← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ولقد بذلتُ الجهد في كتمانها … لكنّها ظهرت من الشيطان كلًا معاذ الله ما هذا الذي … طبعت عليه سجيتي وبياني وأنا الذي ما ملّ صحبة صاحب … والله يعلم ذاك والملوان أما الجميل فلستُ أنساه ولو … طال المدى ولغيره نسياني ولقد يفاجئني العدوّ مجاهرًا … وأردّ عنه وقد قدرت سناني ولو أنني حاولت طودًا ثابتًا … لأزحته إذ ذاك في إمكاني ولقد أكون مع الصديق كأنني … منه وفوق الفرقدين مكاني ولربّما وافى اليّ ممّا ذُق … أدرى به ويعمه إحساني ولقد أرى عيب الصديق وإنما … أخفيه مثل السر في كتماني حتى أغمض عن قبائح جمةٍ … عيني ولي ببصيرتي عينان هذا لغيرك لست أعني صاحبًا … ما زال لي في كلّ ما عناني اسمع كفيت لديّ فرية كاذب … لو قالها لم تصغ لي أذنان وافت قصيدتك التي حبّرتها … لكن بمثل لواحظ الغزلان غراء تسحب من قتام ذيلها … وتجرُّ فاضله على الكثبانِ وافت لتعطفني إليك وغالطت … فأتت تعزي في أبي حيان الله من عزّت به ما مثله … هو واحد ما إن له من ثاني ولقد يعزّ على صوت نعيه … وصدود مثلك ذا وذا أبكاني يا دهر فرقت الذين أحبهم … ما بين قاص في المدى أو داني فأخو الممات فقدته بيد الفنا … وأخو الحياة (فقدته) (١) بتفاني فدع العتاب يكف غرب لسانه … وذر السيوف تقرّ في الأجفان واعلم وقر بأنني لك كالذي … تدري وعلمك وحده يكفاني واقرأ محاسن كلما أوتيته … وانظر فلست تراه في أقراني واسكت ولا تنطق بحرفٍ واحدٍ … واعرف مكانة صاحبي لمكاني وعرض لي في رجلي طرف من وجع المفاصل، قيد قدمي وأطال ليلي وألمي، وأقعدني بعد القيام، وأسهرني ليالي موصولة بأيام، فكتبت إليه أعلمه كيف ألم بي لممه، وضرى علي ضرمه، وأعلمته بما تحملت من ثقله وما برمت به من عدم نقله، وأريته في الأخبار ما أجد من كربه، وأقاسي من حربه، وكيف ذقت منه الموت الذي

стр. 4482

أعيا دواؤه كلُّ طبيب، ونسي به المرء وهو حبيب، ونسخة ما كتبته: هل في البرية بالمروءة معتجر … أم في البرية في البلية مزدجر هيهات قد عرف الأنام جميعهم … وكفى اختبارهم بعين المختبر يهوى الفتى طول البقاء وإنما … يهوى الفتى كبر البلاء إذا كبر يا للعليل وقد تطاول ليله … والفجر دملة له لم تنفجر طال الدجى وبنات نعش وقف … لا شك قد مات الصباح وقد قبر والمبتلى وكفيت سيء حالِهِ … ووقيته ما مات لكن قد سهر أنبيك من خبري الذي يبكى له … إني أقضي الليل في حال ممر ماذقت طعمًا للسهاد وللكرى … ما ذاك إلا أنني لا أستقر وكأنني سلسلت في قيد الدّجى … وبقيتُ منتظرًا لمن لا ينتظر وكأنني قد خُضتُ لجًا مائجًا … أو دست بالقدمين جمرًا يستعر وتورمت قدماي حتى كانتا … مثل الطبول بطول ضرب مستمر وتغيرت لونًا فكانت كالعدى … زرقًا ممرضة الحشا لا تعتذر وكأنما الضربان في شريانها … ضرب المعاول تحت نقب قد حُفر والخرقة البيضاء فوق لهيبه … مثل السحابة فوق برق مستعر وجع لعمرك ما ظننتُ بأنّه … إلا من الطاعون سيل منحدر يا للرجال لمس داء مصعب … لو كنت صخرًا كنت منه أنفطر وجع المفاصل ما تبقى مفصل … إلا ومنه في سقم مستتر لكنه وعدمته شيء به … أصبحت للموت المعظم أحتقر فأسرع أخي إلى زيارة مدنف … لولاك ثاني طيفه لم يستزر فأجابني بقوله: بالعين أفديها وإني مقتصر … قدمًا لوطئتها المعالي تفتقر قدمًا تقاس بها الثريا في العلى … فيها ثرى يمشي عليها يفتخر قدمًا مباركة المساعي في الورى … لم تسع إلا في ثواب يُدخر لا تذكر الضربان في ضربانها … وارحم قلوبًا أنت فيها مستقر واكفف عن السريان في شريانها … لا تشعر الألباب جمرًا يستعر لا تسمع الشكوى الزمان فإنّه … يستعدب الألفاظ منك فيستمر شكواك برقُ لهيبها رعد به … سحب المدامع تستهل وتنهمر ولئن شكوت فكم أزلت شكايةً … وحلاوة الأيام يعقبها الصبر

стр. 4483

والدهر يحلو حين يخلو من أذى … والمرء مشتق الحروف من الممر يا أيها المولى الذي بجناحه … نكتنّ من صرف الزمان ونستتر إني لادرى الناس بالخبر الذي … بدأت به شكواك فاسأل مختبر بالغت في درج العلى مترفعًا … وتركت كل الناس خلفك تعتذر فتعرّضت عين الحاسد نعمةٍ … فوطئتها والغيظ فيها مستقر أجفانها شوك ورجلك رخصةٌ … ووطئت في موقيه وطأة محتقر فتأثرت من ذاك إلا أنّه … أثر أتى من بعد عين فاغتفر ومن شعره أيضًا قوله: ارفق إذا كنت في أمرٍ تُباشره … فالرفق يفعل ما لا يفعل العنف فالماء مع لينه يجري على حجرٍ … صلد فيقطع فيه وهو منصرفُ وقوله: عاينته خلف جامات تشف به … فقلتُ بدر عليه الغيم مردود لا يُحمد البدر خلف الغيم مستترًا … لكن هنا البدر خلف الغيم محمود وقوله: جاء حبيب القلب من سفرة … ووجهه الأبيض فيه احمرار فغاب عنا وهو بدر الدجى … وجاءنا وهو كشمس النهار وقوله: لا تحسبن الشطب الذي في خده … من صارم عبث المسن بحدّه لكن سيف اللحظ لمّا سلَّهُ … بغيًا علي أصابه في خده وقوله: قد قلت لما رمدت عينه … والقلب من عطفته آيس الآن أجني الورد من خده … لأنّه قد غفل الحارس وقوله: شبهتُ بالتفاح خد معذبي … وعدلت عن تشبيهه بالراح فاحمرت الشامات في وجناته … ليصح نسبته إلى التفاح وقوله: أبعدته إذ دنا مني فعاتبني … فقلت الشوق يخفيني وأبديه أخشى عليك لهيبًا شبَّ في كبدي … فقال: خذ ماء لساني فهو يطفيه

стр. 4484

وقوله: انظر إلى زهر البنفسج محدقًا … بالنرجس المبيض فهو إزاره وكأنما هذا وذاك محاسنًا … وجه الحبيب قد استدار عذاره وقوله: بوجهه من دفه كلما … حركه طل قليل المقام كأنه بدر وأنواره … تبدو وتخفى من مرور الغمام وقوله: يا حسن زهر الدوح فتح بعضه … والبعض مضموم عليه ختام وكأنما أغصانُه أهل الهوى … ذا كاتم سرًا وذا نمام وقوله: في الخميس الكبير عبدك أهدى … بيضةً لونها يشابه خدك بدم القلب صبغها فاحتفظها … وتيقن بأن قلبي عندك وقوله: ومهفهف يرمي (١) بقوس البندق … فيصيب في الطير الجليل وينتقي طار العقاب عليه في برز له … فأصاب مغرزه وطرف المفرق في الحال أخلى الجو منه فانثني … متعفّرًا بجناحه لا يرتقي فكأنه والقوس في يده وقد … رشق العقاب ببندق متفرق قمر وفي يده هلال أرسلت … عنه نجوم نحو شيطان شقي * * *

стр. 4485

[خطباء المغرب] وأما حال الخطابة في المغرب، فإنه لم ينطق به في الزمان أول قالتها، ولم تشرق بما فاق المنابر هالتها، حتى كان في الزمن الأخير خطب منهم عدد غير كثير. وأجاد منهم قوم نؤهم غير مطير، ونفر لا يعد أحد منهم في عير ولا نفير، هنا لقلة من عندهم من ذوي الأقدار، وأولي الرتب الكبار، ثم لما أضحت بلاد المغرب مدنًا من مدنها، ومنابر لمن رفع قننها وذلك من المائة الرابعة إلى آخر السابعة وما معها، في هذا القرن الثامن بطريق المتابعة لم يخطب أكثر خطبائها إلا بسورة ق، وفيها مقنع كاف، إلا أنهم لم يرددوها، ولم يخلو منها جمعة ولم يعدوها إلا قصورًا عن تشقيق الخطب وتشبعها، وتنميق برودها القشب، لخطيبها، وإلا فما هذا الجمود، وما هو في هذا المعنى المقصود، إلا أن كان هذا لما وردت به السنة من أن النبي ﷺ خطب بسورة ق، وهو لا وجه فيه للخلاف، فإنه يورد عليهم ما حفظ عنه ﷺ من الخطب، وأنه قل في السلف الصالح إلا من خطب، وما هذا إلا مما يرمي هممهم بالقصور، وقرائحهم بالقبور. ولقد جهدتُ على أن أقف من العرب على ديوان خطب، ولو كان غير ذي رطب، ورأيت هذا مما لا رأيتُ ولا سموتُ، به على كثير من أخذتُ عنهم ورويت، إلا أن من متأخريهم من له خطب حسان قدحت زنادها وأرثت، وصرحت ببيانهم الواضح وما وريت. ومنهم: [١] أبو عبد الله بن الجنان المرسي (١) خطيب فصيح، وأديب متجره ربيح، وإذا خطب حلّت خطبه في مواقعها من

стр. 4486

القلب الصحيح، وخِلتُ أن سامعه من خِفته جريح، بخطب سمعها، وريت من أحوال الدارين حققها، أملى على الإمام أبي (١) عبد الله بن الصائغ الأموي من خطبة البديعة، ولطائف أدبه الصنيعة. مما قام به خاطبًا في عيد الفطر، وجالبًا له من العطر. ما اخترت منه، وكله مختار، وجميعه لغذاء القلب ممتار. قوله: سبحان من عمنا إنعامًا وإحسانًا، واستعمل منا للتسبيح بحمده والتقديس لمجده، قلبًا ولسانًا، فلا تُعدُّ نِعمه ولا تُحصى، سبحان من عجزت الأفهام، وحارت الأوهام عن بلوغ كنهته تأويلًا ونصًّا، سبحان من نأى عن إدراك التحديد، وهو أقرب من حبل الوريد فما أدنى ولا أقصى، سبحان من تراءى للعقول وغاب عن محسوس العيون، فثبت معقولًا، واستحال شخصًا، سبحان من تعالى كماله، فلا يلحقه النقص، ولا يناله، يأبى الله وصفاته نقصًا، سبحان من جلَّ عن الوصف. واستغنى، لا يثنى عليه بما على نفسه أثنى سيان اختصروا أو استقصى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٢) والحمد لله الذي هدانا سبيلًا واضحًا ومنهجًا، وفتح لنا بدين الإسلام بابًا من الخير ظل مرتجا، وأبطل بحجته البالغة من يروي الملحدين حججًا، وأنار بتوحيده قلوبًا طالما اعتسفت الشرك ليلا قد سجا، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقًا حرجًا، والحمد لله الذي حقق أمل راجيه ما أمل وارتجى. وخوّلنا نعمًا قام اللسان بشكرها لهجا، فارتد حصرًا ولم يبلغ من أقصى مبالغها درجا، وعرفنا يسرًا ويسرى، ورفع عنا فيه كلفة وحرجا، وأقبلنا من الأيام طلق الأسرة مبهجا، وأباح لنا مواسم وأعيادًا تروق حسنًا وتطيب أرجًا. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا﴾ (٣) أحمده والحمد من نعمائه، وأشكره ملء أرضه وسمائه. وأؤمن به إيمانًا يصدع نور يقينه ليل الشباب في محلولك ظلمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يرد الإخلاص مسرعًا، وتمتزج بالروح والضلوع روحًا وأضلعًا، وتصعد إلى أرجاء السماء فلا تلقى لها مصيخًا مستمعًا، فيحظى بفضلها، ويسعد بوسيلتها العظمى مرادًا ومرتعًا، وتجد برد حلاوتها ورونق طلاوتها يوم تفارق الروح هذا الدار مودعًا. وأشهد أن محمدًا عبده المبشِّر به من ربه ما تمنى، ورسوله المقرب من سدرة منتهاه قاب قوسين أو أدنى، حيث وقف جبريل ﵇ ( … ... ) (٤) مستكنًا، ولسان هيبته

стр. 4487

يقرر في حضوره وغيبته، حضرت لفظًا وغيبت معنى، وتباعد الحق يعرب بما تيسر وتسنّى، إن هو إلا وحي يوحى، ورأته من يسر قلبه بمنى أن نحوي أقرت عينا وشرحت صدرا، لقد رأى من آيات ربه الكبرى، ما زاغ البصر ولا كذب إذنًا، صلى الله عليه وعلى آله الذين نالوا بإحسانهم الحسنى، وزيدوا فكانت الزيادة أعلى مقامًا وأسنى محلا توسعنا يوم الفزع الأكبر أمنا. أيها الناس، رحمكم الله. إن الله أضفى عليكم من الإحسان مطارفًا وبرودًا. وأفاض لكم من شمس الهداية نورا، وأطلع عليكم من صبح العناية عمودا. وخوّلكم بدين الإسلام نعمة، فأتت النعم طريفًا وتليدا، دخلت لما تحلت على هذا لحبله ظلًا ممدودًا. وابتعث إليكم رسولا شاهدًا عليكم لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فلم يزل ﷺ يناديهم ويأخذ بحجزهم وأيديهم، وقد ضلوا ضلالًا بعيدًا. إلى أن وضحت معالم الإسلام رسومًا وحدودا، فتبين الصواب، وشرح الكتاب، وجلا ليل المشكلات بنور بيانه فانجاب وبيّن لنا ما نأتيه ونذره من حظر وإباحة وندب واستحباب. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) صدق الله ورسوله المجيب المجاب، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) وحبب الامتثال لأوامره ﵇، وتبين الرشد من الغيّ، فلا إشكال ولا استبهام، ووضح وضوح الشمس، قوله بني الإسلام على خمس، فتعرفوا قواعد الإسلام، على أن يوحد الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج، فاحفظوا رتب هذه الأقسام والتزموا على الإكمال أداءها، وشيدوا بالإخلاص بناءها، إحكامًا لهذا النظام، ونظامًا لهذه الأحكام، وتتلاحق بهذه الشعائر عددا، وتتسابق جياده في هذا المدى، وتتأكد فلا تزال خيله على مر الأيام محصدًا. جهاد من جعل الله صاحبة وولدا، أن يكون إبنًا أو يكون أبا، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٣). وعليكم بالطاعة قولًا وعملا، والنصيحة مفصلا ومجملا، وبرّ الوالدين وإصلاح ذات البين، والتسوية بين الشريف والمشروف من الخصمين، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ (٤)، وصلة الأرحام بمكان من الله ومقام، لذلك اشتق اسمها من

стр. 4488

اسمه فوجب الاحترام، وتتنزل هذا التنزيل، وتتميز من هذا القبيل، برّ الرفيق والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل، وتوفية ما يحتوي عليه مكيالكم وميزانكم، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. وإداء أمانة ما ائتمن والصبر عند امتحان الزمن. وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. واجتناب التجسس والغيبة، والكثير من الظن، وإياكم وقتل النفس التي حرم الله في القرآن، والخمر التي سماها رجسًا من عمل الشيطان، ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وأعظم عدوان، ولا مال اليتيم إلا بما هو أقرب إلى العدوان والإحسان وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الإيمان، ولا تشهدوا الزور ولا تقولوا ببهتان، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١)، وإياكم والربا فإنه يعود عليكم بالخسران، أن يمحق الله الربا ويربي الصدقات والصدقة نماء والربا نقصان. عباد الله، هذا يوم عظيم، التقت على الرحمة والمغفرة طرفاه، شرفه الله بذكره وعرفه، وعرف بركاته وشكره، فحسبه وكفاه، وأتاه من البشر به والتنويه أشرف حظ ووفاه، واختص أمة نبيه محمد ﷺ مختصه ومصطفاه، ختم لكم به شهر الصيام، وجعله أول يوم من أيام الحج، وركن من أيام، وجعله عيدًا للمسلمين مجتمعًا ومحلا لقبول من ابتهل إليه ودعاه ومقرًّا لموفور أجور العاملين ومستودعًا، فمن كرمه الفضفاض، وإحسانه المفاض، أن جعل لرفع درجاتنا ووضع سيئاتنا أعيادًا تروق وجمعًا، فله الحمد حمدًا يعيد الشره رجاء، ويحيل المحيل ممرعًا. واعلموا أن الله فرض عليكم في هذا اليوم زكاة الفطر تزكية لأبدانكم وأموالكم وتطهيرًا، وأوجب إخراجها عند خروجكم إلى مصلاكم أو في بقية يومكم، فلا توسعوها أكثر من ذلك تأخيرًا، صاعًا، مما تأكلونه برًا كان أو شعيرا، على كل واحد منكم وممن تلزمكم نفقته حرًا كان أو عبدًا ذكرًا أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا. فإذا انقلبتم من مصلاكم فارجعوا من غير الطريق الذي منه أتيتم انقلابًا إلى منازلكم ومسيرًا، فذلكم كان من فعل نبيكم ﷺ معروفًا شهيرًا، واستغفروا الله لذنوبكم واسترحموه جهد ألسنتكم وقلوبكم، فلم يزل غفورًا رحيمًا. وسلوه لنبيكم صلاة دائمةً وسلامًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). ومنهم:

стр. 4489

[٢] أبو عبد الله بن برطلة المرسي (١) بدر ارتفع بسنائه وسناه، ودوح انتفع بطله وجناه، وعالم أفاد بالتعليم، وأفاء على أهل ذلك الإقليم، وفخرت مرسية به، وذخرت لؤلؤ دموعها نثارًا على خطبه واستغنت بتبصيره المساجد عن سُرجها، وعلت المنابر بطلوعه على درجها، وأمسك بجذوعها فتساقطت رطبًا جنيًا، ولبس شعارها فطلع بدرًا جليًا. وأملأ على الإمام (أبي) عبد الله الصائغ الأموي من خطبته التي بلغ بها الإجادة ما أبرزه في النحر قلادة. وقد اخترت منها قوله: سبحان من نطق كل شيء بتسبيحه، فأفصح وأعرب عن مكين ضميره بتهليله الله وتكبيره لسان أعجميه وفصيحه، فما أبين وأوضح وأحذق وأصح، سبحان من وسع العالم جوده، فاستهلت بالشكر تهامه ونجوده، فلا ربوة ولا أبطح إلا بثنائه قد انتطق وتوشج. سبحان من نقصت المخلوقات بكماله، وخضعت رقاب (الأشراف) (٢) لعز جلاله، وافتقر كل حي لفيض نواله، واستغنى بسعة فضله وإجماله، فما أكرم واسمح، سبحان العليم بما خفي من أسرار الهواجس ولاح، وغدا بنواظر الخواطر مدركًا وراح، سبحان من أرسل السحاب عنوان رحمته فوق أجنحة الرياح، وسخّر الشمس والقمر كل يجري في مدار فلكه ويسبّح، سبحان من اطلع بكمام الأجساد ثمرات الأرواح، وزيّن السماء الدنيا بزينة الكواكب فراقت في أعين التأمل والالتماح. سبحان الله جاعل الليل سكنًا وفالق الأصباح. سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون عصبة وأمانًا. فمن أمسي في ظل الكلاءة وأصبح، والحمد لله الذي أثبت معرفته في عيون القلوب رسمًا وحدا. وسطرت في ألواح الأرواح وطروس النفوس سور وحدانيته إن كل من في السماوات والأرض إلا أتى الرحمن عبدًا، تبارك اسمًا وتعالى جدا، وأبدا ما نظرت إليه البصائر والأبصار فهداها، وكم تحت نعمه من أشتات فوائد لم ترض لعقيلتها إلا كفوًا لا شكرًا وحمدًا، وبحمده ونعمه يتفسحه المجال بشكره حمدًا لروية ومجهود الارتحال. ونؤمن به إيمانًا سرى يقينه بين الجوانح وجال ونستسلم إليه الاستسلام الواقف بين يديه وقد وقف موقف الأعيان والأعجال. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة للقلب بها ابتهاج. ولعذبة اللسان اعملاق (٣) والتهاج. كلما مرّت ( … .. ) (٤) الضلوع. زاد عرام ذكرها وهاج فلها بطريق التحقيق ابتهاج. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الأمين. ودوحة وحيه التي تتفيأ ظلال بركاتها عن

стр. 4490

الشمال واليمين، وعصمته التي أنبتت على الأرض لطائف الحفظ والتأمين، نطقت بصدق دعايته الحجج والبراهين، وشهدت بمعجزة هدايته آية الجذع المنقعر والقمر المستبين، هذا بالانشقاق وذلك بالحنين. ابتعثه الله بشارة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) صلى الله عليه وعلى آله الذين لاحوا غرة في جبين الحق المبين. وقرة العيون المهج، مهج الدنيا والدين. وسلّم كثيرًا. الله أكبر، أيها الناس للأيام شرف تتفاوت فيه بحسب المذاهب والمقاصد، ويتحلى بحليته، فيتجلّى في أبهى المطارف والمجاسد. فمواسم وأعياد، وتعود على الأمم بأجمل الفوائد والعوائد. وللأمم على تباين فكرها أحكام تعلن بسيرها، ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. فإلهكم إله واحد، جعل الله ما اخترع وأوجد، كل بوحدانيته يقر ويشهد فيا بشرى المقرّ وخيبة الجاحد. فاشكروا الله يا ولد إسماعيل على ما خصكم به من شرف هذا الوالد، وبوّأكم من ذلك ما لمقام الذي يتسابق بمداه جباه الراكع والساجد، جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد، فلقد آثركم الله في هذا اليوم وحباكم حين فدي فيه من الذبح أباكم، وقد استسلم لموقع القدر استلام المطاوع المتباعد، واذكروا موقفه وأبوه إبراهيم يقص عليه من رؤياه خبرًا، ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (٢) فيا رحمةً لما ضم ذلكم الموقف من وجد ومتواجد، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٣) وأخذ شفرته باليمين، نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فلا مفقود ولا فاقد، فما أتيته، ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ كوني بردًا وسلامًا على إبراهم، بما تلاقي المحنة والمنة تماثل الماجد بالماجد، الله أكبر، عباد الله، هذا يوم عيدكم الأكبر، ومثابة ثوابكم المدخر، ومحل استنزال المعرفة بما عرف تمسه عرفات من مزايا متسعة، واثروا لوفود مني بمنى والسعي إلى المشعر، حيث قام خطيب الملة فنهى وأمر، وندب وأوجب وأباح وحظر، وبين لنا ما يأتيه من مصالح ديننا ودنيانا ونذر، تبًا لمن بدل أو غير، وكذب فلا صدق ولا صلّى ولا حجّ ولا اعتمر، فعليكم بإقامة خمس بني الإسلام عليها، وأسرعت أنواع الشريعة إليها، وقامت الحجة على من حجد وكفر، شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج صدق المخبر، صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، وصح الخبر الله أكبر. * * *

стр. 4491

[خطباء مصر] وأما من بمصر من الخطباء الفصاح الأطباء للقلوب المرضي الصحاح، فقد كان في المتأخرين منهم من لم تحط مواعظهم مواضعها، ولا حلّت كلمتهم من الفصاحة جوامعها، بما هو أنفذ في القلوب من الرماح، وأنقى للسنة من الصباح، تتصرف كما لعب النسيم بشمائل السكران، وتلطف كما أمضى الشفيق إلى تنبيه الوسنان، وسأذكر منهم من لم ينم في مرقد الخمول ولا قعد، وقد تقدمت أوائل الحمول، بل تسلم للصلوات زمامًا، وتقدم في المحراب إمام، وتكلّم على رؤوس الأشهاد، بما قدر. وإن تكلّموا، أو أم بالناس فصلو خلفه وسلّموا. ومنهم: [١] تقي الدين أبو الخير صالح (١) خطيب قوص المصيب فكره فيما يغوص، كانت تشدّ إليه الركائب الخوص، وتعقد به النواظر كأنها الحوص، وتأخذ منه القلوب بحظ غير منقوص، ونصح عام غير مخصوص، قائل مكثار، وقابل أن يسلم جواده من عثار. كان كما نعت وسمّى، تقيًا صالحًا. إذا خطب خلته في أفق المنبر بدرًا لائحًا، وخطبه ذات خطب عظيم، وحب لثمرات طلعها هضيم، لا عيب فيها إلا أن عصرها لم يتقدم قليلًا، وينسب إلى من تقدم قيلا، سمعت منها ما ملأ أذني، وملء قراعه اليلرني (٢)، مما سار سائرها، فطار طائرها، ودارت في الأفلاك المحاريب دوائرها. ومنه قوله: فيا سالكًا غير سواء السبيل، وهالكًا وقد وضح شفاء الغليل، تاركًا للتزوّد وهو

стр. 4492

يرحل عن قليل. إلى كم تقاتل الحقوق بالعقوق، وتعامل الخالق بدون معاملة المخلوق؟ أجعلت ربك أهون الناظرين، أظننته أصعب الحاضرين، حاشاه حاشاه. بل من سواه ترجوه وتخشاه، فاتق الله وخف شدّة بطشه، وارهب غضبًا لا يحمل عسرة حمله حملة عرشه. وعظم الله تعظيمًا بجلاله، وقدم حقه تقديمًا يقيم بشكر نواله، وكن من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وإذا جنّ عليهم الليل تتجافى جنوبهم، وابذل من الطاعة ما في وسعك من الاستطاعة وصابر القناعة، فالشجاعة صبر ساعة، واذكر ما ستقدم عليه، وادخر لآخرتك ما أنت فقير إليه، وكن من ربّك على وجل، وعاجل الأجل، بقطع العلق والعلل. وعاقب الأمل الكاذب بصادق العمل، واسع لنفسك، ودع عسى فسوف ولعل، وبادر غروب شمسك، فقد جنحت إلى الطفل، ومهد لرمسك فكأنك بساكن الجسد وقد رحل، وكأنك بما كان لم يكن وبما نزل لم يزل. ومنه قوله: مما اغتباطك بدنيا ذات معائب قد أشابت الأكباد والذوائب، بكثرة الشوائب، فحطمت الممالك والدول، وطحطحت الأواخر الأول، ونكست الرايات والبنود، وكنست الجموع والجنود، هزمت الخميس والعرمرم، وحرمت الخميس والمعظم، فاستبدلوا بالمهود والهمود، وتعرضوا بالودود الدود، وتصمخ الصنديد بالصديد، وتعفر الصيب البعيد في الصعيد، فصرف الله عن مدافعة المنون يد قصير وكسر كسرى، ولم ينحر وينصر، وأسرت الأساورة، ومن يفك أسيرها بعد أن يؤسر، وتتبعت التبايعة فأتت على البغاث ومن استبشر، أسكنت الإسكندر من الردى دارًا. وأدارت دائرة الحمام قبله على دارا (١)، وجردت من الممالك يزردجر والأثيم (٢)، وجرعت سابور ذا الأكتاف (٣) السم الزعاف الأليم، وأطافت طائف الحمام على ملوك الطوائف، وابتزت من بني الأهرام التليد والطارف، فأي عز ما هدمته، وأي حرز ما هدمته، وأي دمع ما رقرقته، وأي جمع ما فرقته، وأي بعل ما فركته، وأي دم ما سفكته، وكأن قد فركتك كفركهم، وتركتك كتركهم. ونظمتك في سلكهم، وأسلمتك إلى هلكهم، واضجعتك في بعض تلك البطاح متوسعًا أعمالك القباح.

стр. 4493

ومنه قوله: ابن آدم، إلى كم تجلو على الملك قبائح ذنوبك، وتخلو مع ربك بعملك الفاضح وحوبك، ويحلو في صردك ما سيحول بينك وبين مرغوبك، وتضحك ملء فيك. ولو عقلت، لا سكت خامد غروبك، فاستحي من الرقيب العتيد، فهو عليك شهيد، وخف مقامك بين يدي الرب المجيد، فليس عنه محيد. وقدم الزاد للسفر البعيد، قبل طلوع الوعيد. أو ما رأيت المأخوذ على الاغترار المنبوذ عن القرار المجذوذ بعد الأعوان والأنصار، المحقق وكان عدل الأسماع والأبصار، بينما هو يخوض في البطالة، ويلعب ويروض نفسه في الجهالة، فيجيء ويذهب، مشغول بالعاجلة، مشغوف مكفول على الآجلة، مكفوف إذا علقته شباة الشتات وقلعته وثبات المنون بعد البيات، وطلقته الحياة طلاق البتات، وتعذّر استدراكه بالوفاة وفات، فغسل، وأنى يطهر من نجسته الذنوب، وطيب ومتى يطيب من أخبثته العيوب، وامتطى مركبًا راكبه لا يؤوب، وصاحبه غير مصحوب، يعيله الأعناق الرفاق إلى مجمع الفراق، شؤون المآق إلى مقرّ الإملاق، فرجع أهله وماله، ويضطجع مع أعماله، فيا له مرتمسًا في ظلمات أرماسه، منغمسًا في ورطات إفلاسه، مختلسًا من خاصته وباسه، فريدًا لا يراد، وحيدًا لا يعاد، رهين الألحاد إلى المعاد، قد باشر ما كان متوقع، وعاشر الهوام في اللحد البلقع، فأين ما مهدت لعرصة صرعتك، أين ما أعددت لجرعة رجعتك إلى ما يسعك بحرقتك عن حفرتك. إلى متى تخدع ربيبك عن ربيك، هلا أخذت من رغبتك لغربتك؟ أما يصدعك خوف الحمام؟ أما يرعك صرف الأيام. ومنهم: [٢] قاضي القضاة، ناصر الدين، أبو العباس، أحمد بن المنير الإسكندري (١) قاضي الإسكندرية وخطيبها، وفقيهها الفاضل وأديبها، المفتق الكلام والمشقق به

стр. 4494

ألسنة الأقلام. افتر ذلك الثغر عن درة النسيب. واغتر من شبهه بثغر الحبيب، جرى هو والبحر في طلق، وسرى هو والسحاب لما انطلق، واكتمل كالبدر واتسق، واشتمل بملاءة الفجر وجاءا في نَسَق، وكان مكثرًا مجيدًا مؤثرًا الآن لا يزال يحلّى مسمعًا وجيدا، بخاطر اجمع للمعاني من المشكاة للأنوار، وأجود بالكلام من الغمامة بالأمطار. وألف كتاب المقتفى، تبع فيه الشفاء للقاضي عياض (١). كأنما يسرح منه في أرض رياض، نحا فيه منحى غريبًا، ووجد برسول الله ﷺ فيه نصرًا وفتحًا قريبًا، بناه على ذكر المعراج وحيث صعد وعاج، وذكر مناسبات بين حاله وأحوال الأنبياء الذين لقيهم في كل سماء، قارب في جميعها المعنى، وناسب في تنويعها واستدنى، أبدع في هذا الكتاب وأبعد عرض فكره وأصاب، ولم يخله من عبارات أعارها النحل مجاجها، وأدنت لها البيداء الفسيحة فجاجها، وأطلعت في مشارق الأفهام صباحها، وأترعت في شوارق المدام أقداحها. وأتى في ديوان خطبه بما شهد له بالاقتدار على الإبداع والابتدار إلى أشرف ما يحل الأسماع، إذن بفضل جم، وعلم جلّ أن يقاس بغمام أو يماثل بيم، ومع هذه الفضائل التي جذبت بضبعه، وجلبت فرائد البدر إلى جمعه. رمي بنكبة (٢) لبس أطمارها، ولسب مقبله منها عقرب لم يكن يتوقع صرارها، وهي منهج الدهر العثور، وصرعة الكرم التي لا تثور، ومن لمح خطبه ولمح أدبه قوله: الحمد لله، ثم الحمد لله قاطع الأعمار بخناجر الأهلة، ملق الليل على النهار لا حسار (٣) لا بالعلة، مقيم الأدلة بالأهلة، عن أن الدنيا مضمحلة، أكرمك يا ابن آدم فاشكر نعمه الجزلة، فليل ريع الملك مثل المظلة، لا يطيب مده ولا عمد أهله، رصعه بالكواكب ليعلم عدد السنين والحساب تفصيلًا وجملة، فسبحان من فصل بين الأنام فجعل شهرًا وشهرًا كالفصلة، شهره الذي عظمه وأجله، فحرمته في الجاهلية والإسلام غر مستحلة. أحمده ومحامده من بدائعه مستملة، وأشكره ونعمه على الشاكرين

стр. 4495

مستهلة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدفع بها كيد الشيطان وحله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي ختم رسله. وأوضح به سبله، جمع له بين المحبة والجلة، وبشر به على لسان كل نبي قبله، حتى جاء محمد، خير نبي لخير أمةٍ بخير ملة بالدين المتين وبالحنيفية السهلة، صلى الله عليه وعلى الصديق الذي لم يخلف بعده مثله. وعلى الفاروق الذي هاب الشيطان ظلّه، وعلى شهيد الدار الذي بذل نفسه بالله وما استخار القتال ولا استحلّه، وعلى الفارس الصبار الذي لم تكن الدنيا شغله، تعرّضت له فما علقها بل طلقها بتة بتلة، وعلى سائر آله وأصحابه السادة القادة العظماء الجلة، صلاة يجدها إليه وسيلةً ووصله، عجبًا لابن آدم هو الغافل وهو الأبله، فعقل ولكن تغلب على عقله عقله، يغلق الباب ويسبل الحجاب ويسدل الكلّ، يستخفي عن الناس، ولا يستخفي عن الله، هذا وهو الذي يحصى عليه كله، يقتحم الذنب اليوم ويستخف كله، وليجدن غدًا إذا حمله على ظهره ثقله، ليت شعري ما الذي دله؟ أدله حتى ضيّع ثمره كله أو جله، أيحسب أنه إذا سأل الرجعة أوتي سؤاله، كلًا لا عود إلى الدنيا بعد النقلة، إنما هي أمنية عونه ورأي ضله، كم موسم الطاعة حلّ فما أكرم محله، لا استقام على طاعة، ولا استقال من زلة. هذا شهر الله الأحب قد أظله. طيفًا كريمًا فأين من ينشد عنده قلبًا أظله، سحقًا لمن فقد قلبه مما وجد بكله ولا أحسن مثله، ولا جادت له عليه مقلة، ولا طلب من الله أن يجمع به شمله، يُحضر شخصه وقلبه في عزلة، قد فتح الدنيا قوله وفعله، فهو منها في شُغل ومن الآخرة في عطلة، إن عرضت الطاعة أطال مطله، وإن لاحت الشهوة عصى من أوّل وهلة، المصيبة في الدنيا عليه عظيمة، والمصيبة في الدين سهلة، تعلله المواعظ بعلة، ولعل ما يشفي من علة ما كان هذا المرض الذي عرض يرجى منه بلة، إن رجيناه أنكل. وإن مطلناه هلك. لا قوة إلا بالله، فيا موثق نفسه خلصها من هذه الحبلة، ذكرها بوشيك الرحلة إلى يوم الحجلة، ومقام الذلة، بين يدي الله، يوم تنظر الخلائق فضله، يوم ينادي الحق ما أعظمه وأجله، إن جارى ظلم ظالم فإنا الظالم حاشا لله أن يجوز ظلم الظالمين عدله، فكم يومئذ من سعيد أكرم نزله. وكم من شقي ألزم عنقه غله. ومنه قوله: عجب لابن آدم، وأي شأنه ليس بالعجب، يبصر لا محاله والصواب عنه قد احتجب، ويسهو بطيء الإقامة وقد أدركه الطلب، ويلهو مع الساقة والموت في المقدمة قد أخذ وسلب، أخذ والله فكم غصص أفنى فما أدركه الطلب فما استثنى ولا خصص. رنق كأس العيش ونغص. فما رجا منه منجًا ولا مخلص، ما حل والعدد وافي إلا نقص،

стр. 4496

وما أَظلَّ والظلُّ وارف إلاّ قَلَّص، ولا بعث بجنده طليعة إلا أَشخص، ولا جاء بجِدّه إلا جاء الحقُّ وحصحص، لا يدفع بالجحافل، ولا يعبأ بالمحافل، إذا بَتَّ الأصل ونبت الوصل، فعمي البصير، وانخذل النصير، وحاز القويُّ وحار المشير، وأديل التاج، وأزيل السرير، ألا وأنه من مات فات، ومن بقي فما بقي للخلود ولكن للممات. ومنه قوله، ويذكر وداع رجب: أيها الناس، إنه ليس للمرء وراء الله مذهب، ولا للعبد من قضاء الله مهرب، ولا الدنيا تحب، يأسى عليها اللبيب المهذب، فالسعيد من زود من دنياه لآخرته، وقدم خيرًا يجده في حافرته. فمن قدم خيرًا فله يلقى، ومن يوق شح نفسه فيا عظم ما توقى، والناس على المفقود أحصل منهم على الموجود، لأن الذي يذهب هو الذي يبقى، فهل منكم عباد الله منبعث للإجابة، مكترث بالإنابة، وافد على الكريم، فإن الكريم قد فتح بابه. لما أمطرتم بالتوبة رجبًا، فقد مضى رجب إلا صابه، فرحم الله امرءًا كانت أواخره خيرًا من الأوائل، فاغتنموا من شهره هذه الأيام القلائل يودعها ويودعها خيرًا هو إليه آيل. فربما أتاه الأجل قبل أن يأتي رجب القابل. ومنه قوله، ويذكر شهر شعبان: وللمعاملة مواسم، وأربحها وأنجحها شهركم هذا شعبان، شهر تتشعب فيه البركات وتتفتق على أفنان، شهر كريم بين شهرين كريمين، الشهر الحرام وشهر رمضان، شهر رسول الله ﷺ ، كان منه بمكان، وها هو قد نزل بكم ضيفًا فأكرموه إن عرفتم حق الضيفان، فكأنكم به وقد مضى عن قوم بالسخط كما مضى عن قوم بالرضا، كما مضى غيره من الزمان. ومنه قوله: يا عجبًا لابن آدم، بكفيه الأجل وهو آمن، ويحرك له الأمل وهو ساكن، يهمل آخرته كأنه يعيش أبدًا، ويكدح لدنياه، كأنه لا يموت غدًا، يسيغ مشرب الدنيا، وكلّه غصص، ويستلذ عيشًا وجلّه نَغَص، كلّما كبر كثر زلله وكلما شاب شب أمله، لو تأمل تألّم، ولو عد كلامه من عمله ما تكلّم، يذنب ويعصي والملك يكتب ويحصي، يؤخذ بحجزته عن النار وهو يقتحمها، ويفتح له أبواب الجنة في هذه الأشهر الشريفة فلا يغتنمها. ومنه قوله: أيها الناس، قصر سعي من كانت خُطاه معدودة، وخسر رأي من اتخذ هواه معبوده، وذاك ناصر من كانت الأيام جنوده، وقل حاصل من كانت الحطام

стр. 4497

موجودة. هي الدنيا، فاستحقروا منها ما كثر، واستصغروا منها ما كبر، وجانبوها فقد عرفتم سوء الصحبة، وأرصدت لكم المنايا، فراقبوها فإنها لكم على أهبة، فبينا أحدكم يرفل في اغتنام لذته ويغفل عن الحمام وأخذته، يخطر في سرباله ولا يخطر الموت بباله، إذ نبا بجنبه مضجعه، ودنا إلى ربّه مرجعه، ففتّ الوجع في أعضاده، (وشتت) الأجل شمل وداده، يطلب النوم فلا يجده، ويندب اليوم ما يسفر عنه غده، قد ألقى إلى التهلكة بيده، واستلقى منتظرًا انتزاع روحه من جسده، واضعًا راحته فوق صدره وكبده، ضارعًا لفراقه من أهله وولده، هذا عباد الله آخر الدنيا فاجعلوه أوّلها، وهذه النصيحة المحضة فرحم الله من نقلها. ومنهم: [٣] قاضي القضاة (١) تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الوهاب ابن خلف (٢) العلامي (٣) ذو المنصبين، الوزارة والقضاء، والقلمين التوقيع بالأرزاق والتسجيل بالإمضاء، من بيت مشمخرّ بناؤه، مستمر في الأنباء سناؤه، ومني من ابن السعلوس (٤) وزير الدولة الأشرفية بعدوّ لا تخبو له نار، ولا ينبو لسيفه غرار، نصب له العاثور، وعصب فضله المأثور، وصبّ عليه مصائب آلم من وقع السياط، وألجأه إلى أمور أضيق من سم الخياط. ولزمه من مكابدة بطوق ماله من براح، ووثاق ماله منه سراح، لأمور قدرها له

стр. 4498

ولبسها، وقرّرها بكذبه عليه ولبسها، وهوّل بها حتى صيّرها عظائم جساما وصورها بتخييله عليه مواثل أجساما، وأعانه على تحمل وزره قومٌ من شهود الزور، وجحود الحق المبرور، ثم آلت ضائقته التي مني بها إلى الفرج، وأبقته التي رُمي بكذبها إلى ما أثم فيه عليه ولا حرج، وانقطع في تربه بالقرافة لا يسعه مجلس، ولا يدعيه عائد فكره كأنه موسوس، وحجّ تلك السنة، فلما أتى المدينة الشريفة زائرًا، ووجد لديه تلك انحنى ثائرًا، ووقف تجاه تلك الحجرة الشريفة باكيًا، وبفيض المدامع شاكيًا، واستعدى حامي ذلك الحمى، وانتسب بالعلم إلى ساكنه وانتمى، وعزت العبرات في ثرى تلك الحجرات، عما لقي من نوب النوائب، وبلي به من المصائب، ولاذ بذلك الجناب الشريف متظلمًا، وبثّ سلواه متألّمًا، وقام بقصيدة تضمنت مقاصده، وضمنت ما كان قاصده، فوالله ما عاد حتى بلغ المراد، وما أبدى ولا أعاد، وقتل الوزير ومن وزره، وبطل ما كان افترى عليه وزوّره، ووصل هذا المستجير إلى وطنه سالمًا، وإلى منصب الحكم العزيز ومات حاكمًا. ومن خطبه التي أينعت بها أعواد المنابر وأورقت، وأضاءت في المسامع وأشرقت، قوله: ابن آدم، أفق لانقضاء مدتك، فما بقي إلا القليل، وأرق عليها دماء مقلتك، فإن الدموع لا تشفي الغليل. وابق ما بقي من يعينك على الأسف فيما سلف والحزن الطويل، وحقق في نفسك وطويتك إنك في الدنيا كعابر سبيل، واشفق على نفسك من حلول منيتك وما تأهبت إلا وتزوّدت للرحيل، والصق خدّك بالتراب لأجل خطيئتك كما يفعل الخاضع الذليل، وأخلق بك باكيًا على بليتك، ومن أحق منك بالبكاء والعويل. وثق بأنك إن صدقت الله في سريرتك أعانك وأغاثك بكرمه الجزيل، فمزق أثواب لهوك وغفلتك رداء عفوه الجميل، وصدّق بعقوبتك ومثوبتك لتقف مع التحريم والتحليل، وحدق بعين قلبك وبصيرتك لتعتبر بمن عبر من الأمم جيلًا بعد جيل. أما أدرك الموت من سلف قبلك من القرون؟ أما هلك به المتقدمون وتبعهم المتأخرون؟ أما فتك ونكب وسلب وانتهب كل نفيس مصون؟ وهل ترك، وتبعهم المتأخرون من هلك فسيح البلاد ومنيع الحصون، أما سلك بهم بعد العزّ العظيم سبيل الصغار والهون؟ فكم لكم فيهم من عبرة! ولكن لا تعتبرون، ومن عبره لو أنكم في مصيرهم تتفكرون، ومن حسرة لو أنكم تتأملون وتتدبرون. ومن قوله: ابن آدم، ركبت إلى الأمل خؤون يخدع، وسكنت لامتداد الأجل وما أقرب طبه

стр. 4499

وأسْرِعْ، وفُتِّنْتَ بطول المهل، وإن حِبالُ المهل ستقطع، واستعنت بستْر ذيل المنْسَدِل على قبيح ما تصنع، ومَكَّنْتَ نفسك من الزلل وقد كنت عليها أجمع، وأمنت من الحادث الجلل، فما تخاف ولا تتوقع، فلو أيقنت بجزاء العمل لما عدلت عما ينفع، ولو استبنت حقيقة الوجل لكان يزجرك ويردع. لقد وعظك خطيب الأنام فما وجدك تفهم ولا تسمع، وأيقظك منبه الحمام، وكلما أيقظك تهجع، واستحفظك ربك حقوق الإسلام وها هي تهمل وتضيع، فأنت تغفل وتجهل وتلعب وترتع، وتقدم على ما لا تعلم ولا تتألم ولا تتوجع، غدًا تغلب عن استدراك ما إليه تدفع، وتحجب عن صلاح شأنك وتمنع، غدًا تقلب على فراش الضنى وتقعد وتضجع، وترغب في شفائك وتتحسر وتتفجع، وتطلب دوائك لو نفع وأنجع، غدًا تسكب دمعك على نفسك وتهجع، وعلى أهلك وولدك وأطفالك اليتامى الرضع، غدًا تندب وتُنْدَب وتودّع وتَوَدَّع، وتقرب منيتك وينقطع منك كل مطمع، غدًا يضطرب قلبك الحزين وتتضعضع، وتجذب روحك من بدنك وتخرج وتنزع، غدًا يسل كل ما تحوي وتجمع، ويذهب بك إلى بيداء بلقع، ولا تصحب سوى الكفن ولا تتبع، غدا ترهب إذا طلع صبحك وشعشع، وتعجب إذا أبصرت هول ذلك المطلع غدًا يصعب عليك المال والمصرع، ويرعب له قلبك ويتصدع، ويتلهف بنار الأسف وتحزن وتجزع، إذا عظم خطبك الشنيع وأفضع. ومنه قوله: ابن آدم، كيف لا تبادر إلى رضى ربك وتثابر؟ وتحاذر عقوبة ذنبك العابر؟ أتنكر قدرته على العبيد فأنت تجحد وتكابر؟ أم تصبر على عذابه الشديد ما أنت على التعذيب بصابر، أم يخطر لك أن العمر مديد، ما هي إلا سبيل أنت بها عابر، أم تقدر أن الموت بعيد، كأنك ما ترحل إلى المقابر، أين أرباب الدفاتر والمحابر، أين صوّام الهواجر، أين قوام الدياجر؟ أين الخائف من الزاجر إذا زاغ الخائف الفاجر، أين من يعامل ربه ويتاجر؟ ويواصل لأجله ويهاجر؟ أين الحامد والشاكر؟ أين العابد والذاكر؟ أين العارف والناكر؟ أين الناصر والماكر؟ أين الرابح والمناكر؟ أين الجيوش والعساكر؟ أين بحر العلم الزاخر؟ أين المباهي والمفاخر؟ أين الأول والآخر؟ فتك والله فيهم صرف دهرهم الغادر، وسفك الجمع بسيف حتفه الباتر، وأوردهم موارد أن بعدها مصادر. فأسهدهم مشاهد ما خطرت لهم بخاطر، وأبعد عنهم المقاصد وأعدمهم المعاضد والمناصر، هو الذي يصنع بهم من الفجائع في الحال الظاهر، ويسمعه الآن أذن السامع وينظره الناظر، ومن وراء ذلك اليوم الذي يسمعون فيه صبحه الصابح، ويجمعون من كل

стр. 4500

مكان بعيد ونازح، ويرجعون من تحت التراب والصفائح، إلى النوائب والمصائب والفوادح، وتصدعون من الندم على فوات العمل الصالح، ويقطعون من الأمل على ما فعلوا من القبائح، فكم حسرات بين تلك الجوانح، وعبرات على الخدود سوافح، وزفرات على مخالفة الشقيق الناصح، واعجبًا كيف تذهل عن الطريق الواضح، واحسرتا كيف تجهل وعلم الهداية لائح، هل هذا مرض عرض للقرائح؟ أم هذا عرض غلب على العقل الواضح؟ لمثل هذا يندب النادب وينوح النائح. وقوله: أيها الناس، من بعد من جناب ربه الكريم فما الذي يرضى به عوضًا؟ ومن قعد عن طريقه المستقيم بماذا يلتمس الرضا؟ ومن اعتقد نار الجحيم وجنة النعيم كيف يكون عنها معرضا؟ ومن جحد ذلك اليوم العظيم سيعرف إذا ذهب العمر وانقضى، ومن عبد هوى نفسه الذميم لم يترك له حظًا ولا عرضا، ومن سوّد كتاب عمله في الزمن القديم لم لا تجعله التوبة منتضى؟ ومن انتقد عمله الزائف السقيم كيف لا يصبح كئيبًا حرضا؟ ومن سعد تبع أمر الحكيم العليم فما طلب واقتضى، ومن اجتهد فإن الله غفور رحيم يستر الزلل ويغفر ما مضى، وكيف لا يعجل من لا يثق بالبقاء إلى غده؟ ولماذا يهمل من لا يأمن أن يعجز عن إربه ومقصده؟ فلعله ينزل به ما لا يخطر بخاطره ولا يمر بخلده، ولا يمهل فيعمل على إصلاح آخرته وتمهيد مرقده، أيجهل أنه يشغل عن نفسه وولده، ويفصل من أمله كما تفصل روحه من جسده، ويسأل فلا يقبل ولا يؤجل عند انقصاء أمده، وينقل فقيرًا من حوله وقوته وصبره وجلده، هنالك يهلك المتحسر على ما فرط في حق المولى. ولا يستدرك المقصر ولا يملك قولًا ولا فعلًا، ولا يدرك إلا السابق المشمر لما هو به أولى، فهنالك كم من عبرة ترقرقت لا يُرحم باكيها، وزفرة قد أقلعت لا ينظر لشاكيها، وغمرة قد أحدقت بأقاصي الخليقة وأدانيها، وسكرة قد أطبقت تكابدها النفوس وتعانيها، وحسرة قد تحققت في القيامة على ما فرطنا فيها، وفكرة قد استقرت في أمور لا يمكن تلافيها، وجمرة قد أحرقت من قرب أو بعد نواحيها. وقوله: يوم يقف بين يدي الله حزنًا أسفًا، ويعترف بما كتب له مقترفًا وينصرف فيمن ذلّ وضل وهفا، وينحرف إلى نار الجحيم، وساءت منصرفا، فأحجم عما يكون متخوفًا، واعزم على الطاعة لا مترددًا ولا متوقفًا، واغتنم إمكان العبادة لا مفرطًا ولا مسوفًا، والتزم صدق الإنابة فكانت له مألفا، ورحمنا أجمعين مفضلًا متعطفًا، ووهبنا كما وهب عباده الصالحين رفعةً وشرفا.

стр. 4501

وقوله من أخرى: ابن آدم، كيف لا تأْنَفُ لنفسك أيها اللبيب من مواقف الملام والتثريب؟ وكيف لا تتصرف بأريك المصيب لتخلص من الخُطَبِ العَصِيبِ؟ وعلام تقتَرف ما تحرم به وتجنب وتنحرف عن مراقبة العليم الرقيب؟ ولم تنصرف عن الكرامة والتقريب بأسباب الإهانة والتعذيب؟ متى تنصف وتَزدَجِر وتنيب، وتأخذ من الآخرة بحظ ونصيب؟ أما تعرف ذلك اليوم المهيب إذ الوليد يهرم ويشيب؟ ومنهم: [٤] القاضي جمال الدين الغزاوي مصرف حكم وقضاء، ومشرف إيقاف وإمضاء، يرقى في درج الفقهاء مصعدًا، ودنا من منهج الانتهاء مصعدا. وأهله من غزة مولد الإمام الشافعي الذي به ولد وعذب منه منهله وورد، وكان قد كتب الحكم ووفى الشروط، وتدفق منه بحر ممتد الشطوط، وخطب ببعض الجوامع وخلب كل المسامع، وأعاد العيدان أغصانا، والأعلام خرصانا، ما علق بالقلوب أرسانا، وأعلم أن للمنابر فرسانا، وولى الأوقاف فأصبحت جارية على المنهج القويم، والمبهج القديم، وله فضائل مسح جناحها وأراشها، وسفح ثجاجها ورشاشها، فعذب مصوبة، ربوة فضل ذات قرار ومعين، وليال مثل نهار مبين. ومن كلامه قوله: لم يضرب الأمثال إلا لتفكروا، ولم يفسح لكم في الآجال إلا لتذكروا. تنفقون الأعمال في اللهو واللعب، وتثقون بالمنى، وأكثرها بل كلها زور وكذب، لم يبق إلا أن يدهم الأجل، ويأتي وعد الله على عجل، أفتطمعون أن تسالمكم الأيام، أم تأمنون هجوم الحمام، كلا والله إن النفس لمعدود، وإن الأجل لمحدود، وإن أمامكم العقبة الكؤود، ووراءكم اليوم الموعود هنالك الوجوه بيض وسود، والحاكم الله والملائكة الشهود، والجنة والنار دارا جزاء وخلود، فبادروا قبل أن تصيبكم سهام الأعراض وتنشب فيكم مخالب الأمراض. وقوله من أخرى: وأسفًا عليك أيها المسكين، ما أغفلك أتتقاعد عن طاعة الله ما أمهنك وأكسلك، وتسرع إلى المعاصي ما أعظم جرأتك وما أعجلك! أكفرت بالذي خلقك فسواك فعدلك، أم ظننت أن الذي أوجدك أهملك أم عرفت أنه لا يعرف زللك؟،

стр. 4502

كلا والله، بل له عن يمينك ملك، وعن شمالك ملك، يتلقيان عنك قولك وعملك، وهو تعالى مطلع على قلبك، عالم بما يخطر لك، حاضر معك أينما كنت، خبير بما فيه استعملك، فكيف لا تقبل نصح من عدلك. وتقطع من الدنيا أملك، وتسابق بالعمل الصالح أجلك، وترجع إلى الله في بقية المدة التي إليها أمهلك، ستعلم إذا وقفك بين يديه وسألك، وعدد عليك نعمه التي بها شملك، وقال: ما أجرأك علي وما حملك، وما الذي ألهاك عن ذكري وما شغلك. وقوله من أخرى وقد ذكر الغرور بالدنيا: حتى إذا وثقوا وتعلّقوا بحبالها، وضربت الغفلة على قلوبهم بأقفالها، فأصبحوا أهليهم دائمة، وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة، وبين أيديهم والله البعث والآيات، والوقوف على الهول العظيم والعقبات الصعاب، والنار ذات الوقود والالتهاب، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، والملائكة يشهدون عليهم والكتاب، والله يحكم لا معقب لحكمه/ ٣٣٨/ وهو سريع الحساب، أيها الناس تيقظوا من سنة الغفلة قبل أن تكون الحتوف لكم موقظة، واتعظوا بمن سلف من الأموات فإن فيهم عظة، واتقوا الله واخشوه بظهر الغيب فإنّ له عليكم حفظة، واغتنموا صحتكم وفراغكم قبل أن تشغلكم الشواغل، وأعدوا ما استطعتم قبل أن تدهمكم النوازل. ما لكم لا ترجون لله وقارًا؟ وكيف تخالفونه وتعصونه جهارًا؟ أظننتم أن ارتكاب الذنوب طاعة، أم أمنتم أن تأتيكم غاشية من عذاب الله أو تأتيكم الساعة، فأنى لكم إذا جاءتكم ذكراكم، وعراكم من بأس الله ما عراكم، ستخلفكم والله الظنون. وينزل بكم ريب المنون، يوم يتحاج الظالمون إذا وقفوا على النار، وقلبوا يد الافتقار، وقالوا: ما لنا لا نرى رجالًا كنا نعدهم من الأشرار، وردوا على أنفسهم بالتعنيف وقبل اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم، فياويل العصاة والمذنبين هنالك إذا اشتد عليهم العذاب، ونادوا يا مالك، فينادون على أنفسهم بالويل والتباب، وأن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب فيا أيها الكادحون في الدنيا بحرص وإكباب، الجامعون المال بالنجس والانتهاب، المانعون الزكاة الواجبة بنص الكتاب، المتمسكون من السنة بأضعف الأسباب. أما علمتم أن المال مصيره للذهاب؟ وأن الرقيب عليكم ربّ الأرباب، وأنه سبحانه على الحلال يدقق الحساب، وعلى الحرام يضاعف العذاب، فهلا تركتم مشبهات الأموال وحاسبتم أنفسكم في جميع الأحوال، وأديتم زكاة أموالكم على الكمال، أما آن لكم أيها المؤمنون أن تتعظوا، أما وجب عليكم أن تمتنعوا من الحرام وتتحفظوا أعميت الأبصار أم أظلمت البصائر، أم اسودت القلوب

стр. 4503

لارتكاب الكبائر، أما والله إن معالم الحق لزائلة فانية، وأن الساعة لآتية، وأن أهوال القيامة لعظيمة، نسأل الله العافية، وأن زلزلة الصراط على الجحيم لكافية، وأن ملائكة العذاب على العصاة القاسية، وإنهم ليكبونهم على وجوههم في الهاوية، ويضرمون عليهم نارًا حامية، وأن أحدهم لينادي إذا سحبتهم الزبانية، وعاقبته عقوبة متوالية، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ما ليه، ولا أجدت علي تلك الأحوال الماضية، يا ليتني كنت ترابًا سهيلًا، يا ويلنا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، فتناديه الزبانية، أيها الظالم الأثيم، ذق إنك كنت العزيز الكريم، وهن فقد كنت تسوم نفسك بالتعظيم، وأقم في الجحيم، في عذاب مقيم، فليس لك ها هنا حميم، فينقلب على وجهه مذعورا، ويدعو هنالك ثبورا، ويلقى في جهنم ملومًا مدحورا، واتبعوا رضوان الله ما دامت الأوقات لكم مطاوعة. والآجال من حكمة الأمهال في يده واسعة، ولا تمسكوا بأسباب الأمل، فإنها واهية القوى، ولا تتبعوا أهواءكم فقد خاب من اتبع الهوى، إلى متى أنتم في غمرتكم ساهون، وحتام أنتم بزينة الدنيا متباهون، تجمعون ما لستم بآكليه، وتمدون أملا لم تكونوا بالغيه، وتعملون ما حرم الله، وتسارعون فيه، وتأكلون التراث أكلًا لما، وتحبون المال حبًا جمًا، وإذا زجرتم عن المعاصي تماديتم وأصررتم، وإذا قيل لكم تجافيتم واستكبرتم، أظننتم الدنيا لكم دار إقامة، أم حصلتم يقين السلامة، أم أنتم منكرون للبعث والقيامة، أما وعظكم تقلب الزمان، أما نبهكم موت الأقران، أما رأيتم مصارع الإخوان، أو ما تُليت عليكم آيات القرآن، فهلا جعلتم التقوى لكم وقاية، وكيف لا تخشون الله وقد أراكم من قدرته آيةً بعد آية، فانتبهوا رحمكم الله من سنة الغفلة، فإنها بئست السنة، واعتصموا بالتقوى فإنها بالسلامة مؤذنة، وأنيبوا إلى ربكم، وامحوا أثر السيئة بالحسنة، وإياكم وحصائد الألسنة. فإن الأنفس بها مرتهنة، وما أحوالكم وأفعالكم بالتي تجوز على الله وتخفى، وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم من الله زلفى، ولا والله تصح لكم التوبة وأنتم عن الذنوب لا تقلعون، ولا تقبل منكم المعذرة وأنتم لمشتبهات الأموال تجمعون، ولا ينفعكم نصحي، وإن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون. ومنهم: [٥] بدر الدين الطيبي طلع في الحنادس بدرًا، ووسع من المجالس صدرًا، ونشأ لأب معروف، ونسب

стр. 4504

غير مشروف، فتلا السلف وجلا السدف، ونابذ صناعة أبيه، وكان أي صدر، وفلك طلع منه بدر، ولم يزل عينًا للنظر، وزينًا إذا حضر، يُحمد منه الصاحب الجليس، والمصاحب الأنيس، ترتضع من أخلاقه المدام، وتتجافي المسامع منه الملام، وولي أعمالًا، وأوتي مالا، وأسمعته المسرات فطرب، وصفت له الليالي وغدران نجومها فشرب، وترك الرذائل لأنكاسها، والعواذل لجام الثريا وكاسها، ولزم ابنة الدرس فنفح لعنصره طيبًا، وصنع بمنبره خطيبًا. ولم تقصر به همة رمت ببصره إلى السماء، ورقت به إلى النجم سلّما فلمع شهابًا ولمع رداء الأيام التهابًا، وأسمع بخطبه فدخل القلوب طواعية، وأخذها انتهابًا، وكتب إلى صاحبنا الشيخ شمس الدين الزمردي النحوي من خطبة ومنها قوله: أيها الناس، قد رحل شهر الصيام، وهذه الأيام البيض من شهر الحج إلى بيت الله الحرام، أين من زهد في المقام، وعمل على وصلته إلى المقام، أين من زمزم له حادي الشوق فقام في الله حق القيام، أين من يحطم بالحطيم ذنوبه وأوزاره أين من يبرد بماء سقاية العباس حرّه ويُطفئ ناره؟ أين من يبيض وجهه بلثم الحجر الأسود ويُجر سحائب الدموع؟ أين من يلتزم الملتزم بذل وخضوع؟ أين من يقبل عتبة البيت المرفوع؟ أين من يربي نفسه في الحجر ويردد زفرات أنفاسه؟ أين من يتيمن بالركن اليماني والتماسه؟ أين من يباهي الله به الملائكة عند كشف رأسه؟ أين من يرتفع على الصفا، وينهج بالشعائر، ويعلن؟ أين من هرول إلى المروة وسعى لها سعيًا وهو مؤمن؟ أين من عمل على بلوغ المني بمنى، أين من تعرف إلى الله في عرفات الهنا. وقوله من أخرى: تا الله أيها الغافل، قد نصحت لك وأوضحت لديك، فالدهر يومان، يوم لك ويوم عليك، وأيم الله، إن الخطاب للخطيب لأنفع، ولكن لعلة من قلبه الكسير يصدع، فلربما أبرأ الطبيب السقيم سقيمًا، وهدى الأعمى صراطًا مستقيمًا. وقوله: الحمد لله الخالق فلا يُعاب، ما صنع الرازق، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، العظيم الذي أعلى منازل الإسلام ورفع، الحكيم الذي ألف أشتات القول على طاعته وجمع، واحتجب عن العيون في سرادق سرّه المصون وامتنع، أحمده حمد من ذلّ لعزّته وخضع، وأنار في قلبه ضياء التوحيد ولمع، وأشكره شكرًا إذا ذكره القلب خشع، ومنى بأمله الطرف همع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك

стр. 4505

له، شهادة أرجو بها الأمن يوم القيامة (من) (١) الفزع، وأنجو بسببها إذا اشتد الخطب وعظم الجزع، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي فرق من الكفر كلما اجتمع، وأيقظ جفن الدين بعدما هجع، وكشف هلال الشرك عندما طلع، وأقام فينا الخطب والجمع، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جبل قلوبهم على الدين وطبع، صلاة دائمة ما غاض الماء ونبع، وخرَّ ساجد الله وركع. أيها الناس، اعتدوا للرحلة فالسفر بعيد، واشتدّوا قبل الدخول في الرحلة فالأمر شديد، واعتبروا فالعبر في كل يوم تزيد، وبادروا بالعمل، وحاذروا مساورة الأجل، فالموت أقرب من حبل الوريد. وانتهزوا الفرصة قبل يوم الوعيد. تذكروا رحمكم الله هل من خلد من كان قبلكم في هذه الدنيا. لا والله، لقد عفت من بعدهم الآثار، ولم تبق إلا روايات وأخبار، إن الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن الآخرة هي دار القرار، تأملوا كيف نقلوا من القصور إلى القبور، وحكم عليهم العدل الذي لا يجور، جرى القلم على الأمم بما حكم في الكتاب المسطور، أين الأمم الخالية، أين أصحاب الهمم العالية، صاروا والله عظامًا بالية، تغيرت منهم المحاسن وزالت، وذهبت عنهم تلك النظارة ومالت. وذوت تلك الغصون الزاهية ومالت فاتقوا الله واحذروه، وقدموا بين أيديكم ما تجدوه. * * * آخر السفر الثالث عشر من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ويتلوه إن شاء الله في السفر الرابع عشر وأما الشعراء فقد تقدم في هذا ما فيه لناظر مستمع ولسامع بلاغ الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 4506

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين. وبعد: فهذا هو السفر الرابع عشر من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م. وقد تناول فيه تراجم شعراء الجاهلية والدولتين الأموية والعباسية. وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على: (١) نسخة المكتبة البريطانية - لندن، رقم أ د د ٩٥٨٩، عليها إشارة استعارة لأحمد بن علي المقريزي (مؤلف الخطط المقريزية ت ٨٤٥ هـ) وتاريخ الإشارة ٨٣١ هـ. والتي قام بنشرها العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - جمهورية ألمانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م. وكانت الأصل في عملي. (٢) نسخة أحمد الثالث - طوبقبوسراي - استانبول رقم ٣٤٢٧ وهي نسخة قديمة عليها تملك محمد بن علي بن عيسى بن داود بن شيكروه بن شاذي الأيوبي سنة ٧٦١ هـ، وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زادة المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين، وعليها تأييد الوقفية يعود تاريخه سنة سبع و … .. وسبعمائة.

стр. 4507

أما منهجي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة. هذا ما أستطعت أن أقدمه للقارئ الكريم والباحث الفاضل، أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه. والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل جمهورية العراق - الكوفة كامل سلمان الجبوري

стр. 4508

شعراء الجاهلية والدولة الأموية

стр. 4509

شعراء العصر الجاهلي فممن ملأت من شعراء [الجاهلية] سمعته الآفاق، وطبقت الأرض إمام القوم، وحامل لوائهم، وحامي رعاياهم: [١] امرؤ القيس (١) واسمه حُندج بن حُجر من كندة؛ وقيل إن حُندجًا اسم امرئ القيس بن عابس،

стр. 4510

أصحبه وهو كندي مثل امرئ القيس الشاعر. قال السهيلي: فمن هنا وقع الغلط. وروى أبو عروبة من أو لعله بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار؛ لأنه أول من أحكم قوافيها. وقيل في تأويله: إن المراد شعراء الجاهلية، إذ من الشعراء قوم من الصحابة ﵃ وهو من بيت ملك [ليس منهم] إلا من يعتدل التاج فوق مفرقه، وينتعل الثريا تحت مفرش نمرقه، إلا أنه كان عُقير عُقار لا تنجلي سكرتها، ولا يأتلي لغيب صوابه فكرتها، فلما أتاه مقتل أبيه قام وقد طال به القعود، ورام وما ألف الظباء لا مغالبة الأسود، فما أنهض جده العاثر، ولا انتفض عن بيض الخدر جناح عقابه الكاسر، على ما تقدم في ذكر موضع قبره من شرح قصته، وشرق الجفون عما لا يزيله الماء من غصّته، وهو آخر من استقسم عند ذي الخلصة، ولم يستقسم عند ذي الخلصة، أحد بعده حتى جاء الإسلام، وهو أول من فتح باب التمثيل، ووسع ذيل التشبيه، وأحسن الحماية، وأحسب إلى الغاية. وقد تقدم بعض خبره كيف قام لطلب ثأر أبيه وأجل قاتليه الممتد يقعده، والأيام لا تنجز له ما تعده، حتى كان حدًا مغلولا، ودمًا مطلولا، أخر ما قصد قيصر وحينه وقد حان، وأجله قد آن، والقضاء وقد كان، وقد ذكرنا فيه كيف كساه ملاءته المسمومة، وأنزله بطن الديمومة، فطالت غربته، وتعذرت إلى الأوطان أوبته، وأفرد من كل نسيب، وألحد إلى جانب عسيب، منبوذًا بالعراء، مقيمًا في تلك الدوية الغبراء، وقد كان خانه رفيقه، وخاب بسعيه طريقه. هذا بعد مُلك كان لأبيه ينميه، وشرف لوائه قدر يحميه، وإنما سبق الكتاب بما فيه.

стр. 4511

ولولا ما تقدم من ذكر هذه الواقعة، لأخذنا فيها مأخذًا يستوفي الخبر، ونقص لمبناه العبر. وامرؤ القيس هو الغاية إذا أريد به تشبيه شاعر، أو عظم له بيت يتطوف له بمشاعر، وديوانه أول الأشعار الستة التي رويتها عن شيخنا الأستاذ الحافظ أبي حيان بقراءتي عليه. فمنه قوله (١): [من الطويل] مُهَفْهَفَةً بَيْضَاءَ غيرَ مُفاضَةٍ … ترائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ (٢) تصدّ وتُبدي عن أسيلٍ وَتَتَّقي … بناظرةٍ من وحش وَجْرَةَ مُطفِل (٣) وجيد كجيد الرقم ليس بفاحش … إذا هي نَصْتُهُ وَلَا بِمُعَطَّل (٤) وَفَرْعِ يَزينُ المَتْنَ أَسْوَدَ فَاحِمٍ … أثيث كَقِنْو النخلة المُتَعَثكل (٥) وكَشْحٍ لطيف كالجَدِيلِ مُخَصَّرٍ … وَسَاقٍ كَأُنْبُوبِ السَّقي المُذَلَّلِ (٦) وَتَعْطُو برخص غيرِ شَيْنٍ كَأَنَّهُ … أساريع ظبي أَوْ مساويك إسْجل (٧) ومنها قوله يصف طول الليل:

стр. 4512

وَلَيلٌ كموج البحر أرخى سُدُولَهُ … عليَّ بأنواع الهموم ليَبْتَلي (١) فقُلْتُ لَهُ لَما تَمَطَّى بصُلْبِهِ … وَأَرْدَفَ أعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ (٢) ألا أيها الليل الطويلُ ألا انْجَلي … بصُبْحٍ وما الإصباح منك بأمثل (٣) فيا لك من لَيْلٍ كأنّ نُجومَهُ … بِكلِّ مغار الفَتْلِ شُدَّت بِيَذبل كأن الثريا عُلِّقَتْ في مَصَامِها … بأمْرَاسِ كتانٍ إِلى صُمَّ جَندَلِ (٤) ومنها قوله يصف الفرس: وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيرُ في وُكُناتِها … بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابد هيكل (٥) على الذَّبْلِ جَيَّاش كأنّ اهتزامَهُ … إذا جاش فيه حميه علي مِرْجل (٦) يُزِلُّ الغُلامَ الخِفَّ عَنْ صَهَواتِهِ … وَيُلوي بأثوابِ العَنيفِ المُثَقَّل (٧) لَهُ أَيْطَلا ظبي وساقا نَعَامَةٍ … وَإِرْحَاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُل (٨)

стр. 4513

ضَليعٌ إِذا اِستَدبَرتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ … بِضافٍ فُوَيْقَ الأَرضِ لَيسَ بِأَعْزَل (١) كَأَنَّ دِماءَ الهادِياتِ بِنَحْرِهِ … عُصارةُ حِنّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّل (٢) فَباتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلجامُهُ … وَباتَ بِعَيني قائِمًا غَيْرُ مُرْسَل (٣) ومنها قوله يصف برقًا استهل قطره على ثبير واستدار به كالحيوة على الكبير: أَصاحِ تَرَى بَرْقًا أُريكَ وَميضَهُ … كَلَمْعِ اليَدَينِ في حَبيٍّ مُكَلَّل (٤) كَأَنَّ ثَبيرًا في عَرَانينِ وَبْلِهِ … كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّل (٥) كَأَنَّ السِّباعَ فيهِ غَرْقَى عَشِيَّةً … بِأَرْجائِهِ القُصْوَى أَنابِيشُ عُنْصُل (٦) وقوله (٧): [من الطويل] وَيَا رُبِّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ … بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَال (٨) يُضِيءُ الدّياجي وَجْهَها لِضَجِيعِها … بِمِصْبَاحِ زَيتٍ في قناديلَ ذُبال (٩) ومِثْلِكِ بَيضاءَ العوارِضِ طِفْلَةٍ … لَعوبٌ تُنَسِّيني، إذا قُمْتُ، سِرْبالي (١٠) تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرُعَاتٍ وَأَهْلُهَا … بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِها نَظَرٌ عالي (١١)

стр. 4514

سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَمَا نَامَ أَهْلُهَا … سُمُوَّ حُبَابِ الْمَاءِ حَالًا عَلَى حَالِ وَصِرْنَا إِلَى الْحِسَّنَى وَرِقَّ كَلَامُنَا … وَرَضَتْ فَذَلَّلْتُ صَعْبَةَ أَيَّ إِذْلَالِ (١) فَأَصْبَحَتْ مَعْشُوقًا وَأَصْبَحَ بَعْلُهَا … عَلَيْهِ الْقَتَامُ سَيِّيءَ الظَّنِّ وَالْبَالِ (٢) أَيَفْثَلُنِي وَالْمُشْرِفِيُّ مَضَاجِعِي … وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ (٣) وَمَاذَا عَلَيْهِ أَنْ ذَكَرَتُ أَوَانِسًا … كَغُزْلَانِ رَمْلٍ فِي مَحَارِيبِ أَقْيَالِ (٤) ومنها قوله يصف عقابا: كَأَنِّي بِفَتْخَاءِ الْجَنَاحَيْنِ لَقْوَةٌ … صَيُودٌ مِنَ الْعِقْبَانِ طَأْطَأَتْ شَمْلَالِي (٥) كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رِطْبًَا وَيَابِسًَا … لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي (٦) ومنها قوله (٧): كَأَنَّ عُيُونَ الْوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا … وَأَرْحُلُنَا الْجَزْعُ الَّذِي لَمْ يُثَقَّبُ (٨) نُمِشْنَ بِأَغْرَافِ الْجِيَادِ أَكُفُّنَا … إِذَا نَحْنُ قُمْنَا عَنْ شِوَاءٍ مُمَذَّبِ (٩) ومنها قوله يصف ناقة (١٠): [من الطويل] تُقَطَّعُ غَيْطَانًَا كَأَنَّ مُتُونَهَا … إِذَا أَظْهَرَتْ تُكْسَى مُلاءً مُنَشَّرًا (١١) بَعِيدَةَ بَيْنَ الْمُنْكِبَيْنِ كَأَنَّمَا … تَرَى عِنْدَ مَجْرَى الصِّفْرِ هِرًَّا مُشَجَّرًا (١٢) كَأَنَّ الْحَصَى مِنْ خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا … إِذَا نَجَّلَتْهُ رِجْلُهَا حَذْفُ أَعْسَرَا (١٣)

стр. 4515

كَأَنّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تُشِنُّهُ … صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرَا (١) وقوله (٢): أعِنِّي عَلى بَرْقٍ أراهُ وَمِيضِ … يُضيءُ حَبِيًّا في شَمارِيخَ بِيضِ (٣) وَتَخْرُجُ مِنْهُ لا مِعَاتٌ كَأَنّهَا … أكُفٌ تَلَقَّى الفَوْزَ عند مَفيض (٤) وقوله (٥): [من الطويل] ظَلِلْتُ، رِدائي فَوْق رَأسي، قاعدًا … أعُدّ الحَصَى ما تَنقَضِي عَبَرَاتي (٦) بلَيْلِ التَّمَامِ أَوْ وُصِلْنَ بِمثْلِهِ … مُقَايَسَةٌ أَيَّامُهَا نَكِرَاتِ (٧) وقوله (٨): [من الطويل] وَمَا خِفْتُ تَبْرِيحَ الحَياةِ كما أرَى … تَضِيقُ ذِرَاعي أن أقوم فألبسا (٩) فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً … وَلَكِنّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا وقوله (١٠): [من الكامل] أُنُفٍ كَلَوْنِ دَمِ الغَزَالِ مُعَتَّقٍ … من خَمرِ عانَةَ أَوْ كُرُومٍ شَبَام (١١) وَكَانَ شَارِبَهَا أَصَابَ لِسَانَهُ … مُومٌ يُخَالِطُ جِسْمَهُ بِسَقَامَ (١٢) وقوله (١٣): [من السريع]

стр. 4516

نَطْعَنُهُمْ سُلْكَى وَمخلوجَةٌ … كفَتْك لأمين عَلى نَابِل (١) حَتى تَرَكْنَاهُمْ لَدَى مَعْرَكَ أَرْجُلُهُمْ … كَالخَشَبِ الشَّائِل (٢) وقوله (٣) يصف ديمة سح مطرها على أرض فاقتلع شجرها: [من الرمل] وَتَرَى الشَّجْرَاءَ فِي رَبِّقِهِ … كَرُؤوس قُطِعَتْ فيها الخُمُر (٤) تَجَّ حَتى ضَاقَ عَنْ آذِيهِ … عَرْضُ خيم فَخُفَافٍ فَيُسُرُ (٥) وقوله (٦) يصف ربيئًا: [من الطويل] بَعَثْنَا رَبِيئًا قَبلَ ذلكَ مُخْمِلًا … كَذِئبِ الغَضَا يمشي الضَّرَّاءَ وَيتَّقي (٧) فَظَلَّ كَمِثْلِ الخَشْفِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ … وَسَائِرُهُ مِثلُ التَّرَابِ المُدَقِّقِ (٨) وَجَاء خَفِيًّا يَسْفِنُ الأَرْضَ بطنُه … ترَى التُّرْبَ منه لاصقًا كُلَّ مَلصَقٍ (٩) ومنها قوله يصف فرسًا: كَأَنَّ غُلامي إِذْ عَلا حَالَ مَتْنِهِ … عَلى ظَهْرِ بَارٍ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقٍ (١٠) وَرُحْنَا بِكَانِ المَاءِ يُجنَبُ وَسطَنا … تُصَوَّبُ فيهِ العَينُ طَوْرًا وَتَرْتَقي وقوله (١١) يصف سيفًا: [من الكامل] مُتَوَسِّدًا عَضْبًا، مَضَارِبُهُ في مَتْنِهِ، … كَمَدَبَّةِ النَّمْلِ (١٢) يُدعى صقيلًا، وَهُوَ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ بِتَمْوِيهِ، وَلا صَقْل (١٣)

стр. 4517

وقوله (١)؛ وما أحسن منزعه، وأمكن في القلوب موقعه، لقد لطف فيه جدًا، لطف من هلك وجدًا: [من الطويل] تَقُولُ وَقَدْ جَرَّدْتُها مِنْ ثِيابها … كَما رُعت مكحول المدامع أتلعا: (٢) وَجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولَهُ … سِوَاكَ، وَلَكِنْ لمَ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا ومنهم: [٢] النابغة الذبياني (٣) وهو من أترعهم تشبيهًا لا يخطي، وأسرعهم بديهًا لا يبطي، وكان منقطعًا إلى النعمان بن المنذر يفرده بمديحه، ويقصده غير مستميحه، إلا لولاء يتقرب بصحيحه، وثناء يتجنب بصريحه، فيعود من الحياء بربيحه، ومن الإباء بما يتخوف الأعداء مهاب ريحه، وبمدايحه ارتفع كعب النعمان وعلا، وجمع من ثمني الدر ما غلا، وكان أخلب من افترار الطعن في بوارقه، وافتتان النظر فيما يحير من مدامع الطل في خدود شقائقه. ومن مرقصاته قوله (٤): [من الطويل]

стр. 4518

يَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُذَكِّرِي … وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ وَأَنْتَ رَبِيعُ يَنْعَشُ النَّاسَ سَيْبُهُ … وَسَيْفُ، أُعِيرَتْهُ المَنِيَّةُ، قَاطِعُ ومنها قوله: تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا، فَعَرَفْتُهَا … لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ، وَذَا العَامُ سَابِعُ (١) رَمَادُ كَكُحْلِ العَيْنِ لَأْيًا أَبَيْتُهُ … وَنُوِّي كَجَذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (٢) كَأَنَّ مَجَرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولُهَا … عَلَيْهِ، حَصِيرٌ، نَمَّقَتْهُ الصَّوَانِعُ (٣) وقوله (٤): [من الطويل] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سُورَةً … تَرَى كُلَّ مُلْكٍ، دُونَهَا، يَتَذَبْذَبُ (٥) فَإِنَّكَ شَمْسٌ، وَالمُلُوكُ كَوَاكِبُ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ (٦) وَقَوْلُهُ (٧)، وَقَدْ عَدَّهُ لَهُ ابْنُ سَعِيدِ فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ فِي المُرَقَّصَاتِ (٨): أُنْبِئْتُ أَنَّ أَبَا قَابُوسَ أَوْعَدَنِي … وَلَا قَرَارَ عَلَى زَأْرٍ مِنَ الأَسَدِ (٩) لَا تَؤْفِفَنِّي بِرَكْسٍ لَا كَفَاءَ لَهُ … وَإِنْ تَأْتَفِكِ الأَعْدَاءُ بِالرِّفَدِ (١٠) وقوله (١١)، وقال فيه ابن سعيد: ومن التشبيهات العقيم عندهم قوله في طيور الحرب (١٢): [من الطويل]

стр. 4519

إِذَا مَا غَزَوْا بِالجَيْشِ، حَلَّقَ فَوْقَهُمُ … عَصائِبُ طَيْرٍ، تَهْتَدِي بِعَصائِب (١) تَرَاهُنَّ خَلْفَ القَوْمِ خُزَّرًا عُيُونُها … جُلُوسَ الشُيُوخِ في ثِيَابِ المَراتِب (٢) وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِب (٣) تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ … وَتُوقِدُ بالصُّفَاحِ نَارَ الحُبَاحِب (٤) بِضَرْبٍ يُزِيلُ الهَامَ عَنْ سَكِناتِهِ … وَطَعْنٍ كَإِيزَاغِ المَخَاضِ الضَّوارِب (٥) والبيت الثاني هو الذي اقتصر ابن سعيد على إنشائه، والمراتب ثياب فيها خُطُوط. وقوله (٦) [في] الفرج: [من الكامل] وَإِذَا طَعَنْتَ طَعَنْتَ في مُسْتَهْدِفٍ … رَابي المَجَسَّةِ، بالعَبِيرِ مُقَرْمَدِ وَإِذَا نَزَعْتَ نَزَعْتَ مِنْ مُسْتَحْصِفٍ … نَزْعَ الحَزَوَّرِ بالرُّشَاءِ المُحْصَد (٧) وَإِذَا يَعَضَّ تَشُدُّهُ أَعْضَاؤُهُ … عَضَّ الكَبِيرِ مِنَ الرِّجَالِ الأَدْرَد (٨) ومنهم: [٣] عَنْتَرةُ العَبْسِيُّ (٩) رجل ملاحم وبطل حرب، رو رمحه غير راحم شعره للشعري العبور مزاحم،

стр. 4520

وذكره يبطل به دعوى مدع ويفحم مفاحم، سوى أن في علو الرتبه نوافث كلمه، ونوافذ سنانه المخضب بدمه، كلاهما هو فيه مقدم لا يؤخّر، ومقدم إلى حيث يفخر. قال ابن سعيد: إن كانوا قد جعلوه في الكتاب المصنف في أشعار الجاهلية آخرًا فإنه متقدم بالنظر إلى معاني الغوص. قلت: وكما قال ابن سعيد لغوص لا يدرك قراره، ولا يدري عما تكشف بحاره. وهو ممن أُغري كثير من الناس بحبه، وأجري على حديثهم ذكر حربه، حتى صنفت له سيرة موضوعة تقرأ على العوام، ويدرأ بها لإفراط العصبية في بحور أقوام، حتى أنه طالما قُرئت في مجمع فقامت به ثوائر أهواء، وجرائر لأواء، فإذا كانت القراءة قد انتهت إلى ما فيه سرور لعنترة كالزواج بعبلة أو الظهور على عدو أو ماله به استظهار أو علوّ أولمت أهل العصبية له الولائم، وقدمت الكرائم، وأوقدت الشموع حتى تشق أردية الظلماء، وتشدّ أطناب شعاعها بأوتاد السماء، وربما وصل القارئ إلى بعض هذه الأماكن وأمسك ليستخرج خبّ جيوبهم، ويستدرج لجاج
следующие страницы →