وقوله (١)؛ وما أحسن منزعه، وأمكن في القلوب موقعه، لقد لطف فيه جدًا، لطف من هلك وجدًا: [من الطويل]
تَقُولُ وَقَدْ جَرَّدْتُها مِنْ ثِيابها … كَما رُعت مكحول المدامع أتلعا: (٢)
وَجَدِّكَ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولَهُ … سِوَاكَ، وَلَكِنْ لمَ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعا
ومنهم:
[٢] النابغة الذبياني (٣)
وهو من أترعهم تشبيهًا لا يخطي، وأسرعهم بديهًا لا يبطي، وكان منقطعًا إلى النعمان بن المنذر يفرده بمديحه، ويقصده غير مستميحه، إلا لولاء يتقرب بصحيحه، وثناء يتجنب بصريحه، فيعود من الحياء بربيحه، ومن الإباء بما يتخوف الأعداء مهاب ريحه، وبمدايحه ارتفع كعب النعمان وعلا، وجمع من ثمني الدر ما غلا، وكان أخلب من افترار الطعن في بوارقه، وافتتان النظر فيما يحير من مدامع الطل في خدود شقائقه. ومن مرقصاته قوله (٤): [من الطويل]
وذكره يبطل به دعوى مدع ويفحم مفاحم، سوى أن في علو الرتبه نوافث كلمه، ونوافذ سنانه المخضب بدمه، كلاهما هو فيه مقدم لا يؤخّر، ومقدم إلى حيث يفخر.
قال ابن سعيد: إن كانوا قد جعلوه في الكتاب المصنف في أشعار الجاهلية آخرًا فإنه متقدم بالنظر إلى معاني الغوص.
قلت: وكما قال ابن سعيد لغوص لا يدرك قراره، ولا يدري عما تكشف بحاره. وهو ممن أُغري كثير من الناس بحبه، وأجري على حديثهم ذكر حربه، حتى صنفت له سيرة موضوعة تقرأ على العوام، ويدرأ بها لإفراط العصبية في بحور أقوام، حتى أنه طالما قُرئت في مجمع فقامت به ثوائر أهواء، وجرائر لأواء، فإذا كانت القراءة قد انتهت إلى ما فيه سرور لعنترة كالزواج بعبلة أو الظهور على عدو أو ماله به استظهار أو علوّ أولمت أهل العصبية له الولائم، وقدمت الكرائم، وأوقدت الشموع حتى تشق أردية الظلماء، وتشدّ أطناب شعاعها بأوتاد السماء، وربما وصل القارئ إلى بعض هذه الأماكن وأمسك ليستخرج خبّ جيوبهم، ويستدرج لجاج
стр. 4521
مطلوبهم، فمن مقسم عليه أنه يقرّ أو حالف بالطلاق، وآخر مخرج له من جيبه ما يسره الإنفاق، وبالله أقسم لقد رأيت من هؤلاء من تتلظى حميته، وتتشطى إلى لائميه فيه رميته، ولا يمل البرّ والبادية فيه هوى لا يطاع فيه عاذل ولا يزاغ ناصره بخذلان خاذل، وكل هذا إنما قلناه عرضًا، وما نلنا به غرضًا، إذ المراد بنا ذكره في الشعراء، وشكره بكلم لو فاخرها الغريد لنبذ بالعراء. فمنه قوله (١): [من البسيط]
تَنْسى بَلائِي إذا ما غَارَةٌ لَقِحَتْ … تخرُجُ مِنْها الطُّوَالاتُ السَّرَاعِيفُ (٢)
قد أطعن الطعة النجلاء عن عُرْضِ … تَصْفَرُّ كَف أخيها وَهُوَ منزُوفٌ (٣)
ومنه قوله (٤): [من الطويل]
تصيحُ الرّدينياتُ في حَجَباتهم … صياحَ العَوَالي في الثقافِ المُثَقَّبِ (٥)
كتائب تُزْجِي فَوْقَ كُلِّ كَتِيبَةٍ … لِوَاءٌ كَظِلَّ الطائرِ المُتَقَلبِ (٦)
ومنه قوله (٧): [من الوافر]
وَهَلْ يَدْرِي جُرَيَّةُ أَنْ نَبْلي … يَكُونُ جَفيرها البَطَلُ النجيد (٨)
كأن رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بئرٍ … لها في كُلِّ مَدْلَجَةٍ خُدُودُ (٩)
ومنه قوله (١٠): [من المتقارب]
وَغَادَرْنَ نَضْلَةَ في مَعْرَكَ يَجُرّ … الأسِنَّةَ كالمُحْتَطِبْ (١١)
فَمَنْ يَكُ في قَتْلِهِ يَمْتَرِي … فإنّ أبا نَوْفَلٍ قَدْ شَجِبْ (١٢)
[٤] طرفة بن العبد (١)
مات وهو شاب ما طال عمره ولا طاب ثمره، ولا كان شبابه إلا ليلًا هوى قمره، وسيلًا ولى مسرعًا منهمره، وكان أثقب الكل فهمًا وأتعب قريحة لا تخطئ سهمًا، وله التشبيهات العقم الشافيات للبداية المعتلة من السقم. وقد ذكره ابن سعيد وقال: ورد له في شعره مرقص كدره استغلاق لغته، وهو قوله:
يشق حُباب الماء … .. البيت.
وهو من معلقته. وسأذكر المختار منها.
قال ابن سعيد (٢) عن البيت: «وهذا عندهم من التشبيه العقيم يصف السفينة في شقها البحر، وانقسام الموج عن جنبيها (٣)، والمفايل (٤) الملاعب بالتراب ليخبيء (٥) في أحد أقسامه ما يستخرجه صاحبه»، ثم قال: ومما يدخل في المطرب قوله: «فسقى ديارك … .» البيت الآتي ذكره وهو الثاني من هذين (٦): [من الكامل]
стр. 4526
إني حَمِدْتُكَ للعَشيرَةِ، إِذْ … جَاءَتْ إليكَ مُرِقةَ الْعَظم (١)
فَسَقَى بلادك غَيْرَ مُفْسِدِها … صَوبُ الْغَمَامِ وديمةٌ تَهْمي (٢)
ومنه قوله (٣): [من الكامل]
والستر دون الفاحشاتِ وما … يَلقاك دُونَ الخير بالشر (٤)
لو كُنْتَ مِنْ شيء سِوَى بَشَرٍ … كَنتَ المنور لَيلَةُ البَدْرِ
وقوله (٥): [من الطويل]
وأعلم علمًا ليس بالظَّنِّ أَنَّهُ … إِذا ذَلَّ مَولى المَرْءِ فَهُوَ ذَليلُ
وإن لسانَ المَرْءِ ما يكن لَهُ … حَصاةٌ، على عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلُ (٦)
ومنه قوله (٧): [من الرمل]
ثم راحوا عَبَقُ المِسكِ بِهِمْ … يُلحِفونَ الأَرضَ هُدَابَ الأَزْرْ (٨)
حِينَ قالَ النَّاسُ، في مجْلِسِهِمْ: … أَقتارٌ ذاك أم ريحُ قُطر (٩)
ولَقَدْ تَعْلَمُ يَكْرُ أنّنَا … آفَةُ الجُزْرِ، مَساميح، يُسر (١٠)
وَلَقَدْ تَعْلَمُ بَكْرٌ أنّنَا … فَاضِلُو الرأي، وفي الروع وقر (١١)
فُضُلَّ أَحْلامُهُمْ عَنْ جَارِهِمْ … رُحُبُ الأَدْرُع، بالخَيرِ أُمُرْ (١٢)
تُمْسِكُ الخيْلَ على مكروهها … حِينَ لا يُمْسِكُهَا إِلَّا الصُّبُرْ
حين نادي الحي، لما فزعوا … ودعا الداعي، وقد لج النُّعُرْ (١٣)
стр. 4527
أَيُّهَا الْفِتْيانُ فِي مَجْلِسِنَا … جَرِّدوا مِنْها ورادًا وَشُقُر (١)
أعوجِيَّاتٍ، طوالًا، شُرَّبا … دُوخِلَ الصّنْعَةُ فيها والضُّمُر (٢)
مِنْ يُعابِيبَ ذُكُورٍ، وقح … وهِضَبَّاتٍ، إِذَا ابْتَلَّ الْعُذُر (٣)
حافلات، فَوْقَ عُوج عُجُلِّ … رُكَبَتْ فيها مَلاطِيسُ سُمُر (٤)
وَأَنافتْ بِهَوَادٍ تُلُعٌ … كَجُذُوع شُذِّبَتْ عنها الْقُشُرُ (٥)
كُنْتُ فِيكُمْ كَالْمُغَطّي رأسَهُ … فَانجَلَّى الْيَوْمَ قِناعي وَخُمُرْ
ومنه في معلقته (٦)، الثاني هو الذي ذكره ابن سعيد (٧): [من الطويل]
كأنّ حدوج المالكية غُدْوةً … خلايا سفين بالنواصف من دَدِ (٨)
يشقُّ حَبَابَ الماءِ حَيْزُومُها بها … كما قسَمَ التَّرْبَ المُفايِلُ باليد (٩)
وفي الحَيِّ أحوى ينفض المَرْدَ شادنٌ … مُظاهِرُ سِمْطَيْ لؤلؤ وَزَبَرْجَدِ (١٠)
وتبسم عن ألمى كأنّ مُنوّرًا … تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّملِ دِعْصٌ لَه نَدِي (١١)
ووجه كأن الشمس حلَّت رداءها … عليه، نقي اللون لم يتخدّد (١٢)
стр. 4528
ومنها قوله في تشبيه الناقة:
كقنطرة الرومي أقسم ربها … لتكتنفَن حتى تُشادَ بقَرْمَدِ (١)
وإن شئتُ لم تُرقِل وإن شئتُ أرقلتْ … مخافةَ مَلوي من القد محصد (٢)
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي … ألا ليتني أُفديك منها وأفتدي (٣)
ومنها قوله وقد تصرف ﷻ في ضروب القول:
إذا القوم قالوا: «من فتى؟» خِلْتُ أنني … عُنيتُ، فلم أكسل ولم أتبلد (٤)
متى تأتني أُصْبِحْكَ كأسًا رويةً … وإن كنتَ عنها ذا غنى فاغن وأزدد (٥)
وإن يلتق الحي الجميعُ تُلاقني … إلى ذِرْوَةِ البيت الشريف المصمد (٦)
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى … وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي (٧)
فإن كنتَ لا تستطيع دفع منيَّتي … فدعني أبادرها بما ملكت يدي (٨)
كرم يُروي نفسه في حياته … ستعلم إن مُتنا غدًا أينا الصدي (٩)
إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني … منيعًا إذا بَلَّتْ بقائمه يدي (١٠)
ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّد
لَعَمْرك ما الأيام إلا معارة … فما اسطعت من معروفها فتزود (١١)
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فإنَّ القرين بالمقارن يقتدي (١٢)
ومنهم:
стр. 4529
[٥] زهير بن أبي سلمى (١)
وبه يضرب المثل في التنقيح فيقال حوليات زهير.
يقال: إنه كان يعمل القصيدة في ليلة ثم يبقى حولًا ينقحها ولا يقول قولًا يعول به في درة تلقحها حتى تبرز مهذبة الكلمات، مذهبة الملابس المعلمات، لا ينسج مثلها ناسج، ولا ينهج طريقها ناهج، كأنها زبر مطبوعة، وزهر في أفق مجموعة، رقت معاطف ألفاظها، ودقت لفتات ألحاظها، وأتت بما يرفع له العنان والزمام، ويسمع منه زئير الأسد … الحمام. فمنها قوله (٢): [من الطويل]
وكنتُ إذا ما جئتُ يَوْمًا لحاجَةٍ … مضَتْ وأجَمِّتْ حاجة الغد ما تخلو (٣)
стр. 4530
وكُلُّ مُحِبٌ أَحْدَثَ النَّايُّ عِندَهُ … سُلُوَّ فُؤَادٍ غَيْرَ حُبّك ما يَسلُو (١)
ومنها قوله:
وخيلٍ عَلَيْهَا جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ … جَديرُونَ يَوْمًا أَنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا (٢)
عَلَيْهَا أُسُودٌ صَارِياتٌ لَبُوسُهُمْ … سَوابِعُ بِيضٌ لا تُخَرِّقُهَا النَّبْلُ (٣)
قُضاعِيّةٌ أَوْ أُخْتُها مُضَرِيّةٌ … يُحَرَّقُ في حافاتها الحَطَبُ الجَزْلُ (٤)
على مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعتريهم … وعندَ المُقِلِّينَ السَّماحة والبَذْلُ (٥)
وإنْ جِئْتَهُمْ أَلفَيتَ حَوْلَ بيوتهم … مجالس قد يُشفى بأحلامها الجَهلُ (٦)
فما يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا … تَوَارَثَهُمْ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
وهَلْ يُنْبِتُ الخطي إلا وَشِيجُهُ … وتُعْرَسُ، إلا في منَابِتِها، النَّخْلُ (٧)
ومنه قوله (٨): [من الطويل]
وأبيض فياض يَداهُ غَمَامَةٌ … على مُعْتَفِيهِ مَا تُغِبٌ فَوَاضِلُه (٩)
تَرَاهُ إذا ما جِئْتَهُ مُتَهَلّلًا … كأنّكَ تُعطيه الذي أنت سائلة (١٠)
ومنه قوله (١١): [من البسيط]
стр. 4531
إِنْ تَلْقَ يَوْمًا على عِلاتِهِ هَرِمًا … تَلْقَ السّماحَةَ منه والنَّدَى خُلُقًا (١)
لو نالَ حَيَّ من الدنيا بمنَزَلَةٍ … أُفق السّماءِ لَنالَتْ كَفُّه الأفقا
ومنه قوله (٢) يصف فرسًا له: [من البسيط]
وصاحبي وَرْدَةٌ نَهْدٌ مَرَاكِلُها … جَرْداءُ لا فَحَجِّ فيها وَلا صَكَكُ (٣)
كأَنها مِنْ قَطَا الأجبابِ حَلاهَا … وِرْدٌ وَأَفْرَدَ عَنْهَا أُخْتَهَا الشَّرَكُ (٤)
ومنه قوله (٥) وقد أنشد ابن سعيد البيتين الأولين، وقال فيهما: واستحسنوا قوله في التشبيه: [من الطويل]
كأن فُتَاتَ العِهْنِ في كلِّ مَنزِلٍ … نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنَا لم يُحَطَّم (٦)
بكَرْنَ بكورًا واستَحَرْنَ بِسُحِرَةٍ … فَهُنَّ وَوَادي الرّس كاليد للفم (٧)
لدى أسد شاكي السلاح مُقَدِّفٍ … لَهُ لِبَدٌ أَظْفارُهُ لم تُقَلَّمَ (٨)
ومَن يَعصِ أطراف الرِّجَاجِ فإنّهُ … يُطيع العوالي رُكَّبَتْ كلَّ لَهَذَم (٩)
رَأيتُ المَنَايَا خَبطَ عَشواءَ مَنْ تُصِبْ … تُمِتْهُ وَمَنْ تُخطى يُعمَّرْ فَيَهْرَم (١٠)
ومنهم:
стр. 4532
[٦] علقمة (١)
إلا أن شعره حلو لمن استطعمه، صفو لمن ترشف دِيَمَه، على أن معاني العوض في شعره معدومة، إلا في مواضع معلومة، وإنما هو صاحب ديباجة لا يرقم نظيرها، ولا يسهم معها من حلل الرياض نصيرها.
قال ابن سعيد: «وأقرب ما وقع له» (٢) قوله:
«أوردتها وصدور العيس … .» البيت الآتي ذكره، ثم ذكر له بعده بيتين اقتدحهما فكره، وهذا البيت من قصيدة المختار منها قوله (٣): [من البسيط]
ساروا جميعًا وقد طال الوجيف بهم … حتى بدا واضح الأقراب مشهور (٤)
أوردتها وصدور العِيس مِسنَفةٌ … والصبحُ بالكوكب الدري منحورُ (٥)
تباشروا بعدما طال المسير بهم … بالفجرِ لما بدت منه تباشير
بدت سوابق من أولاه نعرفها … وكبره في سواد الليل مستور
وأما ما قاله ابن سعيد (٦) في معنى البيت الثاني:
стр. 4533
«أوردتها وصدور العيس … » فهو: [من البسيط]
كم زرته ورواق الليل منسدل … مُسَهَّم راق إعجابًا بأنجمه
وأبتُ والصبح منحور بِكَوكبه … وسائل الشَّفَقِ المُحْمَّرِ مِنْ دَمِهِ
ومما يختار لزهير قوله (١)، والأول منهما أورده ابن سعيد (٢) [من البسيط]:
يَحْمِلْنَ أَتْرُجَّةً نَضْخُ العَبيرِ بها … كأَنَّ تَطْيَابهَا في الأنفِ مَشموم (٣)
كأَنَّ فَارةَ مِسكِ في مَفَارِقِها … للنَّاشِطِ المتعاطي وهُوَ مَرْكُومُ (٤)
ومنها قوله: [من البسيط]
قد أشهَدُ الشَّرْبَ فيه مزهر رنم … والقومُ تَصرعُهُم صهباء خُرطُومُ (٥)
كأس عزيز من الأعنابِ عتَّقَهَا … لبعض أحيانها حانِيَّةٌ حُومُ (٦)
تشفي الصداع ولا يؤذيك صالبُها … ولا يُخالطها في الرأس تدويم (٧)
عانية قرقف لمْ تُطَّلَعْ سَنَةً … يحثُها مُدمَج بالطين مختوم (٨)
стр. 4534
كأنَّ إِبريقهم ظَبْيٌ على شَرفٍ … مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ (١)
ومنها قوله: [من الطويل]
فقلتُ ألا قد كان صيدٌ لِقانِصٍ … فخبُّوا علينا فضلَ بُردٍ مُطَبَّب (٢)
فظلَّ الأكُفُّ يختلفْنَ بحانذٍ … إلى جُؤجُؤٍ مثلَ المِداكِ المُخَضَّب (٣)
كأنَّ عُيون الوَحْشِ حولَ خبائنا … وأرْحُلَنا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّب (٤)
ومنهم:
[٧] عمرو بن كلثوم (٥)
لم يذكر في الأشعار الستة، وهو نظير شعرائها، وحقه أن يعد معهم، ويعدل به
стр. 4535
من صنف مجمعهم، وله المعلقة الفائقة، المعللة بصهبائها الرائقة، لم تصد أم عمرو وكاسه، ولم ترد عن ورده جلاسه، إذ هبت … فأصبحت وأذهبت بسائل ذهبها وحامل حبها الكوس وشحت ولم تبق خمور الأندرين،، ولم تسق نور الحميا لكل الواردين، فجاءت ولم تخش قول اللائمين، وأجرت دورها يسارًا وكان الكأس مجراها اليمين، وهي المنصفة فيما ذكرت من مقاسمة الحتوف ومساهمة مخاريق السيوف، وما شبهت به ثياب الفريقين لما طليت من الدماء كالأرجوان، وظهرت في مصبغات الألوان، ومنها قوله (١) [من الوافر]:
مُشَعْشَعَةٌ كأَنَّ الحُصَّ فيها … إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا (٢)
تَجُورُ بِذي اللُّبانَةِ عَنْ هَواهُ … إذا ما ذاقها حتَّى يَلينا (٣)
صددت الكأس عنا أمَّ عَمرو … وكان الكأس مجراها اليمينا
أبا هند فلا تَعْجَلْ َعلَينا … وانظرنا نُخبِّرْكَ اليَقِينا (٤)
بأنَّا نُورِدُ الرَّايَاتِ بِيضًا … ونُصْدِرُهُنَّ حُمْرًا قَدْ رَوِينا (٥)
ومنها:
تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ … مُقلّدةً أعِنَّتَها صُفُونا (٦)
إذا وضِعَتْ عَنِ الأبطالِ يومًا … رأيتَ لَها جُلُودَ القَوْم جُونا (١)
كأَنَّ غُضونَهُنَّ مُتونُ غُدْرٍ … تُصَفِّقُها الرِّياحُ إذا جُرَيْنا (٢)
ومنهم:
[٨] أعشى بكر (٣)
ممن شغل بالخمر وكلف بها، وعرف بشربها، وجلا كؤوسها المشعشعة واختلى عروسها الممنعة، ووصف أوقات الاصطباح والغبوق والإشراق والشروق، وما يضاحكه الحباب من الثغور، ويولفه المزاج من النار والنور، فجاء ديوانه حانة مدام صفقت أباريقه، وشُنِّفَتْ بالمناديل كؤوس سقى بها رحيقه.
стр. 4538
وحكي أن رجلًا عرض للقاضي يحيى بن أكثم في مجلس المأمون يتعبث به وقد تكلم ابن أكثم في شيء من الطب، فقال له: أيها القاضي بم يتداوى المخمور؟ فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) وقد قال: «استعينوا على [كل] صنعة بصالح أهلها» (٢) وصالح هذه الصنعة في الجاهلية الأعشى وقد قال (٣): [من المتقارب]
وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ … وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا
وفي الإسلام أبو نؤاس وقد قال (٤): [من البسيط]
دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فَإِنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ … وداوني بالتي كانت هي الداءُ
قلت: وفي هذا بيان واضح في تقدمه في صفات الخمر.
وقال ابن سعيد: «أكثر ما وقفت عليه من أوصافه الخمرية التي اشتهر بها أعرابية جافية يخرجها جفاء نمطها عن المرقص وإن كانت حسنة التشبيه وأقرب ماله من ذلك قوله (٥) [من الطويل]:
تُرِيكَ الْقَذَى مِنْ دُونِها وهي دونه … إذا ذَاقَهَا مَنْ ذَاقَهَا يَتَمَطَّقُ (٦)
وقوله (٧) [من الرمل]:
وَتَرَى الزِّقَّ لَدَيْنَا مُتْرَعا … حَبَشِيًّا كُبَّ عَمْدًا فانبطح
وقوله من مطرباته (٨) [من المنسرح]:
والشَّعْرُ يَسْتَنْزِلُ الكَرِيمَ كَمَا … يُنْزِلُ رَعْدُ السَّحَابَةِ السَّبَلا (٩)
وقوله من مرقصاته (١٠) [من البسيط]:
стр. 4539
غَرَاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُها … تَمْشِي الهوينا كما يَمْشِي الوَجي الوَحِلُ (١)
كَأَنَّ مِيْتَهَا مِنْ بَيْتِ جارَتِهَا … مَرُّ السَّحَابَةِ، لا رَيْتٌ وَلا عَجَلُ
ومنها قوله:
ألَسْتَ مُنْتَهِيًا عَنْ نَحْتِ أَيْلَتِنَا … وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الإِبلُ
كَناطح صَحْرَةً يَوْمًا لِيَفْلِقَهَا … فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ
وقوله من مطرباته (٢) [من الطويل]:
وَإِنَّ عِنَاقَ الخَيلِ سَوْفَ تَزُورُكُم … ثَنَاءٌ، عَلى أَعْجَازِهِنّ، مُعَلَّقُ
به تُنْفَضُ الأحلاس في كلّ مَنزِلٍ … وَتُعقَدُ أَطرَافُ الحِبالِ، وَتُطْلَقُ (٣)
لعمري، لقد لاحتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ … إِلى ضَوْءِ نَارٍ باليَفَاعِ تُحَرَّقُ (٤)
تُشَبِّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا … وَبَاتَ عَلى النَّارِ النَّدَى وَالمُحَلَّقُ
رَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أَمْ تَحالَفَا … بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرِّقُ (٥)
ترى الجُودَ يَجرِي ظاهرًا فوْقَ وَجهه … كَمَا زَانَ مَتّنَ الهِندُوَانِي رَوْنَقُ
قال ابن سعيد: وهذا البيت الأخير لاحق بالمرقصات وما جرى هذا المجرى وهو واقع في شعر العرب فإنه مرقص.
ومنهم:
[٩] الحارث بن حلزة (٦)
صاحب المعلقة التي أولها:
«آذنتنا ببينها أسماء»
стр. 4540
وهي المعلقة قرطًا بكل مسمع، وسمطًا في جيد كل مجمع، الطالعة أضوأ من الشموس في كل مطلع، وأهنأ من الكؤوس في كل مكرع، المقررة لناظمها فخرًا عليه ولا يشقي وليه، بحر لا يؤخذ له عمق، وبر لا يعرف له طرق، يشهد رفع هذه القصيدة له بالارتفاع، ومدها له بأنه ممتدّ الباع، قد تعنت بعدها القرائح وما أضاء لها شعاع، وتغنَّتْ على ألفاتها المائلة كالغصون حمائم الهمز إلا أنها قواف لا أسجاع. والمختار له منها قوله (١) [من الخفيف]:
وَثَمَانُونَ مِنْ تَمِيمٍ بأَيْدِ … يَهُمْ رِمَاحٌ صُدُورُهُنَّ القَضَاءُ (٢)
ثُمَّ فاؤوا مِنْهُمْ بِقَاصِمَةِ الظَّهْـ … ـر ولا يَبْردُ الغَلِيلَ الماءُ (٣)
فجبناهُمُ بِطَعْنٍ كَما تُنْهَزُ … في جَمَّةِ الطَّوِيِّ الدِّلاءُ (٤)
وفَككنا غُلَّ امْرِيءِ القَيْسِ عَنْهُ … بَعْدَما طالَ حَبْسُهُ والعَنَاءُ (٥)
стр. 4541
وأقَدْنَاهُ رَبَّ غَسَّانَ بالمُنْذِرِ … كَرْهًا وما تُكال الدماء (١)
ومنهم:
[١٠] أعشى باهلة (٢)
أعيا من نائلة، وأحيا بحياضه المتدفقة ناهلة، ما العجب أن يكون من باهلة بها من نسب إلى قبيلتها، أو استضاء بضوء الصباح بفتيلتها، وهو مع سقوط ذلك النسب الباهلي، وهبوط ذلك الجد السفلي، نبيه الصيت بشعره الطائر، وذكره السائر، ولم أر الرواية عنه وسيعة، ولا النهاية منه في الدرجة الرفيعة، وإنما اسم الأدب نبهه، وقدم العصر شبهه، ومن المختار له قوله: [من البسيط]
إِنْ تقتلُوهُ فَقَدْ أَشجاكمُ زَمنًَا … كذلك الرُّمْحِ ذو النَّصْلَيْنِ يَنكَسِرُ
لا يأمن القومُ مَمْسَاهُ ومصبَحُه … من كلِّ أوب وإن لم يُغزَ يَنتظِرُ
وهذان البيتان ذكرهما ابن سعيد (٣) وأنشدهما في المرقص له، أجمل فيه القول وفصله، وهو حق ما تقوله، وصدق ما تأوّله، ألا ترى حسن هذا التمثيل في البيت الأول وهو النصف الثاني منه بعد قوله في النصف الأول: «إن تقتلوه فقد أسجاكم زمنًا» إذ قال إنه «أسجاكم» ثم قال: «وكذلك الرمح» وهذا من شأن الرمح، فكأنه هو حقيقة الرمح، وهذا تمثيل أبين من فلق الصبح.
ومنهم:
стр. 4542
[١١] قيس بن الخطيم (١)
صاحب غوص لا يقوم دره اليتيم، ولا تقوّض سرادق سحابه العميم، تلطف حتى كأنه مولد، وتعطف كأنه غصن أملد، سما سهل مذهبه ونهل مشربه، وجهل كيف رق وقد أوتد بالبيداء طنبه، وشدّ على غارز الرحل قتبه، ما قيس به فيمن سمي قيس، ولا قيل إنه سما إلى مماثلته في كيس وعرف بعفاف يشهد به عبق ورده، وارق جفنه الرقيب على شهده، ومن شعره قوله (٢) [من الطويل]:
تَبَدَّتْ لَنا كالشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ … بَدا حاجِبٌ مِنْهَا وضَنَّتْ لِحاجِبِ (٣)
وقوله (٤): [من الكامل]
إني شَرَبتِ وكنت غير شَروبِ … وتُقَرِّبُ الأحلام غير قريب (٥)
ما تَمْنَعي يقظى وقد نَوَّلَتِهِ … في النوم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوب (٦)
كان المني بلقائها فلفيتها … فلهوتُ من لهو امرئ مكذوب
فرأيتُ مثل الشمس عند طلوعِها … في الحُسْنِ أو كدنوها لغروب (٧)
والمرأة الرقيقة اللون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة، وبالعشي يضرب إلى الصفرة.
* * *
стр. 4543
المحضرمون
стр. 4544
المخضرمون
ومنهم:
[١٢] حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ (١)
صاحب رسول الله ﷺ وشاعره المنافح عنه، المؤيد بروح القدس، الناضح بسهامه لقريش الحمس، المستل للنسب الشريف منهم سلّ الشعرة من العجين، المستن استنان الجواد المقرف من الهجين، وقد تقدمت له في صدر السيرة النبوية أشعار علقت في تلك السماء مصابيحها، وغلقت بعدها أبواب الفخار وضاعت مفاتيحها، إذ هو المناضل عن النبوة لأسنّة تلك الألسنة، والمناظر عن الرسالة بتلك الدلالات البينة،
وَقَدْ غَدَوْتُ عَلَى الحَانُوتِ يَصْبَحُنِي … مِنْ عَاتِقٍ مِثْلِ عَيْنِ الدِّيكِ شَعْشَاعِ (١)
إِذَا نَشَاءُ دَعَوْنَاهُ فَصَبَّ لَنَا … مِنْ فَرْغَ مُنْتَفِجِ الْحَيْزُومِ رِكَاعَ (٢)
لَقَدْ غَدَوْتُ أَمَامَ الْقَوْمِ مُنْتَطِقًا … بِصَارِمٍ مِثْلِ لَوْنِ المِلْحِ قَطَّاعِ (٣)
وقوله (٤) يمدح عبد الله بن عباس ﵃: [من الطويل]
إِذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ … بِمُلْتَقَطَاتٍ لَا تَرَى بَيْنَهَا فَضْلا (٥)
كَفَى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَدَعْ … لِذِي إِرْبَةٍ فِي الْقَوْلِ جِدًا وَلَا هَزْلَا (٦)
سَمَوْتَ إِلَى الْعَلْيا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ … فَنِلْتَ ذُرَاهَا لا دَنِيًّا وَلَا وَغْلا (٧)
ومنه قوله (٨): [من البسيط]
أَصُونُ عِرْضِي بَمالي لا أدَنِّسُهُ … لا بَارَكَ اللهُ بَعْدَ الْعِرْضِ في المال
أَحْتَالُ لِلْمَالِ إِنْ أَوْدَى فَأَجْمَعُهُ … وَلَسْتُ لِلْعِرْضِ إِنْ أَوْدَى بُمَحْتَالِ (٩)
ومنهم:
[١٣] لبيد بن ربيعة العامري (١٠)
وهو معدود من شعراء النبي ﷺ ، وممن سرح في ذلك المرقع وسوم، حوى
стр. 4549
شرف الخصال جاهلية وإسلامًا، وحمى شرر النصال ثم بذلها وقد بدلها كلاما، كان في كل منهما سيدًا مسوّدًا، ومشيد البناء فحار لا يدع سؤددًا. أما في الجاهلية فقد كان نذر أن لا تهب الصبا إلا ينحر الجزر فكان ينحرها كلما هبت وينتظرها مما أعبت، حتى كان رجال من سروات قومه كلما تنسمت ريحها، وتنفست مهابها وأن تسريحها، يقول للقومة على أموالها: اذهبوا بهذه الإبل إلى لبيد يستعين بها على مروءته فكان هذا شأنه، وعلى هذا انقضى زمانه، وكان في الشعر بحرًا لا يُغترف إلا من آذيه، ولا يعرف إلا بحسنه لا بزيه. لا تعد له منه هنات، ولا تمد أيدي الحفظة له إلا إلى تسطر حسنات، ثم أكرمه الله بالإسلام، وعُمِّر إلى زمان عمر بسلام وكان عمر ﵁ يعرف له حقه ويكرمه ويحترمه ولا يحرمه، ولما بعث يسأل الشعراء عما أحدثوا من الشعر لم يجده قد قال إلا: [من البسيط]
الحمد لله إذا ما جاءني أجلي … حتى اكتسيتُ من الإسلام سربالا
وقال له يومًا: ما أحدثت من الشعر؟ فقال: لقد عوضني الله عنه بسورة البقرة وسورة آل عمران، وحسبه بهذا عوضًا، وكفاه منه بمكنوز يدع الجوهر غرضًا.
وله القصيدة المعلقة الفريدة التي تنكس لها النجوم مطرقة، الميمية التي كأنما ميماتها شرر، أو مباسم غيد تجل عن التشبيه بالدور، أو غرر تعجب من نظر، أو صرر ضمنت من البياض ما تضمنه بياض العين من سواد النظر، والمختار له منها قوله (١): [من الكامل]
стр. 4550
وجَلا السيول عن الطُّلُولِ كأنّها … زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أقلامها (١)
أوْ رَجْعُ واشِمَةٍ أُسِفَ نَؤورُهَا … كِفَفًا تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُها (٢)
فوقفت أسألُهَا، وكيفَ سُؤالُنَا … صُمًّا خَوالد ما يُبِينَ كَلامُهَا (٣)
ومنها قوله يصف ناقة:
وإذا تغالى لَحْمُهَا َوتَحَسَّرَتْ … وَتَقَطَّعَتْ بعد الكَلالِ خِدَامُهَا (٤)
فلها هِبَابٌ في الزمام كأنَّها … صهباء خَفَّ مع الجنوبِ جَهَامُها (٥)
يَعْلُو طريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ … في ليلةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (٦)
وغداة ريح قد صرفت وَقَرَّةٍ … إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زمامُها (٧)
ومنه قوله (٨) [من الكامل]:
إِنَّ الرَّزِيَّةَ لا رَزِيَّةَ مِثْلُهَا … فِقدانُ كل أخ كضوء الكوكب
ذَهَبَ الَّذينَ يُعاشُ في أكنافهم … وبَقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجرَبِ (٩)
стр. 4551
ومنه قوله (١) [من الطويل]:
وَمَا المَرْءُ إلا كالشُّهَابِ وضَوْئِهِ … يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ (٢)
وَمَا المَالُ والأَهْلُونَ إِلَّا وَدِيعَةٌ … وَلا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ
أَلَيْسَ وَرائي، إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتي … لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصابع (٣)
أُخَبِّرُ أخبار القُرُونِ التي انقضت … أدِبُّ كأنّي كُلَّما قُمتُ راكِعُ (٤)
فأَصْبَحْتُ مثلَ السَّيفِ أخلق جَفْنَهُ … تَقَادُمُ عَهْدِ القَينِ والنَّصْلُ قاطع (٥)
ومنهم:
[١٤] النابغة الجعدي (٦)
وهو من شعراء النبي ﷺ ، ومن شعره الخبي المقسم والجني الضاحك وما
стр. 4552
تبسم، وله من المعاني العقم ما عجزت قبل أوانه القرائح، فأصبحت لمثله غير ولود، ووقفت دون مكانه كأنما أظلتها عقبة كؤود ومنها قوله (١): [من الطويل]
كُلَيْبُ لَعَمْرِي كَانَ أَكْثَرَ نَاصِرًا … وأيَسَرَ جُرْمًا مِنْكَ ضُرِّجَ بالدَّم (٢)
رَمَى ضَرْعَ نَابِ فَاسْتَقلَّ بطعنة … كحاشية البرد اليماني المُسْهَم (٣)
ومنه قوله (٤): [من المتقارب]
كأن تماثيلَ أَرْسَاغِهِ … رِقَابُ وعولٍ لَدَى مَشْرَب (٥)
ومنهم:
[١٥] الحطيئة، جرول (٦)
أسلم وعنده بقية من جاهلية، وحمية آلى عليها إلية، فما سلم المسلمون من
стр. 4553
لسانه، ولا غنم فرصة أولاها من إحسانه، هجا حتى نفسه هجوًا مقذعًا، وهاج يتخذ كل عرض مرتعًا، وكان شديد الغيرة على بنات كنّ له وكان بهن قريحًا، يتوهم من كل ما تخيله وإن لم يكن صحيحًا، ويتلوّم من كل ما نازله وإن لم ير قبيحًا. واشترى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ منه أعراض الناس بمال بذله له من بيت المال، وحبسه حتى تاب وما أقلع عن سيئات الأعمال. وكان لإفراط غيرته يطوف الأحياء، ويطول لسانه على من جاوره ولا يعرف الحياء، ثم أوصى عند موته بتلك الوصية التي جاهر فيها بمخالفة الإسلام، ومخالسة الحق باختتال الكلام، ثم أمر بأن يركب حمارًا ويقاد به حتى مات وهو راكبه على تلك الميتة القبيحة، ومال فما استوطن بعد كاهله إلا ضريحه.
ومن شعره المختار قوله (١) وتصرف في الوصف والتشبيه [من الطويل]:
وأرض تَرَى فَرْخ الحبارى كأنّهُ … بِهَا رَاكِبٌ موفٍ على ظَهْر قَرْدَدِ (٢)
وأدماء حرجوح تعاللتُ مَوْهِنًا … بسوطي فأرمدت ببيداء فَلْفَدِ (٣)
تُلاعِب أثناء الزمام وتتقي … عُلالَةَ مَلْوِيٌّ مِنَ القِدْ مُحصَدِ (٤)
تَرَى بَينَ لَحْيَيْها إذا ما تَزَغْمَتْ … لُغامًا كبيَتِ العَنكَبوتِ المُمَدَّدِ (٥)