← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وأدرها بين زهر عبق … واسقني ود كبير بكبار ملك إن قلت (من) (١) رب العلى … فإليه كل مخلوق أشار لخمي ماجد معتمد … كل عسر حين تلقاه يسار ما دجا ليل على آمله … كل ليل بأياديه نهار بين كفيه وفي ناديه (٢) … ظبية ريقتها صرف العقار عجبي منها وهذا أسد … كيف لا تبعد عنه بنفار آنست من أنها مرسلة … باتصال الوصل في أشرف دار ولها (عد) (٣) إلى غرتها … أنهم قد صوروها من نضار في خدود (٤) تتهاوى بها … سترى في حرم ذات الفقار لا عدت موضع لهو وود (٥) … فلقد تنهض في خير سفار ومنهم: [٣٢] الوزير الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أيمن (٦) سحبه سواكب، وأدبه لا تدافعه النجوم بالمناكب كان قبس زناد، وقيس رأي لا يقابل بالعناد، وفارس أدب ينكل عنه من انتدب، فيرجع كل مقاوم، وصعدته مكسورة وأسرته مأسورة، وهمته قد ظهر فتورها، وعزمته قد عمم صباحه ديجورها، وطريقه سهل، وغريبه ليتيم الدر أهل. قال ابن بسام: وكان بأفقنا أعجوبة الدهر، فرد (٧) العصر، اشتهر في حملة الأقلام اشتهار البدر في السماء، وتلاعب بغرائب الكلام، تلاعب الأفعال بالأسماء، ولما صرف المتوكل ذا الوزارتين أبا الوليد بن الحضرمي عن خدمته، وقبض يده عما كان يتصرف فيه من تدبير دولته، لم يفوض بعده إلى وزير، ولا ألقى إلى أحد بأزمة ذلك التدبير، غير أن

стр. 4272

ابن أيمن كان بمنزلة الرقيب من الحبيب (١)، لا يحظى بشر بنواله ولا يطمع أحد معه في وصاله، ولما احتل الوزير أبو المطرف بن الدباغ حضرة بطليوس، خاف ابن أيمن أن يمحو سناه، ويستولي على مداه، فاشتعلت بينهما نار ملأ الأفق شعاعها، وأخذ بعنان السماء ارتفاعها. ومن نثره قوله: لما وضحت في الصَّلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وجب أن تستدعى لما أعضل الداء، وتُستغاث فيما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت الأعداء تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرجه بها عن كلّ ذخيرة، وتسترضى بكل خطيرة، حتى استصفى الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن (النفاد) (٢) وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل ناحية نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنَتُهم وشِفَارُهُم، ومن أخطأه القتل منهم، فإنما هم بأيديهم أسرى وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أردوه من التوتب وأشرفوا على ما أقلّوه من التغلب، في الله وياللمسلمين!! أيسطو هكذا بالحق الأفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكتنف هذه الملة النصر؟! ألا ناصر لهذا الدين المهتضم (٣)، ولا حامي لما استبيح من حمى الحرم؟ وإنا لله على ما لحق عرشه من ثل، وعزّ من ذلّ، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء. ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك - أيدك الله - بالنازلة في مدينة قورية (٤) - أعادها الله - وإنها مؤذنة الجزيرة بالخلاء، ومن فيها من المسلمين بالجلاء، ثم ما زال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلّصت القضية، وتعجلت البلية، وحصلت في يد العدوّ - قصمه الله - مدينة سرته (٥)، وعليها قلعة تجاوزت حد القلاع، في الحصانة

стр. 4273

والامتناع، وهي من الجزيرة (١) كنقطة الدائرة وواسطة القلادة، يُدركها من جميع نواحيها، ويستوي في الإضرار (٢) قاصيها ودانيها، وما هو إلا نفس خافت، ورمق زاهق، إن لم تبادروا بجماعتكم عجالًا، وتتداركوها (٣) ركبانا (٤) ورجالا، وتنفروا خفافًا وثقالًا، وما أحظكم على الجهاد بما في كتاب الله تعالى، فإنكم له أثلى، ولا أحرضكم (٥) على التسرع إليه بما في حديث رسول الله ﷺ (٦)، فإنكم إلى معرفته أهدى وكتابي هذا جملة، الشيخ الفقيه الواعظ يُفصِّلُها، ومشتمل على نكتة هو يوضحها ويبينها، فإنه لما توجه نحوك احتسابًا، وتكلّف المشقة إليك طالبًا ثوابًا، عولت على بيانه، ووثقت في عرض الحال عليك بفصاحة لسانه، وأنت بفضلك تستوعب ما يؤديه استيعاب المستوفي، وتصغي إلى ما ينهيه إصغاء الواعي، وتجد منه مضض المرتمض، وتتحرك له تحرّك الممتعض. ثم لم (يزل) (٧) يستشري الداء، ويعم أقطار الجزيرة البلاء، وأمير المسلمين وناصر الدين (٨) يومئذ مشغول ببقية حرب طوائف البرابرة المتغلبين - كانوا - على أقطار العدوة، فلم يزل يميط أذاها، ويضرح قذاها، حتى سلكت سبيلها (٩) وطاب مستقرها ومقيلها، وكان من أشدّ تلك الطوائف أيدًا، وأمتنها كيدًا العز بن مسكات (١٠)، المتغلب - كان - على مدينة سبتة وما والاها، فإنه جاهر بالخلاف سماعًا وعيانًا، وشغل أمير المسلمين (١١) عن تلافي هذه الجزيرة زمانًا، إلى أن بلغ الكتاب أجله ووقته، وفتحت على يديه سبته. ومنهم:

стр. 4274

[٣٣] صالح بن صالح الشنتمري (١) سحاب هطل سافحًا، وسما طل زهره فتوقد نافحًا، بصوب أدب كان نؤه الغمام دالحا، وكان أبوه الإمام صالحا، فأثمر غصنه وأورق، وتوقد ذهنه وأحرق، فشب دون السوالف حريقًا، وشاب برضاب الغيد سلافًا رحيقًا، وتهادت الشرب كؤوسه، وأطلع في غرر الأيام شموسه، فسطع نهارًا، وجمع ماء ونارًا. قال ابن بسام: شنتمري الأفق، شاعر ناثر، وله من المعرفة بلسان العرب حظ وافر، وكلامه في المماثلة والسجع، جارٍ على الطبع، من رجل شديد الحياء، كثير الانقباض والانزواء، يرى الكتابة عليه من أشدّ الأشياء، لا لنبوّ طبع وقلة أدب، بل لضعف عصب، وفيما أثبت من قسمي كلامه في نثره ونظامه، شاهد على ما وصفته به، ومنبه على فهمه وأدبه. ومما أورد له من نثره قوله من رقعة عتاب: إنا لله، لقد غرقت من غشك في بحرٍ عميق. وامتحنت منك بعدو في ثياب صديق (٢). ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوًا له ما من صداقته بُدّ (٣) وقد كنت خاطبتك - لا مسك خطب ولا فُل لك غرب - جاريًا - علم الله - إلى التحقيق آخذًا بما يلتزمه الصديق للصديق، غير ملتفت إلى تلك البوادر التي كانت الدعابة تجريها، وإذلال الوداد السبب فيها، وما كان في كتابي شيء يتهمه من أخلص نية، وأدى إلى حسن طويّة. اللهم إلا إن كان ما ضمنته من التبجيل، قد حرفته عن الوجه الجميل، وتأوّلته أقبح التأويل. قال ابن بسام: ومما لوّح في العتاب، وزخرف بالتصنع ظاهر الخطاب، رقعة خاطب بها من أحوجته الأيام إلى مصانعته، وقد بدت منه بدوات صوّب فيها وصعد وقام وقعد. وقال فيها: معلوم - أعزك الله - أن لكل مقام مقالًا، ولكل حال تناولا وجدالا (٤)، وكما لا يصلح الإكثار في كل خطاب، فكذلك الاختصار. لا يسوغ في كل كتاب، وفي النفس

стр. 4275

كوامن لا يمكن تبنيها عليك، وتقديرها لديك، إلا بالتطويل، وإن أصار إلى التثقيل، وأنت بعلاك تصرف إليها بالك، بما وهبت لنا (١) أيها العماد من عرفانك ما وهب، وسبب من التعلق بك ما سبّب، رأيتني قد رقيتُ إلى جوار الأفلاك، وجعلتُ الأخمص على ذروة السماك. لما رجوت من الاعتزاز بجانبك العزيز. وفي فصل منها: وإني بحمد الله لممن إذا علم أكرم، وإذا جرّب قرب، وإذا اختبر ادخر (٢)، أما الإكرام فما أحمله من الأدب، الذي به يرتقى إلى عليات الرتب. وأما الادخار فلاعتدالي في أحوالي، وثقة جعلها الله من خلالي، وعندي من الآلات التي تبعث على اتخاذي واستعمالي، أني أقول من الشعر أبدعُهُ، ومن النثر أرفعه، وأنقد النقد الذي قلّ من يجاريني فيه، ويُباريني في التكلّم على معانيه، وإن كان خطي لا يلحق بالخطوط (٣) القويّة الكتابية، فإن ضعفه لتميمة على جيد لفظي، وغيمة على ذكاء فهمي، واتساع حفظي، فمن المعلوم المعروف أن العلماء مخصوصون بضؤلة الخطوط، ولطافة الحروف، وكل يشهد أني أنهض إلى المطولات، واقتد على المخاطبات السلطانيات، وما أنا ممن يفتخر بخدمة الزمام، ويجعلها ذريعة إلى الإكرام: معاذ إلهي إنني وعشيرتي ونفسي (٤) … عن ذاك المقام لراغب ولكني أفتخر عند الاضطرار إلى الافتخار - إني حامل روايات، وحافظ لغات وذو شمائل تُنسب إلى مكرمات، وما تطارحت قط على زاهد (٥) في، ولا أظهرت حرصًا على غير حريص عليّ. بل كنتُ أقابل الإباء بنظيره، وأظهر الاستغناء بظهيره، وأنشد: ولست بساقط في قدر قوم … وإن كرموا كما يقع الذباب ورائي مذهب (عن) (٦) كل ناءٍ … بجانبه إذا عز الذهاب ولست أضرب المثل في سقوطي عليك، وانجذابي إليك، ولكني (٧) أسقط سقوط الظل على الرياض، وأتزيّن بخدمتك تزين الجمال بالبياض. وقوله في صفة القلم: بخط البراعة، ينالك حظ البراعة، وأفضل أقلام الكتاب المنتخبة للكتاب ما لم يكن في طوله تعوّج، ولا في صلابته ترجح، وكانت خصوصية العنصر الذي نماه،

стр. 4276

وسجية المنبت الذي إليه منتماه، قد أخذت به ما بين الدقة المتناهية التي لا يستحسن، والغلظ المفرط الذي يُستخشن، وأقرته على المقدار الذي لا يقع اختيار الكاتب على سواه، ولا يتعداه اقتراحه ولا يتخطاه، ثم انتحى بريه ذو يمين رفيقه، وسكين رقيقه، فأجاد الشق، وأحكم القط، وجاء به غر شاق ولا عاق، سلس الجريان إذا أرسل، موافقًا (١) للبنان إذا أعمل، معطيًا لقياده غير بخيل بمداده، تتبناه الأنامل، فترأمه، وتواصل العمل به فلا تسأمه. قال ابن بسام (٢): ومن البديع في وصف القلم ما حكاه العتابي عن نفسه، قال: سألني الأحمصي قال: أي الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر؟ قلت: ما نشف بالهجير ماؤه، وستر عن تلويحه غشاؤه، ومن التبريّة القشور، الدرية الظهور، الفضية، الكسور، قال: فأي نوع من البري أكتب وأصوب؟ قلت: البرية المستوية القط، عن يمين سنّها برية تأمن معها المجة عند المط، الهواء في مشعها فتيق، والريح في جوفها حزيق، والمداد في خرطومها رقيق، قال: فبقي الأصمعي شاخصًا إلي ضاحكًا، لا يُحير مسألةً ولا جوابًا. ومن شعره الطيار المليح، المتناهي في خفة الروح، قوله (٣): أسنى ليالي الدهر عندي ليلةٌ … لم أخل (٤) فيها الكأس من إعمال فرقتُ فيها بين جفني والكرى … وجمعت بين القرط والخلخال وقوله (٥): الله ما صنع الحياء بصفحةٍ … لم تُبقِ عندك للتجلّد مذهبا كان البياض بها لجينًا خالصًا … فأحاله فغدا لجينا مذهبا وقوله مما أبهم (٦) فيه، وإنما يكنّى عن قدح فخارٍ مُزفّت قد اتخذها للمشروب: وخل إذا قل المجيبون لم يزل … إلى كل ما أدعو (٧) إليه مجيبي غدوت أخا التوفيق لما اتخذته … أديب السجايا وفق كل أديب

стр. 4277

تخيرته من نَجْرِ آدم خالصًا … فكان أخي في نجره ونسيبي (١) وقوله أيضًا (٢): أقلي من الدنيا تيسر (٣) خلوة … أبكي بها وأبت سر هواك حولي وحولك أعين ومسامع … أخفي الهوى عنهن عند لقاكِ لولا الحياء وأن يشيع سريرتي … لنثرتُ شمل الدمع حين أراك وقوله يصف شرط المروءة ومكارم الأخلاق (٤): أحبُّ من الأقوام كلَّ نجيب … شريف زكي الوالدين حسيب وإني لذو علم صحيح يقينُهُ … بأن صديق الصدق غير غريب ومن خُلُقي إنّي إذا ما وجدتُه … شددت عليه من كف رغيب وإن نصيب الجار (٥) عند احتياجه … إلى العون في مالي كمثل نصيبي وأن بعيد القوم ينزل ساحتي … ويأوي إلى ركني لمثل رقيب منها: لحا الله وهابًا بطيئًا حباؤه … يجيء الذي يُعطيه بعد لغوب ولكن وهابًا يهب إلى الندى … كما هب عضب في يمين ضروب يحاذر أحداث الليالي وقلما … خلا من توقيهنّ قلب لبيب ويرتاب بالأيام عند سكونها … وما ارتاب بالأيام غير أريب وما الدهر في حال السكون بساكن … ولكنّه مستجمع لوثوبِ وقوله في مثل ذلك (٦): حبيب إلي الدهر إعطاء سائلي … وإكرام قصادي وعون خليلي أهر طباعي بل طباعي تهزني … إلى الجود لا أرضى طباع بخيل وراح كما افتر الصباح سبأتها … لطارق ليل ما عليّ جليل نضوتُ بها عنه جلابيب ليله … فعوّض من تعريسه بمقيل وما زلتُ أسقيه وأشرب فضله … وكأس الكريم الخيم (٧) ذات فضول إلى أن تناهى طيبه ونعيمه … ومالت به الصهباء كل مميل

стр. 4278

فوطأت منه (١) جنبه وكننته … بضافٍ لصر (٢) الشتاء قتول وقلت له لما تعاظم عنده … صنيعي به هذا أقل قليل حللت بنا ليلًا وقد قُسّم القرى … فلم يبق منه مقنعًا لأكيل أقم عندنا تستوفي ما أنت أهله … فأنت لدينا أهل كل جميل وأني لممن تعتريه كآبة … إذا آذنت أضيافه برحيل وقوله (٣): أبدى الحبيب تعجبًا من طول مكـ … ث الورد عندي عندما أهداه لم يدر أن دوامه في منزلي … من أجل أن مدامعي سقياه وقوله (٤): وصافية كمعتقد الصديق … لها في الكأس إيماض البروق كأن بكأسها ما تشتكيه (٥) … قلوب العاشقين من الحريق إذا قبضت يد الساقي عليها … رأيت لها أنامل من عقيق شربت وصاحبي عذب الثنايا … يعلّلني لمَاهُ على الرحيق ومنهم: [٣٤] الوزير، أبو أصبغ بن أرقم (٦) مجرع شهد وعلقم، ومجرب درياق وسم، لا ينكر أن لابن أرقم طالما مدّ ظله وأسبغ، وحال لون الدهر وأبو أصبغ أبو أصبغ، وكان معهده مثوى جناب، ومأوى جناة لقطوف الفضائل وجناة لفواضل، جرى طلقًا في عنانها،، وسرى برقًا في عنانها.

стр. 4279

قال ابن بسام: أحد كتاب الجزيرة المهرة، والنقدة الشّعرة، ممن نهض في الصناعة بالباع الأمد (١)، وأخذ فيها بالساعد الأشد، ارتاض في طرقها معيدًا ومبديًا، ورمى إلى أغراضها مُصيبًا ومُخطيًا، حتى تدرّج في مدارجها، وخرج على جميع مناهجها، واطلع على ثناياها، وأشرف على جناياها. وأورد له من نثره، قوله من رقعة عن عليّ بن مجاهد (٢) إلى المعز بن با دس (٣) صاحب إفريقيا (٤): أطال الله بقاء الملك الأجل ناظر عين الزمان، وروح جسم الإيمان، وحسام عاتق الإسلام، وحلي جيد الأنام، ومهدي ضوال الآمال، ومأوى شارد الأنعام والأفضال، مخلدة في الأنام دولته، مؤيدة مع الأيام مدته. أنا - أيده الله - أمتُ إلى دولته - خلدها الله وأيدها كما وقدها ومهدها - بما أنأى به على الأقران، وأكافح كل زمان، وأفادح كل بستان، وأحرز كل ميدان، أن ارتقيت إلى سمائها، وصعدت في سوائها، مستسهلًا وعر المرتقى لسهل الملتقى، ومستعذبًا مرّ المجتلى لحلو المجتنى، فشافهتُ (٥) بدرها، وتبوأت حجرها، وارتضعتُ درّها، على حين أجفان الفضل كليلة، وأقدام المجد معقولة، وأيدي النصر مغلولة، وإن قعدت عن مناسك فرضها، فإني معيرها ضميرًا كما انبلج النهار، وشكرًا كما أرج النوار، وهل أنا إلا أحد أبنائها، وشهب سمائها، وشيعة علائها، وحماة أرجائها، وإن جذم نأي الدار كف الخيار، ففي البعد اعتذار وفي الجهد إعذار، وإن مع التجاوز ليعم (٦) العيان، ومع التجاوز ليطمئن البرهان. ومع التزاور لترود الأحوال، ومع التقارب ليقع الإخلال، والقوى المخلوقات قريبة الانحلال، سريعة الانفعال، والنيرات على وفور ضيائها، وظهور سناها

стр. 4280

(وسنائها) (١) فيما لا يقابل جليله (٢)، وعندما لا يسامتُ عليله، وفيما لا ينال ظليله. وفي فصل منها: وقد علم مبتلي السرائر، وحافظ البواطن والظواهر، أنها بصيرتي التي أستشعر، وسريرتي التي أضمر، وحقيقتي التي أخفي وأظهر، وشرعتي (٣) التي بها أُسر وأجهر، وأن مقالي كفيل فعالي في موالاة سيدنا - خلد الله ملكه - على طول المدى، وسط المنتأى، وبعد المرمى، ولما وقف الأمر على الحد الذي قدمته، والنصر الذي ذكرته، والرسم الذي أثبته، لم أستبد من أعلامه واستثماره، ولم أقعد عن استئذانه وإشعاره، ولم أنفذ إلا بعد استخباره. وقوله (٤): والحضرة العلية معنى هو شرحها، وشمس هو صبحها، وأذن هو قرطها، وجيد وهو عقدها، ومعصم وهو سوارها، وعين وهو نورها، ورأس وهو عينها، ومبسم وهو ثغرها، وكفّ وهو بنانها، ورمح وهو سنانها، وحسام وهو غرارها، وسماء وهو بدرها، وروض وهو زهرها، وساق وهو قدمها، ذلل لها المستصعبات، وفتح لها المبهمات، وأوضح لها المشكلات، وأضاء لها الظلمات. وأن انتظامها به، وكمال بهجتها بخدمته، وتمام سعادتها بولايته، وأرجُ نشرها بمظاهرته، وبرود سبقها بمؤازرته. وكان للموفق أبي نهج بمداخلتها، ومفتتح بمراسلتها، ولم تفارقه - روض الله مثواه - إلى أن فارق دنياه، فكنت أبا عذرتها، وفاتق أكمتها، وفاتح مرتتجها، وسالك منهجها، فبرزت بين أبناء مغربها في مداخلتها، وعرض صياغتي وخدمتي عليها، وتوفير مكاتبتي ورسالتي إليها، في مركبي الذي أعلمته خالًا في صفحة البحر، وسويداء في مقلة العصر، ووصلت بمكاتبتي من هولها كفؤ، ولي ظهير ونشأ من أبناء أهل الخطر، وذوي الشرف والقدر، ومن له الشيمُ الهادية، والريح الساكنة، والمناصحة البالغة، فلان، إلا أن أهل مغربنا مرتضعون العجمة مدرعون الحشمة، بمصاقبة الثغور الخشنة، ومجاذبة الألسن الثقيلة، وممازحة الأمزجة الكليلة، فمن دفع منهم بعد إلى خدمة الخلافة العلية، وحاور الألسنة العضبة وشافه النفوس الرطبة، وداخل الأمزجة العذبة، وارتقى إلى سماء تلك العزّة، فعذره مقبول، وأمره على الاجتهاد الأصيل، والاعتقاد النبيل محمول، وما الأقلام إن مدحت ولا الأقوال وإن جمحت

стр. 4281

(ولا الأوصاف) وإن سمحت. بمعبّرات عمّا عنده من حسن الصاغية، وخلوص الناحية، والممالأة الصافية، والمناصحة الزاكية، والخدمة الوافية، وإن بعد مثواه فلم يبعد من كانت الضمائر وسائله، والرياح وسائله، ولا تكتتم النيرات عن حدقه، ولا تنحرف أفلاكها عن أفقه، ولا تتجافي مسالكها عن طرقه. وقوله: حضرة سيدنا - أيده الله - قلائد يروقُ على نحر الخلافة نظامها، وتخفق على عاتق الثريا أعلامها، تبري الأسماع من صممها، وتشفي الصدور من وحرها، وتصح الجسوم من قصبها، وتريح النفوس من وصبها، كما تصك أسماع العدا، وتخلع قلوب من ناوا، وتقض (١) جسم من عصى، ويقطع وريد من اعتدى (فهي) (٢) حياة وردى، وشهب وقضب، ونجوم ورجوم، لا برحتْ تُمطر الولي ربيعا، والأبي (٣) نجيعا، ولا يزال سيدنا حسام عاتق الملك، وواسطة ذلك السلك، وخالصة ذلك السبك، فإنه سرى إلي من آثر حضرته ما أخْجَل المسك ريّاه، وكسف الشمس محياه. ومنهم: [٣٥] أبو عبد الله محمد بن مسلم (٤) مزنه أنواء غزار، ومزية أنوار لا يلم بجفنها غرار، فرط عقائل المعاني وقرطقها، وتوج معاقل المعالي ومنطقها، بأدب كم أبدع غديرا، وأكرع غزيرا، وجرى ذهنه مندفقا، وجوري فبلغ الغاية مرتفقا، إلى محاسن كم وهبت الكحل أجفانا، وأنهبت قرى الخواطر أحواضًا دوافق وجفانا. قال ابن بسام فيه: آية الزمن، ونهاية الفطنة واللسن، نفث بالسحر واغترف من البحر، ونظم الدراري بدلًا من الدرر، لم أظفر عند وضعي هذا الديوان بشيء مما له من الإحسان، إلا بفصول من رسائل سمّاها (طي المراحل) سبق في ديوانها عفوًا،

стр. 4282

وتصرّف بين حسنها وإحسانها تصرّفًا حلوًا، وحذفت سائرها لطولها، ودللت على فضل منشيها، دلالة الشمس على ما يليها. وأورد من نثره قوله (١): حتى وصلنا إلى دار منفرجة الأقطار، مستوقدة (٢) الأنوار (٣)، هواؤها جلاء للغم، وزيادة في العمر، وضياؤها شفاء من الكظم (٤)، وانشراح الصدر (٥)، وكأن مياهها تنبعثُ من بنان سيدها، فصارت عينًا سلسلًا، ولو كان مزاجها زنجبيلا. وكأنها (٦) مست عينًا حيوانًا، فأنبتت الزبرجد (٧) ريحانًا، ومن الزمرد شجرًا فينانا، وجعلت من النارنج عقيانا، ومن زهر الآس لؤلؤًا ومرجانا، وميل بنا إلى «التاج» وهو موضوع (٨) على مفرق القصر من جانب البحر، ممرد (٩) من قوارير، وألبس الصبح المستنير، وقلّد قلادة الطاووس، فنقط نقط العروس، فمن يقول هو قبة الفلك، ومن يقول: هو السماء ذات الحُبك، وإنهم ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (١٠) ونظرنا في صدره من الملك الهمام إلى الشمس تحت (١١) الغمام، فقضينا فرض السلام، وأخذنا مراتب القعود إلى الطعام، يُطافُ علينا بصحاف من ذهب (١٢)، وجفان كالجواب أنزعت من كل أرب، فلما أتينا على الري قمنا إلى الوضوء، فجيء بطاس من التبر، وأباريق رصعت بالدرّ، ووضئنا بماء قوامه بلور، ومزاجه كافور، ثم قمنا إلى المصنع (الزاهر). وهو نظير (التاج) من الجانب الآخر، لما أعد فيه من الشراب، ما بهر (١٣) الألباب، فألفينا موردًا عذبًا، ومجلسًا (١٤) عذبًا كأنّ أطباقه مقل الجفون، ملئت من قرّة العيون، وأكواسه مراشف الحور، تُعل بنطف الثغور، طلعت منها شجرة مباركة النوى، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ

стр. 4283

وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، صيغ عودها من الحلي المنيل (٢). وقام عمودها كأنبوب السقي المذلل (٣)، والتفت أغصانها (٤) التفاف الذوائب الجعدة، والتقت أفنانها التقاء الصعدة بالصعدة، فبينا نحن نعجب من شانها، ونستغرب مناظر زهرها وأفنانها، إذ سطع من جرثومها دخان المجمر، وارتفع من خلال لبسها غبار العرف المعطر، من دون أن تبدو إلى العيان نارها، ويعلم أين يوقد هنديها وغارها، فقلنا: تبارك الله كيف تحرق نار تخالها هامدة، وتورق أشجار تحسبها خامدة، إن الذي أنطق الجزع والحصى، وخلق الحية والعصا، وأطفأ (٥) النار بعد أن كانت ضراما، وقال: كوني على إبراهيم بردًا وسلاما (٦)، القادر على أن يورق الصلاد، كما أنطق الجماد، وعلى أن تعمل النار في الخمود، كما أبطلها عند الوقود، وقام بالجريال على ساق (٧)، وجعل المنديل مكان حمائل السيف الطويل. وأدار نجومًا بروجها أيدينا، وشموسًا تطلع (٨) وتغرب فينا، ولما كنت لا أشرب إلا مشتبه الشراب كالمزر والدوشاب (٩) قُدِّم إليَّ قعب من نبيذ الآزاذ (١٠)، ومصري الدان (١١)، فرفع (نديمي) شهابا، وأبرزت أنا غرابًا (١٢). وقوله (١٣): وأوحى إلى المزمار أن ينطق، وإلى الأوتار أن تخفق، وإلى الغناء أن يذيب القلوب، ويشق الجيوب، ويحث الشمول، ويكفي الساقي أن يقول، وقد أسبلت على لهو بهو السماع، وقبة الغناء، قطعة من الخسروان، اللازوردية الحرير، قد ألهب بالذهب نحورها (وحواشيها) وقبب بالعسجد أسافلها وأعاليها، وكحلت بأسلاك الجوهر خطوطها ورسومها، ووصلت بالياقوت الأحمر دوائرها ورقومها فجاءت كطرة الصباح نقطت، ولبة الفجر رصعت بغير كواكب الرجوم، فاندفعت منها بلابل الدراري تغرّد، وحمام الأيك (١٤) تصوّب وتُصعّد، وأطيار المعازف تتجاوب،

стр. 4284

وأصناف الملاهي تتناوب، وأقبلت نجوم الطاس تنكدر في الصدور، وقلوب الناس تنتشر في الحجور، وما بقي عقل لم يقع في شرك، ولا جيب كان في شعة من درك. وقوله (١): وإني فضلت عن تلك الحضرة بعد أيام كأيام الشباب، وليل كذوائب الكعاب، سكنا منها في السواد من القلوب، وسلكنا بين المخانق والجيوب، أنقل من يد إلى يد، وأحمل بين جفن وجلد (٢)، سقيت برد السرور على الأكباد، أو طربتُ أطعمت حلاوة الوداد في الأخلاد (٣)، والله يوم (التاج) و (الزاهر) عند الملك الماجد الباهر، فيا له من أنس وطيب بين الخورنق والكثيب (٤)، في مجلس كأنما ألفت قواريره من خدود وثغور، وثماره من نهود ونحور، ونحيي الجسوم بالأرواح، فبقينا (٥) فاكهين فرحين، نزمر بالكؤوس، ونرقص بالرؤوس، وتتثاقف الأخوان، ونواقف الندمان، مواقفة الكرام، بشرب المدام، لا بحد (٦) الحسام نسقي ود الصديق للصديق، ونطلب الصبوح بثأر الغبوق، حتى أخجلنا الشمس بضياء الراح، وقمنا نقد السراح من ضوء الصباح، وقلنا: دين المسيح، يعبده كل مليح، فطفنا حول الدنان، بمصابيح الرهبان وما زلنا نسمع باقتراح، ونشرب على ارتياح، ونصل اغتباقًا باصطباح، حتى شبت مصابيحنا لقفال (٧)، وحان أوان ظعن وارتحال، فخرجتُ كالمقلة استلت من الأشفار، والنفس انتزعت عن فلوذ أعشار (٨)، ثم ارتحلتُ من غدٍ (٩) عن مقام كريم إلى عذاب أليم، لا أملك فيه أدمعي، ولا أجد نفسي (معي) (١٠) وسرنا بين جبال وحشة، ومياه دهشة، فصادرتنا من ريح عاد، ذات صر وأبراد، أضرمت نار البرحاء، وكظمت أنفاس الصعداء، ومن أخذ بكظمه كيف يرجو الحياة؟! ومن أطبق بغمه أين يجد النجاة؟! وما

стр. 4285

شك غمام الثلج المنثور، أني من أصحاب القبور، فجعل يهدي إلي حنوطا وذرورا، ويندف علي قطنا وينثر كافورا، فلما تمت الأكفان، وصح الأندفان، وطلعت إلي غرة الحاجب سيف الدولة أبي الفتوح، فقمت وقد انجلت عني المحن، وانتفضت فطار القبر والكفن (١)، ومد إلي يد الرضوان، وغمسني في نهر الحيوان، فجعلت أطرف كما يطرف الفجر في سدف (٢) الليل، وأنبت كما تنبت الحبة في حميل السيل، ورأيت ملكا تقرأ النفاسة بين عينيه، وتبصر الرئاسة طوع يديه، حلي السيف باسمه فرقت مضاربه، وتوج الملك في مفرقه فعزت جوانبه، جواد يندى في كفه الجماد، ويقدح بنبله الزناد، ويقتبس من وجهه الكوكب الوقاد، وعلى أعراقها تجري الجياد، كيف يعجب للسيف أن يقطع، ومن حديد الهند طبع، وللبدر أن يشرق، ومن نور الشمس استرق، وللبحر أن يزخر، وعن الريح المرسلة أخبر. وقوله (٣): ومرت لنا الأيام لا نستطيع براحا، ولا نلذ غدوا ولا براحا، فلما انقضت ليال خمس التفتتنا التفات (٤) البكر من خلال الستر، وصمت الماء من خريره، والهواء من صريره، فقلنا: قد يكون الرضى صماتا، والإذن التفافا، وأخذنا في التفويض، وأسرعنا في النهوض، وما زلنا في مسلكنا (٥) نموت ونحيا، ونتقلب بين الآخرة والأولى، حتى اصطلينا بنار الحاجب (٦) سيف الدولة أبي الفتوح، فقابل بوجه طلق، وخلق سمح، فلما صرنا في ذراه، وكنفتنا نعماه (٧). وقوله (٨): ثم توجهت تلقاء مدين الأسعد (٩)، وموطن السؤدد، حضرة المعتضد بالله، وإن كانت على هرم، فأتمنى وقفة بها فيها ولو على قدم، وأرغب في زيارتها ولو لماما، وأود رؤيتها ولو مناما، لألمح دار الخلافة، وأرى بيت الرسالة (١٠)، فخرج إلي الأمير

стр. 4286

أبو الحسن بن يحيى الوزير الجوهري (١)، فأراني بحسن صمته (٢) كلامه، ورجاحة عقله وتمامه. مراتب الوزراء المتقدمين، ومناصب العقلاء (٣) السابقين، فلما أديتُ الرسالة، جعلت أسلك في منازه المدينة، وأنظر تلك المشابه المبينة، فإذا برسومها فاتحة الأعلام، ورموزها مفهومة الكلام، ونصبها مائلة الشكل والقيام، إلا أنها كرواح مستها زمانة (٤)، وربحلة أدركتها من السنّ مهانة، ولم يبق فيها إلا رسوم من الحسن، كانتشاء الطرف، وإن مالت (٥) أجفان وخطوط من الجمال كاعتدال الأنف، وإن سقطت أسنان، لكنها لم تفارق عطرها، وإن كانت بعد عروس (٦)، وتركت زيها ولم تطمع بمسيس (٧)، ولا دنست ثيابها وإن كانت أسمالا، ولا عقت شبابها و إن تجاوزت اكتهالا، فوقع بين قلبي ورونقها سفاح، لم يصدقه نكاح، وامتنع (٨) شمس بعبقها (٩) لصوق، لم يلحقه رفت ولا فسوق ووقفتُ بالقصر المرواني، وطفت على المصنع القحطاني، وانتبذتُ إلى المنزه العبدي الرحماني، فإذا الثلاث الأثافي، والديار البلاقع، فأخذتُ بالسنّة في ديار ثمود، أسكب الدموع وأمجد المعبود، فقال قريبنا: هنا كانت قصورهم، وههنا (١٠) قبورهم، قد صارت مفاصلهم ترابا، ومساكنهم تبابًا (١١)، وقد عادوا يسكنون القبور، وكانون ينهجون (١٢) بالقصور، وظلوا يعتنقون (١٣) الجلمود، وكانوا يسترهقون النهود، وصاروا يلزمون الطين، وكانوا يملون حشايا اللين، فقلتُ: أين من كان هنا من القيول الأبية، والملوك الأموية، ذو (١٤) التيجان المنظومة بالمرجان، والملابس المرقومة بالعقيان والفروش المرفوعة إلى السكاك، والعروش الموضوعة على السماك، وقد نضدت بالنمارق ومهدت بالأرائك، وحفّت بالجنود عند القعود للسلام والأحكام، وأين أسراب تلك الجواري الكنس، في مروط السندس، كأنها ما استعارت من الكثبان أكفالا، ولا من الأغصان اعتدالا، ولا من الروض أردانا، ولا من الظباء أجفانا، ولا رنت إحداهن عن جفن هم بالتهويم، فنبهه (١٥) النديم، ونظر نظرةً في النجوم فقالت: إني سقيم والآن: قد كحلت تلك

стр. 4287

العيون بالتراب، وكان كحلها كحلا، ولصقت تلك الخدود بالكثبان، وكان تقبيلها أملا، وانهالت تلك الأدعاص على (١) الصعيد، فكان التفاتها جذلا، فوقفت معتبرا. وما أبقيت عبرة إلا أرسلتها، ولا دمعة إلا أسبلتها، بكاء على المال لا على الأطلال، وعلى المصار لا على الديار، وعلى فقد الأحباب. لا على ذلك الخراب. ثم (٢) جئنا إلى المسجد الجامع، ونظرت من تلك المصانع، فرأيت بنيانا بديعا، وإيوانا رفيعا، شاده ذو عزم وتأييد، وبناه أولو قوة وأولو بأس شديد، فكأنما أرسته عاد، أو بنته ملائكة غلاظ شداد، ومشينا من رتبة إلى رتبة، ومن قبة إلى قبة، حتى انتهينا إلى المقصورة، فألفينا سقفا من فضة، ومعارج عليها يظهرون (٣) وقد قرط سمكها بالذهب الأحمر، والفلز الأخضر، وبلط سطحها بماء الجوهر، وكافور المرمر، وكأن قبابها عقدت بالجفون الدعج والحواجب البلج، وكأن درجات منبرها تكاسير الشعور، مالت على متون الحور الحسان (٤)، ومناطق الأعكان، ضمت على الخصور اللدان، ألف من عاج كالمباسم، نقش نقش الدراهم، وأبنوس كالغدائر، طبع طبع الدنانير، وصندل كأطراف البنان، كتبت بهدب الأجفان، ثم اعتمدنا إلى المحراب، (فكل) خر راكعا وأناب، وجيء بمصحف عثمان ذي النورين يحمل على المفرق واليدين، فلما خلعت مطارفه، وفتحت صحائفه إذا بنموذج (٥) من فردوس الجنان، أنبت إنباتا أخضر، وطراز كخدود الولدان كما اطلعت الشعر، وكأنما خطت بمجارس النحل، ونضدت من روادف النمل، فاستمد مدادها من قلوب الكافرين، وخلق خلوقها من عيون الشهداء والصديقين، فلذلك لم يحتج بيانه إلى ضبط ونقط، ولا افتقر قرآنه إلى أكثر من ورق وخط، جرى فيه كاتبه على سجية لسانه فأمن اللحن، وأخذ بسنة أهل زمانه، فترك العجم والشكل، وآمن (٦) بقول رب العالمين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٧) فألصقته بكبدي ليبرد ذلك الأوار، وأمرغت فيه خدي عسى ألا تمسه النار، ولمحت أثر دم الشهيد، فجئت من دمعي بأربعة شهود، وقلت: ألا فض فم الحسام كيف فصم لحمه (٨)، وأرغم أنف السنان كيف استرعف دمه، وتبا لعبيد الدار كيف أغمدوا أشفارهم، وعجبا من بقية الأنصار كيف ضيعوا انتصارهم،

стр. 4288

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ (١) لو شاهدت ذلك البرج (٢)، لصار القلم في يدي كصدر الرمح، وأضحى المقط في كفي أبيض مثل السيف. ولكانت سكيني هناك حسامًا، ويميني عمرًا أو صمصامًا، وقلبي على لينه جمادًا، وسعى على ضعف حويله جهادًا، حتى أرمي من رمي في المقتل، فأقتل دونه قتلة المكب المقبل. ثم خرجنا وقد صدئت نفوسنا، ووجلت قلوبنا، وخلت من الدموع عيوننا، ولم يتسع يوم الإقامة (٣) لأكثر من هذه المقامة، باكرت (٤) الرحيل، ويَمَّمْتُ في الغد الملك الجليل، الذي ضاءت (٥) به المشرق والمغرب، وسادت لخم سائر العرب، فلما فصلت عنها رأيتُ من حسنها وجمالها، واتصال مساكنها وظلالها، ما حبس عليه ناظري، وجُذِبَ إليه خاطري، فقلت: سقى جديدًا من الأيام قرطبة … ماء الشباب وريق البارد الخصر وقفًا يمد الندى في روضه شرفًا … من الغمام مع الآصال والبكر لأنه فيه والإمساءُ يُبْسُطُهُ … رداء إلفين قد صارا إلى وطر حتى إذا شيب كافور الصباح به … أضحت تصعده نار من الزهر وبين هذين من لين ومن لُطف … روح يُقيم سجود النجم للشجر (٦) لليل فيه سواد يستهام به … كأنّه في سواد العين والشعر وللنهار سنا يحكي تبلّجه … نور البصيرة مقرونًا مع البصر كأنما شمسها تحت الغمام سنا … وجه تنفس في مرآته نضر والطل فيه غداة القطر تحسبه … حليًا سقى زهر اللبات بالدرر وصفحة النهر الفضي باسمة (٧) … في روضها مثل خيط الفجر في السحر ثم نفذت لطييّتي، وأخذت في وجهتي (٨)، وكان لا عهد لي بلقاء المعتضد بالله

стр. 4289

خَوْلُ (١) اللهِ الدِّينَ والدنيا ببقاه (٢)، وأدام به على الزمان بهاءه - وله (من) (٣) بعد الصيت ورفعة البنيان (٤). وفخامة (الذكر) (٥) وعزة السلطان، ما تهاب النفوسُ سماعه، كما تألّف الجفونُ اطلاعه، وتجلّ القلوب مكانه، كما تستلذّ العيون عيانه، فأدركني من توهم لقياه، وتخيل (سناه) (٦) ما يدرك راكب البحر قبل نشر الرياح، وشارب الخمر قبل امتزاج الراح بالراح، ثم لقيته (٧) من الغد، فقابلتُ من وجهه بدرًا تأخذ منه البدور، وقبلتُ من كفه بحرًا تغترف منه البحور، ولا (غرو) (٨) أن تغرف من بحر بحار، ويستمَدُّ من نور أنوار، فإن مادة البحور من البحر المسجور، وعِلة الأنوار شمس النهار، وشاهدت منه منظرًا استمال عيني حتى عقد به أطرافها، ومخبرًا استهوى نفسي حتى كره إليَّ انصرافها، وظلَّ ينفُثُ من نَبْلِهِ سحرًا، اضبِطُهُ بذهني، وينثر من لفظه درًا ألقطه بأُذني، حتى صارت لي الثريا قرطًا، والمجرة مرطًا، وأخذتُ في الرسالة، فلما سامح الأدب، وساعد المذهب، قلتُ: إن من أرسل رسولًا في مهمّ تطلع، ومن رجا صديقًا لدفع ملم توقّع، لا سيّما إن رجاه شفاء من الخطب، واستشهده هناء لموضع النقب، فقد تعلم كيف ينظر (٩) القيم إلى العائد، وناهيك إن كان طبيبًا، والتفاتُ القيم إلى الوارد، ويكفيك أن أورد محبوبًا، وإن رئيسي - معظمك - أرسلني إليك وانتظر، وأوفدني ثم استمطر، وقد رأى إن إسعادك مُراده، وإنجادك مُراده، فلوى عنك ما بطأ السياق، وعاق (١٠) دونك ما أخر العناق، حتى تطاول الزمان (١١)، وفي ذلك من تعذيب نفسه، وإرجاء أنسه، ما يدعو إلى إشفاقك من شُغل باله، وارتماضك في نكد حاله، إذ لا يلذ بحال حتى يدري ماله عندك، من (١٢) حلوه ومره، ولا ينعم ببال حتى يجتلي ما تنيه إليه من جدّك، في يسره وعسره، فلك الفضل في انتشال إيابي، وإراحة ما بي، حتى بسرائه، وأقطع بما يزيد في مضائه، فخاطبت بما اقتضيت من إيجابي، وألفيته من سريع إطلا بي، وكتبت إلى الوزير أبي الوليد بن ريان (١٣) برقعة أقول فيها: لم أزل منذ فارقت الشرق، وخَلِفْتُ ذلك الأفق، انقلب (١٤) في ثلج يكفّن، ووحل يدفن، وريح تبعث من في القبور، ورعد ينفخ في الصور (١٥)، وبرق يرمق أصحاب الجحيم، ويريهم صورة العذاب الأليم، إلى أن وصلت

стр. 4290

محل العليا، ومنتهى سدرة الدنيا، حضرة المعتمد بالله، وقلت (فنعم عقبى الدار) (١) ما ينكر لأهل الجنة السلوك على متن النار، وكنت أسمع أنباءه فأستغرب، وأنزع تلقاءه فأستدني وأستقرب، حتى رأيتُ عيانًا، واستوضحت بيانًا، فإذا الخبر أزرى بالخبر، والعيان قد أربى على الأثر، وقلت: بحق سأل الكليم رؤية الرب، وقال إبراهيم: ﴿بَلَى وَلَكِن ليَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢) وأني رأيت ملكًا لا يصعد الطرف إليه إجلالًا، ولا تطيق النفس (٣) عنه انفصالًا، قد جمع مهابة العدل إلى ودادة الفضل، وجلالة المنصب، إلى لطافة الأدب، وركانة القُعْدُد، إلى بشاشة التودّد، وبرق الحسام، إلى ودق الأيادي الجسام، إن رمق الأعداء، فأجفان نصاله طارفة الشفار، أو وصل الاوداء (٤)، فأنداء بنانه آلفة الأوطار، ضالته (٥) الحكمة، وشريعته (٦) الحجة، وإن رأى حقيقةً أنصف. وإن رمى بحجة أهدف، يُصيب بذهنه حدق الغيوب، ويعلم بظنه خائنة الأعين والقلوب: الألمعي الذي يظنّ لك الظنَّ … كأن قد رأى وقد سمعا (٧) والمعتضد بالله، لا يدع في ذلك تأنيسي بكلّ تُحفة يُهديها مع الأحيان، وطرفة يوليها مع كل دقيقة من الزمان، ولقد تاحفني يومًا عندما طرأت الأشابيل (٨) بالنهر (٩)، وانسربت من البحر، بعدة أسماك منثنية الذوائب، متمكنة (الحياة) (١٠) لدنة النقل والحركات، فلظت في مائها تطير ساعة، وتسبح طائرة، وأقبلت تأخذه مرة جاثية ومرة سائرة، وقد تختمت بالعقيان في جفونها، وتتوجت بالجمان في عرانينها، وتطوقت بالمرجان في عثانينها، وعُذرت بالريحان فوق متونها (١١)، وأربت على النشوان في اضطرابها ولينها، فأعملتُ فكري في شذوذ هذه الصفات، وغرابة هذه الآيات، حتى عرفت تعليلها، وفككت تأويها، فإذا بها قد شربت ماء نداه فلم يعدم حيوانها، ورأت محياه فخصت بالحلية أجفانها، وقبلت بساط مثواه فطوقت بالدر مراشفها. أما ما نذيله عليه، ونمليه إليه، ليأخذ بعضه ببعض، ولا يفوت آخره ما تقدم بين يديه. وذلك مما حدثني به الكاتب الأديب أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد العقيلي اليبري وسأذكره بأسمائه، وأترجم لها كما فعلتُ فيما تقدم، وأؤلف درره الفرائد والتوائم. فمنهم:

стр. 4291

[٣٦] أبو جعفر بن عطية الطرطوشي تصدَّر في دولة بني عبد المؤمن، وبلغ فيها نهاية المحسن، جاؤوه بالإحسان إحسانًا، وأعلوه في النواظر إنسانا، وأولوه برًا لا ينزف، وأحلوه وقارًا لا ينسف، ولأدبه نشأة الروض المجود، لا بل نشأة المدامة بنت العنقود. ومن نثره قوله: أما بعد، فإن الأيدي قد امتدت، ودواعي التعدّي قد اشتدّت، وأموال الناس تنهب، وزواجر كتاب الله لا تُرْهب. وأنت تنام عن كفّ هذا الانتهاب، وتلين عند السطوة والإرهاب، وتعكف على الراح وراحاتها، وتقف بين بكرتها ورواحاتها، وقديمًا أفسدت الراح الأحوال، وجرَّت إلى أهلها الأهوال، فلينب عن سوطك سيفك حتى يرهب خيالك وطيفك، والسلام. ومنهم أخوه: [٣٧] عقيل بن عطية أغضّ من أخيه فنًا، وأغنى أدبًا، أدبًا لا يفنى وثيق البنا، عريق السنا، جرت مذاكيه علا، وجلّت معاليه علا، وأشبه أخاه إلا أنّه ما واخاه، لمكانة أخيه في الدولة المؤمنيّة، التي عدمت القرناء، ووجدت به الغناء. ومن نثره الذي أخذ في أطراف البديع. وأوصاف الدرّ الصنيع. قوله: ورد كتاب ملك الروم مهددًا متوعدًا. ذاكرًا أن أبا زكريا أذعن ومال إلى المسالمة وركن، ولسنا مثله، وعندنا من حماة المسلمين المشاهير المعلمين، من يقاوم جمعك الذي يعجب بأسواره ويهدّ منبر دعواك الذي تعتصم بأعواده. ودين الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. وإذا اتفق أهله فلا تطرق إليه، وقد اعتدنا لك ولقومك، أولا توبة الله الذي ينصر أولياؤها، وتحيى بماء السعادة شهداؤها، ويسعد في الدارين أحياؤها. وهو بطوله يُفرغ على قلوبنا صبرًا، يثبت الأقدام، ويوهن كيد المعتدين، وينصر هذا الدين، و ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، و ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). ولا تحسبن كل

стр. 4292

بيضَاءُ شحمة، ولا كلُّ حمراء لحمة، بل أن بياضنا في عمائم الحروب بَرْقُها، وفي لَمْحِ الأسنّة زُرْقُها، وقد أعددنا لك وقعها وخطبها. وأدرنا بساحتك فيها سَلَفُ قُطْبِها، ونَعِمْنَا في ثَرَى بلادك، وأكلنا يابسها ورُطَبها، ولطالما أثرنا فيها النقع، وخرقنا ما لا يقبل الرقع، أتظن أننا نتساقط (من) التهديد ومقدمات الوعيد، لنفر من قعاقع سنانك. كلا ولا نحفل من تخييل شنآنك، ولا نتركك وإطلاق عِنانك. وكأنكم وقد زففنا إليكم بنت الأقدام، وسقيناكم مسكر تلك المُدام، ومن حق مثلك الاعتراف، وترك هذا الإسراف. حدثني، متى اتفقت المسلمون فبرقت بكم ببلادهم بارقة، أو كانت لكم معهم سوق نافقة ها نحن ننكح حريمكم، ونستخدم أبناءكم، ونسكن مع مُرِّ الأزمنة بناءكم، ولولا ما في كتابك من الادعاء، وإراقة ما في الوعاء، لم نذكرك بما نسيت حتى تتجرد مما به اكتسيت. ومنهم: [٣٨] أبو الفضل بن محشوة وله كلم بالفضل محشُوَّة، كأنها عرائس مجلوة، ومدارس آيات متلوّة، بين خَفَرات مجلوة، وعطرات تتضرع بالألوه، ومن نثر زهر لا يعتريها الأفول، وزهر لا يعتدي عليه الذبول. ومنه قوله: وأن يعلموا أن الرعية عيال الله كما جاء في الأثر المأثور، وأن الذود عنها من آكد الأشياء عندنا وأهم الأمور، وأن لا توجد طالما إليها سبيلا، ولا نترك عليها واليًا جائرًا مستطيلًا، فقد قال عليٌّ ﵁: والٍ عادل، خيرٌ من مطر وابل، وأسد حطوم خيرٌ من والٍ ظلوم، فامشوا فيها على غرضنا، واسلكوا في حفظها سنتنا، وأخروا كل من لم تُشكر طريقته، ولم تُحمد خليقته، وطهروا جانبكم من الظلم، فإنَّ مرتعه وخيم، وماله، ذميم، وقد أنهي إلينا أن الولاة يريقون الدماء، ويتبعون الأهواء وقد بعثنا إليكم فلانًا لحسم هذه الأهواء، أو تفريج هذه الأدواء. فأعينوه على ذلك أكمل الإعانة، ووالوه بما يوجب لكم عنده الحظوة والمكانة. ومنهم: [٣٩] أبو القاسم القالمي متوسط الكلام، متبسط المجال في مدارج الأقلام متسلّط القريحة عى بدائع

стр. 4293

الفكر الصحيحة، لكنه لا يلجج في الغوص لمجاني الدر الفائق، ولا يخرج في تحصيل المعاني الدقائق. ومنه قوله: وقد أنهى إلينا من سداد أحوالكم، وصلاح أعمالكم، وإيثاركم الواجب. وسلوككم السنن اللاحب، وما وقع منا موقع الاستحسان، وعدوناكم في الرعيل الأول من الأعوان، وقد وفد رسولكم إلى بابنا، وأنهى ما أنتم بصدده من التمسك بأسبابنا، والانخراط بالنية الصحيحة، والعقيدة الصريحة في حلبة جموعنا وأحزابنا، وقد شاهد رسولكم البشائر التي حلت جيد الزمان، وانثيال رؤوس الملحدين على حضرة الموحدين من كل مكان، وإجماع الأمة على هذه البيعة التي هي بيعة الرضوان. ومنهم: [٤٠] أبو الحسين، عبد الملك بن عياش ذو زي ورياش، وري للعطاش لا يفارق حضرة ملك، ولا مسرة منهمك، بل لا يزعه عن دينه وازع، ولا تنزعه إلى غير يقينه نوازع، ولا ينازعه في تمكينه في الصناعة منازع. ومن حر كلامه، ودر نظامه قوله من نثره: وقد كانت أقوام خاضت أفكارهم في بحور الأوهام، وأزلتهم عن الحق الأفهام، فخلدوا في العالم صحائف مالها من خلاق، مظلمة المعاني، مسودة الأوراق، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقا، ويصيرون فيها الشواكل فرقا، ذلك بأن خلقهم للنار، وهم بعملنا يعملون، ليحملوا أوزارهم يوم القيامة، ألا ساء ما يزرون، ونشأ منهم في هذه الملة شياطين أنس ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣)، وكانوا أضر علينا من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعى إلى الله، لأن الكتابي يجهد في ضلال، ويكد في كلال، وهؤلاء مقصودهم

стр. 4294

التعطيل، وشأنهم التخريب والتحليل، دبّت عقاربهم في الإيمان برهة من الزمان، إلى أن أطلعنا الله على رجال كان الدهر قد سالمهم على حروبهم، وعفا عنهم على كثرة ذنوبهم، وما أملى لهم إلا ليزدادوا إثمًا. وما أمهلوا إلا ليأخذهم الله الذي لا إله إلا هو، وسع كلّ شيء رحمة وعلمًا، فليتقدم بحرق كتبهم، وتقليل عصبهم من عرف بديانة، وصحة أمانة، وبعد عن معاملة الله في دينه بالخيانة. ومن شعره قوله: عصيت هوى نفسي صغيرًا فعندما … رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر أطعت الهوى عكس القضية ليتني … خُلقت كبيرًا ثم عدت إلى الصغر وكان ابنه أبو عبد الله ممن له يد في الصناعتين، إلا أنه في النظم أمهر بدارًا وأظهر اقتدارًا، وأدق حيلة، وأرق من بكاء الطلّ على الخميلة. وماء الفرند في ستر الحميلة، ولما سمع بيتي أبيه المقدّمي الذكر، المعلمي الطرفين من حلل الألفاظ الرافل فيها ذلك المعنى البكر، استعذب جناهما، وعقب ببيتين في معناهما وهما: إني أقول قولًا سار في البدو والحضر … وخله في الصالحين وما غبر هنيئًا له إذ لم يكن كاتبه الذي … أطاع الهوى في الحالتين وما اعتذر ومنهم: [٤١] أبو القاسم المرخي فكره حسن التوخي. وبحره بالدر يسخي. كان سهل الطريقة، كهل التصرف في المجاز والحقيقة. وله في النثر منازع دقيقة، ومقاطع ما للرياض فيها شقيقة. ومنه قوله: يا سيدي ما آن لعصى النوى أن تنصدع، ولطوارق هذا التفريق أن ترتدع، وللأيام أن تنشيء سوى ما هي عليه وتبتدع، لشدّ ما لعبت بنا من حال إلى حال. وأرتنا الحقيقة في مسلاخ المحال، وكان يكفيها نثرت ذلك الشمل الذي كنتم واسطة عقده. والرسم الرائق في برده، فدعاني الاقتصار إلى أن أرسلتُ عناني في ميادين الاختصار، وسلكت شعاب القول على غير استبصار. ومنه قوله: وأما الشوق إلى لقائكم فلا أصفه، ولو قلت ماء عيني لا أنصفه، ولعل لقيا يقع بها التشفي، وتمحو آثار البعاد وتعفي، وما ذلك بعيد من لطف المبدي المعيد. ومنهم:

стр. 4295

[٤٢] أبو عبد الله القباحي لا يهمل كثيره ولا قليله، ولا يقل حقيره ولا جليله، كأنما يكاتب بربر، أو يخاطب الناس عما في نفوسهم بخبر، كل كلامه نكت هي النجوم، أولها حَكَتْ. ومن نثره قوله: وأن تعلموا أن تلك البلاد لدينا أثيرة الشان خطيرة المكان، وأن الاعتناء بها لا يفارق البال، والنظر في مصالحها مقدم على كل أمر ذي بال، ولكم مدة لم تعلمونا بأمورها، ولا خاطبتمونا بأحوال خاصتها وجمهورها، فلتحتاطوا عليها، ولتصرفوا عنان الشهامة والحرامة إليها، ولتعوّلوا على الأنباء بالإبناء. والأخبار بالإخبار، ولتحرصوا على ما يزيدكم لدينا خطوة. ويرقيكم ذرى الوجاهة ذروة. ومنهم: [٤٣] أبو بكر بن معاود عذير بيان، وغدير حصباؤه جمان، وصاف لا يخطئ مراده. ولا يعطي شيئًا من حقه من الوصف فيقال إنه نقصه ولا زاده، يقع على المقاصد، ويضع على الطرق المراصد ما شبه شيء إلا كان كأنه هو، ولا حذا طريقة قوم إلا كان كأنه مما نطقوا به وتفوهوا. ومن نثره قوله رسالة يصف فيها الكلاب وهي: أطال الله بقاء سيدي، تحتمى ذماره وجنابه، ولا تهر دون طارق الاضايف كلابه، ولا زالت سائمته رائعةً في مرابض للأسود والأسود، آمنة في الدادي (١) والليالي السود، يمنعها أهرت الشدقين، متنمر الإهاب، سريع الجيئة والذهاب، معرق عند انتساب الكلاب مفرخ للنياح، مانع للحريم المباح، إن ربض حمى الربض. وإن سرح قتل أو جرح خفيف الوثبة ثقيل الوطأة. يفتر عن مدية، وينظر عن جمرة، يميز بأنفه في الليل البهيم بين العدو والصديق الحميم، إن شعر بالضيف بصبص وهمس، أو باللص أطرق وعبس، ووثب افترس، إذا نام الرعيان سهر وتطوّف وأنذر بنباحه وخوف، وإن أغفلوا السخلة حرسها، وقام عليها ولحسها، وربما انتزح عن صاحبه غير

стр. 4296

بعيد، أو بسط ذراعيه بالوصيد، ثم اجتمع وانقبض، وتلمّض وانتفض، وتمطّر اختيالًا من الكسل، وكشف عن مثل أطراف الأسل، ثم تمشي الهوينا قليلًا قليلًا، ويطأ الثرى برفق كأنه آس يجس عليلا، وتارةً يتنصّب مقعيًا على ذنبه، متزحزحًا عن قرى المقتاد، ولهيه بأذن مؤللة إلى ما يوحى إليه، ويؤمر به، يجود نحو الأكل نظره، ويذكي إليه بصره، ويلتقف ما ألقى إليه، التقاف ثعبان موسى صلوات الله وسلامه عليه، بفم كالغار الأجوف، أو كالخرق في البرد (١) المفوف، يزدرد الطعام ازدرادًا، وينزل بها وقد استحالت من حر النار رمادًا، إلى فطنة بالرمز والإشارة، يُميز بين النعي والبشارة، لا يفارق بين دخان نار الشيء، ودخان نار الكي، ويكاد يعرف الرشد من الغي، يصيد السرحان ويقتل الثعبان، ويقهر الظليم وإن بعد عنه وبان، فإن عرض له الصيد، فذو خفة وأيد، وهو له أجل وقيد، لو كان مع خراش يجمع ما تفرق من الظباء عليه (٢)، أو مع واشق ما أقعص صاحبه لديه، ثم لا تراه كائنًا إلا قدام الغنم طليعة أو من ورائها كامنًا، وكأنما كان لأصحاب الكهف والرقيم ثامنًا (٣)، ففي كل حالاته عجب وعبر، إذا التوى وانعطف فبارق تعب به المطر، وإذا وقف واعتدل، فقوس أعوزه الوتر، أو جرى ووثب، فسهم أرسله القدر، وقد تخيّرتُ لسيدي من هذا النسل جروًا، زاكي الأصل مرهفًا كالنصل، إذا جرّ به حمد منابه، وشكر عند مكافحته الذئاب ظفره ونابه، وإنه السريع الإجابة عند الصفير، وجد بصير، يعض الخنازير بأسنان كالأشفية، أو كالخناجير إذا أقبلت عليه خادعها، وأخلد إلى الأرض، وإذا أدبرت عنه ركب أعجازها للقبض، فمن مجدّلٍ هناك هالك، ومن هارب ضاقت عليه المسارح والمسالك، أعجزه لاشتغاله بغيره طاقه، فأقام يغط غطيط البكر شُدَّ خناقه، فاقتنه - أدام الله عزّك - للزرع والضرع. فاقتناء مثله حلال مباح في الشرع. فالله تعالى يقرّ لك به أذنًا وعينًا، ما كان هذا الحديث كله زورًا ومينًا. وذكرت بهذه الرسالة رسالةً كنت كتبتها في هذا المعنى وهي: هل لك - أعزك الله - في جرو يكفيك مؤونة الغزو، بما يراوغ من الصيود، ويُراود على الجلود، مما يحوش من الوحوش، أحفظ للصاحب من صاحبه، وأخفى

стр. 4297

منه بحراسة جانبه، يتيمن به صاحبه بما يتطيّر به اللص من شؤمه. لا يطال ظلم غشومه، إن ترك ترك، وإلا كف ذنبه على خيشومه من كرائم مخبورة، قتلاها في البطون مقبورة تملأ القدور لحمًا عبيطًا، والأفنية فرسًا ربيطًا، من جنس الكلاب أوثق من الكلاب، يعتد بوثبته لمثل يوم الكلاب، ويفتخر بنسبته بنو كلب وبنو كلاب، ذوات شيات معلمات، وليست بأعوجيات مطهمات، أحد أنيابًا من الحيتان، وأجد جلبابًا من الشباب، ذو ساعد مفتول، وعين كأنّها سراج مشعول، وآذان كأنها خوصة، وعرعرة كأنها عقيصة معقوصة، وذنب كأنّه ذنب الأسد، وبطن خال وظهر أشد. زوره عريض، ودوره في حديثه يستفيض، خصره محصر، كأنه مرمر، أما اسود كأنه قطع ليل، أو قطع يُصب به على الوحش ويل. أو احمر من كثرة (من) شدخ من الظباء، وتلطخ بالدماء، أو اصفر، صنيعه لا يكفر، شراره نار، وبهاره نوار، أو أثمر قد جمع إهابه وشمر، عليه من النقع المثار بقايا الغُبار، أو أرقط لم تر عين مثله قط، لبس حلة الأرقم، ما تدثر ولا تدرهم، أو أخرش وما هو في بني كلب الأبرش، ما أنا ولا أعطش. مسكي الجلد أغبش كأنه تسحر، أو أنه تمير فيه وقت المغرب. ولم يجر كأنه ماء كدر، أو لابس مرقات جلده النمر، أو أبيض تجسّد من نورٍ أو لبس مجسدًا من كافور، من بني وبره، طويل الذوبرة، لا تهدأ له غبرة. من جنس في الكلاب كريم، كم طار مذعورًا منه هائم كريم، لا يعرف إذا جلس إلا آية الحرس، ولا يدع إن جرى سهلًا ولا محجرًا، ولا يخلّى في الثرى لصيد أثرًا. إن خليته حول البيت أقعى، وإن طلبته جاءك يسعى، في النهار كانس، وفي الليل حارس يطرد أي الوحش قفيته به وما هو فارس ولا فرس، لأي جهة كفّل كفاها، وبأي عظيمة كلّف كفاها، يبصبص للضيفان بذنبه، ويؤنس اليقظان في غيهبه، إذا تخيّل المريب يهرُّ ويعبس، ويكفهر وينتفخ، وهكذا الكلب إذا رأى الهر لا ينبح الضيف إلا مرّة، ولا يُصبح إلا سكران وما شرب خمرة، يسهر لينام، ويتيقظ للئام، يدافع طوارق الليل، إلا طارقًا يطرق بخير لا خيل، ترتد من غوى إذا عوى يعلم إذا نبح، إن حماه لم يبح، لا يداخله إلا هواء. ولا يراسله في السماء العواء. لا يقطع النباح حتى الصباح. وإن خُلّي مع الغنم لم ينم، أو ترك في السائمة تركها وادعةً نائمة، يحمى سرحها ويكشف ساق من يقصد صرحها. أحرص على مؤبر السخلة من المؤبر على النخلة، لا يطرق مع الذيب. ولا يطرأ على نظره التكذيب، أما كلب غنم أو زرع، لا يغض به خزانة نبات أو ضرع، يتحاماه الغريب، تحامي المريب، ويغور به اللص الخارب كالنجم الغارب، لا يتصوّر له شيطان، ولا يتسوّر معه حيطان، وأما كلب صيد له إذا كُلب عليها كيد، أما من السلاق طوع

стр. 4298

الشباق، تحمل الأوق، شب عمره عن الطوق، أخجل في الطرد من الكميت الورد. وأضبط للقنص من القفص، وأمسك للصيد من القيد، وأقدر على اللوابد من الأوابد، وأعجل في المهام من السهام، تتشكّاه الأرض من الركض ويتظلم منه إن جد، قوّة الشد، يثير لوابد الأرض إثاره المحراث، ويطير وماله أجنحة مثنى ولا ثلاث، أرقط وما هو رهلول، ذو مسنونةٍ زرق، وما هنّ أنياب غول عينه على الصيد حمراء، يسطو بتريبة سمراء، يفتدي منه الثعلب بجلدته، والأرنب بجملته فأما الظبي فيبيتُ منه على مثل روقه، ويلتفت إليه لا من شوقه، بل خوفًا في العجل من الآجل، كأنما وجأ عنقه الوجل، طالما لحقه. وأراق على الأرض من دمه حمرة الخجل، كم غزا من غزال، وأطرح حرمته عند العشاق وأزال، وما قدرت إبر روقيه أن تخيط له سردًا لا تصل المنون إليه، سلوقي يتلظى، يتفرد به الأديم ويتشفّى، لو تمحل علم بقراط علمه فعاود الأكحل، لم يبق من مكنس إلا كنس، ولا نجم طريدة إلا خُنس، يرسل مرسله منه بطلًا يروع أم كل خشف بطلا، إذا وقفت على الماء فرّ السرب من الشرب، لا يكسر الصيد إلا لمرسله، ولا يؤثر النشاط إلا لكسله، هذا من جنس السلوقية، وأما أخواتها الشقائق الداخلة فيما لا يقدر عليه أخوانها من المضايق من حداد الزغارية التي لا يمتنع عليها في باطن الأرض خبيّة. وهي التي من نسلها انتخبت، ومن فصلها وهبت. فإنها تزيد على أخواتها في النفع وإن قلّ، وترسل ولا تدلّ، وتجالس بالنهار ولا تضجر، وتمسك بالليل الشمع ولا تحلّ، تعرف بالشم ما اشتمل عليه الوكر وضمّ، أدل على الأوكار من الدائرة على البركار، وأعرف فيها بالمطالب من كل طالب، صغير الجرم كبير النفع في المهم، كأنّه ضاحك فتح فاه وفغر، زغاري لا ينسب إليه زغر، ذو عزة بنسبته إلى غزة تستعين به الصقور على إخراج ما في الوكور، ويرتفق به البازي مما يتفق له من المغازي، ولا يقتصد على ما عبر، ولا يقتصر على ذوات الوبر، حتى تخرج كوامن ذوات الجناح، ويسلّط عليها كواسر الطير. ولا يخاف الجناح لما لم يصل بأيده إليها، توصل بكيده ودلّ عليها، كأنه يرتاح إذا سبب لها الأجل المتاح، وقد بعثتُ إليك منها بزغاري عظيم الجزارة، ربي في مطبخ الوزارة، ما يضرّ مقتنيه إن لا ينكر عليه راعيه بالحلاب، ولا يغض طرفه وإن كان من نمير وحوله كعب وكلاب (١)، شعرور ذو شعرٍ وسعر وشعور، كأنما جرو جرول، أو ابن الكلبي الأوّل، فكم نبش ذلك الزغاري

стр. 4299

الكاسي العاري من ذات وبر وريش، وكم استنشق روائح صيد اختفى في نفق، واختبأ في حشيش، من حجل وقبح، وقطاة ودرج، وقنبر وبط، وما في البر والشط. فإن جدت لك أعزك الله بجروين من الزغاري والسلوق ضمخ الأرض بالخلوق، وبينهما في النسب قدر ما يكتسب. وفي النسب قدر ما أظهره جوهر الحسب، فإن الزغارية وإن نحفت جسما، وخفت السلوقية حجما، فإنها معها محسوبة، وإليها في عنصر الكلاب منسوبة، وهي مخلوقة من طينتها، ومخلوطة بها في رتبتها. فهي من فواضل ما طبع في تلك السيوف سكاكين، ومن بقايا ما وضع في تلك الأسنة نصال سهام حنين، وها أنا مد الله في بقائك، وظفرك مثل ظفر هذه في الصيود بأعدائك، مرتقب لأمرك في تجهيز بعض هذه الجراء، مرتصدا لما ترى، متيقن بما تضمنه فواها إن كل صيد في جوف الفرا. ومن قوله، مما كتبه من السجن، يعرف بحاله المبهم، ويصف قيده ويوري عنه بالأدهم، ولهذا ضمنها ذكر الخيل وشياتها، وأوصافها وهيآتها، وهو لا يعدها لا لحربه ولا لصيده، ولا يريدها إلا أدهم قيده، وقد أبدع فيها كل الإبداع، وأبدى فيها دقائق الابتداع، وهي: ربما تكره النفوس من الأمر له … فرجة كحل العقال ما زلت أيد الله الأمير. أتنسم في رضاه البرى وأريقها، وأتخير الكلم وأريقها، فأحكم بمقتضى الشيات والألوان بالسابق في الميدان، فأقول: الأبلق، لا يركبه إلا الشجاع الأخرق. وأما الأشبه فإني عنه لا أرغب، ودونه مذهب، لا يصبر على القيظ جلده، ولا يبلغ الغاية شده وجده، وأما الأشقر فمجتهد لا ينكر، إذا قصر الأمد سبق وظهر، وإذا طال ونى وقصر، وأما الورد، فله الشكر والحمد، لا أذم النمرة ولا أهجره إلا لتحريم الخمرة، وأما الأصدا، فلا أتعرض له ولا أتصدى، وقديما كرهت الصدأ والصدا، أو ما ذهب هدرا وترك سدى، ولكن قرب كميتا وإن كان ميتا، فهناك الصبر والاحتمال، والصدم في المجال، وإن كان أغر محجلا، فذاك الجمال، فبينا أنا أيد الله الأمير، أرتمي وأرتاد، وأركب يمينا وأقتاد. إذ قرب لي من مربط العين، أهرت الشدقين أدهم بهيم، لا يغرى به صيت ولا بهيم، حرون بطيء، لا ذلول ولا وطيء، يتطامن الكاهل والتليل، غني عن الصهيل بالصليل. لا ينضبه النقر ولا يهز له، ولا يقلقه الهمز ولا يعجله، إذا حرك أن، وإذا نزل اضطجع واطمأن صعب لا يقبل الرياضة والتدريب، ولا يعرف الخبب والتقريب. قرطه العين في دجى العشق … ذا حلق يستدير في حلق كأنه الصل حين أقصره الطل … فخلاه خافق الرمق

стр. 4300

فهبته - أيد الله الأمير - مركبًا وعرًا، واستهجنته ظهرا، ثم مددت يد الاستسلام ومسحت جفني من شبا الأقلام، فإذا المركب حيّةً تسعى ليست بأفعى، صماء لا تسمع الرقى التفت على ساقي التفافا، وأجمعت أوساطًا وأطرافا وعضت على عقبي عضا، ورضت ما هنالك رضا، فلا أستطيع شدًّا ولا ركضا. فلو لم يقل حبلا لسميته كبلًا، الله أكبر، هذا الخبر، لكني أتسلّى وأتصبر، وأسميته بغير اسمه، وأضيفه إلى غير قسمه، وأنسبه إلى غير جنسه وهو يعرب عن نفسه، بلمسه ومسه، وهل هو إلا حمار يركب لا يجنب وحديد يقرع لا شجاع أقرع. ومن عجب أني إذا قمت قانتًا … لربي أنادي في الصلاة وأعلن يقعقع في رحلي الحديد كأنه … يعارض صوتي في الآذان فيلْحِنُ فقلتُ اعتبارًا بين قيدي ومقولي … أذلك ناقوس وهذا مؤذن فشلت يمين القين، لقد أبعدت البازي بحمل الشباقين، بل تربت يداه فهل غير عبد حسد على مولاه وحصن، وصنع فأتقن علم - أيد الله الأمير - إني عبده الناشز إباقًا، فأحكمه وثاقًا، وها أنا إذًا أشير لا أسير، وساعة لا أراه فيها كثير. ومنه قوله مما كتبه إلى بعض الأعيان يرغبه في أن يخدمه رجلًا كان يلقب بالوطواط وهو الخفاش. ائتمرت لك يا سيدي الطير طوعًا، وأسفت حولك جنسًا ونوعًا، وأتيتك سعيًا، وبذلت لها سقيًا ورعيًا، لما أردت إلى وطنها الأسفار، وألقيت في عطنها عصا التسيار، رغب في خدمتك من الطير، صنو الجرد وأخو الغير، يصف مع الطوير الصواف بجناح صاف، ليس له قوادم ولا خواف، ويدر رسله مع ذوات الأخلاف. وليس بذي أخفاف ولا أظلاف، يكسر مع السباع غير ناب، ويحلّق مع الطير في اليباب، لا يلقط مع العصافير حبًّا، ولا يرعى مع السوائم أبًا، لا يبيض وإن أفرخ، ولا يصدح وربما نفخ، يمسه الصباح المسفر، وتكحله الدياجي فيبصر، فله في الظلام هجمات في ذوات الأبر الداعيات إلى الشهر فتكات، وكأنما يتطلبهن بذحول وترات. فإن رضيته خادمًا وقبلته قادمًا فك دونك جيوشها، ووقاك تحميشها، فيطيب يومك، وتتطابق في الدعة ليلتك ويومك، ثم لا يسألك (١) أجرًا، ولا يسأمك شكرًا، والله يسخر لك أصناف الأمم، وجنود الضياء والظلم. ومنهم:

стр. 4301

[٤٤] أبو القاسم بن أزرق لا هو بالمُكثر ولا بالمُقِلّ، ولا بالمُطوَّل ولا بالمُخِلّ، هو في الرتبة الوسطى، لا يزداد ولا ينتقص قسطًا، وغايته إن كلامه مقبول، ولمامه حلو غير مملول، لأنه رقيق الديباجة في الرّجاحة. ومن نثره قوله: قد كان المستعين خاطب أباك يرغبه في الهدو، والاستعانة على العدو، فأقام وأقمنا معه، مريحين من تعب النفاق، فرحين بإشراف الهدنة في الآفاق، ثم دهمنا من جهتكم داهم، أبدى صفحته، ونسيم أهب صفحته لا نفحته، ولا يمكننا تسليم أيدينا إليكم، يستحكم فينا الإذلال، ويتحلَّم علينا الإخلال، وقد كان لكم فيما فعله أبوكم أسوة حسنة، وأيام كانت بيننا وبينكم محسنة، وسيعلم مبرم هذا الرأي عندكم سوء مغبته، وعظيم ما أخذ للفساد من أهبته، وأيقظ له بأرق هبته، والله حسيب من بغى، وأوقد لنا الفتنة وابتغى. ومنهم: [٤٥] أبو الحكم بن عبد العزيز كاتب تطلع إلى رواية الأخبار، وتلقى المعرفة بما بين الأندلس والأنبار، ولم يعبأ بالوفيات، ولا دقق في استطلاع الخفيات، وعبَّر عنها بعبارات جلتها، وإخبارات بثياب العصب جللتها. أبعد فيها التقفية والتصريع. وأبدع التوشية والتوشيع. فردت مجلوّة في أحسن الصور مقلوة. لا كالسور، مكلوه بما يعرض من الملل لإعادة السحر. ومن نثره قوله: فجاءتا من الثغور من أعلم أنهم تجهزوا نحوها، فتأهبنا للقائهم، وتواثبت لتلقائهم، فواقفونا في البلاد التي يريدون غنائمها، وفي ظنهم أنهم يستفيدون من مغانمها، ويبيدون قاعدها وقائمها، ويعيدون تحت قبضة السيوف متيقضها ونائمها. ولما تراءى الجمعان، وترامى الصدعان نكست شياطين وعولهم على أعقابها، وارتقبت الموت من أنقابها، وانهزم القوم وسيوفنا تجذم أعناقهم وتكذب أخلاقهم، حتى ألجأهم الذعر إلى قلعة تحصنوا بأوعارها، وتحصلوا في ذروة السماء بالاعتصام غبارها. ومنه قوله:

стр. 4302

ووافاه الكتاب، وقد أدخلته الرعية مدينة فلانة، وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا، وجاءهم الفساد حين قربوا من عرضهم وحموا، وأقام العدو يطوي البلاد طي السجل للكتاب، والعتب يستعمل حيث لا ينفع العتاب، ولا حديث إلا للرمح المشرفي والمهند القرضاب. ومنهم: [٤٦] أبو الحسن علي بن محمد الرعيني (١) لطيف المنزع، مطيف العناية في المفزع، أشدُّ اقتطافًا للرؤوس من البيض، وأسرع اختطافًا للأبصار من الوميض، فإذا وبّخ أو قرّع خلت البلاد بالبلاد ترمي والنبع بالنبع يقرع، وأدبه مما يستبدع ولا يستلحق في طريقه ولا يستتبع، هو فيه أمة فرد، ماسك بإعجاز بعضه بعضًا، كأنه حلق السرد لا يقابل بالعكس ولا بالطرد. ومن نثره قوله: سمعتم بالعدو، فقلقتم كل القلق، وأشفقتم على تلك الخلق، وظننتم أنه قد أحيط بكم من كل الجوانب، وتخيلتم أن القضاء قد غص باصطفاف المواكب. فخارت الطباع، وضاق الاتساع، وملأ أفئدتكم الجزع والارتياع، أبمثلكم تُسدّ الثغور، وبآرائكم تشدّ الأمور، أم بكم وأنتم على هذه النيات المدخولة يبتغي الظهور، أحين ندبتم إلى حماية إخوانكم المسلمين لفقتم الأعذار المكذوبة، وجررتم الأقوال وهي بالباطل منسوبة، قد ألفتم من الدعة ما عجزكم عن جلب السعة وطلب المنفعة، ثم

стр. 4303

تزعمون أن لكم في الأرض مجالًا وساعًا، وأقسامًا تتفرقون عليها أوزاعًا، أتبتغون نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء، أين المفر وأمر الله يدرككم، وطلبه الحثيث لا يترككم، فامحوا نزعة هذا النفاق من خواطركم قبل أن يمحو السيف مقالكم، وَتُسْتَبْدَلُوا ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١). ومنهم: [٤٧] أبو الحسن بن أبي الحسن الرعيني بلغ من البلاغة أفضلها، وسلك طريقة أبيه وربما فضلها، وحذر فناب خبره عن العيان، وأنذر فكأنما كان النذير العريان، بقول يجري ماء الحديد، ويوري سماء العديد، ونثر له نظم الغمام ونضح السهام. ومنه قوله: وأهل هذه البلاد لا يبلغوا من الأعداء أقل أعدادهم، ولا يفي بجموعهم بأهل بلد واحد من بلادهم، وما هو إلا أن تستنفر الجماهير، وتستحث الجم الغفير والذي يتعين الآن العمل به في كل مكان أن يؤخذ أهله بالتأهب والاستعداد، وارتباط الجياد، والاستكثار من آلات الجهاد، ونحن قد أمرنا بهذا أهل السواحل وما اتصل بها، وأريناهم كيف قد أقبلت الحرب العوان في يلبها، وجاءت تهر وتلف خيشومها بذنبها، وأنتم قد عرفتمونا بما عندكم من الحزم العتيد، والعزم الشديد والرأي السديد، والاستنصار في الجهاد الذي يُعلي الله به كلمة الإسلام، وإيثار العدم للنصارى الكفرة فإنهم وإن كانوا من أهل الكتاب، هم بتصاوير كنائسهم من عبدة الأصنام، وقد حمدنا لكم بهذا أفضل أعمالكم لعقد صفقة البيع من الله تعالى بأنفسكم وأموالكم، وهذا شيء يجب أن تُشيعوه في جهاتكم، وتصدقوه بعزماتكم، ليرتد عدوكم بالله ولجهادكم صاغرًا، وينقلب حاسرا وكونوا على نفير من استجاشتنا (٢) لعساكر الإسلام، وفي بوادر من تقدم لنصرة الإمام، وانصروا الله مرةً ينصركم على الدوام. ومنهم:

стр. 4304

[٤٨] أبو إسحاق بن حاتم العبسي ورث من كفى نسبه عنترة العبسي أن يتقدم، ومن سمى إليه حاتم الطائي أن يتكرم، فلهذا شق بكتبه الكتائب، وما خاف وأنفق ذهبه جُزافًا وما خشي الإسراف، جنى الكلام غضًا، وجلّى وجهه مبيضًا، وله نثر لا تضم على مثله المقل أجفانها، ولا تربّي لشبيه سره الكروم جفانها. ومنه قوله: وأن تعلموا أن فلانًا معضود جانبه مكتوب معاديه ومجانبه، ميسرة من الله لباناته ومآربه، مصبرة في البر والبحر مذاهبه، مد الله على صفيحتهما مراكبه، وقد توجه في أمور مهمة، وأحوال يعود بها عائد نعمه، فبادروا حين وصوله إليكم بالنظر في زورق، حيث أراد به حلّق، وبأي حبل أراد من الماء تعلّق، وأعدّوا قطعتين اثنتين جيدتين متخيرتين، فإذا آب أصحبوهما له إلى المرسى الذي يحاول منه الطلوع أوان الرجوع، وقد أعلمناكم وفي الوقت مهلة فعجلوا فيهما الشروع. ومنهم: [٤٩] أبو بكر بن البنا حصل له المراد وتهنّى، ووصل الغاية لا يتعنّى، قريحته للمعاني العقيمة ولود، ألين له الكلام كما ألين الحديد لداود، كأن يتسرع به من الإحسان ابطاؤه، ويتسدد من البيان أخطاؤه، كأنّ فكره يمتاح من قليب لا يغور، ويلتاح في حلته شموس وبدور، حكم صناعته وأتقنها، وأحكم صياغته وأحسنها، فراقت شربًا، وترقرقت ماء عذبًا. ومن نثره قوله: إن مثل سيدي - أبقاه الله - والآمال في شارع فضله تكرع، ولمواقع وبله تتبع. لجدير في شرف نصابه، وكرم انتسابه، ورعاية ذمام كلّ ماثل ببابه، متقرب إليه بوسائل من انتمى إلى جنابه أن يتلقى الأمل بقبوله، ويرحّب ضيف الرجاء عند حلوله ونزوله، وأبو فلان - أحد من أمل غشيان بابكم الفسيح، وأثر قصدكم اللجج الزواخر والمهامه الفيح، واستقبلكم برجاء ملء يقينه، وأمنيّة قدر أن تأتيه بكل مراد في حينه، وهو بما تسدون إليه حقيق وبما تصنعون لديه خليق، فإن له طلبًا مبينًا، وأدبًا معينًا، وطريقة لا يسلكها إلا من سلم دينًا، واتخذ الخير خزينا، وقد أزعجه عن وطنه مزعج المقدار، وواقع الخطوب الكبار، وأملكم بشيء تمنحون لقيام أوده، وإحسان تفسحون له في

стр. 4305

أمده، وتفتحون له قصد جدده، فصنيعكم فيه يصيب طريق المصنع، ويصادف أجدر الجدراء بارتياد جنابكم الأمرع، والله يبقي مجدكم يصطنع الأحرار، ويهدي كلّ من تاه في ليلة القصد وحار. ومنهم: [٥٠] أبو المطرف بن عميرة أوضح من سهيل، وأزهد من الفضيل، وأشعر من عامر بن الطفيل، وأجمع من شمل جمع ابن شميل، وأوسع رواية من ابن قريب، بأبانين. أو بذات الأثيل، قلدته الملوك أمورها، والسلوك شذورها، فوجدت بابن عميرة أنفع ميرة، وبأبي المطرف أبدع مطرف، سمعته تحرّك عودًا للطيب، وعودًا لخطيب، وآخر ثالثهما للطرب، وباعثهما على اجتلاء عروس عليها عقد من الحبب. ونثره البعيد البديع، المطبوع الصنيع. ومنه قوله: وجاءت مخاطبتكم معربةً عما استبطأتموه من الصفاء، وأظهرتموه من الوفاء، وبذلتموه من النصائح التي صدعت بالحق. وأخذت بالأوجب الأحق. وقد قوبلت بالاستحسان، وتحقق منكم ما تساوى فيه السر والإعلان، ومهد لكم سبل الإحسان، ولكم المحافظة على ما أحرزه قديمكم من الرتب التي ورثتموها عن السلف. وآثرتموها في الحال والمؤتنف، واعلموا أنّ مكانتكم لدينا بالشفوف مخصوصة، وآثاركم عندنا بلسان الشكر منصوصة، وشأنكم لا يُلحق، وجانبكم الجانب الذي لا يزال يُلحظ بعين البرّ ويرمق، فطيبوا نفسًا واستجدوا أنسًا، ومدوا خطوة آمالكم. وأيقنوا بالجزاء الذي لا يلتكم شيئًا من أعمالكم. ومن نظمه ما أنشد شيخنا أبو حيان له. وهو: وقالوا أتلهو والشباب قد انقضى … وعمرك قد ولى ولم يبق طائل فقلت أصيل العمر ما قد بلغته … وأطيب أوقات الزمان الأصائل ومنهم: [٥١] أبو عبد الله العمراني أفق بهاء لم يجف جماله، ولم يخف كماله، ولم يصف إلا مورده. ولم يطف من

стр. 4306

الدر إلا ما كتبت يده، موفي بصنيعه للنذور، ومخف ببديعه للشذور. ومن نثره قوله: جاءت كتبكم تعتذرون في ضعف الحال بالمحال، وفي ضيق المجال بقلة الرجال، مما يلحقكم بربات الحجال، ولا يطرقكم إلا بالنوب السجال، فطاشت ألبابكم خورا، وعاد صفوكم كدرا، وتنسمتم ريح الموت وردا وصدرا، لقد آن لكم أن تنبذوا ذبل الخرصان لمغازل النسوان، وتستعيضوا سوار المعصم من غرار المخذم، فمالكم ولصهوات الخيول، وإنما على الغانيات جر الذيول، ولا والله بمثلكم تسد الثغور المهمة. ولا تتجلى الخطوب الدلهمة. ومنهم: [٥٢] ابن عبد الحميد من ولد عبد الحميد بن يحيى، وله الذكر الحميد به يحيى، نجح بوسائله، وبجح برسائله، ورجح بما جرى له من مسائله، على أنه لو عاصره لضايقه في مجال العربية الوسيعة وحاصره، وشح بالقرآن الكريم أعطاف كلامه، وأدنى قطاف البيان من كمامه، غلب قلمه السيوف بكهامه، وانتمى في دوافق السيول إلى كرامه. ومن نثره الذي أطلع كوكبه، كتاب كتبه إلى رجل كان في طاعة الموحدين ثم نزع منها يده، وخلع من يمين البيعة ما تقلده، وهو: إلى أبي بكر أيقظ الله بصيرته من نوم ضلاله، وأفائه إلى كنف التوحيد وظلاله، من المبتهل إلى الله في صلاح حاله، وسلامة مآله ابن عبد الحميد، أما بعد، فيا ليتك لم تخلق بشرا سويا، وقد صرت للشياط وليا، تركت ما كان عليه المرحوم من الاغتباط بهذا الأمر الذي لم تزل به حفيا، وقد مهد فيه لعقبه سراطا سويا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، نقضت بيعة ونكثت عهدا، وصرت لأهل اللثام بعد فيئة التوحيد عبدا، واستبدلت من علو الهمة تحتا، فازددت من الله بعدا ومقتا، تبرأت منك تسكورة، وأعزز بها عشيرة وقبيلا، يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا، أيسرك أن أورثك ضلالك عن الرشاد وسنا، وثنى بك إلى وهلك عنانا ورسنا، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، هبك بنعمة الله ثم من نعم هذا الأمير إلا في بحار الأفضال غريقا، وبوأك التوفيق في المناصحة له طريقا، يطأ عقبك الأحرار، ويلحظ بعين الاغتباط الأبرار، تحل لمكانك الحبي، ويطيعك

стр. 4307

أهل الجبال الشامخات والربي، قد نظمتك عناية هذا الأمير، مع أولاد أهل الجماعة، ليوث البسالة والشجاعة، الوارثين عن آبائهم مناهج البرّ المستبينة، المتمسكين بعروة الحق المتينة، فخلعت عن عنقك ربقة الإسلام، ولما دعاك الشيطان أظهرت له الاستسلام، ومحوت بسيئاتك ما كتب في صحفك من إخلاص ونصيحة وخدمة مشكورة صحيحة، فأتت لأخبار رسول الله ﷺ مع الشيطان تركض، ولعرى الدين ومعالمه تنقض، كفرت أيادي الموحدي وآلاءهم، وبسطت يدك في المسلمين تقتلهم وتمزق أشلاءهم، وتجرعهم من غصص اعتذارك ما يقطع أمعاءهم، أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبعوا هواهم، يا عجبا، كيف، كنت لأهل اللئام الجفاة الطغام، أهل البغي والفجور، واستبدلت الفيافي عوضًا من مشيدات القصور، واقترفت كبار الكبائر، ورفضت ادخار الأجور، وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور ولا الظلّ ولا الحرور، فاعلم أنّ الله بالمرصاد، واقرأ أول النحل، وآخر صاد، وبادر مبادرة منيب، وثب من قريب، وسارع مسارعة مخلص بمثابه، وأت الأمر من بابه، قبل أن تلمع لك السيوف بوارقها، وسعت لك الحتوف بواشقها، فقد نهض الموحدون بنفوس عليك وعلى أوليائك حنقة، وقلوبهم للمنايا معتنقة، وكأن بك وقد ضاق بك البراح، ونقض عزيمتك الكفاح، ورفضتك الروابي والبطاح، فاتخذ الرجوع إلى الله، ثم إلى أهل الأمر سبيلا، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: إن هؤلاء لا يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أشمت بنفسك وأهلك العدى، وعرّضت للمحنة أهلًا وولدا، وقطعت بمباينة هذا الأمير ساعدًا شديدًا وعضدًا، وركبت هوى نفسك فكنت أضعف ناصرًا وأقل عددًا. فداو داءك والأدواء ممكنةٌ … وإذ ظننتك قد ألقى إليك يدا ولا يقنطك من العفو ما وقعت فيه من الجرم، وجنيته على نفسك من الظلم، فإن بادرت الإنابة (١)، ألفيت عند أمير المؤمنين كريم العفو وجميل الإجابة، وكنت ممن لم تغلب على حسناته سيئاته، ولا ممن غرست لديه الصنائع فحنظلت نخلاته، وقد سبقت لك خدمة مشكورة، فاتبعها الآن بتوبة مبرورة تكن الهفوة التي بينهما بمشيئة الله مغفورة، فالسعيد من بادر بالمتاب قبل التلف، وأقصد طلب العفو، فإن (وقته) (٢)

стр. 4308

ازدلف، واغسل بالتوبة ما على وجهك من الكلف (١)، قال الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). ومنهم: [٥٣] أبو علي بن القطان شأنه مقارب، وبيانه ما يوارب، مع أنه أزكى من غيره منبتًا، وأذكى مسكًا على القرطاس مفتتًا، ربما اتصفت له رياض أثابت واتصلت به حبال وثابث، ومن نثره البهج، ونشره الأرج، قوله: والثقة بأن الله تعالى في محاولات هذا الأمر أسرارًا، يسلم بها المسلمون وينتهج مناهجها المسلمون، ثقة من فضل الله، يوضح مشكلها لأوليائه المسددين، ويفتح مغلقها لعباده المشدّدين، بحيث لا يمسهم فزع ولا نصب، ولا ينالهم ألم ولا يعنتهم بالله بصر، ولا ينالهم سوء ولا ختر ولا بد مع التسليم إلى الله في أمره من جد يبلى فيه أهل الجهاد عذرا، ويضحى الصعاد سكرى، وتتكفّل للسيوف بأنها إذ تعرّى لا تجوع ولا تعرى وللنبال بأن الأدواء تبرأ حيث تبرى. ومنهم: [٥٤] أبو جعفر الطبري يضرب في مجر المجرة بأعطان، ويأوي في مجرى النجوم لأوطان. نزع عن الأسد وفرته، وقلع عن إهاب الحمل فروته، فاختفى سهيل كأنه يترقب، ورمى سويداه قلب العقرب، ونثره أرفع من النثرة، وأدفع من النثرة، ومنه قوله: وكثرت الخوارج وشج ما السيوف على المناهج، إلا من فاء إلى تلك الطائفة وآمن بانضوائه إلى تلك العصبة الخائفة، ثم كان معهم تحت يد الامتهان، وكنت والله أحمد على مذهب صحيح، ومتجر ربيح، فأبيت المقام على الذلة، والانحياز إلى من خالف جمهور الملة، والله فتح وختر، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، وما ترد من السيارة مشرقين، ولا تدنو القافلة متفرقين، فأنا الباحث عن أحوالك، والسائل عن خلالك، فما أعيا خير، ولا أعوز دفع ضير، فأما كنت أذكر من الخوارج، وضر

стр. 4309

من قعد لهم على المدارج فمما قبحت به الأحدوثة، وساءت الاشنوعة الموروثة، لطول عمر لياليها الذاذي، وغصص نواحيها بخيول الأعادي، فلا يسمع إلا من بز أو أبرق عليه برق الصارم الذكر، أو هز فأخصمت المنية الجنان، وفصمت المخافة زر البراعة مما ضمت عليه عروة البنان. ومنهم: [٥٥] أبو حفص، عمر بن صاحب الصلاة كان رضيع مدامة، ومطيع هوى لا ملامة، فلما توفي أبوه تعطلت أعواد منبره، وسلب مجلس قضائه فريد جوهره، فلما وضع في لحده، ومنع من أن يتقدم أحد من بعده، نهضوا أجمعهم إليه. فوجدوه صريع عقاره، وضجيع عواره، فأقبلوا على عذله لافتقاد المنصب إلى مثله، والتوبة ترنو إليه بعين معاذله، ويقطعوا إليه بجيد مجده لا هازله، فسألهم أن يدعو عنانه، ويتركوه ليلته، فبات والإنابة تسامره. والمراجعة تشاوره. فبات يغالبها وتغالبه، ويجاذبها طرف ردائها وتجاذبه، إلى أن حيت الغزالة لمحياها السافر، وألقت ذكاء يمينها في كافر، عمد إلى قوس صبابته فنزعها، وإلى أثواب نشوته فخلعها، وإلى أباريقه فأزاحها، وإلى دنانه فأسال أرواحها، بتوبة نصوح لم يشنها ارتياب، وإقلاع فجاءه كالسحاب المنجاب، ثم طفقت مجامر القرائح تعبق وقودها، وأذهان الآداب تتيقض رقودها، يسري بها ذميلا ووخدا، ويرمي بها طرفا ساحرا وخدا. ومنه قوله يوصي بكتب أودعها لبعض أصحابه، لا يقرضها الفار، ويذكر الهر وهي (١): في علمك (٢) ما استودعته ديانتك، واستحفظته صيانتك (٣) من كتبي التي هي أنفس أعلاقي وأغلاها (٤)، وأحقها بالصيانة وأولاها (٥)، ولا شك أنها منك ببال،

стр. 4310

وبمكان منك تهمم وإقبال (١)، ولكن ربما طرقها من مردة الفار (٢) طارق، وعاث فيها كما يعبث الفاسق المارق، فيتحيف مالها قرضًا (٣)، ويجول فيها (٤) طولًا وعرضًا، إلا أن يطوف عليها هرٌ نبيل، ينتمي من القطاط إلى أنجب قبيل، له رأس كجمع (٥) الكف وأذنان قد قامتا في (٦) صف، ذواتا لطافة ودقة، وسباط ورقة، يقيمها عند التشوف ويضجعهما عند التخوف، وعينان كأنهما مقتطفان من الزجاج المجزع (٧)، وكأن نواظرها من عيون (البابلية) (٨) تنزع، قد استطال الشعر فوق أحداقه وحول أشداقه (٩) كأبر مغروزة على العيون، كما تبرد (١٠) أطرافها القيون، ونيبان (١١) كحد المطرد (١٢)، ولسان كظهر المبرد، أنف أخنس (١٣). وعنق أوقص (١٤)، وخلق سويٌ غير منتقص، أهرتُ الشدقين (١٥)، موشى الذراعين (١٦) والساقين، ململم اليدين والرجلين، رجل (١٧) بهما وبره ترجيل ذوي الهمم، ولما تشعث (١٨) من اللمم، وينفض ما لصق به من الغبار، أو علق من الأوبار، حتى يجلو جسمه (١٩) جلاء الصيقل للحسام، والحمام للأجسام فينتفي قذاه، ويوارى أذاه، ويقعي إقعاء الأسد إذا جلس، ويثب وثبة النمر إذا افترس (٢٠)، ظهر (٢١) شديد، وذنب مديد، يهزّه هزّ السمهري المثقف، ويلويه لي الصولجان (٢٢) المعقف (٢٣)، يكب على الماء حين يلغه، ويدني منه فاه ولا يبلغه،
следующие страницы →