن أردت تعبُّدًا … فيه ولكن كان نعم المشرب ثم أغذذنا سيرًا، وكأننا نُنَفِّر طيرًا، حتى نظرنا من السائمة تسوح في مروجها.

стр. 4262

كالعذارى تميس في دبابيجها، كلا نظير، وماء نمير، وما زِلْتُ أروي هنالك بالرائبِ والميس (١)، حتى كاد كياني (٢) ينقلب إلى كيان التيس، ثم رحلنا وتذكرنا الطراد، فمشت الجياد، وتواثبت الآساد، حذرت (٣) تنظر من أمثال الدنانير، وتتخطف بأشباه المرهفة الذكور، فأرسلناها إرسال سهام الأحداق إلى قلوب العشاق، فلم نر إلا ريشًا محلوجًا، ومنسرًا يُحسن توديجًا (٤)، ووردنا ماءً في رقة النسيم، ولذاذة بنت الكروم، فشربنا وطعمنا، وقربنا سباع الفلاة، بما فضل عن الكماة ونقشت على قرقرة بيضاء ساعة وردنا ذلك الماء: ياربُّ ماءٍ عازبٍ مَجْه … مَزْنُ هزيمِ الودْقِ في سَبْسَبِ زبرجدٌ جلَّلَهُ مَكْنُه … غشاهُ ديباجٌ من الطُّحْلُبِ إن كان فيما قد مضى موردًا … فللعِطَاشِ الأسدُ والأذؤبُ باكرته مع كل ذي همّةٍ … لا يرتضي الأفلاك عن مركب ولغط الطير بأرجائه … كلغط الصبيان (٥) في المكتب فانقض من أيماننا كوكب … ذو ناظر أنور من كوكب مكحل الآماق ذو منسر … يسترزق الرحمن من مخلب فاستشعر الطير هروبًا وهل … عن نازل المقدور من مهرب فصاد ما أوسع صحبي قرى … وفاض في الأبعد والأقرب صيد لعمري لم يُعبه سوى … إن لم يكن نقلًا على مشرب ثم لم نزل نسري سري النجوم في الدياجي، إذ تلقانا شاب، كما ذهب عقيق خديه، ونم شاربه بالتذكير عليه، متقلد حسام (٦) كأنما طبع من لحظه لا من لفظه، على جواد ظمآن الأسافل كخصريه، ريان المعالي (٧) كردفيه، تستعيذ عيون البررة من النظر إليه، وتزدحم أطماع الفجرة حواليه: ذو مقلةٍ شهلاء روميّةٍ … وذو لسان عربي مبين قلت وقد عيب بتثليثها … مقال ذي رأي وعقل رصين

стр. 4263

طَلعَتْهُ الدنيا، وقل (١) قلّما … يُجْمَعُ للإنسان دنيا ودين فلما بلغنا قبل عرف جواده، وعبراته تنسكب على نجاده، قلنا، ما لك لا أبا لك؟ قال: منقلب (٢) من السجن، وآبقٌ من أهل الحصن، وعائد من ظلمات الغواية، بنور (٣) الهداية، ومن ذلّ عبادة الأوثان، إلى عزّ عبادة الرحمن، ولي خَبَرٌ أريد أن أقصه، ويمتن الفقيه (٤) أن يسمع نصّه. فخرج إليه الاذن. وقيل له اذن، فقضى فرض التحية ونافلتها، ثمَّ قال: أيها الفقيه، للأشياء غايات تنتهي إليها، ومقادير تجري عليها، وأما (٥) والذي أسعد قومًا بالهداية، وأثابهم عليها، وأشقى آخرين بالضلالة وعذبهم عليها، لقد أنحلتني عبادة الطواغيت، فعبدت الصليب، وقرعتُ الناقوس، وفعلت كلّما قرّت به عين إبليس، قدر لم يكن ليخطئني ولا يتخطاني، إلى أن استنقذني ربي وهداني. وأنا أشهد (٦) أن لا إله إلا الله واحد (٧)، ليس له ولد ولا والد، كان ولم تكن الأكوان (٨)، مخترع الكل، ومنشئه، ومُعيده، ومبدئه (٩). ومن شعره قوله (١٠): أبدى علي فرحةً بمحمد … أبدت مسالك في الصفاء جلائلا سبط اليدين كأن كل غمامةٍ (١١) … قد ركبت في راحتيه أناملا لا عيش إلا حيث أنت وإنما … تمضي ليالي العمر بعدك باطلا لا عُطّلت منك الحياة فإنّها … لولاك ما سرت لبيبًا عاقِلا وقوله (١٢): جواد كأنّ الأرض جمعاء راحة … له وبحور الأرض خمس أنامل ليهن تُجيبًا أنها عندما اعتدت … قليلا له سادت جميع القبائل وقوله (١٣):

стр. 4264

دون الظباء ظبًا جَدَّ الصَّليل بها … والرعد والبرق بين الشمس والقمر وفي الهوادج أبشار كأن لها … وجوه جدوى أبي يحيى على البشر ملك له سير في الملكِ فاضلةٌ … أعيَتْ على كُتب الأخبار والسير إذا أنامِلُهُ ضُمَّتْ على قَلَمِ … يَوَدُّ مُهرَقُهُ لَو قُدَّ من بَصَرِ وقوله (١): انظر وبارك على حاس ومعتصر … ماذا تولد بين القار والخزف كأنما كأنها نجم على فَلَقٍ … وريحها نفس في روضة أنف ألقيت في دُنِّها الدنيا بأجمعها … فليس عن صرفها قلبي بمنصرف ولا الأمير أبو يحيى بمنتقل … عن عادة البر والإجمال واللطف كمنت في الكون حتى لحتَ منه لنا … فرد الجمال كمون الدر في الصدف مكارم لم تزل تجري لغايتها … كالسهم سدده الرامي إلى الهدف وقوله (٢): بشر بها (٣) كلف الفؤاد عميدا … راحًا وكانت مرةً عنقودا وتنوسيت فكأن صف دنانها … في الحان أصحاب الرقيم رقودا صهباء ألبسها التورد مجسدًا … عجبًا وقلَّدها الحباب عقودا فإذا شممت فمسكةً مفتوقةً … وإذا لحظت فبارقًا معقودا وقوله (٤): في صحبة الناس في ذا الدهر مُعْتَبَرُ … لا عينَ يؤثر منها لا ولا أثر فلا يغرنك من قول طلاوته (٥) … فإنّما هي نوّارٌ ولا ثَمَرُ لوينفق الناس مما في قلوبهم … في سوق دعواهم للصدق ما تجروا ومنهم: [٢٩] الوزير أبو مروان، عبد الملك بن محمد بن شماخ (٦) قمر سدف، وآخر سلف، مُطلق جيادٍ تتبارى، ومطلع نجوم تتجارى، لو أن أباه

стр. 4265

الشماخ المعروف، لعذر إذا شمخ وعرف أنه في جمرة البروق قد نفخ، تعلم أنه علم (١) ما رسا حتى رسخ، ولا أسمع أهل الآفاق، إلا وهو في آذانهم قد صرخ، إلا أنه مع إكثاره قليل الغوص على الدرّ، لا يكاد يُخرجه، ويقنع بالبرد يطيل ذيله وينسجه، وكان جوده يتطفل عليه كل عالم، ومجده لا يتوقل إليه بالسلالم بذهن أبطل من البرق كل نابض، وأطل على السماء والسرطان والأسد فزاحم البدر في منازله، وحام المرزم حول المجرة على مناهله، فأحلته ذات الأخبية حجبها، وحنت إليه قلائص الكوكب نجبها، ومر بخمائل الليل فداس على حوذانها، وأتاها آتي السيل فصاغ شنف الثريا لآذانها. قال ابن بسام (٢): كان باهر الضوء، صادق النوء (٣)، يوفي على أنواع البديع، إيفاء ينساق (٤) على محاسن فصل الربيع، إلى علم أعذب من الماء، وأكثر من حصى الدهناء، وقد أجريت له (٥) ما يشيد باسمه، ويدل على سعة علمه. ومن نثره قوله (٦):: من رقعة كتب بها إلى قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن حمدين (٧): أمثال أضربها لك ما لها أمثال، وسلسال أمزجه (٨) يحيا بها الصلصال، يا أيها الفرع الذي ثبت فرعه فوق السماء، وشمخ سنخه بناصية الجوزاء. إذا نبتت فوق السماء أصولُهُ … فأين أعاليه وأين الذوائب لو اقتصرت على ما بني لك أو لك لسبق جهد السابقين مهلك، فلو فضت (٩) خواتم الطين عن آبائك الأكرمين، لبصرت بعظامهم تهتز وهي رميم، إعجابًا لما أهداه إليها سعيك الكريم: وقد يضحك الحي سن الفقيد … فتهتز أعظمة بالعراء خطبت ودّك، فإن ترني كفوًا، بلغت المبالغ الواسعة (١٠) عفوًا، سألمح

стр. 4266

لك في شأني لمحة (١)، واختصر فقد يؤوي - وإن قل - الزلال الخصر، فأجابه القاضي برقعة منها قوله (٢): تدعو نزال، وتتنجز ردّ السؤال. بيان لم ترثه تُراث دعوى … ولم تنبطه من حسي بكي (٣) أهلًا به طائر وداد وقع، وبلبل وادٍ سجّع فرجع (٤)، وهيج داء دفينا، وذكر بعض ما كنا نسينا. فضضت ختامه فتبلجت لي … غرائبه عن الخبر الجلي (٥) إن هو إلا سحر يؤثر، ودر يُنثر، وأغراض (٦) كقطع الرياض، والمعاني (٧) كأبكار الغواني، أدرن قدودًا (٨)، وكسين مجاسدًا وبرودًا (٩)، سمير الآذان وحديث الركبان، نادى شخص طللٍ عابس، وكلَّم ربع رسم دارس، صدى حتى بكى، ودهي حتى فني، بمثله وقف جميل، فاستصبر يقول (١٠): ألم تسأل الربع (١١) القواء فينطق … وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق فكان حيًا جلجل رعده، وأسبل ودقه بأكناف جو (١٢) أمحل واديه، وأجدبت بواديه، فلأيًا لان مدره (١٣)، وانبجس حجره، وطلع نجمه (١٤)، شتان بين الغمر المعين، ووشل ينضج بمثل رشح الجبين، في كل شجر نار، واستعجبه المرخ والعقار، ما هي إلا حلى فضائلك، خلعتها عليّ، وخمائل شمائلك أضفتها إلي. والشفق والغسق، ولوامع الفلق. إنك لصاحب الراية ومحرز الغاية. وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم … خضع الرقاب نواكس الأبصار (١٥)

стр. 4267

قال ابن بسام (١): وهذا الفقيه القاضي ابن حمدين (٢)، له صدر يسع الدهر كله، ولسان يخلق السحر لو استحلّه، وهو وإن كان اليوم بالحضرة العظمى قرطبة، يعسوب الإسلام، ومدار الأنام، تصديت لإقامة أوده بهذا الديوان، وقد رفعت له على علمه نار. وضُربت عليه في حرمه أستار. وسارت على ألسنة الركبان، من كلمة (رسائل وأشعار) (٣) أجزل من ذكر أبان (٤)، وأحسن من الحديث عن جنان (٥)، وأوضح من عذر قريش في حبّ عثمان (٦)، ولم أظفر عند الفراغ (٧) من هذا الكتاب إلا بهذا الجواب. وفيه دلالة في الأدب كافية (٨)، وعلامة من الفضل غير خافية. عُدنا إلى ابن شماخ: ومن شعره مما أنشد له (٩): بعثتُ بها يعنو لها كل ناثر … ويعيا بما ضمنتها كل قارض جعلت حياتي أجر من قال مثلها … فمن شاء عمرًا طائلًا فليقارض وقوله (١٠): أطال شغلي فراغي مذ حللت به … إنَّ الفراغ من الأشغال أشغال إن أبق في حمص تبق النار في حجري (١١) … وإن أسر سار في الآفاق سلسال ومنهم: [٣٠] الوزير أبو حفص، عمر بن الحسن الهوزني (١٢) وهوزن الذي نسب إليه وغلب اسمه عليه. بطن من ذي الكلاع الأصفر.

стр. 4268

قنّة (١) طود رسى شامخها، وغرَّة أيام سال في وجه الظلماء شارِخُها، وباني مجد قديم لم تغيّره الحوادث، وباني جد كريم له تحصر في غيره الحوارث، وخبطت ليلة الفرقة الليلاء، وماجت بخيل الفرقة الخيلاء، وهو جيش تلك الدولة وعديدها. ورأس تلك المملكة وعميدها، فلما علم آخر الأمر من أوله، وعُرف ما بعد كسر الباب وفتح مقفله، توارى تحت ظل الخمول، وجعل طلب التقى قصارى المأمول. فظل ينقلب بين زعزع ورجاء، ويتعلّل بين شدّة ورخاء، متوقيًا من المعتضد مساورة الأرقم، ومتوقعًا مساواة العلقم، إلى أن استراح أينه، وأراح من حينه. قال ابن بسام فيه (٢): أفضى أمر اشبيلية إلى المعتضد عباد، وأبو حفص ذات نفسها، وآية (٣) شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم. وواحدها الذي به ينقض ويبرم، وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر (إليه) (٤) ائتلاف (٥) الفرقدين، وتظاهر اليدين، واتصال الأذن بالعين، فلما ثبتت قدم المعتضد (٦)، أوجس منه ذعرًا، وضاق بمكانه صدرًا، وأحس (٧) بها أبو حفص، وكان ألمعيًا وذكيًا لوذعيًّا، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة (٨)، فصادف غرّته، وكفي إلى حين معرّته، واحتل صقلية، تضيق عن فخره الآفاق، وتتهادى عجائب ذكره إلى الشام والعراق (٩) ثم حج وروى في طريقه كتاب البخاري. وعنه أخذه أهل المغرب. ثم رجع إلى الأندلس، ثم

стр. 4269

سكن مرسية (١)، ثم لما غلب الروم بريشتر (٢)، استأذن المعتضد أين يسكن. فأشار عليه بالرجوع إلى بلده، لا بل استدرجه إلى ملحده، فأذهله عما كان استشعر، وأنساه ما كان (٣) حذر، أتى إشبيلية (٤)، فلقيه المعتضد بأعلى (٥) المحل، وعول عليه في العقد والحل، ثم أحضره (٦) القصر، وقد غلب عليه - زعموا - السكر، وأمر خادمين من فتيانه بقتله، فكلاهما أشفق من سوء فعله، وفر لا يبالي سيئ عباد أو سر، فقام هو إليه بنفسه، وباشر قتله بيده، فلم ينل بعده سولا، ولا متع بدنياه إلا قليلا. ومنهم: [٣١] الوزير (أبو) (٧) القاسم بن مرزقان لسان مناظرة لا يعيا، وإنسان محاضرة، لا يموت جليسه ولا يحيا، بنوادر حاضرة، ردت الشوارد، ووردت الموارد، صوت بها الحادي والملاح، وصوب الناجم والفلاح، وجالت في الخافقين، وجابت ما بين الساقين، فثمر من المقاصد ما يجنى، وعمر بيوتا عليها القصائد تبنى، إلى أدب رق سلسالا، واندفق فجرى استرسالا، فلم يتكدر ماؤه، ولم يتأثر وثواب الحاسد داؤه. قال ابن بسام (٨): هو أكثر القوم قوة وإصابة، فإنه تدفق (٩) في إصابة الأغراض، وكلامه سهل قريب، فمما أخرجت من شعره في أوصاف شتى، قوله في وصف شمعة

стр. 4270

محكمة الصنعة على صورة مدينة أهديت إلى المعتمد (١): مدينة في شمعة صوّرت … قامت حماة فوق أسوارها وما رأينا قبلها روضةً … تتّقدُ النار بنوارها تُصيّر الليل نهارًا إذا ما … أقبلت ترفل في نارها كأنها بعض الأيادي التي … تحت الدجى تسري بأنوارها من ملك معتمد ماجد … بلاده أوطان زوّارها أكف ذات الشعر تغن به … وشعره حلي لأشعارها وأصبح المعتمد على الله على حال راحته في القصر المبارك، ودخل إليه الرشيد ابنه فتبادل (٢) الأنس معه، ثم أمر بإحضار من جرت عادته بمشاهدة المجلس الكريم من الأصحاب، فحضروا، فقال المعتمد بعد كلام (٣): قلت بيت شعر، وهو: بعثنا بالغزال إلى الغزال … وبالشمس المنيرة للهلال (٤) وذلك أن المعتمد كان قد أمر بصناعة غزالين من ذهب، فصنعا معًا من سبعمائة مثقال خالصة، فأهدى أحدهما إلى الرشيد ابنه، والآخر إلى السيدة العروس بنت ابن مجاهد، فقال في ذلك البيت المذكور، وأحبَّ أن يُذيَّل، فذيل هذا (٥) البيت جماعة ممن حضره (٦)، منهم أبو القاسم بن مرزقان، وأصاب الغرض فقال: بعثنا بالغزال إلى الغزال … وبالشمس المنيرة للهلال فذا سكني أسكنه فؤادي … وذا نجلي أقلده المعالي شغلت بذا وذا خلدي ونفسي … ولكنّي بذاك رخي بال رفعتُ إلى يديه زمام ملكي … محلًا بالصوارم والعوالي فقام يُقر عيني في مضاء … ويسلك مسلكي في كل حال فدمنا للعلاء ودام فينا … فإنّا للكفاح وللنزال ورفع أبو القاسم بن مرزقان قطعة شعر في ذلك أيضًا، وهي: عاطني القهوة مثل الجلنار … حملتها أكوس مثل البهار

стр. 4271

وأدرها بين زهر عبق … واسقني ود كبير بكبار ملك إن قلت (من) (١) رب العلى … فإليه كل مخلوق أشار لخمي ماجد معتمد … كل عسر حين تلقاه يسار ما دجا ليل على آمله … كل ليل بأياديه نهار بين كفيه وفي ناديه (٢) … ظبية ريقتها صرف العقار عجبي منها وهذا أسد … كيف لا تبعد عنه بنفار آنست من أنها مرسلة … باتصال الوصل في أشرف دار ولها (عد) (٣) إلى غرتها … أنهم قد صوروها من نضار في خدود (٤) تتهاوى بها … سترى في حرم ذات الفقار لا عدت موضع لهو وود (٥) … فلقد تنهض في خير سفار ومنهم: [٣٢] الوزير الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أيمن (٦) سحبه سواكب، وأدبه لا تدافعه النجوم بالمناكب كان قبس زناد، وقيس رأي لا يقابل بالعناد، وفارس أدب ينكل عنه من انتدب، فيرجع كل مقاوم، وصعدته مكسورة وأسرته مأسورة، وهمته قد ظهر فتورها، وعزمته قد عمم صباحه ديجورها، وطريقه سهل، وغريبه ليتيم الدر أهل. قال ابن بسام: وكان بأفقنا أعجوبة الدهر، فرد (٧) العصر، اشتهر في حملة الأقلام اشتهار البدر في السماء، وتلاعب بغرائب الكلام، تلاعب الأفعال بالأسماء، ولما صرف المتوكل ذا الوزارتين أبا الوليد بن الحضرمي عن خدمته، وقبض يده عما كان يتصرف فيه من تدبير دولته، لم يفوض بعده إلى وزير، ولا ألقى إلى أحد بأزمة ذلك التدبير، غير أن

стр. 4272

ابن أيمن كان بمنزلة الرقيب من الحبيب (١)، لا يحظى بشر بنواله ولا يطمع أحد معه في وصاله، ولما احتل الوزير أبو المطرف بن الدباغ حضرة بطليوس، خاف ابن أيمن أن يمحو سناه، ويستولي على مداه، فاشتعلت بينهما نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بعنان السماء ارتفاعها. ومن نثره قوله: لما وضحت في الصَّلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وجب أن تستدعى لما أعضل الداء، وتُستغاث فيما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت الأعداء تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرجه بها عن كلّ ذخيرة، وتسترضى بكل خطيرة، حتى استصفى الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن (النفاد) (٢) وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل ناحية نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنَتُهم وشِفَارُهُم، ومن أخطأه القتل منهم، فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أردوه من التوتب وأشرفوا على ما أقلّوه من التغلب، في الله وياللمسلمين!! أيسطو هكذا بالحق الأفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النصر؟! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم (٣)، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم؟ وإنا لله على ما لحق عرشه من ثل، وعزّ من ذلّ، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء. ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك - أيدك الله - بالنازلة في مدينة قورية (٤) - أعادها الله - وإنها مؤذنة الجزيرة بالخلاء، ومن فيها من المسلمين بالجلاء، ثم ما زال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلّصت القضية، وتعجلت البلية، وحصلت في يد العدوّ - قصمه الله - مدينة سرته (٥)، وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع، في الحصانة

стр. 4273

والامتناع، وهي من الجزيرة (١) كنقطة الدائرة وواسطة القلادة، يُدركها من جميع نواحيها، ويستوي في الإضرار (٢) قاصيها ودانيها، وما هو إلا نفس خافت، ورمق زاهق، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالًا، وتتداركوها (٣) ركبانا (٤) ورجالا، وتنفروا خفافًا وثقالًا، وما أحظكم على الجهاد بما في كتاب الله تعالى، فإنكم له أثلى، ولا أحرضكم (٥) على التسرع إليه بما في حديث رسول الله ﷺ (٦)، فإنكم إلى معرفته أهدى وكتابي هذا جملة، الشيخ الفقيه الواعظ يُفصِّلُها، ومشتمل على نكتة هو يوضحها ويبينها، فإنه لما توجه نحوك احتسابًا، وتكلّف المشقة إليك طالبًا ثوابًا، عولت على بيانه، ووثقت في عرض الحال عليك بفصاحة لسانه، وأنت بفضلك تستوعب ما يؤديه استيعاب المستوفي، وتصغي إلى ما ينهيه إصغاء الواعي، وتجد منه مضض المرتمض، وتتحرك له تحرّك الممتعض. ثم لم (يزل) (٧) يستشري الداء، ويعم أقطار الجزيرة البلاء، وأمير المسلمين وناصر الدين (٨) يومئذ مشغول ببقية حرب طوائف البرابرة المتغلبين - كانوا - على أقطار العدوة، فلم يزل يميط أذاها، ويضرح قذاها، حتى سلكت سبيلها (٩) وطاب مستقرها ومقيلها، وكان من أشدّ تلك الطوائف أيدًا، وأمتنها كيدًا العز بن مسكات (١٠)، المتغلب - كان - على مدينة سبتة وما والاها، فإنه جاهر بالخلاف سماعًا وعيانًا، وشغل أمير المسلمين (١١) عن تلافي هذه الجزيرة زمانًا، إلى أن بلغ الكتاب أجله ووقته، وفتحت على يديه سبته. ومنهم:

стр. 4274

[٣٣] صالح بن صالح الشنتمري (١) سحاب هطل سافحًا، وسما طل زهره فتوقد نافحًا، بصوب أدب كان نؤه الغمام دالحا، وكان أبوه الإمام صالحا، فأثمر غصنه وأورق، وتوقد ذهنه وأحرق، فشب دون السوالف حريقًا، وشاب برضاب الغيد سلافًا رحيقًا، وتهادت الشرب كؤوسه، وأطلع في غرر الأيام شموسه، فسطع نهارًا، وجمع ماء ونارًا. قال ابن بسام: شنتمري الأفق، شاعر ناثر، وله من المعرفة بلسان العرب حظ وافر، وكلامه في المماثلة والسجع، جارٍ على الطبع، من رجل شديد الحياء، كثير الانقباض والانزواء، يرى الكتابة عليه من أشدّ الأشياء، لا لنبوّ طبع وقلة أدب، بل لضعف عصب، وفيما أثبت من قسمي كلامه في نثره ونظامه، شاهد على ما وصفته به، ومنبه على فهمه وأدبه. ومما أورد له من نثره قوله من رقعة عتاب: إنا لله، لقد غرقت من غشك في بحرٍ عميق. وامتحنت منك بعدو في ثياب صديق (٢). ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوًا له ما من صداقته بُدّ (٣) وقد كنت خاطبتك - لا مسك خطب ولا فُل لك غرب - جاريًا - علم الله - إلى التحقيق آخذًا بما يلتزمه الصديق للصديق، غير ملتفت إلى تلك البوادر التي كانت الدعابة تجريها، وإذلال الوداد السبب فيها، وما كان في كتابي شيء يتهمه من أخلص نية، وأدى إلى حسن طويّة. اللهم إلا إن كان ما ضمنته من التبجيل، قد حرفته عن الوجه الجميل، وتأوّلته أقبح التأويل. قال ابن بسام: ومما لوّح في العتاب، وزخرف بالتصنع ظاهر الخطاب، رقعة خاطب بها من أحوجته الأيام إلى مصانعته، وقد بدت منه بدوات صوّب فيها وصعد وقام وقعد. وقال فيها: معلوم - أعزك الله - أن لكل مقام مقالًا، ولكل حال تناولا وجدالا (٤)، وكما لا يصلح الإكثار في كل خطاب، فكذلك الاختصار. لا يسوغ في كل كتاب، وفي النفس

стр. 4275

كوامن لا يمكن تبنيها عليك، وتقديرها لديك، إلا بالتطويل، وإن أصار إلى التثقيل، وأنت بعلاك تصرف إليها بالك، بما وهبت لنا (١) أيها العماد من عرفانك ما وهب، وسبب من التعلق بك ما سبّب، رأيتني قد رقيتُ إلى جوار الأفلاك، وجعلتُ الأخمص على ذروة السماك. لما رجوت من الاعتزاز بجانبك العزيز. وفي فصل منها: وإني بحمد الله لممن إذا علم أكرم، وإذا جرّب قرب، وإذا اختبر ادخر (٢)، أما الإكرام فما أحمله من الأدب، الذي به يرتقى إلى عليات الرتب. وأما الادخار فلاعتدالي في أحوالي، وثقة جعلها الله من خلالي، وعندي من الآلات التي تبعث على اتخاذي واستعمالي، أني أقول من الشعر أبدعُهُ، ومن النثر أرفعه، وأنقد النقد الذي قلّ من يجاريني فيه، ويُباريني في التكلّم على معانيه، وإن كان خطي لا يلحق بالخطوط (٣) القويّة الكتابية، فإن ضعفه لتميمة على جيد لفظي، وغيمة على ذكاء فهمي، واتساع حفظي، فمن المعلوم المعروف أن العلماء مخصوصون بضؤلة الخطوط، ولطافة الحروف، وكل يشهد أني أنهض إلى المطولات، واقتد على المخاطبات السلطانيات، وما أنا ممن يفتخر بخدمة الزمام، ويجعلها ذريعة إلى الإكرام: معاذ إلهي إنني وعشيرتي ونفسي (٤) … عن ذاك المقام لراغب ولكني أفتخر عند الاضطرار إلى الافتخار - إني حامل روايات، وحافظ لغات وذو شمائل تُنسب إلى مكرمات، وما تطارحت قط على زاهد (٥) في، ولا أظهرت حرصًا على غير حريص عليّ. بل كنتُ أقابل الإباء بنظيره، وأظهر الاستغناء بظهيره، وأنشد: ولست بساقط في قدر قوم … وإن كرموا كما يقع الذباب ورائي مذهب (عن) (٦) كل ناءٍ … بجانبه إذا عز الذهاب ولست أضرب المثل في سقوطي عليك، وانجذابي إليك، ولكني (٧) أسقط سقوط الظل على الرياض، وأتزيّن بخدمتك تزين الجمال بالبياض. وقوله في صفة القلم: بخط البراعة، ينالك حظ البراعة، وأفضل أقلام الكتاب المنتخبة للكتاب ما لم يكن في طوله تعوّج، ولا في صلابته ترجح، وكانت خصوصية العنصر الذي نماه،
следующие страницы →