← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

هرمز، والطيب (١)، وما سامت ذلك من بلاد العراق وبلاد أرجان. وقطعة من بلاد أرجان في غاية الطيب من حساب قومس وهي ذات زرع وخصب ونخيل وكروم وفواكه عامة وجوز وزيتون، ويعصر بها الزيت ولكنه قليل. وهي تأخذ على جنوب أرجان مما يلي خوزستان على نهر طاب (٢) قنطرة ينسب إلى الديلمي - طبيب الحجاج - وهي طاق واحدة سعة ما بين عموديها على وجه الأرض ثمانون خطوة وارتفاعها ما يحمل ذلك. ثم يأخذ من بلاد فارس ومنها شيراز (٣) وهي قاعدة ملك تنسب في أوّل الإسلام، وهي مدينة جليلة المقدار، حسنة النواحي، طولها نحو ثلاثة أميال في عرض مثلها، لا سور لها، بناؤها بالحجارة والجص والطين، وشرب أهلها من الآبار، وأهلها مياسير. ومدينة أصطخر (٤) وهي مدينة كبيرة جليلة أقدم مدن فارس، يقال: إنها بناء سليمان بن داود ﵉ وقد تقدم ذكرها. وهي ذات أسواق كبيرة ومتاجرة وافرة، وعليها نهر جار، وهواؤها فاسد وخيم وبها تفاح عجيب يكون التفاحة الواحدة نصفها حلو صادق الحلاوة، ونصفها حامض صادق الحموضة. ومدينة جور (٥) تقارب اصطخر في مقدارها، ولها سور من طين، ووراءه خندق. ومدينة سابور ودارا بجرد (٦) بناها سابور الملك ولها سور على جميعه خندق يتصل إليه مياه سقيها، وتنبع به عيون فيوجد به سمك (٧) لا شوك فيه ولا عظيم ولا له فقار، ولا عليه فلوس - وهو من ألذ السمك طعمًا - وهي طيبة الهواء كثيرة البساتين والجنات عذقة الفواكه، نزهة من جميع جهاتها يسير السائر بها بين قصور عالية

стр. 457

ومتنزهات مستقرة، ومنها تجلب المومياء إلى الآفاق وهو بغار في جبل ببعض بلادها. وجور (١) وهي مدينة عليها سور وخندق وبها يستخرج ماء الورد وإليها ينسب الورد الجوري. ومدينة فسا (٢) وهي واسعة الشوارع، شامخة البناء، وخشبها كثير وغالبها الصنوبر، وهي عامرة بالناس ولأهلها يسار. ومدينة كازرون (٣) وهي مدينة حسنة لها سور وحصن وقلعة في داخلها، وبها أسواق ومتاجر وصناعات، ولها فواكه عامة كثيرة. وعمل الورستان (٤) وبها خلق كثير وفواكه كثيرة ونعم، والرابحان (٥)، الشاهجان (٦)، وانبوران (٧)، والشادرون (٨)، وخمايجان (٩) العليا والسفلى، وتيرمردان (١٠). وكل هذه حصون ورساتيق، إن لم تكن مدنًا لكنها ذوات أعمال وزراع وعمال. ومدينة سيراف (١١) وهي على ساحل البحر الفارسي، وهي مدينة كبيرة، وبها تجار مياسير، ولأهلها ولع بكسبه واستجلابه، وهم أكثر عباد الله تغربًا في الآفاق حتى إنَّ الرجل منهم ليتغرب عشرين سنة ولا يكترث بمن خلفه وهي فرضة فارس ومبانيها بالسّاج وهي طبقات مشتبكة البناء، كثيرة الأهل، ولأهلها همم في العمارة الجليلة

стр. 458

بضروب التحصين والتحسين، ومياههم وفواكههم تصل إليهم من جبل مشرف عليهم مطلّ على البحر، وهي شديدة الحر، ولها مدن وأعمال. ومدينة ريشهر (١) وهي صغيرة عامرة ذات أعمال، ويصنع (٢) به ثياب كتان فاخرة، وكتانها هو المعروف بالسينيزي (٣) وهو من مدينة سينيز من أعمال ريشهر (٤). قال الشريف (٥): المجمع عليه بالقول العام أنه ليس بجميع أقطار الأرض كتان يعدله ولا يقارنه قوة ولينًا. وبلاد كرمان ومن مدنها أنار (٦)، والسيرجان (٧) ونرماشير (٨)، وجيرفت (٩)، يقال: إن هرمز (١٠) كانت معدودة من بلادها، وهي الآن خارجة عنها بالاضافة داخلة معها في موقع الإقليم. وبلاد كرمان دار ملك جليل وأعمال ورزقها جزيل، وتنسب إليها الوخامة؛ وهي من أبواب الهند، وتتصل ببلاد فارس وكرمان من جانب المفازة العظمى التي ليس في معمور الأرض مثلها، وهي من أقلّ المفاوز سكانًا؛ لأن مفاوز البادية فيها أحياء العرب والمراعي، وليس في هذه المفازة غير أعلام الطريق وما يعرض في أطراف طرقها من المنازل والرباطات الموقوفة على سابلة الطريق. وهي أكثر (١١) المفاوز لصوصًا وفسادًا؛ لأنها ليست في حيّز إقليم بعينه فيكون دركها على أهل ذلك الإقليم؛ لأنها مبعضة فبعضها من خراسان، وبعضها من سبحستان، وبعضها من كرمان، وبعضها من فارس أصبهان والري، وبعضها من قم وقاشان، فيقطع قاطع الطريق الطريق في عمل، ثم يخليه ويروح إلى العمل الآخر فلا يقدر عليه.

стр. 459

وهذه المفازة لا تسلك بالخيل ولا بالجمال (١)، وإنما تقطع بالإبل المخفة على طريق معلومة ومياه معلومة من جاورها هلك. والقطاع تأوي إلى جبل به اسمه كركس (٢) ليس بالكبير ولا بالطويل منقطع عن الجبال، والمفازة محيطة به، وبالجبل ماء يسمى آب بيده (٣)، وهو جبل موحش لا يكاد يظهر من توارى فيه. وليس في هذه المفازة قرية ولا مدينة سوى سبيج (٤)، وهي من عمل كرمان في المفازة على طريق سجستان. وفي المفازة على طريق أصبهان موضع يعرف بالجرمق، وهو ثلاث قرى ويحيط بها المفازة (٥) الطريق (٦) المعروفة من هذه المفازة طريق أصفهان إلى الري وهو أقربها، فمن الري إلى دره (٧) مدينة فيها منبر ولها ماء جار في نهر صغير على مرحلة، وبين درّة ودير الجص (٨) رباط من جص وآجر يسكنه بَذْرَقَةُ السلطان؛ وهو منزل ليس به زرع ولا شجر، فيه بئر مالحة الماء غير شروب، وماؤهم من المطر يُدَّخَر في مأجنين خارجين (٩) من هذا الدير، والمفازة تحيط به، وبين دير الجص إلى كاج مرحلة. وكاج كانت (١٠) قرية فخربت وماؤها من الأمطار في مآجن وآبارها مالحة، ومن

стр. 460

كاج إلى قم مرحلة، ومن قم إلى قرية المجوس - وبها مجوس يسكنونها ولا يخالطهم غيرهم - مرحلة. ومنها إلى قاسان (١) مرحلة في عمارة على جنب المفازة. ومن قاسان إلى حصن يعرف بدزه (٢) مرحلتان؛ وهو حصن لأهله به زرع، ومن دره إلى رباط [أبي] (٣) علي بن رستم مرحلة كبيرة، وبه ماء جار من قرية بالقرب منه إلى حوض في الرباط، ومن هذا الرباط إلى دانجي مرحلة، ومن دانجي - وهي قرية عامرة - إلى أصفهان (٤) مرحلة خفيفة. الطريق من نايين (٥) إلى خراسان: نايين من ناحية فارس؛ فمن نايين إلى مزرعة في المفازة مرحلة، ومنها إلى جرمق (٦) أربع مراحل، وفي الطريق على كلّ فرسخين وثلاثة مصنع (٧) أو بركة ماء. وجرمق (٨) هذه تعرف بسهده - يعني ثلاث قرى (٩) وتعد هذه القرية من خراسان، وبها نخيل وزروع ومواش كثيرة، وفي الثلاثة (١٠) قرى نحو ألف رجل، وكلها قرية واحدة (١١) في رأي العين، ومنها إلى نوجاي [أربع مراحل] (١٢) في كل ثلاثة فراسخ أو أربعة جنبذة وبركة ماء. ومن نوجاي إلى رباط خوران مرحلة، ومن الرباط إلى قرية تسمى أتشكهان مرحلة خفيفة، ومن أتَشْكهان إلى طبس مرحلة.

стр. 461

ومن أراد من نوجاي إلى دسكردان (١) مرحلة، ومن دسكران إلى ترشيز (٢) مرحلة، ومن ترشيز إلى نيسابور خمس مراحل. وطريق يزد و نايين (٣) "يجتمع بكري (٤)؛ … وهي قرية فيها نحو ألف رجل ولها رستاق كبير. وطريق زاور (٥)، وهي قرية من ناحية كرمان عامرة عليها حصنان وبها ماء جار فمنها إلى مكان يُدعى دركوجوى (٦)، وفيه ماء عين ضعيف المسيل [وليس هناك بناء (٧)] مرحلة، ومنه إلى شور دزواردة (٨) مرحلة. وهناك رباط قد خُرّب فيه نخيل وليس به أحد، وهو مكان مخوف قلما يخلو من الحرامية (٩)، ومنه إلى دير يردان (١٠)، وهناك آبار وهو صحراء لا بناء فيه مرحلة، ومنه إلى منزل فيه حوض يجتمع فيه ماء المطر مرحلة، ومنه إلى نابند (١١) وهو رباط وبه ماء يجري وزرع ونخيل ورحى صغيرة على الماء مرحلة. ويسار من نابند - مرحلتان - (١٢) إلى مكان يسمّى ترشك، وبين كل فرسخين وثلاثة قباب وحياض وليس بها أحد. ومن ترشك إلى خور (١٣) مرحلة، ومنها إلى خوسب (١٤) مرحلتان، ومنها (١٥)

стр. 462

إلى كري (١) ثلاث مراحل. والطريق من خبيص (٢)، وهي من حدود كرمان على شفير المفازة، وبها نخيل كثير، وهي مدينة خصيبة رخيصة الأسعار على مرّ الأوقات، وماؤها جار إلى مكان يعرف بالدروازق مرحلة، وفيه أبنية ما مد البصر متهدمة، وبها تلال عظام تدلّ على أبنية كانت شاهقة فتكافأ (٣) بعضها على بعض. ومنه إلى مكان يسمّى شورروذ (٤) مرحلة، ومنه إلى بارسك - جبل صغير - مرحلة، ومنه إلى مكان يدعى نيمه (٥) مرحلة، ومنه إلى مكان يعرف بالحوض، وفيه حوض يجتمع فيه الماء يسقي زرعًا في رأس الماء (٦) ومن رأس الزرع إلى كوكور قريه [على] (٧) رأس المفازة، وهي من حدّ قوهستان مرحلة. ومن كوكور إلى خوسب (٨) مرحلتان، وفي مفازة خبيص (٩) على فرسخين من رأس الماء مما يلي خراسان حجارة سود صغار نحو أربع فراسخ. ومن بارسك إلى قبر الخارجي حصى صغار بعضها في لون الكافور بياضًا، وبعضها أخضر في لون الزجاج. وفي (١٠) مفازة شور، بين ماء شور وبين برّ، عن يمين الذاهب إلى كرمان من خراسان على نحو فرسخين منها في صورة الفاكهة من اللوز والتفاح والكمثرى ونحوها من حجارة، وفيها صور تقارب صور الناس والأشجار وغير ذلك من حجار. وطريق (١١) هذه المفازة على الترصيف فمن أصبهان إلى الري طريق، ثم يليه طريق أردسان إلى الطبسين (١٢) وفيه طريق قومس من أردستان يعدل نصف طريق

стр. 463

الطبسين إلى الدامغان، ويليه طريق نايين إلى الطبسين إلى خراسان، ويليه طريق يزد إلى خراسان. ثم يلي ذلك طريق خبيص (١)، ثم يلي ذلك الطريق الجديد، ثم يلي ذلك طريق سبحستان إلى كرمان، وقد استوفينا ذكر هذه المفازة وطرقها لعظيم الاحتياج إلى معرفة ذلك. وهذه صورة المفازة:

стр. 464

ويمر هذا الإقليم الثالث مع هذه المفازة على بلاد سجستان ومدينتها العظمى زرنج (١)، وهي مدينة كبيرة عليها سور حصين، وخندق دائر ينبع به ماء وينصب إليه فواضل ماء المدينة. وفي داخل المدينة ثلاثة أنهار صغار يشقها يجري إليها من نهر هيذمند (٢) المقبل من الثغور حتى يصب في بحيرة (٣) كثيرة العذوبة التي يقال: إنَّ طولها قريب تسعين ميلًا، وتنقسم تلك الأنهار الثلاثة بمدينة زرنج على دياراتها وحماماتها وبساتينها، وهي بلد حار، كثير الهواء حتى صنعوا أرحاء هوائية تدور على الهواء لدوام الهواء بها. وهي خصبة كثيرة التمر والعنب، وأهلها مياسير. ومن مدنها المشهورة (٤): الطاق (٥)، والقرنين (٦)، وخواش (٧)، وسروان (٨)، وبست (٩)، والزالقان (١٠)، وشبل (١١)، وبغنين (١٢)، ودرة (١٣)، وبها البحيرة العذبة المتقدمة الذكر، وجزة (١٤)، وفرّة، ودرَّق، وقلائي (١٥)، وكركوية (١٦)، وهيشوم. ومن ذلك بلاد الداور (١٧)، وهو إقليم كبير واسع، كثير الخير (١٨) (ساكن

стр. 465

(الخلج) (١) وقاعدتها مدينة درتل (٢) وهي مدينة لا سور لها على نهر هيل مند (٣) وبها عمارات، ومدينة روذان (٤) وهي مدينة صغيرة حصينة، ومدينة تل (٥)، ومدينة درغش (٦)، ومدينة درتل (٧)، ومدينة سوران (٨)، وهي مدينة صغيرة متحضرة ذات قرى ورساتيق ومغلات ومنافع جمة، وفيروزقند (٩) وهي مدينة صغيرة متحضرة حصينة. والغور (١٠) وهي جبال حصينة عامرة ذات عيون وبساتين وأنهار ومواش، وموقع الغور (١١) على هراة وسجستان، وكذلك يمرُّ على قطعة من خراسان. ومما يقع في هذا الإقليم من خراسان بلاد قوهستان (١٢) وقاعدتها مدينة قاين (١٣) وهي مدينة متحضرة عامرة عليها سور من تراب، ولها قلعة وعليها خندق، وبناؤها بالطين، وبها أسواق قائمة، وشربها من ماء جارٍ في قنى، وبساتينها قليلة. ومن مدنها مدينة الزوذن (١٤) وهي مدينة عامرة، كثيرة التجارات، قائمة الاسواق. ومدينة طبسين (١٥) وهي متوسطة المقدار ذات نخل وعمارات وشربها من مياه مجلوبة إليها في قنى، وبها حرير كثير موصوف. وخور (١٦) وهي مدينة صغيرة، وبها نخل كثير، وبساتين قليلة.

стр. 466

ومدينة هراة (١) وهي مدينة كبيرة عامرة عليها سور وثيق، ولها ربض وقلعة وأبواب مصفحة بالحديد، ومسجدها وسيع الفناء، رفيع البناء، والماء في داخلها وخارجها. ومدينة كروخ (٢) وهي مدينة متحضرة في شعب جبل وعليها سور حصين من تراب، وهي كثيرة الماء والكروم والأشجار، ويحمل من كرومها الزبيب القشمش إلى البلاد. ومدينة كوة (٣)، ومدينة دهستان، ومدينة كوة المذكورة فهي كثيرة البساتين والجنات والكروم التي لا تُعدُّ كثرة، ودهستان ليست كذلك. ومدينة الطالقان (٤) وهي مدينة كبيرة ولها مياه جارية وعمارات متصلة، وبساتينها قليلة، وليس يصنع في البلاد مثل لبودها المشهورة. وإقليم الجوزجان (٥) من خراسان، وله مدن جليلة منها مدينة أنبار (٦) وهي قاعدتها وهي كبيرة الأقطار، كثيرة الماء والكروم والبساتين والخصب، وبها يعمل ثياب المخمل الجيد. ومدينة الفارياب (٧) وهي مدينة جبلية كثيرة البساتين والمياه. ومدينة اليهودية (٨) وهي تقاربها في قدر نواحيها وخيراتها وما فيها. ومن مدن الجوزجان مدينة سان (٩)، ومدينة اندخذ (١٠) ومدينة كندرم (١١)، ومدينة أشبورقان (١٢)، ومدينة نريان (١٣)، وكل هذه مدن ذوات أعمال

стр. 467

وقرى متصلة ومياه جارية وفواكه كثيرة. وبلاد مرو الروذ (١) وهي بلاد كبيرة عامرة؛ ومدينة مرو الروذ أكبرها، وهي مدينة قديمة في مستوى من الأرض بعيدة عن الجبال أرضها سبخة كثيرة الرمل وأبنيتها من الطين على غلوة سهم من النهر، ولها قلعة على نشز مرتفع، وماؤها من قنوات، ولها نهر كبير يسمى نهر مرغاب (٢) يتشعب منه أنهار تسقى رساتيقها. وفي رساتيقها مبان مستقيمة ومتنزهات حسنة، ومساكن متحصنة، وبها الحرير والقز الكثير والقطن القليل المثل في غاية لين، ويعمل منها ثياب تحمل للآفاق، ولها منائر مضافة إليها. ومن أعمالها هرمزمزة (٣) وهي مدينة متوسطة على طريق مفازة سقاية المؤدية إلى خوارزم، وهي ذات عمارات وأسواق، وهي أم مدن ممدنة وأعمال ممتدة؛ وكلها بلاد خيرات وأرزاق. ومدينة سرخس (٤) وهي في أرض سهلة صحيحة التربة، قليلة القرى ماؤها جار، ولها مدينة تسمى بخوس (٥) وهي مدينة عامرة صحيحة التربة، قليلة القرى وشربها من آبار، وبها زروع سرخس، وغالب أرضها مرعى، ومعظم قنية أهلها الجمال. وبلاد الباميان (٦) يكون قدر ثلث بلخ على رأس جبل الباميان، وينحدر منها أنهار ومياه جارية، وعليها سور، ولها قلعة وربض لاصق بها، وهي أم مدن وأعمال. ومدينة بدخشان (٧) وموقعها من تركستان وهي مدينة صغيرة عليها سور حصين من التراب، وبها أسواق وفنادق وحمامات وتجار وأموال مصرفة، ولها مدن ورساتيق وأعمال ممتدة وكروم وأشجار وعيون جارية، وهي متصلة بأعمال القنوج وبلاد الهند وبجبالها دواب كثيرة، وبها الخيل الجياد والبغال المتخيّرة، وبها معدن اللعل البدخشاني المشاكل للياقوت الأحمر؛ وهو المسمّى على ألسنة العامة بالبلخشي، ويوجد بها من سائر أنواع الأحجار النفيسة خلا الياقوت، وبها معدن اللازورد الجيد، ويستخرج بها الشيء الكثير منه، ويحمل إلى البلاد فيعمها كثرة

стр. 468

ولا شيء يعوقه، ويقع بها المسك من أرض التبت. ومن مدنها هلاورد (١)، ولا وكند (٢) وكلاهما ذات أسواق، وهانك وهي مدينة حسنة البقعة كثيرة الناس والمتنزهات، وبها أسواق كثرة وأهلها قوم مياسير. وخان وكران (٣) وبها أسواق وعمارات كثيرة. ومدينة الصغانيان (٤) ولها حصن حصين، ومدن أخرى، وبعض أرض التبت وقاعدتها مدينة التبت (٥)، وهي مدينة كبيرة وأرضها منسوبة إليها، ولها سور منيع وهي على نشر عال، وفي أسفلها واد يمر على بحيرة بروان (٦) وطولها مما يقارب أربعين فرسخًا، وعرضها اثنان وسبعون ميلًا، وماؤها حلو عذب، وهي دار ملك، ويعمل بها ثياب من حرير، وقز تباع بثمن وافر، وخيار دواب المسك بها؛ لأنها ترعى من جبالها السنبل. وينبت بهذا الجبل الراوند الصيني ويحمل منه إلى الآفاق وهو خير أنواع الراوند. ومن مدنها أوج وبروان (٧) وهما مدينتان جليلتان لا يحتاجان مع ما فيهما إلى غيرهما. قال الشريف في كتاب آجار (٨): وعلى مقربة منهما في جنوبيهما جبل معطوف على هيأة الدّال لا يصل أحد إلى أعلاه إلا بعد جهد، وطرفاه متصلان ببلاد الهند. والذي يقع في هذا الإقليم من بلاد الهند إقليم القنوج، وهو إقليم عظيم الشأن والمكان، كثير البلاد والمدن الكبار، والأموال الزاخرة كالبحار، وهو إقليم معتدل

стр. 469

بالنسبة إلى غيره، به أنهار جارية وفواكه كثيرة، وخيرات غزيرة، وزروع مخصبة، ودواب تفوت العد وتتجاوز الحد. يقال: إنّ به نحو ثلاثمائة مدينة ممدنة عامرة آهلة ذات رساتيق وأعمال وجبايات وأموال. وموقع هذا الإقليم شمالي اقليم عيوض بشرق، وموقع مدينة دهلي التي هي كرسي ملك الهند الآن، وبها السلطان محمد شاه سلطانها بين هذين الإقليمين القنوج. وعيوض قريبة إلى القنوج واقعة في هذا الإقليم؛ وهي أم ملك الممالك كلها، وعليها مدار عقدها وحلها، دار ملك وأمارة وعساكر جرارة، وتخت أكاسرة وكرسي قياصرة، بل منبر خلافة، ومحراب إمامة، وسرير سلطنة، وسيأتي ذكرها في مكانه عند ذكر مملكة الهند والسند؛ إن شاء الله تعالى مفصلًا. ويقع في نهاية هذا الإقليم ما نذكره أما في شرقه الآخذ إلى الجنوب، فيأخذ قطعة من الصين. ومن مدنه الواقعة به مدينة كجا (١)، ومدينة دارخون (٢) ومقاديرهما متوسطة وهما نهاية الصين في حده الشمالي، وفي شرقيهما مدينتان أشهرهما مدينة سطروبا (٣) وهو نهاية شرق الصين. وأما في شرقه الآخذ إلى الشمال، فهو بلاد الأتراك البرغرية، ومن مدنهم اطباش (٤)، وبرسخان (٥) العليا، وهي مدينة حصينة لها سوران منيعان، ومدينة نواكت (٦)، ومدينة خزخراكت (٧)، ولأهلها صنائع ويباع بها حديد يجلب إليها مما وراءها ويبيعه أهلها ممن جاورهم. ومدينة نضخوا (٨) وهي على بحيرة تسمّى بحيرة كوارث وماؤها عذب حلو.

стр. 470

وقطعة من أرض الأتراك الخرلخية وفي مشاريقها مدن الأتراك الخرخيزية، ومن مدنهم بها مدينة جرجرير، ومدينة خاقان جرجرير، ومدينة كوندجرجرير، ومدن أخرى؛ وكلها حصون متحصنة شاهقة على صهوات الجبال ذوات مياه جارية تدور عليها الارحاء ومزارع مخصبة وأشجار مثمرة، وخصب زائد وداوب سائمة لا تعد من الخيل والأبقار والأغنام، وخيلهم قصار الرقاب، وليست عندهم إلا للأكل، ورحيلهم وانتجاعهم كله على البقر، ونساء الخرخيز يتصرفن في الأشغال وليس على الرجال إلا الحركة والزرع والحصاد. ثم جزيرة الياقوت (١) وهي في البحر المحيط وليست بجزيرة فانها متصلة بالبر من غربيها؛ وإنما هي صعبة الطريق؛ لأنَّ عليها جبلًا يستدير بها صعب الصعود لا يقدر على إتقائه إلا بجهد جهيد، ثم لا يقدر عل النزول منه إلى الجزيرة إلا بمثل ذلك وبه حيات قتالة، وفي أرضه حصى الياقوت على إختلاف أنواعه، وأهل تلك الناحية لهم حيل في إخراجها. وبهذا نهاية ما وقع عليه هذا الإقليم في البر المتصل إلى البر المحيط في آخر الشرق. وأما ما وقع به من الجزائر فسنذكرها، ونحن نبدأ من جهة المغرب آخذين إلى المشرق على وضع خط الأقاليم، ولا نذكر من الجزائر إلا مشاهيرها. فأما ما وقع بالبحر الشامي مما هو في هذا الإقليم، فهو ما نذكر: وأولها جزيرة جربة (٢) وأهلها مسلمون وهم نكار (٣) طائفة من الرافضة، يقال: إنهم يبالغون في بغض عائشة ﵂ وإذا مس أحدهم آنية كسروها ولا يقدر أحد من غيرهم يدخل مساجدهم، ويقال: إنَّ فيهم كرمًا زائدًا، وإنَّهم يعدُّون أواني وفرشًا للأضياف تأففًا من مس غيرهم آنيتهم، وإليها تنسب الأكسية الجربية. ثم كُلّ ما نذكره من الجزر في هذا البحر فانه للفرنج لا تعلم به كلمة إسلام؛ فمن ذلك جزيرة قوصرة (٤) المقاربة لتونس وبها جماعة من المسلمين تحت الذمة على مقرّر

стр. 471

لهم، ومثل هؤلاء إذا كانوا تحت أيدي الفرنج يعرفون في بلاد الغرب بالمدجلين. وجزيرة مالطة (١) وهي مقاربة لاطربلس الغرب، وقطعة من جنوبي جزيرة قبرس. وهذا آخر ما وقع في هذا البحر الشامي من الجزر الواقعة في هذا الإقليم الثالث، وأما ما وقع فيه من الجزر في البحر الفارسي فهو جزيرة خارك (٢) المقابلة لمدينة البصرة، وجزيرة اركاوان المقابلة لمدينة الأحساء. وجزيرة خارك المذكورة جليلة مشهورة لمكان مغاص اللؤلؤ بها، وبها أعشاب كثيرة، وعيون ماء كبيرة عذبة منها: عين تسمّى عين بوزيدان، وتسمى عين غزار (٣) وكلها في وسط البلد. ومياه هذه العيون قوية دفاعة تطحن عليها الأرحاء. وعين غزار عجب لمبصرها؛ لأنها كبيرة قوراء مستديرة الفم في عرض ستين شبرًا، والماء يخرج منها، وعمقها يزيد على خمسين قامة، وقد وزن المهندسون وحذاق العلماء علوّ فمها فوجدوه مساويًا لسطح البحر. قال الشريف (٤): وعامة أهل هذا البلد يزعمون أنها متصلة بالبحر ولا خلاف بينهم في ذلك. ثم قال: وهذا غلط؛ لأن ماءها عذب بارد لذيذ يشتهى، وماء البحر ماء زعاق، ولو كانت كما زعموا لكان ماؤها ملحًا كماء البحر. وبها زروع وأرز كثير ونخل وكروم، وفيها رؤساء الغواصين في البحر، والتجار يقصدون إليها من جميع الأقطار بالأموال الكثيرة، ويقيمون بها الأشهر حتى يكون وقت الغوص، فيكثرون الغواصين بأجرة معلومة تتفاضل على قدر تفاضل الغوص والأمانة، وشهرا الغوص شهرا أغشت، وشهر شتنبر؛ فإذا كان أوان الغوص وصفا الماء للغطاس، وأكرى كل واحد من التجار صاحبه من الغواصين خرجوا من المدينة في أزيد من مائتي دونج - والدونج أكبر من الزورق - وفي إنشائه وظائف يقطعها التجار أقسامًا، في كل دونج منها خمسة أقسام وستة؛ وكل تاجر منهم لا يتعدى قسمه من المراكب،

стр. 472

وكل غوّاص له صاحب يتعاون به في عمله وأجرته على خدمته أقل من أجرة الغطاس، ويسمى هذا المعاون المصفي، ويخرج الغواصون من هذه المدينة وهم في جملة في وقت خروجهم ومعهم دليل ماهر ولهم مواضع يعرفونها بأعيانها لوجودهم صدف اللؤلؤ فيها؛ لأن للصدف مراع يجول (١) فيها وتنتقل إليها وتخرج عنها في وقت آخر إلى أمكنة أخر، معلومة بأعيانها، فإذا خرج الغواص عن اوال (٢) تقدمهم الدليل والغواص خلفه في مراكبهم صفوفًا لا يتقدم جريه، ولا يخرج عن طريقه. وكلما مر الدليل بموضع من تلك المواضع التي يصاد فيها صدف اللؤلؤ تنحى عن ثيابه، وغطس في البحر ونظر فإن وجد ما يرضيه خرج، وأمر بحط قلاعه وأرسى دونجه، وحطت جميع المراكب حوله وأرست؛ واجتذب كل غواص إلى غوصه. وهذه المواضع يكون عمق الماء فيها من ثلاث قيم إلى قامتين فدونها. وصفة غوصهم: أنَّ الغواص يتجرد من ثيابه ويبقى بسترة تستر عورته، ويضع في أنفه الخلنجل (٣) - وهو شمع مذاب بدهن الشيرج يسد به أنفه - ويأخذ مع نفسه سكينًا ومشنة، فيجمع فيها ما يجده هناك من الصَّدَف ومع كل غواص منهم حجر وزنه من ربع قنطار أو نحوه مربوط بحبل رقيق وثيق،، فيدليه في الماء مع جنب الدونج، ويمسك الحبل صاحبه بيده، ثم يرسل صاحبه الحبل من يده دفعة واحدة فيتم الحجر مسرعًا حتى يصل قعر البحر، والغائص عليه يمسك الحبل بيده فإذا استقر في قعره نزل عنه إلى القعر وجلس وفتح عينيه في الماء ونظر إلى ما أمامه وجمع ما وجد هنالك من الصدف في عجل؛ فإن امتلأت مشنته وإلا اندرج إلى ما قاربه والحجر لا يفارقه ولا يترك يده عن إمساكه في حبله، فإن أدركه الغم كثيرًا صعد مع الحبل إلى وجه الماء، واسترد نفسه حتى يستريح ويرجع إلى غوصه وطلبه، فإذا امتلأت مشنته اجتذبها صاحبه من أعلى الدونج وفرغ المشنة بما فيها من الصَّدَف في قسمة من المراكب وأعادها في البحر إلى الغواص؛ فإن كان الصدف هناك كثيرًا وعلى قدر الوجود له يكون طلبه، فإذا تم الغواصون في البحر مقدار ساعتين صعدوا ولبسوا ثيابهم وتدثروا وانتدب المصفّي - وهو صاحب الغواص - ينشف ما معه من الصدف، والتاجر ينظر إليه حتى يأتي

стр. 473

على آخره فيأخذه التاجر منه ويصره عند نفسه بعددٍ مكتوب؛ فإذا كان عند العصر انتدبوا إلى طعام يصنعونه فتعشوا وناموا ليلتهم إلى الصباح، ثم يقومون وينظرون في أغذية يأكلونها إلى أن يحين وقت الغوص، فيتجردون ويغوصون، هكذا كل يوم. وكلما فرغوا من مكان أفنوا صدفه، انتقلوا لغيره، ولا يزالون بهذا الحال إلى آخر أغشت. هذا ما وقع في هذا البحر الفارسي من الجزر الواقعة في هذا الإقليم، وبتمامه تم الإقليم الثالث برًا وبحرًا، والله الحمد والمنة.

стр. 474

آخر السفر الأول من مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ولله الحمد والمنة، ومنه التوفيق والعصمة لا ربَّ غيره، ولا إله سواه ويتلوه - إن شاء الله تعالى - في السفر الثاني وهذه صورة الإقليم الرابع وهو الآخذ مع الإقليم الثالث على شماليه من البحر المحيط بأقصى المغرب إلى البحر المحيط بأقصى الشرق الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 475

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين. ربي أنعمت فزد، ويسرت ولك الحمد تحقيق السفر الثاني من موسوعة ابن فضل الله العمري: (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) وقد شمل هذا السفر وصف الأقاليم الأربعة الباقية من الأقاليم السبعة، إذ وصف الثلاثة الأولى منها في السفر الأول. وأعقب ذلك بحديث على المشاهير من ممالك مَنْ سماهم بعباد الصليب، ليخلص إلى الفصل الثالث في أطوال النهار بالنسبة لكل أقليم. ثم الباب الثالث في البحار وما يتعلّق بها، وقد شمل هذا الباب ثلاثة فصول، الأول في ذكر البحار وما يتعلق بها، والثاني في ذكر الرياح الأربع وصورة القنباص، والثالث في ذكر نبذة من العجائب برًا وبحرًا. وقد ظهرت ميوله الأدبية في هذا الباب فوصف البحر وصفًا أدبيًا جميلًا بأسلوبه المسجوع المنمق. ثم الباب الرابع في القبلة والأدلة عليها، وقد تضمّن ستة فصول: الأول في أقوال الفقهاء، والثاني بدليل النجوم، والثالث بدليل الرياح، والرابع بدليل الجبال، والخامس بدليل الأنهار، والسادس في قبلة كل أرض ثم نبذة عن الكواكب الثابتة، وأخرى في معرفة الكسوف والخسوف. وأما الباب الخامس، فقد تضمن فصلين الأول في تعاريج الطرق، والثاني في الطرق المستوية. المخطوطة: اعتمدت في تحقيق هذا السفر على ثلاث مخطوطات:

стр. 476

الأولى: مخطوطة يازمة باغشلار المرقمة ٢٢٢٧ في مكتبة السليمانية باستانبول التي نشرها مصورة الدكتور فؤاد سزكين جزاه الله خير الجزاء، وهي نسخة المؤلف على الأغلب، كتبت بخط واضح جميل، مشكول في الأغلب، إلا أن الصفحات السبع الأولى منها كتبت بخط مختلف عن نسخة المؤلف. الثانية: مخطوطة مكتبة أيا صوفيا باستانبول والمحفوظة نسختها المصورة في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، وهي تقع ٣١٦ صفحة، تبدأ بنفس بداية النسخة الأولى وتنتهي بنهايتها، وعلى أغلب الظن أنها كتبت عنها. الثالثة: مخطوطة مكتبة أحمد الثالث باستانبول والمحفوظة نسختها المصورة في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، وهي تقع بـ ٥٧٠ صفحة، تبدأ من الفصل الثاني من هذا الجزء: «بسم الله الرحمن الرحيم، الفصل الثاني، في ذكر الرياح الأربع، وصورة القنباص … .». وتنتهي بعبارة: «آخر الجزء الثاني من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأقطار، يتلوه الجزء الثالث، الباب الخامس عشر في ذكر العرب الموجودين في زماننا … . وسلم تسليمًا كثيرًا». وليس في هذا السفر أي بياضات سوى ترك بعض الصور، وفيه خرجات قليلة جدًا. كما أنه جاء خاليًا من التصحيفات إلا في مواضع قليلة أشرت إليها. ولكن الذي أتعبني فيه هو كثرة التصحيفات في أسماء المدن التي كتبت على الأغلب بأحرف مهملة، وغالب هذه المدن إفرنجية تغيّرت أسماؤها فيما بعد، فلم يكن معرفة الاسم الصحيح وتصويب التصحيف إلا بالرجوع إلى مصادر المؤلف. وأكثر نقوله من كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للشريف الإدريسي. وقد أشار إليه المؤلف باسم: كتاب أجار. وربما استكمل بعض معلوماته عن بعض المدن من صورة الأرض لابن حوقل، ولم يشر إلى ذلك إلا في مواضع قليلة. ومهما يكن فقد حاولت أن استنفد الجهد في التصويب والضبط، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى ذلك. على أني وجدت فيما لقيت من نصب متعةً يعرفها من مارس التحقيق، وكابد مشقة السير في منعطفاته. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. العراق - المسيب ٢٦ صفر ١٤٢٥ هـ ١٥/¬٤/¬٢٠٠٤ م المحقق مهدي ع. الحسين النجم

стр. 477

[الاقليم الرابع] وأما الذي وقع في هذا الاقليم الرابع (١) من المدن والجزائر العامرة مما وقع في البحر الشامي (٢) نذكره: فأما ما وقع في هذا الإقليم من البر المتصل من أول الغرب إلى آخر إفريقية، فقليل جدًا، وأما برقة ومصر ومعظم الشام، فإنّه لا موقع لشيء منها فيه، حتى يصل إلى انطرسوس (٣)، ثم يتسع مدى البرية حتى إذا انتهى إلى السويدية (٤) … انتهى البحر الشامي إلى الخليج الرومي العاطف منه على الدروب والروم والأرمن، وسنذكره مبينًا إن شاء الله تعالى. ونبدأ بما هو في البر المتصل من أوّل الخط من البحر المحيط في الغرب إلى آخره في البحر المحيط بالشرق ثم نذكر الجزائر بعد انتهاء البر الواقع في هذا الإقليم بتمامه وكماله حتى لا يفصل بعضه عن بعض، ونبدأ من الغرب على وضع الأقاليم على عادتنا في ذلك وبالله التوفيق. وأول ما نبدأ به ما وقع في بحر الزقاق (٥)، وهو مخرج البحر الشامي من المحيط

стр. 478

في هذا الاقليم وهو مدينة طنجة (١)، وهي مدينة قديمة كانت دار الملك القديم، وهي ذات ماء وخصب. ومدينة القصر، وتسمى القصر الصغير، وتسمّى أيضًا قصر الجواز (٢). ومدينة سبتة (٣)، وهي قاعدة ملك لطيف، ذات فواكه، وموقعها قبالة الجزيرة الخضراء (٤) في الأندلس، ويُصاد بها نحو مائة نوع من السمك، ومنه القن وصيد أهل سبتة له بالرماح في أسنّتها أجنحة بارزة تنشب في الحوت ولا تخرج، في أطرفها حبال قنب طوال، ولهم في صيدها بهذا دربةٌ ليست لأحد، وبسبتة يقطع شجر المرجان من البحر، وله بها سوق كاملة لتفصيله فيها، ثم منها يحمل إلى البلاد. ومدينة قُشُمُّس (٥) … من مساكن البربر، وهي ذات قوس متصلة. ومدينة البصرة (٦)، قال الشريف: كانت مدينة مقتصدة، عليها سور ليس بالحصين

стр. 479

ولها قرى وعمارة وغلات وأكثرها القمح والقطن، وهواؤها معتدل، وأهلها أعفاء ولهم جمال فائق، وهذه بصرة الغرب لا بصرة العراق. ومدينة قصر عبد الكريم (١):: وهي مدينة صغيرة على ضفة نهر، لكن ذات رزق كثير ورخاء شامل. ومدينة بادس (٢):: وهي مدينة متحضرة. ومدينة مليلة (٣) وهي مدينة حسنة متوسطة المقدار ذات سور منيع وحال حسنة على البحر، ولها عين كثيرة الماء شربهم منها. ومدينة هنين (٤): وهي صغيرة حسنة، في نحر البحر، عامرة، عليها سور متين ولها زراعات كثيرة وعمارات متصلة، وما سامَتَ ذلك على البحر مما لم يُسطر ذكره ولم يطل قدره، ثم لا يقع خط هذا الإقليم على برّ إلى مدينة انطرسوس، ثم يتسع مداه في البرية فيأخذ بقية الشام من بلاد إنطاكية، وحلب وبلاد الأرمن والدرب فيتصل البر إلى البحر المحيط في أقصى الشرق، وسنذكر ذلك إن شاء الله، فنقول: ومدينة إنطرسوس (٥):/ ٣/ مدينة صغيرة على ضفة البحر، بها أسواق عامرة،

стр. 480

ويليها في البر حصن المرقب (١)، ثم يليلها مدينة بلنياس (٢)، وهي صغيرة متحضرة في واد جار ولها فواكه حسان. ومدينة اللاذقية (٣): على ضفة البحر، يقال: إنه ليس بالشام فرضة مثلها، وهي مدينة صغيرة عامرة، آهلة، حسنة. ومدينة السويدية (٤): وهي على البحر فرضة انطاكية، وعند مصبّ العاصي. ومدينة انطاكية (٥): وهي بلدة كبيرة يدور بها سور عجيب محدق بها، وبجبل مشرف عليها، وفي داخلها أرحاء وبساتين وجنات ومزارع البقول، وكانت على عهد الروم، ولم تزل مذكورة بكل لسان. قال الشريف (٦): وليس بالشام بعد دمشق أنزه … داخلًا وخارجًا منها كثيرة المياه، ينخرق في اسواقها وطرقها وبساتينها اثنا عشر ميلًا، ومنها مدخل بلاد الأرمن على السويدية إلى جبل رأس الخنزة (٧)، ويقاربها حصن التينات (٨)، ومنه يحمل خشب الصنوبر إلى غالب البلاد الشامية، وحصن روسوس (٩)، وحصن المنتقب وجزيرة البصي (١٠) وليست بجزيرة ولكنها كالجزيرة لمدخل البر إليها، قال الشريف وتختلط بالبر عشرة أميال، وحصن الملون (١١) وقرقس (١٢)، وهي حصن منيع على البحر. وأما ما هو شمالي انطاكية، فهو إسكندرونة (١٣)، وحقيقة اسمها اسكندرية،

стр. 481

وهو حصن على ساحل البحر، وبه نخيل وزروع كثيرة. وحصن بياس (١). ومدينة المصيصة (٢)، والمصيصة، وهما مدينتان نهر جيحان بينهما، وبينهما قنطرة معقودة. ومدينة كفربيا (٣). وعين زربة (٤): هي تشبه الغور، ولها ثمرات كثيرة. ومدينة آذنة (٥): وهي مدينة جليلة عامرة، ذات أسواق جليلة وصناعات وهي على نهر سيحان. ومدينة طرسوس (٦): وهي مدينة كبيرة على ضفة البحر، ولها سوران من حجارة، وهي كثيرة الخصب، وبينها وبين بلاد الروم جبال متشعبة من جبل اللُّكَّام (٧) كالحاجز بين العلمين. وحصن أولاش (٨)، وهو فرضتها. ومدينة أشبرويلي (٩)، وهي مدينة صغيرة متحضرة. وحصن شنسيون (١٠)، وهي على ذروة جبل عال مطل على البحر.

стр. 482

وصحن شام (١). ودير شورنت (٢): وليس به إلا رهبان وأتسا [س] (٣) ومن انقطع من النصارى. وحصن ماطلي (٤): وهو على رأس جبل ترابي وبينه وبين البحر خمسة أميال. والجون هناك يعرف به. ومن هذا الحصن إلى فم آبذة (٥) وهو المسمى بالمضيق مائة ميل، ومنه المجاز إلى القسطنطينية الكبرى، وقدر هذا المجاز ثلاثة أميال (٦). وإذ انتهينا من بلاد انطاكية وما والاها لم يبق إلا إن نلتفت إلى القطعة الواقعة (٧) في هذا الإقليم. وأما مدينة حلب: وهي قاعدة ملك موقر، ودار إمارة جليلة، وهي على رصيف الطريق إلى العراق، وسيأتي ذكرها في مملكة مصر والشام والحجاز مفصلًا. ومدينة قنسرين (٨): وهي مدينة كبيرة لا تنسب حلب وكلّ الممالك إلا إليها، وقد كان لا يقال إلا أعمال قنسرين، وكان بها سور عظيم هدم بأمر يزيد بن معاوية أيام قتل الحسين بن علي ﵄ (٩)، وبقيت لها رسوم الآن خراب. ومعرة النعمان (١٠): وهي مدينة لطيفة ذات عمل كبير، ولا يجري بها ولا بعملها ماء، وبها أنواع فواكه عدة، لا شرب لها إلا من ماء المطر في أوانه. ومدينة حماة (١١): وهي مدينة كبيرة، قاعدة ملك، على نهر العاصي. ذات

стр. 483

محاسن جمة، وخصب زائد وفواكه منتخبة، وسيأتي ذكرها في مملكة مصر والشام والحجاز. ومدينة شيزر (١): وقد كانت دار أمان مفردة لبني منقذ (٢) وهي مدينة صغيرة على نهر العاصي، ولها قلعة وهي رخية البقعة. ومدينة سلمية (٣): وهي مدينة صغيرة داخلة في البادية، ذات عيون جارية، وثمرات حسنة، وما بين حلب وسلمية يمر البادية، وبها موضع صفين وكور الفرات. ومن مدنها في القديم: ملطية (٤) ولا تعد إلا للكروم في وقتنا، وهي مدينة حسنة في مستو من الأرض ذات ماء جار واشجار وثمرات حسان. وكذلك حصن منصور (٥): وهي مدينة صغيرة حسنة، وبها رساتيق وقرى. ومدينة سميساط (٦): وهي (على) (٧) الفرات، وبها قلعة حصينة مطلة على الفرات ويحتف بها جبال كثيرة، وبها الجوز والكروم وسائر الثمار مباحة لمن جاءها (٨). ومدينة منبج (٩): وبقعتها من أطيب البقاع، وأوسعها فضاءً، وأصحها هواء، ولها جسر على الفرات من أعظم امثاله.

стр. 484

ومدينتا الحدث ومرعش (١): وعليها أسوار، … وهما متقاربتان في المقدار. وبلاد الجزيرة (٢): وهي ديار العرب، وديار بكر وربيعة ومضر، وهي كالعراق إن لم تكن حقيقة منه. ومن مدنها: الأنبار (٣)، وتعد من العراق، وهي مدينة صغيرة متحضرة بناها أبو العباس السفاح، وكانت دار خلافة له على نهر عيسى المحتفر من الفرات. ومدينة هيت (٤): وهي على غربي الفرات. ومدينة الناووسية (٥): وهي في جزيرة يحيط بها خليج من الفرات ولها فواكه كثيرة وخيرات. ومدينة الرية (٦)، ومدينة الدالية (٧)، ومدينة الخابور (٨)، ومدينة الخالوقة (٩)، ومدينة الكرخ (١٠)، ومدينة السن (١١)، وهي ذات سور حصين، ومدينة الحديثة (١٢)، وهي مدينة عامرة لها غلات مخصبة ونخيل محدق.

стр. 485

ومدينة عانا (١)، ويحيط الفرات بها. ومدينة دملور (٢)، وهي مدينة حسنة لطيفة متحصنة. ومدينة تكريت (٣) … وبازائها في البرية مدينة الحضر (٤) خراب دائرة، وغالب أهل تكريت نصاري. ومدينة الموصل، وهي قاعدة ملك ودار إمارة، وتسمى الحدباء (٥)، وهي ممتدة على شط دجلة يشقها نهر عميق من وجه الأرض. قال الشريف (٦): يكون عمقه منها تقدير ستين ذراعًا، بناؤها بالحجارة، صحيحة الأرض، معتدلة الهواء، وبساتينها قليلة، وضياعها كثيرة، ومزارعها مديدة على كور متعدّدة، فمن رساتيقها: رستاق نينوى، وهي مدينة قديمة يقال: إن يونس ﵇ إنما بعث إلى نينوى؛ لأنها كانت هي أم تلك البلاد، وهي شرقي دجلة قبالة الموصل، ورستاق المرج (٧): ومدينة تعرف بسوق الأحد، وهي مدينة كبيرة تحاذي الجبل، يحضرها الأكراد المواعيد معروفة، ورستاق كفر عزى (٨) ويسكنها مسلمون ونصارى، ويعرف هؤلاء النصارى بالشهارجة، ورستاق الزاب (٩) الكبير، ورستاق حرة (١٠)، ورستاق بازيدا (١١). ورستاق الخابور، وفيه مدن كثيرة وأعمال وساعة، ورستاق سنجار،

стр. 486

وقاعدتها مدينة سنجار، وهي مضربة في البرية في ذيل جبل، يتخرقه المياه، كثيرة الاشجار والفواكه، وبقربه الحوالي (١) وهو واد يسكنه عربان من ربيعة لهم ضياع وكروم وماشية، فالموصل وجميع مضافاتها في هذا الاقليم، ومن ذلك ما نذكره من بلاد الجزيرة وهي من ديار العرب ومن مدنها: برقعيد (٢): وهي مدينة حسنة كثيرة الخصب والخير. ومدينة كفرتونا (٣): وهي بلد خصيب. ورأس عين (٤): وهي مدينة كبيرة ذات مياه، نحو ثلاث مائة عين هناك (شباك) (٥) حديد يحفظ ما يسقط منها، ومنها ينشأ معظم الخابور الذي هو أحد روافد الفرات، ومصبه عند قرقيسيا. ومدينة عربان (٦): وهي مدينة حسنة لطيفة. ومدينة نصيبين (٧): وهي مدينة ديار ربيعة، وهي في مستو من الأرض ذات سور حصين، كثيرة الخيرات، ولها مياه جمة يخرج أكثرها من شعب جبل في شمالها يسمى بالوسا (٨) ويدخل في كثير من قصورها ودياراتها. وبأرضها عقارب قتالة. وماردين (٩): وهي على جبل علوّه من أرضه إلى ذروته (١٠) نحو ستة أميال، وعليه قلعة ماردين، بناها حمدان بن الحسن، وسماها الباز الأشهب، وماؤها قليل، ويشوب بعضها ملح، وحماماتها ودية (١١). قال الشريف (١٢): ولا يستطاع فتحها، يعني قلعتها

стр. 487

بوجه البتة، وفي جبالها حيات قتالة، وهي دار ملك ومحلة سلطان. ثم مدينة دارا (١)، وهي صغيرة حسنة. ومدينة باجروان (٢): وهي صغيرة. ومدينة آمد (٣): وهي حصينة عليها سور من حجر أسود منيع على جبل غربي دجلة يطل عليها من نحو مائة قامة، وهي كثيرة الشجر، وداخل سورها عيون جارية ومياه مطردة، وأرحاء دائرة، وبساتين وفواكه جمة، وهي متاخمة الروم، وكان بها سراة أكابر، وحماة أماثل، وفي أهلها يقول علي بن مظفر الكندي (٤): [من مجزوء الخفيف] سقيا لآمد دارًا … تحوي الندى والنديا فلا أرى آدميا … إلا فتـ آمديا ومدينة ميا فرقين (٥): وهي مدينة كبيرة حسنة في حضيض جبل، ذات خصب، وخيمة البقعة، ومنها كان الخطيب المشهور ابن نباتة (٦). ومدينة الرها (٧): وهي كثيرة الكنائس، وكان غالب أهلها الرهبان والأقساء.

стр. 488

ومدينة حران (١): وكانت مدينة الصابئة، وبها تل تعظمه الصابئة وتنسبه إلى إِنَّهُ تل إبراهيم ﵇. وجزيرة ابن عمر (٢): وهي ذات أنهار وأشجار وسوق، وهي فرضة تصل المراكب إليها في دجلة مشحونة بالتجارات منها وإليها. ومدينة سروج (٣): وهي (مدينة) (٤) ديار مضر، وهي كثيرة الفواكه. وهذه جملة بلاد الجزيرة، وهي ديار بكر وربيعة ومضر وفيه تتمة بلاد العراق مما لم يقع في الاقليم الثالث، وحدود العراق كله ما وقع في هذا الاقليم وفي الاقليم الثالث، وهو في الطول من تكريت إلى عبادان، وفي العرض من القادسية إلى حلوان (٥)، وأما تحديد الفقهاء لها، فقد ذكره الشيخ أبو إسحاق الفيروزآبادي ﵀، قال: وأرض السواد ما بين حديثة الموصل إلى عبادان طولًا، وما بين القادسية إلى حلوان عرضًا وقف على المسلمين، وهو إقليم عظيم واسطة عقد الدنيا ومجمع رفاق الآفاق، لا تنازع الممالك في تفضيله، ولا تنافس على ما وهبه الله من فضله، وقاعدته العظمى، بل قاعدة جميع الدنيا مدينة بغداد المسماة مدينة السلام فسطاط طوائف الاسلام المفضلة على مدى الأيام، وتسمى بالزوراء، بناها أبو جعفر المنصور، وابتدأ ذلك في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة، ونقل إليها أهل المعارف بالبناء وأهل الصنائع من جميع البلدان وجعلها مدوّرة، ووسع أرباضها وأزقتها، وكان الذي تولّى ذلك من أهل الحساب والهندسة الحجاج بن يوسف (٦)، الحاسب، والطبري، وإبراهيم

стр. 489

الفزاري، ونقل إليها المنصور النخيل والاشجار فأنجبت وأثمرت في أسرع مدة، وذلك لطيب هوائها وعذوبة مائها، ونقل إليها الرخام والأساطين، وأمر أهل الخدمة والخاصة أن يقتطع كل واحد منهم ويبني ما اقتطع، وجميع بساتينها وجناتها تشرب من دجلة والفرات، واستقرت بها قواعد الخلفاء، ورسا بها عمود الملك، وامتد بها جناح السلطان مجرى خيل وفلك، وفرضة بر وبحر، طالما عقدت بأبوابها أعلام، وطافت برحابها ملوك، وتزاحمت على ترابها الجباه، وتبادرت أعتابها السعاة، مبنية على شط دجلة، بناها المنصور بالجانب الغربي، وكان بها من المساجد في القديم ثلاثون ألف مسجد، وعشرون ألف حمام، ثم بناها المهدي في الجانب الشرقي، فكان بعسكره في الجانب الآخر، وبينهما جسران على المراكب، فتقابلت أبنيتها شرقًا وغربًا، وتماثلت محاسنها بعدًا وقربًا. وسيأتي ذكرها في مملكة إيران إن شاء الله مفصلًا، وإن كان مثلها يكفي ذكره مجملًا. ومن مشاهير مدنه الواقعة في هذا الاقليم عن ما تقدم ذكره في الاقليم الثالث مدينة قصر ابن هبيرة (١)، وهي مدينة كبيرة عامرة، ذات أسواق وعمارات وقرى وجهات. ومدينة سورا (٢): وهي مدينة حسنة متوسطة القدر ذات زرع ونخيل وبساتين وفواكه (٣)، وبها قبر الحسين بن علي ﵉، وعليه هناك مشهد عظيم. وإقليم النهروان (٤)، وكله قرى وبساتين وجنات ومُزْدَرَع. ومدينة دسكرة (٥): وهي قليلة المياه والثمرات.

стр. 490

ومدينة دقوقا (١): وهي مدينة صغيرة ة ذات نخل وزرع. ومدينة جلولاء (٢): وهي صغيرة ذات نخل وزرع. ومدينة حلوان (٣): وهي مدينة كبيرة في سفح الجبل المطل على العراق، وبينها وبين الجبل ستة أميال، ولها نخيل كثير، وليس بعد الكوفة والبصرة وواسط بالعراق مدينة أكبر منها، ولا أثمر من بلادها، ولا أخصب من زروعها، وكل ثمارها التين، وربما سقط بها الثلج بخلاف بقية بلاد العراق، أما جبالها فلا ينقطع سقوط الثلج بها. ومدينة المدائن (٤): وهي مدينة صغيرة جاهلية كسروية، وهي على دجلة، كانت قاعدة ملك كسرى ومستقر سلطنته، وهي ام إقليم بابل المذكورة في الكتاب العزيز عند ذكر الملكين، وإليها تنسب الخمرة البابلية، يقال: انها بناها الضحاك (٥)، وسكنها (٦) التابعة، وتداولها (٧) الكنعانيون، ودخلها ابراهيم الخليل ﵊، وبها إيوان كسرى المشهور، المضروب به المثل في علو بنائه وفسحة فنائه، وهو مبني بجص وآجر، ولم يبق من المدائن إلا آثار ودمن وديار قد أصبحت خالية الاطلال، خاوية السكان، كأنها لم تكن دار ملك وسلطان، ولا بحال جنود وأعوان، ولا ترفعت فيها الملوك على أسرتها، ولا رَتَعَتْ بها الأماني في مسرّتها، ولا ضم الأقطار ديوانها، ولا تاه على البناء إيوانُها، ولا رفعت ذروة منار، ولا سطعت جذوة نار، فتعالى من تفرّد ملكه بدوام البقاء، وقسم الأرض ومن عليها أوقات السعادة والشقاء، وفيها يقول البحتري (٨): [من الخفيف] صُنْتُ نفسي عما يُدَنّس نفسي، … وَتَرَفَعْتُ عن جَدَا كُلِّ جِبْس وتماسكتُ حين (٩) زعزني الدهـ … تر التماسًا منه لتعسي ونكسي

стр. 491

بُلَغ من صُبابة العيش عندي … طففتها الأيام تطفيف بخس (١) فكأن الزمان أصْبَحَ محمو … لا (٢) هَواه مع الأخس الأخس وبعيد ما بَيْنَ وارِدِ رِفْهِ … عَلَلٍ شربُهُ، ووارِدِ خَمْسِ واشترائي (العراق) خطةَ خَسف (٣) … بَعْدَ بيعي (الشام) بيعة وكس (٤) وإذا ما جُفيت كنتُ حريًّا … أن أرى غير مُصْبِح حيثُ أَمْسَي حضرت رَحْلِي الهموم فوجهـ … ـتُ إلى أبيض المدائن عنسي (٥) أتسلّي عن الحظوظ، وآسى … لمحلّ من آل ساسان دَرْسِ أذكر تنيهم (٦) الخطوب التوالي، … ولقد تُذكر الخطوب وتنسي وهم خافضون في ظلّ عالٍ، … مُشرِفٍ يُحسرُ العيون ويُخسي (٧) والمنايا مواثل، وأنوشَرْ … وإِن يُزجي الصفوف تحت الدرفس وعراك الرجال بين يديهِ … في خُفُوتٍ منه وإغماض جَرْس مِنْ مُشيح منهم بعاملِ رُمْحٍ، … ومليح من السنان بترس (٨) وكأن الوفود ضاحينَ حَسْرٌ، … مِنْ وقوفٌ خلف الزحام وخنس (٩) وكأن القيان وسط المقاصيـ … ـر، يُرَجَّحْنِ بين حَوْ وَلُعس (١٠) في اخضرار من اللباس على أصف … ـر يختالُ في صَبيغةِ وَرْسِ تصف العين أنهم جَدُّ أَحْيا … ءٌ لَهُمْ بينهم إشارة خُرس وكأن الايوانَ مِنْ عجَبَ الصنَّعْةِ … جوبٌ في جنب أرعن جلس مزعجًا بالفراق عن أَنْسِ إِلْفٍ … عزّ أو مُرْهَقًا بتطليق عُرْسِ مشمخرٌ تَعْلُو لَهُ شرفات … رفعت في رؤوس رضوى وقدس ليس يدرى: أصنع إنس لجنّ … سكنوه أم صُنع جن لإنس عَمَرَتْ للسرور دهرًا فَصارَتْ … للتعزّي رباعُهم. والتأسي

стр. 492

والدرفس (١) هو لواء كانت تحمله ملوك آل ساسان، وتتميّز به وهو درفس كابيان القائم بنصرة أفريدون، وكان كابيان حدادًا (٢) والدرفس جلد الحداد. فلما قام على الضحاك المسمى عند افرس بيواراسف (٣) عمله على رأس عمود كاللواء ونادى باسم أفريدون، فلما حصلت النصرة تيمّن أفريدون به وعقده على رأس قناة وغشاه بالديباج ورصعه بالجواهر ثم تداولته الأكاسرة، وكانت لا تحمله في حرب إلا وحصلت لهم النصرة فزاد تعظيمهم له، ويقال: إن كابيان كان من أهل علم، فإنه كان قد رسم على ذلك الجلد وفق (٤) مائة في مائة، وهو عندهم الوفق الأعظم الذي لا يولّي حامله الأدبار، ولم تزل ملوك الفرس تعده للأوائها، وتستنصر به على أعدائها، حتى جاء الاسلام، وانقرضت تلك الأيام فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين. وفي إيوان كسرى يقول الاديب أبو علي حسن بن علي الغزي (٥) على وزن أبيات البحتري: [من الخفيف] شاد كسري بِناءَ مُشْمَخِرًّا … ذاهبا في السماء يضحي ويُمسي وحباه ذوي مراثل … ظباء أحو المراشف لعس (٦) ترتمي نحوها العيونُ فترنو … بعيون من اللواحط نُعْسِ (٧) تتراءى في عبقري حسان … من دهان قان وأصفرَ وِرْسِ زهر لم يجدهُ غَيْت ولا قا … م بتدبيره حرارة شمس

стр. 493

آمن أن يناله باقتطافٍ … يَدُجانٍ من ذبول ويبس طبعتها الأكف في جدرات … عاليات مثل الدنانير ملس ابهات الملوك تلقاك منها … بين تاج من النضار وكرسي ومن مضافاتها: مدينة كوثاريا، وهي مدينة صغيرة يقال: إن بها طرح إبراهيم ﵇ في النار، وكوثاريا مدينتان، أحدهما تُعرف بكوثا الطريق، والأخرى كوثاريا، بها كوم رماد عالٍ قد لصق بعضه ببعض، ويقال: انه نار النمرود بن كنعان التي طرح فيها إبراهيم ﵇. انتهى ذكر المدائن، ونحن نذكر هنا من مدن العراق، فمنه الجامعان (١) ومدينة جرجرايا (٢)، وما يجري في مجرى ذلك من بلاد العراق مما وقع في هذا السمت ثم نذكر في هذا الاقليم من بلاد الجبل وأذربيجان، فمن ذلك مدينة همدان (٣): وهي كبيرة القطر لأهلها نبالة وأدب ومروءة، وأسعارها مرفقة، وخيراتها مغدقة وبقربها شعب بوان، وسيذكر في مكانه. ومدينة استاياذ (٤): وهي مدينة متوسطة كثيرة الأسواق، ذات مزارع متصلة. ومدينة قصر اللصوص (٥): وهي مدينة لطيفة حسنة. ومدينة ماذران (٦): وهي مدينة لطيفة (٧) فيها عمال وصناع وكرسي عليه فرش يعرف بسندان. ومدينة قرمازين (٨): وهي مدينة لطيفة فيها أسواق وتجارات، ذات مياه جارية وعيون ممتدة وديار حسنة، وأموال مصرفة، وسائمة.

стр. 494

ومدينة الزبيدية (١): وعليها سور تراب لطيف، لكنها حسنة البناء والتنزهات كثيرة الماء والخصب والأغنام. ومدينة الدينور (٢): وهي مدينة حسنة حصينة كثيرة الزرع والثمار، ومدينة الري (٣): وهي مدينة كبيرة، وكانت أكبر مما هي عليه الآن. ولها سور، وبناؤها بالطين والجص والآجر، وشرب أهلها من الآبار والقنى المجلوبة إليها مع كثرة مياهها ودخول أحد وادييها المدينة يشقها شقًا وجريان الأخرى في جانبيها. ومدينة رامن (٤): وهي مدينة صغيرة. ومدينة بروجرد (٥): وهي أكبر من رامن (٦)، وحالها أحسن، وفواكهها أكثر. ومدينة الكرج (٧): وهي مدينة كبيرة، أكبر من بروجرد (٨) وأكثر عمارة، وهي مدينة أبي دلف العجلي (٩)، وإياها عنى القائل (١٠): [من الطويل]

стр. 495

فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم وقاسم هذا هو اسم أبي دلف. قال هذا فيه بعض من سَمعَ بكرمه فَقَصَدَهُ فَحُرِم كأنه أراد به الرد على مداحه، وقد كان ﵀ غاية في الكرم. وفيه يقول مادِحُهُ عليّ بن جبلة العكوك (١): [من المديد] إنما الدنيا أبو دُلَفٍ … بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دُلَفٍ … ولت الدنيا على أثره ومنها اشتق القائل قوله: [من مجزوء الرمل] إنما الدنيا حميد … وأياديه الجسام فإذا ولى حميد … فعلى الدنيا السلام فأين هذه من الأولى، واين الممدوح من الممدوح فعلًا والشاعر من الشاعر قولًا. ومدينة الرج: وهي مدينة صغيرة. ومدينة كرج الروذراور (٢): وهي مدينة صغيرة هي أم إقليم الروذان. قال الشريف: وينبتُ بها الزعفران الذي ليس على قرار الأرض مثله. ومدينة نهاوند (٣): وهي مدينة جليلة على جبل ولها سور من طين، وبناؤها بالطين، ولها بساتين وجنات وفواكه، وهي كثيرة الرساتيق والعمل.
следующие страницы →