← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

الدر إلا ما كتبت يده، موفي بصنيعه للنذور، ومخف ببديعه للشذور. ومن نثره قوله: جاءت كتبكم تعتذرون في ضعف الحال بالمحال، وفي ضيق المجال بقلة الرجال، مما يلحقكم بربات الحجال، ولا يطرقكم إلا بالنوب السجال، فطاشت ألبابكم خورا، وعاد صفوكم كدرا، وتنسمتم ريح الموت وردا وصدرا، لقد آن لكم أن تنبذوا ذبل الخرصان لمغازل النسوان، وتستعيضوا سوار المعصم من غرار المخذم، فمالكم ولصهوات الخيول، وإنما على الغانيات جر الذيول، ولا والله بمثلكم تسد الثغور المهمة. ولا تتجلى الخطوب الدلهمة. ومنهم: [٥٢] ابن عبد الحميد من ولد عبد الحميد بن يحيى، وله الذكر الحميد به يحيى، نجح بوسائله، وبجح برسائله، ورجح بما جرى له من مسائله، على أنه لو عاصره لضايقه في مجال العربية الوسيعة وحاصره، وشح بالقرآن الكريم أعطاف كلامه، وأدنى قطاف البيان من كمامه، غلب قلمه السيوف بكهامه، وانتمى في دوافق السيول إلى كرامه. ومن نثره الذي أطلع كوكبه، كتاب كتبه إلى رجل كان في طاعة الموحدين ثم نزع منها يده، وخلع من يمين البيعة ما تقلده، وهو: إلى أبي بكر أيقظ الله بصيرته من نوم ضلاله، وأفائه إلى كنف التوحيد وظلاله، من المبتهل إلى الله في صلاح حاله، وسلامة مآله ابن عبد الحميد، أما بعد، فيا ليتك لم تخلق بشرا سويا، وقد صرت للشياط وليا، تركت ما كان عليه المرحوم من الاغتباط بهذا الأمر الذي لم تزل به حفيا، وقد مهد فيه لعقبه سراطا سويا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، نقضت بيعة ونكثت عهدا، وصرت لأهل اللثام بعد فيئة التوحيد عبدا، واستبدلت من علو الهمة تحتا، فازددت من الله بعدا ومقتا، تبرأت منك تسكورة، وأعزز بها عشيرة وقبيلا، يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا، أيسرك أن أورثك ضلالك عن الرشاد وسنا، وثنى بك إلى وهلك عنانا ورسنا، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، هبك بنعمة الله ثم من نعم هذا الأمير إلا في بحار الأفضال غريقا، وبوأك التوفيق في المناصحة له طريقا، يطأ عقبك الأحرار، ويلحظ بعين الاغتباط الأبرار، تحل لمكانك الحبي، ويطيعك

стр. 4307

أهل الجبال الشامخات والربي، قد نظمتك عناية هذا الأمير، مع أولاد أهل الجماعة، ليوث البسالة والشجاعة، الوارثين عن آبائهم مناهج البرّ المستبينة، المتمسكين بعروة الحق المتينة، فخلعت عن عنقك ربقة الإسلام، ولما دعاك الشيطان أظهرت له الاستسلام، ومحوت بسيئاتك ما كتب في صحفك من إخلاص ونصيحة وخدمة مشكورة صحيحة، فأتت لأخبار رسول الله ﷺ مع الشيطان تركض، ولعرى الدين ومعالمه تنقض، كفرت أيادي الموحدي وآلاءهم، وبسطت يدك في المسلمين تقتلهم وتمزق أشلاءهم، وتجرعهم من غصص اعتذارك ما يقطع أمعاءهم، أفمن كان على بيّنة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبعوا هواهم، يا عجبا، كيف، كنت لأهل اللئام الجفاة الطغام، أهل البغي والفجور، واستبدلت الفيافي عوضًا من مشيدات القصور، واقترفت كبار الكبائر، ورفضت ادخار الأجور، وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور ولا الظلّ ولا الحرور، فاعلم أنّ الله بالمرصاد، واقرأ أول النحل، وآخر صاد، وبادر مبادرة منيب، وثب من قريب، وسارع مسارعة مخلص بمثابه، وأت الأمر من بابه، قبل أن تلمع لك السيوف بوارقها، وسعت لك الحتوف بواشقها، فقد نهض الموحدون بنفوس عليك وعلى أوليائك حنقة، وقلوبهم للمنايا معتنقة، وكأن بك وقد ضاق بك البراح، ونقض عزيمتك الكفاح، ورفضتك الروابي والبطاح، فاتخذ الرجوع إلى الله، ثم إلى أهل الأمر سبيلا، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: إن هؤلاء لا يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أشمت بنفسك وأهلك العدى، وعرّضت للمحنة أهلًا وولدا، وقطعت بمباينة هذا الأمير ساعدًا شديدًا وعضدًا، وركبت هوى نفسك فكنت أضعف ناصرًا وأقل عددًا. فداو داءك والأدواء ممكنةٌ … وإذ ظننتك قد ألقى إليك يدا ولا يقنطك من العفو ما وقعت فيه من الجرم، وجنيته على نفسك من الظلم، فإن بادرت الإنابة (١)، ألفيت عند أمير المؤمنين كريم العفو وجميل الإجابة، وكنت ممن لم تغلب على حسناته سيئاته، ولا ممن غرست لديه الصنائع فحنظلت نخلاته، وقد سبقت لك خدمة مشكورة، فاتبعها الآن بتوبة مبرورة تكن الهفوة التي بينهما بمشيئة الله مغفورة، فالسعيد من بادر بالمتاب قبل التلف، وأقصد طلب العفو، فإن (وقته) (٢)

стр. 4308

ازدلف، واغسل بالتوبة ما على وجهك من الكلف (١)، قال الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). ومنهم: [٥٣] أبو علي بن القطان شأنه مقارب، وبيانه ما يوارب، مع أنه أزكى من غيره منبتًا، وأذكى مسكًا على القرطاس مفتتًا، ربما اتصفت له رياض أثابت واتصلت به حبال وثابث، ومن نثره البهج، ونشره الأرج، قوله: والثقة بأن الله تعالى في محاولات هذا الأمر أسرارًا، يسلم بها المسلمون وينتهج مناهجها المسلمون، ثقة من فضل الله، يوضح مشكلها لأوليائه المسددين، ويفتح مغلقها لعباده المشدّدين، بحيث لا يمسهم فزع ولا نصب، ولا ينالهم ألم ولا يعنتهم بالله بصر، ولا ينالهم سوء ولا ختر ولا بد مع التسليم إلى الله في أمره من جد يبلى فيه أهل الجهاد عذرا، ويضحى الصعاد سكرى، وتتكفّل للسيوف بأنها إذ تعرّى لا تجوع ولا تعرى وللنبال بأن الأدواء تبرأ حيث تبرى. ومنهم: [٥٤] أبو جعفر الطبري يضرب في مجر المجرة بأعطان، ويأوي في مجرى النجوم لأوطان. نزع عن الأسد وفرته، وقلع عن إهاب الحمل فروته، فاختفى سهيل كأنه يترقب، ورمى سويداه قلب العقرب، ونثره أرفع من النثرة، وأدفع من النثرة، ومنه قوله: وكثرت الخوارج وشج ما السيوف على المناهج، إلا من فاء إلى تلك الطائفة وآمن بانضوائه إلى تلك العصبة الخائفة، ثم كان معهم تحت يد الامتهان، وكنت والله أحمد على مذهب صحيح، ومتجر ربيح، فأبيت المقام على الذلة، والانحياز إلى من خالف جمهور الملة، والله فتح وختر، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، وما ترد من السيارة مشرقين، ولا تدنو القافلة متفرقين، فأنا الباحث عن أحوالك، والسائل عن خلالك، فما أعيا خير، ولا أعوز دفع ضير، فأما كنت أذكر من الخوارج، وضر

стр. 4309

من قعد لهم على المدارج فمما قبحت به الأحدوثة، وساءت الاشنوعة الموروثة، لطول عمر لياليها الذاذي، وغصص نواحيها بخيول الأعادي، فلا يسمع إلا من بز أو أبرق عليه برق الصارم الذكر، أو هز فأخصمت المنية الجنان، وفصمت المخافة زر البراعة مما ضمت عليه عروة البنان. ومنهم: [٥٥] أبو حفص، عمر بن صاحب الصلاة كان رضيع مدامة، ومطيع هوى لا ملامة، فلما توفي أبوه تعطلت أعواد منبره، وسلب مجلس قضائه فريد جوهره، فلما وضع في لحده، ومنع من أن يتقدم أحد من بعده، نهضوا أجمعهم إليه. فوجدوه صريع عقاره، وضجيع عواره، فأقبلوا على عذله لافتقاد المنصب إلى مثله، والتوبة ترنو إليه بعين معاذله، ويقطعوا إليه بجيد مجده لا هازله، فسألهم أن يدعو عنانه، ويتركوه ليلته، فبات والإنابة تسامره. والمراجعة تشاوره. فبات يغالبها وتغالبه، ويجاذبها طرف ردائها وتجاذبه، إلى أن حيت الغزالة لمحياها السافر، وألقت ذكاء يمينها في كافر، عمد إلى قوس صبابته فنزعها، وإلى أثواب نشوته فخلعها، وإلى أباريقه فأزاحها، وإلى دنانه فأسال أرواحها، بتوبة نصوح لم يشنها ارتياب، وإقلاع فجاءه كالسحاب المنجاب، ثم طفقت مجامر القرائح تعبق وقودها، وأذهان الآداب تتيقض رقودها، يسري بها ذميلا ووخدا، ويرمي بها طرفا ساحرا وخدا. ومنه قوله يوصي بكتب أودعها لبعض أصحابه، لا يقرضها الفار، ويذكر الهر وهي (١): في علمك (٢) ما استودعته ديانتك، واستحفظته صيانتك (٣) من كتبي التي هي أنفس أعلاقي وأغلاها (٤)، وأحقها بالصيانة وأولاها (٥)، ولا شك أنها منك ببال،

стр. 4310

وبمكان منك تهمم وإقبال (١)، ولكن ربما طرقها من مردة الفار (٢) طارق، وعاث فيها كما يعبث الفاسق المارق، فيتحيف مالها قرضًا (٣)، ويجول فيها (٤) طولًا وعرضًا، إلا أن يطوف عليها هرٌ نبيل، ينتمي من القطاط إلى أنجب قبيل، له رأس كجمع (٥) الكف وأذنان قد قامتا في (٦) صف، ذواتا لطافة ودقة، وسباط ورقة، يقيمها عند التشوف ويضجعهما عند التخوف، وعينان كأنهما مقتطفان من الزجاج المجزع (٧)، وكأن نواظرها من عيون (البابلية) (٨) تنزع، قد استطال الشعر فوق أحداقه وحول أشداقه (٩) كأبر مغروزة على العيون، كما تبرد (١٠) أطرافها القيون، ونيبان (١١) كحد المطرد (١٢)، ولسان كظهر المبرد، أنف أخنس (١٣). وعنق أوقص (١٤)، وخلق سويٌ غير منتقص، أهرتُ الشدقين (١٥)، موشى الذراعين (١٦) والساقين، ململم اليدين والرجلين، رجل (١٧) بهما وبره ترجيل ذوي الهمم، ولما تشعث (١٨) من اللمم، وينفض ما لصق به من الغبار، أو علق من الأوبار، حتى يجلو جسمه (١٩) جلاء الصيقل للحسام، والحمام للأجسام فينتفي قذاه، ويوارى أذاه، ويقعي إقعاء الأسد إذا جلس، ويثب وثبة النمر إذا افترس (٢٠)، ظهر (٢١) شديد، وذنب مديد، يهزّه هزّ السمهري المثقف، ويلويه لي الصولجان (٢٢) المعقف (٢٣)، يكب على الماء حين يلغه، ويدني منه فاه ولا يبلغه،

стр. 4311

ويمد (١) من لسانه رشاء ودلوًا، يعلم به الماء إن مرًا أو حلوًا (٢)، فتسمع للماء خضخضة من قرعه، ويرى اللسان نضنضة من جرعِهِ، يحمي داره حماية النقيب، ويحرسه (٣) حراسة الرقيب، فإن رأى فيها كلبًا هر (٤) عليه البًا، وإن رأى فيها هرًا زحف (٥) إليه مكفهرًا، أنفةً على خبائه أن يطرق، وغيرةً على حجابه أن يخرق، فيدافعه (٦) بالساعد الأشد، وينازعه (٧) منازعة الخصم الألد، فأما إذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته، أبرز برثنه لمبادرته، وجوشنه (٨) المصادرته، فشدّ شدّة (٩)، وضمه من غير مودة، وأطار وبره نسالا (١٠) وأرسل دمه إرسالا، بأنياب عصل (١١)، أمضى من النصل، ومخلب كمنقار الصقر (١٢)، درب بالاقتناص والعقر، ففر قرنه ممزق (١٣) الإهاب مستنصرًا بالذهاب، قد أفلت من بين أظفار وأنياب، ورضي من الغنيمة بالإياب، هذا وهو يخاتله دون جنَّة، ويقاتله بلا سيوف ولا أسنّة، وإنما جنته منته (١٤) وسنانه أسنانه، وشفاره أظفاره، إذا سمعت الفأرة منه مغاء (١٥) لم تستطع له إصغاء، وتصدعت قلوبها من الحذر، وتمزقت (١٦) شذر مذر، تهجع العيون وهو ساهر، وتستتر الشخوص وهو ظاهر، يسحر (١٧) من عينيه بنيرين وضاحين تخالهما في الظلام مصباحين، يُسوّف الأركان، ويطوّف بكل مكان (١٨)، ثم يغط إذا نام ويتخطا (١٩) إذا قام، ولا يكون للنار مستدفئًا، ولا للقدر مكفيًا، ولا للرماد (٢٠) مضطجعًا، ولا للجار منتجعًا، بل يقنع

стр. 4312

بكيده، ويقتصر (١) على صيده، قد تمرّن (٢) بقتل والخشاش وافتراس الطير في المسارح والأعشاش (٣) ثم يكمن للفأرة (٤) ويلتصق بالأرض، وينطوي بعضه على بعض، حتى يستوي منه الطول والعرض، فإذا تشوفت الفأرة بإبراز نحرها، وأشرفت بإقلاع صدرها (٥)، دب إليها دبيب الصل، وامتد إليها امتداد الظل، ثم وثب في الحين إليها، وجلب الحين إليها، فأثخنها جراحًا، ولم يعطها براحًا، فضاقت (٦) من شدة أسره، وقوّة كسره، وكلما كانت صيحتها أحد (٧). كانت قبضته عليها أشد، حتى يستأصل أوداجها فريًا. وعظامها بريًا، ثم يدعها مجرّحة الذماء (٨)، مضرجة بالدماء، فإن كان جرذًا مسنًا لم يضع عليها سنًّا، وإن كان صغير فغر عليه فاه، وقبض مترفقًا على قفاه، وتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنّة، والأبطال بالأسنة، ليزداد منه تشهيًا وبه تلهيًا، فإذا أوجعه عض، أو رفعه رض (٩)، أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه، وأظهر (١٠) بالالتعاق شكره. وأعمل في غيره فكره، ورجع إلى حيث أثاره، وتتبع فيه آثاره إلى أن (١١) يجد في رباعه ثانيًا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الروى، حتى يفني جميع العدى، وربما رجع (١٢) عن هذه العوائد، والتقط الفتات حول الموائد (١٣)، إبلاغًا في الاحتماء، وبرًا بالنعماء، فماله على فعاله (١٤) ثمن، ولا جاء بمثاله الزمن، وقد أوردت - أدام الله عزّك من وصفه فصلًا مغربًا، وهزلًا مطربًا (١٥)، على أني لو استعرت في وصفه لسان أبي عبيد (١٦)، وأظهرت في وصفه بيان أبي زبيد (١٧)، ما انتهيت في النطق إلى شاكلة

стр. 4313

فعله (١)، ولا احتوت في السبق قط إلى وصف قط مثله. ورأيت بخط القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، نسخة كتاب كتبه ابن صاحب الصلاة أيضا إلى بعض إخوانه، يعلمه بجوازه البحر، ويصف ما لقي من حوادث الدهر، وقد أوردته ها هنا بكماله لغرابة أسلوبه في أمثاله، وذلك حين أجرى سفينته واللجة هادية، وسريرة البحر على صفحته بادية، فهبت ريح زعزعت جوانبه، وأرسلت من أفواج الماء مقانبه، فشوهت منظره، وطمست في دارة الموج قمره، وفتحت أفواهها أوديته الفواغر، ونكست أعناق الصواري صواغر، ثم من بيده ناصيته يصرفها، وطرقه ينكرها ويعرفها، وجلا تلك الغماء وسجر في مستقره ذلك الماء، وأخذ بعنان ريحه الجامح، ورد طرف موجها الطامح، حتى عادت سحبا تنشرها الرياح، ومتن البحر هادئا كصفحة الراح، ثم إذا صافحته يد الهواء، رأيت به مثل نطاح الظباء، وتجلت ذكاء، والضوء قد أشرق، وبدت في سمائها كوجه المليحة في الخمار الأزرق، وأشرقت بازغة تدنو وترتفع، وتبدو كسبيكة الزجاج الحمراء ذائبة ينفخها فتتسع. وهو: لا يبعد الله أقواما صحبتهم … لم أدر بعد غداة البين ما صنعوا فصنع الله لك أيها الصاحب الوفي، والخليل الصفي، أحسن الصنع وأجمله وأتم البر وأكمله، وأبقاك في أوفر نعمة، وأنظر نعمة، وأنزه حال، وأنبه بال، لما كنا أعزك الله مرتضعين بلبان الصفاء، ومستبقين في ميدان الوفاء، وفارقتك بمدينة سبتة - حرسها الله تعالى - حين أخذت للسفر عدة الحزم وشددت له عقدة العزم، وأنا أجد من وداعك أشد بأس، وأجرع من فراقك أمر كاس، والليل مستور، ولواء الشمس منشور، وقد أنار وجه الأرض من رونق الضحى، ودار خط الظل دور الرحى، فانتظمت مع السفر في سلك، وركبنا على اسم الله ظهر الفلك، في شأن عظيم الشأن، أنشئ من أطول القضب وأقومها، وأصلب الخشب وأدومها، وأصدقت به النطق أحداق الحيازيم، وأمسكته إمساك الأبازيم، ثم يتبع خلله جددا على ألواحه من الانخلاع، فاتصلت بقرابيسه اتصال الجلود بالأضلاع، ثم جلل سربالا من القار، وضمخ بالشحم في الندى والفقار، فامتاز بأعزب ميسم، وعاد كالغراب الأعصم، وحسن في منظر ومخبر، كان الكافور قد قرن بالعنبر، له من التماسيح أجنابها، ومن الخطاطيف أذنابها، قد استقلت أرجله بفراشها. كاستقلال السهام برياشها، وقام فيه قضيب الخيزرانة كعمود الأسطوانة، ثم رأيت قلاعه تعلا كعروس على المنصة تجلى، وقد مد ذراعيه ملتقيا لوفود الرياح بالمصافحة مستهديا من أنفاسها منافحة، واهتز منها

стр. 4314

لنفس كليل، ومس قليل، متوسدًا على دفته، في حال ثقله وخفته، ليفاءل أهله بالأمان، ويحسنوا الظن بالرحمن، ولا يجد لطول السير، ملالا، ولا يشكو منه كلالا، بل يصل التصعيد بالتصويب، ويجمع بين الآساد والتأديب، دون همز لمراكله، ولا ضرب لشواكله، تقلد الحكم عليه رائس، ماهر في البحر سائس، ذو تيقظ واستبصار، واستدلال على الأعماق والأقصار، يقدر الأوقات بحزره، ويكيل البحر في مده وجزره، مع معرفته بدليل الهواء ومخايل الأنواء، ونكوب الرياح عن مهبها، ووقوع الأنهار في مصبها، يهتدي بالنجوم إذا سرى، ويستدل بالمياه إذا جرى، قد جعل الماء مرآة ينظر فيها، وتحدّر من دخن نوافيها، فإذا أصداها الظلام بحنادسه، صقلها الصباح بمداوسه، يسبّح الله في مصبحه وممساه، ويبتهل في مجراه ومرساه، ويذكر ربًا يحفظه ولا ينساه، قد اتخذ فتية مواتية من حذاق النواتية. يفهمون عن رائسهم بالإيماء، ويتصرفون له تصرّف الأفعال بالأسماء، بأشخاص لطاف سريعة التلفت والانعطاف، ينزفون الماء حتى ينصب، ويصلون الحبال عند التقضّب، ويتعلقون بها تعلق الحرباء بالتنصب، ويترنحون عند الجذب والدفع، والحطّ والرفع، بهيئة تبعثهم على الحمام، وتؤذنهم في علمهم بالتمام فجرينا ونفح الريح نسيم، ووجه البحر وسيم، وراحة الريح تصافح عبابه مصافحة الخل، وتطوي جنابه طي السجل، وتحوك من لججه أبراد، وتصوغ من حبكِهِ أزراد، كأنما ر رسم في الأديم رقشا، أو يفتح في الفصوص نقشًا، فتراه كمثل الفرند على سيوف الهند، فمن صارخ بتلاوة القرآن، يطيب له ما لا يطيب الماء البارد للظمآن، ومن مخبر بما سمع ورأى من فوائد العجائب، ورواية الغرائب والعيش رخاء، ولما توسطنا ثبج البحر، وضربنا بين السحر والنحر، صحت الريح من سكرها، وطارت من وكرها، سمعنا من دوي البحر زفيرًا. ومن حبال الشاني صفيرًا، ورأينا البحر يزبد ويضطرب، كأنه بكأس الجنون قد شرب، فعلقت عليه تمائم من غرّ الغمائم، واستقبلنا منه وجه باسر، وطارت من أمواجه عقبان كواسر، تنتظم وتصطفق، وتختلف ولا تتفق كأن الجو يأخذ بنواصيها، ويجد بها من أقاصيها، حتى تكاد وجه الأرض تنكشف من خلالها، وتختطف عنان السحاب في استقلالها، والثاني يلعب به أكف الموج، ويفحص منها بكلكله فوجًا بعد فوج، كأنما يتسلخ من دثار ويستقيل من عثار، ويجول منها بين أنجادٍ وأغوار، وخنادق وأسوار، وطاقات وأعراف، وحافات وأجراف، كأنها سوامق جبال تنقد، أو شواهق جبال تنهد، ونحن قعود كدود على عودٍ، قد نبت من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، والرش يكنفنا من كل جانب، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب، ونحن لا نطيق نقضه ولا

стр. 4315

نستطيع رفضه، كأنما غشينا من الرعب سدر، ومسَّ أعضاءنا خدر، والمعد تهيج بمرتها وتموج بدرتها، فشممنا ريح الموت، وأيقنا بالتلف والفوت، وانتظرنا فراق الصحب، وقضاء النحب، وبقينا في هم ناصب، وعذاب واصب، حتى انتهينا إلى جنف الجون، وصرنا في كن وصون، وهذا من البحر ما استشرى، وتنادينا بالبشرى، ثم توافينا الجزيرة الخضراء واقتضينا من السلامة النعمة الغضراء، يقل لها عتق الرقاب، وصيام الأحقاب، وكان القلاع إذا حظ سحابة سارت، أو بركة غارت، وأيقظنا من كان منا نائمًا، فاستوى على نفسه قائمًا، وحططنا في الزوارق رحلنا، ووضعنا فيها أرحلنا، فلم تلبث إلا نبضة عرق، أو كومضة، برق، ووطئنا الأرض جددا، ولبسنا أثواب الحياة جددا، ولكنني بقيت سائر يومي نضوا، لا أكاد أقل عضوا، من جهة المشقة، لا من بعد الشقة، فياله من يوم عصيب، لم آخذ فيه عن الحياة بنصيب، ولعل من لا يدري ما أصف يقضي بظنّه ولا ينصف، فحسب ذلك قصرًا في باعي وخورًا في طباعي، فأقول له إن الله تعالى جعل البحر إحدى الكبر، والعظمى من العبر، فذكره في آيات جمة، وأهلك فيه كثيرًا من الأمة يستوي فيه الرفيع والأنزل، والشاكي والأعزل، إذ لا كميّ يصارعه، ولا قوي يضارعه، جعلنا الله بآياته معتبرين، وعلى طاعاته مصطبرين، وقد كان لسان الوصف أفصح، ومكان القول أفسح، قال ﵇: حدث عن البحر ولا حرج، ولكني رميت الغرض القريب وأديت البناء الغريب. ويكفي من السيف ذبابه، ويغني عن القشر لبابه، وما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، وكتبتُ أحرفي هذه بين سفر تعجّل، وتقصير مخجل، فإن مددت لقولها راحتك، ومهدت لقبولها ساحتك كانت زاد الماشي والراكب، وحملت على الرؤوس والمناكب. ومنه قوله يصف جامع قرطبة: إني شخصت لجامع قرطبة منشرح الصدر، لحضور ليلة القدر، والمسجد الجامع قد سر الله بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه، قد كسى برده الازدهاء، وجلى في معرض البهاء، كأن شرافاته فتول في سنان، أو أشر في أسنان، وكأنما ضرب على سمائه كلل، وخلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس قد خلّفت فيها ضياءها، ونسجت على قطاره أفياءها، ترى نهارًا قد أحدق به ليل كما أحدق بربوة سيل، ليل دامس، ونهار شامس، قد أترعت من السليط كؤوسها، ووصلت لمحاجن الحديد رؤوسها، ونصبت بسلاسل كالجذوع القائمة، أو كالثعابين العائمة، عصبت

стр. 4316

بتفاح الصفر كاللقاح الصفر، بولغ في صقلها وجلائها، حتى بهرت بحسنها ولألائها، كأنما حُلّيت باللهب أو أشربت ماء الذهب، إن سمتها طولًا رأيت رياض شقيق أو معادن عقيق، أو جئتها عرضًا رأيت منها أفلاكًا، ولكنها غير دائرة، ونجومًا ولكن ليست بسائرة، تتعلق تعلّق القرطم الفرفري (١)، ويبسط شعاعها بسط الأديم حين يفري، والشمس قد رفعت على المنابر رفع البنود، أو عرضت عليها عرض الجنود، لتجتلي طلاقة دواتها القريب والبعيد، ويستوي في هداية أضوائها الشقي والسعيد، وقد قوبل منها مبيض بمحمرّ، وعورض مخضر بمصفر، تضحك ببكائها وتبكي بضحكها، وتهلك بحياتها، وتحيى بهلكها، والطيب يفعم أفواحه، وتتنسم أرواحه، قد قتر من اليلنجوج، والند ما يسترجع من روح الحياة ما استرد، وند في صفوف مجامر ككفوف مقامر، وظهور القباب مؤلله، وبطونها مهللة، كأنها تيجان ربيع فيها لؤلؤ ومرجان، قوس محرابها أحكم تقويس، وسم بمثل ريش الطواويس، حتى كأنه بالمجرة مقرطق وبقوس قزح ممنطق، وكأنّ اللازورد حول رسومه وبين وسومه نتف من قوادم الحمام، أو كسف من ظلل الغمام، وعلى توابيت علومه ومظان مكتومه أبناء صيد، وأقمار غيد تشرق أنوار وجوههم تحت أبراج التاج كتقويس الابنوس على دمى العاج، كأنهم نجوم في الأفلاك، أو ظباء في شباك، والناس ما بين ركع وسجد، وأيقاظ وهجد، ومزدحم على الرقاب يتخطاها، ومقتحم على الظهور يتمطاها، كأنهم برد خلال قطر، أو حروف في عرض سطر، تسمع تكبيرهم كدوي النحل في عجاجه، أو اليم في ارتجاجه، حتى إذا قرعت أسماعهم روعة التسليم تبادروا بالتكليم، وكأن الأرض قد حركها زلزال، أو الجو قد مسه خبال، يتجاذبون بالأثواب، ويتساقون بالأكواب، كأنهم حضور طال بهم غياب، وأحباب نالوا من زمن التهاجر أعتاب، وجميل من إخوان صدق تنسكب العلوم بينهم انسكاب الودق متهادين لرياحين الملاطفة متباينين عن معاريض المصادفة، في مكان كوكر العصفور أو ككناس اليعفور، كأن إقليدس قسم بيننا مساحته. ومن شعره قوله: أتلهو وقد ناداك بالبين هاتف … وسيرك من بعد المناداة آزِفُ يُسافِرُ عنا كل حين إلى الربى … طوائف تمشي إثرهن طوائف فيا أيها الموت الذي جلّ خطبُهُ … وأعيت على الألباب منه اللطائف

стр. 4317

تبيد بني الدنيا، وتفني جميعهم … ولست بمستبق كأنك خائف ومنهم: [٥٦] أبو الحسن، علي بن موسى بن سعيد، العماري (١) مكمل كتاب (المغرب في حلى المغرب) من ولد عمار بن ياسر ﵁، أديب مبدع، ولبيب ممتع، من بني سعيد، وكانوا من بيت ملك لا ينهنه بالوعيد، كان لهم قصر (مشيد) (٢) بالأندلس وهو حصن خيم على الغيوم، وتختم بالنجوم، ونافح الرياح، وصافح بكفه الثريا راحا براح، وعلا فما طلع إلا في ذيل أفقه الصباح، ولا اشتعل المريح في شرفاته إلا دون أدنى مصباح، وقدم أيام الناصر بن العزيز الشام، واختص به خصوصية الكلبي بهتنام، وهام بأدبه هيام الكلف بذات الوسام، وهو صاحبي الذي أوافقه في هذا الكتاب تارة، وتارة أؤاخذه، ومرة أعاهده، ومرة أنابذه، وكان أجم من البحر إمدادا، وأسجم من القطر عهادا، وله الكلام الصافي الورود، الغافي البرود، و (ماء) تسير شوارده، وتنير مثل الكواكب فرائده. ومن نثره في خطبة كتاب المغرب، قوله: الحمد لله الذي جعل العباد من البلاد، بمنزلة الأرواح من الأجساد، والأسياف من الأغماد، وحلى بحلية الأدب منهم من رقت حاشيته، ولطفت ناشيته، بحلية الأغصان بأزهارها وأوراقها، والحمائم بألحانها وأطواقها، فاهتزت بمحاسنهم أعطاف الوجود اهتزاز الطروب برنة العود، والكريم بنغمة الجود، جاعل المغرب في الحلى الأدبية من المشرق بمثابة شمس الأصيل من النهار المشرق، الذي نطق كتابه العزيز بالسير في الأرض، والمشي في مناكبها، وأعلن بالصلاة على مصطفاه الذي أفاض أنوار دعوته على ما زوي له من مشارقها ومغاربها محمد الذي اختاره على خير أمة، وبعثه رحمة. القائل إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة، المثيب حتى بالجنة لمن ارتضى نظمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين خلدوا من

стр. 4318

مآثرهم على صفحات الأيام، كالغرر في وجوه الجياد، والأعياد في الأعوام. ومنه قوله: لا يستطعم ثمرة غرس ما لم تكن جنّى هذه الخمائل، ولا يرغب في زهرة حياة ما لم تكن من حلى الفضائل، إذ هذا الفن الأدبي متطفل على سواه، متوشّح بغيره من الفنون توشيح اللبلابة بالدوح، من أسفله إلى أعلاه، ولذلك احتجنا مع الاستطلاع من فنّه إلى مطالعة غيره من الفنون التي من جنانها مزج الصهباء بالماء، وعلقناها به تعلق الحروف بالأفعال وبالأسماء، ولم يزل جميعنا يدأب في جميع العرض من هذا الشأن، لا يعتري أحدًا منا كسل ولا سآمة، كلما احتضر الموروث أوصى الوارث في ذلك بعهد الإمامة، إلى أن أوقرنا ركائب الطلب حتى امتلأ الحوض وقال قطني، ونادى بلسان الضجر والانتهاء كفاني منكم وكفاكم مني، وهممنا فيما اجتمع مصرفه إلى الوصية الحكمية في تقييد العلم بالكتاب مجتهدةً في إقامة صورة تفنى صورنا وهو باق في الأعقاب، مقيد في ساعة ما جمعته متفرقات الأحقاب، لا سيما إذا تأنق في عرسه حتى ينتهي إلى إطعامه، وفي تغذيته ليشرف على فطامه، وأن له أن يخرج خروج البدر من ظلامه، ويبرز إبراز الدرّ من أصدافه والزهر من كمامه، رافلًا مع عتقه في حلية الشباب، مشبهًا المدام التي تجلت وهي عجوز بحلية الحباب، جنت له بالموارثة ثمرات الكتب ومحضت فيه بالمطاولة زبد الحقب، فلم تقصر يده عن عصر من الأعصار، ولا قصرت خطاه عن قطر من الأقطار، فجاء كتاب راحة قد تعبت فيه الأسماع والأبصار والأيدي والأفكار، وأفنيت على إظهاره إلى الوجود وظائف الإعمار، ولم يزل يقرن بسوادِهِ وبياضه سواد الليل وبياض النهار، جمعه بالموارثة في مائة وخمس عشرة سنة، ستة من أهل الاعتناء بالأدب، وتناسقوا في نظامه تناسق أنجم الثريا، وتنادموا على ريحانه بكؤوس الحمية لا بكؤوس الحميا، وما برحت نار القرائح تحمي لتخليصه، وصوائد الأذهان تذكى لتخليصه، حتى أبرزت حلاه الذهبية كالذهب الأبريز، ووقفت في موقف التبريز، وطبقته العلية أنه لم يورد فيه الأماكن بمنزلة الوسائط من العقود، والأعلام من البرود، والخيلان من الخدود، مما تحاكي شعشعة الشمس على صفحات الأنهار، ورقرقة الطل في لحظات الأزهار، قدود معان فصلت عليها ثياب ألفاظ، ومحاضرات تجري كالدهان على ألسن الحفاظ، بجد يتنزّل منزلة الكرام والعفاف، وهزل يحلّ منها محل الغنج من الظراف، ولما اكتمل شباب هذه الحسناء، وبرزت في حلل السناء، دعاها كمالها إلى أن تزف لمن يفترع منها بكرًا لم تعرض على خاطب، ولا عرّضت حيثما سلكت لأيدي

стр. 4319

المطالب، فمن يكون في الملوك بمنزلة الواسطة من السلوك المليك الناصر بن العزيز عمر الله بالدعاء له جميع المعمور، ونظم في سلك طاعته قلوب الجمهور، ولما وصلت الرسالة الصاحبية إلى الديار المصرية، ثم آبت لحقني منها اعتناء لم تمن به الأمنية ولا خاب، فنهضت بي نهوض الغنى بالأماني، وفاءت علي بوارف الظلال داني القطوف، حلو المجاني، فلم أزل في طريقي في صلاح حال تحسدها الرياض التي أضحكتها عيون السحائب عن ثغور الأزهار، وتغيظها الأقمار في سراها، آمنة من الخسوف والسرار، والأماني تسايرني، والبشائر تصاحبني وتسامرني، إلى أن خيمت ذرى الشهباء حيث تحسدني شهب السماء. ومنه قوله: ونظرت إلى الإمداح لا تنفق إلا لديه، وبضائعها لا تجهز من آفاق المشارق والمغارب إلا إليه، خيمت بظله الظليل، وقلت للمطايا حللت موطن يحرم منه الرحيل، وجعلت أمدح ويمنح، وأجيد ويجود، إلى أن توالت الأعوام، وزاد العشق في دولة الغرام. ومن نظمه، ما اختاره لنفسه قوله (١): كأنما الدهر صفحة كتبت … أسطرها والنسيم منشؤها (٢) لما أبانت عن حسن منظره … مالت عليها الغصون تقرؤها ومنه قوله: وبلغه ما ألقاه من ألم الجفا … وطارحه أشهاب الهوى ولك الأجر وسائله عما أوجب الهجر بيننا … وإن لم تجد عذرا فعندي له عذر ومنه قوله: وعلام يلحاني العذول وقد رأى … أني لشدة عدله لا أفتر وأبيك ما خطر السلو بخاطري … فعلام تعتبني وكم ذا تهجر ومنه قوله: طلب الوصال منك عين المحال … فإلى كم أغر بالآمال ما أبالي إذا وعدت بوعد … وخدعت المنى بطول المطال يا بخيلا بوصله كيف بلغت … فما جدت لي بوصل الخيال

стр. 4320

لم تجد بالكرى وجُدْتُ بروحي … إن هذا لغاية في الضلال ومنه قوله: أنا إن بكيت فقد علمت صبابتي … ياليت شعري لم تحن الأنيق وفي كلّ ذي شجو يبوح بشجوِهِ … فلربَّ حال من لسان أنطق ويح الشجي من الخلي فضائع … سلوى أخي عشق لمن لا يعشق يشكو ولكن أين من يصغى له … ويقول لكن ما أراه يصدق ومنه قوله مما كتبه عند تصوير المعرب في كتاب المغرب: هذي بلاد الغرب قد … بسطَتْ لديك المعذره لما نأت أقطارها … جاءت إليك مصوره ومنه قوله وقد هبّت صبًا لها من جيوب الغيد أذيال على غدير أرق من الجريال فثنى الغصون وميلها وأومى إلى الغدر وقبلها، وهو (١): الريح أقود ما يكون لأنّها … تبدي خفايا الجسم والأعكان (٢) وتميل الأغصان حتى أنها … في الدوح تلثم أوجه الغدران (٣) ولذلك العشاق يتخذونها … رسُلًا إلى الأحباب والأوطان (٤) ومنه قوله (٥): ولا تصغين إلى عادل … فما آفة الحب إلا العذل وجاز بما شئت غير الجفا … وعذب بما شئت إلا الملل ومنه قوله (٦): إذا الغصون بدت خفّاقة العذب … فاسجد هديت إلى الكاسات واقترب وطارح الورق في أدواحها طربًا … ومِلْ إذا مالت الأغصان من طرب وانهض إلى أم أنس بنت دسكرة … تحكي (٧) عليك بالحليل من الذهب وانظر إلى زينة الدنيا وزخرفها … في روضة رقمتها أنمل السحب

стр. 4321

وللأزهار أحداق محدقة … قد كحلتها يمين الشمس بالذهب وللأصيل إشارات بذى سحلى … المراد فهو (١) الكاس وانتهب ومنه قوله: من فصل النرجس وهو الذي … يرضى بحكم الورد إذ يرأس أما ترى الورد غدا جالسًا … وقام في خدمته النرجس ومنه قوله (٢): وعسجدي اللون أعددته … لساعة تظلم أنوارها كأنه في رَهَجِ شمعةٌ … مصفرة عدته نارها ومنه قوله: وقد اغتدى والليل قد سل صبحه … بليل بجلباب الصباح ملثما وأحسبه خال الثريا لجامه … فصيّر هاديه إلى الأفق سلما ومنه قوله: تقلبت في النعمى كطير بدوحة … على أي غصن لاح يشدو ويطرب ستبقى على مر الزمان بمدحه … مذهبة في الخافقين وأذْهَبُ ومنه قوله (٣): جد لي بما ألقى الخيال من الكرى … لا بُدَّ للضيف المُلِمِّ من القرى واخجلتى منه ومنك متى أنم … عيرتني ومتى سهرت تنكرا أسفي على يومِ يُمرُّ وليلة … لا أنت تلقاني ولا طيف الكرى ومنه قوله: يا من يروم قرى له قد أضرمت … نار الخدود أنخ على وادي القرى ومنه قوله: ذو صورة تأخذ الأيام زينتها … منها وتغرق في لألائها الصور إن هذه المدح فالأموال في بَدَدٍ … والغصنُ ما هُنَّ إِلا بُدّد الثمر (٤) ومنه قوله: وأم يوسف والدنيا له تبع … ولم يقم عند رسم للوفاء عفا

стр. 4322

ودت ثغور العذارى أن تكون على … أسوارِهِ أبدًا لو أشرقت شُرَفا ومنه قوله: هذا الذي هدنا لمرسل … سعره لما أتى في فترة السلوان ياحسن سورة يوسف … في صورة تتلو عليك بدائع الرحمن ومنه قوله: مليك كلّما حدثت عنه … ملأت به الوجود ندى وندا يعزُّ مثاله إن شئت وصفًا … ويعوز عده إن رُمْتَ عدا تقدم في الوغى أسدًا مصورًا … بثعلب رمحه يصطاد أسدا إذا اردت به الغدران بيضا … أبت إلا يصير البيت وردا ومنه قوله: تقاسمه الوراد من كل وجه … ولا أثر يبدوبه للتقسم فلولاه ما جاء الغمام بعبرة … ولا الروض أضحى مظهرًا للتبسم ومنه قوله: بدر نقصت به وتمّا … أشكوله فيزيد ظلما يا عاذلي في حبه … أنّي أصم … وأنت أعمى أنا لا أطيق سوى الذي … أبصرته وكفاك علما وإذا بدا لي من أحبُّ … أسر به لثما وضما يوم يمر ولا أرى … فيه حبيبي لايسمى ياعاذلي أنا قد شقيت … بحبّه وأراه نعمي ومنه قوله: لا أنس ليلة وافينا لموعدنا … والكأس دائرة والغصن معتنقي فقلت إذ بت أسقي الشمس في قدحي … من ذا الذي صاغها قرطا على الأفق ومنهم: [٥٧] أبو العباس، أحمد بن عبد النور وصل في زمن الظاهر بيبرس من إفريقيا رسولًا، ووصل بالمبار سولا، ثم عاد إلى جهة مرسله، وقد ازداد على إكرام رسله وألان القول، وأبان مقدار ما وجده من الطول، فأنس ما كان بينهما توحش، وحَسُن ما كان على لسان من قبله بينهما قد تفحش فانتسج بينهما برد الودّ، ورأى ما دعى من المحافظة على مدى البعد، ثم كتب

стр. 4323

إلى الصاحب فخر الدين بن لقمان رئيس ديوان الإنشاء في ذلك الزمان، رسالةً بديعة تتعلق النفوس بلباناتها، وتفتق كمائمها عن باناتها. ومنه قوله: سيدنا - أبقاه الله منوطة به أسباب الرغائب، محوطة عليه سنيات المراتب، ملقى نواشيء الإسعاد من كل جانب، مفتاح حضرته التي هي حظيرة المكارم، وحاضر بحور العلوم الخضارم، يتزين لخطابها، ويعرض عقائل المجد على خُطابها، ثم معرفتها ذمة، والخلق منها مذمة، والتحلي بمواصلتها همة، ولا شك أن هذي الوسيلة قد بلغ لديها محلّة، وأن السؤدد الفخري يتمّ فيها الحج والعمرة لله، ولما ورد هذا الصقع متحليًا بهذه الصناعة، ومستبضعًا إليها عروض هذه البضاعة، عوّلت على أن أخاطب بلسانها، وأن توالي المطالب بإنسانها، فوجدتني أغتدي بها عن جناح مهيض وأتابع النظر بجفن غضيض. وكأنني أستنبط عنصرها في الأنباط، وأعرب بها بين الأسباط، إلى أن نمي إلى أن سيدنا سيد عصابتها، والرامي عن قوس إصابتها، وأن القلم الفخري له الفخر فيها والسيادة، ولإحسانه الحسنى وزيادة، فتنوره الأدب من أذرعاته، وعزم على أن يفيض من عرفاته، فهو أكرم من أن يسدّ عليّ باب الحظوة بمعرفته وعرفانه، أو يُظميني مع ما طاف بين الورى من طوفانه، فخاطبته مخاطبة من يهتدى بهديه، ويستنجح لسعيه، وأبى الاختيار إلا أن أقصده، وعزم علي الأدب إلا أن أنشده: إني بحبلك واصل حبلي … وبريش مثلك واصل نبلي لأتخذه ذريعة إلى النجح ونورًا أهتدي به إلى سورة الفتح، إذ كل من يستنصح لأيام النصح تجيب، وإن احتيج إليه فالحاجات عند أبي خبيب (١). وأما الآمال، فقد أطرتها بحراك، وأرسلتها فيه العراك ليُعمل فيها أيدي العون. ويكر فيها على الفساد بالكون، فتصرخ هي أيضًا بالثناء صراخ رافعي العقائر، وتعتد عليك ما يتضمن حمل المحامد من الضمائر. وإنما هي حظوة مجدٍ دعوت لها ساق حرّ، واستسعيت قدمها الأسمى لدفع ضر، فتنفصل بقدرٍ لا غض، وتعمل مقولًا لا فض، ليثني عليه الشاكر أطراف المحامد كما أثنى، ويأثر عنه أنه فعل وأفعل في اتفاق المعنى، وأنهى إلى علم سيدنا أنه فرطت في هذه السفارة فوارط لم تطل إليها يد استدراك، ولم يكن في عواقبها النظر الحرم كبير إدراك، لم توقعها خيانتي، ولم تنسب إلى تصريحي ولا كنايتي. فلما اصطليت بنار لم أشبها، ورميتُ بعلة لم أسطع أن أطبها.

стр. 4324

ظللت ردائي فوق رأسي قاعدًا … أعد الحصى ما تنقضي عبراتي يا له خطبًا ولج القلب ولج، وشجى وشج في الحشا وشج، ووقفني على روق الظبي واستسعاني وأين موضع السعي، ففرقت من وقتي هذا من خلائقه العوج، وأرقتُ لأخلاقه الهوج. وندمت على حركتي إلى هذه الجهة، ندمًا أورى بالأنامل المعمور، وتركت ورائي رأيًا وددت لو جعلته من عزم الأمور، ولو قصصت على الحضرة الفخرية خبري وبثثتها عجري وبجري، للفحت مجلسه الأعلى بوهج ذاك سمومه. زاك مع كل لحظة خصوصهُ، وعمومه، وأرسل من العبرات صوب أفق ماطر. وكلما فطرت اللوعة قلبي، تصعدت الصعداء بالحمد لله فاطر، وقد أعوز الآن من يستنجد اعتناؤه. أو يستجدي غناؤه في المآرب أو عناؤه، خلا سيدي وخلاه ذمّ، وهو إن قل الفضلاء فالعدد به جم، وقد ذكر لي أن الجدّ من عادة وفحصت عن الصدق فإذا هو أتى في ميعاده. وما برح كل طام يستمطر قطره. وحيثما كان فيما يولي وجه أمله إلا شطره، لا سيما أن انسد إليه تفريج الهم. وعوّل عليها في الحادث المدلهم، فإنه يقرع في كل مستند إليه ظنبوب الاعتزام، ويدلّ عليه منجحه بالتضمن والمطابقة والالتزام، ويجود باهتمامه فيحيد، ويبدي في إبداعه ويُعيد، ويمد إلى الغرض الأقصى يده الطولي، ويعمل على النظر فيه تلو صلاته الأولى، وهو - أسعد الله جده - أيقظ من أن يكتحل بسنة الغفلة، أو يقيد عزمه بقيد المهلة، فلنأخذ قضاء المارته (١) على الفور، ونحير محاولتها بالتسلسل والدور، وإذا جرى جدّه على وتيرته الحسنى، وأعمل فيها متقصده الأسنى، لم ينفق ذخائر الجد إلا على المجد، ولكن يتعوض منها مثاني سورة الحمد، شُكِرَ الحسن بن سهل، فاستوقف الشاكر ثم قال: يا هذا الجاه زكاة الشرف، وإنما نعد شفاعتنا زكاة مروءتنا، فسوى سؤدد سيدنا يعرض عن تعرض محاويج إخوانه إلى زكاته، ويصدّ عن تصديهم، ومثله يذكي لهم من رأيه الأصوب الأسمى سراجًا يسعى نوره، بين أيديهم ومن وجدوا وجاهته تبذل إن شاء الله ثمن البضاعة في خصائص شرفه شرف الصناعة، ومبيضه النجح لا تصح إلا بإنشائه والامتياح من ركيته. لا تكون إلا بدلوه ورشائه. أبقاه الله مستنجحًا في مهمات المطالب، ومستمنحًا كريمًا للرغائب. ولا زال موفر الدواعي على الإجابة للداعي. وموقوف المحامد على شرف المساعي.

стр. 4325

ومنهم: [٥٨] أبو الحسن بن فضيلة (١) قاض أقطع من السيف قضاؤه، وأنفذ من السهم مضاؤه، وخطيب يرفع الطرف إغضاؤه، وتحرق رياح الوعيد رمضاؤه. وكاتب يرضى ارتضاؤه، ويُغني عن النوء اقتضاؤه. كلامه أسهل من الدهان. وأسلم من التصوّر في الأذهان، وأسبق من الجياد يوم الرهان. وله رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه، وقد عُزل عن القضاء، واريح مرهف من طول الانتضاء، وخفف عن فسيح رجائه وقفات الركائب الانضاء، ما خلا فيها من إبداع، لا تنهض في خلافها حجة نزاع. وهي: أخي وسيدي أبقاه الله، وشمسه طالعة لم يعقها غروب، ونفسه واسعة لم تضقها خطوب، وبعد فإني كتبته إليكم، كتب الله لكم عزّةً باقية، وعصمة واقية، عن الود الذي يفهم، والخلوص الذي لا يمرض بحول الله - ولا يسقم، والاعتقاد الذي يجب لذلك الإخاء ويلزم، والشوق الذي يهيج بالبعاد والفراق ويضرم، والله تعالى يصون لنا من الوداد ما عُقد، ويحفظ لي ولسيدي ما اعتقدت من ذلك وما اعتقد، ويطفي من نار الشوق ما أضرم وما اتقد. وإني وافاني خطابكم الأثير، معرفًا بالانفصال عن تلكم الخطة التي كرهتها في سالف الأيام القدوة الأعلام، وفرّ منها صالح الأنام، من لنا بهم الاقتداء والاتئمام، فسرني ذلك لكم وساءني للخلق، وشكرت الله على انفصالكم منها، عزيز النفس، واقفًا مع الحق، وإن تقلدتها يا أخي عزيزًا كريمًا لأنت الآن أكرم وأعز. ولئن حزت منها سبق رتبة، لأنك اليوم أحرز للفضل وأحوز، فالحمد لله الذي جعل النهاية خيرًا من البداية، وصيّر هذا العزل أفضل من الولاية، فما بفضل الله هان إلا من ضعف في الحق ولان، ولا اتضع إلا من إنقاذ للباطل وخضع، ولا عزل إلا من حط عن الشرف الذاتي وأنزل، فأما من وقف مع الحق حيث وقف، وتصرف معه حيث انصرف، واتصف من العلم والمعرفة، وحميد كل صفة، بمثل ما تحلّى به سيدي واتصف فهو أمين وحاكم على كل حاكم، ووال آمن في كريم رتبته، وعظيم خطته من العزل والزوال، فأما المراتب العرضية التي تنال بالحق والباطل، ويتقلدها الحالي والعاطل، ويتصرف فيها الجائر والعادل، مما يعنى به الكريم الفاضل، ولا يرتفع بوجدانها ولا يتضع بفقدانها العاقل الكامل، أما أنّ الله ما صرفها عنكم إلا لأنها شيبت

стр. 4326

وذُمّت بلسان الشرع وعيبت، فحرّك يا سيدي السلسلة وانظر لمن تستند، واعلم أن من وجد في غير الإسلام فقد فقد، ومن حيل بينه وبين تلك الخطة في هذه الأيام فقد سعد، وهل فصلوك يا أخي إلا عن فصل خصام بين رعاع وطغام ومعالجة أحكام بين عوام وسفهاء أحلام، أو عباد صليب وأصنام، والصون من هذا عند كل عاقل مبرة وإعظام، فما انتزع النازع ولكن أفاد وما أساء، ولكن أحسن وجاد وأجاد، فاحمدوا الله على ما وهبكم من هذا الصون. واعرفوا ما بين الخطر والسلامة من البون ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١)، واعلموا أن الذي شرفتم بإتيانه، وعلوتم مرتبة سنائه، لا تمتد إليه بالعزل أيدي الولاة، ولا بالنزع أيدي العداة، ولا سبيل إليه لمغتصب، ولا طمع فيه لمنتهب، ولا حيلة فيه لمستلب، وهذا أوحد ما أوتيت من شرف الرتبة العلية. والخطة العلمية، فعض عليها بالنواجذ ضنانةً، وخُذ بأحسنه كما تقتضيه الفضيلة والديانة. وتعزّز بعزّه ما يلحقك بحول الله هضم ولا إهانه ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٢) زهرة الحياة الدنيا، وأقنع بما أوتيت فقد فزت بالقدح المعلّى في الدرجة العلياء، واعرف مقدار النعمة، وعش عزيز النفس عظيم الهمة، واشكر الله على ما حط من أعباء، وأماط من كلف وعناء، ومعاناة روم الجمع بين النار والماء. ومنهم: [٥٩] الدجاني من بيت ما منهم إلا كاتب مطيق، دائب فيه، لا يحمله طود ولا يطيق، وهو عين أعيانهم، وزين عيانهم، فصيح منطيق، فسيح بأدبه لا يضيق مضيق. وكتب عن وزير إفريقيا إلى الصاحب الوزير فخر الدين أبي حفص عمر بن الخليلي الداري ﵀، كتابًا ضمنه وصف مصر، وكان قد ورد إليها حاجًا وعاد عنها، وأحلام الأماني تحمل له إليها معاجًا، لما وجده في كنف سلطانها من إحسان. أوقر ركائبه فوق طاقتها، وألزم أجياد مطيه في المقام بها طوق عاقها. وذكر من رأى فيها من فتية الترك، وفئة الملك، وهيئة الأقمار، وهالاتهم السروج، وبروجهم القلاع ذوات البروج، أجاب به عن كتاب كان كتبه ابن الخليلي إليه متودّدًا. وجاب الأرض إليه لا يهاب فدفدًا، ويعرض لروضة حتى فغمه طيبه الهاب، ولمزنه حتى لحقه مطره

стр. 4327

الصاب فأتى الجواب المغربي بما لا يغرب نجمه، ولا يغير العقد إلا نظمه، وهو مما تناقلت الأيدي نسخه، ونفضت على زعفران الأصيل أردانه المضمخة، وهي: حفظ الله مجد المقر، ولا زالت محامده متدارسة عند جميع الأنام مدى الأيام، وملائحه كنائحة متعرفة من بطون الكتب وأفواه المحابر وألسنة الأقلام، سلام كوده صفاء، ووعده الصميم احتفالًا واحتفاء، يخص جلاله. ويعم خلاله. ويتسلم أركانه المحترمة وخلاله. ( … ) (١) تحيته للقائه، يشرف محياه وسجيته من تلقائه، يعبق رياه من ماح لوداده، فارض لاعتقاده، لا يبرح مبينًا ببيانه عما في جنانه، ومنيبًا عن قدمه وكيلي قلمه ولسانه، فلان، وقد وصل الكتاب الكريم، والجواب الذي من حقه التعظيم والتكريم، فكان وصول البرء للعليل، وحصوله حصول الري للغليل، كتاب نظم ألفاظه فريد، وحسن معانيه عن سواه شريد، بل يجد لدرره الإسماع ملتقطه، وروض بزهره الأجفان مغتبطة، فلله در ناثره، أي در نثر بيانه وكاتبه أي زهر أظهر بنانه، ينظر الفصحاء إلى مذهبه فيه بهتون فيخرسون، ويذهب البلغاء مذهب مهديه فيحفظون ويحرسون، فنحن كلّما قرأناه رجعنا عودًا على بدء، فابتدأناه، وكلّما وضعناه عدنا إلى إعادته فرفعناه، ولو أنا وصفنا في جمال براعته أكمل وصف، ورصفنا في جمال صناعته أجمل رصف. ورأينا أنا بلغنا الغاية. وانتهينا لنهانا حسن مراجعته فرجعنا وانتهينا، ولما تحققنا رتبته وتيقنا منزلته الرفيعة ونسبته سميناه معجز الكتاب إعجابًا بنسخة الصنيع. واستعذابًا لما فيه من البيان والبديع، وقد صدر منكم من الاحتفال بقضاء المآرب والاهتبال بما لوجه الكتب فيه من المطالب ما ألسنة الثناء عنه عاجزة، وعظائم مننه على استيفاء شكره حاجزه، وأي أمل لا يسبقه ذلكم الفضل، وأي رجاء لا يعرفه لكم الوبل فلساني باعتماد شكركم قائم، وجناني لاعتقاد فخركم لازم، ومن أكرم الآمال عليّ، وأعظم الأماني لديّ ما يسدونه من النعم، بما تشرفون به من الخدم، فما أعلى شرفها، وما أحكي كلفها، لقد تقع مني موقع الزلال البارد من الظامي إلى الموارد، ويؤنس إيناسي الأمل الحاصل بعد الشرود، ويتلقى تلقي الحبيب الواصل بعد الصدود، ولي في تلك الجملة المحروسة تشيع قديم، وعندي في إيثار المآثر النفيسة تخصيص وتقديم مغان لها عندي مغان، فأماكن لسكانها النفوس سواكن. والترك أنجدهم الله أمة شريفة القدر، شريفة البدر، جميلة الذكر، جليلة الشكر، عظيمة الملك نظيمة السلك، فاضلة السيرة خالصة السريرة، رائضة الأخلاق، فائضة الأرزاق، جمهورية السياسة، أوّلية الإيالة والرئاسة، عريقة المجد، ماجدة الأعراق، خليقة بالحمد، حميدة الأخلاق، شرفوا ناسًا، وألقوا كربًا وبأسًا،

стр. 4328

فهم في الجذب غيوث ساجمة، وفي الحرب ليوث هاجمة، فإن كفت أكفهم تبسطها للضيوف قبض العفاة وكفت بعد ما وكفت بقبضها على السيوف، بسط العداة، أحكمت حكم القسط في حالتي القبض والبسط، وترفع في الأولى دعوى عفاتها، وتدفع في الأخرى عدوى عداتها، فتارة تفوق لسقياها، وتفيق برقياها، وتارة تمر على الهام مرّ الجهام، وخير الحلى ما جمعت بين اليأس والندى ووقعت سببًا للحياة والردى، يومامهم: يوم تقدم للسماح، ويوم إقدام على الرماح، فإن تقدموا للعطاء، مثلوا لك تمثل الأنعام، وإن أقدموا على الأعداء أجفلوا إجفال النعام، وليس يفضي إلى نجاة من فر منهم فضاء، ولسيوفهم مضاء، يفضي لحتوفهم له قضاء، ولنبلهم حفيف. يسمع من عل. ويرمي بالعجز كل رام من بني ثعل، وإن كان ملتجا كفيه في وتره، ومزعجًا صفّيه في أثره، وإن طعنوا فطعن ابن حجر، أوصلت سيوفهم حرب حياة من عجز تعدّ أنهم بعدتهم هلكى، وطعناتهم بين مخلوجةٍ وسُلكى، لبيضهم وسمرهم شغف بالمهج، وكلف إذا حمى الوطيس بذلك الوهج، ولذلك أعادها الضنى الذي عاودها أهله، ونحلها الهوى الذي أنحلها حله، وحالت أحوالها فجرت دموعها دمًا، وكادت تتأجج نارًا، أو تتموّج ماء، ولكسفها عن الغيوب، وبحثها عن غامضات القلوب، تراوح الأرواح وتغاديها، وتخترق الأجساد وتعاديها، ثم تهيج لها قصد الكرم قصد الهيجاء، ويبصر الجوارح جوانح فلا تقابل رجاها بالأرجاء، بل تستقري هي أرواحها، وتفري أشائب النسور، وعصائب الطيور أشلاءها وأشباحها، فيجتمع الصنفين سماحة وبأسًا، وتتحلّى بحليتيهما الشريفتين لباسا، فحماها الله من أمة شرفت في الأمم أوصافها، وصفت بالهمم أشرافها، وحلّا في الأفواه ذكر حلاها. وعلا عن الأشياء شكر علاها، وابتزّت معجز الدول دولها. واعتزت عن الآخر مع الأول خوّلها لملوكها في الملوك، ما للفرائد في السلوك، فهم من أعزّ ملوك الإسلام المختصين بسماحة الأكف، ورجاحة الأحلام، فمن سَبَر أحوالهم، وخبر أقوالهم وأفعالهم، فقد رأى وشاهد وأحمد تلكم (١) المشاهد، وقد اجتليت شموسهم طالعة من شرقها، وأنوارهم السنيّة ساطعة من أفقها، زمان رحلتُ لإداء الفريضة، وجلتُ في تلك الأرض الأريضة، وعاقتني عن أدائها شدّة مرض، لم (٢) أتوصل معها إلى إتمام غرض، فلقيت من المولى السلطان الملك المنصور، سيف الدين، قامع أعدائه الحاسم بحسامه ما كان أزمن من دائه، معزّ الإسلام وأهله، ومجتث الكفر من أصله، من مصرفات النعم التي ألقت في

стр. 4329

المبادئ والخواتم ومصنفات الكرم التي ألقت زاد المسافر وتحفة القادم، ما أوجب علي أن أذكره شاكرًا لهممه، وأشكره ذاكرًا لذممه، وكذلك لقيت من أكابر دولته المتكرمين بكرمه المتصولين بصولته. ما هو فرع من أصله وبحث من فضله، فللترك شكرهم بذلكم الطول على اليد الطولى، وتلكم المنن التي أسدوها إليَّ مشكورة في الآخرة والأولى. وكنت أسمع من ملفوظة حامدهم ومحفوظة محامدهم، ما هو بغية للسامع، وحلية للمسامع، فلما رويت من مكارمهم الذي رويت، استصغرت ما سمعت، لعظيم ما رأيت، وعلمتُ إنها إحدى الكبر لمجيء العيان رائدًا على الخبر، وأين ما سمعته أذناي مما عاينته عيناي في الله ما رأيت أكمل من ذواتهم، ولا أحصل من أدواتهم، ولا أزين من لقائهم، ولا أحسن من إلقائهم، ولا أفضل من معاملتهم، ولا أجمل من مجاملتهم، ولا أحلا من محادثتهم، ولا أحلا من مناقشتهم ولا أجمع من شجاعتهم، ولا أشجع من جماعتهم، ولا أندى من أكفهم، ولا أكفى من نداهم، ولا أجدى من وفائهم ولا أوفى من جداهم، قوم خيرتهم المحاسن في أنفسها فاختصّوا بأرفعها، وأنفسها، وحكمتهم السيادة في معاليها، فحلّوا من الأوامر والأمور أعاليها، إلى تظرف يواجهك بالوجه الوسيم، وتلطف يجاذبك مجاذبة النسيم، فأنا بعدما حجب البعد مغانيهم، وإن لم يحجب الودّ معانيهم، لم أُذكر بأوصافهم، وأُفكر في حمد يقوم بأنصافهم، فأوصافهم شرك للعقول، وشرف القائل المقول، ولكم قمت بها خطيبًا، وأزجيت من ثنائها طيبًا، وكثيرًا ما تشوقني إلى الكثرة، وتشوقني إليها المرة بعد المرة، وقد تُنجز الأيام في تقريب المزار وعدها، وتفعل فعل العزم والحركة الناشئة بالحرم على تلكم الديار بعدها، فيدرك المحبّ من القرب إليكم ما كان يهواه، ويقيم الجسم للقلب لديكم حجة على دعواه. إن شاء الله لا ربّ سواه، وإن مما زان الأيام وكساها عزّة، وزاد عندي في التشوق والتشوف هزة، ما أعظمتهم به البشر والبشرى، وأعلمتم بالإعلام به خلع ذلك المجد الأسرى، المولى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين (١)، أبقاه الله كنزًا للراجين، وحرزًا للأجين، ولا زالت

стр. 4330

الدنيا تتعرف بجنده لزمامها، والعلياء تتشرف بأخذه في أحكامها. وأشرتم بأن المملوك والممالك مقرة بمولويته، ومجمعة على أوليته في الفضل وأولويته، فهو سامي الصدور حامي الثغور، ومالك أزمة الأمور، ومطبق أرجاء المعمور. عقد النفاسة والتكبير، وعقد السياسة والتدبير، تهزُّ باسمه المنابر، وتعزُّ بوسمه الأكابر، وتدور بأدوار سعادته الأفلاك، وتنير بأنوار سيادته الأحلام في جلوته وصفوه، ورد العطاش، وفي محو حلمه وعفوه رد العقل المطاش، ولسببه أحجال الغيث السكوب بمدراره، ولسيفه أعجال الليث عن الوثوب إلى قراره، صفات أعجزت الواصفين بلاغتها عن بلوغ شأنها، وحجزت الراصفين صياغتها عن مصوغ بيانها، فالمجيل خيل بنانه فيها مغبّر لا معتر، والمطيل فضل لسانه كي يسبق فيها مقصر ومقصر، فهنأ الله المسلمين من حواه من إيالته، ومنحهم من سماحته وبسالته، فهم قد نالوا الأماني من كرمه، والأمان في حماه وحرمه، وقد عم الهناء به شرقًا وغربًا، وشمل السرور بمملكته عجمًا وعربًا، وأقبل المسافرون على محبته مجمعين، وقد اختصصت من ذلك بما عمهم أجمعين، فالملك قطب يدار الرعية عليه، وأصل من جمع تفاريع الأحوال إليه، ومنزلته الملك في زمنه منزله القلب من بدنه، فصلاحه يصلح الوقت ويقتبل، وبعدله يقوم وزن الزمان ويعتدل، وقد صلحت بحمد الله الأحوال مشرقًا ومغربًا، وأصبح الدهر عن مدح ملك الجهتين المحروستين معربًا، واتصل من الفتح والنصر والمنهج الشامل لأهل العصر ما وقع ماله مثالًا لمثالكم والهناء عام به هنا وهنالكم، إن شاء الله تعالى، وهو المسؤول أن يحرك من نعمه ما يترادف ويتوالى، ويطوّل عزّتكم، ويحوط بكلاءته حوزتكم، ويشكر ارتياحكم للمآثر المشكورة وهزتكم والسلام الأزكى عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب شيخنا حجة الأدباء شهاب الدين أبو الثناء محمود (١)، ﵀ جوابه بما صغر قدر هذا الكتاب، وتوارى به هذا البيان في التراب، فأبطل سحره المؤتفك، وألصق بحره بقرار مجرى الفلك، وجاوز الفلك، وهو: حرس الله مجد الجناب، ولا زالت وفود السعود تأوي إلى حرمه وتروى أخبار الندى عن كرمه، وتحلّي المسامع بما منحته من لآلي كلمه، وتنقل إلى رياض الآمال

стр. 4331

الظامئة ما شاهدته من دوام ديمه، وتحدّث ولا حرج عما وردته من بحر نعمه، ويصفُ كيف تتصرف الآجال والأرزاق بين الماضيين من سيفه وقلمه، ولا برحت مكارم الأخلاق وأخلاف الأكارم تشام من برق شيمه، وأحرار المحامد ومحامد الأحرار يُعدّ من إمائه وخدمه، حتى يبلغ زينته في العلاء مرام أوليائها، ويزحزح عن دورة المجد من وقف في طرق أعتابها، بالكرم واعتلائها، ويرد شاني شأنها العالي ردّ أعدائها، ويمسي في الهدى والندى كالنجوم التي ترى بأنوارها، وترتوي بأنوائها المملوك يهدي تحية ما الروض تولاه الولي، ووسمه الوسمي، وجشمته نسمات الرياح، وأطلبه رايات الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسه الوقاح، وبادرت الصبا تقبيل ثنايا نوره من قبل أن يرشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح. بألطف من نشرها المطوي، وأطرف من خبرها المروي، وأعطر من أرجها الندي، وأذكى من نسيم عرفها الندي في الندى. وأعرف منها بآداب آدابها. وأدرى بمواقع البلاغ عمن خدم بأهدابها، وشذى بما أعبق من نشر اللطائم، وأعذب في المسامع الظامية مرجب الغمائم، وأطرف من غيث أنامل النسيم يحلّ أزرار الكمائم، وأحسن من أنساق اللآلي في سحابها، وأشرف من ابتسام ثغور البروق لبكاء سحابها، غير أنه وإن لم يفض ختومه إلا لديه محلول النطق، مبثوث في الأفق، مقصور على مجده الذي إذا حلى بدرره قبل ما كان يصلح هذا الطوق إلا لهذا العنق، وينهي ورود مشرفته الكريمة بل ديمته التي أربت بدوام الندى على كل ديمة، بل جوهرة الشرف التي لو قرنت بها درة التاج لم تسم بديمه، ولم تُسم بقيمة، بل صحيفة الكرم التي ما انطوت إلا على آيات فضله إلا لتغدو في جيد المفاخر يتيمة، وتلقاها المملوك تلقي وفد السعد، والحبيب الزائر على غير وعد، أو تلقى طلوع اليمن في أيمن طالع والغمام المقبل بعد الصدود على وجه الثرى الخاشع، وفضها المملوك على رياض هدى، وحياض ندى، وعقود بر ووفود كرم، صدرت عن بحر نوال فلم يدر أبرد أم برود؟ أم نفذ بطرفه على مجالس جود أو مجالس سجود، أم هي درر فيصيرها عقودا، أو دراري فيسيرها في فلك العلى سعودا، أو لوامع فتجتلى أنوارها أو نوابغ زهر فيجتني نوارها، ثم لم نرتب في أنها إذا كانت نورًا فقد تركب من نور، أو نجومًا فقد تألّفت من شموس وبدور، أو دررًا فإنها أجل ما تهدي البحور إلى نحور الحور، لكن عاد المملوك عن هذا التشبيه، وعاده بالأغضاء عن التقصير فيه، وقال: أين رقة هذه البلاغة من الدرر وهو جماد، ومن الماء وكلّها عذب ومنه الملح والثماد، ومن النجوم وهي تطلع أبدًا وتلك تغور، ومن النيرين وهي آمنة من الكسوف الذي يعتري الشموس، والسرار الذي يغتال البدور،

стр. 4332

وأين يقع الروض من هذه المغاني التي كلّ زمنها ربيع، وأين للعقود حسن ما اشتملت عليه هذه الفقرة، من صحة السبك وجودة الترصيع، وحينئذ شرع في اجتلاء غرر الكلام واجتناء ثمر الأقلام، واقتناء درر المعاني التي تسبق إلى القلوب ألفاظها، وادخار لآلي تلك السطور التي إذا تأملتها العيون قيّدت ألحاظها، فعلم أن الله تعالى أتى سيدنا مقاليد هذا الشان، وملك بيان فضله أعنّة المعاني وأزمة البيان، وأقام من البراعة على منابر أنامله إظهارًا لمعجز البراعة خطيبًا مشقوق اللسان، وأكرمه بأخص ما فضل به البشر من التعليم بالقلم، ووهبه شرف الخلال بما جمع فيه من خلال الشرف، وجعل شرفه في الخبر حجة على من قال لا خير في الشرف، وانتهى إلى ما أشار إليه المولى من ذكر الديار المصرية، وإنه كان زارها فشرف مزارها، وحلّ دارها فرفع مقدارها، وأقام بأوطانها مختصًا بإحسان سلطانها، وأنه إذ ذاك نظرها بعين الرضا، وشكر لأهلها ودًا أراه تبرعًا ورأوه مفترضًا، فشكر الله لبحر حلّ مرابعها موقع نداه، ولبدر حلى مطالعها لوامع هداه، فلقد فارقها تمامه وكل أفق منها منير، وأقلع عنها غمامة، وبكل أرض منها روضة وغدير، وما أجدر فضله بآثار لها (١) لمحياه، وأقدر كرمه على أنهالتها (٢) أنفاسًا ما لم تزل تتشوق إليه من التعطر برياه، ليرد أهلها من فضيلة بحر علم انفجر وما انسجر، وتورد من رأي سعادة معالمها بحلوله أن السعادة لتلحظ الحجر، وأما ما أطلق فيه عنان البلاغة من وصف طائفة الترك، أعزهم الله تعالى، فلقد وصف طائفة أدال الإيمان دولتها. وأذل الطغيان صولتها، ليس لمولودهم مهد إلا لبدة جواد، ولا لسهامهم هدف إلا لبة نحر أو حبّة فؤاد، قد ألفوا الخيول حتى كأنهم سبحوا على صهواتها، واجتروا على المنون حتى انتزعوا أشلاء الأمة من لهواتها، إذا صدموا جيشًا لم تبق إلا جماجمه، وإن حضروا حصنًا لم تلق إلا آثاره ومعالمه وإن حموا ثغرًا لم يشم برقه، وإن رموا قطرًا لم ينشق عن فجر ظفر شرقه، لا يطربون لغير وقع البيض في القمم، ولا يخضبون سبب أسنتهم بغير الدماء المنفجرة على منابت اللمم، ولا يفهمون في الوغى لغير (٣) ألسنة الأسنة كلامًا، ولا يشربون إلا على نغم الظبي من طلى الطلي مدامًا، ولا يهوون الحرب إلا إذا شاب وليدها، ويقلد بمواقع الأسنة وريدها، ولا يرضون الروض إلا إذا كان له من ثني الرماح شمائل، ومن تلوّي البنود خمائل، ومن إشراق السيوف من الغمود وغروبها في القمم، غدوات وأصائل، قد

стр. 4333

مرستهم على الوقائع ملوكهم، وسلكتهم طرق المقامع سلاطينهم. فحسن فيها سلوكهم، وخصوصًا مولانا السلطان حسام الدين، فإنه ليث غابهم، وغيث سحابهم وبحر فلكهم، وآية ملكهم، ومادة شجاعتهم، وجادة خشوعهم لربهم وطاعتهم، قد فتحوا الممالك الممتنعة باسمه، وأذلوا جباه الكفر المرتفعة بوشمه، فمواكبه خالية بهم بزهو الكواكب، ومراكبه خالية فيهم بليوث تزاحم الأجل على اقتناص المهج بالمناكب، ولقد وجد المولى من مناقبهم دررًا فنظمها، ومن مفاخرهم غررًا فوسم بها جياد فضله وسومها، ومن محاسنهم بدورًا فأطلعها في أفق طرسه، ومن مكارمهم بحورًا فأعدها بما غرس من الثناء لسقيا، غرسه، ولكن ما كل من أطرى أطرب، ولا كل من أغرى القلوب بحبّ طائفة أعرب، ولا كل من وجد دررًا صيّرها عقودًا، ولا كل من رأى رتب المعالي أطاق إليها صعودًا، لا والله بل هي البلاغة التي تدنو كالشمس وتبعد عن اللمس وتقرب كاليوم، وتنأى كالأمس، فمتعه الله منها بما أعطاه، وملأه بكنز البيان الذي طلبه فأصابه، وطلبه غيره فأخطاه، فلقد تصرّف في البلاغة تصرف مالكها، وأوضح طرق أفانين البراعة فأنارت لسالكها، وأخذ من الصفاء طريقًا، كلما لاقاه صغا، المملوك فيها قال له: وجئت على قدر سالمة من تكلف الشواهد. دالة من الجانبين على ما في ضمير الغائب بالشاهد، وقد علم الله تعالى أن المملوك يدين بحبّه، ويستروح بواردات أنسه على قلبه، ويرتاح إلى لقائه ويلتاح لبارقة قرب تومض من تلقائه، وإذا كان التناجي بالقلوب فإن رسائل الأشواق لا تنقطع، ورسائل الود لا ترتفع، ورسل الصفاء لا تحتجب عن القلوب، ولا تمتنع ومظاهر الأحوال الظاهرة لا تعوق، ولوامع الأنس الباطنة أسرى في القلوب وأسرع من لمحات البروق، فليكتف عن شرح الشوق بألسنة الأقلام إلى ما تمليه الضمائر، وتبلى فيه السرائر، وإذا لم يكن بين القلوب حجب، فالأنس على الأبد حاضر، والقلب مع الدوام إلى روض الأنس الناضر ناظر، والود مسكن في الجوانح، وحُسْن اللقاء دان في المعنى وإن غدا وهو في العيان، بأرج ويسيل عن حسن المناب في بلاغ سيده وسنده وذخيرته التي يرجو بركتها ليومه وغده الشيخ أبي محمد المرجاني أعاد الله من بركته سلام المملوك وارتياحه إلى وفاء نذره بتقبيل قدمه، واطلاع علمه الكريم على أن كل نسيم خاصه أرج رسول شوق من المملوك إليه، ويتمنى كل وقت أن الله يلهمه المسير، ويتلو إذا طال عليه أمد اللقاء: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (١). وأما من هو منهم حي مما ذوي له غرس منبت، ولا محي له طرس مثبت، ولا

стр. 4334

أكل المحاق هلاله، ولا غال الخسوف كالبدر كماله، فسآتي بمن شق سمعي خبره، أو متع طرفي نظره، ممن قدم مصر فرأيته، ودنا لي اقتطافه فجنيته، وهم إلى آخر ما علمته حين صنفت هذا الكتاب وعلمته، أحياء يرزقون، وأغنياء لا ينفد من كنوز البلاغة ما ينفقون. قول من حقق أخبارهم وصححها، وبين آثارهم وأوضحها. على ما يأتي شرحه، ويوافي بمكنون الحقائب نفحه، وبمضمون الحقائق ما يجلوه صبحه. * * *

стр. 4335

[من قدم منهم مصر] فمنهم: [٦٠] عبد المهيمن بن الحضرمي (١) رجل على الحظ رُمي، أصله من سبتة، ثم استوطن مدينة فاس. واستوطن عقبه العقيم والراس، وصاب غمامًا هاميًا في أوطانها، وأصاب مقامًا عاليًا في حضرة سلطانها، وصرف ببيانه القلم الأعلى وببنانه الكرم الذي شيد بناءه وعلى، حفظ كتاب سيبويه، ولفظ الدُرر البحر الذي بين جنبيه. وهو اليوم كاتب الدولة المرينية غير مزاحم في تصريفها، ولا مُزاح عن عطفه حلّة تشريفها، يمسح عن جبينها الرحضاء، ويرهف بيمينها المضاء، وينطق بلسان ناطق بالإحسان صادق، بما يحدث عن مقاتل الفرسان، ترد إلى باب سلطاننا شرّفه تعالى الكتب من إنشاءاته وقر ظهور ركائبه ومنشآته، وجاء منه في فتوح تلمسان ما قرط آذان الحسان، وهو متسلّم باب ملكه، ومتسلّم هضاب فلكه. وفي النثر لسانه أقول، وبيانه أطول، على أنه في النظم ذو مقول لا يُقاومه ابن أبي خالد الأحول، ولا يقاربه الفرزدق ولا جرول. وقد وجد بحسن ترسله، ويمن توسله، ما وجده عند ابن زنكي الكاتب الأصفهاني، حظي به عند ابن أيوب الفاضل البيساني، ورآه الطغرائي من ذوي ملكشاه، والنسوي من خوارزم شاه. ومن نثره قوله:

стр. 4336

الذي يسلب الحميا نشوتها، ويحلّ مع الثريا نجوتها، فأما تشوّق ذلكم الإخاء لمواصلة الكتب بسار الأنباء، فإن من أقربها وأغربها، حديثًا تهادى وتهدي ما كان من أمر العاق، قاتل أبيه الحال من إقليم تلمسان وما إليها بالمحل النبيه، وذلك أن أسلافه بني زيان كانوا قد استولوا على هذه المدينة في سالف الزمان، ولم يزل بينهم وبين أسلافنا المحتوين على ملك المغرب الأقصى مواقع توردهم الحمام، وتذيقهم الموت الزؤام، فيدعون المنازعة، ويعودون للموادعة، ثم لم يلبثوا الذين سكنوا، ولم يصبروا أن يغدروا، إلى أن كان من حصار عمنا المقدس المرحوم أبي يعقوب قدس الله تربته أتاهم فأكثر موتهم وكدّر محياهم، وتمادى بهم الحصار تسع سنين، وما كانوا غير شرذمة قليلين، وهنالك اتصلت بينكما المراسلة، وحصلت الصداقة المواصلة، ثم ختم موته، وتم فوته، رحمة الله تؤمه، ورضوانه يشمله ويعمه، تنفس خناقهم، وعاد إلى الأبدار محاقهم، وصرف إليهم القائم للحسن ما كان هو رحمة الله تعالى قد طوّعه من بلاد مغداوه وبحس فاتسعت عليهم المسالك، وملكوا ما لم يكن فيه لأوائلهم من الممالك، لكن إنما هذا الحائن وعمه كانا من أسأرته الفتن، وعمرته بها عوام المحن، وملكًا ملك أسفلاهما في إذاعة المهادنة، والروغان عن الإعلان والمعاينة. ولما سوّل الشيطان لهذا العاق قتل والده، والاستيلاء على طارفه وتالده، لم يقدم عمه على أشخاص إرساله بحضرة مولانا المقدس المرحوم أبي سعيد قدس الله مثواه، وجعل الجنّة مأواه في السلم راغبًا، وللحكم بموادعته طالبًا، فاقتضى النظر المصلحي حينئذ موافقة عرضه، وإن كان باطنه مطويًّا على مرضه، فقوض أمره وضرى ضره، وسرى شرّه، ( .... ) (١) الزمان جمره، وسرى إلى بلاد جيرانه الموحد (٢) رداؤه. وطال عليهم تضييقه واعتداؤه، واستتبعه ضعفهم عن مدافعته، ووهنهم عن مقاومته ومنازعته، فبغى وطغى، ولم يدر أنّ فوقه سحب السماء إنما باطن جماعة من عرب إفريقيا المعدين وبعض من يحدث نفسه بالانتزاء على ما بين المعتدين فجروه عليها وجروه بمثل الأطماع إليها، وأقام عشرين سنة نشر على بجاية الحصار ويشنّ على أحرار تونس المغار، حتى كان من تغريمه جيشه لصاحبها ما كان. ومنهم:

стр. 4337

[٦١] أبو عبد الله، محمد بن عبد الواحد العقيلي اليبري من ولد عقيل بن أبي طالب ﵁، كان قد بلغني صيته، ثم سوّغني الدهر أني لقيته، فرأيته عذب الجنى، حلو المنى، إلا أنه ذو مخاريق يخلب بها العقول، ويسلب بها صرة الدرهم المعقول، أمور أعلمها الأغراب، وتعلمها من مكر الغراب، وراوغ بها مراوغة الثعلب، وغاور في طلبها مغاورة السلوقي للأرنب، قدم مصر بوفرٍ من البلاغة عميم، ووقر من الأفك ما منه ومن أولاده به إلا عليم، وسحر سحروا به أعين الناس، واسترهبوهم وخلوهم في وسط بيوتهم وسلبوهم وأتوا من ذهب الأدب ما يثرى به كل عديم، وخلطوا بيانهم بالمخاريق فجاؤوا بسحر عظيم. حدثني أنه كتب لأبي علي عمر بن السلطان أبي سعيد، وأنه غمره بإحسانٍ ما عليه مزيد، وبقي معه حتى ظفر به أخوه السلطان أبو الحسن علي، وأسكنه قيد ثلاثة أذرع من البيد، وأمسك العقيلي هذا واعتقله، وثقفته بالحديد، ثم أمر بتسريحه وأطلقه من معتقل ظنه باطن ضريحه، وأطبقه في التراب تحت صفيحه، ثم استكتبه في إنشائه، واستصحبه لقرب قليبه وطول رشائه، لأنه رجل خلق من أدب لا يتكلفه، ولا يعده موعد فيخلفه، وحضر معه فتح تلمسان، وكتب في بشائرها، وأتى بغرائب في عجائب بلادها وعشائرها، ثم خرج حاجًا، وركب ثبج البحر، فغرق ما معه ونجى ببدنه. وأتى ولا شيء معه سوى فنون أفنه، وأول ما دخل القاهرة. وأتى إليّ، ونزل في دار كان فيها جاري، وتردّد إلي لسماع ما بلغه في المغرب من أشعاري، وكان جمّ الاستحضار، إذا حضر جل عن الحضار، وإذا سابق جد في الإحضار مع أدب طري كأنه برود عبقري. وكتب إلي مع قصيدة: أبديتها - أعلى الله قدرك - خجلًا، وأهديتها عجلًا، وفضلك يشرفها بالقبول، والاعتناء المبذول، فقبولك لها يشنف آذانها، ويلحق بزهر النجوم حوذانها، على أنني في وصف حلاك، ونشر علاك، كمن كاثر البحر بصبابة، وكابر الليث بذبابة، ولكن فضلك يصفح ويغضي ويسمح، أبقاك الله سننًا للمتقين، وسندًا للمحتفين، وأدام علوك، ووصل ارتقاءك وسموّك، والسلام البهج النشر الأرج النشر، يختص كمالك، ويعتمد جلالك من معظم قدرك، ومنظم قلائد فخرك، فلان، ما أعريت من لين الغصن حركاته، ورحمة الله وبركاته. فكتبت جواب قصيدته، وكتبت معها:

стр. 4338

أتحفتني - أعزك الله - بعقيلة عذراء، وخميلة غراء، ما اكتحل طرف ناظر بمثلها، ولا تخيل طالب بأغزر من فضلها، وشي سحاب منهمر، ودر سحاب مقتدر، حباها نوض، وجناها روض السحر حشو فعلها، والكحل فاضل كحلها، جاءت من المغرب بالفضل المُغرِب، فقلتُ: أهلًا بأسد غضنفر، جاء من خيسه، وقمت أخذ من الغرب ما أودعه الشرق من درر الكواكب في كيسه، وطفقت أعترف للغرب بفضله، لما رأيتُ من أهله، ولما بعثت تلك العقيلة تتهادى في تربها، عفر الهلال جبينه في تربها، فرأيت أكبر آياتها، ولا ضير، وطلعت الشمس من مغربها، وما تم إلا الخير. قلت: ولقد أضربتُ عن أبيات القصيدتين، إذ كانت قصيدته تتضمن في من المدح ما لو أثبته لم آمن في من القدح، فما تركتهما هي وجوابها لقصور فيهما، ولا شيء بسببه أخفيهما، إلا لما قال/ ١٨٥/ في قصيدته في من المديح، وأنني لا أقنع من الزمر بريح، فهذه حال قصيدته. فأما قصيدتي، فإنها جواب، وإيرادها ( … .. ) (١) من أختها ما لا يقتضيه الصواب، على أنه غير بدع إذا سترتُ عواري، وكنت له أواري، ثم نعود إلى ذكر البري. فنقول، ومن نثره قوله: وكتابنا هذا إليكم، وجانب هذا الأمر قد اتسع مجاله، ونصرت أنصاره ورجاله. والعدوّ قد بدت أوجاله، ودنت بعون الله آجاله، والفتح المبين قد خفقت أعلامه، وسيف الله قد راع الأعداء ابتسامه، والمنح قد لذ ابتسامه، والدولة قد تولّى الله تعالى رفع منارها، وارتفاع نارها، وإشراق أنوارها، وقد علمتم أنا كنا نحو بلاد ذرعة حرس الله ساحتها. وعمر بالعافية مساحتها، وتمتع منهم نواظر طرفها الشوق، وتخير منهم قلوبًا أدنفها التوق، وقصدنا تدويخ البلاد السوسية إلى [أن] (٢) يقر أمرها في نصابه، وننتزع حقنا فيها من أيدي غصابة، وأخذنا نستجلبهم بأتم وجوه الاستجلاب، ونحضّهم على الجماعة التي هي رحمة، ونحذرهم من الفرقة التي هي عذاب، إلى أن انقاد والحمد لله إلى الطاعة عصيهم، وألقيت دون القتال حبالهم وعصيهم، وقرب دانبهم وقصيهم، صنعًا من الله كريمًا، وفضلًا من لدنه عظيمًا، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا. ثم عُدنا بالجيش الموفّر والجمع المنصور المظفّر، بما يروق دواءً ويحسن في نصرة الله غناء. ومنه قوله: وعرسنا بواديه، وختمنا بناديه، فألجأناه إلى حصنه الذي، يعتصم بذروته،

стр. 4339

ويمتنع بصهوته، فألفيناه قد فتح من الكبر الذي أتى عليه من أكبر باب، ووشج بينه وبين الشقوة انتساب، وهيهات هيهات ممن لم ترعه أو عار الجبال، ولا اقتحام البحار، ولا اعتساف اليباب، فساعة وصولنا ناصبناه القتال، وزحفنا إلى جلاده بالخيل والرجال، وأسقيناه ذُعافَ القراع والنصال، فنفقت يومئذ سوق الآجال، وازدحمت فيه الرجال على الرجال، والنصال على النصال، وكثر القذف بالحجارة، والرمي/ ١٨٦/ بالنبال، وفي كل ذلك لم يمس أولياءنا قرح، ولا تخطى صفقتهم ربح، بل كان النصر من أول صدمة صدموها، والظفر لأوليائنا على أعدائنا على العادة التي ألفوها وعلموها، وناجزنا الشقي غير البعيد، وأريناه العذاب من غير وعيد، وأذقناه ومن معه حرّ الحديد، وأنزلنا بهم بأسه الشديد، فلما رأى من أمر الله ما راعه وأهاله وضاعف حزنه وأوجاله، لم يجد في التماسك مطمعًا، ولا قال قائل له من عثرته لعًا، فقال بلسان حاله لنفسه الخبيثة: أيتها النفس اجملي جزعًا (١)، فغصت لهواته بالحمام، وقرعت ظنابيبه جنبك الحسام، ووطيء بلده الجيش العرمرم، وشفى أوامه منهم حتفه اللهذم، وحصلنا الذخائر والأموال والعدد والأثقال، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة، والأنعام بما يضيق على رحب المكان أرضه، وفي أسرع من كسر الطرف، لا بل أقرب من لمح الطرف، ملأ الله الأيدي من طارفهم وتلادهم، وأعاد إلى القلة والذلة وافر أعدادهم، فاقرؤوا هذه البشرى في نواديكم، وابعثوا بها نسخًا إلى بواديكم. واشكروا الله على هذا الفتح الذي نظم شمل البشر، ونثر سلك المكر والشر فالشكر مفتاح المزيد، وعنوان الخير العتيد، وتيقنوا أن حبل الله هو الأقوى، وأن العاقبة للتقوى. ومنه قوله: وأمرنا أن تأخذوا في محو هذا الحصن من ديوان الوجود، وأن تنزل به أم المنايا السود، ثم إذا أتممنا بمنّ الله هذا العمل المفضي بقوة الله إلى بلوغ الأمل، نأخذ في الإياب، ونسرع في الانقلاب. ومنهم: [٦٢] أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي البركات السلابحي قدم مصر، وأوى إلي، وثوى حوالي. وبقي برهة أنيس وحدتي، وجليس مودتي،

стр. 4340

وكان ظريفًا، في هيئته، لطيفًا بخلاف فئته، وكان الموسيقى جلّ ما يعرفه، وقل أن لا يألفه، قال لي: إنه من أهل بيت توارثه بنوه، وتدبره بعد جده أبوه، وأنهم أهل انقطاع ما منهم من خدم السلطان في منصب، ولا زاد منه جنى مجدب ولا مُخصب، أتى حاجًا، وقضى نسكه، ومضى على أثره، فما استطاع أن يسلكه، فأقام بالقاهرة، ثم تعرّف بي، ثم تحول إلى قربي، وتأكدت بيننا المعرفة، حتى صارت صحبة، ثم سارت به قدمه إلى حيث قضى نحبه، بلغني أنه مات بقابس وحبسه بها للمنية حابس، وكان له في الأدب مشاركة ما قصر فيها ولا طال، ولا وصف فيها سحابة بجهام ولا هطال، وكتب إليَّ: رضي الله عن السيادة السنيّة، والمجادة السرية المطيرة السحابية، الخطيرة الشهابية، العليّة العمرية، نسب يجرّ على المجرة ذيله، ويجري في ميدان الافتخار نجبه وخيله، جاز مجلّيًا خصال سبقه، وجاز مواليًا أكارم غربه وشرقه، ومن ادعى الجمع، ففاروقه يثني على تحقيق فرقه روضة علم وآداب، يربي بطرفها على علم الزهري (١) وابن داب، وتبين فتاويها الحق، ويطري أياديها الكرم الذي بينه وبين البحر فرق، وما بينه وبينه فرق، وصلى الله في العز الممدود بنمو قدره، وأجلّ في سماء السعود نمو بدره، وبعد، فلما تنسم عندكم نسمات هذه الخمائل، ويعرف من شمائلها ما اشتملت عليه من لطافة تلك الشمائل، أراد الله أن نتقرب بمدحة مسكية نسماتها، شمسية قسماتها، أعطافها أغصان وأردافها كثبان ووجناتها تجني القطوف بستان، يمدح بها فتى قريش، وابن كهلها، وواحد الدنيا وابن واحدها، هكذا جدًا بعد جد. بين أهلها، وأكملها جودًا وأسعدها جدودًا، وما أنا يا سيدي - أدام الله نصرك وأعلى قدرك - في الهذر والضجر إلا جالب التمر إلى هجر، ولكنني رددت البضاعة لمبضعها، والأمانة لموضعها، إن أحسنتُ، فارتضاؤكم يظهره ويبديه، وإن أسأت فإغضاؤكم يستره ويخفيه. وكتب معها إليَّ قصيدة من غزلها مما افتتحها به من أولها: بادر إلى الروض الأنيق الزاهر … واسرح بلحظك في رياض أزاهر فالطلّ من فوق الغصون كأنّه … در ينظم في عقود جآذر وبنفسج الروض النضير كأنه … زرق العيون بدت لعين الناظر مع سوسن راق النهى كأنامل … قبضت على تبر بها متناثر

стр. 4341

فأيقظ نديمك من كراهُ وعاطِهِ … كأس الحميّا كالصباح السافر من كف أحور بابلي لحظه … يسبي العقول بطرف ساحر إن كان يجحد سفك سيف جفونه … فبخده أثر يبين لناظري ومنهم: [٦٣] أبو محمد عبد الصمد بن محمد التوزري شاب نشب معه ذكاؤه. ويهبّ خاطره بما يتوقد به ذكاؤه، يتوسّم كالزرع زكاؤه، ويبتسم أثر يراعه إذا جدّ بكاؤه، جليس ممتع المذاكرة، ممرع المحاضرة، وإلى أن رأيته سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ما بقل وجهه بنباته، ولا بقي للنجوم إلا ما لفظ من أبياته، أوقفني على قطع مما جمعه للناس. ومنعه بما يحمى به ظبي الكناس، ضنًّا تعزّ به الأبكار، وظنًا أن يحصل بأدبه المشعشع الابتكار. أتى في الركب المغربي لحج البيت الحرام، وزيارة النبي، ثم كر راجعًا، وغرب كوكبه الذي أشرف لما شرق طالعًا، وكتب إلي مستجيزًا كلامًا وجيزًا، وهو: وعد سيدي الدهر وأبنائه، ومعلّي صرح الفخار ومشيد أزر بنائه، فزنت (١) النبوة المحمدية، وربيب الولادة العمرية، وهبه الله عمرًا طويلًا، وذكرًا جميلًا، لا يبغي عنه تحويلًا، ونصره نصرًا عزيزًا معجّلًا، ومثله مؤلًا، بإجازة خديمه المتطاول إلى خطة تقديمه، وقد قيل أنجز حرّ ما وعد، فالنجاز ما بعثه معد. ففي الوقت أجزته، وعجلت له الوعد، وأنجزته، فكتب إلي: وصلني أعز الله سيدي من إجازته ما تهت به عجبًا وفرحًا، ومشيت به مختالًا مرحًا، إذ أمطاني كاهل الشعرى العبور، وأراني وجواري الأفلاك دوني تدور، وأبان لي قصور شكري وأنا جد الشكور، وقام بي فنهضت على رغم الجد العثور، وقد يجد هذا المصطنع من يُربّه، ويغالي هذا المصطنع ولا يقدر على أزيد من أنه يحبّه، ولولا أنه من حركة الأوبة على أوفاز، وأنه لم يأن له إلا وقف مجتاز، لقرن هذه البرية، إلى ذلكم الجناب بمدحة تطولها ولا تبلغ قصاراه. يتعرض بها إلا لمن رآه، وسيأتي ذكره من ثغر الإسكندرية المحروس، إن أقام بها الركب يومين، بما يخلو من زور ومين. والسلام الأزكى، المفتر كالزهر ضحكا، الناصع طيبه، الفائح بالعطر ما سحبت به جلابيبه، على

стр. 4342

ذلك المجد الأشرف والجناب الأرحم والأرأف، ورحمة الله وبركاته. وكتب إليَّ من الإسكندرية كتابًا مع قصيدته التي جهزها، وعقيلته التي مثل العروس أبرزها، كتابًا طوّله وتطوّل به، وأرسله، ومنه: وهي قصيدة بنى أمره على إطالتها فقصرها، وعلى أنه يقتدر به حق تلكم الجلالة فما قدرها، وظنّ أنه يعذر بها من قريحته أمله، فما أعذر منها ولا أعذرها، وتوهم أنه مقدم بها وسائله فأخره لما رأى تأخرها، على أن تلكم السيادة أشرف من كلّ ما يقال، وتلكم المجادة أعظم من جميع ما يجليه فكرًا ويدور على بال، وما المادح لها وإن أطنب، والواصف لها وإن خيم على السهى والفرقد وطنّب، إلا مقصرًا غير معذور، وشاكرًا مبالغًا غير مشكور، لأنها لا تعطى حقًا ولا توفّى، والساكب في مقام جلالتها أبلغ من المتكلم، فإن نور الشمس لأكفى. وهذا وإن ذكر من كان بمصر لوقوعها في قسم المغرب وطلوعها به لما فاتها أن تكون نجم الصباح نجم المغرب، وهذا وإن سلم فيه إلى الحق، فهو مما تشرق لمصيبتها صدور الشرق، لأنه جارها الأدنى، وهي قطعة منه في حقيقة المعنى. ولكن كيف الحيلة. مما أوقع الله عليه قسمة بلاده. وسهم ما سطح عليه كرة الأرض لعباده، وها أنا إذا ذكرتُ من أنار من أقمار الكتاب في غربها، أغض عيون الشرق بفيض غربها، مما أنأى الشرق عن قربها، وسلّ من خلجها سيوفًا لا ترضى الجوزاء لحمائلها، ولا الغمائم لقربها. سقوا بماء النيل فبانت حلاوته في منطقهم وجاور أملاق مقطعاته فجاؤوا بمثلها في ملقهم، ورأوا الهرمين فأتوا قواعده في بنيانهم، وولدوا في أرض السحرة، فتعلموا منهم السحر واستعلموه في بيانهم. ومنهم: [٦٤] ابن عبدكان، كاتب ابن طولون كان على طريق الأوائل. إلا أنه يجرع ريق الغصص سحبان وائل، شاعر مدره، وكاتب له على قطع المنازع قدره، وفصيح كل كلمة يقولها ببدرة، بل بدره، ومن نثره قوله: أو مثلك يظنّ بمثلي هذا، وأنا - أطال الله بقاءك - أربُّ الصنيع لا أكفره، وأرعى الذمام ولا أخفره، وأحمل الكل وإن هاضني، وانبسط للصاحب وإن رابني، وأبذل عن صديقي الوفي نفسي فداء إن قبلت، ووفاءً إن رضيت. أضنّ بحديث سميري، ولا أطلع

стр. 4343

على ما أستأمن عليه أذني ضميري. وشهد الله ما خرجت عن خلقي أعاني الغبي، وأختي الجني. أجامل الأصدقاء والوقى بعضهم لبعض، وأكتم السر فيه ضربة العُنُقِ. ومنهم: [٦٥] ابن خيران (١) كتب عن الحاكم غير حيران، بخاطر وقاد، قذف الهرمان الأحمر فهو منه شرارة نيران، والياقوت الأصفر كأنه منه غيران، معانيه مسهبة، وألفاظه موخرة مذهبة، له في نفس التعبير نفس عبير، ولم يورد له ابن سعيد على كثره ما له من المحاسن، وآثاره فكرة من الجواهر التي لا تكوّنها المعادن. إلا قوله (٢): وقد خرج أمر الإمامة، بهدم كنيسة القمامة (٣)، حتى يصير سقفها أرضًا. وطولها عرضًا. ومنهم: [٦٦] الموفق بن الصيرفي (٤) ناقد كلام، وناقل مضاء سيوف وأقلام، وحديث نصر عن أعلام، كان صاحب ديوان المكاتبات في أواخر الدولة العبيدية، يعم الناس بالإحسان الجم، والإحسان

стр. 4344

بالرعاية التي خلاها الذّمّ، فإليه أرسل القاضي الفاضل أبوه ليدرب، وعرض عليه سيفه ليجرّب. فوجده جوهرًا، ورده وهو يتلظى نهرًا، ويعرف هذا الصيرفي بابن الخلال، وكان آية في كرم الخلال، لولا كبرياء كانت تتخازر بطرفه، وتتحاذر على من دخل بثاقل عطفه. وكان الفاضل يصرف فضله التذاذا، وفعله كله إلا هذا، وقد زعم ابن سعيد أن منه المادة الفاضلية، وأن من يتحرّ في كلامهما يظهر له طرق المآخذ الجلية، ولعمري أنه ما أنصف ولا الأمر كما أن وصف. بل والله بينهما ما بين شهرتيهما، والتفاوت في تعريفهما تفاوت ما بين صفتيهما، على أن هذا الرجل لا يغمط أمام التمام سابقته، ولا ينكر قبل الغمام في رقته. ومن نثره قوله: وجاءت غربان الماء، تحكي قطع السحاب في أديم السماء، يحسب الناظر أنها ركائب قد طفت في بحر السراب، أوجفونا محدقة والمجاذيف أحداق. ومنه قوله: وجاءت هذه الخيمة توفي على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها خاسئة حسرى، وقد اجتمع فيها متضاد الحيوان، ولا أذى ولا ضير، وكأنها فيها سليمان، وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والوحش والطير. ومنه قوله: حاش لله أن ننسى منن المولى وبردها على كبده، وأياديه التي تعجز عن سعة شكرها ذات يده، وقد قرت هذه الخدمة بهدية مثله، وهي مدحةً وكتاب، وقول عسى أن يفك به أزرار ذلك العتاب، هيهات زال بكرم الله الأعراض، وردت سهام الأعداء في نحورهم قبل أن تصل إلى الأعراض. ومنهم: [٦٧] الأثير بن بنان (١) عديم النظير، عديل الكوكب المنير، ولم يكن في وقته مثله، ولا في سمته من

стр. 4345

الكواكب شكله، ناهيك به من رجل تُروى بماء البشر ظماؤه، لا سحت ( ...... ) (١) ولا تعتصب ماؤه. إلا أن سعادة الفاضل أخملته، وأبقت عليه حليه وعطلته، وقد ذكره الشيخ الحافظ أوحد الفضلاء صلاح الدين أبو الصفاء، خليل الصفدي، وقال (٢): من أهل مصر، وأصله من الأنبار، قرأ الأدب، وسمع الحديث، وقال ما ملخصه: أنه قدم بغداد رسولًا مع قافلة الحاج، وأكرم مثواه، بعثه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب. وقال: وكتب الكثير بخطه المليح، وتولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وتقلب في الخدم في الأيام الصلاحية بتنيس والإسكندرية، وكان القاضي الفاضل ممن يغشى بابه ويمدحه، ويفتخر بالوصول إليه، وقال: وكان الصالح بن رزيك (٣) قد ألزم الأثير بمال رفع عليه لكونه كان يتولى أموالًا له، واعتقله فأرسل إليه يمت بقديم الخدمة والتشيع الموافق في المذهب، فقال الصالح (٤): أتي أين بنان ببهتانه … يُحصّن بالدين ما في يديه برئت من الرفض إلا له … وتبتُ من النصب إلا عليه قلت: وقد بدر ابن رزيك. وأتاك يا ابن بنان بما يخزيك. ثم نعود إلى تتمة ذكر ابن بنان، فأقول: إنه كان يمت إلى البيت العمري حيثُ كانوا نزلاء تلك الدولة بمجيئه. يبرئه من الرفض وبعضه قولي في هذا: طلبه للحديث على إخمال أهل تلك البدع لأهله، ولعله تقرب إلى ابن رزيك بقول لسان لا معتقد، وكان صديق المجلي جدّ أبي، وبينهما انتساب أدبي، ومما كتبه إليه قوله: كتبت كتب الله على نفسه الرحمة، وفي سابق علمه النعمة، للمجلس العالي، الأمير الأجل. الأسفهسلار عز الدين، وكبت أعداءه، وود أوداءه، وأمطر أنداءه، وأدام برسله السحاب اقتداءه، عز الدين وكبت أعداءه، ويحلل صفات نزيله البحر
следующие страницы →