أشهد أن السماوات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية، بعثت محمدًا ﷺ بأمانات، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ثم حدث أحداث أنت بها أعلم، وفيها أحكم، فأعذنا اللهم من ظلال يعده قوم طاعة، وفرقة يسميها أناس جماعة، وأزل اللهم أئمة الجور، وانصر الحق وأنت أقدر القادرين، وأحكم الحاكمين.
ومنهم:
[١٨] زياد بن ظبيان التيمي العائشي (١)
لسان خطابه، وأفنان ثمرة مستطابة، وابنه عبيد الله (٢) غصن من ذلك الدوح، وشذا من ذلك الروح، قال (٣) زياد لابنه وهو يكيد بنفسه: ألا أوصى بك الأمير، قال: لا، قال: ولم؟ قال: إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت، فالحي هو الميت، فقال: ادن، ادن يا موت، ثم أخذ رأسه فقبل ما بين عينيه، فقال: ربّ إني أدعه إليك، وأودعه، إنه لا يضيع ما استحفظت ولا يراح من أحفظت، اللهم، إليك أسلمه، فسلمه ولا تسلمه.
قال الجاحظ (٤): دخل ابنه عبيد الله على عبد الملك بن مروان، فقال له: ما بال الناس يزعمون أنك لا تشبه أباك، قال: والله لأنا بأبي أشبه من الليل بالليل والغراب بالغراب والماء بالماء، ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه، قال: ومن ذاك؟ قال: من لم يولد لتمام، ولم تنضجه الأرحام، ولم يشبه الأخوال والأعمام، قال: ومن ذاك؟ قال: ابن عمي سويد بن منجوف (٥)، فقال عبد الملك: أو كذلك أنت يا سويد؟ قال: نعم، فلما خرجا. أقبل عليه سويد، فقال: وريت بك زنادي، والله ما يسرني (٦) إن كنت نقصته حرفًا وأن لي حمر النعم، قال: وأنا والله ما يسرني بحلمك عني اليوم سود النعم.
ومنهم:
стр. 4412
[١٩] عمران بن عصام العَنَزيّ (١)
أرى رأْيٌ ومَشورَة، وشَهِدَه خلايا فِكر مَشورَة، بخاطرٍ يُنيرُ إذا قَدَح، ويثير سواكنَ الضمائِر إذا صَدَح.
قال الجاحظ: وهو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، والبيعة للوليد ابنه في خُطبَته المشهورة. وقصيدته المذكورة (٢).
قال: ولما قتله الحجاج قال عبد الملك. ولم قتله هَلاّ وعى له قوله إذ يقول (٣):
وبعثتُ من ولدِ الأعَزّ مُعتّب (٤) … صقرًا يلوذُ حَمامُه بالعِرفِج
فإذا طبختَ بنارهِ أَنْضَجْتَه (٥) … وإذا طَبَخْتَ بغيرها لم تَنضَج
ومن خطبه قوله:
وإياكم والتظالم، فإنه يثير الإحن، ويسوق المحن، ولقد عركتني الأيام عرك الثفال، وقلبتها تقليب العصا، فلم أر مالًا نمى بظلم، ولا حريم احتمى ببغى. وأن لكل شيء مالًا، فانظروا لأنفسكم ما تقدمون، وقدموا ما تجدون واستغفر الله لي ولكم.
قالوا: وكانت تُعد أبلغ خُطبة في إيجاز.
ومنهم:
[٢٠] الحجاج بن يوسف (٦)، أبو محمد الثقفي
جمع المَذَام، ومنع بهيبته الكلام أن يتسرب في المَسَام، كان لا يمسح سيفه من
стр. 4413
دم، ولا يجنح به إلى التقوى مندم، فسكن له في القلوب خوف لا يأمن به بريء، ولا يقدم معه جريء، تجمّد منه الريق. فما يبل فما، وتبَهت العين فما تبصر من عمى، وتلبس بخلق انتهك منه المحارم، وأنهب أيام عمره في المظالم، وأقدم على الله ورسوله، وقيل كل عالم، هذا مع دراسة للقرآن ورياسته على أمم من أهل الإيمان، وبحثه عن أمور الأديان، وتحرير كيفية الصلاة والأذان، وكان على إخلاده إلى هواه، وأخلاقه في الغواة، مطبوعًا على شيم الكرماء، كالراح شيب نسيم الماء، تهلل لطفًا فصيحًا، ويتوسع في القول نطاقًا فسيحًا. ولما بعثه عبد الملك على العراق، أتى إليها بمكر أسف طائره، وأرهف باتره، وقصد سيرة زياد فأخطاها (١)، واستقل إمارته واستبطاها. فبدل أناته عجلًا، وسكونه وجلا، ولما صعد المنبر حسر لثامه، وأظهر إبهامه، ثم قال (٢): إن أمير المؤمنين نكث عدانه (٣) بين يده، فوجدني أمرها عودًا وأصلبها مكسرًا، فوجهني إليكم، ألا فوالله لأعصبنكم عصب السلمة، ولألحونكم لحو العود، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد فقد قتل سعيد، إلا وإياي وهذه الشفعاء والزرافات، فإني لا أرى بأحدٍ من الجالسين في زرافة إلا ضربت عنقه.
ومنه قوله (٤)، وقد أرجف أهل العراق بموته:
إن طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق (٥)، نزغ الشيطان بينهم (٦) فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج، فمه، وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت (٧) والله ما يسؤني إلا أموت، واف لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضى بالتخليد (٨) إلا لأهون خلقه عليه إبليس (٩). ولقد دعا الله العبد الصالح فقال:
стр. 4414
«رب هب لي (١) ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي» فأعطاه ذلك إلا البقاء، فما عسى أن تكون (٢) أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حي منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ثم نقل في ثياب أكفانه (٣) إلى ثلاثة أذرع طولًا في ذراع عرضًا، وأكلت الأرض لحمه، ومصَّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقتسم الحبيب من ماله (٤)، إن الذين يعقلون فسيعلمون (٥) ما أقول، ثم نزل.
ومنه قوله، حين أراد الحج (٦):
أيها الناس (٧)، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني هذا (٨)، وأوصيته بخلاف الوصية (٩) في الأنصار، أوصى فيهم بأن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وإني أمرته أن لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، إلا وأنكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي، ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة، إلا وإني معجل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة.
ومنه قوله (١٠):
أما بعد، فإن سيفي نجاده في عنقي، وقائمه بيدي، وذبابه قلادة لمن اغترني.
ومنه قوله: أيها الناس، احفظوا فروجكم، وخذوا الأنفس بضمائرها، فإنها أسول شيء إذا أعطيت، وأعصى شيء إذا سئلت، وإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله.
ومنه قوله (١١):
стр. 4415
أين (١) امرؤ زَوْرٍ (٢) عمله؟ أين امرؤ حاسب نفسه؟ أين امرؤ فكر فيما يقرأه (٣) في صحيفته ويراه في ميزانه؟ أين امرؤ كان عند قلبه زاجرًا، وعند همه آمرًا، أين امرؤ أخذ بعنان عمله (٤) كما يأخذ بخطام جهله، فإن قاده إلى طاعه الله (٥) تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفاه.
ومنهم:
[٢١] يوسف بن عمر الثقفي (٦)
لم يبعد عن مسير الحجاج ولا قاد بها في اللجاج، فكان وسط بين، وسقط زناد ولا بالصعب ولا بالهين. وكان على اليمن ثم ولي العراق مدة زمن. إلا أنه لم يطش له سيف. ولم يعش للحجاج به كثير حيف. لأنه كان مقتصدًا لا يسرف، ومعتمدًا أنه لا ينكف، فعل من يتظلم من جوره، أو يتكلّم أنه متعدّ لطوره.
ومن خطبه التي نقلت في الأقطار، ونقدت في البلاد. قوله (٧):
اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمل أملًا لا يبلغه، وجامع مالًا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، أصاب حرامًا وورثه عدوًا (٨)، واحتمل إصره، وباء بوزره، وورد على ربّه أسفًا لهفًا (٩) قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
ومنهم:
[٢٢] عتبة (١٠) بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
خطيب محفل لا يحسّر، وحظي جحفل لا يكسر، طالما شرق به العابد، ورشق به
стр. 4416
المعاود، قال الجاحظ (١): كان من ذوي الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف وكان أبوه خامس خمسة في الشرف والساعي بين الأسد (٢) وتميم في الصلح.
ومن كلمه:
من لم يعرف الشر وقع فيه. ومن لم يعرف الخير لم يحرص عليه. والمروءة مروءتان، ظاهرة وباطنة، فالباطنة تقوى الله ، والظاهرة الثياب الطاهرة.
ومنهم:
[٢٣] شعبة بن القلعم (٣)، من بني حرقوص
لسان جواب، وبيان قصد وصواب، ويصح ما ظنّ، ويصيب إذا قال كأن.
قال الجاحظ (٤): ذا عارضة وكان وصافًا فصيحًا. وكذلك كان بنوه عبد الله وعمر وخالد، وجمع خالد مع اللسان والعلم الحلاوة والطَّرف، وكان الحجاج لا يصبر عنه.
ومن خطبه قوله:
أما بعد، فإن العبد إذا استجار ربّه، واستشار النصحاء من إخوانه فقد قضى ما وجب، ويقضي الله من أمره ما أحبّ.
ومنهم:
[٢٤] أبو بكر بن الحكم (٥)
خطيب، كان مبلغًا لأسماع، ومسوّغًا لإجماع، طالما أتى بها ارتجالًا، وشأى بحطها رجالًا.
стр. 4417
قال الجاحظ (١): كان ناسبًا، راويةً، شاعرًا، أحلى الناس لسانًا، وأحسنهم منطقًا، وأكثرهم تصرفًا، وفيه يقول رؤبة:
لقد خشيتُ أن يكون ساحرا
راويةً مُرًّا ومرًا شاعِرا
ومن كلامه الغُرّ:
لا مال لك إلا حين تنفقه، ولا فرس إلا لمن ملك عِنانه. وعليكم بصون النساء، فإنهن أشدّ نفارًا من الإبل.
ومنهم:
[٢٥] خالد بن صفوان (٢)
لسانُ جُبَل على الكلام، وبيان خُلُق للأقلام، لما قدم أُمية بن عبد الله منهزمًا، لم ينج إلا أن طار على ظهور السوابق مخبرها، قال الناس: كيف ندعو المنهزم، فتقدم أمامهم كالملتزم، وقال: بارك الله لك أيها الأمير في قدومك، والحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جُهدك، فعلم الله حاجتنا إليك، فآثرنا بك عليك، ولك عند الله ما تُحب.
ومنه قوله (٣):
بتّ ليلة أتمنّى حتى كبستُ (٤) البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت فإذا يكفيني من ذلك رغيفان، وكوزان طمران (٥).
ومنهم:
стр. 4418
[٢٦] الحنتف بن يزيد (١) بن جعونة
رافع علم كل حسب، وجامع فضل خطابه إلى علم نسب، وكان شجى منازع، وشجن خصم وازع.
قال الجاحظ: كان نسابة عالمًا بالنسب، وعرض له دغفل بن حنظلة (٢) العلامة بالبصرة فقال له: ناشدتك الله أنحن كنا أكثر لكم غزوًا في الجاهلية أم أنتم لنا، قال: بل أنتم فلم تفلحوا ولم تنجحوا، أغزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم فهزمناه، مرةً، وأسرناه مرة، وقتلناه مرة (٣)، فأخذتم في فدائه خدر أمه، ثم غزانا أكثركم غزوًا وأسهمكم ذكرًا، فأعرجناه ثم أرحلناه، فدخل بينهم ابن عامر (٤) حتى كفا.
ومن خطبه:
إن لكل يد يدًا، وإن لكل يوم غدًا، فلا يقعدنكم يوم عن يوم، ولا يشغلنكم سوء منقلب عن حسن طلب، وهموا فإنما الدنيا همم، والأيام دول، والحروب نوب، والحازم من لم يكن إلى العجز ولكل موتور حق، ولكل طالب عون، والله مع من كان معه.
ومنهم:
[٢٧] خالد بن عبد الله (٥) القسري
قسر هواه على الكرم، وقصر مداه على حمل الشّيم، وكان يحب حسن الأحدوثة، وحسب ما ألقى به حديثه، فخلد له من المآثر ما كان أبو جعفر المنصور من
стр. 4419
رواته. المقصور على تغطية سوءاته مما كان يتولاه أبناء مروان في إمارتهم، ويتوالاه من غرارتهم. وكان بأمه، وتعدد بها أسباب ذمه، يقال إنها نصرانية، وإنه منهلها أشربته.
وإنه ابتنى لها بداره كنيسة، يتعهدها ويقام بها أحدها، وأنه كان يرعى لأجلها كل كنيسة، ويقرّب في كل دير وقديسه وقسوسه وشماميسه، وكان على هذه الشيع، وفتح أبواب الكنائس والبيع، من الخطباء الأفراد، والفصحاء في كلّ مراد. وارتج عليه مرّةً حتى لم ينطق ببنت شفة ولم يطلق عقال لسانه بكل معرفة، هذا مع كونه المعدود من فرسان المنابر، ولسان ما يحدث عن القرون (١) الغوابر.
ومن خطبه قوله:
ذكر الله [ ﷻ ]، فقال: كنت كذلك ما شئت أن تكون لا يعلم كيف أنت إلا أنت، ثم ارتأيت أن تخلق الخلق ( … ... ) وحيث به من عجائب صنعك، والكبير والصغير من خلقك، والظاهر والباطن من دورك، من صنوف أفواجه وأفراده وأزواجه. كيف ارتجت قوائم الذرة والبعوضة إلى ما هو أعطن من ذلك من الأشباح التي امتزجت بالأرواح.
وخطب يومًا فسقطت جرادة على ثوبه فقال (٢):
سبحان من الجرادة من خلقه، أدمج قوائمها، وطوقها جناحًا (٣)، ووشى جلدها (٤) وسلطها على ما هو أعظم منها.
ومنه قوله وقد ارتج عليه (٥):
إن هذا الكلام يجيء أحيانًا ويغرب (٦) أحيانًا، وربما طلب فأبى، وكوثر فقسا (٧)، فالتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيه، وقد يختلج من الجريء جنانه وينقطع من الذرب لسانه، ولا يبطره ذلك ولا يكسره (٨) وسأعود إن شاء الله.
ومنهم:
стр. 4420
[٢٨] داود (١) بن علي بن عبد الله بن العباس
صاحب النسب القصير، والحسب المنير، عمّ السفاح والمنصور، وبه ثم غالب تلك الأمور، وكان جناحهما المكسور، المهزور، وسماحهما المحفور، وسمامها الذعاف، وشهامهما إذا عدّدت أجيال عبد مناف، وذكره الجاحظ، وقال: كان من أنطق الناس وأجودهم ارتجالًا. ويقال إنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط.
وخطب بمكة فقال (٢):
شكرًا شكرًا، أما والله ما خرجنا لنحفر بكم نهرًا، ولا لنبني فيكم قصرًا. أظنّ عدوّ الله أن لن يظفر به، ويجرّه رسنه إلى سوء منقلبه، أغرّه إن أرخى زمن له من زمامه حتى عثر في فضل خطامه (٣)، فالآن عاد الأمر في نصابه وطلعت الشمس من مطلعها، والآن أخذ القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقره في أهل بيت نبيكم، بيت الرأفة والرحمة.
قلت (٤): ولما ارتج على السفاح يوم مبايعته بالكوفة، كان معه في تلك الساعة المخوفة، كان معه على المنبر دونه بمرقاة فحمل عنه عبء الخطبة وتلقاه، وما بلع ريقه ولا استقال، حتى خطب فكان مما قال:
أحرز إنسان رأسه، اتعظ امرؤ بغيره، اعتبر عاقل قبل أن يُعتبر به، فأمسك الفضل من قوله، وقدم الفضل من عمله، ثم أخذ بقائم سيفه فقال: إن بكم داء هذا دواؤه، وأنا زعيم لكن بشفائه، وما بعد الوعيد (إلا) (٥) الإيقاع، يا أيها الناس إن أمير المؤمنين كره (٦) أن يتقدم قوله فعله. ولا يرى المقالة عليكم بأحق من تشقيق المقالة (٧)، وحسبكم بكتاب الله تمثيلًا (٨) فيكم وابن عم رسول الله خليفة عليكم، والله قسمًا برًا لا أريد إلا
стр. 4421
الله به، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله ﷺ أحق به من علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا فليظنّ ظانّكم، وليهمس هامسكم.
ومنهم:
[٢٩] أيوب (١) بن القرية
حافظ وسع بطانة ما استحفظ. وجمع بيانه ما يلفظ، وبه يضرب المثل الشرود، ويشرب منه للصدور والورود، فورد ذكره على العرب أمواهها، ووشم غرر الأيام وجباهها. قال الجاحظ (٢): لما دخل على الحجاج قال له: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة صنوف، كأنهنّ ركب وقوف، دنيا وآخرة ومعروف.
ومن كلمه قوله:
جودوا الله بماله، وتقربوا إليه بما فرض عليكم من أعماله، فما زرعتم حصدتم وما أقرضتم أنفذتم.
ومنهم:
[٣٠] جحدب اليمني (٣)
وابل صابت ديمه الروية، ونابل أصابت أسهمه الرمية، تمت إليه تميم المكارم، وانتمت إليه انتماءها إلى دارم، فطافت من بيته بشاعر، وطالت منه بالخطيب اللسن والفرزدق الشاعر.
стр. 4422
وقال الجاحظ (١): وكان قد قضى على جرير في بعض مذاهبه، فهجاه ولقيه خالد بن سلمة المخزومي (٢) فقال له: والله ما أنت من حنظلة الأكرمين، ولا سعد الأكثرين، ولا عمرو الأشدّين، وما في تميم خير بعد هؤلاء، فقال له جحدب: والله إنك لمن قريش، وما أنت من بيت نبوتها ولا من شوارها وخلافتها، ولا من أهل سدانتها وسقايتها فانظر من أي فئة أنت.
ومنهم:
[٣١] معلل بن خالد
أحد بني أنمار، من الهجيم، نسج الخطب المحبّرات ونشر الأدب كالخبرات، فألهى رحيقه المحلّل، وأنسى كأس الراح المحرم بجنى ريعه المعلل، قال الجاحظ (٣): وكان نسابة علامة صدوقًا مقلدًا، وذكر للمنتجع بن نبهان (٤) فقال: كان لا يُجارى ولا يُمارى، ولا يماشي (٥).
ومن كلمه:
بسط بقدرته الأرض ودحاها، وأثبت النجوم ومحاها، وجعل الأرض مهادا، وقسم البلاد أعوادًا وأنجادًا، وخلق الأشياء تؤمًا وفرادى، فكيف تكفر نعمه وأنتم فيها مخوّلون، أو يجحد حقه وأنتم إليه آيلون، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
стр. 4423
ومنهم:
[٣٢] أبو إياس النصري (١)
رُدِف به في الذكاء إياس (٢)، وصُرِف إليه النظر منه على قياس بفطنة تبارك زكي من فطرها وأذكى فطرها.
قال الجاحظ (٣): وهو الذي قال: كانوا يقولون أشعر العرب أبو دواد الإيادي وعدي بن زيد العبادي.
ومن كلمه:
يا قوم اعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأصدقوا الله النية قبل الفعل، فوالله إنكم لن تخذلوا ما أجمعتم، ولن تنصروا ما افترقتم، وانظروا أيام الناس، وقيسوا الأمر على سهمه، فالأيام واحدة، والناس الناس، وإنما هو أمر مطاع، أو شورة متبعة وأنتم، وما شئتم.
ومنهم:
[٣٣] عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٤)
مقسم من سماه ونجاح وينتقل آونة لفساد وآونة لصلاح، فإن يبعد البون وكان لنعم الخليفة منه نعم العون، فافتر به بعد الزمان ابتسامًا، وثبت في صحائف الأيام ارتسامًا.
قال الجاحظ (٥): وكان راويةً ناسبًا شاعرًا قائلًا قول المرجئة، ثم رجع عنه واختص بعمر بن عبد العزيز، وفيه قول جرير:
يا أيها الرجل المرخي عمامته … هذا زمانك أني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أني لدى الباب كالمشدود في قرن
ومن كلام عون المشهورة: اللهم أنا زرع نعمك، فلا تجعلنا حصائد نقمك.
стр. 4424
ومنهم:
[٣٤] عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن هبيرة بن المنذر (١)
فنن فنون وفتى مثاب وفتون غلب بطامي بحره، وخلب بمخيل سحره، إذ كان لا يزال يجلو البيان بتصوّره، ويخيل العنان في استحسان صوره، حتى أبرزها كوامل لم تخدج، وصحائح لم تخلج، وحججًا شافية بها يفلج.
قال الجاحظ (٢): وكان فقيهًا، عالمًا، قاضيًا، شاعرًا، راوية، حاضر الجواب مفوّهًا، يشبه بالشعبي (٣) لاجتماع ذلك فيه، وفيه يقول يحيى بن نوفل (٤):
لما سألتُ الناس أين المكرمة … والعز والجرثومة المقدمة (٥)
وأين فاروق الأمور المحكمة … تتابع الناس على ابن شُبرمْه
وقال له فقيه (٦): من عندنا خرج العلم، قال: نعم ثم لم يرجع إليكم.
ومن خطبه:
لو اتخذتم النصفة بينكم منهاجًا لم تتشعب بكم الطرق. ولكنكم أمرتم عليكم هواكم المطاع فيتظالم، ووالله لئن لم ينخلع أحدكم في دنياه من كل ما يملكه أجدى له من إمساك ذرة يسأل عنها في آخرته، فارجعوا رحمكم الله إلى أحلامكم، ومهدوا لمواطئ أقدامكم، واعلموا أن الله بمرأى منكم ومسمع.
ومن شعره قوله في ابن أبي ليلى (٧) القاضي:
стр. 4425
وكيف ترجي لفضل القضاء … ولم تصب الحكم في نفسكا (١)
وتزعم أنك لابن الجلاح … وهيهات دعواك من أصلكا
ومنهم:
[٣٥] عيسى بن يزيد بن دأب، أبو الوليد (٢)
لب الفصاحة وقبلها. وفرط الحصافة وقبلها، كأن زواجر وعظه قارعا، وزواخر لفظه فارعا، بأفكار أنفذها حبات القلوب وأمهرها، وروى بها حروف المسامع وأنهرها.
قال الجاحظ (٣): أحد (٤) بني ليث بن بكر، أنه كان ممن يؤلف الكلام الجيد، ويولد للشعراء القصائد الشريفة الغريبة (٥)، مع بيان عجيب، ورواية كثيرة وحسن إشارة.
ومن كلمه قوله:
واستغفروا الله بفعلكم قبل ألسنتكم، وتوبوا إليه بنياتكم قبل بنياتكم، ليرسل عليكم السماء مدرارا، ويجعل لكم جنات وأنهارا، فإن وعده لا يخلف، ووعيده لا يصرف وتجنبوا مصارع الأمم، واستعيذوا من مزارع النعم.
ومنهم:
[٣٦] كلثوم بن عمرو العتابي، أبو عمرو، من ولد عمرو بن كلثوم (٦)
سلاف البلاغة ومعتصرها، وقطاف البراعة ومهتصرها، ومسمع الخطب التي تغسل بالشؤون الذنوب. وتفيض الجفون كالدنوب. بمواعظ تقع في القلوب قبل
стр. 4426
المسامع، وترقع بأبر الأهداب وخيوط المدامع.
قال الجاحظ (١): وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلّف مثل ذلك من شعراء المولّدين كمنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأشباههما. وكان يحذو حذو بشار في البديع:
[ومن كلمه قوله] (٢):
واعلموا أن الدنيا دار غرور وموضع مساءة وسرور، وهي دار جزاء ومكان بلاء شرها غالب، وضرها عاجل، وليلها كثير، وحوبها كبير، تبًا لمن رغب في متاعها، وراودها بعد امتناعها، فرحم الله من تبصرها بعين الحقيقة وراعاها بنظر التوفيق. وإلا فالجار سوء عقبى الدار.
ومن شعره:
نهى قلوب الغواني عن مواصلتي … ما يفجأ العين من شيبي ومن قصري
إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي … واجتاح ما بنت الأيام من خطري
أيام عمرو بن كلثوم يسوّده … حيا ربيعة والأفناء من مُضَر
أرومة عطلتني من مكارمها … كالقوس عطلها الرامي من الوتر
ومنهم:
[٣٧] سهل بن هارون بن راهبوني (٣)
الكاتب، طلع هلالًا، ونبع زلالًا، وكتب فكبت، ونبت فثبت. وخطب في عموم المصالح فخلص من العطب، وشبَّ في الجوانح ما لا يوقده الحطب، بكلم بوازغ وحكم بوالغ، ضمنها مواعظ، رقل في الإسماع، وتنقل إلى الإجماع، نور نجومها
стр. 4427
وضوّاها، وأحلّ نجودها أغوار الخواطر وبوّأها، فافترت لها مياسم راق التئامها، وجلت كواسم، راع العقود التئامها، إلى سمعة له أسمعت من الصمم، وسعت في الآفاق سعي الهمم، فتوضح نجمًا يتقد، وفهمًا يعتقد فيه من يعتقد.
قال الجاحظ (١) وقد ذكره: صاحب كتاب ثعلة وعفرة، في معارضة كتاب كليلة ودمنة إلى تصانيف أخرى، وهو ممن جمع الخطب والشعر والرسائل القصار والطوال، والكتب الحسان المجلدة، والسير المدونة.
ومن خطبه قوله:
وقد ذلّل لكم المناكب، ونصب لكم عليها أعلام النجوم، وعرفكم عدد السنين والأيام، بشهور زين غررها بالأهلة، وطوالع جعل عليها كالأدلة، فأي النعم لم يُسبغ عليكم رداءه، وأي الآلاء لم يُضاعف لكم عطاءه، فأقدروا حق نعمه، واستعيذوا برضاه من سخطه، ولوذوا بعفوه من نقمه، واشكروا له ولا تكفرون.
ومنهم:
[٣٨] عثمان بن عروة (٢)
منشيء خطب، أبدع قيمها منها وفطرها، وغالي قيمها وخطرها، بفصاحة أفصح بها وأبان، ورجاحة فضح بها سحبان، ففتح بها مقفلًا، وفسخ بها زمامًا مقبلا، فوصلت إلى القلوب سريعًا، وأقالت من الذنوب صريعًا، بأخبار في إيجاز واختصار وإنجاز، وذكر الجاحظ (٣): الشكر وإن قلّ، ثمن لكل نوال وإن جلّ.
ومنهم:
[٣٩] عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس (٤)
عم الخليفتين المذكورين الخارج على المنصور، الوالج عليه غاب الأسد
стр. 4428
الهصور، وتقدّم في ترجمة أبي جعفر المنصور طرف من خبره، وطرف من حديث تأييده عليه وتنمره، غير أننا لم نترجم له استقلالًا، ولم ينجم له الرأي العيون ولا الإسماع مقالًا، وكان من أفصح قريش مقولًا، وأنفح لعود المنبر مندلًا.
ومن فصول خطابته، وفصيح قوله على غرابته:
يا أهل الشام، ويا شيعة عباد الأصنام، حاربتم آل بيت نبيكم بقلوب مصونها يعقل عن الله خطابه، ويعرف له حقه، حتى إذا ذهب الله بطاغوتكم ونكل بمروان وشيعته الفجرة اطمأننتم إلى الغدر، ولذتم بالمكر، تحسبونني لا أعرف عظامكم، ولا أزلزل أقدامكم كلا والله لأبرينكم بري المدى، ولأطحننكم طحن الرحا، وليسلسن لي قيادكم وتستقيم أزوراركم، وإياكم والأماني، فإنها خدع غرور وخيال إفك وزور، والله عاقبة الأمور.
ومنهم:
[٤٠] عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس (١)
ملك يحكم الضيوف في أمواله، ويحتم على نفسه الجود قبل سؤاله. برا والصوارم تنبو، وورى والضرائم تخبو، جرى والعزائم تكبو، وكان هاشميًا مغرقًا، وقرشيًا معرقًا، وكان شرف ذلك الأوان، وفخر بني العباس ومروان، قيل إن أمه أنت صالحًا، وعبد الملك حمل مروان بن محمد، وكانت عنده، وعرض له الرشيد يومًا بذلك فقال: لا أبالي لأي الفحلين كنت.
قال الجاحظ (٢): سأله الرشيد: كيف رأيت أرض كذا؟ فقال: مسافي ريح
стр. 4429
ومنابت شيح. قال: فأرض كذا؟ قال: هضاب حمر، وتراب عفر، قال: فأرض كذا؟ قال: جبال شامخة، وأودية راسخة، قال: فأرض كذا؟ قال: أرض مراحه، كأنها بطن راحة، وحشها سارح، وطيرها سانح، وحوتها في مائه سابح، ماؤها عذب وفناؤها رحب، وجوها رطب، تبرز شمسها نقية، وتطلع نجومها درية، ولم يزل الرشيد حتى أتى منه على ما أراد، ثم قال: يا عم، أنت شيخنا وخطيبنا، بلسانك ننطق وبنوئك نغدق، فقال له: والله لأنت يا أمير المؤمنين بهذا القول أولى مني بما قلت في، فأبقاك الله بقاء تلبس جدته ويستطيب عمره قال: وأنت يا عم، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، قال: استعن بها في بعض تكاليفك. ومن شعره، وقد رأى ما أحدث أحداث بني العباس:
لبسنا المجد عن إباء صدقٍ … أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الكريم تواكلته … ولاة السوء أوشك أن يضيعا
ومنهم:
[٤١] الفضل بن عيسى الرقاشي (١)
فضل محنه، وأصل فيه فتنة، وعلى هذا كان ذا لسان أسرع من السنان، وبيان أطوع من البنان، إلى تشقيق الكلام، وتحقيق كالكلام.
قال الجاحظ (٢): كان من أخطب الناس، وكان متكلمًا، قاصًا مجيدًا، وكان يجلس إليه (٣) عمرو بن عبيد، ويكثر منه هو كثير من الفقهاء، وهو رئيس الفضلية (٤)، وإليه ينسبون. وكان لا يركب إلا الحمير.
ونظر مرة إلى حمار فقال:
قعدة نبي وبذلة (جبار) (٥) وعليكم بالصبر، فإنه سبب الأجر، وموقف النصر، واعلموا أن النعم لها مثل نفار الإبل، وأنها لا تتألف إلا بأداء حق الله فيها، فأدوا إلى الله حقه، وواسوا بفضول أموالكم خلقه، واذكروا الفقر في الغنى، والضيق في السعة،
стр. 4430
وإياكم والغفلة، والاغترار بالمهلة فيأتي الموت والله غير بعيد، والوعد والوعيد.
ومنهم:
[٤٢] شبيب بن شيبة التميمي (١)
ربُّ الفكر الوقَّاد الحمى. كان يشب توقدًا، وينشب بالمندل الرطب موقدًا، توالى الدولة الهاشمية في الدولة الهشامية، ووالى بني العباس زمان بني أمية، وقد مضى له في ترجمة المنصور ذكر وأنه في الخطابة كلّ بكر. كان المنصور قد ضمّه (إلى) المهدي، وكان يعظه في الخلو والندي.
ومنه قوله (٢):
إن الله لم يرض أن يجعلك دون أحد من خلقه، فلا ترض أن يكون أحد أخوف الله منك. وإياك واطراء المادحين، فإنه هلاك، أو المهلة فإنها فوات.
ومنهم:
[٤٣] عمر بن عبد الله بن عبد العزيز القرشي العدوي
وهو ممن ذكرته في كتاب «فواضل السمر» وله فضائل إن نبغ عليه فيها قومه لا بتبغى القمر. وله في الخطابة لسان ذلق، وبيان طلق، كأنما خلق قدمه لمنبر وقلمه لنسج برد محبر، ومن خطبه التي شاق الطوال قصارها، ونحم بها للرجال أقصارها قوله:
الحمد لله حمدًا يبلغ ويدي منه و وصلى الله على عبده ونبيه محمد خاتم أنبيائه، وخير أهل أرضه وسمائه. أيها الناس. إن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار. فخذوا من ممركم ومهربكم لمقركم ومرجعكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم في الدنيا كنتم ولغيرها خلقتم، أقول قولي هذا والمستغفر الله والمصلى
стр. 4431
عليه رسول الله ﷺ ، والمدعو له الخليفة أعزه الله والأمير سليمان بن جعفر.
ومنهم:
[٤٤] واصل بن عطاء، أبو حذيفة الغزال، المعتزلي (١)
كان لا يؤدي حرف الراء فتجنبه، وعرى منه كلامه وسلبه. كأنها لم تكن في حروف الهجاء معدودة، ولا في لغة العرب موجودة. هذا مع فصاحة تندى أعطافها، وتدني قطافها، ليس هذا في خطبه التي كان يتصنّعها، وكتبه التي يضعها، بل في جميع مخاطباته وكلامه وكتاباته، تخلق بهذا حتى صار له خلقًا. وألف له شعوبًا وطرقًا، وكان لا يبدو عليه التكلّف أثر ولا يبين له خطأ قدر عليه أحد. ولا عسر مع حذفه حرفًا كثيرًا ما يدور في الكلام ويأتي في الشهادة والتحميدات الكرام.
مولده سنة ثمانين من الهجرة، واشتغل على الحسن البصري ثم اعتزل، وخالفه في قوله في أصحاب الكبائر من المسلمين أنهم ليسوا بمؤمنين ولا كافرين بل لهم منزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلة. ولم يكن غزالًا إنما كان يواظب سوق الغزالين ليعرف المتعففات من النساء فيعطيهن الصدقة، وتجنّب حرف الراء في كلامه، حتى ذكر ذلك الشعراء، فمنه قول بعضهم في المدح (٢):
تجنّب لليوم العطاء كما (٣) … تجنّب ابن عطاء لثغة الراء
وتوفي واصل سنة إحدى وثلاثين ومائة.
ومن خطبه المطوّلة المسهبة، المفصلة تفصيل العقود المذهبة، قوله:
الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان ولا يحيط به مكان، ولا يؤده حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعًا. وعدّ له اصطناعًا، فأحسن كل شيء خلقه، وتمم مشيئته. وأوضح حكمته، فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه
стр. 4432
مثقال حبة، وهو السميع العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، تقدست أسماؤه عظمت آلاؤه، علا عن صفات كل مخلوق، وتنزّه عن شبه كل مصنوع. فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما يفعلون، واشهد شهادة حق وقول صدق، بإخلاص نية، وصحة طويّة، أن محمدًا بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته وصفيه. ابتعثه إلى خلقه بالبينة والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عنه رغم راغم، ماضيًا على سنته، موفيًا على قصده، حتى أتاه اليقين فصلّى الله على محمد، وعلى آل محمد، أفضل وأزكى، وأتم وأنمى وأجلّ وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته وأضعاف ذلك إنه حميد مجيد، أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله، والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته وأحظكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد وأحسن عاقبة في معاد، ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها، وخدعها، وفواتن لذاتها وشهوات آمالها فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول، فكم عانيتم من أعاجيبها وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها، واعتمد عليها، أذاقتهم حلوًا ومزجت لهم سمًا، أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكانفوا الحجاب، وأعدوا الجياد وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد فنضتهم بمحملها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقًا، ومن العزة ذلًا، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلتهم الدود، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ولا تجد إلا معالمهم، ولا يحسّ منهم من أحد، ولا تسمع لهم نبسًا، فتزودوا عافاكم الله، فإن أفضل الزاد التقوى واتقوا الله يا أولي الألباب. إن أحسن قصص المؤمنين وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله، الزكية آياته الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فاسمعوا له وأنصتوا، أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم قل هو الله أحد، ثم قال: نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا وإياكم جنات النعيم. أقول أن أعظكم وأستغفر الله لي ولكم.
ومنهم:
стр. 4433
[٤٥] خطيب الخطباء، أبو يحيى عبد الرحيم بن إسماعيل ابن نباتة (١) التميمي (٢) الفارقي
تكفيه خطبة المنام، ورتبة الخطاب النبوي دون الأنام، وكان واسع المعرفة باللغة، أي قالب شاء أبرز المعنى وأفرغه ذلّل رقاب البلاغة واقتادها، وسهل صعاب البلاغة واعتادها، وولع بالترصيع، وذهب خطبه بما لا قدر عليه صاحب بديع، وهي اليوم لا يعلو ذرى المنابر أبلغ من خطبها، ولا يعلق القلوب مع ما فيها من لطائف استعارات، وطرائف عبارات تسمع الرجل الأصم، وتحرّك الجبل الأشم، وكل الخطباء عليه عوله، ولديه لا تجول معه في ميدان جولة، ولولا الاضطرار إلى إثبات بعض خطبه، ولم أجد له سواها ما يقف النظر به، لما أثبت شيئًا من ديوانه، لمسيره في الأقطار من شهرته التي هي السبب في عدم الإقصار.
ومنه قوله:
أما آن لأهل الغفلة أن يستيقظوا، أما حان لأبناء الغفلة أن يتعظوا، أما أزف لأولي العقول أن يتفكروا. أما ردف لذوي التجارب أن يعتبروا، لقد صدقكم الموت عن الخبر. وأراكم تصاريف العبر. فما للقلوب لا تنصدع خشوعًا وما للعيون لا تجري بدل الدموع نجيعًا، وكأنكم الساعة وقد رجف زلزالها واشمخر وبالها، واقمطر نكالها.
ومنه قوله:
لقد علت على قلوبكم الطبع فتملكها، واستحوذ على نفوسكم الطمع فأهلكها، فلا الوعظ يشفي منكم غليلًا، ولا الإنذار يجد إلى قلوبكم سبيلا، فيا عجبًا لغفلة مطلوب لا بد من إدراكه، وارحمتا لمغتر بالسلامة لا ريب في هلاكه، ألا أذن تسمع، ألا قلب يخشع، ألا عين تدمع، ألا هارب إلى الله يفزع، ألا نادم مقلع ألا مشمر مزمع أتظنون أنكم للدنيا عمّار، أم تحسبون أنها لكم دار.
стр. 4434
ومنه قوله:
يا سور الوقائع ويا عرض المصائب، ويا نصيب الوقائع ويا نهب الفجائع. أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة، وقوارعه بكم واقعة، وطلائعه عليكم طالعة، وفجائعه لعذركم قاطعة، وسهامه فيكم نافذة، وأحكامه بنواصيكم آخذه، فحتام وإلام وعلام التخلف والمقام، أتطمعون في بقاء الأبد. كلا والواحد الصمد.
ومنه قوله:
إلى كم تماطلون بالعمل، وتطمعون على بلوغ الأمل، وأنتم قرارة سيل المنايا، وإشارة نيل الرزايا، ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم فللخراب، وما جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتاب مدخر ليوم الحساب.
ومنه قوله:
ابن (١) آدم علا نسبك في الميتين فأعرق، ونازعت جسمك نوب السنين فأخلق، وأنت على حرصك مصرّ، ومما يقربك من الله تفرّ، تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتثق من الحياة بما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله لك من الرزق واثق، ولا لما حذرك من الدنيا مفارق.
ومنه قوله:
من كان الموت طالبه فكيف يلذ قرارًا، ومن كان الدهر محاربه فكيف يطيق انتصارًا، ومن كان الأمل مظنته أرداه عثارًا، ومن كان راحلًا إلى الآخرة فكيف يتخذ الدنيا دارًا، إن هذا إلا غفلة شاملة، وأمنية باطلة، ومنية عاجلة، وسحبة عادلة، فيا فرائس الأحداث، ويا عرائس الأجداث، لقد صفّق الموت في دياركم فنعب، وصدقكم صرف الزمان فما كذب، ووعظكم الدهر ثم ذهب، وأراكم من تقلبه (٢) بكم العجب.
ومنه قوله:
فتأهبوا رحمكم الله لليلة تتمخض بيوم لا ليلة بعده، ولمحاسبة تناقش على النقير والقطمير، لا ظلم عنده. هنالك تكشف الساعة قناعها، ويحيق الندم بمن أضاعها، ولا تخاف إلى الإقالة من باعها.
وقوله:
وإن امرءًا تُعدُّ عليه أنفاسه عدا، ولا يستطيع لأمسه مردا، لأهل ألا يغتر بصفو
стр. 4435
حياة الموت مكدّرها، ولا يستطيل مدة بقاء الفوت مقصرها.
ومنه قوله:
إني وأنتم سور النوازل، ووشل الجداول، وحبّ رحى المنون، وبقية سالف القرون، كل يوم تودّعون ماضيًا إلى الآخرة لا يرجع. وتشيعون عاديًا إلى الحافرة لا يربع، وتروعون بفاقرة لا تقلع وتزعزعون براحة لا تنجع كلًا، ليحصدن الزارع ما زرع، وليزهدن الجامع فيما جمع، وليجدن الصانع غبّ ما صنع، وليطولن ندم النادم إن نفع.
ومنه قوله:
إن امرءًا أمل الثواب بغير عمل، وأمن العقاب بتسويف العلل، لخائض لجة ندامة مرحوم سالكها، ونازل محجة سلامة مذموم تاركها، فأجد أيها الغافل مركبك، فإن البحر عميق. وأعد أيها الراجل زادك فإن الطريق سحيق، وأخلص العمل فإنّ الناقد بصير، وبادر المهل فإنّ العمر قصير، يا لها دارًا معدودًا معدوما رضاؤها محتومًا بلاؤها، مظلمة مسالكها، مبهمة مهالكها، مخلّدًا أسيرها، مؤبّدًا سعيرها متناهيًا سعيرها عاليًا زفيرها، شراب أهلها الحميم، وعذابهم أبدًا مقيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، لهم فيها بالويل ضجيج، وللهيبها فيهم أجيج، أمانيهم فيها الهلاك، ومالهم من أسرها فكاك، قد شُدَّت أقدامهم إلى النواصي واسودت وجوههم بذلة المعاصي.
ومنه قوله:
ما لأفراس الجهاد صافنة لا تركض، وما لآساد الجلاد خادرة لا تنهض، وما لأيدي الكفر قبل امتدادها لا تقبض، وما لأسبابها قبل استخدام مثلها لا تنقض، أحين تألّق شهاب الإيمان، فسطع، وتمزّق ضباب البهتان فانقشع، وزهق باطل ذوي الألباب فانقمع. أخلدتم إلى الدعة قبل أوان الإخلاء، وأغمدتم سيوفكم عن مقارعة الأضداد، وسددتم ما فتحه الله لكم من أبواب الجهاد، فرارًا زعمتم من تحريض العدو على الاحتشاد، وما أراه إلا اغترارًا بكمون ناره تحت الرماد.
ومنه قوله:
طريق معقود بالآخرة آخره، مردودٌ في الحافرة مسافره، فقيد الطلعة راكبه. بعيد الرجعة غائبه، قد كنت في جرائد الأمم الخالية، ونسب إلى هوامد الرمم البالية.
ومنه قوله:
أيها الناس، إن الموت باب لا بد من دخوله، وضيف لا ريب في نزوله، وهاجم لا مدفع لحلوله، وصارم لا مطمع في كلوله، فرحم الله امرءًا أخذ من صحته لسقمهِ
стр. 4436
ومن شيبته لهرمه، ومن قوته لألمه، ومن مقامه لرحيله، ومن دنياه لآخرته. وكان في طاعة ربه من المبرزين، فإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.
ومنه قوله:
أيها الناس، من كان الدهر خطيبه كفاه، ومن كان الفكر طبيبه شفاه، وما أنتم إلا سبيل الآخرة قراره، وذبال الموت الوحي ( … .)، وقوف، والآجال بكم سائرة وحلال، والأيام بكم مسافرة، ورقود والمنايا في فنائكم ساهرة، تعمرون الدنيا وداركم الدار الآخرة. ومنهم ابنه:
[٤٦] أبو الطاهر، محمد بن عبد الرحيم
سعى خلف أبيه فما أدركه، وطلب إرثه من البلاغة فلم يظفر بما تركه، خلا زلالة من قول تبرضها، وعلالة من كلمات يتمضمضها. وله في ديوان أبيه خطب كتبت في آخرها، وبينت جداولها مع تلاطم أمواج زواخرها.
ومنها قوله:
أيها الناس، وضح الصواب لمن طلبه فرغب فيه، واتضح الكتاب لمن عمل بأوامره ونواهيه، وأفصح بذكر ما أحل لكم وحرّم، وبيان ما أشكل عليكم وأبهم. ولا تعلنوا رحمكم الله الأهواء الموبقة لمن أطاعها عليه، فقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه.
ومنه قوله:
وكان قد خيّم على اللذات هادمُها. وأقدم على الحركات حازمها، عصفت من المنون سمائها، وعملت في النفوس صوارمها، فأصبحت أيها المغرور صريعًا لمساورة الانتقام، سريعًا في جسمك بعض الإبرام، قد عزّ عليك الكلام فعلًا، وجاش صدرك بالأنين فعلًا، وأمر الموتُ في فمك من الدنيا ما حلا، فنبذت في الضريح الملحد، وأسكنت تحت الصفيح الموصد منفردًا بأعمالك في المكان الفدفد، مبدلًا من خفض مهادك وساد الجلمد.
ووقفت له على رسالة كتبها إلى بعض إخوانه معزيًا بولد كان به بارًا، فمات أعظم ما كان له سارًا، صدع بها الفؤاد صدوعًا، وأجرى الصبر دموعًا وهي:
المصاعب - أعظم الله أجرك - لا يدفعها الحزن، ولا يمنعها الأسف عند نزول المحن، ولا يسلي عنها إلا الصبر لمن ابتلى، والرضى الله بما قضى، وقد ألم بي نبأ ابنك المتوفى، أعظم ما كنت مغتبطًا، به مرتبطًا على حبه، وأكثر ما كان لك نفعًا،
стр. 4437
وعن حوزتك دفعًا، وما وجدت به مما يجده الأب بابنه، وبفقده الأصل من غصنه، وقد علمت أن الدنيا غرور، وأن الأقصى من السرور بها زور، ومثلك على علو قدرك في الفضل، ومعرفتك بأحوال الأمم الأولى سلفوا قبل، من يصبر عند الصدمة الأولى، والحملة التي لا تملك في مدافعتها قوة ولا تستطيع حولا، وإنما هي عارية استردها معيرها، وموهبة استرجعها واهبها، حيث تم سرورها فخفض عليك هذه الأحزان، وهون عليك يا فلان. وانزل ولدك منزلة غائب. إن لم يقدم عليك قدمت عليه. ومسافر تقدم أمامك وأنت واصل إليه، ولا توهن هذه الرزية جلدك، ولا تنقص من الأجر ما أمضت عليك مددك، وكنت قد عزمت من أوّل ما أتاني خبر هذا النبأ الأليم والخطب العظيم أن أعمل إليك، وأسليك كما يسلى الغير، فرأيتك أكمل فضلًا، وأجمل في البليات حملًا، فحططت رحلي، ولزمت أهلي، اكتفاء بفضلك الذي عُرف، وتسليمك الذي هو فوق ما أصف.
ومنهم:
[٤٧] أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، التيمي، البكري. ابن الجوزي (١)
بحر لا يغيض معينه، ودر لا يقوم ثمينه، اتخذ الكلام سبلًا، وسلك طرقه ذللًا، فخرج منه شراب مختلف ألوانه، مؤتلف جمانه، أكثر به الوعظ على رؤوس الأشهاد، وآثر اللفظ منه حتى في الجماد، وكان مجلسه ربما تهالكت فيه الأمم، وتهتكت الحرم، ولم يسع الفناء حضاره. ولا الفضاء سماعه له ونظاره، وربما حضر الخليفة من وراء ستاره، وشدّت إليه الركاب سيارة، وكانت مواعيده مواعيد الدموع أن تُصبّ، وأوقاته أوقات القبول أن تهب. وأسلم على يده خلق من الذمة، وتاب أمم من عصاة الأمة، وله التصانيف التي جرت مجرى الأمثال، وسرت سري الهلال، ولم يبق متكلّم على منبر حتى أمتار من نضارها ولا متقدم في محضر حتى امتاز باستحضارها.
стр. 4438
وحكى: أن الشيخ جمال الدين أبا الفرج كان قد جعل له كل يوم كتابة أربع كراريس قطع ربع البغدادي، وأنه كان له أربع مخدّات على اليمين والشمال وقدام وخلف، فإذا عيى من الكتابة قاعدًا استلقى على ظهره وكتب، وإذا نام على وجهه كتب، وإن نام على أحد شقيه كتب، إلى أن يكمل أربع كراريس.
ومنه قوله: الحمد لله الذي لم يزل عليمًا سميعًا، أوصل إلى الخلق نعمه سريعًا، وعاقب أعداءه عقابًا فظيعًا، أحلّ المتقين جنانًا وسيعًا، وجعل للمتقين في جنانه من المناجاة ربيعًا. فتح باب اللطف لأهل اللطف سريعًا، أنزل كلامًا قديمًا، نسخ الكتب جميعًا. أحلّه من القلوب محلًا ربيعًا، هو الذي لا يأخذه نوم ولا سنة، لا يغيره دهر ولا سنة، يثبت النفوس المحسنة، يتخيّر ما يشاء من الأزمنة، وهو الذي اختار من اختار، وقدم هذا الشهر على السنة، وجعله مخصوصًا بالمواعظ على كل الألسنة ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فهو العليم بلا تعليم الكامل ولا يحتاج إلى تقويم الذي جعل أولياءه من جناته في حريم، وجعل ديون تكليفه عليهم، وتسامح الغريم، يُنعم على عباده بالفوز المقيم، جعل النار سوطًا يعذب به من لا يستقيم، يخوف به عباده، لا ليعذب المؤمن العذاب الأليم، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾.
ومنه قوله: الحمد لله، الهادي إلى دينه، المنعم بيقينه، المقبل على القلب المزعج بتسكينه، ذبح العدو المفرط بسكينه، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فهو الخالق ما دبّ ودرج، وهو الذي يأتي في المضايق بالفرج، ولا يخفى عليه سواد سواد السبج، استخرج بدائع الودائع من بطون اللجج، نور العيون وأحسن في تركيبها الدعج، أنشأ الخلائق وأخرج من بعض بعضا، استغنى عن الكل ثم استدعى فرضا.
ومنه قوله: في بعض خطبه يذكر الوزير عون الدين أبا المظفر يحيى (١) بن هبيرة، ويصف في الأيام المقتفوية تدبيره، وهو الوزير الذي قلّد بني العباس منّة في
стр. 4439
أعناقهم من أطواق الحمائم، وأنبت لحصيد دولتهم من سواكب الغمائم، فلقد استنقذها من الحضيض، ورفع من الأرض طرفها الغضيض، وكف أيدي أعدائها، وقد أمسكت بأطواقها، ونفس كربها، وقد أحدث بمجامع آفاقها. والذي قال:
وأدام الله أيام فلان، الذي ساس الأمور بحسن تدبيره وزم، وعرضت له الدنيا، فلولا حسن التوفيق لهم. أخلاقه معجونة بمسك نسك، كلّما حُرِّك نم، الذي يؤثر مجالسة الفقراء على الأغنياء العظما، ويختار الكلمة من الغريب على الرغائب الدمى، ولا يريد الدنيا إلا أن يتخذها إلى الآخرة سلّما، الذي الدعاء له مزاحم الوجوب وكفيل المطلوب، وهذا دعاء تجتمع عليه القلوب.
ومنه قوله:
عليك حافظ وضابط، ليس بوان ولا غالط، وأنت في ليل الهوى خابط، يا من قضى عمره كم تخالط، يا كثير الذنوب بكفي الفارط. متى تنته لصلاحك أيها الناعس؟ متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا تنافس؟ يا من تحدّثه الأماني بزخارف الوساوس، أين الجبابرة الأكاسرة الشجعان الفوارس؟ أين حارس المال؟ أخذ المحروس وقتل الحارس.
ومنه قوله:
رفع السماء في لوح الهواء ما لها عامد، سطح الأرض على زبد جامد، كادت تموج موج المراكب، فثبتها بالجبال الرواكد، فالنجوم تلوح كأنها جنود تطارد، من آياته أنك ترى الأرض هامدة فمنها مرتفع وهامد، يجللها سحاب بارق راعد، والطير يرجع سجع الألحان من تقديس الديان غرر القصائد، والكل يرمي بازدواجه أن الموحد واحد. لا مثيل ولا شبيه ولا زوجة ولا ولد ولا والد.
ومنه قوله:
هو خالق الأرواح بعد خلق الأجسام، وباعثهما جميعًا بعد تفتت اللحود وتقطيع العظام، نسج وشي الربيع في حلل مجللة بالأكمام فالورق على الورق، تشدو بعجيب الكلام، من لا يطلع على كيفية ذاته كيف يطلع على كيفيته، أين الأفهام؟ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
ومنه قوله:
يا من علا في الشر وبذخ، وتكبر على القرناء وشمخ، أترى يزول هذا الوسخ، أترى يصلح ثوبك الذي اتسخ، لا تغرنك السلامة فثوب البلى عند الخياط. إلا متفكر
стр. 4440
في حاله، إلا متزوّدٌ قبل ارتحاله، إلا من يحك عمله قبل تفتيش أعماله، بين يديك سفرة، أوّلها حفرة، يا من خرق درعه المعصية ونحن نرقّع، أنت تقول: أنا تائب وأنا أسمع، عزمت القافلة أن ترحل، أين ترحل، أين من يرفع؟
ومنه قوله:
واحسرتي من تضييع صلواتي، ما قدمت ما يصلح لمماتي، من يجمعني بعد شتّاتي، من يلين هذا القلب العاتي، كم حبّة من الحطام كسبتها، كم ضيعت واجبة من الواجبات وما فعلتها، والله لقد بالغنا في الدواء وهذا المريض ما استوى وإذا قعودك، وقد عرض عليك سعودك. أترى قد يبس عودك، ضيعت من عمرك أربعين سنة، ومضى وقت اليقظة كله سنة.
قد قرأ المعري:
بسم الله، كم على القلوب من أشغال، وكم عليها من أثقال. أرحابها يا بلال، إذا قيل بسم الله عند القلوب فكأنه برق شيم فلمع وجرى في المآقي فدمع.
يا من رأى البرق بنجد إذ توارى … سلب النوم وأعطى البر حاءا
فاض فيضًا كجفوني مآؤه … فالتظى وهنًّا كأنفاسي البطاءا
نام سمّار الدجى عن ساهرٍ … تخذ الهمّ سميرًا والبكاءا
أسعدته أدمع تفضيحه … فإذا ما أسعد الدمع أساءا
يا خليلي ولم أعلمكما … بالهوى حتى تثبت الإخاءا
علّلا قلبي بذكرى قاتلي … ربّ داء عاد لنفس دواءا
هذا مناديهم، وعلى اليمين واديهم، أين حلّ القوم في بيداء النقى، أين قدم السالك منهم صعد وارتقى أين هممهم بين العذب والنقا، ساروا وخلفونا، توقفوا وعرفونا، كانت دموعهم في السحر تجري، كانت قلوبهم تفهم وتدري، يا لعزائمهم تسري، يا لسيوفهم تقدّ وتبري، والدنيا تشرق بكونهم، القناعة تعجب من صونهم، الدمع شرابهم، القلق دأبهم، يشتاقهم محرابهم، ألفتهم أوصابهم، مضى أهل السهر وبقي أهل النوم.
ومنه قوله:
أنعم على المخلص ودلّه، وأخذ بيده عمن ذلّه، سل سيف القهر على الخلق واستله، اطلع على المضطر فحمل كله كله، أنعم على المخلص فأعزه وعلى الغافل فأذلّه، أنزل القرآن فهدى به شخصًا وشخصًا آخر أضله، أخرج الماء من بين أصابع نبيكم من أصغر قلّة، فربّى الإيمان في قلوب أصحابه كالأهلة، قد أخرج لبني إسرائيل
стр. 4441
اثنتي عشرة عينًا وما روى غُلّه، وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله، فالق النوى والحبوب، وهو المطلع على ضمائر القلوب، ردّ يوسف على يعقوب، وكشف الضر عن أيوب، يبعث السحاب فيمتطي الريح امتطاء المركوب، فإذا نزل القطر على الأرض، رأيتها خاشعة تذوب.
ومنه قوله:
يوم تشهد الملائكة بما كتبت هذه الأمور بعيدة وكأنكم بها قد قربت، أين ديار المعاصي خربت أين نفس العارف طربت أين قلوب العاصين خربت، ألا ترد نفسك عن الخطايا، فقد كفى ما لعبت يا فراخ البلا، فخاخ الفناء قد نُصبت، والله لو رأت بصيرتك ما بين يديها لعجبت، ولكنها قد حجبت كأنكم بشمس الحياة قد غربت. كم قيل لها: أيامك فيم ذهبت؟ أين الليالي نهبت؟ أين الأيام ذهبت، العجب والله لنفس تضحك وقد عصت، ولو عرفت ندمت يا متحرّكًا وأنياب النوائب فيه قد نشبت، أخذت الدنيا وسلبت. ظنّت أنها قد تركت لا قد طلبت.
ومنه قوله:
لفظ أرق من نسيم السحر بين الشجر، ومعنى كالسحر يتغلغل إلى السحر، ليس كل معدن عرق الذهب، ولا كل غزال يظن غزال المسك لما سرق في بيداء الطلب، للعلم في ضمره سر، فقال: سهر معسر، فلما انتهى برّ الطلب، لاح بحر البحث، فلججت في أمواج الفهم أقلبها، فتارةً تغلبني وتارة أغلبها، حتى انجاب الظلام عن صباح. فصاح مؤذن الظفر: حي على الفلاح.
ومنه قوله:
فلمح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فجمعوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا في سواء السبيل، فالناس في الغفلات، وهم في قطع الفلاة، فما كانت الأيام إلا منامًا، حتى عبروا قنطرة الآمال، بأحمال الأعمال، لو رأيت مطايا أجسامهم وقد أذابها السرى، تحنّ مما تحن، سل عنهم الليل فعنده الخبر، أتدري كيف مرّ عليهم؟ أبلغك ما جرى لهم، أيعلم خال كيف بات المتيم؟ افترشوا بساط قيس، وباتوا بليل النابغة، إن ناحوا فأشجى من متمم، وإن ندبوا فأفصح من خنساء، ما زالت مطايا الأقدام تدرع بيد الدجى بالقيام، وحادي القوم يقول: يا رجال الليل هبّوا، ربّ صوت لا يُردّ، لا يقوم الليل إلا من له عزم وجد، فما زالوا كذلك إلى أن نمّ النسيم بالفجر وقام الصبح ينعى الظلام، فلما هم الليل بالرحيل، تعلقوا بذيل السحر.
ومنه قوله:
стр. 4442
كم دار دارت بنعم النعم دارت عليها دوائر النقم، وفي الغير عبر، فيا من أمكنه الزمان لا تحتر، فما يؤمن من الزمن الزمن، كلا إن في الطرافة لآفة، ستعلم أيها الظالم قدر غريمك، إذ يلقى كل ذي دين وماطله صياد التلف قد بث الصقور وأرسل العقبان، ونصب الأشراك، وقطع الجواز، فأين المفر؟ تهيأ لصرعة الموت، وكن على حذر من قلب القلب، بطل والله عمل النشاب في تلك الحرب. ليت شعري إلى ما يؤول الأمر، فوالله ما أدري أيغلبني الهوى إذا جد جد البين أم أنا غالبه. فإن أستطع أغلب. وإن تغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه. آه من تأوّه حينئذ لا ينفع، ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع ولما جلى التوديع عما حذرته، ولم تبق إلا نظرة تتغنم، بكيت على الوادي فحرمت ماءه. وكيف يحل الماء أكثره دم.
ومنه قوله:
وهن العظم وما شابت لمة الأمل، قربت نوق الرحيل وما في المزادة زاد، قدمت معابر العبور وأنت تلهو على الساحل، أكثر العمر قد مرّ، وأنت تتغلغل في تضييع الباقي، أين عزم أويس، أين معرفة معروف، أين سرّ السريّ، أين جد الجنيد، أيا راهبي نجران ما صنعت هند؟ انكسر مغزل رابعة، وبقى قطن الحلاج، ألك في القصعة حصة؟ اتحدوا ومالك بعير، أتمد القوس وما لها وتر، أتتجشأ من غير شبع؟ واعجبًا من وحم بلا حبل، إذا اشتبهت دموع في خدود، تبين من بكا ممن تباكى، هل في هذه الدار من أولئك ديار.
ما ساعفتني الليالي بعد عهدهم … إلا ذكرت ليالينا بذي سلم (١)
لاتطلبنّ لي الإبدال بعدهم … فإن قلبي لا يرضى بغيرهم
ومنه قوله:
القلب جوهر في معدن البدن، الأفعال تراجم الهمم، ولو قصدت الثغر طلبت الرباط، واعجبًا أطلب الشجاعة في جبان، وأسأل عن الهلال ابن أم مكتوم، استملي الفصاحة [من باقل] (٢) انتظر الوفاء من عرقوب. لقد رجعت إذا بخفي حنين، قد شغلتك رذائل لذاتك عن فضائل ذاتك.
ومنه قوله:
هذه أحوال لا يعرفها إلا أهل المعاملة، وطرق لا يسلكها إلا أصحاب المواصلة،
стр. 4443
لاحت للمحبين أوصاف الحبيب في حلية الكمال، فقاموا على أقدام الشوق يسيحون في فلوات الوجد، فلو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولقيت في حبك ما لم يلقه في حبّ ليلى قيسها المجنون، لكنني لم أتبع وحش الفلا كفعال قيس، والجنون فنون.
ومنه قوله:
أما رأيت مرزوقًا لا يتعب ومتعبًا لا يرزق، هذا موسى ﵇ في تقلقل أذى وما رأى ومحمد ﷺ يزعج عن منامه وما طلب:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
يطلب موسى التجلي ويرزق الجبل.
أراك الحمى قل لي بأي وسيلةٍ … توسلت حتى قبلتك ثغورها
ومنه قوله:
يا موثقًا بقيود الطرد، مرميًا في مطمورة البعد، خفف من شجنك في ضيق سجنك بالتوسع في البكاء على الحبيب.
لو صارت العين عينا ما وفت … من ناظر لي بين سلع وقبا
.................................. كيف أضاء البرق أم كيف خبا (١)
نبهني وميضه ولم تنم … عيني ولكن ردّ غفلا غربا
قرت له بنات صدري خافقًا … واستبردته أضلعي ملتهبا
سل من يدل الناشدين بالغضا … على الطريد، ويردّ السلبا
واويلاه. أنا الحرب - وأنا أطرب، تتركوني أسير وحدي، أسير وجدي، هلا سعت معي رجل رجل، وأعانني ساعد مساعد، أين شرط الرفقة، أو ما الغرماء للكل واحد:
ياعيونًا بالكرى راقدة … حرّم الله عليكن الكرى
ومنه قوله:
كنت تقول إذا شبت تُبت، فهذه شهور الصيف عنا قد انقضت، ويحك قد نفد السليط، فاستدرك ذبالة المصباح. في كل يوم تضع قاعدة إنابة، لكن على شفا جرف، كم تعزم على طاعة وتوبة، يا ليلى الهوى ما يصبر عن توبة، تبيت من العزم في شعار أويس.
ومنه قوله:
стр. 4444
ألا تيقظ من الرقاد، ألا توبة من الفساد يا من كلما عدلناه زاد. يا أسود القلب والفؤاد، أصخر هذا القلب أم جماد، أما سمعت بما عاد على قوم عاد، لو علمت المصاب لبست الحداد، لو علمت ما عليك من الذنب فرشت الرماد، يا من سمع وذهب وما استفاد، جسمك في واد وأنت في واد، إنما أنت بين داع ووداع، فهل لماض من الزمان ارتجاع، الأعمار منهدة والقلوب مسودة. أبواب الخلاص منسلة، أمل ماله آخر، الانتباه، الانتباه، قبل أن (يتكدر) (١) بحر الحياة. كم خطر على قلبك ذكر ذنبك وما بكيت، كم بارزت الحق بالقبيح وما استحييت، استترت من الخلق وتواريت، ونسيتني وأنا معك في البيت.
ومنه قوله:
كم من حريص جمع المال جمع الثريا فرقته الأقدار تفريق بنات نعش، البخيل فقير لا يؤجر على فقره، البخيل يبيع عرضه ولا يشتري المكارم.
جبان عن الإنفاق والمال وافر … ورب سلاح عند من لا يقاتل
ومنه قوله:
المفروض عندك مرفوض. وكلام النصيح صوت الريح. يا نائما طول الليل، سرت الرفقة، رحل القوم كلهم وما انتبهت من الرقدة، قد كان لك مع العباد قلب فانقلب أيها المطيع أي مضيع أغراك أيها البريء أي بحر مد فجري بك. لاحت لك العاجلة فهمت كأنك ما فهمت، فلما تبدلت تبلدت.
ومنه قوله:
...... (٢) به من ملك من ملك لا تتبع في ورودك منهل من هلك، يا خزانة الودائع، ويا وعاء البدائع، كل الأكوان شجرة وأنت ثمرة، وصورة وأنت المعنى وصدفة وأنت المغنى، ومخضة وأنت الزبد. يا معرضا عنا، إنما أبعدنا إبليس لأجلك، يا عجبا منك، كيف صالحته وهجرتنا.
رعى الله من أهوى وإن كان ما رعى … حفظنا له الود القديم وضيعا
وواصلت قوما كنت أنهاك عنهم … لعمرك ما أبقيت للصلح موضعا
ومنه قوله:
الحرب خصام قائم، وأنت غلام نائم، لابس لأمتك ليس في سلاح المحارب
стр. 4445
أحد من عزم، طر بجناح الجد من وكر الكسل تابعا آثار الأحباب تصل، تلمح طريقهم إن كنت رفيقهم:
بلغت حتى لم يبن من بلادهم … جناب ولانم نارهن وقود
ولو قال لي الغادون هل أنت منته … غداة قطعنا الرمل، قلت أعوذ
لا صبر والوعساء بيني وبينكم … وأعلام خبت إنني لجليد
رحل القوم يا متخلف، وسبقت عزائمهم يا مسوف، وتركوك لكل أسير .... : فأصبحت من ربحهم فقيرا (١):
يا قلب جدد كمدا … فموعد البين غدا
أرعى السحول ناظرا … والرمز المقلب يدا
مذ أوقدوا بأضلعي … حر الهوى ما بردا (٢)
كم نشأت أداري كبدي … لو تركوا لي كبدا (٣)
ومنه قوله:
قلب المحب تحت فحمة الليل جمرة. كلما هب نسيم السحر، التهب، ما يعرف ما وصفت إلا من له ذوق، ولا يدري ما يجد المحب إلا ذو شوق، قد عرفتم عقابيل قابيل وعلم حسن سرابيل هابيل، يا من له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، أشد العمى بعد البصر، أقبح الطرد بعد القرب، قم على قدم القلق، وسر في فيافي الطلب وناد في نادي الأسف، أين تذكار أهل الكدر أيام الصفاء.
أجيراننا أيام جمع تعلةً … سلوا النفر هل ماض به النفر راجع
وهل لليالي صالحات على منى … ولو أن من أثمانها للنفس بائع
أجن بنجد حاجة لو بلغتها … ونجد على مرمى العراقين شاسع
عفا الخيف إلا أن يرجع سائل … بعلة شوق أو يغرد ساجع
بادر بالتوبة من يد فواتك، فالمنايا بالنفوس فواتك:
وكم وقفت وأصحابي بمنزلةٍ … يبيت يقظانها ولهان وهلانا
فيا جناحين حيانا النسيم بما … سقاه يوم النقى بالجزع حيانا
نبكي وتسعدنا يوم المطي فهل … نحن المشوقون فيها أم مطايانا
ولا ومن قطر الأشياء ما وجدت … كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا
стр. 4446
فإذا أصبحت أخذت طريق قيس تنقض عرى العزم عروة عروة، وما يخرج حبّ عفراء من قلب عروة، كم دفنت كبيرًا من الأعزة وما يرجع كثير عن حبّ عزّة.
حبوتك مجنون ولست بواجدٍ … طبيبًا يداوي من جنون جنون
يا مقهورًا بغلبة النفس، صل عليها بسوط العزم، فإنها إن عرفت حدك، استأسرت لك، امنعها ملاوذ مباحها ليقع الصلح على ترك الحرام، فإذا سمحت بطلب المباح، فأمامنا بعد وأما فداء، الدنيا والشيطان جارحتان خارجان عنك والنفس عدوّ مباطن، ومن أدب الجهاد: قاتلوا الذين يلونكم، ليس من بارز بالمحاربة كمن كمن، ما دامت النفس حيةً تسعى، فهي حية تسعى، أخل بها في بيت الفكر، وانظر هل هي معك أو عليك. نادها بلسان التذكرة - ذهب عرش بلقيس، وبلي جمال شيرين، وتمزق فرش بوران، وبقي نسك رابعة، حاكم نفسك عند حاكم عقلك لا عند قاضي هواك، كان بعض السلف إذا قهر نفسه بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز الرامي إذا قرطس. واشوقاه إلى تلك الأشخاص. واتوقاه إلى أرباب الإخلاص، إني لأذكرهم فأغيب، وإن وقتي لهم يطيب:
إذا هزّنا الشوق اصطبرنا لهزّه … على شعث الرحل اضطراب الأراقم
فمن صواب يستقيم بمائلٍ … ومن أريحيات تهب بنائم
واستسر فالأعلام حتى يدلني … على طيبها مر الرياح النواسم
وما انسم الأرواح إلا لأنها … تمرُّ على تلك الربي والمعالم
ومنه قوله:
إخواني، احذورا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت ذانك يفرقان بين المرء وزوجه، وهذه تفرّق بين العبد وربه، سحرت سحرة بابل، وإن أقبلت شغلت، وإن أدبرت قتلت ويلاه إن نظرت، وإن هي أعرضت، وقع السهام ونزعهن أليم، كم في جرع لذاتها غصص، طالبها معها في نغص بكى عليها حتى إذا حصلت بكى عليها خوفًا من الغير. علمتني بهجرها الصبر عنها، فهي مشكورة على التقبيح.
ومنه قوله:
تالله، ما تعشق المنازل لذاتها بل لسالف لذاتها، (لك يا منازل في القلوب منازل) (١) المعاهد عهد عند المعاهد، إذا تذكره الصب صب الدموع:
وما شرقي بالماء إلا تذكّرًا … لماء به أهل الحبيب نزول
وما عشتُ من بعد الأحبة سلوةً … ولكنّني للنائبات حمول
стр. 4447
أما في النجوم السائرات وغيرها … لعيني على ضوء الصباح دليلُ
المحب إذا تذكر الربع حنّ، وإن تفكّر في البعد أنّ، وإن جنّ عليه الليل أظهر ما أجن، قطع عليه رضاع الوصل، فلم يتهن.
ومنه قوله:
تلمح أصناف النبات في نبات النبات، قد برزت في عيد الربيع تميس طربًا، اسمع غناء الورق على عيدان العيدان، لعل مقاطع السجوع توجب رجوع المقاطع.
ولقد تشكو فما أفهما … ولقد أشكوفما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها … وهي أيضًا بالجوى تعرفني
ووا أسفا، ذهب أهل التحقيق، وبقيت بنيات الطريق، خلت البقاع من الأحباب وتبدلت العمارة بالخراب.
ومنه قوله:
ركبوا سفين العزم، فهبت لهم برياح العون فقطعوا بالعلم لجج الجهل فوصلوا إلى إقليم أهل الفهم، فأرسوا على ساحل بلد الوصل. ساروا ورجعنا، ووصلوا وانقطعنا، ويحلو ومنعنا، تعالوا ننظر في آثارهم، وندرس درس أخبارهم. نبكي على ما نابنا، ونندب ما أصابنا:
إذا تذكرت زمانا مضى … فويح أجفاني من أدمعي
ياقلب لا تسكن على بعدهم … وأنت يا عيني فلا تهجعي
ما تزال الحرب بيننا وبين إبليس قائمه، يدال علينا وندال عليه، ولا ندخل إن شاء الله في مهادنة، كلما هزم جيشًا لضعف العزم، خرج عليه كمين من ثنية ندم، بينا هو يقسم سلب عاص قد ظفر به إذا نبلة تائب قد وقعت فيه. أصف لكم حال غيري والتاجر بمال سواه مفلس، أترى وقع في الشبكة شيء. أترى في نبلي مقرطس، جزى الله حرصكم بلوغ الغرض، أعوذ بفضلك إلهي أن تجعل حظي لفظي، والأسفًا أصف واصفي. ويشرب غيري يا إخواني أحثكم على السير وأنا قاعد، وأناولكم الدواء وأنا مريض:
فعندي زفير ما ترقى إلى الحشا … وعندي دموع ما طلعن المآقيا
ومنه قوله:
كم واعظ أيقظ غيره ونام، وذكر سواه ونسي، وكان كالقوس رفعت السهم ولم تبرح تأثيرات المخالفة على مقاديرها، قويت زلة آدم فخرج عريانًا، وكانت غلطة
стр. 4448
يوسف همًا فقد القميص، من عصى قرع بعصا، ومن هم عوقب بهم: يا قليل الزاد وسفره بعيد المدى، ما لم يكن لك محرك من قلبك، فالحلق تضرب في حديد بارد.
ومنه قوله:
أيها المحارب، لا تعدد جراحك، فقد يصاب الشجاع، من ثبت قلبه في الحرب لم تزلزل قدمه، أول ما ينهزم من المهزوم قلبه.
ومنه قوله:
كل صافٍ من الدنيا مقرون بكدر، حتى أنه في الغيث غيث المحبوب والمكروه، في قرن النار لا تشرق حتى تحرق، أتريد أن لا ينعكس لك غرض، فما هذا موضعه، الهبات ذاهبات، والليالي ناهبات مناهبات.
ومنه قوله:
إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها، فلتصبر على مجاورته قليلًا، فوحدها يُجنى. ما للملائكة أنين بين المذنبين ولا حرقة المعين، ولا خلوف الصائمين، إذا رأيتم جواد اللسان يجري في جواد البنان، فاسألوا له السلامة من كبوة هفوة، تسمعون بالدر ولا تدرون كيف صعد، لا تنسوا للغواص مقاساة الغشاوة، سبحان من يوفق غائص الفكر في بحر القلب لاستخراج الدرّ. كم من عرائس علوم في خدور الصدور، تمنعها الغيرة من البروز، فإذا صادفت كفؤًا، جرت مياه الوصال في عبارات العبارات، وشمس المعرفة تعقد في معدن قلب العارف جواهر المعاني، فإذا أراد إخراج زكاة الملك، أذاب بعض الجوامد في بوتقة الفكر، ثم أجراه في أنبوب اللسان إلى/ ٢٨١/ مسمع مسترشد، فجعل قلب المريد جامكية لجند العزم. كلامي يطلب في رأس نخله جبارة، أفيكم صعاد، ليس من مملوك يتذلل لمالك ويتعبد إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه ويتودّد. يا أفراخ التوبة لازمي أفكار العزلة فإن هر الهوى صيود. يا مطايا الإنذار. احفظي أحمال النفوس، عساها تصل سليمة إلى مواسم الأرباح.
ومنه قوله:
إن عطشت فاكتف بغدران القناعة، لا يغمرنك سراب الهوى، فكم هنالك من هنى لك لا يمنعك سابق الزلل من التعرض للكرم، فالكرم للزلل، لا تحقرن بضاعتك المزجاة، فمراد العزيز أين يامين الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس الدرع على القلب، وتكاد الظبى لما عودوها تنتضي نفسها إلى الأعناق. وإذا أشفق الفوارس من وقع القنا، أشفقوا من الإشفاق. من بكى على ذنبه، نسي حافظاه ذلك الذنب، وإن الباكي من خشية الله تهتز له البقاع التي بكى عليها، وتغمره الرحمة ما دام باكيًا:
стр. 4449
إذا لم أفز منكم بوعد ونظرة … إليكم فما نفعي بسمعي وناظري
متى غنّت الورقاء كانت مدامتي … دموعي وزفراتي حنين مزامري
ومن شعر ابن الجوزي:
يا طرة الريح لا سقاك أدمعي … ولا عراك في الهوى تمايلي
سكرك عن زهو وسكري عن هوى … ما طرب المخمور مثل الشاكل
ومنهم:
[٤٨] محمد بن علي بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان قاضي القضاة، محيي الدين، أبو المعالي، المعروف بابن الزكي (١)، القرشي الأموي من بيت قرشي.
ما خلقت أقدامهم إلا للمنابر، ولا أقلامهم إلا للمحابر، ولا كان منهم إلا سادة أكابر، نهض بهم نسب في حاضر وغابر، ويومض حسبهم فمر بالشعري العبور وهو عابر، من ولد عثمان بن عفان، وغوث كل لهفان، وأقمار أندية وأسد خفّان، تداولوا الحكم بالشام نيابة واستقلالًا وتناولوا النجوم ولم يقنعوا بها استغلالًا، ومنهم من نازعته إلى الخلافة نفسه، وأطمعته من ملك بني أمية بما مضى به أمسه، وما برحوا صدور مجالس وبدور حنادس، وولاة قضاء، وكفاة إمضاء، وكان الملك الناصر الكبير يشير إليه بالتعظيم، ويشير بالتقديم، ولما فتح القدس كان معه لسابق الأنس، فلما هيأ للصلاة المسجد الأقصى حضر ذلك المشهد من لا يُحصى، وفيهم ذرّ عدد ما فيهم إلا من تهيأ للخطابة وبوئ المنبر لو أصابه، وناداه بلسان الوسائط له لو أجابه، فأبى والله والسلطان أن يضرب فيها ذاك القرشي بأعطان، فأعد له في المسجد الأقصى مقامًا، وأخر الناس وتقدّم إمامًا، وقدم له جواد منبره، وأخلى صدفة محرابه لجوهره،
стр. 4450
وقام ذلك المقام المشهود، وبلغ والله وملائكته شهود، وخطب فعلم أن السعيد مجدود وآل السعي مجهود، وأن كل لسان ( … .. ) (١) بحبل من الغي مشدود، وكانت قد تقدمت له قصيدة هنأ فيها هذا السلطان بفتوح حلب، وبشره في صفر بفتوح القدس في رجب (٢)، فما أخطأ الفأل ولا زيف التفريس الصحيح وإلا قال. وقيل إن هذا كتاب بحساب حسبه في مدة المسير إلى القدس وقاربه وقرَّبه، وقيل شيء استخرجه من تفسير ابن برجان (٣) في سورة الروم، باستنباط معلوم غير مخروم، وعلى أي الحالين كان أصدق قيله، وصدع دجى الفراسة قنديله، فجعل السلطان هذا التقديم مما حباه، ثم كان أول من حل له هذا المنبر حباه، وساذكر الخطبة عن آخرها، وأذاكر كل ذي خطابة تفاخرها، بدأ بتحميدات القرآن، واتبعها بسعيدة القرآن، وسأعطل العقود بجوهرها، وأعطر الوجود بما أذكت قريحته من العود على مجمرها. وهي (٤):
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٥)، والحمد لله رب العالمين (٦)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٨) وقل (٩) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ