← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

فإذا أصبحت أخذت طريق قيس تنقض عرى العزم عروة عروة، وما يخرج حبّ عفراء من قلب عروة، كم دفنت كبيرًا من الأعزة وما يرجع كثير عن حبّ عزّة. حبوتك مجنون ولست بواجدٍ … طبيبًا يداوي من جنون جنون يا مقهورًا بغلبة النفس، صل عليها بسوط العزم، فإنها إن عرفت حدك، استأسرت لك، امنعها ملاوذ مباحها ليقع الصلح على ترك الحرام، فإذا سمحت بطلب المباح، فأمامنا بعد وأما فداء، الدنيا والشيطان جارحتان خارجان عنك والنفس عدوّ مباطن، ومن أدب الجهاد: قاتلوا الذين يلونكم، ليس من بارز بالمحاربة كمن كمن، ما دامت النفس حيةً تسعى، فهي حية تسعى، أخل بها في بيت الفكر، وانظر هل هي معك أو عليك. نادها بلسان التذكرة - ذهب عرش بلقيس، وبلي جمال شيرين، وتمزق فرش بوران، وبقي نسك رابعة، حاكم نفسك عند حاكم عقلك لا عند قاضي هواك، كان بعض السلف إذا قهر نفسه بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز الرامي إذا قرطس. واشوقاه إلى تلك الأشخاص. واتوقاه إلى أرباب الإخلاص، إني لأذكرهم فأغيب، وإن وقتي لهم يطيب: إذا هزّنا الشوق اصطبرنا لهزّه … على شعث الرحل اضطراب الأراقم فمن صواب يستقيم بمائلٍ … ومن أريحيات تهب بنائم واستسر فالأعلام حتى يدلني … على طيبها مر الرياح النواسم وما انسم الأرواح إلا لأنها … تمرُّ على تلك الربي والمعالم ومنه قوله: إخواني، احذورا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت ذانك يفرقان بين المرء وزوجه، وهذه تفرّق بين العبد وربه، سحرت سحرة بابل، وإن أقبلت شغلت، وإن أدبرت قتلت ويلاه إن نظرت، وإن هي أعرضت، وقع السهام ونزعهن أليم، كم في جرع لذاتها غصص، طالبها معها في نغص بكى عليها حتى إذا حصلت بكى عليها خوفًا من الغير. علمتني بهجرها الصبر عنها، فهي مشكورة على التقبيح. ومنه قوله: تالله، ما تعشق المنازل لذاتها بل لسالف لذاتها، (لك يا منازل في القلوب منازل) (١) المعاهد عهد عند المعاهد، إذا تذكره الصب صب الدموع: وما شرقي بالماء إلا تذكّرًا … لماء به أهل الحبيب نزول وما عشتُ من بعد الأحبة سلوةً … ولكنّني للنائبات حمول

стр. 4447

أما في النجوم السائرات وغيرها … لعيني على ضوء الصباح دليلُ المحب إذا تذكر الربع حنّ، وإن تفكّر في البعد أنّ، وإن جنّ عليه الليل أظهر ما أجن، قطع عليه رضاع الوصل، فلم يتهن. ومنه قوله: تلمح أصناف النبات في نبات النبات، قد برزت في عيد الربيع تميس طربًا، اسمع غناء الورق على عيدان العيدان، لعل مقاطع السجوع توجب رجوع المقاطع. ولقد تشكو فما أفهما … ولقد أشكوفما تفهمني غير أني بالجوى أعرفها … وهي أيضًا بالجوى تعرفني ووا أسفا، ذهب أهل التحقيق، وبقيت بنيات الطريق، خلت البقاع من الأحباب وتبدلت العمارة بالخراب. ومنه قوله: ركبوا سفين العزم، فهبت لهم برياح العون فقطعوا بالعلم لجج الجهل فوصلوا إلى إقليم أهل الفهم، فأرسوا على ساحل بلد الوصل. ساروا ورجعنا، ووصلوا وانقطعنا، ويحلو ومنعنا، تعالوا ننظر في آثارهم، وندرس درس أخبارهم. نبكي على ما نابنا، ونندب ما أصابنا: إذا تذكرت زمانا مضى … فويح أجفاني من أدمعي ياقلب لا تسكن على بعدهم … وأنت يا عيني فلا تهجعي ما تزال الحرب بيننا وبين إبليس قائمه، يدال علينا وندال عليه، ولا ندخل إن شاء الله في مهادنة، كلما هزم جيشًا لضعف العزم، خرج عليه كمين من ثنية ندم، بينا هو يقسم سلب عاص قد ظفر به إذا نبلة تائب قد وقعت فيه. أصف لكم حال غيري والتاجر بمال سواه مفلس، أترى وقع في الشبكة شيء. أترى في نبلي مقرطس، جزى الله حرصكم بلوغ الغرض، أعوذ بفضلك إلهي أن تجعل حظي لفظي، والأسفًا أصف واصفي. ويشرب غيري يا إخواني أحثكم على السير وأنا قاعد، وأناولكم الدواء وأنا مريض: فعندي زفير ما ترقى إلى الحشا … وعندي دموع ما طلعن المآقيا ومنه قوله: كم واعظ أيقظ غيره ونام، وذكر سواه ونسي، وكان كالقوس رفعت السهم ولم تبرح تأثيرات المخالفة على مقاديرها، قويت زلة آدم فخرج عريانًا، وكانت غلطة

стр. 4448

يوسف همًا فقد القميص، من عصى قرع بعصا، ومن هم عوقب بهم: يا قليل الزاد وسفره بعيد المدى، ما لم يكن لك محرك من قلبك، فالحلق تضرب في حديد بارد. ومنه قوله: أيها المحارب، لا تعدد جراحك، فقد يصاب الشجاع، من ثبت قلبه في الحرب لم تزلزل قدمه، أول ما ينهزم من المهزوم قلبه. ومنه قوله: كل صافٍ من الدنيا مقرون بكدر، حتى أنه في الغيث غيث المحبوب والمكروه، في قرن النار لا تشرق حتى تحرق، أتريد أن لا ينعكس لك غرض، فما هذا موضعه، الهبات ذاهبات، والليالي ناهبات مناهبات. ومنه قوله: إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها، فلتصبر على مجاورته قليلًا، فوحدها يُجنى. ما للملائكة أنين بين المذنبين ولا حرقة المعين، ولا خلوف الصائمين، إذا رأيتم جواد اللسان يجري في جواد البنان، فاسألوا له السلامة من كبوة هفوة، تسمعون بالدر ولا تدرون كيف صعد، لا تنسوا للغواص مقاساة الغشاوة، سبحان من يوفق غائص الفكر في بحر القلب لاستخراج الدرّ. كم من عرائس علوم في خدور الصدور، تمنعها الغيرة من البروز، فإذا صادفت كفؤًا، جرت مياه الوصال في عبارات العبارات، وشمس المعرفة تعقد في معدن قلب العارف جواهر المعاني، فإذا أراد إخراج زكاة الملك، أذاب بعض الجوامد في بوتقة الفكر، ثم أجراه في أنبوب اللسان إلى/ ٢٨١/ مسمع مسترشد، فجعل قلب المريد جامكية لجند العزم. كلامي يطلب في رأس نخله جبارة، أفيكم صعاد، ليس من مملوك يتذلل لمالك ويتعبد إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه ويتودّد. يا أفراخ التوبة لازمي أفكار العزلة فإن هر الهوى صيود. يا مطايا الإنذار. احفظي أحمال النفوس، عساها تصل سليمة إلى مواسم الأرباح. ومنه قوله: إن عطشت فاكتف بغدران القناعة، لا يغمرنك سراب الهوى، فكم هنالك من هنى لك لا يمنعك سابق الزلل من التعرض للكرم، فالكرم للزلل، لا تحقرن بضاعتك المزجاة، فمراد العزيز أين يامين الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس الدرع على القلب، وتكاد الظبى لما عودوها تنتضي نفسها إلى الأعناق. وإذا أشفق الفوارس من وقع القنا، أشفقوا من الإشفاق. من بكى على ذنبه، نسي حافظاه ذلك الذنب، وإن الباكي من خشية الله تهتز له البقاع التي بكى عليها، وتغمره الرحمة ما دام باكيًا:

стр. 4449

إذا لم أفز منكم بوعد ونظرة … إليكم فما نفعي بسمعي وناظري متى غنّت الورقاء كانت مدامتي … دموعي وزفراتي حنين مزامري ومن شعر ابن الجوزي: يا طرة الريح لا سقاك أدمعي … ولا عراك في الهوى تمايلي سكرك عن زهو وسكري عن هوى … ما طرب المخمور مثل الشاكل ومنهم: [٤٨] محمد بن علي بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان قاضي القضاة، محيي الدين، أبو المعالي، المعروف بابن الزكي (١)، القرشي الأموي من بيت قرشي. ما خلقت أقدامهم إلا للمنابر، ولا أقلامهم إلا للمحابر، ولا كان منهم إلا سادة أكابر، نهض بهم نسب في حاضر وغابر، ويومض حسبهم فمر بالشعري العبور وهو عابر، من ولد عثمان بن عفان، وغوث كل لهفان، وأقمار أندية وأسد خفّان، تداولوا الحكم بالشام نيابة واستقلالًا وتناولوا النجوم ولم يقنعوا بها استغلالًا، ومنهم من نازعته إلى الخلافة نفسه، وأطمعته من ملك بني أمية بما مضى به أمسه، وما برحوا صدور مجالس وبدور حنادس، وولاة قضاء، وكفاة إمضاء، وكان الملك الناصر الكبير يشير إليه بالتعظيم، ويشير بالتقديم، ولما فتح القدس كان معه لسابق الأنس، فلما هيأ للصلاة المسجد الأقصى حضر ذلك المشهد من لا يُحصى، وفيهم ذرّ عدد ما فيهم إلا من تهيأ للخطابة وبوئ المنبر لو أصابه، وناداه بلسان الوسائط له لو أجابه، فأبى والله والسلطان أن يضرب فيها ذاك القرشي بأعطان، فأعد له في المسجد الأقصى مقامًا، وأخر الناس وتقدّم إمامًا، وقدم له جواد منبره، وأخلى صدفة محرابه لجوهره،

стр. 4450

وقام ذلك المقام المشهود، وبلغ والله وملائكته شهود، وخطب فعلم أن السعيد مجدود وآل السعي مجهود، وأن كل لسان ( … .. ) (١) بحبل من الغي مشدود، وكانت قد تقدمت له قصيدة هنأ فيها هذا السلطان بفتوح حلب، وبشره في صفر بفتوح القدس في رجب (٢)، فما أخطأ الفأل ولا زيف التفريس الصحيح وإلا قال. وقيل إن هذا كتاب بحساب حسبه في مدة المسير إلى القدس وقاربه وقرَّبه، وقيل شيء استخرجه من تفسير ابن برجان (٣) في سورة الروم، باستنباط معلوم غير مخروم، وعلى أي الحالين كان أصدق قيله، وصدع دجى الفراسة قنديله، فجعل السلطان هذا التقديم مما حباه، ثم كان أول من حل له هذا المنبر حباه، وساذكر الخطبة عن آخرها، وأذاكر كل ذي خطابة تفاخرها، بدأ بتحميدات القرآن، واتبعها بسعيدة القرآن، وسأعطل العقود بجوهرها، وأعطر الوجود بما أذكت قريحته من العود على مجمرها. وهي (٤): ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٥)، والحمد لله رب العالمين (٦)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٨) وقل (٩) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ

стр. 4451

تَكْبِيرًا﴾ (١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢) قل (٣): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٤) اللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٦)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ (٧). ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨). الحمد له معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولًا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء (٩) على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والأمر بما يشاء فلا يُراجع، والحاكم بما يريد فلا يُدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره، وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. دافع الشرك، وداحض الإفك، الذي أسرى به (١٠) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العُلى إلى سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى. صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير

стр. 4452

المؤمنين عمر بن الخطاب أوّل من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ذي النورين، جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسر الأوثان، وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان. أيها الناس: ابشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم (١) من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في يد (٢) المشركين قريبًا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طريقه، بعد أن امتد عليها (٣) رواقه - واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده (٤) بالتوحيد، فإنه بني عليه (٥)، وأنه أسس بالتقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد ﵇، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، فهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومقر الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل يتنزل فيه الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر (٦)، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين. وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين. وهو البلد الذي بعث الله إليه (٧) عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحه عيسى، الذي شرفه الله برسالته، وكرّمه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ (٨) وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٩) وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد (١٠) الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار. ولا يباريكم في شرفها مبار، وطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية، والعزمات الصديقية والفتوح (١١) العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية، والمنازلات الخيبرية. والهجمات الخالدية، فجازاكم الله عن

стр. 4453

محمد نبيه أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم من مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من مهراق (١) الدماء، وأثابكم الجنّة، فهي دار السعداء، فأقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا (٢) الله بواجب شكرها (٣)، فله النعمة (٤) عليكم تخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم بهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي/ ٢٨٥/ فتحت له أبواب السماء. وتبلجت (٥) بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون وقرت به أعين الأنبياء والمرسلين (٦)، فماذا (له) عليكم (٧) من النعمة، بأن جعلكم الجيش الذي يفتح عليه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذي يقوم بسيوفهم بعد فترة من الرسل أعلام الإيمان، فيوشك أن تكون به التهاني بين أهل الخضراء أكثر من التهاني به بين أهل الغبراء، أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه، ونص عليه في خطابه فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٨) أليس هو البيت الذي عظمته الملوك وأثنت عليه الرسل. وتليت (٩) فيه الكتب الأربعة (المنزلة) (١٠) من إلهكم ؟ أليس هو البيت الذي أمسك الله فيه الشمس على يوشع لأجله أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب؟ أليس هو البيت الذي أمر الله (١١) موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب عليهم من أجله (١٢). وألقاهم في التيه عقوبة العصيان، فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت (١٣) عنه بنو إسرائيل، وقد فضلهم على العالمين. ووفقكم لما خذل عنه أمم ممن (١٤) كان قبلكم من الأمم الماضين، وجمع كلمتكم، وكانت شتى، وأغناكم بما أمضته كان وقد وعن وسوف عسى وحتى (١٥)، فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودًا لأهويتكم جنده، وشكر لكم الملائكة المقربون (١٦) على ما أهديتم إلى هذا البيت من طيب التوحيد، ونشر التقديس والتحميد (١٧)، وما أمطتم (١٨) عن طرقهم (١٩) فيه من أذى الشرك والتثليث،

стр. 4454

والاعتقاد الفاسد (١) الخبيث، فالآن تستغفر لكم أملاك السماوات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات، فاحفظوا - يرحمكم الله - هذه الموهبة فيكم. واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله (٢) التي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم، واحذروا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغضة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا - عباد الله - أنفسكم في رضاه إذ (٣) جعلكم من عباده، وإياكم أن يستزلكم الشيطان وأن يتداخلكم الطغيان، فيخيل إليكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وبخيولكم الجياد، وبجلادكم في موضع (٤) الجلاد، والله ما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم، واحذروا عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل، والمنح الجزيل، وخصكم (٥) بهذا الفتح المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين، أن تقترفوا (٦) كثيرا من مناهيه، وأن تأتوا عظيما من معاصيه، فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، أو كالذي (٧) آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين، والجهاد الجهاد، فهو أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، واذكروا الله يذكركم، اشكروه يزدكم ويشكركم (٨)، فخذوا في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء، وتطهير (٩) بقية الأرض التي أغضبت الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر، واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام يا للثارات الإسلامية، والملة المحمدية، الله أكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، أذل الله من كفر، واعلموا - يرحمكم الله - أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، ومهمة فأخرجوا إليها هممكم وأبرزوها، وسيروا إليها سرايا عزمكم وجهزوها، فالأمور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول، وهم مثلكم أو يزيدون (١٠)، فكيف وقد أضحى وفي قبالة الواحد منهم عشرون (١١)، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١٢) أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره، والإزدجار بزواجره. وأيدنا معشر.

стр. 4455

المسلمين بنصر من عنده ﴿إِنْ يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١). ثم أتم الخطبة الأولى وجلس، ثم قام وخطب الثانية كما جرت العادة ثم دعا للخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين. ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك (المعترف بموهبتك) (٢) سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامي عن دينك، المدافع والذاب عن حرمك (٣) الممانع، السيد الأجل (٤) الملك الناصر (٥) سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس (٦) أبي المظفر يوسف بن أيوب، محيي دولة أمير المؤمنين. اللهم عمر (٧) بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك (٨) براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاه. اللهم ابق للإسلام والمسلمين مهجته، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته. اللهم، وكما فتحت به على يديه (٩) البيت المقدس بعد أن ظنت الظنون، وابتلى المؤمنون، فافتح على يديه دواني الأرض وقواصيها (١٠)، وملكه (١١) صياصي الكفر ونواصيها، فلا يلقاه منهم (١٢) كتيبة إلا مزقها، ولا جماعة (١٣) إلا فرقها، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها بمن سبقها. اللهم اشكر عن محمد ﷺ سعيه، وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه، وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك (١٤) وأكنافها. اللهم: ذلل به معاطس الكفار (١٥)، وارغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب

стр. 4456

مُلْكَهُ (١) على الأمصار، وأثبت سرايا جنوده في سبل الأقطار. اللهم أثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين، واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك (٢) الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم. اللهم: وكما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة (٣) التي تبقى على الأيام، وتتخلّد على مرور الشهور والأعوام، وارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفد في دار المتقين وأجب دعاءه في قوله ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤). ومنهم: [٤٩] فخر الدين، أبو عبد الله، محمد بن محمد ابن تيمية، الحراني (٥)، خطيب حرّان الراقي على أعوادها، الباقي به شرف ميلادها، الساقي بأنواء الدموع ما لم يسقه عهود عهادها، من أهل بيت أعرقوا في بلادها، وعرفوا باستيطان بلادها، حلّ منها محلّ سوادها، وكان رأس زهادها، وواحد أفرادها، المبصر بمعاهدها، المذكر بالسفر الطويل بزادها، وله الخطب الجسيم، والخطب الذي ينشر بعظم الرميم، ضاهت ( ...... ) (٦) حسنًا لمن فكر، وطيبًا فاق ذلك السكر ( ..... ) (٧) المكرر، إلا أنها من ذلك البحر استقت، وفي سفح ذلك الطود ارتقت، ومن نظر في المعاني، ونظر هذه الثمرات من أي المجاني، اعلم أن خطب له هي ما ذكره هذا الخطيب. وأن سقاءه إنما ملي من ذلك القليب، ورأى هذا الخطب/ ٢٨٨/ يشف عن تلك المعاني، كما شف الغدير

стр. 4457

الصافي عمّا في قرارته، وتم ضوء البدر بما في دارته، على أنه ما أطرح حلل تلك الألفاظ، ولا أبعد عينها عن مواقع الألحاظ، إلا أنه غير هيئة تفصيلها، ونكّر أحوالها في تحويلها، وهي بادية لمن رأى هندامها المغيّر، وأكمامها المعمولة من فضلات ذيولها لما قصر، هذا مع أنه أجاد في هذا المنحا اللطيف، والرمي إلى هذا الغرض الشريف، رأى بما خلص صوره من ظلمة التكليف بخطب تسربل الدمع، وتستوقف من كان له قلب، أو ألقى السمع. ومنها قوله: من ذا سالمها فلم تحاربه، أم من صادقها فلم تكاذبه، أم من ذا أمنها فلم تجبه، أم من أكرمها فلم تهنه، كم عقدت عقدًا ثم حلّت، وكم نقلت نفسًا بفنائها حلت، كم تعلقمت لمسيغها، وعوقت لمبتغيها، فاعتبروا بصروفها، فكم قد أرتكم عبرًا، وتزودوا لبعد الشقة إن أزمعتم سفرًا، واتعظوا بمن راقته حلاوتها، فأذاقته مرارتها صبرًا، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرًا فكأنكم بها قد تولّت فأدبرت، وبالآخرة قد أدبرت فأسفرت، وبقلائد الأعمار قد وهي سلك نظامها فانتثرت، فلو وقفتم على منازلهم من الأجداث، وناديتم يا سكرى الحمام، ويا مرعى الرغام، أعن يقظة هذا ( ...... ) (١) أم منام، ما هنا المقام بأرجاء الرخام، ما هذا الظن حتى برد السلام، لأجابكم ضمائمهم بلسان الحال، ورجع إليكم القول عن رمم بوال، تالله ما اخترنا فراق الأحباب، ولا آثرنا السكني تحت التراب، لكن أعجلنا وشك السفر، وأحلنا بطون هذه الحفر، ونحن فرطكم، وأنتم على الأثر، ونحن سلفكم وأنتم الخلف المنتظر. ومنه قوله: أيها الناس، خذوا في تحصيل الزاد قبل أن ترحلوا، وأجدّوا الأهبة للمعاد قبل أن تشغلوا، وأعدّوا صواب المعل قبل أن تسألوا، وشدّوا رحال الارتحال. فإنكم لن تهملوا، وارموا بأنصار النصائر والأفكار في أرجاء هذه الدار، هل ترون إلا عفوًا أقفر من قاطنه، أو ربعًا خلّي من ساكنه، ذهب والله أبناؤها، وخرّب بناؤها، أولئك سوابق سفر أنتم لواحقه، ورهائن أمر ستبدو لكم حقائقه، وسكارى كأس سينغصكم داهقه. ومنه قوله: ابن آدم. أملت فطوّلت أملك، وحملت على حظك من الآخرة فما طلب

стр. 4458

من حملك، وعدلت على تقصيرك فما أطعت من عدلك، وأشغلت عن ذكر مصيرك فأضعت أجلك، تنظر في الدنيا بعين مقيم برباعها وأنت راحل، وتبصر حال من أغرقته بأطماعها وأنت منها على ساحل. وتركن إليها وهي بالبلاء محفوفة، وتقبل عليها وهي بالفناء معروفة، فيا ايها الغافل والموت قاصده، والأمل لها والموت من خلال الأمل مراصده، ماذا أراك وهن مشيبك بعد قوة شبابك، وأين من ودعت إلى منازل البلى من أترابك وأحبابك، لقد دعاك من دعاهم، ولكن تقدموا وتأخرت، وأزعجك ما أزعجهم من غير أن أسرعت بهم آجالهم وقصرت. ومنه قوله: فأصبحت عرى الورع منفصلة، وظهور الإيمان منقصمة، ومحارم الخلاق مرتكبة، ومكارم الأخلاق مجتنبة، فالنسك سمعة ورياء، والعلم خصومة ومراء، والأديان فجور وكذب، والآيات لهو ولعب، والأمانات خيانة وإنكار والتصرفات ضرر وإضرار، وكل تقتحم النار، ما للغفلات قد أطلت، وما للديانات قد اضمحلت، وما للرغبات في الخيرات قد قلت، وما للنيات قد فسدت، وما للطويات في التقوى قد زهدت؟ حتى كأن الدنيا قد عبدت، أو أنها لم تصدق فيما أوعدت، أو وعدت؟ فبادروا الإمكان قبل اعتراض المنية، وذهاب طمع الأمنية قبل ارتحال الحبيب وإعوال النسيب، قبل اشتغال الودود بالندب والنحيب، واستبدال اللحود عن المنزل الرحيب، قبل صعقة الصيحة لشدة الوجيب، وهجمة الرجعة بالأمر العجيب. ومنه قوله: لقد أنذرك الشيب وأنت على غرتك، ووعظك وأنت مقيم على مسرتك، أتخال أنك ستجد من عمرك ما أخلقت؟ أو تثرى منه بعدما أملقت؟ وغدا يعتورك الانتقام بأيديها، وتعدو عليك من سكرات الموت عواديها، وينادي للصلاة على جنازتك مناديها، ويراوح جسمك الهوام ويعاديها، وقد عجل بك الأخوان إلى منزل البلاء والهوان، فرصفوك على الرقاب، ثم نكسوك وأودعوك التراب. ومنه قوله: أفلا عازم يرده إلى سواء السبيل نظره؟ ألا حازم يصده عن العذاب الوبيل حذره؟ ألا قلب بنوره يتذكره؟ ألا طرف ببصره تدبره؟ ألا أذن واعية؟ ألا قدم في طاعة الله ساعية؟ ألا نفس لحقوق ربها مراعية؟ ألا سامع لقبول الموعظة لديه داعية؟ قبل أن ينبو بكم المقام، ويعطبكم الداء العقام وترهقكم الأسقام قبل أن تبدد الأعضاء والمفاصل، وتجرد الطلى عن الكواهل، وتطول رقدة الحبيب تحت الجنادل.

стр. 4459

ومنه قوله: قد شغلتكم الدنيا بحبها عن الفكر فيها، وألهتكم بلهوها ولعبها عن تدارك أموركم وتلافيها، فليت شعري ما هذا التلوم وقد حدا بالنفوس حاديها، وماذا التربص وقد نادى بالتفكّر مناديها، أما رأيتم من سحب أذيال العزّة أنفة وتيها، واقتضت أموال البلاد يمنعها ويؤتيها. عدت عليهم من نوائب الأحداث عواديها، واستردت عليه بأيدي الأقدار جميع عواديها، وشيعته العيون بفيض مآقيها، وبغصة المنون تنبض قواصيها. ومنه قوله: أيها الناس أحيلوا القلوب في رياض الاعتبار، وأطيلوا النحيب على انقراض الأعمار، وأسيلوا الغروب على ابيضاض العذار، وأزيلوا العيوب قبل اعتراض الأقدار، واستقيلوا من الذنوب فقد ألقى البياض في الإنذار. ألا وإن طلوع ضوء المشيب في ظلمة ليل الشباب منذر بوهن العظام، وضعف الأعصاب، ومخبر بترادف الأسقام وتولي الأوصاب. يا له فجرًا لا ليل بعد ابتسامه، وثغرًا سد لايتلامه، فصونوا بهجة بياضه من سواد الآثام، واستيقنوا بإيماضه حسر المنون اللثام، وكونوا مع إيقاظه على قدم الاحتشام، واستحيوا من الله أن تتعرضوا لمواقع اللمام، فإن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام، واعلموا أنه نور الله في الرؤوس واللمم، ونذيره في النفوس باجتناب الكبائر واللمم فيا معشر الشيوخ هل للزرع إذا ابيض إلا حصاد المناجل، ويا معشر الكهول، إن الثمر إذا بدا زهره فالحداد له معاجل ويا معشر الشباب إن الغصون الرطاب كثيرة الغوائل، ويا أيها الإنسان والخطاب للسامع والقائل، فليت شعري متى تستيقظون من هذا المنام؟ متى تتعضون بصروف الأيام؟ متى تسمعون نياح الدنيا على الأنام؟ متى تعون قولها على منابر الإعلام؟ ألا لا كهل ولا غلام. إلا والحمام يقريه السلام. ومنهم: [٥٠] محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى الأنصاري الخزرجي، المطري الخطيب (١)، أقضى القضاة، جمال الدين أبو عبد الله لسان خطابة وخطاب، وبستان محاسن تهزّ له أغصان رطاب من أبناء المدينة،

стр. 4460

وآخر خطباء تلك البلدة الأمينة، جار سيد ولد عدنان، وجاني ما طاب من تلك الجنان، وراقي ذلك المنبر المشرف، وراعي ذلك المحراب المعرف، ولد بتلك البقعة، وولي المنبر بها، فارتقى إلى تلك الرفعة، وأسمع بخطبة نزلاء ذلك الحرم، وبذلك ما عنده لضيوف ذلك الكرم، وأحمد الرواد تلك الروضة المنتجع، ولو راد تلك المناهل المرتجع، فوقف عليه الركائب، وصرفت إليه الرغائب، فقبسوا من وريها ورودًا، حديث الخصب عن مطريها، وقد تواتر على الألسنة، وتداول بأقوال الحجيج في كل سنة، أنه طالما أبدع من الخطب، ما فطر وأبدى العجب على لسان راع من بني مطر. ومنه قوله: الحمد له جاعل الصدور لودائعه مقيلًا، وناظم الأمور بصنائعه إجمالًا وتفصيلًا، وناصب أسباب الحكم على وحدانيته دليلًا، وقاهر الأرباب والأمم جيلًا جيلًا، الذي غمر عباده كرمًا جزيلًا، وأسبل على من أطاعه من الرحمة سترًا جميلًا، وفرض حج بيته الحرام على من استطاع إليه سبيلًا. أحمده حمدًا يكون للنعم رسيلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يبوء قائلها ظلا ظليلا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أنزل عليه الكتاب تنزيلا، أرسله ونادي الإيمان قد عاد ضئيلا، ووادي البهتان قد وجد مسيلا، والأمة تسترشد من تريد تضليلا، فلم يزل ﷺ مجاهدا في نصرة الحق بكرة وأصيلًا، وينضى ركائب الجد إيجافًا وذميلا، وينتضي من الإنذار عضبًا صقيلا ويعتقل من البيان ذابلا طويلا، حتى عاد ربع الباطل محيلا، ورسم الشرك نحيلا، وغرب الغي كليلا، وأعلنت الألسن بذكر الله تكبيرًا وتهليلًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١). أيها الناس، إن الله أصدق قائل، وأوثق كفيل يدلكم إلى خير سبيل وذلكم في محكم التنزيل على لسان الحبيب والخليل، فقال ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٢)، فاشكروا نعمة الله عليكم وإحسانه العميم إليكم، وما منحكم به من حج بيته الحرام، وأداء مناسكه العظام، وزيارة نبيه محمد عليه أفضل

стр. 4461

الصلاة والسلام، وأبشروا بغفران الذنوب ومحو السيئات، ووضع الجنوب ورفع الدرجات، فعن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال قولًا يجب على سامعه الله الحمد والمنة: للعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. وقال ﵇ مشيرًا إلى الكعبة البيت الحرام، قولًا يزول به هم الحاج وغمه: من حج هذا البيت لم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه. ومن رحمته لكم، ورأفته بكم، وضع لكم بيتًا نسبه إلى نفسه وسيجه، ببركات كرمه وقدّسه، وجعله مثابةً للناس وأمنًا، وأوسعكم به تطولًا ومنا، بين حجره الأسود وبين الحطيم، ينشر خلع القبول من الرب الرحيم، وينزع عن الوافدين إليه أغلال القلوب، ويطهر الطائفين به من كل دنس وحوب، وينادي مناد من قبل البر الوهوب، يا معشر من حج بيت الله المحرم ممن قضى مناسكه ويمم، استأنفوا العمل فقد غفر لكم ما تقدم، فقابلوا رحمكم الله هذا الحرم بالتبجيل والتعظيم، فقد قال فيه السميع العليم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)، وقوموا الله بما يجب من الحقوق، واستقيموا على الوفاء ومجانبة العقوق، وإياكم وما يصد عن أشهر الحج وما يعوق، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق، فالحسنة فيه مضاعفة، والقربة بالقبول مساعفة، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والصدقة مضمونة الخلف مؤداة، وأهل الحرم جيران الله فحجوا عباد الله هذا البيت قبل أن لا تحجوه، وروجوا الوقت بما تيسر من العمل ورجوه وارجو ثواب الله، فما خاب من يرجوه، واعملوا ليوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، جعلنا الله وإياكم ممن أمات بذكر الممات أمله، وأحيى بإيحاء الباقيات الصالحات عمله، واستعمل بواقي الأوقات والساعات فيما خُلق له، إن أحسن ما وعظ به واعظ، وأجمل ما لفظ به لافظ كلام من لا تدركه اللواحظ، والله تعالى يقول على لسان هذا النبي الصادق الرسول، وبقوله عزّ من قائل يهتدي المهتدون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). الحج أشهر معلومات … الآيات. ومنه قوله: أيها الناس إنكم قادمون على بلد الله الحرام، وواردون مورد الكرام والأنعام، فيه كعبة الله فطوفوا بها وتمتعوا، وقبلوا الحجر الأسود فقد قبله من به يرجون أن يتشفعوا، وفيه مقام إبراهيم الخليل، فتعبدوا فيه وتركعوا، وفيه حجر إسماعيل وهو من

стр. 4462

البيت فارجعوا فيه عن الحوب قبل أن ترجعوا، وفيه ملتزم الذمام، وميزاب لسحب الغمام، فاضرعوا لديهما واخضعوا، وفيه ماء زمزم وهو لما شرب له، فردوا حوضه وأكرعوا، وتنفّسوا فيه ثلاثًا وتضلّعوا، واستفتحوا باب مولاكم الكريم وأقرعوا، وأزمعوا على التوبة قبل يغلق بابها فتمنعوا، وتلقوا النصائح بالقبول، فطالما سمعتم فلم تسمعوا، وسمعتم فلم تعوا، ووعيتم فلم تنتفعوا. ومنهم: [٥١] يوسف بن سلمان بن أبي الحسن إبراهيم الطائي (١)، الخطيب، جمال الدين، أبو محمد النابلسي، الصوفي صديق علم، حفظ عليم، وذو فهم، وأنه منه لذو حظ عظيم، انتج بفضائله كل عقيم، وأبهج بثراء حاصله كلّ عديم، وجاد من عطاء فواضله بكل عميم، وكان أبوه صالحًا، وجده يأبى إلا أن يرعى ذرى المنابر، صادحات، فحفظ القرآن، وتلقنه، وحافظ على البيان فأتقنه، وأخذ عن العلماء حيث تحمل الركائب، وتؤمل الرغائب، وخاض لجة كل بحر، حدث عنه بالعجائب وسلك محجة كل برّ، لا يقول فيه العائب، ومذ كان ناشئًا، كان قريبًا إلى اللذات بائنًا، يتوقد قريحة، ويتوقل ذرى غير مريحة، وخاطره يهيم في كل وادٍ، ويقيم في كل نادٍ، قد اصطبح بورد الذكاء واغتبق، وجارى جرد المذاكي فسبق، فجلا الفوائد وساما، وجاء بغرر القصائد تتسامى، بقوافٍ تسكت الطير في خصامها، وتسكن السماء كأن الثريا علّقت في مصامها، وسلك طريق التصوف ففهم وفهم، ويسيح مسيح ذي النون (٢)، وجرى مجرى ابن أدهم (٣)، وحام على شرع العرفان

стр. 4463

فشرب من نهله، وصحب كبار أهله، ثم أعار هذا الشأن يحط مجانبه، وأعرض عنه ونأى بجانبه، وحضر المدارس مستديرًا في حلقاتها، مستدرًا من نفقاتها، فنقل عن أئمة الفقهاء، وتنقل إلى الانتهاء، واستحق أن يطلق قلمه، ويقيد عنه ما علمه، وتوقل صهوة الخطابة، فأشرقت نجودها، وأورقت كل الخزامي نبات طل نجودها، فأسمع حكمًا، وداوى صممًا وبكمًا، وطبع منها زبرًا أقرع بها رؤوس الأشهاد، وقطع بها نفوس ذوي الإلحاد، وأبدى منها عرائسًا مجلوة، ووصل غرايب مجفوة. وهو الآن بدمشق فريد خطبائها، ووحيد أدبائها، مع أنه بها من أعلام الفقهاء، وفي أعلى درج الفقراء، أخذ الفقه عن شيخنا ابن القرطاح وابن قاضي شهبة (١). والنحو عن القحفازي. وعلم البيان عنه وعن شيخنا أبي الثناء الكاتب والأدب عنه وعن شيخنا الكندي، والتاج اليماني، ولازم دروس الشيخ المصري، وساكنه في العادلية الصغرى، وازداد به انتفاعًا وعلوًّا وارتفاعًا، وله عيون في فنون الأدب نظمًا ونثرًا وقصائد ومقطعات. وفوائد مبصرات ومسمعات إلى بقية أفانين النظم والموشحات والرسائل النفحات، مع ما له من سرعة البديهة (٢)، والتندر في الأجوبة والتملح المستعذب إلى خفة روح، ونوادر يجيء بها ( … .. ) (٣) على الفتوح، ولهذا حظي بالقبول، وعُدّ كلامه المرقص المطرب من القبول، وهو ممن صحبناه، وجلابيب الصبى جدد، وطلق الشباب مدد، واللمم ما عممت بالقتير، والهمم ما طال زمانها القصير، وحمدناه بعيدًا وقريبًا، ووردناه بحرًا وقليبًا، ولم نعتب عليه شيئًا ولا عتب. وقلت له في هذا التأليف فكتب ما صورته: هذه خطبة أنشأتها وخطبت بها في الجامع الذي أنشأه ولي نعمتي ونعمة كل أديب، الضارب في كل علم بسهم مصيب، أوحد الأئمة الأعلام، رئيس البلدتين مصر والشام، الذي سبق الأوائل، وأتعب الأواخر وتحقق بتمامه قول أبي تمام: (كم ترك الأول للآخر) وهو القاضي السعيد والوزير السديد أبو العباس شهاب الدين أحمد بن القاضي الشهيد محيي الدين يحيى بن فضل العمري العدوي القرشي، كافل الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية، جلس الله حبّه على القلوب، والبس حزبه لباس النصر المرهوب، فهو الذي أخرجني من دائرة الشعر في هذا الأوان، وأعلاني على منابر الذكر فأغلاني بعد الهوان، وفيه أقول من كلمة امتدحته بها:

стр. 4464

لقد لبست به الأيام حسنًا … وقد سلبت من الشيم القباح تسهل بابه لا القفل كزٌّ … ولا البواب ذو وجه وقاح أرى مدحي سواه كان ذنبًا … ومدحيه لذاك الذنب ماحي فكم قد مات لي أمل فألقى … عليه لقاؤه روح ارتياح فأولاني يدًا رفعت محلّي … وأتعبت النواظر في التماحي على شرف الحياة حصلت منها … وأرجو في الوفاة بها فلاحي من الشعراء أنقذني ووافي … بي الخطباء أرباب الصلاح ودائرة القريض خرجت منها … وكان به اغتباقي واصطباحي فشكرًا للذي قد عاض فكري … من الأشعار بالخطب الفصاح ولولا فضله مافهتُ يومًا … بمدح لا ولا غزل مباح به قد عاد مدح بني عدي … فهم أندى الأنام بطون راح الحمد لله الذي سمك السماء وأمسكها، وزيّنها الكواكب، وأعاضها عن بدرها الآفل بشهابها الثاقب، رفع الخضراء، ووضع الغبراء، وبثّ الدهراء، وألف الغرائب فساق بخفيف الهواء السحائب وأنار بلطيف الضياء كثيف الغياهب، وأخرج النسمة من بين الصلب والترائب، وجعل من الشجر الأخضر نارًا، فيالها من عجائب نقل الكائنات من العدم إلى الوجود، وأقام المحدثات شاهدة له بالقدم والجود، وجعل خير بقاع الأرض مجالس الجود ومجال السجود، وأمر بتطهيرها للطائفين والعاكفين والركع السجود، وخص من يعمرها بالمحامد والمفاخر، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١) ووعد بانيها على لسان نبيه بأن يكون له يوم الفزع جُنَّة، فقال: من بنى الله مسجدًا ولو كفحص قطاة، بنى الله له بيتًا في الجنة، وقد روى عنه ﷺ ، المتهم والمنجد، عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد فكيف لمن وسع فناءه، ووشّع بناءه، وجدّده بعد الدثور، وأنعشه عند العثور، وأقام معينه وأجرى معينه، وألبسه ثوب الوقار والسكينة، وزينه لخطبة وأقامه لخطبة. لقد فاز هذا بأجر كريم ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) أحمده على ما يسره من إقامة الشعار، وسهله من إعلاء المنار، وأسأله الإعانة على جريان ذكره وشكره، والوقوف عند نهيه وأمره، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تفيد قائلها علوًّا وشرفًا، وتبوئه من الجنة غرفًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،

стр. 4465

الذي فرق الجموع، وجمع الجمع، وعمر المساجد وهدم البيع، وأظهر الدين، وطمس البدع، ووضع الأصنام، ولذكر الله رفع، فلم يزل أمره ﷺ يزداد ظهورا، وجعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، فشرع الآذان والإقامة، وقال: بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، صلى الله عليه وعلى آله أهل القدوة والإمامة، صلاة تحلّهم بها دار المقامة. أيها الناس، إن رياض الأذكار قد أينعت وفاح نشرها، فأين المرتاد؟ وإن وجوه الإقبال قد أسفرت، ولاح نشرها، فأين أهل الوداد؟ وإن نعم الله قد أسبغت، فأين العباد؟ لقد حضرت الأجساد، وغابت القلوب، وقلّ الخالص وكثر المشوب، واستهلكت صبابة العمل في ذنوب الذنوب. أذن واعية، فتوعظ، ألا فطنة سامية فتحفظ؟ ألا بصيرة ناقدة فتلحظ؟ فقد بان الصباح لذي عينين، وقامت حجة الله من الليل والنهار بعد أين. فيا سعد من عمل فيهما كما يعملان فيه، وراقب الله تعالى فيما يعلنه ويخفيه، وترك كلّ ما يطغيه، وأخذ بعض ما يكفيه. وأنعم النظر فيما يرى ويشاهد، ففي كل شيء له آية على أنه واحد، لقد وضح الدليل، وبأن السبيل، إنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال. وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا يزول، فقد اعترفت بوحدانيته العقول، فانتبهوا رحمكم الله من رقدات الأعمار، وانتهبوا لحظات الأعمار، وأسلكوا مناهج الإخلاص، وأعرضوا أعمالكم على محك الذهب الخلاص، وإذا نصب لكم شرك الهوى، فأحسنوا منه الخلاص، هذا شهر رجب قد أهل به الهلال، وسمع له في آفاق السماء إهلال، وتقدم الأشهر الحرم، وتضمن معناها وكان لنظمها براعة استهلال، وتلقوه كما يتلقى الحبيب القادم بعد الشتات، وأعدوا نزله من الصلاة والصلات فها هو قد تفيأت ظلاله، وحرّك القبول إقباله، وتقدمه الغيث يسح قطره، حتى أصبحت لقدومه الأرض مخضرة، فأهلًا بشهر مضر الحمراء، مزيل السنة الشهباء، ومعوض الرخاء من النكباء، شهر الله الأصب فيه تصبّ السماء بركاتها، وتخرج الأرض مستودع نباتها، وتتفجر الأعين عن غير فراتها، وتبتهل القلوب بصدق نياتها، إلى عالم خفياتها، وها نحن قد تلقينا بالأهل والترحيب، وجمعنا لتلقيه بجامع وخطبة وخطيب، فيا سعد من عبد ربه، وعظم قدسه، ويا شقاء من ظلم فيه نفسه، فأطيعوا الله ورسوله أحسن الطاعة، وخذوا حظكم من ملازمة السنة والجماعة، ولا تطلبوا بأعمالكم غير رضا الله تراثًا، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثًا، وأرغبوا عن طول الأمل. فإن العمر قصير، وأذهبوا غش العمل، فإن الناقد بصير، وإن امرءًا لزم الفتور والتواني، وتمنّى على الله الأماني، لسابح في لجة غرور، ملوم سابحها سابح في مفازة شرور، مشوم بارحها وسانحها، فاتقوا الله ما استطعتم، وأنفقوا في

стр. 4466

سبيله ما جمعتم، وأحفظوا من نفوسكم ما رفعتم، وارفعوا من قلوبكم ما حفظتم، وجدوا بسيف العزم سوف ولعل، وأعدوا المسير في ميدان المهل وراقبوا الله تعالى فيما دق وجل، واعلموا أنه ما بعد حلول الأجل إلا سرابيل القطران أو الحلل، جعلنا الله وإياكم ممن ينتهز الفرصة عند إمكانها، ويزجر نفسه عما تزينه وسوسة شيطانها، إن أوفى الكلام بمداواة الكلوم، وأعلا الأعلام لروايات العلوم كلام الإله الحي القيوم، ويقرأ: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (١) الآية. خطبة أخرى، أنشأتها وخطبت بها في الجامع: الحمد لله الذي سبح بحمده الرعد، وصرح برفده الوعد، وتمدح بارتفاع مجده عن القبل والبعد، أحمده على سوابغ النعم، وأقر له بسوابق القدم، وأنزهه عن لواحق العدم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يشرق سمتها على الوجوه النواضر، وينطق سمتها للعيون النواظر، وتلوح أشعتها بأعلا المناظر، وتبوح أدلتها للمستدل بها والمناظر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي انتهت إلى الشفاعة في أمته أمنيته وسؤله. وطاب في ظل سدرة المنتهى مقيله، وقام بحجة الله على خلقه تنزيله وقيله، وظهر في الملأ الأعلى اختصاصه وتفضيله، ورأى من آيات ربها الكبرى ما قرت به عينه وأشفى غليله، وصح أنه حبيب الله وخليله: فهو الأبلج الذي يستسقى بوجهه الغمام (٢)، ويستشفى ببريقه من الداء العقام صلى الله عليه وعلى آله الكرام، صلاة تحلهم بها دار السلام. أيها الناس: إنه قد نشرت علينا رحمة الرحمن، وبنشرها طويت يد الحرمان، فمن شكر فله شكره، ومن كفر فعليه كفره، فذكرا لأيام الله ذكرا، وشكرا لأنعمه شكرا، فإنه بالذكر والشكر تحصل السعادة، إذ بهذا تحصل الحسنى، وبهذا تحصل الزيادة، واعلموا أنه من شكر الله تعالى العمل بطاعته، وإيثار المرء على نفسه عند فقره وخصاصته، فرحم الله من أعطى من سعة، أو آثر عن فاقة، أو واسى من كفاف، وراض بصره بالغض، وبطنه بالقناعة، وفرجه بالعفاف، فإن الصبر ضياء، والصدقة برهان، وإذا ذكر الموت وقد تعسر البرهان. فما هي إلا أيام قلائل، وقد التحقت الأواخر بالأوائل، وتساوت في الصعيد مضاجع السادات والعبيد، وتفاوتت الأرواح فمنهم قريب وبعيد، ومنهم شقي وسعيد،

стр. 4467

فإذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، ونصب الصراط، وعلق الميزان، وثقلت أو خفت الأوزان، وثبتت أو زلزلت الأقدام ورجحت أو طافت الأحلام، ووقع الحساب على النقير والقطمير وحصل الصغير والكبير، وسمع النغيظ والزفير، وزخفرت الجنّة، واحتدم السعير، هناك يود الممسك لو أنه جاد، ويود المنفق لو أنه زاد، ويود النادم في المعاد لو أنّه عاد هنالك رجع المال إلى من إليه المرجع والمآل، ونادى مناد يسمعه الشقيّ والتقي، هذا ما لنا رجع إلينا، سعد به من سعد وشقي به من شقى، فراقبوا الله تعالى، وامتثلوا أمره واتقوا النار ولو بشق تمرة، فرحم الله امرءًا، ما له لنفسه جنّة، وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) وقوله: انفق يا بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلال. ومن ظن أنه يتلف ما له حين يسلفه فلينظر إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٢) جعلنا الله وإياكم ممن عامل الله تعالى واثقًا بضمانه، فأنفق الفضل من ما له، وأمسك الفضل من لسانه، إن أبين ما هدى إلى سبيل الفلاح، وأحسن ما نقل الأنفس من حضيض الشح إلى بقاع السماح، كلام من سخر السحب وأرسل الرياح، ويقرأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (٣) إلى آخر الآية. خطبة أخرى أنشأتها، وخطبت بها: الحمد لله الذي بذكره تطمئن نوافر القلوب، وبشكره تغفر كبائر الذنوب وبحمده تكفي غوائل النقم، وبرفده تؤتى جلائل النعم، أحمده حمد معترف بجلاله، مغترف من بحر جوده وإفضاله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. شهادة سالمة من الريب حاكمة لقائلها بأنه من الذين يؤمنون بالغيب. وأشهد أن محمدًا عبده الطاهر الحبيب، ورسوله المبرّأ من الدنس والعيب. أرسله وأرسل الملائكة لنصره وجعل الأعصار كلها دون عصره، وأقسم بحياته وعمره، وفرض على العالمين قبول نهيه وأمره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وصهره. عدد ما ذكر أحد في سره أو جهره. أيها الناس، تأهبوا في العمر القصير للسفر الطويل، وتسببوا للزاد الكبير في المهل القليل، واستعينوا بخفة ( … .. ) (٤) على اليوم الثقيل، واستبقوا سرعة النفاد في العزم الكليل، وأسرحوا في شهود الاعتبار سوام الأحداق، وأجرحوا بسهام الأفكار منام الأغساق، واجنحوا إلى أخلاق الأبدال، فإنها نعم الأخلاق، واسمحوا بإنفاق الأموال

стр. 4468

فإنها تزكو على الإنفاق. الله الله عباد الله. دونكم الفرصة فانتهزوها، وزكى نفوسكم ولا تلمزوها، هذا شهر رمضان. قد وقف على شرف للوداع، وهو ثقة على ما يلقى إليه من الإيداع، فاسكبوا العبرات وودعوه، واكسبوا الخيرات وأودعوه، فإنه ذاهب إلى ربه، وشاهد على كل منكم بما أودعه من كسبه، فيا أيها الصائم، نزّه صومك عن الرفث، ويا أيها القائم طهر صلاتك عن العبث، ويا أيها الذاكر أجمع بين القلب واللسان، ويا أيها الشاكر زين شكرك بالإحسان، ويا أيها المنفق كن على نفقة من الخلف ويا أيها المشفق إنته يغفر لك ما قد سلف، ويا أيها المتواني أزف الرحيل ويا أيها المتفاني انقطعت عن الدليل، فكيف بك أيها السالك إذا ضاقت عليك المسالك، ورأيت النار ومالك، وشهدت جوارحك بسوء أعمالك، ووجدت أفعالك أقتل من أفعى لك هنالك، تعض على يديك ندمًا، وتكون من أعمالك كممسك على الهواء، أو قابض على الماء. وهي طويلة فاختصرتها. خطبة أخرى أنشأتها وخطبت بها عند وفاة بعض الملوك. الحمد لله وارث الأمم وليس له وارث، وباعث الرمم سامهم وحامهم ويافث، وباري النسم، ومسلّط عليهم الحوادث، يحكم بالعز والهوان، وينقل ملكه من سلطان إلى سلطان، أحمده على ما نزل به القدر المتاح، حمدًا يهب حيث ينوح الرياح، ويبلغ حيث يبلغ المساء والصباح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أفرج بها خناق الكروب واجعلها درياقًا لسمام الذنوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي جمع كلمة الإسلام بعد شتاتها، وقصد به أحياء الأمة وغفر لأمواتها، وأيده بكماة الحروب وحماتها، صلى الله عليه وعلى آله، ما غابت الشمس في ظلماتها، وطلعت البدور في هلالاتها، أيها الناس ليس الموت بنكرة فيحتاج إلى تعريف، وليس الفوت في مجهلة فيفتقر إلى توقيف، فكأنكم والله بالتلف وقد أسرع إلى هذا التأليف، وقد اشتدت الكلف عند زوال هذا التكليف. وكأنكم بالصحة وقد نازلها المرض، وبالجوهر وقد زلزله العرض، فخشع القلب واستكان، وعدم الوجد والإمكان، وجاء الموت من كل مكان، فشخص البصر، وضاق النفس وانحصر، وود المسرف على نفسه لو أنه اقتصر فما هذه الفعلة والإضاعة عن اغتنام أوقات المهلة والاستطاعة، أتظنون أن الموت يقبل التفنيد، أو يميز بين السادات والعبيد، أو يأخذ منكم الفدا، أو يؤخر من حضر يومه إلى غدا (١)، كلا والله ثم كلًا، بل جل الخطب وجلًا.

стр. 4469

وعقد الفناء بنواصيكم. وأقسم لا يحلُّ بعقده حلاًّ، حتى يوردكم موارد قوم تسوت بهم الأرض وقسمت أموالهم في أهل العصبات والفرض، وبقيت تبعاتها إلى يوم الحساب والعرض، وحلّت بهم المثلات، ونبتت على قبورهم الأثلاث، وجدع البلى أنوفهم الشّم جدعًا، وصال على أوصالهم فصلا وقطعًا، فلو كشفتم عنهم الترب صبحة التلقين، لعلمتم علم حالهم عن يقين، ورأيتم متجهمًا ما كان مبتسمًا، فما تعرفون الوجوه إلا توهّمًا، فهذا علم ما انتهت إليه أشباحهم، فسبحان من عنده علم ما انتهت إليه أرواحهم وأنتم عباد الله بقية مما ترك آل الرحيل، وشرذمة قليلة تركت لتهتم بالتحويل، ويلتحق الخلف بالسلف عما قليل، فخذوا رحمكم الله في تحصيل الأزواد، واحملوا على نفوسكم، فإنها لسفركم الطويل بمنزلة الأذواد، واقطعوا من الدنيا جميع أسبابكم فإن عسكر الأموات قد عسكر على أبوابكم، وأقسم ألا يرحل إلا بكم، فيا أبناء الأموات النجاز النجاز، ويا إخوان الشتات الجهاز الجهاز، ولا تطمئنوا إلى الحياة فإنكم منها على أوفاز، ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، جعلنا الله وإياكم ممن زجره الوعظ فانزجر، وتجلت له العبر فاعتبر، وأخبر عن الموت فعلم أن الخبر فوق الخبر. إن أنفع ما قرع السماع من المواعظ الزاجرة، وأحسن ما صلح عليه أمر الدنيا والآخرة، كلام ذي القوة القاهرة والآيات الباهرة. ومن موعظة خطبة أنشأتها أيضًا: أيها الناس أما لكم عن طول آمالكم من إقصار؟ ما هذا الغرور الذي قد أمالكم عن جادة الاستبصار، كيف لا تعتبر المقيم منكم بمن رحل؟ أم كيف ييأس من الإقامة من تستفزه الرحل، أم كيف لا ينشط من عرف عواقب الكسل، أم كيف لا يتيقظ من عرف خيبة الراقد؟ أم كيف لا يتبصر من رأى ظفر الناقد؟ واعجبًا لمطلوب لا يعد المسير في مدة المهل، ولمحروب سلّط عليه عدوّه وهو لا يعمل الحيل، ولمسلوب قد وجد الفرصة ولا يستدرك الخلل، ولمكروب قد وجد طبيبًا وهو لا يحسم مادة العمل. وارحمتاه لعالم لا يجمع بين العلم والعمل، ووا أسفاه لغافل خدعته أباطيل الأمل، ألا طعان، ألا فرسان عادية، ألا همة إلى المعالي رائحة غادية، ألا بصيرة إلى سواء السبيل هادية، ألا عزيمة جادة، ألا بصيرة حادة، ألا فطنة لوذعية، ألا فكرة ألمعية، ألا خائف من ربه، ألا مقلع عن ذنبه قبل حلول الأجل، قبل تحقق الوجل؟ قبل نزول الضريح قبل السؤال الصريح، قبل الوقوف للعرض على جبار السماوات والأرض، فيا أيها الغافل، عسى أن يكون قد اقترب أجلك، وقد أوهمك بعده أملك حتى سوّد الصحائف عملك، كأنك والله بأجلك قد حلّ، وبأملك قد ودّع فاستقل،

стр. 4470

وبطبيبك قد استدلّ على موتك ودلّ، فنعاك من خلفك إلى خلك وإلفك، وقال لأهلك وهو مغضي اليوم أو الليلة فلان يقضي، فواجهك صغيرهم بالصراخ، فزجره الكهول والأشياخ. حتى إذا عرق جبينك، وامتد عرنينك، وبرق بصرك، واشتد خوفك وحذرك، ويئست من حياة كنت تطمع فيها، ورميت بسهم ممات لم يدع في قوس الحياة منزع، وافقت حينًا بعدما أغمي عليك أحيانًا، فرأيت ملك الموت عيانًا، فهنالك تنقل من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، ومن نخوة إعزازك إلى ذلة إحرازك، ومن عواطف أهلك الرحيمة إلى أهوال عظيمة، قد ودعك معشرك وأودعك، ولو أقاموا عندك لما نفعوا، فتخليت عن الصديق والودود واحتليت بالصديد والدود، ثم لا ملجأ من ضغطة القبر ولا معاذ، ولو نجا منها أحدٌ لنجا سعد بن معاذ (١)، فكيف بك إذا رأيت ملكين أفرقين، تفرق منهما أفئدة الثقلين، فزلزلا منك الأركان، وأجلساك كهيئتك الآن، وسألاك من ربك وما دينك؟ وعملك حينئذ قرينك، ثم بعد تجاوز هذا المنار، ترى سبيلك إما إلى جنة أو إلى نار، فرحم الله امرءًا علم ما بين يديه فانتقل إلى آخرته بأفضل ما لديه. خطبة أخرى أنشأتها وخطبت بها: الحمد لله للذي بعبادته تتم الصالحات، وبهدايته تقام وحدانيته الأدلة الواضحات وبرعايته تنقاد إلى طاعته الأنفس الجامحات، وبعنايته تهتدي إلى معرفته البصائر الطامحات، وبمعاملته تحصل المتاجر الرابحات، وبمسامحته تُغفر الذنوب الفادحات، وتستر العيوب القادحات، وبذكره تطمئن القلوب الجانحات، وبشكره تستقدم النعم السارحات، وبحمده تسبّح النجوم السابحات، والطيور السانحات، والوحوش السائحات، والرياح الغاديات الرائحات، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، وما لكم من نعمة فمن عنده، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، أحمده على وعيده ووعده، حمدًا استمطر به سحائب رفده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يحكم لقائلها بسعد جده، ويختم لحاملها بجد سعده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله وجعل الملائكة من جنده، وشرف به

стр. 4471

أهل تهامة ونجدة، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وولده ما استل سيف من غمده، وأحيل طيف من بعده. أيها الناس، إن للمنايا فيكم وثبات، وهي كامنة في الحركات والسكنات، وجاثمة على الأنفاس واللحظات، فانتبهوا رحمكم الله، فإلى متى هذه الرقدات، وتفطنوا لما يراد بكم فقد استحكمت الغفلات، وتنبهوا لاستدراك الهفوات قبل درك الفوات، وتزينوا للعرض على جبار الأرض والسماوات، هذا عباد الله شهر رجب، ضيف كريم يجب إكرامه، وصديق حميم يتعين إجلاله وإعظامه، وهو خازن أمين وشاهد صدق لا يمين، يشهد عند ربه على كل إنسان بما أودعه من كسبه، شهر اشتهرت بركاته وعظمت حرماته وارتقت ميقاته، وخسفت لأهل الطاعة أوقاته، فيه يقبل الله التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويضاعف أجور الحسنات، فاغتنموا في أيامه البيض غسل الصحائف السود، وثبوا إلى طاعة الله تعالى وثبات الأسود، واعلموا أن الصلاة على المؤمنين كتاب موقوت، وأن الساهي عنها عند الله تعالى ممقوت، وهي من خير أعمالكم، فحافظوا عليها، وراقبوا الذي يراكم إذا قمتم إليها، واطردوا بالخضوع وسواسها، وشردوا بالخشوع خناسها، وأرأبوا صدوعها، واحذروا ردّها عليكم ورجوعها، فكم بين من صلى صلاة تكمل له أجرها وبين من صلى صلاة كتب له نصفها ثلثها ربعها خمسها عشرها، وتأملوا قوله ﷺ ، فقد أبان عن ذلك فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فسمعًا لمواعظ الله تعالى، سمعًا وردعًا لوسواس الصدور ردعًا، جعلنا الله وإياكم ممن ذكر اسم ربه فصلى، وتجلى نوره لسره فتخلّى عما سواه، وبذكره تحلّى. كتب صفي الدين (١) ابن سرايا الحلي وهو بحماة إلى القاضي شهاب الدين ابن فضل الله العمري فسح الله في مدته، وهو كافل الأسوار الشريفة بالشام المحروس حينئذ رسالة تشتمل على شعر وترسل. أما الشعر فأثبته لأنه يعد من الأشعار. وأما الترسل فإني تركته لأنه ساقط عن درجة الاعتبار. والشعر هو هذا: ما كنت أعلم والضمائر تصدق … أن المسامع كالنواظر تعشق

стр. 4472

حتى سمعت بذكركم فهويتكم … وكذاك أسباب المحبة تعلق أرجو اللقاء تعللًا ويسرّني … أني بأذيال الرجا أتعلق شوقًا إلى المجد الذي لثنائه … في كل خافقة لواء يخفق ولقد قنعت من اللقاء بساعة … إن لم يكن لي الدوام تطرق قد تنعش الظمآن بله ريقه … ويغصُّ بالماء الكثير ويشرق قد كنت قبل لأرض مصر عاشقًا … فاليوم غاية سؤل قلبي جلق فعس ترى عيناي منك بربعها … وجهًا يكاد الحسن فيه ينطق ولقد سررت برتبة عادت لكم … والشمس تحجب بالظلام وتشرق فأبشر شهاب الدين فهي طلائع … الجيوش إقبال بمجدك تحدق ولا تخش فيها من تطرق مارد … فالشهب تردي الماردين وتحرق واعذر محبًا لم يصادف مهله … يوفيك أقسام الثناء ويعرق لم أشك بؤسًا غير شغل شاغل … فالرزق متسع ووقتي ضيق أنا في صفاتكم العيي وإن أفُه … في غيرها فأنا الفصيح المفلق ولما ورد هذا الكتاب على حضرته الكريمة كنت بها مع جماعة من العلماء والأدباء فأشار إلي من بينهم، ورفع رتبتي وقال لي: أجر مع هذا الجواد السابق يا سكيت حلبتي، فقلت: سمعًا وطاعة، وبذلت فيما رسم به جهد الاستطاعة، وقابلت البحر بصابه، وقلت: هبني كالذي قيل فيه شيئًا سمعًا فأجابه، فقلت: أنفيس در أم نجوم تشرق … أم ذاك لفظ قد حواه مهرق فيه العيون تزاحمت بلحاظها … إن النواظر بالحدائق تحدق وافي مشرّفك الكريم فخلته … روضًا يجود به سحاب مغدق وكأن أبيض طرسه مع نفسه … خد نقي بالعذار منمق عجبًا له أني وكيف به استوى … ماء الفصاحة والذكاء المحرق ومن العجائب أن جوهر لفظه … فرد وفضل الناس فيه مفرق وصباه شغل النواظر مثلما … فعم الأنوف أريجه المستنشق وتخاطفت منه الغواني لؤلؤًا … أضحى عليها في المهم يُعلّق يا من حمته حماة عن نظر امرئ … أعد سمحت له مصر وشحت جُلَّقُ أتحفتني برسالة مطوية … من نشرها الدنيا تفوح وتعبق شمس الفضائل مسمعي غربٌ لها … مهما لها من فيك شوق مشرق فعقلتها لما رأيت عقيلةً … فيها العقول تلوم من لا يعشق

стр. 4473

ما ينبغي للشّمس يجلو معرب … منها ولا ينفكُّ عنها مُشرِقُ فأنر بها في كلِّ حينٍ مَنْزِلِي … لعساه ينجو من ظلامٍ يطرقُ شَنَّفْ مسامعنا بلطفك أنه … دُرٌّ على سلك البلاغةِ يَنسُقُ واعْذُرْ إذا قصر الجوابُ مُطَوَّلا … فلفيض بحرك خاطري يتملَّقُ فالعُذرُ مُتَّخَذٌ كما أبديته … فالشُغلُ مُتَّسِعٌ ووقتي ضَيِّقُ يقبل اليد التي بدأت بالأيادي، وتروحت إلى المكارم، فمتى يلتحق بها الغادي؟ وتنوعت في أساليب البلاغة، فافتقر إليها الخطيب والشادي، وملأ فضلها برًا وبحرًا فسار بذكرها الملاح والحادي، وينهي ورود مُشَرَّف مُسرِفٍ في إنفاق كنز البيان، مُشْرِفٌ عليه ضُبَّاتُ الرِّندِ والبانِ، مُشرِقٌ كأنه رسالة بين المشتري وكيوان، فتناوله المملوك كما يتناول العقد الثمين، وتخيّله رايةً رُفِعت لمجدٍ فتلتقاه باليمين (١) وحين فض ختامه، وأماط لثامه، وداوى بكلامه كلامه، وأوصل إلى سويداء القلب تحيته وسلامه، تأمله فوجده بحرًا لا تنقضي عجائبه، وفلكًا يبدو شارقه قبل أن يغرب غاربه، فلحظ نجومه، وأخذ يتنزه ويتأمل، ونظر دُرره وشرع يلتقط ويتحمل ما به يفتخر ويتجمل، وانتهى إلى لطف مولانا وحسن توسله في إبلاغ المملوك منتهى سؤله وغاية أمله من تجديد مودة هي في الحقيقة قديمة، وهي وإن سارت لم تزل مقيمة، وفي ذلك أقول: وَذي كَلَفٍ بالودّ منّي وودُّهُ … لَدَيَّ قَدِيمٌ إنما اغترَّ بالبعدِ غدا عاقدًا قلبي بأسرار قلبه … فما عنده لي يقتضي ماله عندي كيف لا؟ وبيننا نسبة أدب هي أخص الأنساب، لأنها متصلة العلائق إلى يوم الحساب، لا يقطعها، انقراض، ولا يتطرق إلى جوهرها الأعراض، ولا يليق بها الانتقاء والأعراض، وكان المملوك على نية الابتداء والافتتاح، وما صدفه عن ذلك إلا إرصاد لارتياح مولانا إلى فضيلة التقدم. وعلم أنه لا بد أن يرتاح، فصبر وانتظر إلى أن سمح بها القدر، وجاءت والله على قدر. أهلًا بعارفة أسديتها إليّ، وتلك نعمة تمنّها عليّ، هي والله إحدى المواهب وإحدى السحائب وأعلا المراتب، وأغلا المناصب، وقد امتثل المملوك أمرها المطاع وجاوب بما استطاع، وقابل الصقيل بالصدأ، وجاوب ولكن كما يجاوب الصدى، المملوك الآن يلتمس من الفطن الألمعيّة سرّ هذه الكلمات العربية، لا زالت

стр. 4474

سعادته قاضية وحقوقه مقضية، وعيشته راضية ومودته مرضية، إن شاء الله تعالى وكتب صفي الدين المذكور في آخر كلامه بيتين وهما: لما ختمت الطرس شوّهت لفظه … وجئت بما شاهدت آخره عمدا عساك ترى عيبًا فتردّ لي … جوابًا لأنّ العيب قد يوجب الردا فأجبته أيضًا ببيتين في المعنى جعلتهما خاتمة وهما: أمانة أنت لها موضع … كلفتني الأثقال من حملها رددتها إذ كان من شرعنا … ردّ الأمانات إلى أهلها وقلت أيضًا في الحريق (١) الذي اشتهر أمره وسار ذكره، وظهر به من النصراني مكره، واستطار شراره وشره، وهي: لنا العز في الدارين والقهر والفخر … وما للنصارى فيهما أبدًا نصر أعبّاد عيسى إن دين محمد … ليعلو ولا يعلى وما مسَّهُ ضرُّ سنفرح يا أهل الصليب بصلبكم … ويذهب هذا الحزن عنا ونستر أردتم بنا سُوءًا فدارت عليكم … دوائره والحمد لله والشكر تكيدون يا أهل الكنائس جامعًا … على فضله قد أجمع البدو والحضر إذا زالت الدنيا فليس بزائل … وبعد خراب الأرض يعمره الذكر وما غاله كيد الحسود ومكره … وحاشاه أن يغتاله الكيد والمكر ولكنّما عين الكمال تطلعت … إلى قدره لما له عظم القدر علا وخلا من قادح في صفاته … فمن أجل ذاته قدح الدهر كذا سنّة الأيام في كل كامل … كما تكسف الشمس المنيرة والبدر هدينا لعدوى أُمةٍ ضل سعيها … وبان الذي غطوه وافتضح السر هم استيقظوا للفتك فينا وظنّهم … بانا رقود عنهم، لقد اغتروا لنا اليقظات الصادقات على العدى … ونحن ليوثُ في الظلام لها زار وليس علينا أن ننام وربُّنا … حفيظ علينا من حراسته ستر وفي الجامع المعمور منا عصابة … قيام وهم شعت لربهم غُبْرُ هم السادة الأبرار الله أخلصوا … فإن سألوا أعطوا وإن أقسموا بروا بهم تعمر الدنيا ويرزق أهلها … وتسترفع البلوى ويستنزل القطر فيا أولياء الأمر أن وليكم … إله واحد أحد وتر

стр. 4475

عليكم بعباد المسيح فإنهم … خنازير بودى منهم الناب والظفر ولا تخدعوا منهم بظاهر طاعة … يلوح عليها الغدر والخدع والختر فطاعتهم خلف وذلهم دهى … وشكرهم كفر وسرهم شر لقد صحبوا جيش الظلام وجردوا … سيوف ضرام لا يقوم بها الصخر وما الليل إلا كافر مثلما حكوا … أما ستر الكفار حتى طغى الكفر أطالوا لسان النار ليلًا فكبرت … بمأذنة التكبير حتى علا الفجر وما كبرت إلا عليهم فإنهم … تيوس على أعناقهم وجب النحر مسعرة تسطو على فحمة الدجى … فتحمر أحيانًا بهم ثم تصفر أهل هلالُ الأفق منها لربه … وضم جناحيه لهيبتها النسر وقد سعرت بين الجوانح مثلها … فصار حريق السر يشبهه الجهر فهذا تولّى وفده الريح والدجى … وهذا تولى وقده الروح والفكر فكم كبد حرّى يشب لهيبها … وكم مقلة عبرى مدامعها غُزْرُ إلى الدهشة الغراء طالت ونشرت … جناحًا ليس يطوى له نشر وعهدي بها مثل العروس وقد بدى … يروقك منها الحلي والبز والعطر فقد أصبحت شوهاء بعد جمالها … وبعد غناها قد أضر بها الفقر وما ثم إلا مأتم في تجارها … يقام إذا أبدى قواعدها الحفر غدا أثر للفقر يظهر فيهم … وأمسى تراهم في الثرى ماله أثر وكانوا جبالًا بالزهور تأزرت … فأمسوا خيالًا ما يصاب له أزْرُ ولم يبق في سوق الطوائف طرفة … فأصبح عند الطرف ينبو ويزور خطوبٌ أتت لا يقوم بوصفها … خطيب ولم ينهض بها النظم والنثر حكت نار نمرود ولكن أعادها … إلى نار إبراهيم ربُّ لنا بر وسلّم للإسلام معبده الذي … سلامته من كل كسر لنا جبر أطاف به طوفان نار وقودها … لها لهب كالموج جاش به البحر وأشبهت التنور فوارةٌ له … تفور بنار مدها ماله حزر ولا عاصم من أمرها غير رحمة … حمانا بها رب له الخلق والأمر من الجانب الشرقي غارت لياليًا … وفارت من الغربي فاستحكم الذعر وبين قسي السبع أفرط نبعُها … وجاءت مجيء السيل والسيل محمر رمت شررًا مثل السهام قسيها … وقد أخذت نارًا وأوترها الجمر ظفرنا بأعدانا وقد غدروا بنا … وليس لهم عُذر به يحمد الغدر

стр. 4476

فأمسى لها عينان، عين قريرة … وعين بما قد نالنا دمعها حرّ وجنبان هذا مطمئن ممهّد … وهذا من التبريح مفرشه وعر وما ذاك من ضرّ بنا غير نخوةٍ … لأن مسَّنا من أهل ذمتنا الشر ولكنما البؤس تولت وأعقبت … بنعمى فزار العسر واقتبل اليسر فتكنا بهم فتك الضراغم في الثرى … وهم لسعونا مثلما يلسع الذر وماضرنا ما قد أتوه بجهلهم … ولكن بهم منا قد استحكم الضر فبعد كؤوس الخمر دارت عليهم … كؤوس عذاب ما يلذ بها السكر وبالشيب لم تضرب لحاهم وإنما … به ضرب الجنبان والظهر والصدر ومازال ذاك الشيب فيهم منغصًا … حياتهم حتى انقضى منهم العمر فيا قبحهم إذ زال رشد رشيدهم … وزلزل تمكين المكين وقد خرّوا عمائمهم زرق وسود وجوههم … وأجنابهم حمر وأكتافهم خضر لقد لعبوا واستعجلوا فأذابهم … على لعب مستعجلات قد انجروا وأطهرهم المطران جهلًا وأرهبت … رها بينهم أفكًا وخامرهم خمر وقالوا لهم إن الصليب علا بكم … ولا بد أن تعلوبه ولهم غروا وصح الذي قالوا ولكن علوّهم … على خشب التسمير كان ولم يدروا فكلّ صليبي صليب مسمّر … على جمل من مدبر ناله دبر جمال سرت تحكي جهام سحائب … ومن عجب أن الجهام له قطر ورجت بهم أركان جلق فرحةً … وقد ملأت أقطارها منهم القطر وطارت بهم إبل كأغربة النوى … تفرقهم حتى يضمهم الحشر فراحوا بها والسب يعمل فيهم … وفي نطقهم عي وفي سمعهم وقر وكانت قسيًا تحتهم فرمتهم … إلى صارم كالملح لكنّه مُر فكم جلد تيس قد دلوين منهم … ومن دمه قد سال بينهما نهر وأصبح سوق الخيل محتفلًا بهم … ينادي عليهم فيه مع أنهم حمرُ لهم بيت لحم من قديم وقد غدا … لهم سوق لحم كاسد ماله سعر تراموا به في مذبح ونحورهم … بحار دم فوق الثرى ماله نشر وقد نذروا أن يدفنوا بقمامة … فصح بسعي الريح فيها لهم قبر على الدف طاب الدق إذ سحروهم … وصح عليهم الضرب فارتقص البكر وطافوا بهم في زفة حسن عودها … يرن على الإيقاع والعود يحتر وبينهم من عجل الله روحه … إلى النار واستولى على عصره القبر

стр. 4477

تردّى ثياب الموت زُرقًا فما أتى … لها الليل إلا وهي من لهب حُمرُ لأن أعدمونا من كثير متاعنا … قِسيًّا وملبوسًا فأمرهما نزرُ فعن ذاك تغنّينا دروع مفاضة … وعن ذاك تغنينا مهنّدة بُترُ وما للقسي الصفر إذا شطت عليها … السيوف البيض والأسل السمرُ فيا أُمّة التثليث كيف وترتم … وفي أُمّة التوحيد لا يذهب الوترُ وهي طويلة فاختصرتها: جمد فيها ذائب المطر، ورصّع سقيط الثلج أكاليل الشجر. وأصبحت الدنيا وكأنما هي في بلورة، والأرض كأنها غُشيت كافورة، والغُدر كأنما كُسرت عليها قارورة، والجبال كأنما تجلببت بالأُزر، وأطرفها مجرورة وساهر البرق قد أيقظ راقد النبات. وجيش الأنواء في الجو قد اضطرب ثم أظهر على الأرض الثبات، وفواقع الأمطار على صفات الأنهار لها وثبات، وزمرّد ما بقي ورقه من الشجر يفقأ عيون أراقم الجداول، وباع قوس السحائب الممدود بطول المطاول، ونار النارنج في قطوفه مضرمة، وعقائص الكباد ترتج على أرداف شجره المنعمة، وبطائح الأترج بالذهب مغلفة، وشذور الليمون مفصل ما من أغصانه مشنّفة، وكان الثلج قد توالى أياما، كثر تقوطه لما صفق الغدير ورقص الشجر وسقى البرق مداما، فلما أصبحت آخر تلك الأيام الوضاء، ورأيت حسن ذلك المنظر من شباك لي يطل على الفضاء، وكان ذلك في رمضان، وقد حمّ الصيام، وختم على مدة تلك الأيام، فكتبت إليه، عتبت عليه وقلت: عجّل فإن اليوم يوم سروري … لو أنه للناس يوم فطورُ بادر صبيحة ليلة قد أسفرت … وتبسمت كالضاحك المسرورُ وتنفست أرجاؤها عن عنبر … ملأ الربى بفتيته المذرورُ وسرى نوم النوء في أرجائها … ليهز فرع البانة الممطورُ والأرض أجمعها غدير واحد … لكنّه الصافي من التكديرُ باكر به اللذات قبل فواتها … فالعيش كل العيش في التبكير فاليوم طفل ما ترعرع في الضحى … فعلام عمم رأسه بقتيرُ فلق الصباح بضوء قلب الدجى … وسطت كتائبه على الديجورُ والطود فيه طرائق ما لبست … بثلوجها كالخام والمقصورُ والجو فضي الصحاب كأنما … شُقّت عليه غلائل من نور وكأنما كانون أطفى جمره … وهفا رمادٌ منه مثل ذرورُ والدوح مبلول الجناح بمائه … متنفّضُ في الجو كالعصفورُ

стр. 4478

وتضمَّنَا دارٌ بحمد الله قد شُيِّدت … جِوَارَ القصر والميْطُور دارٌ تُطِلُّ على الفضاء كأنَّما … جمعت دوائر ذيله المجرور وترى بها في فردِ نظرة ناظر … مالا تراهُ العين بعد شهور وجميع غوطة جلَّق بستانها … أنَّى تُقاس بمشبَّه ونظير بُنيت على شرف منير شاهق … ما ارتدَّ عنه النجم غير مسير في قاسيون سقاه كل ملثّةٍ … غراء تهطل في أعزِّ مطير بنيت كمثل أخي صفاء ساذج … مادنَّست بالدُّهن والتصوير من فوق بستان لنا متنزه … ويزيد فيه يجول كالمذعور ولقد أطلَّ بها نهار طيِّب … وفي يوم ثلج ذر كالكافور والثلج ممدود على أوراقه … كزمردٍ غشُّوه بالبلور بادر أخي إليه واسع عاجلًا … لترى عجائب صنعه المقدور وانظر إلى النّارنج فوق سمائه … كالنار تشعل في صفاء غدير وتهدل الكباد مثل مليحةٍ … جُذِبتْ بعقصة شعرها المظفور وكأنّما الحمّاض في إترجها … ذهب يفصل بينه بشذور والآس فيه من الوفاء دلائل … ماشين مثل الغير بالتغيير والنهر يجري مثل ذائب فضَّةٍ … في جانبيه مثل بسط حرير جال الحباب به على فيروزج … مُتدحرجًا كاللؤلؤ المنثور وانصت إلى الدولاب أن أنينه … يحكي أنين العاشق المهجور بردت مدامعه وقد فاضت بكا … وكذا تكون مدامع المسرور لولا الصيام وأنه خصم المنى … ما كنت أقنع منك دون حضور وتديرها كأسًا يشب ضرامها … مامثلها شعلاء للمقرور ويديرها خنث المعاطف أهيف … قد كحلت الحاظه بفتور مثل القضيب وإنما أردافه … ترتج ملء إزاره المرور أستغفر الله العظيم وإنما … هذي ممازحة بغير فجور فأجابه بقوله: أهلًا بصبح لاح من ديجور … عاد الوصال به إلى المهجور لفظ تجلّى عن بديع كنانه … كالدر يخرج من ظلام بحور فقد اجتلى طرفي وقلبي منهما … ماشئت من نور وفرط سرور أمرت به عندي أمور عندما … وصلت معاينة إلى تاموري

стр. 4479

منها معارضة الخضم بجدول … قد جَفَّ منه الماء بعد خرير مهلًا أبا العباس لا تكُ أمرًا … بقضية تسمو عن المأمور أنا من علمت مقصر لكنما … بالطول منك يغض عن تقصيري وبغير حبك لا تكن لي ملزمًا … فبحب أحمد منبتي ونشوري وقد كنت أتيتُ بأبيات ملغزة في سوسن، وسئلتُ في حلها، وفتح ما تحت مقفلها، فلم يحسن لدي نسجها المهلهل، ولا لان عندي وعرها المسهل، ومع هذا فحللت منها ما عقد، وأوجدتُ من ذاهبهِ ما فُقد وقلت: من ناظمه؟ فقيل: رجل خياط من أهل مصر، فنظمت ما يصلح أن يكون جوابًا لأبياته، وقذفت له في نظمه السم المداف. ووصلت ليله بأجنحة الغُداف، ثم تكشفت العارضة عن ناظم ذلك اللغز، فإذا هو صاحبنا هذا، جمال الدين، وبلغه الجواب، فعرض به ومرض بما قدح في أدبه، وظنّ أني قصدته بالجواب، فكتب إلي كالمعزّي في شيخنا أبي حيان، وباطنه العتاب. والذي كتبه: أضحت حياتك عن أبي حيان … خلفًا لنا يا أوحد الأحيان ملك النحاة مضى وقد أبقى لنا … ملك العلوم العارف الرباني خبر مضى والمبتدأ من بعده … باقٍ يسد مسد ذاك الفان لابل لك التمييز حال حياته … عنه بتوكيد وعطف بيانِ أحسنت صحبته وحسبك أنه … أثنى عليك بغاية الإحسان قد جل خطب الموت حتى أنه … وقف الأثير به عن الدوران فتعز عنه يا شهاب الدين إذ لكما … من العلياء رفيع مكان حيي أبا حيان منهل الحيا … مهما تفرق والتقى حيانِ عهدي به تاء الخطاب فماله … أمسى ضمير الغائب المتفاني إن كان أضمر شخصه فعلومه … كالشمس مشرقة لكل عيانِ فكأنما هو همزة التي سقطت … وقد درجوه في الأكفان (١) يا أحمدًا ذهب الخليل وماله … خلف فدمعي أحمر الجريان وغدا أين يحيى يا ابن يحيى ظاعنًا … فالقلب غير مبرد اللهفان والجفن صار بدمع عيني أخفشًا … والرأس قد عرفوه بالشيباني ولساني السكيت لم أطلب سوى … إصلاح منطقه لذم زماني

стр. 4480

غفرًا فكيف أذم من أبقاك لي … يا من هدى بي للعلى وهداني قالوا: أتنشي مدحةً فأجبتهم … أنشأتها في وصف من أنشاني المنشي المنسي الذي ألفاظه … سحبت على سحبان ذل بان هو سيد حرُّ الكلام رقيقه … فهو الطليق لديه وهو العاني عبد الحميد كعبد أحمد إنّما … أنا ذلك العبد الذي رباني يا مالكي كن شافعي من حادث … يتحدّث القاصي به والداني يدعوك عبد (قد) (١) غدا كفريسة … لتذبّ عنه تجرس الذوباني إن تطرحه تطرح من لم يزل … لك مخلصًا في السر والإعلان لم يكفر النعماء طرفة لحظةٍ … فيخاف منك عقوبة الكفران ووعدتني من نسج لطفك حلّةً … بيضاء معلمة تعظم شاني قاضي القضاة له أتم مسرّة … بنجاز وعدك وهو قد هناني لك يا شهاب الدين والدنيا هدى … وندى حليفا الحسن والإحسان فإذا رأيتك حار دونك ناظري … وإذا مدحتك حار فيك لساني برد حشاي ولو بأيسرِ لفظةٍ … لو قلت: كفّوا عنه قلت: كفاني فأجبته بقولي: أنسيت ودك وهو لا ينساني … إني إذًا للود ما أنساني هب أنني بدلت عنك بصاحب … وأطاعني قلبي فأين زماني هيهات لا عهد الشباب براجع … كلًا ولازمني ولا إخواني أيقال إني قد قطعتك عامدًا … هيهات لا أسخو بقطع بناني هيهات لا أخني على غرسي سدى … بيدي ولا آتي على بنياني نقب على سرّي تجده صافيًا … واسأل سوى قلبي عن السلوان وكذا أبي الماضي وجدي قبله … وبنو أبيه وعد من عدنان ما كان إلا نكتة أدبيّةٌ … قد قلتها أو فلتة بلساني إذ ذلك اللغز الذي وافوا به … في صنعة الآداب ما أرضاني لا رائق الثمرات من ألفاظه … تحلو ولا فيه بديع معاني ورأيته وكأن في عيني القذى … وسمعته كالوقر في آذاني هذا الذي جلب المزاح وهكذا … أمر النسيم يميل بالأغصان

стр. 4481

ولقد بذلتُ الجهد في كتمانها … لكنّها ظهرت من الشيطان كلًا معاذ الله ما هذا الذي … طبعت عليه سجيتي وبياني وأنا الذي ما ملّ صحبة صاحب … والله يعلم ذاك والملوان أما الجميل فلستُ أنساه ولو … طال المدى ولغيره نسياني ولقد يفاجئني العدوّ مجاهرًا … وأردّ عنه وقد قدرت سناني ولو أنني حاولت طودًا ثابتًا … لأزحته إذ ذاك في إمكاني ولقد أكون مع الصديق كأنني … منه وفوق الفرقدين مكاني ولربّما وافى اليّ ممّا ذُق … أدرى به ويعمه إحساني ولقد أرى عيب الصديق وإنما … أخفيه مثل السر في كتماني حتى أغمض عن قبائح جمةٍ … عيني ولي ببصيرتي عينان هذا لغيرك لست أعني صاحبًا … ما زال لي في كلّ ما عناني اسمع كفيت لديّ فرية كاذب … لو قالها لم تصغ لي أذنان وافت قصيدتك التي حبّرتها … لكن بمثل لواحظ الغزلان غراء تسحب من قتام ذيلها … وتجرُّ فاضله على الكثبانِ وافت لتعطفني إليك وغالطت … فأتت تعزي في أبي حيان الله من عزّت به ما مثله … هو واحد ما إن له من ثاني ولقد يعزّ على صوت نعيه … وصدود مثلك ذا وذا أبكاني يا دهر فرقت الذين أحبهم … ما بين قاص في المدى أو داني فأخو الممات فقدته بيد الفنا … وأخو الحياة (فقدته) (١) بتفاني فدع العتاب يكف غرب لسانه … وذر السيوف تقرّ في الأجفان واعلم وقر بأنني لك كالذي … تدري وعلمك وحده يكفاني واقرأ محاسن كلما أوتيته … وانظر فلست تراه في أقراني واسكت ولا تنطق بحرفٍ واحدٍ … واعرف مكانة صاحبي لمكاني وعرض لي في رجلي طرف من وجع المفاصل، قيد قدمي وأطال ليلي وألمي، وأقعدني بعد القيام، وأسهرني ليالي موصولة بأيام، فكتبت إليه أعلمه كيف ألم بي لممه، وضرى علي ضرمه، وأعلمته بما تحملت من ثقله وما برمت به من عدم نقله، وأريته في الأخبار ما أجد من كربه، وأقاسي من حربه، وكيف ذقت منه الموت الذي

стр. 4482

أعيا دواؤه كلُّ طبيب، ونسي به المرء وهو حبيب، ونسخة ما كتبته: هل في البرية بالمروءة معتجر … أم في البرية في البلية مزدجر هيهات قد عرف الأنام جميعهم … وكفى اختبارهم بعين المختبر يهوى الفتى طول البقاء وإنما … يهوى الفتى كبر البلاء إذا كبر يا للعليل وقد تطاول ليله … والفجر دملة له لم تنفجر طال الدجى وبنات نعش وقف … لا شك قد مات الصباح وقد قبر والمبتلى وكفيت سيء حالِهِ … ووقيته ما مات لكن قد سهر أنبيك من خبري الذي يبكى له … إني أقضي الليل في حال ممر ماذقت طعمًا للسهاد وللكرى … ما ذاك إلا أنني لا أستقر وكأنني سلسلت في قيد الدّجى … وبقيتُ منتظرًا لمن لا ينتظر وكأنني قد خُضتُ لجًا مائجًا … أو دست بالقدمين جمرًا يستعر وتورمت قدماي حتى كانتا … مثل الطبول بطول ضرب مستمر وتغيرت لونًا فكانت كالعدى … زرقًا ممرضة الحشا لا تعتذر وكأنما الضربان في شريانها … ضرب المعاول تحت نقب قد حُفر والخرقة البيضاء فوق لهيبه … مثل السحابة فوق برق مستعر وجع لعمرك ما ظننتُ بأنّه … إلا من الطاعون سيل منحدر يا للرجال لمس داء مصعب … لو كنت صخرًا كنت منه أنفطر وجع المفاصل ما تبقى مفصل … إلا ومنه في سقم مستتر لكنه وعدمته شيء به … أصبحت للموت المعظم أحتقر فأسرع أخي إلى زيارة مدنف … لولاك ثاني طيفه لم يستزر فأجابني بقوله: بالعين أفديها وإني مقتصر … قدمًا لوطئتها المعالي تفتقر قدمًا تقاس بها الثريا في العلى … فيها ثرى يمشي عليها يفتخر قدمًا مباركة المساعي في الورى … لم تسع إلا في ثواب يُدخر لا تذكر الضربان في ضربانها … وارحم قلوبًا أنت فيها مستقر واكفف عن السريان في شريانها … لا تشعر الألباب جمرًا يستعر لا تسمع الشكوى الزمان فإنّه … يستعدب الألفاظ منك فيستمر شكواك برقُ لهيبها رعد به … سحب المدامع تستهل وتنهمر ولئن شكوت فكم أزلت شكايةً … وحلاوة الأيام يعقبها الصبر

стр. 4483

والدهر يحلو حين يخلو من أذى … والمرء مشتق الحروف من الممر يا أيها المولى الذي بجناحه … نكتنّ من صرف الزمان ونستتر إني لادرى الناس بالخبر الذي … بدأت به شكواك فاسأل مختبر بالغت في درج العلى مترفعًا … وتركت كل الناس خلفك تعتذر فتعرّضت عين الحاسد نعمةٍ … فوطئتها والغيظ فيها مستقر أجفانها شوك ورجلك رخصةٌ … ووطئت في موقيه وطأة محتقر فتأثرت من ذاك إلا أنّه … أثر أتى من بعد عين فاغتفر ومن شعره أيضًا قوله: ارفق إذا كنت في أمرٍ تُباشره … فالرفق يفعل ما لا يفعل العنف فالماء مع لينه يجري على حجرٍ … صلد فيقطع فيه وهو منصرفُ وقوله: عاينته خلف جامات تشف به … فقلتُ بدر عليه الغيم مردود لا يُحمد البدر خلف الغيم مستترًا … لكن هنا البدر خلف الغيم محمود وقوله: جاء حبيب القلب من سفرة … ووجهه الأبيض فيه احمرار فغاب عنا وهو بدر الدجى … وجاءنا وهو كشمس النهار وقوله: لا تحسبن الشطب الذي في خده … من صارم عبث المسن بحدّه لكن سيف اللحظ لمّا سلَّهُ … بغيًا علي أصابه في خده وقوله: قد قلت لما رمدت عينه … والقلب من عطفته آيس الآن أجني الورد من خده … لأنّه قد غفل الحارس وقوله: شبهتُ بالتفاح خد معذبي … وعدلت عن تشبيهه بالراح فاحمرت الشامات في وجناته … ليصح نسبته إلى التفاح وقوله: أبعدته إذ دنا مني فعاتبني … فقلت الشوق يخفيني وأبديه أخشى عليك لهيبًا شبَّ في كبدي … فقال: خذ ماء لساني فهو يطفيه

стр. 4484

وقوله: انظر إلى زهر البنفسج محدقًا … بالنرجس المبيض فهو إزاره وكأنما هذا وذاك محاسنًا … وجه الحبيب قد استدار عذاره وقوله: بوجهه من دفه كلما … حركه طل قليل المقام كأنه بدر وأنواره … تبدو وتخفى من مرور الغمام وقوله: يا حسن زهر الدوح فتح بعضه … والبعض مضموم عليه ختام وكأنما أغصانُه أهل الهوى … ذا كاتم سرًا وذا نمام وقوله: في الخميس الكبير عبدك أهدى … بيضةً لونها يشابه خدك بدم القلب صبغها فاحتفظها … وتيقن بأن قلبي عندك وقوله: ومهفهف يرمي (١) بقوس البندق … فيصيب في الطير الجليل وينتقي طار العقاب عليه في برز له … فأصاب مغرزه وطرف المفرق في الحال أخلى الجو منه فانثني … متعفّرًا بجناحه لا يرتقي فكأنه والقوس في يده وقد … رشق العقاب ببندق متفرق قمر وفي يده هلال أرسلت … عنه نجوم نحو شيطان شقي * * *

стр. 4485

[خطباء المغرب] وأما حال الخطابة في المغرب، فإنه لم ينطق به في الزمان أول قالتها، ولم تشرق بما فاق المنابر هالتها، حتى كان في الزمن الأخير خطب منهم عدد غير كثير. وأجاد منهم قوم نؤهم غير مطير، ونفر لا يعد أحد منهم في عير ولا نفير، هنا لقلة من عندهم من ذوي الأقدار، وأولي الرتب الكبار، ثم لما أضحت بلاد المغرب مدنًا من مدنها، ومنابر لمن رفع قننها وذلك من المائة الرابعة إلى آخر السابعة وما معها، في هذا القرن الثامن بطريق المتابعة لم يخطب أكثر خطبائها إلا بسورة ق، وفيها مقنع كاف، إلا أنهم لم يرددوها، ولم يخلو منها جمعة ولم يعدوها إلا قصورًا عن تشقيق الخطب وتشبعها، وتنميق برودها القشب، لخطيبها، وإلا فما هذا الجمود، وما هو في هذا المعنى المقصود، إلا أن كان هذا لما وردت به السنة من أن النبي ﷺ خطب بسورة ق، وهو لا وجه فيه للخلاف، فإنه يورد عليهم ما حفظ عنه ﷺ من الخطب، وأنه قل في السلف الصالح إلا من خطب، وما هذا إلا مما يرمي هممهم بالقصور، وقرائحهم بالقبور. ولقد جهدتُ على أن أقف من العرب على ديوان خطب، ولو كان غير ذي رطب، ورأيت هذا مما لا رأيتُ ولا سموتُ، به على كثير من أخذتُ عنهم ورويت، إلا أن من متأخريهم من له خطب حسان قدحت زنادها وأرثت، وصرحت ببيانهم الواضح وما وريت. ومنهم: [١] أبو عبد الله بن الجنان المرسي (١) خطيب فصيح، وأديب متجره ربيح، وإذا خطب حلّت خطبه في مواقعها من
следующие страницы →