← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

سماعًا، وأتحفت بما يملأ بصر المعاين، وضيق صدور الخزائن، وأرضى الأعنة كل ضامر، ولم ير قبلها تحفةً غريبةً لها في الجمال أشباه ونظائر. ولا حسنا أن يصف وجهها بالدمامة الضرائر. ومنه قوله في منشور طلبه صاحب اليمن لولديه: لا سيما اعتزاز الدولة القاهرة منه بحدّين ماضيين، وبجناحين اثنين يرفرف بهما ويجول، وإذا أتت دولة غيرها بآية، افتخرت هي بالإتيان باثنين لرسول، ولما سنح ما فتح هذا الباب. اقتضى الإجابة إلى ذلك الاقتضاب. تنافس على تسطير ذلك الملتمس سواد العيون وبياض الغرر، وقال القلم قد خص بتسطير الأوان هذا خير مما خص الغصن به من يانع الثمر. ومنه قوله: قدر الله أننا وجهنا إليه وجه العزائم، وجعلنا لمخبوله مرانين المجانيق الرقى ومن حجارتها التمائم، وأخذنا النقوب في ضميره، وزحفنا إليه الزحف الذي لطم باسورته وشقق جيوب سوره. ومنه قوله، في فتح القرن: وهو فتوح القرن الذي غدا في جبهة عكا عدة للقراع ومتعدًا للقتال، ومتكأ للامتناع، ومطلعًا للإغارات التي كم أصارت الضياع إلى الضباع، قدر الله أننا عرجنا عليه تعريج السيل العرم ونازلناه منازلة المنتقم، ولونا له الآلات الحاصرة، ونوّعنا له أسباب العقوبة المتناصرة، فمن من مجانيق تسلّ من خناصر البروج فصوص تلك الخواتم، ومن أخرى تخطف من الشرفات العمائم، ومن نقوب تسري في تلك الأبدان سريان النوم في المفاصل، وتتوصل من خشاشات الأسوار إلى ما لا تصل إليه المناصل ومن زحف إلى أبوابها هو الأصل في باب هذا الظفر، ومن قتال أضجر الحديد وما داخل رجالنا الضجر، ولما آن وقت النصر المرتقب، وانقضى الأجل الذي كتبه الله لمن حقق له الغلب، افتتحناه، وفجعنا عكا منه بقرن كان يحميها، وأصبحت جماء لا يمنعها شيء ولا يقيها، وكان قد وصل إلى عكا ملك اسمه ورد اعتقد أن قد حمى عكا ومرجها، وحمى طريقها ونهجها، وتوهم أن جماعة من الفرنج قد أحصنت فرجها، وما درى أن لنا عزمًا يغزو الكفار في عقر الدار، وأن عساكرنا كم وطئت منها موطئًا يغيظ الكفار، لما شاهد المذكور هذه العزائم سكت وما تكلّم، وحصر نفسه مع محصوريها إلى جهنم. ومنه قوله في معناه: وكم أسكنت افرنجة الكمانية قلوب الإسلام خوفًا، وأقرض الممالك من

стр. 4377

لإغارات ديونًا لم تكن من غير يدنا ويد عساكرنا توفي، واعتقد أن أجفان سيوفهم تهجر الاصطباح على هذا الورد لذيذ وسنها، وأن شوكتهم إذا حبت بوردها لم تحبها رماح الإسلام، ولا أسنتهم بسوسنها، نصرنا إليه والسيوف مربوبة الأكباد، وغبار الجهاد قد أصبح جسادًا على الأجساد. وأنابيب القناة تقطر دمًا ينسجم، وكل من الكماة يعتقد غداة البين أن قد سلم، فالمجلس يبتهج بهذا الفتح الحلو الجني، وهذا النصر القريب من يدى المنى، ويسلك من الجذل بهذه البشارة في أبين الطرق، ولا تقل جاء هذا الفتح أخذًا، فأحسن ما يبدو البدر إذا لاح في ذيل الأفق. ومنه قوله في معناه: هذه المكاتبة إليه، أسمعه الله من البشائر كل محققة بجميل الظن، مطربة من بالتاريخ أو إلى التاريخ عانى وعن، مسرورة بكل تهنئة يبقى فخرها، وكيف لا وهو الذي كم أفنى للكفر من قرن نعلمه أنه كان المسمى بالملك ورد ملك الانكتار وأعظم طواغي الكفار في البحار قد سير كتابه إلى أهل عكا يفهمهم أنه الأسد الورد المشبل، ويطمعهم حتى تخيل كل منهم أنه مبشرًا أو جاء كتاب الورد أني مقبل، وأنفذ قبل شهر رمضان بليال خزانداره وجماعة من أولي البسالة وذوي القتال إلى عكا يزعمون أنهم نجد متواصلة، وبعوث معاجلة، وليوث مخاتلة، وغبوث هائلة، فتسالمت لتقاطرهم زمرًا أهل الطغيان، وتصرمت لتفرقهم الأخوة والخيالة والفرسان، وتقدمت لتأخرهم ندامى الشرك قائلة أوائل ورد في أواخر شعبان، ووصل هو بنفسه يوم السبت السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم، وصحبه جماعة من نيران الكفر الموصدة. وجمرات الحتوف المتوقدة، يعتقدون بأنهم يجتمعون للإسلام بضرام تلك الشعل، ويتخيلون أن مهابة وردهم يحصل لكل منها داء الجعل، وما علموا أن أنوف أهل الإيمان لا تبالي بتنسم تلك الحدة، وأنهم يتحققون أن الورد والمنة لله قصر المدة، وأن رياحين الرماح طويلة الأعمار، وأزاهر الأسنّة لا تماثلها بقية الأزهار، وأن تفكه نصرنا طالما جنى ورق الحديد الأخضر يانع الثمار، وكانت طوائح العزائم الماضية قد طوحت بنا في جهة طرابلس بطلب منها حقًا أوجبه عليها الظفر المستصحب وخفقت في جبهتها النصر المرتب، فلما سمعنا خبر هذه الطاغية ورد آخرنا أمرها إلى أجل معدود وسأل صاحبها في هدنة قبلناها منه كما شئنا لا كما شاء طرفه المردود، وعجلنا الحضور إلى جهة عكا، نفهمه إن كان حضوره لنضال، فإن العزائم مرصدة، أو لاستحضار فما هذه همم الملوك المنجدة. أو لمسالمة فالإحسان لا يرد رغبات الأمل المسترفدة، وجعلنا القرن أقرب منزلة إلى عكا ترمي العدو منها من كثب، وأدنى مقاعد

стр. 4378

لقِتالِ يستسْهلُها من طاوِح، ويستقرُّ منها من وُثب. فنصبْنا عليها مناجيق تعوَّدت اقتلاع القِلاع وتملُّك الممالِك. وألِفت تلين معاركُها حتى صارت لا تجد كلفة في ذلك، فلما رآها الحِصنُ المذكور، تشوَّف استفتاحَها وحَنّ، وتحقَّق هِلالَ أهِلَّة، وكم أهلكْنا قبلهم من قرن. فلما رأى من فيه تشديدَ عزمِنا المُبِيد، سألوا وهم الألمان تخفيف هذا التشديد، فلم يبق إلا من أسْلم نفسه وسلِم، وسكت لما رأى أن غيره هلك لما تكلَّم، واشتدت بفتوحه دواعي الأعداء على الأعداء، وامتدت به إلى عكا وأهلها مواد الأوْداء، وفُجِعت منه نجم قرنها فلو أنها لا يؤخذ لها بحق إذ أخذ للجماء من القرناء. وكِتابنا هذا يبشِّره بما وهب الله الأمة من هذا الظفر الذي أصبحت الفرنج اللمانية لا تنجد الساحلية ولا تكاثرها ولا تميرها ولا تؤامرها ولا تقيم معها في هذه البلاد، ولا تسايرها. وإذا عوتبت قالت: راح الذي هو أول المحنة من هذه البلاد وآخرها، فيأخذ حظه من هذه البشرى الحسنة للارتحال، وهذه التهنئة الفسيحة المجال. ومنه قوله: ونصبْنا ثلاث مناجيق كبارًا، ساءت ظنونهم بالتثليث، وعدة مجانيق صغارًا أعجلتهم بسوقها الحثيث، وما استتم قصها حتى أدبرت سعادتهم وتولت، وألقت مجانيقهم ما فيها من الأخشاب وتخلّت، وما أطلقت حجرا من حبالها بل طليعة من حبالها، وصارت سهامها أذنابا، على رؤوسها شائلة، وصناديقها المقفلة قافلة، وأصابعها تشير إلى حجارة مجانيقها قائلة: هلم إلينا، ولكم من العمائر والأعمار ما خلفنا وما بين أيدينا ما زلنا نحاصر أهل هذا الحصن المذكور، حتى زال مكرهم، ونصابرهم حتى عدم صبرهم، ونزحف إليهم زحفًا لا يتخلله فرجة لطانس ولا فجوة لقرن مهارس حتى طلع علمنا الأصغر وكبر في أعين المسلمين فقال بمكين الله، الله أكبر الله أكبر، وأخذت الباشورة بقتال تلك المضارب وأبلى التجارب، وأظهر الساري في الليالي النقوب وأبدى السارب، وصارت لنا هذه الباشورة حصنًا قبالة حصنهم. تعبوا فيه لراحتنا، واعتقدوا أنها تحمي ساحتهم فكانت حامية لساحتنا، ثم استأنفنا نقوبًا غير تلك النقوب في تلك الأسوار، وكوّرنا من سدد الحجارة في نصف الحجارة الليل على النهار وأسأنا مجاورة الحصن بتملك هذه الباشورة وما من عادتنا إلا حسن الجوار. ومنه قوله: وبعد، فإن الله قد من علينا بالنصر المعجل والفتح القريب، وهيأنا لإخراس لسان الناقوس، وشل يدي الصليب، جعلنا لا نقدم مهمًا على رفع مرتبة شرع ونصب

стр. 4379

منبر خطيب. إذ كان ذلك هو المهم المقدم على كل مهم، والنور الساطع الذي كم أراد الأعداء إطفاؤه، ويأبى الله إلا أن يتمّ، ولما هيأ الله فتوح حصن الأكراد الذي كان حق الإسلام المغصوب، ومتاعه المنهوب، ومفقوده المندوب، وفريده المنسوب، وقد اقتلعناها من يد الكفر وعيونهم باكية، وقلوبهم متحسّرة، وألسنتهم شاكية، وسيوفهم لا تجيب صداها إذا جاوبت الأصداء المحاكية، رأينا أن نجعل مشرع الشرع الشريف بها رويا، ووعد الحق بها وفيا، وأن يبدل الكفر بالإيمان، فنختار للصلاة بها ما اختاروه لصلواتهم، من بقعة، وأن نجعل بها عوض موسم الأحد موسم الجمعة، وأن تكون كنيستهم جامعًا بشمل الهدى بعد الضلال، وبيتًا من بيوت الله التي آذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال. ومنه قوله في التعزية بأخوين: إنهما لمصرعان قد صرعا الأمل، ورز آن ما للفؤاد بواحد منهما قبل، ومصيبتان ما انقضت واحدة منهما حتى أعقبتهما الأخرى، وثكلان ما منهما إلا الطامة الكبرى، فما عسى أن يقول المعزي بهذين الفقيدين، وماذا يقول المسلّي عن هذين الوحيدين؟ بم تبطش السيادة إذا فقدت اليدين، وبم تقطع السيوف إذا عدمت الحدين، أما يكفي كسوف الشمس حتى تلا بخسوف القمر، ولا ذهاب السمع حتى يشفع بذهاب البصر. ولا نضوب البحر حتى عقب بنضوب النهر، هيهات، لقد تنوعت المصائب وتناوبت النوائب، وقاربت الرزايا ما بين الأجلين، وقارنت ما بين الخجلين، وجمعت ما بين الوجلين، لقد تجانست الحبلات حتى في الممات، وتراخت الأمنيات حتى في المنيات، وإنها لحسرة محكمة الأسباب، وموعظة تسفر الألباب، ومسألة ما أقرب منها الجواب. ومن نظمه، مما أجاد فيه من قوله المبدع وأخذ بكلّ ثنية ومطلع، قوله في مليح حلق حاجبه وأزاله، وكشط من سمائه، هلاله، كأنما خاف أن يمتد منه على ديباجة خده وشي العذار المرقوم، أو يرق العاشق ويقدم قصة مظلوم، وهو: وقاتل الألحاظ كم من مهجةٍ … جريحةٍ من سيفها القاضب أماط عن مقلته حاجبًا … وقال للعائب والعاتب لحظي بتكليم قلوب الورى … أصبح يستغني عن الحاجب فسمع بها زين الدين بن عبيد الله وكان رفيقه من حاذى في النظم لا يلبث أن يفوقه، فأما النثر فإنه كان لا يعرف طريقه، فقال: بدا لي في حلق الحواجب فتنةً … فقلت بعقل ذاهب فيه ذاهب حبيبي بحق الله قل لي ما الذي … دعاك إلى هذا فقال مجاوبي

стр. 4380

وعدت بوصلي العاشقين تعطفًا … فلم يثقوا واسترهنوا قوس حاجبي وسافر مرةً حتى إذا كان بعيون القصب، وهو مكان يغسل المسافر به قشف النصب، ويجلو صدأ الوصب، لأنه دون حمص حتى لا يشط عن جيرتها، ولا يبعد عن شط بحيرتها، في صحراء من الأرض بين جبال انفرجت عنها أذيالها وأرجت في مدانها صباها وشمالها، سجن القصب الأخضر ما فيها، وجرت على ذهب ترابها الأحمر فضة سواقيها، فهيج له مرآها أسى وتذكارًا، وذكره رياها أوطانًا وأوطارا. فأطر به في عين القصب التشبيب، وعاوده ما عاود امرأ القيس من ذكرى منزل وحبيب، فأغضت أماقيه دموعه الحرّى، وأغرت ضلوعه بأن تتوقد جمرًا، فجذب القلم والدواة وكتب ما لا ألم به سواه، وهو: كتبت لكم من أعين القصب التي لها … من معانيكم من نفسها طرب فإن لذ لي التشبيب فيها بذكركم … فكم أطرب التشبيب من أعين القصب وسافروا سفرةً طالت وغليت عليه عوادي مدتها واستطالت، فما طول بفراقه سهده، وأخذ منه قلبه وما ردّه، تململ بعده تململ العليل، وسقم سقام صب لا يشفيه في صباح صبا ولا بليل بليل. فلما أوهن جلده النحول، واتفق أنه توجه إلى جهته رسول، كتب إليه يقول: إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … قابل إذا هب النسيم قبولا (١) لتراه (٢) مثلي رقةً ولطافةً … ولأجل قلبلك لا أقول عليلا فهو الرسول إليك مني ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا (٣) ومنه قوله: لا نقل الروض أحاديثُه … عن كل نمام غدت خافيه إنه ينقل أخباره … إلى عين عنده خافيه ومنه قوله في شملة (٤): ومشمولة رقت وراقت فأصبحت … على الشرب تزهي حين تهدي إلى الكاس معتقةٌ (٥) ما شمستْ بعد عصرها لآثم … وكم فيها منافع للناس ومنه قوله يهنئ الظاهر بفتح عكار ويغالط بادبها عكا في الهجاء يزيد عليها في

стр. 4381

لمقدار لنسبة ما بينهما لمن رأى نسبة ما بين الثريا والثرى والذي قال: يا مليك الأرض بشرى … هي عنوان العاده إن عكار يقينًا … هي عكا وزياده ومنه قوله، وقد نزل الملك الأشرف بالساحل، وفتح بلاده المعاقل، فنظف من وسخهم ثوب الشام، ونزل فرسانهم عن حصن الحصون إلى الرغام، ما خاطب به بني الأصفر وندر والأمر كما قال وأكثر، وهو: يا بني الأصفر حلّت بكم … نقمُ الله التي لا تنفصل نزل الأشرف في ساحلكم … فابشروا فيه بصك متصل وله في نوبة دنقله، وقد جلا بياض الترك سوادها، وفك عنها من لباس الحزن حدادها، وكان القتل قد استحر في عبيدها، ومد حررهم يدها ومأوى الجيش المنصور يدق قفا السودان، ويعيد رؤوسهم للهوان، والذي قاله: يا يوم دنقلة وقتل عبيدها … في كل ناحية وكل مكان إذ كل نوبيّ يقول لأمه … نوحي فقد دقوا قفا السودان ومنه قوله (١): نسب الناس للحمامة شجوًا … وأراها في الحزن ليست هنالك خضبت كفّها وطوّقت الجيد … وغنّت، وما الحزين كذلك ومنه قوله (٢): يا قاتلي بلحاظٍ … قتيلُها ليس يُقبر إن صبروا عليك قلبي … فهو القتيل المصبر وكان في الصحبة الظاهرية، فلما كان بمنزلة القطيفة أصبح ذات يوم فرأى الأرض قد قلد الطل رباها، وحلّ ذائب اللجين ثراها، واشتدّ يومئذ الزمهرير. وكشر أنيابه مرعدًا بالهرير، فلم يبق إلا من كره لأجله القطيفة، وولاها وذاق طعمها المر فما استحلاها فقال: هذي القطيفة التي … لا تشتهي عقلًا ونقلا حشت ببرد يابس … فلأجل ذاك الحشو تقلا فسمع بذلك رفيقه تاج الدين ابن الأثير فقال فيه، وإنما نحا غير هذا المعنى في التشبيه فإنه تخيّل أن القطيفة قد رشت عليها الزميتا سكرًا وسقاها السحاب

стр. 4382

المردد المقطر مكررًا فقال: على دم القطيفة اجتمعنا … وإن سقيت بقطر قد تكرر وقد أضحى عليها للزميتا … رشاش مثلما قد رُشَّ سُكَّر على أن ناصر الدين بن النقيب الكتاني نازع كلًا منهما في بيتيه، وادعى أنهما له. وأخذا من حرز ديوانه وعدى فيهما عليه، وهما أصدق وبهما منه أليق. وهذا آخر أعيان المصريين من الموتى الذين فرغ منهم شغل الوجود وأطبق على درهم صنف اللحود، وكانوا عينا تسرّ العيون نظرًا. فصاروا أثرًا يصر في المسامع دررا. * * * فأما من هو الآن حيُّ موجود، وأن لكلامهم ما تحلّت به العقود. فلا أعرف منهم إلا من أتمم بتوسعه هذا الطراز، وأكمل ببديعه من حديث هؤلاء الجماعة ما عاز، وهما فرقدا سماء أنارا، ويدا بطش تمد كلتاهما يمينًا لا يسارًا، وهما ممن جافي عقيب أولئك. وعدا مع الكاتبين الكرام إلا أنهم من الملائك، وها نحن لا نعدهم عنهم، ونحسبهم وإن لم يكونوا إلا بعدهم منهم فنقول: ومنهم: [٧١] السيد الشريف شهاب الدين أبو عبد الله الحسيني (١) بن الحسيني (٢) الموسوي المعروف بابن قاضي العسكر رجل بأقل ما فيه يشكر، وما من المحاسن إلا ما هو أقل أنه به يُذكر، وجده

стр. 4383

الشريف الأرموي سيّد تقدم بسؤدده من كل جهة، بعضها شرف محتده. لم يزل لبيته سياسة الدول، ورئاسة العلم والعمل، وأبر آخرهم على أولهم، ورموا فوق غاية الأرموي طول تطولهم، حتى رفعوا على السماء قبابا، وأرموا الثوابت أوتارا مدوا بها المجرة أطنابا، وأتى هذا الشريف شهاب الدين شهابًا في أفقهم وسحابا، يحبس سيله في طرقهم، فهو الآن واحد كتاب السلطان، واصحاب الإنشاء التي تغدو البرد بها كالطير خماصًا وتروح وهي بطان، خطيب منبر تورق بخطبه أعواده، وكاتب كأن أهواء النفوس مداده. وفقيه كأن أفواج السحاب أمداده، مع وفاء يصغر به صنع الشمول، وصفاء سريرةٍ ما انطوت عليها الأحناء لصدر الأول، وود يستسقي عهده مذ لبس رداءه وما تحوّل، وجد أمه محيي الدين أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر السعدي. المقدم في الكتاب وإن تأخر إلى قبل ابنه هذا المذكور في هذا الكتاب، فلم يكن شيء أفصح منه بعد، بيد أنه من قريش وأرضع في بني سعد، وهذه التقاليد اليوم لا تبرز إلا من إنشائه، ولا يترقبها في اليمن إلا ما هو من صنعه وشانه، وله ديوان خطب (١) أخمل ابن نباته (٢)، وترسل فضل الفاضل (٣) وفاته، ونظم ترك بديهة ابن عمه الرضي (٤) لا يرضي آياته. ومن غرر نثره، ودرر قوله على دثره قوله (٥): أيها السيد وما خلت البقاع، والإمام الذي انعقد على فضله الإجماع، والماجد الذي محاسنه (٦) ومحامده ملء الأبصار والأفواه والأسماع، صفحًا عن قريحة ما أو مضت حتى خبت، ولا مضت حتى كبت، ولا مضت حتى نبت. ولا امتد لها ظل العيش حتى تقلّص، ولا ساغ لها ورده حتى غصص وتنغص، ولا أطل سحابه حتى أقلع، ولا أظل حتى تقشع ولا سلَّم بيانه (٧) حتى ودع، كثرت (٨) عليها الكروب، وتخطب إليها الخطوب، وتوالت عليها الهموم، فلم تدع لها همة. ورمتها الحوادث بكل ملمة، تسوّد القلب، وتبيض اللمة، فلا غرو أن أضحت كليلة من الأتراح (٩)،

стр. 4384

وأمست دمنة من الأفراح (١). تدّعي ولا تجيب، وما ذاك بعجيب. إن شاء المملوك منها إنشاء أبت إلا إباءً وقالت النجاة (٢) فبضاعتك مزجاة، عد عن هذا السبيل، لست (٣) من هذا القبيل، فقلت لما أعطت منعها، وأكثرت درها وردعها، لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها. ومنه قوله: يقبل تربًا شرف أن يكون المسك تربا. وحسب المسك في الذّم أنه دم، ومن ثم خُلق الكرم الجّم. قوله: وللمملوك مذهب في الزيارة رأى اختياره يؤثر أن لا يكثر. ويحب أن لا يغب. ومنه: وها أنا قد انقطعت عن الناس، وقنعت بالياس، وأقمتُ في بيتي، وعلمت أن ما كان لي سيأتي، وأرحتُ من الأطماع روحي، وقلتُ للنفس مكانك تحمدي أو تستربحي. ومنه قوله، رسالة في لعب الكرة: ولا خلا مقر أنس من أنس مقرّه، ولا موطن سرور من بشر محياه، ومحيا يسره، ولا مجال وغى من محجلاته وغرّه، ولا ميدان حرب من إقدامه وكره، ولا عدو من نصله، ولا ولي من نصره. المملوك يقبل اليد التي لا تزال بين منّة يسلفها، وأسنة ترعفها، وأعنّة تصرفها كيف شاءت ويصرفها، وصهوات جياد يمطيها، وهبات جود يعطيها، ومسالك يوطّدها، وممالك يوطيها، وغمرات يكشفها وعورات يغطيها، وتتنسم من قسماتها الشمس وضحاها، ومن لألائها بالقمر إذا تلاها، ومن آرائها المبيضة في الخطوب المسودة بالنهار إذا جلاها. ومن دهم جيادها التي تدهم العدى بالليل إذا يغشاها، لقد أوحشنا مولانا من مصر ولذاتها، ولطف معناه وذاتها، وأشواق ناديها وشط نيلها، وشاطيء واديها خصوصًا من لعب الكرة التي هي عقلة المستوفز وفرصة المستوفز، وأنموذج الحرب، ومجال يمرن على إجادة الطعن والضرب، ومن ذلك الميدان الذي هو كصدره في الرحب والسعة وحرمه في الأمن والدعة، بل نادي مولانا أندى وأخصب، وصدره أوسع وأرحب، وكراته تفعل بالكرات كفعل علي برأس

стр. 4385

مرحب، حيث الظلال السلطانية قد بسطها الله على البسيطة، ومدها والعزائم الناصرية قد أيدها الله بنصره وأمدها، ونحن من وجود ملكنا نصطبح ونغتبق، وعلى الجياد بين يديه نظرد ونستبق، وننفرد ونتسق، ونتحد في ولائه لا نفترق، وإن كنا في طلب الكرة تارة نفترق. يركض من جيادنا ما يسبق البرق لو راكضها، ويفوق العارض الهتان لو عارضها، من كل حمراء كأنما جُدِلت من الشقق، ودهماء كسويداء القلوب وسواد الحدق، أو كالليل وما وسق، وشهباء ذات إهاب من يقق، كشهاب ائتلق، أو كالقمر إذا اتسق، وشقراء كما امتزج السلاف يوقن من يتخذه بالتلاقي، ومن يقصده بالتلاف، أرشق من السهم في المسير، وأسبق إلى المدى من الوهم إلى الضمير، وبأيدينا صوالج كأنها سمهرية، تباهى بها الطعان إلى أن تناها، أو غصون هبت عليها عواصف الريح فأزالت خباها، أو أعناق المطيّ مالت أن مناها ومتاها، والكرة بيننا تضرب وليست مثلًا، ومكر وليست حنانا، وبكر وليست بطلًا، صفراء فاقع لونها، لها من الدراري أشوافها ومن الدرر كونها تضرب ببعضها. وتضرب في الأرض فتجوب وتجول في طولها وعرضها، كأنما صنعت من لهب أو صيغت من ذهب. أو كأنها شموس كورت، أو من البرق اليماني كونت، ومن خلوق الصبح كوّنت وصوّرت، والسلطان أيده الله يمد إلينا ولها باعه، ويحرّض عليها أتباعه، ويضربها فتنفر من بين يديه، والفرار من بين يدي الملك طاعة، ويسير إليها في مواكبه كأنه البدر بين كواكبه، يحفّ به من الله تأييده ومن اليسر جنوده، ويحدقون به كما تحدق الأهداب بالمقل، والعطاش بالمنهل، والله يحرسه في رجوعه واتجاهه بعونه وجاهه، وبالجملة فمولانا مشغول عن الكرات اللعبية بالكرات الحربية، وعن الصولجان بالصول على كل جان، وعن التبكير إلى الكرة والتغليس بانتزاع نفس كل نفيس. واقتلاع رأس كل رئيس، وعن الطراد في السبت بالطراد في الخميس، والله تعالى لا يخلي مجال النصر من حلول ركابه، ولا موطن الابتهاج ومواقف الهيجاء من جانبه وجنابه بمنه وكرمه. ومن شعره: لا تقترح شيئًا على الأقدار (١) … واصبر لأحكام القضاء الجاري ودع اختيار النفس في أفعالها … وكل الأمور لفاعل مختار واصفح عن الأيام في هفواتها … واشكر على الإعدام والإقتار واطرح هموم النفس لا تحفل بها … كلُّ بتقدير العزيز الباري واقصر عن الآمال في الدنيا التي … كم أهلكت بسرابها الغدار

стр. 4386

واسرح بعين الفكر هل أبقى الغنى … أحدًا يُرى بفناء هذي الدار لا تغبطن أحدًا على الإيراد … إلا بعد أمن عواقب الإصدار وله أيضًا (١): تلق الأمور بصبر جمل … وصدرٍ رحيب وخل الحرج وسلّم لربك في حكمه … فأما الممات وأما الفرج وله أيضًا: حباني من الدنيا الدنية خالقي … ولي خبّأ الأخرى له الحمد المن وما كان لي في علمه فهو كائن … ولو جَدّ في حرماني الأنس والجن وله: أنا ابن فاطمة وحيدر … مابمنعي مقتضى لم يجر أجر الله إلا في … صحيفة من رضى ومنهم: [٧٢] تاج الدين، أبو سعد، محمد بن محمد بن عبد المنعم السعدي (٢) ابن البارنباري، وهو المؤخر المقدم، بفضله المعلم شبا النوائب بنبله المعظم بمحله، المنظم بقلمه، ما فاق السيف في جوهر نصله يا له قلمًا لا يخطئ سهمه القرطاس، ولا يخلى نخبه من شرب كاس وطاس، من بنان ينشي الصاحي، وينسى مقالته اللاحي، بما تفتر له ثغور الأقاحي، وبغير رائد زهره الممطور في اليوم

стр. 4387

الصاحي، فلا يدرى أرياضًا بواقع تيقظ راقدها، أم مطالع تغيظ حين تسامره فراقدها. تزوج إلى أقربائه، وتزود ما ينفق بضاعته على قرنائه، إذ كأنه حلل، أو عقائل مأواها حلل أرق حاشية من ذلاذل النسيم، وأدق معنى من تكشف الشمس في اليوم المغيم، هو من بني سعد، وصاهر إليهم وجاهر الجواهر بما فضه لديهم، وظاهر بني عبد الظاهر وفاخر في دولة الناصر، ما لهم في دولة الظاهر، فكان تفاوت السلكين تفاوت ما بين الملكين، أتى السيل فطم على القرى، وطلع الصباح فأخفى نور الكوكب الدري. بفضائله الغرر، ورسائله التي فاءت على قسمات الطروس كالطرر، كان بمصر يباري نيلها السائغ الشراب، وقبيلها الأتراك الأتراب، لمحاسن نشرها ديوان الإنشاء حبرًا، وصورها في مخاطبات الملوك دررًا ثم عقد له بطرابلس على رئاسة هذا الديوان وقعد على كيوان، ورأيت منه على تجافي الأخوة والأخوان، وتنافي أحوال العوالي والأدوان، وتكافي مال العز والهوان. ما حمدت طريقه، وحمدت منه الخليقة. فألقيته لا يسمح بصاحبه، ولا يجمح إلى حفظ معيب عائبه، ولا مغيب عاتبه، يسعى في مآربه، ويرعى منه أكثر من أقاربه. ومن نثره قوله: وينهى ورود المثال العالي بما كان حصل للمزاج الشريف من التوعك الزائر، ثم زال أسرع من خطفة طائر، وعادت الصحة إلى المزاج الشريف تمامًا على الذي أحسن. وابتهجت القلوب، وقرت الأعين، وأن مولانا أظهر ما يجب من الإعلان بالسرور وملأ بالبشرى الممالك، فابتسمت ثغور الثغور، وزينت مدينة جلق، وكل أمير ومأمور فيها كأنه كوكب مخلّق. وما اقتضته الصدقات العميمة من أعلام المملوك بهذا النبأ الذي أزال البؤس وأبهج النفوس، وسكن الخواطر بصحة الذات الشريفة والمزاج المحروس، ليأخذ المملوك من مسرّتها حظه، ويودع قرتها لحظة، ورسم بتجهيز فلان في هذه البشرى، وقد قابلها المملوك بسجوده شكرا، وعطّر بالخلوق كلّ بشر مخلوق، وهذه أعظم نعمة أهداها مولانا إلى المملوك، شرحت الصدور وقدمت بالسرور، وقامت بها دعائم الإسلام في سائر المعمور، وبات الإيمان على طمأنينة في كل الأمور، وشكر المملوك صدقات مولانا التي نبهته على هذه المسرة، وأطلعت المملوك على هذه التهنئة، وكم له من مبرة، والمملوك تحت جناحه مقيم، ومن تلقائه يأتي كل خير عظيم، وحال ورود هذه البشارة تقدم بزينة مدينة طرابلس فأصبحت ذات أفراح، وأمست ذات حلى ووشاح، وطار القلب من فرحه بغير جناح، والحمد لله على هذه المسرة التي عمت الأقطار، وامتدت مع الليل والنهار، إلى ما وراء البحار، ولو بذل

стр. 4388

الأنام مهجهم من السرور بهذا الشفاء لقصروا، ولو شطروا له البشائر بسواد البصر لاختصروا: لله يوم مسرات وقد وردت … فأسفرت عن محيا كله قمر جاءت بصحة ملك الأرض … قاطبةً فتم للدين منها العز والظفر إن البسيطة أضحت في بشائرها … كأنها الروض فيه أينع الثمر ومما كتبه إلي يستدعي نسخة كتاب «صبابة المشتاق» وهو ديوان نظمته في المدائح الشريفة النبوية (١) زادها الله شرفًا: والمملوك يسأل الأنعام عليه بنسخة من القصائد الشريفة النبوية من النظم الكريم، يحفظها ويحفظها بنيه، ويذيع فضلها فيما يليه، وما أحد أحوج من المملوك إلى هذه القصائد، لأنه جار عدوّ كائد، فتنشد عند الفزع، فيذهب الله بها اليأس والجزع، وينزل السكينة، ويعز النفس المسكينة، ويعرف الكافر ويحرق السفينة، وكان الرعب تقدم جيشه ﷺ شهرًا من المدينة، فمدائحه الشريفة، وذكر معجزاته تدرأ بها الخطوب وتستنزل الغيوث من الغيوب. والله تعالى يهدي بعلومه الشريفة، فإنها إحياء الدين وقوت القلوب. ومما كتبه إليَّ أيضًا: وينهي ورود المثال العالي المبلغ للوطر، المرجو منه ما يرجى من المطر، يتضمن الخبر الذي لولاه لكان المملوك نسيًا منسيًّا، والبيان الذي أصبح قسيًّا. وحين فضه المملوك، فضه قائمًا، ورآه لأبواب الخير فاتحًا، ولأئمة العلم خاتمًا، وكله بالقلم الشريف مرقوم، وهذه منة ليس شكر المملوك لها يقوم، والسيد يتنوع في خبر من فوقه، ويوضع العبد ما صنع ما قام السيده بحقوقه، ومن حين حل الركاب الكريم في دمشق امتد جاه المملوك، واشتد ساعده، وأيقن المملوك أن له بحرًا يمده إذا لم تروه موارده، فلا عاش شانئه، ولا سعد حاسده. ومما كتبه إلي عن الأمير طينال نائب طرابلس: يقبل الباسطة، لا زالت أوطانها بها معمورة، والقلوب بالإقبال الشريفة عليها مسرورة، ومناقبها في صفحات الأيام مسطورة. وينهى أن المسرة بما حدده الله لمولانا من الإنعام الشريف قد جلت عن الحصر، وعاقبة الصبر النصر، والحمد لله الذي زخرف الجنّة وشيد القصر، وما كان الله ليدرأ الممالك ممن تحلّى بألفاظه جيدها،

стр. 4389

ولا يخلُّها ممّن تفوق كتبه الكاتب وتجنيدها، وأنتم أهل بيت الألطاف إليكم ناظرة، والأقدار إليكم ناصرة، ولكم سلف صالح ترجون بركته في الدنيا والآخرة، وعند المملوك من الابتهاج يقرب مولانا وأنسه ما لا يستوعب العبارة شرحه، لأن إحسان مولانا سابق، ومواقع فضله لا ينسى الله لها تلك الحقائق. وبتمام ذكره ثم ذكر كتاب مصر أمواتًا وأحياء، ممن نكس لهم البدر خجلًا وتنقبت الشمس حياء، ممن وقع في القسم المغربي حسابه، وهمع في الأفق الغربي سحابه. وهذا أوان انقضاء جهة الكتاب في القسمين شرقًا وغربًا، بعد أن كاثرت أمدادها اليمين بحرًا وسحبًا، قد أرتك الجانبين عيانًا لنظرك، وأعيانًا ماثلة لمحضرك، فأي الأفقين الآن فضل، وأي المشرقين نظرًا ونضل، على أني أقول، ولا عصبية ولا حمية لقوة غضبية، إن كتاب المشرق أفخم بما نالوا، وأعظم بما فعلوا لا بما قالوا وهم إن لم يرجحوا على كتاب المغرب عددًا، ويطرحوا ملء المهارق لؤلؤًا بددًا. فما هم بدون نظائرهم في الأدب العباب مددًا، ولا أقصر في عمر الزمان مددًا، ولولا كتاب مصر في قبيله، ومآب القوم إلى سبيله لما ازدان ذلك الأفق بأنجمه، ولا تحدر البيان من أراد أن أممه مع سبق سادات لهم لا سبب أن ينكر به أحد فضلهم كابن خاقان وابن بسام، وكلاهما ضاحك بسّام، وإنّما امتازوا من كلام مصر طرازها المحرّر وسكرها المكرّر. * * *

стр. 4390

الخطابة [خطباء المشرق] وأما الخطابة فبالشرق منشؤها، ومنه منشؤها، وبه نصبت منابرها، وخطبت أكابرها، لا يعرف لأمة قبل العرب قيل الخطب، إلا أنه كان في بعض الأمم كالفرس والروم متكلم إلا أنه لا يقوم ولا ينتصب خطيبًا. إذا تكلّم سكت الناس، وإذا صعد نكس كلّ راس، وإذا سلم هذا فما أشرق عيدان المنابر بالمشرق وأورق، حيث العرب وفارس وجمهور الروم، وحيث الخطب تنشأ والخطباء تقوم. فأما المغرب، فبلاد بربر لا يعرف فيها خطيب ولا منبر، إلا أن ركزت رايات الإسلام في مراكزها، ثم تكلمت قالتها باستفادة التعلم بغرائزها، وقد قدمنا في أول هذه المفاضلة ما يقرع في سهام المناضلة، وها أنا أذكر من خطباء الجانبين ما يعرف به قدر كلامهم السائر في الوجود، وسهامهم التي تشق القلوب قبل الجلود، وأبدأ بالمشرق كشأننا فيما تقدم، وأقول الحق ولا أتندم.

стр. 4391

[الخطباء قبل الإسلام] فأما من كان قبل الإسلام فهم عدد لا يمكن إحصاؤه، وقد ذكر الجاحظ الخطباء في الجاهلية والإسلام على غير ترتيب، وقال (١): ومن قدماء الرؤساء الخطباء الحكماء (٢): كعب بن لؤي (٣)، قلت: وعليه عمود النسب، وإليه ذاك الحسب المنير المنيف، الضوي، فاض عليه ذلك النور الساطع واستفاض عنه ما يسرّ المسامع وكفاه شرفًا مرور النسب الصميم على جادته، وإنما النبي الكريم وكعب، قيل إنه أول من خطب يوم عروبة، وهو الجمعة، وجمع الناس، وذكر لهم شأن النبي ﷺ ودنو أوان مبعثه، وبشر به، ونحر لهم يوم ذاك الجزر وأطعمهم. وحكى الزبير بن بكار، قال (٤): كانت قريش تجتمع إليه فيخطبهم ويقول: أما بعد، فاعلموا، وتعلّموا، إنما الأرض مهاد والجبال أوتاد، والسماء بناء، والنجوم علائم، يأمرهم بصلة الرحم، ويبشرهم بالنبي ﷺ ، ويقول: حرمكم يا قوم عظموه، فسيكون له نبأ عظيم، ويخرج منه نبي كريم، ثم يقول في شعر ذكره: على غفلة يأتي النبي محمد (٥) … فيخبر أخبارًا صدوقًا (٦) خبيرها صروف رأينا تقلب أهلها … لها عقد ما يستحيل مديرها (٧) ثم يقول: يا ليتني شاهد فحواء دعوته حين العشيرة تبغي الحق خذلانا (٨)

стр. 4392

[من ذكرهم الجاحظ بالمشرق] ثم عد الجاحظ قومًا، فذكر (١): عبد الله بن شرية (٢) الجرهمي، من جرهم، وأسقف نجران. وأكيدر (٣) صاحب دومة الجندل، وأفيعى نجران (٤)، وذرب بن حوط، وعليم (٥) بن جناب، وعمرو بن ربيعة، وهو لحي (٦) بن حارثة، وجذيمة (٧) بن مالك الأبرش. قلت: وكان رجلًا جبارًا، وملكًا لج استكبارًا، ذا أيد شديد، وكيد مديد، إلى رفد وافر، وجند قل إن رجع غير ظافر، وهو خال قصير الذي جدع أنفه فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه. وإنما جدعه لإدراك ثار خاله، وسعى ذلك حتى أدركه، وليس هذا موضع الاستقصاء، قيل: وجذيمة بن مالك أول من أسرج الشمع، وأول من قاتل بالمجانيق، ثم أخذ الجاحظ في ذكر رجال قدم منهم وأخر على غير نظام ولا ترتيب بزمان، ولا بيان ذكر أكثرهم أسماء مجرّدة عرية من ذكر شيء من أخبارهم. فأما من نذكره على عادتنا. فمنهم:

стр. 4393

[١] قس بن ساعدة الأيادي (١) المضروب به المثل في الفصاحة، وهو إمام القوم، وخطاب الخطابة له إلى اليوم، وقد جاء أنه يحشر أمةً وحده، ووصف الإيمان وحده، وكان في زمان طنب فيه الكفر وسردق، وتراكم فيه سحاب الشرك وأغدق، والظلم قد مدّ ظلامه واشتد على الحق، وضامه فأعلن بالتوحيد والشرك قد ملأ آناء الخافقين ونعم إناء الليل والنهار الدافقين، فمهّد للرسالة، وقدم للدلالة، فجلا صدأ الجاهلية الجهلاء، وصدع دُجى تلك الليلة الليلاء. قال الجاحظ وقد ذكره (٢): ولأيادٍ وتميم خصلة في الخطب ليست لأحد (٣)، لأن رسول الله ﷺ روى عن قس بن ساعدة، وذكر موقفه على جمله بعكاظ (٤)، وقال: رواه للذي عجب من حسنه (٥) وأظهر تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الآمال، وإنما وفق الله ذلك لقس لاحتجاجه للتوحيد والإيمان بالبعث (٦) قال (٧): وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، وسيأتي ذكره في ترجمة عمرو بن الأهتم. فأما خطبة (٨) قس التي قال النبي ﷺ : كأني أنظر إليه بسوق عكاظ يخطب الناس على جمل أحمر، وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا واسمعوا، ثم عُوا من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت [آت]. أما بعد: فإن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، نجوم تمور، وبحار تفور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم بالله قس قسمًا فما كذب ولا أثم. إن الله

стр. 4394

دينا هو أرضى له من دين نحن عليه، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم هم نيام كما زعموا، أم تركوا فناموا، أقسم بالله قسما فما كذب ولا أثم، ليطلبن من الأمر سخطا، ولئن كان في بعض الأمر رضى أن في بعض الأمر لسخطا، وما هذا لعب، وإن من وراء هذا لعجب. قال النبي ﷺ : سمعته ينشد شعرا لا أحفظه، فقال رجل من بكر بن وائل: يا رسول الله هـ، قد حضرت ذلك، أنشدك؟ قال: هات، فقال (١): في الذاهبين الأوَّلين … من القرون لنا بصائر لما رأيتهم مواردا … للموت (٢) ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … تمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا … يبقى مع الباقين غابر (٣) أيقنت أني لا محا … لة حيث صار القوم صائر وقدم وفد من إياد على رسول الله ﷺ فسألهم عن حكم قس فأخبروه وأنشدوه: يا ناعي الموت، والأموات في جدثٍ … عليهم من بقايا بزهم خرق (٤) دعهم فإن لهم صاح بهم … كما ينبهه من نوباته الصعق منهم عراةٌ وموتى في ثيابهم … منها الجديد ومنها الأورق الخلق وقال حزم بن راشد: أملت علي بخراسان رجلا من إياد من مواعظ قس: مطرٌ ونبات، وأحياء وأموات، وذاهب وآت، وآيات في أثر آيات، وأموات بعد أموات، ضؤء وظلام، وليل وأيام، فقير وغني، سعيد وشقي، محسن ومسيء، أين الأرباب الفعلة، ليصبحن كل عامل عمله، كلا بل هو الله، وهو إله واحد ليس بمولود ولا والد. أما بعد. وإليه الأمر غدا. أما بعد، يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين الذين عمروا الدور، وشيدوا القصور، أين الحسن الذي لم يشكر، وأين الظلم الذي لم ينكر. وقس، أول من أيقن بالبعث بغير علم، وأول من كتب من فلان ابن فلان إلى

стр. 4395

فلان، وهو أول من قال: أما بعد من العرب، وهو أول من خطب بعصا، وقيل إن أول من فعل ذلك وقاله كعب بن لؤي. ومنهم: [٢] عمرو بن الأهتم (١) وقد حضر مجلس رسول الله ﷺ وسكت الناس وتكلم وقال فأبلغ، وطال فقلص ظلالا وأسبغ، وجسر حيث نجم الليوث الكواسر. ونجم بالرخضاء القياصر والأكاسر، وأطلق لسانه بالمدح والذم، وانطلق ببيانه فانقص وأتم، فكشف أستار الأسرار، وكسا الزبرقان (٢) حلل التمام والسرار، ولم يدنس بالادعاء وقول الحسناء (٣) والشنعاء. وسأله (٤) رسول الله ﷺ عن الزبرقان بن بدر. فقال: مانع لحوزته، مطاع في أدانِيه، شديد العارضة، فقال رسول الله ﷺ : يا رسول الله إني ليعلم مني أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي، فقال عمرو يا رسول الله، أما لئن قال، فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر زمر (٥) المروءة، ضيق العطن (٦)، حديث الغنى، أحمق الولد، لئيم الخال، فلما رأى أنه قد خالف قوله الآخر، ورأى الإنكار في عيني رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول

стр. 4396

الله، ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، ولقد رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وقال ﷺ : إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا. قال الجاحظ (١): ويعرف بالمكحل، ويقال: كأنَّ شعره في مجالس الملوك خُلل منشّرة. وقيل لعمر بن الخطاب بحضوره (٢)، قيل للأوسية، أي منظر أحسن، فقالت: قصور بيض في حدائق خضر، فأنشد عمرو (٣) قول عدي بن زيد: كَدُمّى العَاجِ في المَحَارِيبِ أو كَبِيضِ في الرَّوضِ زَهَرُه مُسْتَنِيرُ. وذكر في رجال لقسامة بن زهير فقال: كلام عمرو بن الأهتم أتم (٤)، وشعره أحسن. قال الجاحظ: وقسامة أحد أبيناء العرب (٥). قلت، ومن بنيه عبد الله بن الأهتم (٦)، وكان خطيبًا ذا مقامات، وكشف غوامض معان، وكرامات وأعيان، خطب خطبة فلم أقف له على ساحل ولا لج، ولا ملأت يدي من سمهريّة بسنان ولا زج. ومنهم: [٣] سعد بن الربيع (٧) وأي فصل خطاب تروع زواجره، وتضيء جنح الدجى دياجره، ويضوع منه.

стр. 4397

الطيب هواجسه وهواجره، بخاطر تفجر حكمًا، وحاضر حلّ منه حرمًا، ومذ قدح زناده لم يصلد، ولم يشف إلى الأرض ولم يخلد. قال الجاحظ: وهو الذي اعترضت (١) ابنته النبي ﷺ فقال لها: من أنت؟ فقالت: ابنه الخطيب النقيب الشهيد، سعد بن الربيع. ومنهم: [٤] ثابت (٢) بن قيس بن شماس الأنصاري خطيب رسول الله ﷺ وهو بهذا سيّد الخطباء، ومشيّد مباني الفخار على ذي الجدار والخباء، بلغ مبلغًا عظيمًا، وبزغ خلى البدر لنوره عديمًا، وأي كلم اسمع، وأي حكم حازها أجمع. وكلمه (٣) عامر بما كره، فقال: أما والله لئن تعرضت إلى سبابي وشبا أنيابي، وسرعة جوابي، لتكرهن جنابي، فقال النبي ﷺ : يكفينيك الله وابنا قيلة (٤). قلت: وقد ذكره الجاحظ (٥)، وذكر أباه قيس بن شماس في الخطباء، ولم يذكر له بنت شفة. ومنهم: سهيل (٦) بن عمرو. والأعلم أبو يزيد (٧)، بارقة سيل، وطارقة ليل، وسارقة نجوم، لا يعرف منها غير سهيل. قال الجاحظ (٨): كان عظيم القدر، شريف النفس، صحيح الإسلام، وكان

стр. 4398

عمر بن الخطاب قد قال: يا رسول الله انزع ثنيتيه السفيلين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا، فقال (١): دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقامًا تحمده، فلما هاج أهل مكة إذ مات رسول الله ﷺ ، قام فيهم خطيبًا فقال: أيها الناس، إن كان محمد قد مات فإن الله ﵎ حي لم يمت، وقد علمتم أني أكثركم قتبًا في بر وجارية في بحر، فأقروا أميركم (٢)، وأنا ضامن إن لم يتم الأمر إني أردّهم عليكم، فسكن الناس. ومنهم: [٥] عطاد (٣) بن حاجب بن زرارة وقام خطيبًا عند النبي ﷺ وقال: وأذعن كلّ وسلم، واستمد من ذلك النور فجلا دجى الظلماء، وقام في تلك الحضرة، فأضحى عطارد الأرض فوق عطارد السماء، وفيه يقول الفرزدق: ومنا خطيب لا يُعاب وحامل … أغرّ إذا التفت عليه المجامع (٤) ومنهم: [٦] سعيد (٥) بن العاص بن العاصي بن أمية من أي حسب حميم، ونسب صميم، وفخار موروث ومكتسب، وادخار محسوب ومحتسب، من قريش حيث يترجم مطيبها على أحلافها، ويتبجح أمويها في منافها، سوده سؤدده، وأدّاه إلى عرق الثرى ادده، قال الجاحظ: وكان جوادًا أسودًا

стр. 4399

نحيفًا، ولم ينزع قميصه قط وقال الحطيئة فيه: سعيد فلا يغررك قلة لحمه … تخدَّدَ عنه اللحم فهو صليب (١) وولده عمرو (٢) بن سعيد المعروف بالأشدق، ولو بقيت له الشمس لأشرق، وأغض ابن مروان وأشرق. قال الجاحظ (٣): وكان قد أهوى بيده إلى عبد الله بن معاوية ليضربه، فقال له عبيد الله بن زياد: يدك عنه (٤) يا لطيم الشيطان، ويا عاصي الرحمن، فسمي باللطيم. وفي تشادقه قيل (٥): تشادق حتى مال بالقول شدقه … وكلّ خطيب لا أبًا لك أشدق وقال له (٦) معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: أبي أوصى إلي ولم يوص بي، فقال معاوية: إن ابن سعيد هذا لأشدق. وابنه: [٧] سعد (٧) بن عمرو وكان ذا بيان وأمر وزمان، وطي منه على أي حجر، وخذلان سكر منه بغير خمر، وكان ناسبًا خطيبًا، إلى كبر عظيم كان فيه، وقيل (٨) له عند الموت: إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به إلى الطبيب فقال (٩): أجاليد (١٠) من ريب المنون فلا ترى … على هالك عينًا لنا الدهر تدمع

стр. 4400

ودخل مع خطباء قريش وأشرافهم على عبد الملك، فتكلموا من قيام، وتكلم هو، وهو جالس، وتبسم عبد الملك، وقال: لقد رجوت عثرته، ولقد أحسن حتى خفت عثرته. (١) ومنهم: [٨] سحبان وائل (٢) وكان يستحق التقديم لسمعة فصاحته، حتى صار يجري ذكره في البلغاء مجرى المثل. وإنما أخرناه لمكانة من ذكره النبي ﷺ أو كانت له الصحبة، وإلا فهو المقدم على كل بليغ تقدم عصره أو تأخر لبلاغة أثرت أعراقها، واخضرت أوراقها، إلى سمعة مسحت على الخافقين جناحها، وذَرَتْ في الشارقين صباحها، فجابت مطلع الشمس، وجالت في كل يوم وأمس، وكان ابنه عجلان خطيب ندي، وطيب شذا ندي، طالما قام مقامًا، وقال فسقى سقمًا، بخطب تستوقف العجلان، ورقًا لو كلمت الصخر للان. ومنهم: [٩] يزيد (٣) بن أبي سفيان لما بعثه أبو بكر الصديق ﵁ على الشام شيعه ماشيًا، وأتبعه من الوصايا هدايا، ثم أعقبه وصول خالد بن الوليد فتقدم، وكان من أمراء جيشه يزيد، وصعد يومًا ليخطب فارتج عليه، وارتد سيلهُ عما لديه، إلا قطرة من نداء، وثقة من جداه، ولما سمعها عمرو بن العاص أعجب بها وكان يقول: إنها لا تقع كلمة قالتها.

стр. 4401

العرب في خطبها (١) وهي (٢): يا أهل الشام، عسى الله أن يجعل (٣) بعد عسر يسرًا، ومن بعد عي بيانا، وأنتم إلى إمام عادل (٤) أحوج منكم إلى إمام قائل. قال الجاحظ (٥): وقد كان معاوية رأسًا في الخطابة والبيان. ولما أتى أمه نعي ابنها يزيد (٦) بن أبي سفيان، قال لها بعض المعزّين: إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف من يزيد (٧)، فقالت: معاوية يكون خلفًا من أحد، فوالله أن لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها لخرج من أي أقطارها شاء، ونفذ من أي أعراضها أراد، قال غيره: ذكر ذلك لمعاوية فقال: والله لو (٨) علمت أنه كان أفصح مني لسانًا، وأثبت مني جنانًا، وأبلغ خطبة، وأرقى هضبة. ومنهم: [١٠] عتبة بن أبي سفيان (٩) وكان واليًا على مصر لمعاوية، وكائدًا لما يدرأ به زمرها الغاوية، وكان من أمضى بني أمية بن عبد شمس لسنًا، وأرضى سننًا، وأقضى بكلّ ما يجمع سيئًا وحسنًا، وأرجف أهل مصر بموت معاوية إرجافًا زلزل شيعته. وزيل عن الرقاب صنيعته، فأتي الخبر عتبه، فاستطار لروعته، وصار في سوء سمعته، ثم أتاه كتاب معاوية معلمًا بعافيته، ومعلنًا بخافيته، فصعد عنه المنبر ثم قال (١٠):

стр. 4402

يا أهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح، وظباة السيوف حتى صرنا شجى في لهواتكم، ما تُسيغنا حلوقكم، وأقذاء في عيونكم (١)، فما تطرف عليه جفونكم، أفحين اشتدت عُرى الحق عقدًا، واسترخت عقد الباطل منكم حلا. أرجفتم بالخليفة. وأردتم توهين (٢) السلطان، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث، فارتجوا أنفسكم إذا خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه، والعهد القريب منه، واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا خيرًا وإن أسررتم شرًا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون. وعلى الله نتوكل وبه نستعين. ثم بلغه التواؤهم، واضطغانهم عليه، واجتواؤهم، فجمعهم، ثم صعد المنبر فأسمعهم، قال (٣): يا أهل مصر، خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل، وأنتم تأتونه (٤) «كالحمار يحمل أسفارًا» أثقله حملها، ولم ينفعه علمها (٥)، وأني والله (٦) لا أداوي داءكم (٧) بالسيف ما كفيت بالسوط (٨)، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة، ولا أبطئ عن الأوّل إن لم تصلحوا علي الأخرى ناجزًا بناجز (٩)، فدعوا قال ويقول، من قبل أن يقال فعل ويفعل (١٠) فإن في هذا اليوم الذي ليس فيه (١١) عقاب ولا بعده عتاب. ومنهم: [١١] قسامة بن زهير (١٢) أحد بني زرارة، أحد من توقد شراره، وأحق من شمت له عراره، طالما لاعب

стр. 4403

فكره لمم الشيح، وفاوح نشره علويّ الرّيح، وكان رسول عمر في البحث عن شأن المغيرة (١)، وهو القائل: روحوا هذه القلوب تعي الذكر، وخطب خطبة، قال فيها: إن كلامكم أكثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الصواب بالفكر. ومنهم: [١٢] زرعة بن ضمرة (٢) موفق شذور، وموفي نذور، بكلمات قام بها خطيبًا، وقاس بها الغصن رطيبًا، وقيل (٣): (لولا غلق فيه لما كان كلامه إلا الذهب). وقام (٤) خطيبًا عند معاوية بالشام، فقال معاوية: يا أهل الشام هذا خالي فائتوني بخالٍ مثله. قلت: ولعلّها خؤولة بعيدة، وإلا فليس هو لهند بأخ. ومن خطبته: ولقيام في طاعة ببلاء خير من قعود في معصية بعافية، ألا وأن الفتنة قد أظلّت، والبلية قد أطلت، وليس يجلي هذه العارضة إلا روق السيوف، ولا ينجيكم إلا تلقي الخوف، فبادروا طائعين، وأتموا ما قدّمتم، ولا تضيعوا ما فعلتم. ومنهم: [١٣] الأحنف بن قيس (٥) المضروب بحلمه المثل، والمنسوب له نار قرى على كل جبل، المسوّر في عشيرته، المسدّد في سيرته، كان طيف حلمه لا يُستفز، وسيف غضبه لا يهزّ، سننًا أخذ

стр. 4404

عليه زمنًا، وواخذ به قوله سرًا وعلنًا. وقال عبد الملك بن عمير (١): قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، فما رأيت خصلة تذم إلا كانت فيه (٢)، ولكنه إذا تكلّم جلّى عن نفسه. قلت: وهذا مغاير لقول الناس فيه (٣). ومن شعره يصف بلاغته قوله (٤): أنا أين الزافرية (٥) أرضعتني … بثدي لا أجد ولا وخيم اتمتني فلم تنقص عظامي … ولا صوتي إذا اصطك الخصوم (٦) ومن خطبه البليغة التي حفظت، ومنذ عرفت ألفاظها ما لفظت، قوله بعد حمد الله والثناء عليه (٧): يا معشر الأزد وربيعة، أنتم والله إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر (٨) وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام، فإن استشرى (٩) شنآنكم، وأبي حسن (١٠) صدوركم، ففي أموالنا، وسعة أحلامنا، سعة لنا ولكم (١١)، وفينا وفيكم وفاء. ومنهم:

стр. 4405

[١٤] زياد بن أبيه (١) وهو الذي ألحقه معاوية بنسبه إلى أبي سفيان، ونسبه إليه، وهو أبعد إليه من الفيل من ولد الأتان (٢)، وكان زياد من أصحاب علي ﵇. وكان داهية لا يبلغ منه مرام، ولا تحل له عقدة اعتزام، فلما مات استله معاوية عن الحسن واستنزله عن شابيب الفتن. فاجتذبه من شيعته، وغلبه من خديعته، وما زال يخلبه بلطفه، ويجلبه إلى صفه حتى صار عنده في الأمر بأبي عمرو. وما زال حتى نسبه إلى صخر، وجلببه جلباب الفخر، ولا يردّ لها على سوءة ثياب، أيام كانت قناتها تنصب بالأسواق، وينتابها الطراق، وعاشت ما عاشت من الزمن الكثير لا تعلم أن ابنها يُعد من قريش في الجماهير، ثم كان هو سيف معاوية الذي قطر دمًا، وسنانه الذي لا يقرع سنّه (ندما) إلا أنه كان سئوسًا لا يعجل سيف العذل ولا يسجل من زواجره النهي بما بذل، يقنع من نصره بمن قعد في مصره، ما لم يمد الخوارج، أو يعدّ للوقوف عليه في المعارج، خلا نوبة حجر بن عدي (٣) وأصحابه وقتله لهم بسيف ما علق دمهم بذبابه، فإنه ارتكب منهم أمرًا عقيمًا، واحتقب وزرًا عظيمًا، واكتسب ذنبًا يلق الله به ثم رسول الله ﷺ خصيمًا، وكان زياد بن أبيه يحاول أن تنسبه عائشة [فكتب] (٤) من زياد بن أبي سفيان، فكتبت إليه: من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها

стр. 4406

زياد، وما تضمن كتابها إليه سوى هذا الخطاب ولا زاد. وكان خطيبًا لسنًا، مصيبًا محسنًا قريبًا منه مردى الكلام لا يترك منه حسنًا ولما أتى الكوفة صعد منبرها، سلم خفيًا، وسكت مليًا، ثم انحرف انحرافًا بطيئًا. ثم خطب خطبته البتراء، التي لم يستفتحها بتحميد، و (لم) يصحبها بتقديس ولا تمجيد قال فيها (١): أما بعد، فقد قال معاوية ما قد علمتم، وشهد الشهود بما قد سمعتم، وإنما كنت امرءًا حفظ الله منه ما ضيع الناس، ووصل ما قطعوا (٢). ألا وأنا قد ولينا وولينا الوالون، وسسنا وساسنا السائسون، وأنا وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة في غير عنف. ولين (٣) في غير ضعف، وأيم والله ما من كذبة أكثر شاهدًا من كذبة إمام على منبر، فإذا سمعتموها فاغتنموها (٤). واعلموا أن عندي أمثالها (٥)، فإذا رأيتموني آمر فيكم الأمر فانفذوه. على أذلاله (٦)، وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي. وأيم الله لأخذن البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد فقد قتل سعيد (٧). ومنه قوله (٨): حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا، فإياي ودلج

стр. 4407

الليل، وإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثًا، وأحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قومًا غرقته، ومن حرق قومًا أحرقته، ومن نقب بيتًا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفنته فيه حيًا، فكفوا أيديكم وألسنتكم، أكفّ عنكم، وقد كانت بيني وبين أقوام منكم أشياء (١)، قد جعلتها دبر أذني، وتحت قدمي، فمن كان منكم مسيئًا فلينزع، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف (٢) (له) قناعًا ولم أهتك له سترًا. حتى يبدي صفحته لي، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فأعينوا على أنفسكم، وائتنفوا أمركم. ومنهم: [١٥] خالد (٣) بن يزيد بن معاوية أحد رجالات قريش وسادتها، وقادة الكلم الروائع وقالتها، أصحب معلمًا، وأصبح به ذلك الطراز معلمًا، وهو من حيث نزع عرقه، ولمع برقه من بني أمية بن شمس بن عبد مناف، وممن عهد النجم معه ثم أناف، استل من صميم فهر بن مالك، وأرضع بماء زمزم فنشأ، على ذلك، فكان من قصي بن عبد العزى في قننها الشم، وألسنتها المشتقة من صخر، وهي تسمع الصّم، قال الجاحظ (٤): كان خطيبًا شاعرًا، وفصيحًا جامعًا، جيد الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجمت (٥) له كتب الطب والنجوم والكيمياء، قلت، قد مر طرف من ذكره في ترجمة الأستاذ أبي إسماعيل الطغرائي، ومن كلمه السائرة، وقد قيل له: هلا تخرج على مروان؟ إني لا أشتري ملكًا يهلك. وأرى ملك هذا الرجل في مباد لا بد أن يبلغها، ولدول الأيام آجال سوف ينتهي إليها: ومن شعره (٦):

стр. 4408

رأيتُ خلاخيلَ النّساءِ يجُلنَ ولا … أرى (١) لِرملةَ (٢) خِلخالًا يجولُ ولا قلبا أحبُّ بني العوام طُرًّا لحُبّها … ومِنْ حُبّها أحبَبْتُ أخوالها كَلبا ومنهم: [١٦] قطري بن الفجاءة (٣) رأس الأزارقة (٤)، ونبراس حرب ما كذبت له بارقة، كان قائد الخوارج إذا تلاقوا، ووارد حياض الموت إذا تساقوا، وكان يكنى بأبي نعامة ( ..... ) بالزعامة، موقد نار الحرب ومضرمها، وعاقد حبال الصفوف ومبرمها وهو أبل الخطباء والشعراء ريقًا، وأجل عُصَب الخوارج مرتقا. وله في خطبه لهم ومواعظه التي نهجت سبلهم ما رويت به الرواة، ورويت له به الفصاحة لا اسواه. ومن أسهلها نهجًا. وأفضلها نسجًا قوله (٥): أما بعد فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة حقت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وزينت (٦) بالغرور، لا تدوم عطيتها (٧)، ولا تؤمن فجيعتها (٨) غرارة ضرارة (٩)، حائلة زائلة، نافذة كابدة (١٠)، وحري بها (١١) ضمت له

стр. 4409

منتصرة إن تميس له خاذلة متنكرة (١) كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي اختيال فيها قد خدعته (٢)، سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، حلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام (٣)، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب (٤)، ألستُم في مساكن من كان أطول منكم أعمارًا، وأوضح منكم آثارًا، وأعد عديدًا، وأكف (٥) جنودًا، آثروا الدنيا أي إيثار (٦) ورحلوا (٧) عنها بالكره (٨) والصغار (٩)، ضعفتهم النوائب، وعقرتهم المصائب (١٠)، هل زودتهم إلا الشقاء، وأحلّتهم إلا الضنك، أو نوّرت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة، أفهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، يقول الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ (١١). حملوا إلى القبور (١٢) فلا يدعون ركبانًا، وأنزلوا فيها فلا يدعون ضيفانا، جعل (١٣) لهم من الصريح أكنانًا (١٤)، ومن التراب أكفانًا، ومن الرُّفات جيرانا (١٥)، جمع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد،

стр. 4410

حلماء ذهبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم، استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقًا، وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه. ومنهم: [١٧] عمران بن حطان (١)، أبو شهاب، أخو سدوس وليس القعدة من الصفرية (٢) رجلٌ، فلت الأشراك، وفات الإدراك، وحضر متقلبًا في خافية وباديه، وحاضره وبادية ومدَّت له الشباك فتخطاها، وشُدَّت عليه الربائط فتمطاها، فوقف على كل منهل، ووقع في كل مستصعب ومستسهل، وطلب السلطان يمنعه الاستقرار، ويضعه طورًا في شاهقة وطورًا في قرار، وأتى دمشق، ونزل بروح بن زنباع (٣)، وكان يسامره، فيسامر عبد الملك بحديثه وهو لا يعرفه، فقال له عبد الملك: إن كنت لابن الحكم فإن سميرك ابن حطان، فأتاه فقال: هلم معي إلى أمير المؤمنين، فقال: على خير، ثم ذهب معه فلما دخل روح باب عبد الملك طلب الرجل فلم يجده، فبث وراءه الرسل، ثم دخل على عبد الملك فقال: إنه لابن حطان، وإنك لا تجده، ولو كان أتاني لأمنته. وذكره الجاحظ وقال (٤): كان من رؤوس الخوارج معدودًا فيهم في العلماء الشعراء الرؤساء أهل الإفتاء. ومن كلمه:

стр. 4411

أشهد أن السماوات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية، بعثت محمدًا ﷺ بأمانات، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ثم حدث أحداث أنت بها أعلم، وفيها أحكم، فأعذنا اللهم من ظلال يعده قوم طاعة، وفرقة يسميها أناس جماعة، وأزل اللهم أئمة الجور، وانصر الحق وأنت أقدر القادرين، وأحكم الحاكمين. ومنهم: [١٨] زياد بن ظبيان التيمي العائشي (١) لسان خطابه، وأفنان ثمرة مستطابة، وابنه عبيد الله (٢) غصن من ذلك الدوح، وشذا من ذلك الروح، قال (٣) زياد لابنه وهو يكيد بنفسه: ألا أوصى بك الأمير، قال: لا، قال: ولم؟ قال: إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت، فالحي هو الميت، فقال: ادن، ادن يا موت، ثم أخذ رأسه فقبل ما بين عينيه، فقال: ربّ إني أدعه إليك، وأودعه، إنه لا يضيع ما استحفظت ولا يراح من أحفظت، اللهم، إليك أسلمه، فسلمه ولا تسلمه. قال الجاحظ (٤): دخل ابنه عبيد الله على عبد الملك بن مروان، فقال له: ما بال الناس يزعمون أنك لا تشبه أباك، قال: والله لأنا بأبي أشبه من الليل بالليل والغراب بالغراب والماء بالماء، ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه، قال: ومن ذاك؟ قال: من لم يولد لتمام، ولم تنضجه الأرحام، ولم يشبه الأخوال والأعمام، قال: ومن ذاك؟ قال: ابن عمي سويد بن منجوف (٥)، فقال عبد الملك: أو كذلك أنت يا سويد؟ قال: نعم، فلما خرجا. أقبل عليه سويد، فقال: وريت بك زنادي، والله ما يسرني (٦) إن كنت نقصته حرفًا وأن لي حمر النعم، قال: وأنا والله ما يسرني بحلمك عني اليوم سود النعم. ومنهم:

стр. 4412

[١٩] عمران بن عصام العَنَزيّ (١) أرى رأْيٌ ومَشورَة، وشَهِدَه خلايا فِكر مَشورَة، بخاطرٍ يُنيرُ إذا قَدَح، ويثير سواكنَ الضمائِر إذا صَدَح. قال الجاحظ: وهو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، والبيعة للوليد ابنه في خُطبَته المشهورة. وقصيدته المذكورة (٢). قال: ولما قتله الحجاج قال عبد الملك. ولم قتله هَلاّ وعى له قوله إذ يقول (٣): وبعثتُ من ولدِ الأعَزّ مُعتّب (٤) … صقرًا يلوذُ حَمامُه بالعِرفِج فإذا طبختَ بنارهِ أَنْضَجْتَه (٥) … وإذا طَبَخْتَ بغيرها لم تَنضَج ومن خطبه قوله: وإياكم والتظالم، فإنه يثير الإحن، ويسوق المحن، ولقد عركتني الأيام عرك الثفال، وقلبتها تقليب العصا، فلم أر مالًا نمى بظلم، ولا حريم احتمى ببغى. وأن لكل شيء مالًا، فانظروا لأنفسكم ما تقدمون، وقدموا ما تجدون واستغفر الله لي ولكم. قالوا: وكانت تُعد أبلغ خُطبة في إيجاز. ومنهم: [٢٠] الحجاج بن يوسف (٦)، أبو محمد الثقفي جمع المَذَام، ومنع بهيبته الكلام أن يتسرب في المَسَام، كان لا يمسح سيفه من

стр. 4413

دم، ولا يجنح به إلى التقوى مندم، فسكن له في القلوب خوف لا يأمن به بريء، ولا يقدم معه جريء، تجمّد منه الريق. فما يبل فما، وتبَهت العين فما تبصر من عمى، وتلبس بخلق انتهك منه المحارم، وأنهب أيام عمره في المظالم، وأقدم على الله ورسوله، وقيل كل عالم، هذا مع دراسة للقرآن ورياسته على أمم من أهل الإيمان، وبحثه عن أمور الأديان، وتحرير كيفية الصلاة والأذان، وكان على إخلاده إلى هواه، وأخلاقه في الغواة، مطبوعًا على شيم الكرماء، كالراح شيب نسيم الماء، تهلل لطفًا فصيحًا، ويتوسع في القول نطاقًا فسيحًا. ولما بعثه عبد الملك على العراق، أتى إليها بمكر أسف طائره، وأرهف باتره، وقصد سيرة زياد فأخطاها (١)، واستقل إمارته واستبطاها. فبدل أناته عجلًا، وسكونه وجلا، ولما صعد المنبر حسر لثامه، وأظهر إبهامه، ثم قال (٢): إن أمير المؤمنين نكث عدانه (٣) بين يده، فوجدني أمرها عودًا وأصلبها مكسرًا، فوجهني إليكم، ألا فوالله لأعصبنكم عصب السلمة، ولألحونكم لحو العود، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد فقد قتل سعيد، إلا وإياي وهذه الشفعاء والزرافات، فإني لا أرى بأحدٍ من الجالسين في زرافة إلا ضربت عنقه. ومنه قوله (٤)، وقد أرجف أهل العراق بموته: إن طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق (٥)، نزغ الشيطان بينهم (٦) فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج، فمه، وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت (٧) والله ما يسؤني إلا أموت، واف لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضى بالتخليد (٨) إلا لأهون خلقه عليه إبليس (٩). ولقد دعا الله العبد الصالح فقال:

стр. 4414

«رب هب لي (١) ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي» فأعطاه ذلك إلا البقاء، فما عسى أن تكون (٢) أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حي منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ثم نقل في ثياب أكفانه (٣) إلى ثلاثة أذرع طولًا في ذراع عرضًا، وأكلت الأرض لحمه، ومصَّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقتسم الحبيب من ماله (٤)، إن الذين يعقلون فسيعلمون (٥) ما أقول، ثم نزل. ومنه قوله، حين أراد الحج (٦): أيها الناس (٧)، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني هذا (٨)، وأوصيته بخلاف الوصية (٩) في الأنصار، أوصى فيهم بأن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وإني أمرته أن لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، إلا وأنكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي، ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة، إلا وإني معجل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة. ومنه قوله (١٠): أما بعد، فإن سيفي نجاده في عنقي، وقائمه بيدي، وذبابه قلادة لمن اغترني. ومنه قوله: أيها الناس، احفظوا فروجكم، وخذوا الأنفس بضمائرها، فإنها أسول شيء إذا أعطيت، وأعصى شيء إذا سئلت، وإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. ومنه قوله (١١):

стр. 4415

أين (١) امرؤ زَوْرٍ (٢) عمله؟ أين امرؤ حاسب نفسه؟ أين امرؤ فكر فيما يقرأه (٣) في صحيفته ويراه في ميزانه؟ أين امرؤ كان عند قلبه زاجرًا، وعند همه آمرًا، أين امرؤ أخذ بعنان عمله (٤) كما يأخذ بخطام جهله، فإن قاده إلى طاعه الله (٥) تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفاه. ومنهم: [٢١] يوسف بن عمر الثقفي (٦) لم يبعد عن مسير الحجاج ولا قاد بها في اللجاج، فكان وسط بين، وسقط زناد ولا بالصعب ولا بالهين. وكان على اليمن ثم ولي العراق مدة زمن. إلا أنه لم يطش له سيف. ولم يعش للحجاج به كثير حيف. لأنه كان مقتصدًا لا يسرف، ومعتمدًا أنه لا ينكف، فعل من يتظلم من جوره، أو يتكلّم أنه متعدّ لطوره. ومن خطبه التي نقلت في الأقطار، ونقدت في البلاد. قوله (٧): اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمل أملًا لا يبلغه، وجامع مالًا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، أصاب حرامًا وورثه عدوًا (٨)، واحتمل إصره، وباء بوزره، وورد على ربّه أسفًا لهفًا (٩) قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. ومنهم: [٢٢] عتبة (١٠) بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام خطيب محفل لا يحسّر، وحظي جحفل لا يكسر، طالما شرق به العابد، ورشق به
следующие страницы →