فأيقظ نديمك من كراهُ وعاطِهِ … كأس الحميّا كالصباح السافر
من كف أحور بابلي لحظه … يسبي العقول بطرف ساحر
إن كان يجحد سفك سيف جفونه … فبخده أثر يبين لناظري
ومنهم:
[٦٣] أبو محمد عبد الصمد بن محمد التوزري
شاب نشب معه ذكاؤه. ويهبّ خاطره بما يتوقد به ذكاؤه، يتوسّم كالزرع زكاؤه، ويبتسم أثر يراعه إذا جدّ بكاؤه، جليس ممتع المذاكرة، ممرع المحاضرة، وإلى أن رأيته سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ما بقل وجهه بنباته، ولا بقي للنجوم إلا ما لفظ من أبياته، أوقفني على قطع مما جمعه للناس. ومنعه بما يحمى به ظبي الكناس، ضنًّا تعزّ به الأبكار، وظنًا أن يحصل بأدبه المشعشع الابتكار. أتى في الركب المغربي لحج البيت الحرام، وزيارة النبي، ثم كر راجعًا، وغرب كوكبه الذي أشرف لما شرق طالعًا، وكتب إلي مستجيزًا كلامًا وجيزًا، وهو:
وعد سيدي الدهر وأبنائه، ومعلّي صرح الفخار ومشيد أزر بنائه، فزنت (١) النبوة المحمدية، وربيب الولادة العمرية، وهبه الله عمرًا طويلًا، وذكرًا جميلًا، لا يبغي عنه تحويلًا، ونصره نصرًا عزيزًا معجّلًا، ومثله مؤلًا، بإجازة خديمه المتطاول إلى خطة تقديمه، وقد قيل أنجز حرّ ما وعد، فالنجاز ما بعثه معد.
ففي الوقت أجزته، وعجلت له الوعد، وأنجزته، فكتب إلي:
وصلني أعز الله سيدي من إجازته ما تهت به عجبًا وفرحًا، ومشيت به مختالًا مرحًا، إذ أمطاني كاهل الشعرى العبور، وأراني وجواري الأفلاك دوني تدور، وأبان لي قصور شكري وأنا جد الشكور، وقام بي فنهضت على رغم الجد العثور، وقد يجد هذا المصطنع من يُربّه، ويغالي هذا المصطنع ولا يقدر على أزيد من أنه يحبّه، ولولا أنه من حركة الأوبة على أوفاز، وأنه لم يأن له إلا وقف مجتاز، لقرن هذه البرية، إلى ذلكم الجناب بمدحة تطولها ولا تبلغ قصاراه. يتعرض بها إلا لمن رآه، وسيأتي ذكره من ثغر الإسكندرية المحروس، إن أقام بها الركب يومين، بما يخلو من زور ومين. والسلام الأزكى، المفتر كالزهر ضحكا، الناصع طيبه، الفائح بالعطر ما سحبت به جلابيبه، على
стр. 4342
ذلك المجد الأشرف والجناب الأرحم والأرأف، ورحمة الله وبركاته.
وكتب إليَّ من الإسكندرية كتابًا مع قصيدته التي جهزها، وعقيلته التي مثل العروس أبرزها، كتابًا طوّله وتطوّل به، وأرسله، ومنه:
وهي قصيدة بنى أمره على إطالتها فقصرها، وعلى أنه يقتدر به حق تلكم الجلالة فما قدرها، وظنّ أنه يعذر بها من قريحته أمله، فما أعذر منها ولا أعذرها، وتوهم أنه مقدم بها وسائله فأخره لما رأى تأخرها، على أن تلكم السيادة أشرف من كلّ ما يقال، وتلكم المجادة أعظم من جميع ما يجليه فكرًا ويدور على بال، وما المادح لها وإن أطنب، والواصف لها وإن خيم على السهى والفرقد وطنّب، إلا مقصرًا غير معذور، وشاكرًا مبالغًا غير مشكور، لأنها لا تعطى حقًا ولا توفّى، والساكب في مقام جلالتها أبلغ من المتكلم، فإن نور الشمس لأكفى.
وهذا وإن ذكر من كان بمصر لوقوعها في قسم المغرب وطلوعها به لما فاتها أن تكون نجم الصباح نجم المغرب، وهذا وإن سلم فيه إلى الحق، فهو مما تشرق لمصيبتها صدور الشرق، لأنه جارها الأدنى، وهي قطعة منه في حقيقة المعنى. ولكن كيف الحيلة. مما أوقع الله عليه قسمة بلاده. وسهم ما سطح عليه كرة الأرض لعباده، وها أنا إذا ذكرتُ من أنار من أقمار الكتاب في غربها، أغض عيون الشرق بفيض غربها، مما أنأى الشرق عن قربها، وسلّ من خلجها سيوفًا لا ترضى الجوزاء لحمائلها، ولا الغمائم لقربها. سقوا بماء النيل فبانت حلاوته في منطقهم وجاور أملاق مقطعاته فجاؤوا بمثلها في ملقهم، ورأوا الهرمين فأتوا قواعده في بنيانهم، وولدوا في أرض السحرة، فتعلموا منهم السحر واستعلموه في بيانهم.
ومنهم:
[٦٤] ابن عبدكان، كاتب ابن طولون
كان على طريق الأوائل. إلا أنه يجرع ريق الغصص سحبان وائل، شاعر مدره، وكاتب له على قطع المنازع قدره، وفصيح كل كلمة يقولها ببدرة، بل بدره، ومن نثره قوله:
أو مثلك يظنّ بمثلي هذا، وأنا - أطال الله بقاءك - أربُّ الصنيع لا أكفره، وأرعى الذمام ولا أخفره، وأحمل الكل وإن هاضني، وانبسط للصاحب وإن رابني، وأبذل عن صديقي الوفي نفسي فداء إن قبلت، ووفاءً إن رضيت. أضنّ بحديث سميري، ولا أطلع
стр. 4343
على ما أستأمن عليه أذني ضميري. وشهد الله ما خرجت عن خلقي أعاني الغبي، وأختي الجني. أجامل الأصدقاء والوقى بعضهم لبعض، وأكتم السر فيه ضربة العُنُقِ.
ومنهم:
[٦٥] ابن خيران (١)
كتب عن الحاكم غير حيران، بخاطر وقاد، قذف الهرمان الأحمر فهو منه شرارة نيران، والياقوت الأصفر كأنه منه غيران، معانيه مسهبة، وألفاظه موخرة مذهبة، له في نفس التعبير نفس عبير، ولم يورد له ابن سعيد على كثره ما له من المحاسن، وآثاره فكرة من الجواهر التي لا تكوّنها المعادن. إلا قوله (٢):
وقد خرج أمر الإمامة، بهدم كنيسة القمامة (٣)، حتى يصير سقفها أرضًا. وطولها عرضًا.
ومنهم:
[٦٦] الموفق بن الصيرفي (٤)
ناقد كلام، وناقل مضاء سيوف وأقلام، وحديث نصر عن أعلام، كان صاحب ديوان المكاتبات في أواخر الدولة العبيدية، يعم الناس بالإحسان الجم، والإحسان
стр. 4344
بالرعاية التي خلاها الذّمّ، فإليه أرسل القاضي الفاضل أبوه ليدرب، وعرض عليه سيفه ليجرّب. فوجده جوهرًا، ورده وهو يتلظى نهرًا، ويعرف هذا الصيرفي بابن الخلال، وكان آية في كرم الخلال، لولا كبرياء كانت تتخازر بطرفه، وتتحاذر على من دخل بثاقل عطفه. وكان الفاضل يصرف فضله التذاذا، وفعله كله إلا هذا، وقد زعم ابن سعيد أن منه المادة الفاضلية، وأن من يتحرّ في كلامهما يظهر له طرق المآخذ الجلية، ولعمري أنه ما أنصف ولا الأمر كما أن وصف. بل والله بينهما ما بين شهرتيهما، والتفاوت في تعريفهما تفاوت ما بين صفتيهما، على أن هذا الرجل لا يغمط أمام التمام سابقته، ولا ينكر قبل الغمام في رقته.
ومن نثره قوله:
وجاءت غربان الماء، تحكي قطع السحاب في أديم السماء، يحسب الناظر أنها ركائب قد طفت في بحر السراب، أوجفونا محدقة والمجاذيف أحداق.
ومنه قوله:
وجاءت هذه الخيمة توفي على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها خاسئة حسرى، وقد اجتمع فيها متضاد الحيوان، ولا أذى ولا ضير، وكأنها فيها سليمان، وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والوحش والطير.
ومنه قوله:
حاش لله أن ننسى منن المولى وبردها على كبده، وأياديه التي تعجز عن سعة شكرها ذات يده، وقد قرت هذه الخدمة بهدية مثله، وهي مدحةً وكتاب، وقول عسى أن يفك به أزرار ذلك العتاب، هيهات زال بكرم الله الأعراض، وردت سهام الأعداء في نحورهم قبل أن تصل إلى الأعراض.
ومنهم:
[٦٧] الأثير بن بنان (١)
عديم النظير، عديل الكوكب المنير، ولم يكن في وقته مثله، ولا في سمته من
стр. 4345
الكواكب شكله، ناهيك به من رجل تُروى بماء البشر ظماؤه، لا سحت ( ...... ) (١) ولا تعتصب ماؤه. إلا أن سعادة الفاضل أخملته، وأبقت عليه حليه وعطلته، وقد ذكره الشيخ الحافظ أوحد الفضلاء صلاح الدين أبو الصفاء، خليل الصفدي، وقال (٢): من أهل مصر، وأصله من الأنبار، قرأ الأدب، وسمع الحديث، وقال ما ملخصه: أنه قدم بغداد رسولًا مع قافلة الحاج، وأكرم مثواه، بعثه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب. وقال: وكتب الكثير بخطه المليح، وتولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وتقلب في الخدم في الأيام الصلاحية بتنيس والإسكندرية، وكان القاضي الفاضل ممن يغشى بابه ويمدحه، ويفتخر بالوصول إليه، وقال: وكان الصالح بن رزيك (٣) قد ألزم الأثير بمال رفع عليه لكونه كان يتولى أموالًا له، واعتقله فأرسل إليه يمت بقديم الخدمة والتشيع الموافق في المذهب، فقال الصالح (٤):
أتي أين بنان ببهتانه … يُحصّن بالدين ما في يديه
برئت من الرفض إلا له … وتبتُ من النصب إلا عليه
قلت: وقد بدر ابن رزيك. وأتاك يا ابن بنان بما يخزيك.
ثم نعود إلى تتمة ذكر ابن بنان، فأقول: إنه كان يمت إلى البيت العمري حيثُ كانوا نزلاء تلك الدولة بمجيئه. يبرئه من الرفض وبعضه قولي في هذا: طلبه للحديث على إخمال أهل تلك البدع لأهله، ولعله تقرب إلى ابن رزيك بقول لسان لا معتقد، وكان صديق المجلي جدّ أبي، وبينهما انتساب أدبي، ومما كتبه إليه قوله:
كتبت كتب الله على نفسه الرحمة، وفي سابق علمه النعمة، للمجلس العالي، الأمير الأجل. الأسفهسلار عز الدين، وكبت أعداءه، وود أوداءه، وأمطر أنداءه، وأدام برسله السحاب اقتداءه، عز الدين وكبت أعداءه، ويحلل صفات نزيله البحر
стр. 4346
ارتداءه، ولا زال فناؤه بالوفود مهر الرحاب، وسمعه مملوء الإصغاء بالمحاب، وقد مضت عنده ليال ما أنار فيها من كتبه هلال ولا قمر، ولا ورد من خاطره سائل جدول ولا نهر، وكنت شهد الله أظن أنه لا يخلى المملوك رجع نفس من مروره على ذكر خاطره ولسان قلمه، وعيان ناظره لموالاة المولى أولى بها وأحق برعاية قديم أنسابها، وقويم أحسابها، وشكر ما برح عليه ولا يبرح، واعتقاد لو قطع به ما قطع، لا يميل به ولا يجنح. والمملوك لا يسعه أن يقول إلا أن المولى معذور، ولينذروا على سيدنا ضمان الوفاء بالنذور.
ومنهم:
[٦٨] ابن ظافر العسقلاني (١)
أصله من عسقلان، وإنما بمصر مرباه، ومنشاؤه، وبها كان كلفه ورشاؤه، ألف كتاب بدائع البدائه وأتى فيه بمتشابه وغير متشابه، وحلاه بما اتفق عليه توارد الخواطر، أو قارب هذا مما يعدّ في بوادر النوادر، ورصع ذهب كلامه بفرائد الجواهر، وفوائد في ليل المداد كالنجوم الزواهر، تبع في مواضع منه طريق قلائد العقيان، إلا أنه ما لزمها في كل كتابه، ولا رقمها وقد أورد ابن سعيد قطعة من كلامه في بدائع البدائه، وقال: هي لابن أبي المنصور الدمياطي، وزير الملك الأشرف (٢)، وما علمت، هل التبس عليه، لا بل هو أعرف.
ومن نثره قوله:
في وقت مطر أجرى كل وهدةٍ نهرا، وحلّى جيد كل غصن الزهر جوهرا، وبين
стр. 4347
يديه جارية تسقيه، وهي تقابل بدر وجهها بنجم الكأس في راحة كالثريا، تخجل الزهر … بطيب العرف والريا، فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب بسوق ركاب ركامه، فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته. فقال المعتمد بديها ( ...... ) (١) أطربه معناهما وهزه. وحركه استحسانها واستفزّ.
ومنه قوله:
جلسنا ليلة على مقياس الجزيرة، عند مبالغة النيل في احتراقه، وانفراجه عما لم يزل مستورا من أرضه وانفراقه، والمراكب قد انتظمت وركدت بالإرساء فوق لجته، وأحاطت به إحاطة المحيط بنقطته. وسقها الريح تعبث بها حتى كادت تذهب بوقارها، وأجسادها قد لبست لفقد الماء حداد قارها، وهي في أوكارها من المراسي مزمومة، وأجنحة قلوعها لعارض الليل مضمومة.
ومنه قوله:
ذكر ابن رشيق في كتاب «الأنموذج» ما هذا معناه: خرج أبو العباس بن حديدة في جماعة من رفقائه طلبا للتنزه، فحلوا بروضة قد سفرت عن وجنات الشقيق، وبين زبرجد النبات نجوم من عقيق، والجو قد أفرط في تعبيسه، ونثر لغيظه جميع ما كان من لؤلؤ القطر في كيسه.
ومنه قوله:
قالا جلسنا في بعض الأيام لاجتناء زهر المحادثة، واقتناء درر المنافثة، فسمعنا صوت شبابة تذكر الشايب الهرم زمان الشبيبة، وتحرك من الخرف الهم غزله وتشبيبه، وصوتها أشجى من أنين المشتاق لفرط الأشواق، وأرق من نوح العشاق عن عزم الفريق على الفراق.
ومنه قوله:
في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند برق الماء.
ومنه قوله:
في يوم جلا ذهب، برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند برق الماء.
стр. 4348
ومنه قوله:
جلسنا على بركة في منظرة الصاحب بالجزيرة، وقد ألقي عليها ورد أحمر ملأ بكثرة نجومه فسحة سمائها، ولعت بحمرة شعاعها صفحة مائها، وأهدى رمده إلى مقلتها الزرقاء، فأفصح سرورنا بدائها.
ومنه قوله:
في منزل قد انعطفت قدود أشجاره، وابتسمت ثغور أزهاره، وذات كافور مائه على عنبر طينه، وامتدت بكاسات الجلنار أنامل غصونه، والنسيم قد خفت واعتل وسقط رداؤه الخفاق في الماء فابتل، ووهت قواه حتى ضعف عن السير، واشتد مرضه حتى ناحت عليه نوائح الطير.
ومنه قوله:
مررت بدولاب يئن أنين الثكالى فقدت أطفالها، والنواعج أظلت أفالها وهو يبكي بكاء الصبّ آلمه هواه، وصارمه من يهواه، وفرّق البين بينه وبين محبوبه فراقًا لا يُرجى انقطاعه، ولا يمكن استرداد ما يُسلمه منه ولا استرجاعه، فقلبه قد ملأته أوجاعه، وجفنه قد ضاق مجراه عن دمعه، ففتحت به أضلاعه، وبصرنا بساقية تتلوى تلوي الافعوان، وتخفق خفقان قلب الجبان، والزهر قد نظم عقودًا فوق أثوابها الممسكة، والنسيم يكسوها ويسلبها غلائل معركة.
ومنه قوله:
في ليلة وفود عم السرور فيها الأرض بسحابة، وعمرها بفائض انسكابه، فانبثت واحيها جلنار النار في غصون كل جدار، وكشف بها النور سجف الظلماء، ونقل طرف الليل إلى ألسنة الشقراء من ألسنة الدهماء. وأرزت الأرض بشهب النيران على جو السماء.
ومنه قوله يصف غلامًا ذا خيلان:
وذوائب كأن الشمس من أزراره أشرقت، وكأن النار في وجناته أنارت وما أرقت، ذو خيلان، قد ثبت دهم خيلها في محياه، وتفرقت لاقتناص فرسان القلوب التي كسرها هواه، وقد حققت وصف وجناته بالشقيق، ولففت فصوص السبح في العقيق، وهو مائل العطف، ذابل الطرف قد عانق أفعوان شعره غصن قده، وطابق به مبيض وجهه ومسوده.
ولما عرس ابراياز المصري ببنت يازكوج مقدم الأسدية تردّ من ضروب آلات الحروب ما يفوق الوصف، ويروق الطرف، وظهرت من المدد بدور في سماء الغيار،
стр. 4349
وغصون من زغفهم بين غدران ومن سيوفهم بين أنهار، يسبون النواضر بالقدود النواضر، فخرجنا لننظر تلك الأجساد، وتأمل تلك الظباء الظاهرة بزي الآساد.
ومنه قوله:
في روض قد تناسبت قدوده، واخضرت بروده، وخجل ورده من عيون نرجسه، فاحمرت خدوده، والروض يهدي إلى الآناف عطر عرفه، والنسيم يركض في ميادين الأزهار بطرفه.
ومنه قوله:
فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتجلى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة على فلان وفلان أن يعملا في صفحة الحال، فأطرق كل منهما مفكرا، وميز ما قدمه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متجرا.
ومنه قوله:
فحللنا روضا تثنت قامات أشجاره، وتغنت قيان أطياره، وبين أيدينا بركة ماء، كجو سماء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسمينا، زان سماءها بزواهر منيرة، وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة.
ومنه قوله:
في ليلة فطر ظهر بها الهلال للعيون، وبرز صفحة نحر الليل كالنون، والشمس فوق بحر الليل غاربه، وإلى مستقرها جارية ذاهبة، قد شمرت للمغيب الذيل، واصفرت خوفا من هجمة الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشايب أو زورق الورق.
ومنه قوله:
وبالمجلس ساق وسيم، كأنه خشف ريم، قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندامى فعل عينيه.
ومنه قوله:
سيف قد نظم الفرند في صفحته جوهره، وأذكى الدهر ناره، وخمد جوهره وألبسه من سلخ الأفاعي رداء لا يمنع من برقه بدر مجن، ولا ثريا مغفر، ولا يسلم لحده من يثبت، ولا ينجو لطوله من فر.
ومنه قوله:
مرت بهم امرأة كالشمس تحت سحاب النقاب، والغصن في أوراق الشباب،
стр. 4350
فحدّقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور لفرقة القابض فهرب، وتثنّى تثني الغصن الممطور عانقه النسيم فاضطرب.
ومنه قوله:
بركة رق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رصف تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، فكأنما رفعت صفائح من فضة على أكر من النضار.
ومنه قوله:
في منزل ابيضت حيطانه، وطاب استبطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وحلا محياه في زرقة قناع السماء، وقد كسا الجدران نباتًا من فضة، ونثر كافورًا على مسك الثرى بعد أن سحقه وأرضه والنسيم قد استولى على الأغصان فميلها، وغصبها مباسم زهرها فقبلها، وعندنا مغنّ إن بدا فذكاء طالعة، أو شدا فالورقاء ساجعة، تغازله مقلة سراج، قد قصر على وجهه بحديقة، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه. فكتبت إلى الأعز بن المؤيد في وصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد، ارتفاع الأرواح على الأجساد:
غبت عني يا ابن المؤيد … في وقتِ شهيّ يلقى المحبُّ المشوقا
بتُّيها منادمًا لصديق … ظلَّ بين الأنام خلا صدوقا
إن تغنى سمعت داود أو … لاح تأملتُ يوسف الصديقا
وإذا قابل الصباح رأينا … منه بدرًا يقابل العيوقا
ما بدا نرجس الكواكب إلا … قام من خده يرينا شقيقا
فجعلناريحاننا طيب ذكراك … فخلناهُ عَنْبرًا مفتوقا
وهذه الأبيات له، وهي كما تراها رقةً كأنها من أهواء القلوب مشتقة، شائقة مشوقة، منظورة بالإحسان مرموقة، أشهى من المنى وأبهى من القمر في السنا، وأدخل على القلوب من الرضى، وأخطف للأبصار من البرق على ذات الاضا، كأنها من النفوس مخلوقة، أو بالعبير كما قال قائلها مفتوقة.
ومن نثره قوله:
مررنا في بعض العشايا على بعض البساتين من المجاورة لبحر النيل، فرأينا بئرًا عليها دولابان متحاذيان قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان دمعًا أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين وزبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر
стр. 4351
عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسوافي قد أذالت من سلاسل قصتها كلّ مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد علا من الطل لما، وجنات المحارى حائرة ( … .. ) (١) ومن زمرد النبات أن يدركها العمى، والبحر قد صقل صيقل النسيم درعه، وزعفران العشي قد ألفى في ذيل الجو درعه، فاستحوذ علينا ذلك الموضع استحواذًا، وملأ أبصارنا حسنًا وقلوبنا التذاذا، وملنا إلى الدولابين شاكين از مرًا حتى شجت قيان الطير بألحانها وشدت على عيدانها، أم ذكرا أيام نعما وطابا، وكأن أغصانًا رطابًا، فنفينا عنهما لذيذ الهجوع، ورجعنا النوح وأفاضا الدموع طلبًا للرجوع.
ومنهم:
[٦٩] النجم القوصي
وزير صاحب حماة، طلع في سماء ملكه نجمًا كمشكاة، وليس بالسابق ولا بالمقصر، على أنه بالفائق كالمبصر، لأنه مثير معان لا يقدر عليها لفظه، ولا يقدر على مناسبتها حفظه.
وقال ابن سعيد:
وقفت له على رسائل لها في التفضيل أعظم وسائل، ومن فصوله القصار اللفظ، الطوال في الاستحسان قوله:
ولما نزلنا ساحة الرياض نثرت علينا أغصانها درر الأزاهر عن فرى ( .... ) (٢) ومدت لنا مقاطعاتها سبائك فضة تنشر كف النسيم فيها جوهرًا، والأطيار تتخاصم في إكرامنا بكل فنن، ويهز من كل قد سيفًا نتذكر به سيف بن ذي يزن، والأكؤس تدور كأنها شموس وبدور، والخدود على غروبها شاهده إن أمست الألسنة بها جامدة.
ومنهم:
[٧٠] محيي الدين، أبو الفضل، عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان السعدي (٣)
آخر سابق، أخذ بكل باسق، سلك الطريقة الفاضلية وعهدها بالسالك
стр. 4352
منذ زمان، والماسك عليها لا يظفر بأخذ جمان، فأحيا مواتها، وحيا في لحود الدفاتر أمواتها، فأعاد فواتها، وأعاد من الضلال غواتها، بكلام هو السحر، إلا أنه غير المحرم، والبحر إلا أن عنبره أعزُّ وجودا من الحجر المكرم، كان مطبوع الكلام، حلو اللمام، كالأحلام لا يتكلّف له الأسماع، ولا يتخلّف عن تفضيله الإجماع، أسرع إلى غراس الطباع من قبول المرآة للانطباع، وأوصل إلى القلوب من رضى المحبوب، وأذكى في الهبوب من العود المشبوب، أحلى من العسل المسور طعمًا، وأحلى من حديث النسيم المشهور عن نُعمى، كتب عن ملوك مصر ومن حلّ فيها من خلفاء بني العباس بما أنشأ عهودا، وما أنسى عهودا، وله عن المستنصر والحاكم ما هو ألذ من الإغفاء في جفن الحالم، وأسير في الأرض [من] قلب الهائم، والطير الحائم، كتب عن الأئمة من قريش، فكفّ ملمة كل جيش برز به عهد الخلافة نبويًا، كما كان لا يقال لا عهد بمثله من فصاحة المقال، فكان كاتب الديوان العزيز، والمنصوب لرفع قدره على رفقته بالتمييز، مع اطراح نفس، ولباس ظرفي لا يدنس ثوبه بلبس، هذا إلى ما له من لطائف توليد وطائف تخيّل ما جاءت القرائح بعده بوليد، مع رسم خط، كأنه من سوالف الغيد مختط، صدف أن يكون له الدر كالصدف، وتسامى، أن يكون له الزهر أكمامًا. ولقد صدق من قال إنه من حب القلوب والحدق، وما كذب فما وشى من قال إنه من كحل مقلة الرشا، وما أعرف إلا أن لكلامه بالقلب لوطة، كالأنشوطة، لا يلحق بدخلها حتى يغلق عليه مدخلها، ولا تخيلها إلا وتعلق به حبلها، وما حالي وإياه إلا كما قال الأول، وكأنما عناه، وما أصيب بسحره، ولا شم رياه.
فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى … وإن كان داء غيره فلك العذر
خلا إن نظمه كان إذا طول انحط، وتحوّل حتى يقع على غير محط، وما ذاك إلا أنه كان لكثرة ما يتلطف يتهلهل نسج قصائده، وينبتُ سلك فرائده، والحور إذا زاد في العيون صار معيبًا، وأهنأ الوصل ما كان لمامًا أو راقب رقيبًا.
стр. 4353
ومن نثره قوله:
يعلم الأمير أن المنكرات التي أبطلنا فواحشها، وكففنا نواهشها، وأمرنا أن تملأ الصحائف بأجرها، وتفرغ الصحاف. وأن لا يخلق بيت من بيوتها من كسر أو زحاف، قبلنا الحوالة فيها على الكرم المجازي، واعتقدنا أن بتبطيلها تنحسم مواد المخازي، وقد بلغنا أنها اختصرت، وأن كلمة الشيطان بالتعويض عنها قد نُصِرتْ، وأن أم الخبائث ما عقمت والجماعة التي كانت ترتضع ثدي الكأس قد أربعت بعدما فُطمت، وأنها في النشأة ما خيب إبليس مسعاها، وأنها لما أخرج المنع ماءها من الخمر أخرج لها من الحشيش مرعاها، وابتيعت عما تشتريه منها بدرهم عما كانت تبتاعه من الخمر بدينار، واستراحت من الخمار، وأسلاها عن مخامرة الخمر ومعاقرة العقار، وأن ذلك فشا في كثير من الناس، حتى عُرِف في عيونهم ما يعرف من الاحمرار في الكاس، وصاروا كأنهم خشب مسندة سكرا، وإذا مشوا يقدمون من فساد أذهانهم رجلًا ويؤخرون أخرى، ونحن نأمر أن تجتث من أصولها، وتُقتلع، ويؤدّب غارسها حتى يحصد الندامة، لما منها زرع، ويُزال ما بطن منها وما ظهر. ويُزجر من لها اشتهى ومن بها اشتهر، وأن تُخلى من مغروسها ومعمولها البساتين والديار، وتُعفى آثارها حتى تصبح وهي الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وليُردع من لها تعاطى، وعلى إخفائها تواطى، وتُطهّر منها المساجد والجوامع، ويُشهر مستعملها في المحافل والمجامع. حتى لا يشتهى بعدها خضراء ولا خضراء للدمن، ولا يُنفى بها ما ينفى بأختها من الهم والحزن.
ومن قوله:
وسير من الخيول الرهاوين كلما هو على الحسن مشتمل، ومع سرعته يمشي الهوينا كمشي الشارب الثمل من كلّ أشقر كأنه النجم السريع السير لا البطيء.
وكل أحمر كأنه الشفق وغرّته ما يتخلل الشفق من النور المضيء. وكلّ أشهب كالنهار، وما في هذا من سواد ما بذاك من أواخر الليل وأوائل العشي، وكل أصفر حبشي، يحسن أن يكون لركاب المقل خادما، وكيف لا وهو الخصي الحبشي، وسير من البغال كل فارهة الوثبة كارهة أن لا تكون دون رتبة الجياد في حلبة، قاست بذراعها شقة أرض فعلمت طولها من عرضها، وكم لحقت بمشيتها ما يلحقه الجياد بركضها، كم حسب راكبها من وطي ظهرها أنه منه على فرس مرفوعة، وكم بويع لها بالخلافة عن الجرد المطهّمة، على أنه مخلوعة، يشهد بتمام حسنها العقل، ويصدقه على ذلك منه صحة النقل، ما ضرتها هجنة أمها مع أصالة أبيها، وأمها
стр. 4354
هجينة، ولا شانها ذلك، والله ساوى بينهما بقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١) تسبق الطرف والطرف وعمّها خالها وما هي حرف.
ومن الجواشن، حسنة التسامي والتسامت، لا يرى في خلق سماتها من تفاوت، قد رفع بعضها فوق بعض درجات، وبنيت أسوارًا لحفظ المهجات، قد زينت سماؤها بزينة الكواكب، وفاق غمامها المتراكم، وراق موجها المتراكب، كما أحسنت دفاع البؤس عن النفوس عدة دفوع، وكم حنت حين حنّت أضالِعُها على الضلوع، كم دخلت جنت جنتها بسلام، وكم بدت كأنها طلع نضيد ولا عجب فإنها ذات الأكمام. إلى غير ذلك من لباس سلم يختلف ولأمات حرب ما يأتلف بألفات القنا، ولا يكون منها من اجتماع اللام والألف، ومن سنافر وبزاة كم أحسنت الطلب وأحلّت المكتسب، وحصلت المسلوب من الطير والسلب، وأجملت في الهواء المنقلب كلّها أصغر عين ولكنه خير من العين الأصفر من الذهب، كأنما إهابها ببياض العيون وسوادها نقش، أو كأنها مهرق أبيض وقش من كاتب مرتعش تتزين السماء بسماتها في مطارها، وكم حكى العناب والخشف البالي قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى أوكارها (٢)، وقد حسنت لباسًا وريشًا في العيون وبدت وأجنحتها أحسن من هدب الجفون، كم بها جو قد اقفر، وجؤجؤ قد صفر وأصفر ( .... ) (٣) من الطير عاقد عليه بكفّه كل أصفر عين، وناهيك لمعاقده ذي العين الأصفر، كم ادن طائر حربها وكم أوده عنت عن أمورها، فاتخذتها هزوًا وذلك قلبها.
ومنه قوله:
وكم أصيد من الملوك جعل الصيد بالبنادق له نزهة، وكم قلب في السماء لذلك وجهه، وكم برز برزة ودّت النجوم لو أنها ببنادقها المرسلة، وتمنت الجوزاء لو أنها من جملة أطيارها المحصلة، وودّ نهر المجرّة لو أنه من بعض الإملاق، وتحسرت قوس قزح لكونها ما رميت عنها بشبيهتها من ذوي الأطواق، لا سيما من حمي البلاد والأقطار، وكفى الأمة الإسلامية عادية التتار، وأخذ كل منتسب إلى بلادهم حتى الطائر في السماء إذا طار.
ومنه قوله لمن عاد من غزو النوبة (٤):
стр. 4355
وينهى عنه أن أعين الدوي بإثمد المداد قد اكتحلت، ووجوه الصحف قد برقت أساريرها من آثار المساطر وتهللت، وألسنة الأقلام قد تهيأت لما تستنطق به وتبتلت، وكلها تنتظر ما يمليه مولانا على الملوك يطرز به حلل السيرة الشريفة، ويرقمها، وينضده في جيدها من عقود نصرها التي تنظمها، وسيملأ بها الهوامش والسطور، ويزيدها تبيانًا فتكون نورًا على نور، وحينئذ يكون المراد من جملة أعوان مولانا وأمداده ومن بعض نجده على العدو الذي أشبهه بسواده ويغدو أبيض الورق على نقيضه في السخومة، مستطيلًا كبعض أجناده، والله تعالى لا يعدم الإسلام صنعه الجميل ولا غزواته التي هي تارة في أول الفرات وآخر النيل.
ومنه قوله، من كتاب وصف فيه دخول سيس (١):
حتى انتهت إلى أوائل بلاد سيس، وهي البلاد التي جعلت أسوارها من الجبال الراسية، وخنادقها من الأودية الهاوية، تكاد الطيور المهومة تعثر بأوعارها، والرياح اللواقح تعتقل ذيولها بأحجارها، فما ارتاح المسلمون من قللها الراسخة، ولا لواقح سموم أو عارها النافخة، ولا أصدامها وتها فيها الصارخة، ولا تضايق دربنداتها الملاطخة، وطاروا بأجنحة النصر إلى أوكار تلك الهضاب، وأهووا إلى بلاد الطاغية الكفور، وإليه هوي الأجادل، وهبّوا إليه هبوب الرياح، وانصبّوا انصباب السيول من الجنادل، فما تركوا سائحةً إلا ساموها مرخصين ومرخصين، ولا ماشية إلا مشوا إليها متربصين لا متلصصين وأخذوا في تسوية وجوه تلك البقاع، وتغير معالم تلك الأوضاع، فما ضلت منزلة بهم من نازلة، ولا ضيعة من ضياع، ولما كان يوم الفلاني، عبأ التكفور خذله الله جنده، واستنفذ من الاستكثار ما عنده ومن عنده، وأتى في جموع كان في جملتهم اثنا عشر ملكًا، ومن الرجالة ما لا يحصى لهم عدد، ولا يحوط بكثرتهم أمد. فتنازعت إليهم الأبطال، وتسابقت إليهم الرجال، فاندفع اللعين منهزمًا حقيرًا، وانقلب مذمومًا مدحورًا، وأخذ صاحب سيس خذله الله أسيرًا، وقتل أخوه وجماعة من ملوك بيته بسيف الهوان، وأثر فيهم قرآن النصر الذي صاحبه بحمد الله ملك الزمان، وامتلأت الأرض بأشلاء أجسادهم الخبيثة، وأهلكت عساكرهم بهذه الحركات الحثيثة، وأصبحت ديارهم خاوية على عروشها، وأرواحهم محمولة من أجسادهم على نعوشها، وأولادهم في قبضة الاسترقاق أسارى، وحريمهم في يد الاستحياء حيارى، وأموالهم
стр. 4356
تقتسمها الأيدي الزاهية، وتغتنمها العزائم العالية، وأخذ الله حقوق المملكة الحلبية ممن أساء لها الجوار، ودلّ على عوراتها التتار، وفرّ فلن ينفعه الفرار.
ومنه قوله:
وكانت المملكة الحمصية عروس الممالك التي تتحامى منعها الأيام، ودرّةً في عقد الممالك الإسلامية، وغرّةً في وجه الشام، وحصنًا كم فاضت نعماه، وكم حمى ساكنوه بساكن أرضه ﵁ حتى وساكنو حماة.
ومنه قوله من تقليد نائب:
وكانت دمشق عين الممالك اليمين، وجهة البلاد الواضحة الجبين. وقد شرفها الله بأن جعلها ذات قرار ومعين، وقد أصْبَحَتْ شامةً في وجه الشام، وأخضرت مراتع مرابعها فبدت كما يبدو العارض في سالف الأيام، وعدت في هذا الوقت منهض الجهاد، ومربض الآساد ومركض الجياد، ومطلع شمس الظفر ومهرع الفتح المبتدأ، ومكرع النجم المبتدر، وقد أمست باسمه باسمة الثغور ولحكمه واضحة السفور، وببيانه ما من أحد يسأل عنها وعنه إلا تلا: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١).
ومنه قوله في فتح شقيف أرنون:
وحين وصلناه، وتراءى لنا وجهه سافرًا، وملأ لناظره من مرآة ناضرًا. رأينا منه حصنًا يُعدّ في إعداد النجوم، ويجرّ ذيل ارتفاعه في هام الغيوم، فهو يسكن من السماء في مناكبها، وينصرف بتصرفاته قلوب كواكبها، فيتدرّع ويطعن في السماك الرامح، وينظر بعين الطرف ويبطش بيد الذابح، ولا يزال يشير من دم معاديه بالكف الخضيب، ويرشق مراميه من قوس الرامي بسهم مصيب، إلا أنه كان يمتنع من صفد بجارٍ يُجير على الأيام، وصاحب يعتصم بجبله عند تواريه أي اعتصام، فكان العدوّ المخذول يصول منهما بيمين وشمال، ويبث منهما على مركبين يدينان له من مكائده كل بعيد المنال. فلما قطعت عن معاضده بأخذ صفد تلك اليمين، وفارقه قرينه، وأشدُّ الآلام مفارقة القرين، ظهر عليه من وحشة الوحدة من صدع شمله كل الانصداع، وبقي شمالًا لا يمين، وإنما تبطش اليدان بالاجتماع، وأقام بعدها بتماسك العليل على ما به من الداء، ويقوم على ضلعه قيام الضعيف على الرجل العرجاء، إلا أن فيه من عدو الله يشدُّ من متنه ويعزّه باعتصامه ومنعته، فأثبت في مستنقع الموت قدمه مجاذبًا، ولبس جلد النمر مراشقًا ومطاعنًا
стр. 4357
ومضاربًا، وأعطى حصنه عهدًا لا يزول إلا بزواله، ولا ينزل إلا مع أحجاره وإن طالت مدة نزاله، فلما رأينا أن معضل دائهم لا يُحسم إلا بالكي، وأن مريد شيطانهم لا يرده الإرشاد عن الغي، وكلنا بها من المجانيق ما ينقض العهود، ويفسخ العقود، ويقطع بأسباب اتصاله بين كل ودود و مودود، فزاحمت بمناكبها مرتفع مناكبه. ودبّت إليه عقارب من جميع جوانبه، وساورته من حبالها بأفاع لا تقبل الرّقا، ولا يطمع من نفثها في البقا، وحتى لاقت حصنًا وإن تمنّع مرتفعًا غادرته لقا، فلم يزل به حت تركت سلم بنانه فلسعها عن السليم - وقضت عليه أن يدخل لتسليمه كرهًا بغير تسليم.
ومنه قوله (١) من تقليد الأشرف (٢) بن المنصور قلاوون:
الحمد لله الذي لم يزل له السمع والطاعة، فيما أمر، والشكر والرضا (٣) فيما هدم من الأعمار وما عمر، والتفويض في التعويض إذ غابت الشمس وبقي القمر، نحمده على أن جعل سلطاننا ثابت الأركان، نابت الأغصان (٤)، كل روضة (٥) من رياضه ذات أفنان، لا تزعزعه ريح عقيم، ولا يخرجه رزء عظيم عن الرضا والتسليم، ولا يُعتبط من رحمة كريم، إلا ويغتبط من أسرته بكريم، ونشهد أن لا إله إلا الله. وحده لا شريك له، شهادة تزيد قائلها تفويضًا، وتجزل له تعويضًا، وتحسّ له على الصبر في كل خطب (٦) تحريضًا. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أنزل في التسلية به (٧) «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل» (٨) والنبي الذي أوضح الله به (٩) المناهج وبين (١٠) السبل، صلّى الله عليه وعلى آله (١١) ما تجاوبت المحابر والمنابر، وتناوبت البكر (١٢) والأصل، وما بدت (١٣) عقود ونظمت، ونسخت آيات وأحكمت، ونقضت.
стр. 4358
أمورٌ وأُبرمت، وما عزمت آراءً وتوكلت، وتوكلت فعزمت، ورضى الله عن أصحابه الذين منهم من كان للخليفة نعم الخليفة، ومنهم من لم يدرك أحد في تسويد النفس الحصيفة، ولا في تبييض الصحيفة مده ولا نصيفه، ومنهم من يسره الله لتجهيز جيش العسرة، فعرف الله ورسوله معروفة، ومنهم من عمل صالحًا أرضى ربه فأصلح ذريته الشريفة. وبعد، فإن من ألطاف الله (١) بعباده واكتناف عواطفه ببلاده، أن جعلنا كلّما وهي للملك ركن شديد شيّدنا ركنًا عوضه، وكلّما اعترضت للمقادير جملة بدلنا آيةً مكان آية، وتناسينا تجلّدا - تلك الجملة المعترضة فلم يُحوج اليوم لأمسه (٢) ولو كان حميدًا، ولا الفارس غرسه وإن كان ثمره يانعًا وضله مديدًا، فأطلعنا في أفق السلطنة كوكبًا سعيدًا كان لحسن الاستحقاق مُعدًّا، ومن التسلي للمسلمين خيرًا ثوابًا وخيرًا مردا (٣)، ومن يُبشِّر الله به من الأولياء المتقين وينذر به من الأعداء قومًا لدًا، ومن لم يبق به أنسنا بعد الذين تحسبهم (٤) كالسيف فردا، والذي ما أمضى (٥) حده ضريبة إلا قد البيض والأبدان قدا ولا جهز كتيبة (٦) إلا أغنى غناء (٧) الذاهبين، وعد للأعداء عدا، ولا بعثه جزع فقال (كم من أخ لي صالح) إلا لقيه ورع، فقال: (وخلقتُ يوم خلقت جلدا)، وهو الذي بقواعد السلطنة الأدرى (٨)، وبقوانينها الأعرف، وعلى الأولياء (٩) الأعطف، وبالرعايا الأراف، والذي (١٠) ما قيل لبناء ملك هذا عليه قد وهى، إلا وقيل: هذا بناء مثله منه أسمى ملك وأشرف، والذي ما برح النصر يتنسم من سهاب تأميله الفلاح (١١). ويتبسّم ثغره فتتوسّم الثغور من مبسمة النجاح، وينقسم (١٢) نوره على البسيطة فلا مصر من الأمصار إلا وهو يشرئب إلى ملاحظة جبينه (١٣) الوضاح (١٤)، والذي ما برح لشعار السلطنة إلى توقله (١٥) وتنقله أتم جنين، وكأنما
стр. 4359
كُوشِفت الإمامة العباسية بشرف مُسمّاه فيما تقدم من زمن وسلف من حين (١)، فسمت ووسمت باسمه أكابر الملوك، وأخاير السلاطين، فخوطب كل منهم مجازًا إلا لهذه الحقيقة (بِخليل) أمير المؤمنين، والذي كم جلا بهي جبينه من بهيم، وكم غدا للملك بحسن روائه ويُمن آرائه يهيم، وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاش، ولا ينكر للخليل إذا قيل عنه إنه (٢) إبراهيم، ومن تشخص الأبصار لكماله يوم ركوبه حسيرة، وتلقى البنان سلاحها ذهلًا وهي لا تدري لكثرة الإيماء إلى جلاله إذا يبدو مسيرة، والذي ألهم الله الأمة بجوده (٣)، ووجوده صبرًا جميلًا، وآتاهم من نفاسة كرمه وحراسة سيفه وقلمه تأمينًا وتأميلًا، وعِظة (٤) في العيون والقلوب (٥) بما من بره سيكون، فسمته الأبوة (٦) ولدًا وسماه الله خليلًا، ولما تحتم من تفويض أمر الملك (٧) ما كان لوقته المعلوم قد تأخر وتحدّر (٨) حينه فكملت بزيادة (٩) كزيادة الهلال حتى بادر تمامه فأبدر، اقتضى حسن المناسبة لنصائح الجمهور والمراقبة لمصالح الأمور، والمصاقبة لمناجح البلاد والثغور، والمقاربة من فوائد (١٠) كل أمر ميسور، أن تُفوّض إليه ولاية العهد الشريف بالسلطنة الشريفة المعظمة المكرمة المفخمة المنظمة، وأن يبسط يده المنيفة لمصافحتها بالعهود، وتحكيمها (١١) في العساكر والجنود، وفي البحور والثغور في التهائم والنجود، وأن يُعرق بسيفها (١٢) وقلمها كل قطع ووصل، وكل فرع وأصل، وكل نصر ونصل. وكل ما يحمى سرحًا ويهمي منحًا. وفي المثيرات على الأعداء نقعًا، وفي المغيرات صبحًا، وفي المنع والإطلاق، وفي الإرفاد والإرفاق، وفي الخميس إذا ساق، وفي الخمس إذا استاق (١٣). وفي السيوف إذا بلغت (١٤) التراق، وقيل من راق، وفي الرماح إذا التفت الساق بالساق، وفي المعاهدات والهدن، وفي الفداء بما عرض من عرض وبالبدن بالبدن وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن، وفي جميع ما تستدعيه بواعثه في السر والعلن، وتسترعيه نوافئه من كيت وكتب متفرقين أو في قرن، عهدًا مباركة عوذه وتمائمه وفواتحه وخواتمه ومناسمه ومياسمه وشروطه ولوازمه، وعلى
стр. 4360
عاتق الملك الأعز نجاده، وفي يد جبار السماوات قائمه، لا راد لحكمه ولا ناقض لبرمه ولا داحض، لما أثبتته الأقلام من مكتون علمه:
ويزيده مر الليالي جدة … وتقادم الأيام حسن شباب
وتلزم السنون والأحقاب استيداعه حتى للذراري والأعقاب، فلا سلطان ذو قدر وقدرة ولاذو أمر وإمرة، ولا نائب في مملكه قربت أو بعدت، ولا مقدم جيوش اتهمت أو أنجدت، ولا راع ولا رعية، ولاذو حكم في الأمور الشرعية، ولا قلم إنشاء، ولا قلم حساب (١)، ولا ذو أنساب ولا ذوو أسباب، إلا وكل داخل في قبول عقد هذا العهد الميمون (٢)، ومتمسك بمحكم (٣) آيات كتابه المكنون، والتسليم لنصه الذي شهد به الملائكة الكرام الكاتبون، وأمست بيعته بالرضوان محفوفة، والأعداء يدعونها تضرعا وخيفة، وليشكروا أمرها الذي بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملك قد سار سلطان البسيطة يبايع من مولاه العهود خليفة عن ملكه بعد خليفة (٤). وأما الوصايا، فأنت يا ولدنا الملك الأشرف - أعزك الله - (٥) بها الدرب، ولسماع شدوها وحدودها (٦) الطرب الذي للغو لا يضطرب، فعليك بتقوى الله (٧)، فإنها ملاك سدادك وهلاك أضدادك، وبها يراش جناح نجاحك، ويحسن اقتداء اقتداحك، فاجعلها دفين جوانح تأملك ووعيك ونصب عيني أمرك ونهيك، والشرع الشريف فهو قانون الحق المتبع ومأمون الأمر المستمع. وعليه مدار إيعاء كل إيعاز. وبه يتمسك من يمتار ويمتاز، وهو جنة والباطل نار ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ فلا تخرج في كل حال عن لوازمه وشروطه، ولا تنكب عن معلقه ومنوطه، والعدل فهو مثمر غروس الأموال، ومعمر بيوت الرجاء والرجال. [فاجعله جامع أطراف مراسمك] وأفضل أيام مواسمك، وسم به فعلك، وسم به فرضك ونفلك، ولا تفرد به فلانا دون فلان ولا مكانا دون مكان، وأقرنه بالفضل، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وأحسن التحويل، وأجمل التنويل، وكثر لمن حولك التأمين والتأميل والتموين والتمويل، وضاعف الخير لكل مضاف لمقامك، ومستضيف بأنعامك، حتى لا يعم في كل مكان وكل زمان من
стр. 4361
النعماء ضيافة الخليل، والثغور، فهو للمالك مياسمها وللمسالك مناسمها، فاجعل نواجذها تفتر عن أحسن ثنايا الصون، ومراشفها شنبة الشفاه بحسن العون، ومنها بما يحمي السرح منها وأعنها بما يدفع المكاره عنها. فإنها للنصر مقاعد، وبها حفظ البلاد من كل ما رد، وأمراء الجيوش، فهم السور الواقي بين يدي كل سور، وما منهم إلا بطل بالنصر مشهور، كما سيفه مشهور، وهم ذخائر الملوك، وجواهر السلوك، وأخاير الأكابر، الذين خلصوا من الشكوك، وما منهم إلا من له حُرمات (١) سلفت، وحقوق عرفت وموات على استلزامه (٢) الرعاية للعهود وقفت، فكن لجنودهم متحببًا، ولمرابعهم مخصبًا، ولمصالحهم مرتبًا، ولآرائهم مستصوبًا، وللاعتضاد بهم (٣) مستصحبًا، وفي حمدهم مطنبًا، وفي شكرهم مُسهبًا، والأولياء المنصوريون الذين هم كالأولاد، ولهم سوابق أمت من سوابق الأمجاد (٤)، وهم من علمت استكانةً من قربنا، ومكانةً من قبلنا (٥)، وهم المساهمون (٦) فيها ناب وما برحوا للدولة الظفر والناب، فأسهم لكل منهم من احترامك نصيبًا، واجعل صدرك لهم رحيبًا (٧)، وأدم لهم ارتياحك، وألن جناحك، وقو بهم سلاحك (٨) تجد منهم ضروبًا، لا ينفك كل منهم في الأعداء (٩) ضروبًا. وكما نوصيك بجيوش الإسلام، كذلك نوصيك بالجيش الذي له المنشآت (١٠) في البحر كالأعلام، فهو جيش الأمواج (١١)، المضاف إلى الأفواج من جيش الفجاج، وهو أخو الجيش السليماني في أسرع السير (١٢)، وما سميت مراكبه غربانا إلا ليجتمع بها لنا ما جمع (١٣) لسليمان ﷺ من تسخير الريح والطير، وهي في الديار المصرية (١٤) في ثبج البحر الأسوار، فإن قذفت قذفت الرعب في قلوب الأعداء، وإن أقلعت قلعت منهم الآثار، فلا تخله من تجهيز جيشه (١٥)، وسكن طيش البحر بطيشه ليصبح لك فهما جيشان كل منهما ذو كر وفر، هذا في بر وبحر، وهذا في بحر وبر.
стр. 4362
وبيوت العبادات فهي التي إلى مُصلّى سميك خليل الله ينتهي محاريبها، وبها لنا ولك وللمسلمين سري الدعوات وتأويبها، فوفّها نصيبها المفروض، غير منقوص، ومر برفعها واذكر اسم الله بها حسب الأمر (١) المنصوص، وأخواتها من بيوت الأموال الواجبات الواجدات (٢) من حيث إنها كلها بيوت الله (٣)، هذه للصلاة وهذه للصلات، وهذه كهذه في رفع المنار، وجمع المبار، وإذا كانت تلك ممّا أذن الله أن يذكر ويرفع فيها (٤) اسمه، فهذه يرفع ويذكر فيها اسمه (٥) على الدرهم والدينار، اصرف إليها اجتهادك فيما يعود بالتثمير، كما يعود على تلك بالتنوير. وعلى هذه بإشحانها (٦) بأنواع الصروف كأشحان (٧) تلك باستواء الصفوف، فإنها إذا أصبحت مصونة، أجملت بحمد الله المعونة، وكفلت بالمؤونة، وإن كثرت (٨) وبالزيادة على المؤونة، فتكمل هذه لكل ولي دنياه، كما كملت تلك لكل وليّ دينه.
وحدود الله فلا يتعدّاها أحدٌ، ولا يرأف بها ولدٌ بوالد ولا والد بولد، فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتم الضبط، ولا تجعل يد العامل (٩) مغلولة إلى عنقها، ولا تبسطها كل البسط، فلكلّ من الجنايات والقصاص شرطٌ شرطه الله وحده (١٠) فلا يتجاوز واحد (١١) ذلك الحد، ولا يخرج (عن) (١٢) ذلك الشرط.
والجهاد فهو الدين المألوف من حيث نشأتنا ونشأتك في بطون الأرض وعلى ظهور الخيل، فميل على الأعداء كل الميل، وصبّحهم من فتكتك بالويل بعد الويل، وأرمهم بكلّ شَمَّري (١٣) قد شمّر من يده عن الساعد، ومن رمحه عن الساق، ومن جواده عن الذيل (١٤)، وأذهب بهم في ذلك كل مذهب. وأنر بنجوم الخرصان (١٥) كلّ غيّ وغيهب، وتكثر في غزوهم من الليل بكل أدهم، ومن الشفق بكل أحمر وأشقر، ومن الأصيل بكل أصفر، ومن الصبح بكل أشهب، واستنهب أعمارهم، واجعلها آخر ما يُسلب. وأوّل ما ينهب، ونرجو أن يكون الله قد خبّأ لك من الفتوحات
стр. 4363
ما يستنجزها لك صادق وعده، وإن ينصر بك جيوش الإسلام في كل إنجاد واتهام، وما النصر إلا من عنده.
وبيت الله المحجوح من كل فج، المقصود من كل نهج، يسر (١) سبيله، ووسع (له) (٢) الخير، وأحسن تسبيله، وأوصل من برك لكل من الحرمين مأهوله، لتصبح ربوعه بذلك مأهولة، وأحمه ممن يريد (٣) فيه بإلحاد بظلم، وطهره من كل مكس (٤) وغرم ليعود نفعك على البادي والعاكف، وليصبح واديه وناديه مستغنين (٥) بذلك عن السحاب الواكف.
والرعايا، فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولاستهام (٦) العمارة شروع، فمتى جاءهم غيث أعجب الزراع نباتهم، وتمت بالصلاح أقواتهم، وصلحت بالنماء أوقاتهم، وكثرت الجند (٧) مستغلاتهم، وتوفرت زكاتهم، وتنوّرت مشكاتهم، والله يضاعف لمن يشاء.
هذا عهدنا للسيد الأجل الولد (٨) الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين أعزنا الله ببقائه فليكن بعروته متمسكًا وبنفحته ممتسكًا، وليتقلد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كل فتح منه بخير إقليد، وها نحن قد كثرنا لديه جواهره، فدونه ما يشاء من تتويج مفرق، وتختم أنامل، وتسوير زند وتطويق جيد في كل (٩) تبجيل وتمجيد. والله (١٠) يجعل استخلافه هذا للمتقين إماما (١١).
وللمعتدين انفصاما، ويطفي بمياه سيوفه نار كل خطب حتى يصبح كما أصبحت نار سميه ﷺ بردًا وسلامًا.
ومنه قوله: منشور الملك الناصر في حياة والده المنصور. ولم يكتب به (١٢).
الحمد لله الذي زين سماء الملك بأنور كوكب بزغ، وأعز ملك نبغ، وأشرف سلطان بلغ إلى ما بلغه ذوو الاكتهال من اختيار شرف الخلال وما بلغ، نحمده
стр. 4364
حمدًا به [تزيد] (١) النعماء وتنمى وتهمل الآلاء وتهمى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة من كل ريب. واقصه كل عيب. شاخصة بها الأبصار إلى عالم كل شهادة وكلّ غيب (٢). ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بعثه الله بمكارم الأخلاق، ومكاره ذوي النفاق، وساوى به بين الكبير والصغير من أولي الاستحقاق في الإرفاد والإرفاق، صلّى الله عليه وعلى آله ما رق نسيم وراق، وما نطقت ورق وما خصفت أوراق، وبعد فإن الهواتف أبين ما تشدوا إذا حفّت الرياض بها من كل جانب، والسماء أحسن ما تبدو إذا تزينت بالكواكب السيارة والشهب الثواقب، والسعادة أجمل ما تحدو إذا خصصت بمن إليه، وإلا ما تشدّ الركائب، وعليه، وإلا ما تثنى الحقائق والحقائب، ومن هو للملك فلذة كبده ونور مقلته، وساعد يده ومن ينتمي للسلطنة بملاحظة جبينه الوضي، ويستنير بلآلئ نوره المضيء، ومن تغضب الدنيا لغضبه، وترضى إذا رضي، ومن نشأ في روض الملك من خير أصل زكى، وفاحت أزاهره بأعطر نفح أرج، وأطيب نشر ذكي. وطلع في سماء السلطنة نجمًا للنيرين ما له من الإضاءة، ويزيد عليهما بحسن الوضاءة، ومن تشوق النصر له من مهده، وتشوّق إلى أن يكون من جنده، واستبشرت السلطنة بأن صار لها منه فرع باسق، وعقد متناسق، وزند وار وجناح وارف وفخار تليد ومجد طارف ومطرفان معلمان تتزين بنشرهما المطارف، ولهذه الدواعي المجتمعة وهذه المحاسن التي تشرأب إلى قصدها آمال الخلائق المنتجعة، اقتضى حسن البر الوصول، وشرف الإقبال والقبول، إن خرج الأمر الشريف لا برحت مراسمه متزينة بزينة السماء بكواكبها، ومزاحمة سمك السماك بمناكبها أن يجري في ديوان الجناب العالي الولدي الملكي الناصري.
منشور موسى بن الملك الصالح:
الحمد لله الذي أبلى وسلى. وأخذ وخلا، وهدم وعلا، وحرر وجلًا، وعطل وحلًا، نحمده على نعماه، بإملائها نتحلّى، ونشكره شكرًا يورد المحامد منه نهلا وعلًا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا تستثنى بإلا، ولا تزال ترقب بها ذمة وإلا، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي زاد الله به من الهدى محلًا، ورفع محلًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتوالى ولا يتولّى وتحمل الموازين لكلها كلًا، لا يقال معه كلًا، وبعد، فإن من حكمة الله تعالى أنها إذا نسخت آية أحكمت أخرى، وإذا أرادت ذخرًا زدت ذخرًا، وإذا نسف الحزن كثبان التسلي،
стр. 4365
وهالها وأفرغ أحلام العقول وهالها، وغيب شمسًا أبقى بدرا، فله الحكم في الأمرين وفي الشكرين، وفي اليسرين ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (١) ولما تم بقضاء الله، ونفذ أحسن ببقاء بقيّة صالحة صالحية إذ أخذ، وذلك ينمو هلال يبهت بحسن مرآه عيون الأهلة، وتعوذه الخلائق من شر كل طارق، بالله ويقول الملأ عند نفوس أشبه الصفات من والده المرحوم فيه أصدق. ومنه ما كتب إلى تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير التنوخي (٢)، من حلب رحمهما الله تعالى:
يقبل اليد التاجية، لا زالت تؤنس القريب بجود كرمها، والبعيد بإجادة قلمها ولا عدمت الأولياء إدامة جودها، ولا جود ديمها، وينهي تأسفه على وقت طالما مر (٣) في استجلاء كريم المؤانسة، واستجلاء عرائس المشاهدة الآنسة، وأنه لا يقف بحلب المحروسة على ربع إلا ويقول هذا كان ربع الحبيب، وبه كانت الأوقات تعذب، والتنزه يطيب، وهذا ما كنا نلتذ بسماع أخباره، قد كثر التذاذنا منه بالنظر، وهذه العراض التي كانت السعادة بلحظها، وإن السعادة لتلحظ الحجر:
دمن تكاثرت الهموم عليَّ في عرصاتها … كتكاثر اللُّؤام
وكأن كل سحابة عرضت بها … تبكي بعيني عروة بن حزام
ورأى من توشيع الربيع خلال تأثير أرجك المعاول ما أوجب إنصاته لحديث الربوع، ولا شيء أشجن من حديث المنازل:
أسائلها عن المتديريها … فلا تدري ولا تذري دموعا (٤)
وشاهد ديار علوه، وقيل هذه حلب التي أخنى عليها الزمان فما أبقى إلا الرغوة.
أثاف بها ما في الفؤاد من الصَّلى … وربع كجسمي ناحل متهدم (٥)
وتأسف على الشهباء كونها قطعتها عن مداها الجنائب، واستوقفها حتى لم يرض صهوتها راكب:
هي المنازل لي فيها علامات … من بعد سكانها أهل العلى ماتوا
стр. 4366
وبالله لقد استراح مولانا من سؤال ما لا يردُّ جوابًا من تلك الطلول، وأراح قلبه من الأسف وجفنه من الهمول، ووفر علي لحظة تلك المعافر والمعاجر من الذبول (١):
لنا ولأهلها أبدًا قلوب … تلاقي في جسوم ما تلاقى
ولا أحزنه فيها ما أحزن الأوّل من وقوفه على ربوع شتات ولقال ترى منازلة الدهر لهذه المنازل المنازه من جملة الأضغاث، ولأنشد في ذلك بما به نستشهد:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا … فإنك كنت الشرق للشمس والغربا (٢)
وبالله أقسم أن مولانا لمعذور في مقالاته بوصفها، وأنها مما توصف به لأكثر وأشهر وأبهى وأبهر، وأنوى وأنور، وأزهى وأزهر، وأبدى وأبدر، وأندى وأندر، وأي هي وبناؤها بأبياتها تزهر وأفنيتها نفسًا بها تلهو، وأين هي الآن. وقول المنازي (٣) فيها:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ … وقاه مضاعف النبت العميم
حللنا دوحه فحنا علينا … حُنّو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالًا … أرقم المدامة للنديم
يباري الشمس أنّى وجهتنا … فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم
ذهب حيث ذهبنا، ودرّ حيث درنا، وفضة في الفضاء لا سيما حين تبجست أنواء الفضائل العلائية، وتنفست أنوار صبح المعارف الفتوحية، وكل أرض بها أرضى للمجتلى والمجتنى بتلك البطاح، وأي شفاه يشفي الغلة مشافهة شفاه تلك الأودية المفترة عن ثغور الأقاح التي شبنها الصراح الماء القراح، حيث تأتي الأفنان بأحسن الفنون، ويتم التفكه بما قسم الله به في المخلوقات من التين والزيتون، ثم يعود إلى إدمان النوح في الدمن وعلى تلك المنازه التي كانت شامة في وجه الشام، فأصبحت زمنًا في أغضاء الزمن، ويندب أعظم من دمنة أم أوفى التي ما تكلمت وإن تكلمت (٤)، ولا ترد الجواب، بل دمنتين ما مرت ( … ... ) (٥) لزينب والرباب:
стр. 4367
بللت بها ردني والغيم مسعدي … وعبرته صرف وفي عبرتي دمُ
بل بكاء من وقف واستوقف، وبكا واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، ونادى بواديها بعد مسديها نادبا أكثر ما نادى نوح ابنه وكان في معزل. فما الموت على سواله، ولا أنهت لوقوفه عليها باصيلا له فاها لها منازه منازل كانت أنزه من شعب بوان. لا بل أحضر من حضر غمدان وحمدًا لها من مجاري سيول، ابقى لها حسن المرابع جود بني حمدان. وشكرًا لها من مواطن مواطر آل مرداس، ومرابع أشد حالها المحاكي، ألا هكذا فليضع الناس مع الناس، ولقد وقف المملوك بها وقوف من سمح بدمعه بتلك الرحاب، لا وقوف شحيح ضاع خاتمه في التراب، وكيف يوصف بالشح العقد، ومن جاد بنفسه وأذهبها عليها حسرات، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ثم يأخذ المملوك غير هذا المذهب ويختصر جملًا من تفاصيل حاله. وكان من الواجب أن يسهب ويقتصر على ما يشرحه من تطوافه بكل دار بها فوجدها خاوية على عروشها، وسوقه بكل سوق سال عنها فإذا حارها قد تمر به الليالي لسوشها (١)، ولا يسأل سيدنا عن ثلوج شابت بها مفارق الجبال، وابيضت أعينها من الحزن على من شركها لمصابه بنبال الوبل المفضي به إلى الوبال، حتى قيل إن هذه أزباد البحار صعدت، ثم تخطت بل هذه الأرض قد استحيت من مواقعه الحيا، فلفت وجهها حياءً وتغطت، كم أضحت الطرق ببياضها سودا، وكم أجرت عيون الدموع، واحمرت عيون الجواري من الماء حتى أعوزت الأقوات مسامها، وأعجزت الأوقات مقدامها، وعذر كل أبا الطيب في هجائه الثلوج لكونها منعت الرعي مهره، وحبست عن المرتع والمربع حجره (٢) إلى غير ذلك من أمطار لم تحم منها الخزائن والمجالس، فما ظنك بالبرانس والطيالس والقلانس، قد عدمت الأرض بها ما كانت توصف به من الجلد، وعادت إلى ما كانت عليه من ماء جمد حتى لقد يبست من الاستكنان النفس، وعادت وجوه الرجال كوجوه ربات الحجال، لا تبصرها الشمس. والخيام وإن كانت بغير ذي طلوع قد سقيت، ولكن بأفواه القرب، وحسبت كل خيمة منها أنها قنطرة بين أهلها وبين بحار السحائب، جسر لكنه من خشب، أضحت لها من متجمد البرد المتواصل أطنابًا ممتدة، وكاد كل من أجزائها هربا من بين يدي الرياح كما يقال: انقطع من كوشها العدة. كم جمع كل منها
стр. 4368
أشتاتًا، فقال: ما أكثر ما حشت وكم أقعد العاصف منها قائمًا، كان قد وقف وما وقف له بشت، قد فتحت سماؤها فكانت أبوابًا، وسيّرت جبالها فكانت سرابا. عشنا بها عند قعاقع الرعود بالتسبيح. وكم وثقنا بثباتها كحملات الهوج ووثباتها فجبنت ولم يلتق الريح، وكم وكم، فحدث عن البحر ولا حرج، وأنت لكثرة أهوال الهواء إن يصلح الكتابة فكم درج من عيبتها درج، وصار السكن تحت جناحها من دلف الأمطار، لا فرق عنده إن دخل فيها أو خرج، وضعفت قواها عن امتساك، وكيف لا وقد أضحت محلولة السرج، وجرت تحتها الأنهار وإن كنا في غير جنات، وقطع الريح توازيرنا، ومن أمثال العوام: من قطعت توازيره مات. وأنا بحمد الله في كل مدينة برد ملبس بردة، منضد في أعناقنا من البرد عقده، نتمتع به في عنفوان شبابه ويستقبله في أوله ونودعه عند ذهابه، وكلما تمادى المسير ساء المصير، وقيل لنا إذ يسرق بعض دفء من الشمس: أيتها العير، والحبل على الجرارة، وما كل جُبّ فيه يوسف ويلتقطه السيارة.
فأجاب تاج الدين ابن الأثير (١):
يقبل اليد المحيويّة المجنوبة، إلى كل قبلة، المحتوية على الكرم الذي هو للكرام قبلة. لا زالت مخصوصة بفضيلة الإعجاز والبلاغة التي كل حقيقة لديها مجاز، والإحسان في (٢) إحسان الذي يظن الإطناب والإسهاب في شكره وذكره من الإيجاز، وينهي ورود مشرفته التي أخذت البلاغة فيها زخرفها، وأشبهت الروض الأنف منها أحرفها، وأبانت عن معجزات البراعة ومثلت له السحر كيف نفث (٣) في تلك البراعة، وأبانت مجاري على مثل الجمر، وأفردته بالرتبة التي لا يدعيها (٤) زيد ولا عمرو. وعلمته كيف يكون الإنشاء، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فوقف المملوك عليها وقوف من أفحمه الحصر، وتطاول لمباراته فيها، ولم يطل من بباعه قصر، واستقدم قلمه لجوابها فأحجم، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعجم، وقال لحسنها الذي استغرق القلوب: ملكت فأسجح، وبلغ الغاية في عذر نفسه المقصرة (٥). ومبلغ نفس عذرها مثل منجح، ومن أين لأحد مثل تلك البديهة المتسعة، والروية التي هي عن كل ما يتجنب متورعة، والمعاني التي يتولد (٦) منها أبكار (٧)، والغرائب التي لا يقبل الدر من بحارها إلا كبار، أو الخاطر الذي يستجدي الفضلاء (٨) من سماحته، واللسان الذي
стр. 4369
يخرس الفصحاء عند فصاحته، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم، والطريق الذي من دل فيه ضل ولو أنه عبد الحميد (١) أو ابن العميد (٢) أو عبد الرحيم (٣)، والألفاظ التي تشوق بها أنوار المعاني فكأنها الليلة المقمرة، واليد التي إن لم (تكن) (٤) الأقلام بها مورقة فإنها مثمرة، ومولانا حرس الله مجده قد أوتي ملك البيان، واجتمع له طاعة القلم واللسان، فخطب الأقلام، بحمده على منابر الأعلام (٥)، وقد أخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل، ولو كان الفاضل (٦) وأصبح محله منها الأسنى، وأسماؤه فيها ( … .. ) (٧) الحسنى، وجاء من المحاسن بكل ما تزهى به الدول، وأصبحت (٨) طريقته في الفنون كملة الإسلام في الملل، وعرف الإشارة في حلب وما صنعت فيها الأيام، وما أشجاه من ربعها الذي لم يبق فيه بشاشة تستام (٩)، ووقوف مولانا في أطلالها، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها، وتفجعه في دمنها، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخذت من مأمنها، وأنه وجدها وقد خلت من عراصها، وزمت للنوى قلاصها، وغربانها في رسومها ناعبة، وأيدي الرزايا بها لاعبة.
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا … ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل
نشكر الله موقفه في تلك (١٠) الدمن، ورقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى له هذا العهد الذي تمسكت الآن منه بحسب، ورعى له حق الدمع (١١) الذي جرى فقضى في الربع (١٢) ما وجب. وشاق المملوك توقفه في رسومها، واسترواحه بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بطرفه فأصبح يراه بسمعه، ولقد يعلم الله (١٣) أن الأحلام ما مثلها لعينه (١٤) إلا تأرقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرته إلا استقرت على حال من القلق، ولا تمثلتها أمانيه إلا وأمست مطايا أمانيه في السبق.
стр. 4370
ماقلت إيه بعدها لمسامر … من الناس إلا قال قلبي آها
على أنه قد أصبح من ظل مولانا في وطن، وأنساه أنسه من ظعن ومن قطن، وشرف بخدمته التي تعلي لمن خدمها منارًا، واستعار (١) من الأيام التي أخذت منه درهمًا وأعاضته عنه دينارًا، وأصبح لي عن كل شغل به شغل، وأما الأشواق:
فسل فؤادك عني … يخبرك ما كان مني
فما ذكرت حبيبًا … إلا وإياك (٢) أعي
وإن نظرت عيني سواك، تلفعت حياء بأردان الدمع (٣)، ولو أني استطعت غمضت طرفي (٤) ووصفت ما عسى أن أصف من الشوق كان الأمر فوق وصفي:
وأني في داري وأهلي كأنني … لبعدك لا دار لدي ولا أهل
وعرف المملوك الإشارة إلى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي تهيب المسرى بها طيف الخيال، والمرجو من الله تعالى أن تكون العقبى منها مأمونة، والسلامة فيها مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دنت، وبالراحة وقد أذنت (٥)، والتهاني وقد شرفت بوفودها (٦) هاتيك الرحاب، والرياض وقد أبدت من محاسنها وحسناتها (٧) ما يكفر به ذنب السحاب، والأنس قد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة قد ألقت عصاها واستقر بها النوى. إن شاء الله تعالى.
ومنه ما كتبه إلى كمال الدين بن العطار:
كتبت هذه الخدمة في يوم غابت سماؤه، واستهلت أنواؤه.
دان مسف فويق الأرض هيدبه … يكاد يدفعه من قام بالراح (٨)
قد كاثر البحر بقطره، وروى بره كل بقعة من بره، فالبلاد قد فاضت غدرانها، وكادت تسقط لوقوعه جدرانها، حتى عم الوهاد والربى، وبلغ السيل الزبى، وما أظنّه إلا اقتدى بكرم مولانا الذي علم المغيث الندى وفعل بالجدب ما تفعله أقلامه بالعدي، فأجابه:
стр. 4371
أدام الله نعمته، وأقدمه على البلاد إقدام المزن، وأعاد به على ناظر الإسلام سواده، فقد ابيضت عيناه من الحزن، ولا زال نشر ذكره ينمي، وروض فضله يُمنى:
وسقاه حماه غير مفسدة … صوب الربيع وديمة تهمي
ورد كتابه الشريف يصف الغيث الذي صاب وبله وأصاب بنحر المحل نبله. فوقف منه على كتاب الأنواء وشاهده، وقد انحل فيه عقد كل سماء، وغير بدع لكل مكاتبة منه أن تعود روضة وقلمها منشي سحابها ولا غرو لكل مكان ينزله أن يجود الغمام حزونه. وقد شرفتها بركاتها.
وما طاب نشر الروض إلا لأنّه … إذا مرَّ فيه ناله فضل برده
وما سقط الغيث إلا لكي يقبل بين يديه الثرى، وإلا فلم ( ..... ) منزله وجه سمائه المسفرة وعين شمسه وقاح، وكبدها حرى مما رشفت ريق الغوادي من ثغور الأقاح. أو لأن المملوك ما زال يردد لسانه/ ٢١٨/ بالأدعية الصالحة، وركابه الكريم منطلق بقوله:
لاقتهم حيثما كانت تحيتنا … وجاءهم حيث كانوا الوابل الغدق
فاستجاب الله دعاءه الذي ما زال يرفعه، وبلغه سلامه الذي ما زال بالثناء يشفعه، ومتى حل بدمشق فبجودها ما جاء سواها، ويستعين بسقيا يده الكريمة فلا تأسى إذا شحت الغمائم لسقياها.
فوجود البلاد تنتظر الغيث … انتظار المحب رجع الرسول
ومنه قوله:
يقبل اليد الكريمة، لا زال نوءها مغدقًا، ومطلعها مشرقا، وروضها مونقًا، وقلمها لا يرى إلا مورقًا، وبلاغة إبلاغها لا يعدم الأولياء عنها التمائم والعوذ والرقا، وينهي أنه فارق خدمته التي أرضته عن الأيام وأسخطته على الغمام، وأغنته عن الناس، فما تركته يتذمم الأقوام وهو يلتفت إلى تلك النعم تلفت الناغب إلى نقع غلته لا الناعب على فراق إلفته، وتملك تملك التسليم المستملح هو كل شبيه بأحبته، يلاحظه بطرفه، ويعتب على زمن أخرجه من تلك الجنات، واواه إلى حطه حشره بهامع أصناف الحشرات، لا يرى بها إلا رحومًا أو رحيمًا، ولا يشاهد إلا أراقم ( ...... ) (١) من كل صلد تزاحمت به معارج السيول، وعضت حلوف الرحول وغراسحًا في صدور السهول، قد خمشت الأمطار وجه صفاته. وقبحت الليالي والأيام ما لعله كان من حسن صفاته. فأصبح معافر بين أرجل الزروع، كم لها منه من أذى، ومحاجر أغصت عيوف
стр. 4372
الأرض منه على قذى، كان أسوده على وجه الأرض كلف ويؤذي الأبصار، وكم خدّ استدار عليه منه أقبح عذار. كم تجمعت فلد فكانت كظلمات بعضها فوق بعض. ونبتت سامقة فأحسن بها من نهود فوق صدر الأرض، تروع المراعي والمراعي، وتسمع منها لسهام المنيّة معامع بتراكيش الأفاعي من كل صلّ يفترس افتراس الضيغم، وينملس. انملاس الجدول المفعم، وينقض انقضاض الشيهم، ويروع راءيها في المنام، ومن حمها لحم الحمام، وإذا انقبضت كانت للمنية عروة، وإذا انبسطت فهي للرزية حزام، ما نابها بنوائبه ناب، ولا لعابها في جدّه بالإتيان على الأنفس بلعاب، ذات الألوان كالدنيا تروق وتروع، وذات معاطف كالليالي والأيام منذرة كالفخ للوقوع، قد غدت للخيام أطنابا عرض الأطناب، ونابت عن العمد فيها شرّ مناب، فلو شاهدها أبقراط لم ير أن غيرها للموت من العلل الخبائث ولا الأسباب، كم نضمت الأعين منها بأسود، سالخ، وكم غدا مهري لسمها مهريا من الحريق فهو في كورة على لغة الأعوام نافخ، ومن عجب أنها تمشي على بطنها، ولا تأكل من نهشته بنابها النائب عن سنها، نخترس مفترس، وترى بعينها في الظلام مما لا يجد عليها هدى طرف المقتبس. كم غدت لتعير عقالًا، وكم اعتقل الموت منها للمطاعنة رماحًا طوالا، وأرسل نبالا، هذا والشتاء ما قوض خيامه، ولا ارفض ركامه، ولا أقلع سحاح سحابه ولا جهامه، والجو لم يبحث عنه غمامه المنجاب، وشمسه لم تبرز من بردها إلا بفرو سنجاب، والحشرات إلى الآن محشورة في عطش وبغش ما ظهر دفينها من قره بعد ولا انتبش، فما ظنك بها عندما يلفح الهجير بوجهه، ويقبل القيظ برهجه وهرجه وسرجه، وأخرجت الأرض أثقالها. وأبرزت ضلالها، وأينعت الأذى بوابلها الوبيل بوباها ووبالها، هنالك يتمنطق بهذه الدواهي الأشجار، وتتسور الأغصان، وتتختم القضبان، وذلك يوم كما وصفه البحتري بقوله:
ويوم من الشعرى يذوب لعابه … أفاعيه في رمضائها تتململ
فالإنسان من هذه المنزلة في حبالة صيد، وعجالة كيد، وهي دون المنزلة التي ما رضيها لنفسه ابن دريد شتان هذا والعناق والنوم، والمرقد البارد في ظل الدوم، وبردا قد برد كؤسه، والدوح وقد نوع ملبوسه، ويريد وما يتجاوز مادحه على ما فيه من المحاسن الفاضلة، ولا يريد وقوده وقد أثار دواعي الأشواق إليه، وبعث بعوث التلهف عليه، والغوطة وقد فاخرت بساتينها كل بستان وقالت لمن يجاريها: دونك الشقراء والميدان والمزة وقد جلت برزة برزت بمحاسن خصبها الدائم وما أمحلت، والأغصان وقد اخضر نبات عارضها، ودنانير النوار ودراهم الأزهار قد هيئت لقابضها،
стр. 4373
والمنثور وقد نظمت قلائده، وصصفت بكفوفه ولائده، والحور وقد حاور السها بالتباشير، والسرو وقد كشفت عن سوقها فلم يقل لها عن تلك الأنهار أنها صرح ممرد من قوارير، والسوسبان وقد لاحظ بجفنه الوسنان، والورد وقد ورد، والبان وقد بان.
كم وردة يحكى سبق الورد … حاشية أسرعت من جند
قد ضمّها للغصن قرص … البدر ضمّ فم لقبلة من بعدِ
ولا ورد على المملوك أوائل الورد في أواخر شعبان، ولا قول ابن الحجاج:
بليال لو أنها دفعتني وسط ظهري وقعت في رمضان على أن مولانا ليله في العفاف نهاره، وأنوار الجامع المعمور بذكر الله تعالى وأذكاره، حيث لا تلمح العين إلا مصباحًا، وتودّ أن لا ترى لتلك الليالي الغر فيه صباحًا، عندما تتمنطق أركانه من اللهب بمناطق الذهب، وبدت قناديله المعتدلة بصفاتها ومائها كما يبدو على الكاس الحبب. لا سيما ليلة النصف من شعبان التي يرفرف عليها النعيم ويخدمها الأمن المنيم.
فكم للعين فيها لاح بدر … يروق الطرف منظره الوسيم
بدا وبدا الوقود فقيل بدر … لخدمته ترجلت النجوم
كم أضاء بوجهه نحور، وكم انعكست تلك الأنوار على وجهه الوضاح فكانت نورًا على نور:
في خده للورى ربيع … ونصف شعبان في فؤادي
يبدو فيعثر بالعيون أمامه، فإذا استدار تعثرت من خلفه ( ...... ) (١) كأنه شعبان. كلّ حلاوة في نصفه، ووقيده في مهجتي لمطال من أغرى بنقض الوعد منه وخُلفه، وبعد فهذه خطرة خاطر خطرت، نستغفر الله منها، ونسأله التجاوز عنها، ونقول: لا برحت أوقات سيدنا بالذكر معمورة، وأقسامه من الأجور موفورة، وليالي تهجده تفاخر الأيام، وأوقات تعبده توافقه رفاقه من الملائكة المقربين فيها، وكيف لا، وهو من الكاتبين الكرام إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله:
وينهي مكاتبيه التي ملأت الدنيا عرفًا أرجا، والعيون منظرًا بهجا، والأسماع كلما أصبح الود به منتسجا، فشكرا لله، سطورها التي وصلت إلى الجناب، وأوصلت
стр. 4374
ما ملأ العيون والأيدي والخزائن والمدائن والمرابط من الهبات، وجعلت تحف الدنيا بين يدينا سماطا، وأزاهر ذخائر الوجود لدى سريرنا بساطا، وأمطا سروجنا صهوات الفراقد من الجياد التي جاد منها بكل نفيس، وأهدى إلينا من بلاد سبأ منها ما تتوقل منه ما توقله سليمان من عرش بلقيس، وسخّر لنا منها رياحًا تحملنا إلى الأعداء، وكيف لا وبنات الريح هي الخيل، ويلجم لنا منها كلما تعدو به آية الصباح مبصرة، ويمحي آية الليل، وله المنة على أنه جاد من الرماح بكل سمهري، تجري دماء الأعداء في أنابيبه، ولا يدري عدو كافر إلا وهو في تلابيبه، كم يلهجه مشرك تدثر، وكم تيمن به مؤمن وتشاءم كافر، بكعبه المهور كم سمت القدود لما عذب به مشبهه وكم قالت أقلام الخط عن مختصرات رماح الخط، وإنما تلك ليوم أكبر من أيامنا مرفهة وغير ذلك من وحوش مدينة، ودرر لما رأيناها قلنا لكل منها هذه الدرة الثمينة.
ومنه قوله من مرسوم بتحويل السنة الشمسية:
خرجت الأوامر المطاعة متضمنة ما وصل إليه رائد الاجتهاد، ودلّ عليه جميل الإرساء وحميد الارتياد، وأنتجت مقدماته مصالح البلاد وسداد العباد، لكذا نظرا، أجمل حسن التدبير أثره، وبين وجوه الأيام غرره، وإنصافًا ألزم الأعوام ردّ ما في ذمتها من القرض، وعدلًا قضى بأخذ الحق فيه لبعض الأيام من بعض، وصنعًا جهد في أن لا يعدو كل من الأيام في غير ملبسه مختالًا، وأن تردّ إليه ما كان التحويل يأتي عليه اغتيالا، وفكرًا جميلًا أحصى ذلك عددًا، وميز أمور الأعوام، فلم يكمل كما قيل إن مع اليوم غدا، وجورًا أغنى أيامنا عن أنها تستلف من غيرها، وأن لا تعدو منفقة إلا من خيرها، واقتداء بالملوك الشهباء في الأمر بما يعم الأمير والمأمور نفعه، ويعظم في المستغلات وقعه، وتضيع الأقساط به لا يعدى ولا يسطا، والمعاملات، لا يتعدى الاحتياط أحدًا ولا يخالف شرطًا، والسنون لا تمتار سنة من أخرى، والشهور منزهة عن زيادة الكبيس إذ شهد التنزيل أن عدتها عند الله اثنا عشر شهرًا، وحفظًا لنظام السنة الهلالية أن تتعلق السنة الشمسية لها بأثر، وحراسة من أن يدركها تداخل فإن الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر. ورسمنا أن تكون سنة كذا مسماة هلالية خراجية. وتلغى سنة كذا بحكم أن التحويل آخر ما كان في الأيام الفلانية كذا، فلما كان الآن حصل تفاوت كثير من تزايد مدلول الأيام، وتداخل شهور الأعوام، وخرج أمرنا بذلك، نسخًا للشك والارتياب، وضبطًا لقانون الحساب. وأمنًا من السهوان، نظرًا في المحاسبات أو يدخل في المعاملات، أو يؤدي إلى الإبهام، أو يؤول إلى الإبهام ليكون الأمر يقينًا والمجاز حقيقة. وأمور الدين بالصحة جديرة. وبالضبط خليقة، فلتسترفع الحسابات على هذا الأمر
стр. 4375
المقر. ولا يُعدل عما يحرر. ولتطرز به جرائد الإحسان وينطق به وعنه قلم الديوان.
ومنه قوله:
ونهى ورود مشرف كريم تلا مشرفًا كريمًا، وإحسان حديث أعقب إحسانًا قديمًا، تناوبا الأفضال، واكتنفا الآمال، فشكر الله انعامًا أصبح لهما خير باعث، وتفقدًا أرسل سجاياه رسولين مصدقين، ثم عزّزهما بثالث، فلقد بهرت كرامات كرمه، وظهرت في كل مهجة آثار نعمه، وأتت هداياه بكل معجز معجب. ووافت تحاياه بكل موجز منجب فلا عدمت منها شارقة بعد شارقة، ولا بارقة بعد بارقة، ولو وصف كل فرد منها الوصف الذي يجب لضاقت الأيام، وخفيت البراعة، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام.
ومنه قوله:
وتوافى الناس إلى المقياس، فسألوا عن يقين الوفاء أخبر من جهينة، وشاهدوا منه أجمل من جميل، ومن بنانه المخلق أحسن من بنان بثينة، ورأوا من وفائه صادقًا لا يخون في عهوده ولا يمين، وبطلت القاعدة من بنانه المخلق حين، وفي من أنه ليس لمخضوب يمين.
ومنه قوله في مثله:
هذه المكاتبة تبشره بنعمى تقبل مختالة، فتجرر على الثرى والوهاد ذيولا، وتجرد في وجه المحل سيفًا مسلولًا، وهو النيل الذي أتى ووجه الأرض قد اغبر وثغر يراعه قد بشر. والخصب قد افتر. وبره قد أقفر منه كل برّ، فحسن في مسرى مسراه، وجعل على اسم الله مجراه، وجاء يركض في مضماره ولا يلحق، ويجري في تياره فلا يُسبق، فكم مسني قحط ومرّ عليه من تلك الفجاج في مسيل، وكم ميت جدب عليه التراب في تلك الجسور قد هيل، وكم عروس قربة تبنى في مسرى فكان كما قيل، مسرى عرس النيل، وكان هذا الموسم من أشرف المواسم بما يشتمل عليه من بشائر تملأ الوجود، ونعمه على الخلائق تعود، ومنّة جرى بها من اليبس الماء في العود، وكيف لا، ويومها بيوم سعد السعود، فيشيع هذا الخبر إشاعة تبدى وتعيد، ويوجد بردائها بردًا على كبده ويزبد مزيد لا برح مخصوصًا بالاستبشار تارة بكسر الأعداء، وتارة بكسر البحار، وآونة بإحياء الموات بالنيل، وحينًا بإماتة الأحياء بالفرات من الكفار.
ومنه قوله:
ويأخذ في شكر مقدم المشرفة الكريمة التي خفقت خوافيها وقوادمها باليمن من اليمن، ونعم طيبها حتى قيل إن زبدة الدنيا زبيد أم جنة عدن عدن، وتأملها فإذا هي قد جمعت أجناسًا للطرف وأنواعًا. ورأت كلّما كان المتطرف لا يصدق وجود مثله
стр. 4376
سماعًا، وأتحفت بما يملأ بصر المعاين، وضيق صدور الخزائن، وأرضى الأعنة كل ضامر، ولم ير قبلها تحفةً غريبةً لها في الجمال أشباه ونظائر. ولا حسنا أن يصف وجهها بالدمامة الضرائر.
ومنه قوله في منشور طلبه صاحب اليمن لولديه:
لا سيما اعتزاز الدولة القاهرة منه بحدّين ماضيين، وبجناحين اثنين يرفرف بهما ويجول، وإذا أتت دولة غيرها بآية، افتخرت هي بالإتيان باثنين لرسول، ولما سنح ما فتح هذا الباب. اقتضى الإجابة إلى ذلك الاقتضاب. تنافس على تسطير ذلك الملتمس سواد العيون وبياض الغرر، وقال القلم قد خص بتسطير الأوان هذا خير مما خص الغصن به من يانع الثمر.
ومنه قوله:
قدر الله أننا وجهنا إليه وجه العزائم، وجعلنا لمخبوله مرانين المجانيق الرقى ومن حجارتها التمائم، وأخذنا النقوب في ضميره، وزحفنا إليه الزحف الذي لطم باسورته وشقق جيوب سوره.
ومنه قوله، في فتح القرن:
وهو فتوح القرن الذي غدا في جبهة عكا عدة للقراع ومتعدًا للقتال، ومتكأ للامتناع، ومطلعًا للإغارات التي كم أصارت الضياع إلى الضباع، قدر الله أننا عرجنا عليه تعريج السيل العرم ونازلناه منازلة المنتقم، ولونا له الآلات الحاصرة، ونوّعنا له أسباب العقوبة المتناصرة، فمن من مجانيق تسلّ من خناصر البروج فصوص تلك الخواتم، ومن أخرى تخطف من الشرفات العمائم، ومن نقوب تسري في تلك الأبدان سريان النوم في المفاصل، وتتوصل من خشاشات الأسوار إلى ما لا تصل إليه المناصل ومن زحف إلى أبوابها هو الأصل في باب هذا الظفر، ومن قتال أضجر الحديد وما داخل رجالنا الضجر، ولما آن وقت النصر المرتقب، وانقضى الأجل الذي كتبه الله لمن حقق له الغلب، افتتحناه، وفجعنا عكا منه بقرن كان يحميها، وأصبحت جماء لا يمنعها شيء ولا يقيها، وكان قد وصل إلى عكا ملك اسمه ورد اعتقد أن قد حمى عكا ومرجها، وحمى طريقها ونهجها، وتوهم أن جماعة من الفرنج قد أحصنت فرجها، وما درى أن لنا عزمًا يغزو الكفار في عقر الدار، وأن عساكرنا كم وطئت منها موطئًا يغيظ الكفار، لما شاهد المذكور هذه العزائم سكت وما تكلّم، وحصر نفسه مع محصوريها إلى جهنم.
ومنه قوله في معناه:
وكم أسكنت افرنجة الكمانية قلوب الإسلام خوفًا، وأقرض الممالك من
стр. 4377
لإغارات ديونًا لم تكن من غير يدنا ويد عساكرنا توفي، واعتقد أن أجفان سيوفهم تهجر الاصطباح على هذا الورد لذيذ وسنها، وأن شوكتهم إذا حبت بوردها لم تحبها رماح الإسلام، ولا أسنتهم بسوسنها، نصرنا إليه والسيوف مربوبة الأكباد، وغبار الجهاد قد أصبح جسادًا على الأجساد. وأنابيب القناة تقطر دمًا ينسجم، وكل من الكماة يعتقد غداة البين أن قد سلم، فالمجلس يبتهج بهذا الفتح الحلو الجني، وهذا النصر القريب من يدى المنى، ويسلك من الجذل بهذه البشارة في أبين الطرق، ولا تقل جاء هذا الفتح أخذًا، فأحسن ما يبدو البدر إذا لاح في ذيل الأفق.
ومنه قوله في معناه:
هذه المكاتبة إليه، أسمعه الله من البشائر كل محققة بجميل الظن، مطربة من بالتاريخ أو إلى التاريخ عانى وعن، مسرورة بكل تهنئة يبقى فخرها، وكيف لا وهو الذي كم أفنى للكفر من قرن نعلمه أنه كان المسمى بالملك ورد ملك الانكتار وأعظم طواغي الكفار في البحار قد سير كتابه إلى أهل عكا يفهمهم أنه الأسد الورد المشبل، ويطمعهم حتى تخيل كل منهم أنه مبشرًا أو جاء كتاب الورد أني مقبل، وأنفذ قبل شهر رمضان بليال خزانداره وجماعة من أولي البسالة وذوي القتال إلى عكا يزعمون أنهم نجد متواصلة، وبعوث معاجلة، وليوث مخاتلة، وغبوث هائلة، فتسالمت لتقاطرهم زمرًا أهل الطغيان، وتصرمت لتفرقهم الأخوة والخيالة والفرسان، وتقدمت لتأخرهم ندامى الشرك قائلة أوائل ورد في أواخر شعبان، ووصل هو بنفسه يوم السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم، وصحبه جماعة من نيران الكفر الموصدة. وجمرات الحتوف المتوقدة، يعتقدون بأنهم يجتمعون للإسلام بضرام تلك الشعل، ويتخيلون أن مهابة وردهم يحصل لكل منها داء الجعل، وما علموا أن أنوف أهل الإيمان لا تبالي بتنسم تلك الحدة، وأنهم يتحققون أن الورد والمنة لله قصر المدة، وأن رياحين الرماح طويلة الأعمار، وأزاهر الأسنّة لا تماثلها بقية الأزهار، وأن تفكه نصرنا طالما جنى ورق الحديد الأخضر يانع الثمار، وكانت طوائح العزائم الماضية قد طوحت بنا في جهة طرابلس بطلب منها حقًا أوجبه عليها الظفر المستصحب وخفقت في جبهتها النصر المرتب، فلما سمعنا خبر هذه الطاغية ورد آخرنا أمرها إلى أجل معدود وسأل صاحبها في هدنة قبلناها منه كما شئنا لا كما شاء طرفه المردود، وعجلنا الحضور إلى جهة عكا، نفهمه إن كان حضوره لنضال، فإن العزائم مرصدة، أو لاستحضار فما هذه همم الملوك المنجدة. أو لمسالمة فالإحسان لا يرد رغبات الأمل المسترفدة، وجعلنا القرن أقرب منزلة إلى عكا ترمي العدو منها من كثب، وأدنى مقاعد
стр. 4378
لقِتالِ يستسْهلُها من طاوِح، ويستقرُّ منها من وُثب. فنصبْنا عليها مناجيق تعوَّدت اقتلاع القِلاع وتملُّك الممالِك. وألِفت تلين معاركُها حتى صارت لا تجد كلفة في ذلك، فلما رآها الحِصنُ المذكور، تشوَّف استفتاحَها وحَنّ، وتحقَّق هِلالَ أهِلَّة، وكم أهلكْنا قبلهم من قرن. فلما رأى من فيه تشديدَ عزمِنا المُبِيد، سألوا وهم الألمان تخفيف هذا التشديد، فلم يبق إلا من أسْلم نفسه وسلِم، وسكت لما رأى أن غيره هلك لما تكلَّم، واشتدت بفتوحه دواعي الأعداء على الأعداء، وامتدت به إلى عكا وأهلها مواد الأوْداء، وفُجِعت منه نجم قرنها فلو أنها لا يؤخذ لها بحق إذ أخذ للجماء من القرناء. وكِتابنا هذا يبشِّره بما وهب الله الأمة من هذا الظفر الذي أصبحت الفرنج اللمانية لا تنجد الساحلية ولا تكاثرها ولا تميرها ولا تؤامرها ولا تقيم معها في هذه البلاد، ولا تسايرها. وإذا عوتبت قالت: راح الذي هو أول المحنة من هذه البلاد وآخرها، فيأخذ حظه من هذه البشرى الحسنة للارتحال، وهذه التهنئة الفسيحة المجال.
ومنه قوله:
ونصبْنا ثلاث مناجيق كبارًا، ساءت ظنونهم بالتثليث، وعدة مجانيق صغارًا أعجلتهم بسوقها الحثيث، وما استتم قصها حتى أدبرت سعادتهم وتولت، وألقت مجانيقهم ما فيها من الأخشاب وتخلّت، وما أطلقت حجرا من حبالها بل طليعة من حبالها، وصارت سهامها أذنابا، على رؤوسها شائلة، وصناديقها المقفلة قافلة، وأصابعها تشير إلى حجارة مجانيقها قائلة: هلم إلينا، ولكم من العمائر والأعمار ما خلفنا وما بين أيدينا ما زلنا نحاصر أهل هذا الحصن المذكور، حتى زال مكرهم، ونصابرهم حتى عدم صبرهم، ونزحف إليهم زحفًا لا يتخلله فرجة لطانس ولا فجوة لقرن مهارس حتى طلع علمنا الأصغر وكبر في أعين المسلمين فقال بمكين الله، الله أكبر الله أكبر، وأخذت الباشورة بقتال تلك المضارب وأبلى التجارب، وأظهر الساري في الليالي النقوب وأبدى السارب، وصارت لنا هذه الباشورة حصنًا قبالة حصنهم. تعبوا فيه لراحتنا، واعتقدوا أنها تحمي ساحتهم فكانت حامية لساحتنا، ثم استأنفنا نقوبًا غير تلك النقوب في تلك الأسوار، وكوّرنا من سدد الحجارة في نصف الحجارة الليل على النهار وأسأنا مجاورة الحصن بتملك هذه الباشورة وما من عادتنا إلا حسن الجوار.
ومنه قوله:
وبعد، فإن الله قد من علينا بالنصر المعجل والفتح القريب، وهيأنا لإخراس لسان الناقوس، وشل يدي الصليب، جعلنا لا نقدم مهمًا على رفع مرتبة شرع ونصب
стр. 4379
منبر خطيب. إذ كان ذلك هو المهم المقدم على كل مهم، والنور الساطع الذي كم أراد الأعداء إطفاؤه، ويأبى الله إلا أن يتمّ، ولما هيأ الله فتوح حصن الأكراد الذي كان حق الإسلام المغصوب، ومتاعه المنهوب، ومفقوده المندوب، وفريده المنسوب، وقد اقتلعناها من يد الكفر وعيونهم باكية، وقلوبهم متحسّرة، وألسنتهم شاكية، وسيوفهم لا تجيب صداها إذا جاوبت الأصداء المحاكية، رأينا أن نجعل مشرع الشرع الشريف بها رويا، ووعد الحق بها وفيا، وأن يبدل الكفر بالإيمان، فنختار للصلاة بها ما اختاروه لصلواتهم، من بقعة، وأن نجعل بها عوض موسم الأحد موسم الجمعة، وأن تكون كنيستهم جامعًا بشمل الهدى بعد الضلال، وبيتًا من بيوت الله التي آذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال.
ومنه قوله في التعزية بأخوين: إنهما لمصرعان قد صرعا الأمل، ورز آن ما للفؤاد بواحد منهما قبل، ومصيبتان ما انقضت واحدة منهما حتى أعقبتهما الأخرى، وثكلان ما منهما إلا الطامة الكبرى، فما عسى أن يقول المعزي بهذين الفقيدين، وماذا يقول المسلّي عن هذين الوحيدين؟ بم تبطش السيادة إذا فقدت اليدين، وبم تقطع السيوف إذا عدمت الحدين، أما يكفي كسوف الشمس حتى تلا بخسوف القمر، ولا ذهاب السمع حتى يشفع بذهاب البصر.
ولا نضوب البحر حتى عقب بنضوب النهر، هيهات، لقد تنوعت المصائب وتناوبت النوائب، وقاربت الرزايا ما بين الأجلين، وقارنت ما بين الخجلين، وجمعت ما بين الوجلين، لقد تجانست الحبلات حتى في الممات، وتراخت الأمنيات حتى في المنيات، وإنها لحسرة محكمة الأسباب، وموعظة تسفر الألباب، ومسألة ما أقرب منها الجواب.
ومن نظمه، مما أجاد فيه من قوله المبدع وأخذ بكلّ ثنية ومطلع، قوله في مليح حلق حاجبه وأزاله، وكشط من سمائه، هلاله، كأنما خاف أن يمتد منه على ديباجة خده وشي العذار المرقوم، أو يرق العاشق ويقدم قصة مظلوم، وهو:
وقاتل الألحاظ كم من مهجةٍ … جريحةٍ من سيفها القاضب
أماط عن مقلته حاجبًا … وقال للعائب والعاتب
لحظي بتكليم قلوب الورى … أصبح يستغني عن الحاجب
فسمع بها زين الدين بن عبيد الله وكان رفيقه من حاذى في النظم لا يلبث أن يفوقه، فأما النثر فإنه كان لا يعرف طريقه، فقال:
بدا لي في حلق الحواجب فتنةً … فقلت بعقل ذاهب فيه ذاهب
حبيبي بحق الله قل لي ما الذي … دعاك إلى هذا فقال مجاوبي
стр. 4380
وعدت بوصلي العاشقين تعطفًا … فلم يثقوا واسترهنوا قوس حاجبي
وسافر مرةً حتى إذا كان بعيون القصب، وهو مكان يغسل المسافر به قشف النصب، ويجلو صدأ الوصب، لأنه دون حمص حتى لا يشط عن جيرتها، ولا يبعد عن شط بحيرتها، في صحراء من الأرض بين جبال انفرجت عنها أذيالها وأرجت في مدانها صباها وشمالها، سجن القصب الأخضر ما فيها، وجرت على ذهب ترابها الأحمر فضة سواقيها، فهيج له مرآها أسى وتذكارًا، وذكره رياها أوطانًا وأوطارا. فأطر به في عين القصب التشبيب، وعاوده ما عاود امرأ القيس من ذكرى منزل وحبيب، فأغضت أماقيه دموعه الحرّى، وأغرت ضلوعه بأن تتوقد جمرًا، فجذب القلم والدواة وكتب ما لا ألم به سواه، وهو:
كتبت لكم من أعين القصب التي لها … من معانيكم من نفسها طرب
فإن لذ لي التشبيب فيها بذكركم … فكم أطرب التشبيب من أعين القصب
وسافروا سفرةً طالت وغليت عليه عوادي مدتها واستطالت، فما طول بفراقه سهده، وأخذ منه قلبه وما ردّه، تململ بعده تململ العليل، وسقم سقام صب لا يشفيه في صباح صبا ولا بليل بليل. فلما أوهن جلده النحول، واتفق أنه توجه إلى جهته رسول، كتب إليه يقول:
إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … قابل إذا هب النسيم قبولا (١)
لتراه (٢) مثلي رقةً ولطافةً … ولأجل قلبلك لا أقول عليلا
فهو الرسول إليك مني ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا (٣)
ومنه قوله:
لا نقل الروض أحاديثُه … عن كل نمام غدت خافيه
إنه ينقل أخباره … إلى عين عنده خافيه
ومنه قوله في شملة (٤):
ومشمولة رقت وراقت فأصبحت … على الشرب تزهي حين تهدي إلى الكاس
معتقةٌ (٥) ما شمستْ بعد عصرها لآثم … وكم فيها منافع للناس
ومنه قوله يهنئ الظاهر بفتح عكار ويغالط بادبها عكا في الهجاء يزيد عليها في