← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

فُؤادُكَ مَبْثُوثٌ عَلَيْهِ شُجُونُهُ … وَعَيْنُكَ يَعْصِي عَاذِلِيكَ انْهِلالَهَا (١) منها: دَعَتْ بِأَرْضِ البُهْمَى جُمَيْمًا وبُسْرَةً … وصَمْعًا وحتى أَنْفَقَتْهَا نِصَالُهَا منها: وَمَنْ يَتَّبِعْ عَيْنَيْهِ فِي النَّاسِ لَمْ يَزَلْ … يَرَى حَاجَةً مَمْنُوعَةً لا يَنَالُهَا ومنه قوله (٢): [من الطويل] لَهَا بَشَرٌ مِثْلُ الحَرِيرِ ومَنْطِقٌ … رَخِيمُ الحَوَاشِي لا هُرَاءُ ولا نَزْرُ (٣) وَعَيْنَانِ قَالَ اللهُ كُونَا فَكَانَتَا … فَعُولانِ بالألْبَابِ مَا تَفْعَلُ الخَمْرُ منها: لَقَدْ عَلِقَتْ مِيُّ بِقَلْبِي عَلاقَةً … بَطِيئًا عَلَى مَرِّ الشُّهُورِ انْحِلالُهَا ومنه قوله (٤): [من الوافر] يَعُدُّ النَّاسِبُونَ إِلَى تَمِيمٍ … رُؤُوسَ النَّاسِ أَرْبَعَةً كِبَارا يَعُدُّونَ الرَّبَابَ لَهَا وَعَمْرًا … وَسَعْدًا ثُمَّ حَنْظَلَةَ الخِيَارَا وَيَهْلِكُ بَيْنَهَا المَرْثِيُّ لَغْوًا … كَمَا أُلْغِيَتْ فِي الدِّيَةِ الحُوَّارَا (٥) ومنه قوله (٦): [من الطويل] وأَشْعَثُ مِثْلُ السَّيْفِ قَدْ لَاحَ جِسْمُهُ … وَحِيفُ المَهَارَى وَالهُمُومُ الأَبَاعِدُ سَقَاهُ الكَرَى كَأْسَ النُّعَاسِ فَرَأْسُهُ … لِدَيْنِ الكَرَى مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ سَاجِدُ ومنه قوله (٧): [من الطويل] خَلِيلَيَّ عُوجَا مِنْ صُدُورِ الرَّوَاحِلِ … بِوَعْسَاءَ حُزْوَى فَابْكِيَا فِي المَنَازِلِ لَعَلَّ انْحِدَارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ رَاحَةً … مِنَ الوَجْدِ أَوْ يَشْفِي نَجِيَّ البَلَابِلِ منها:

стр. 4727

أعاذل قد أكثرتِ من قول قائل … ولا يُرشِدُ الغاوين قول العواذل أعاذل قد جربت في الدهر ما كفى … ونظَّرْتُ في أعقاب حق وباطل فأيقن قلبي أنني تابع أبي … وغائلتي غَوْلُ القرون الأوائل ومنه قوله (١): [من الطويل] أغر كضوء البدر يهتز للندى … كما اهتز بالكفين نَصْلُ حُسامِ منها: سما بك آباء كأن وجوههم … مصابيح تجلو لون كل ظلام (٢) منها (٣): إذا ما تجلّت ليلة الركب … أصبحت خراطيمها معصوبة بلغامِ ومنه قوله (٤): [من الطويل] فدع ذكر عيش قد مضى ليس راجعًا … ودنيًا كظلَّ الكَرْمِ كنَّا نَخُوضُها منها: جميل المحيَّا همه طلب العُلا … مُعيدٌ لإمرار الأمور نَقوضُها كساك الذي يكسو المكارمَ حُلَّةً … مِنَ المجد لا تبلى بطيئًا نُفوضُها (٥) سيأتيكم مني ثناء ومدحةٌ … مُحبَّرَةٌ صعب غريض قريضها (٦) سيبقى لكم أن لا تزال قصيدة … إذا استحنفرت أخرى قضيب أروضها (٧) رياضة مخلوج وكُلُّ قصيدة … وإن صعبت سهل علي عروضها (٨) وقافية مثل السنان نطقتها … تبيد المخازي وهي باقٍ مَضِيْضُها (٩) وتزداد في عين الحبيب ملاحةً … ويزداد تقبيحًا إليها بغيضها ومنه قوله (١٠): [من الطويل]

стр. 4728

قصار الخُطى يمشين هونًا كأنه … دبيب القطا بل هنَّ في الرمل أوجل (١) نواعم رخصات كأن حديثها … جَنَى الشهدِ في ماء الصفا مُتَشَمَّلُ (٢) رقاق الحواشي منفذاتٌ صُدورها … وأعجازها عما بها اللهو خُنَّلُ (٣) أولئك لا يوفين وعدًا وعَدْنَه … وعنهنَّ لا يصحو الغَوِيُّ المُعَذِّلُ منه يصف ناقة وهو يريد الطريق: تراها أمام الرَّكْبِ في كل منزل … ولو طال إيجافُ بهم وتَرَحُلُ تقطع أعناق الركاب ولا تُرِي … على السير إلا صَلْدَمًا ما تزيلُ تَرَى أثر الأنساع فيها كأنّه … على ظهر عادي يُعاليه جَنْدَلُ ولو جُعِلَ الكُورُ العِلافيُّ فوقها … واركبه أعنت به ما تحلحل تُرى الموت إن قامتْ فَإِنْ بَرَكَتْ بهِ … ترى موتَهُ عَنْ ظهرها حين ينزل تُرَى ولها بطن وظهر وذروة … وتشرب من برد الشراب وتأكل ومنه قوله (٤): [من الوافر] كأن بلادهن سواد ليلٍ … تُكَشَفُ عن كواكبها الغيوم (٥) عَفَتْ وعهودها متقادمات … وقد يبقى لك العهد القديم (٦) بِعَقْوَتِها الهجان وكلّ طرف … كأنّ نجاز نقبته أديم ومنها يصف مفازة: تموتُ قَطا الفلاة بها أُوامًا … ويهْلِكُ في جوانبها النسيم (٧) بها غُدُرٌ وليس بها بلالٌ … وأَشباح تحول ولا تريم (٨) وترفع من صدورِ شَمَرْدَلاتٍ … يصك وجوهها وَهَجُ النسيم ومنها: وقطع مفازة وركوب أخرى … تكلُّ بها الصبارمة الرسوم

стр. 4729

مِنْهَا: مَلِلْتُ بِهِ الثّواءَ وأرَّقَتْني … هُمُومٌ مَا تَنَامُ وَلَا تُنِيمُ أَبِيتُ بِهِ أُرَاعِي كُلَّ نَجْمٍ … وشَرُّ رِعَايَةِ العَيْنِ النُّجُومُ ومنه قوله (١): [من الطويل] تُسِيئينَ لِيَانِي وَأَنْتِ مَلِيَّةٌ … وأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الوِشَاحِ التَّقَاضِيَا (٢) وأنت غريمٌ لَا أَظُنُّ قَضَاءَهُ … وَلَا العَنَزِيَّ القَارِظَ الدَّهْرَ جَانِيَا (٣) وَكُنْتُ أَرَى مِنْ وَجْهِ مَيَّةَ لَمْحَةً … فَأَبْرُقُ مَغْشِيًا عَلَيَّ مَكَانِيَا وَأَسْمَعُ مِنْهَا نَبْأَةً فَكَأَنَّمَا … أَصَابَ بِهَا سَهْمٌ طَرِيرٌ فُؤَادِيَا وَإِنْ سِرْتُ في الأَرْضِ الفَضَاءِ حَسِبْتَني … أُدَارِي رَحْلِي أَنْ تَمِيلَ حِبَالِيَا (٤) رَأَيْتُ لَهَا مَا لَمْ تَرَ العَيْنُ مِثْلَهُ … لِشَيْءٍ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ المَرَائِيَا هِيَ السِّحْرُ إِلَّا أَنَّ لِلسِّحْرِ رُقْيَةً … وَإِنِّي لَا أَلْقَى لِمَا بِي رَاقِيَا تَقُولُ عَجُوزٌ مَدْرَحِيٌّ مُتَرَّوحًا … عَلَى بَابِهَا مِنْ عِنْدِ أَهْلِي وغَادِيَا وَقَدْ عَرَفَتْ وَجْهِي مَعَ اسْمٍ مُشَهَّرٍ … عَلَى أَنَّنَا كُنَّا نُطِيلُ التَّنَائِ يَا أَذُو زَوْجَةٍ في المِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ … أَرَاكَ لَهَا بِالبَصْرَةِ العَامَ ثَاوِيَا فَقُلْتُ لَهَا: لَا إِنَّ أَهْلِي لَجِيرَةٌ … لأَكْتَبَةَ الدَّهْنَا جَمِيعًا وَمَالِيَا وَمَا كُنْتُ مُذْ أَبْصَرَتْنِي في خُصُومَةٍ … أُرَاجِعُ فِيهَا يَا ابْنَةَ القَوْمِ قَاضِيَا وَلَكِنَّنِي أَقْبَلْتُ مِنْ جَانِبِي قُسًّا … أَزُورُ امْرَأً مَحْضًَا نَجِيبًا يَمَانِيَا مِنْ آلِ أَبِي مُوسَى تَرَى النَّاسَ حَوْلَهُ … كَأَنَّهُمُ الكَرْوَانَ أَبْصَرْنَ بَازِيَا مُرِمِّينَ من ليثٍ عليه مهابة … تَفَادَى الأُسُودُ الغُلْبُ منه تفاديا (٥) فَمَا يُغْرِبُونَ الضَّحْكَ إِلَّا تَبَسُّمًا … وَلَا يَنْبِسُونَ القَوْلَ إِلَّا تَنَاجِيَا (٦) فَمَا الفُحْشَ مِنْهُ يَرْهَبُونَ وَلَا الخَنَا … عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ هَيْبَةٌ هِيَ مَاهِيَا (٧) فَتَى السِّنِّ كَهْلَ الحِلْمِ تَسْمَعُ قَوْلَهُ … يُوَازِنُ أَدْنَاهُ الجِبَالَ الرَّوَاسِيَا (٨)

стр. 4730

منها: وأنتم بني قيس إذا الحرب شمَّرَتْ … حُماة الوغى والخاضبون العواليا (١) منها: وان وضعت أوزارها الحرب كنتم … مصير الندى والمترعين المقاريا (٢) بحور وحكام قضاة وسادة … إذا كان أقوام سواكم مواليا ومنه قوله (٣): [من الوافر] جمعنَ فخامةً وجمعن دلًا … وحسنًا بعد ذلك واعتدالا (٤) كأن جلودهنَّ مموهاتٍ … على أبشارها ذهبًا زلالا (٥) منها: تريك بياض لَبَّتِها ووجهًا … كقرن الشمس أفتق حين زالا (٦) وأشنب واضحًا غُرّ الثنايا … تُرَى مِنْ بين ثنيته خلالا (٧) كأن رضابه من ماءِ كَرْمِ … ترقرق في الزجاج وقد أحالا (٨) وأسحم كالأساود مُسبَكرًا … على المتنين مسندرا جفالا (٩) ومية أحسنُ الثقلين جيدًا … وسالفةً وأحسنه قذا لا (١٠) ولم أر مثلها نظرًا وعينًا … ولا أُمَّ الغزال ولا الغزالا هي السقم الذي لا بُرء منه … وبرء السُّقْمِ لو رضخت نَوَالا (١١) ومنها:

стр. 4731

وإذْلاجي إذا ما اللّيلُ ألقى … على الضعفاءِ أعباءً ثِقالا وشِعرٌ قد أرِقتُ له غَريبٌ … أُجَنِّبُه المُسانِدَ والمِحالا (١) فبِتُّ أُقيمه وأقُدُّ منه … قَوافي لا أُريدُ لها مِثالا (٢) منها: فلم أقذِفِ المُؤمنة حِصانٌ … بحَمْدِ اللهِ مُوجبةً عُضالا (٣) ولم أمدَحْ لأرضِيهِ بشِعري … لَئيمًا أن يكون أصابَ مالا (٤) ولكنَّ الكِرامَ لَهُمْ ثَنائي … فلا أُخرى إذا ما قيلَ قالا (٥) سمعتُ الناسَ يَنتَجِعون غيثًا … فقُلتُ لِصَيْدَح انتَجِعي بَلالا تُناخِي عندَ خَيرِ فتىً يمانٍ … إذا النَّكباءُ ناوحَتِ الشَّمالا (٦) منها: وأبعدُهم مسافةَ غَوْرِ عقلٍ … إذا ما الأمرُ ذو الشُّبهاتِ غالا (٧) كضَوءِ الفَجْرِ ليس بهِ خَفاءً … وأُعطِيتَ المهابةَ والجَمالا تَزيدُ الخَيْزُرانُ يداه طِيبًا … ويَختالُ السَّريرَ بهِ اختِيالا أشمُّ أغرُّ أبيضُ هِبْرِزِيٌّ … يُعَدُّ الرّاغِبينَ له عِيالا (٨) ترى منهُ العِمامةَ فوقَ وجهٍ … كأنَّ على صَفِيحَتِهِ صِقالا ومُعْتَمَدٍ جَعلتُ لهُ ربيعًا … وطاغيةٍ جَعلتُ لهُ نَكالا ومنه قوله (٩): [من الطويل] نظرتُ إلى أظعانِ مَيَّ كأنَّها … مُوليّةً مَيسٌ تميلُ ذوائِبة (١٠) منها:

стр. 4732

ولم يستطع إلف لالف تحية … مِنَ الناس إلا أن يسلّم حاجبه (١) تراءى لنا من بين سجفين لمحة … غزال أحم العين بيض ترائبة (٢) إذا نازعَتْكَ القول مية أو بدا … لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه (٣) فيالك من خد أسيل ومنطق … رخيم ومن خَلْقٍ تعلل جادبة (٤) منها يصف جملًا: يكاد من التصير يرسل كلّما … ترنّمَ أو مس العمامة راكبة إذا عجت منه أو رأى فوقَ ظهرِهِ … تحرَّك شيء ظن أني ضاربة منها: وبيت بمهواه هتكت ستورَهُ … إلى كوكب يروي له الوجه شاربه ألا ربَّ مَنْ يهوى وفاتي ولو أتت … وفاتي لذلت للعدو مراتبه ومنه قوله (٥): [من الطويل] ولم يبق مما كان بيني وبينَها … مِنَ الودّ إلا ما تجن الجوانح (٦) منها: ألا طالما سؤتُ الغيور وبرحت … بي الأعين النجل المراض الصحائح (٧) وساعفت حاجات الغواني وراقني … على البخل رقراقاتهن الملائح (٨) وسايرت ركبان الصبا واستفزني … مُسِرّاتُ أضغان القلوب الطوامح (٩) ومنه قوله (١٠): [من الطويل] خليلي عدا حاجتي مِنْ هواكما … ومَنْ ذا يؤاسي النفس إلا خليلها منها:

стр. 4733

فإن لم يكن إلا تعلَّلُ ساعةً … قليلًا فإني نافع لي قليلها منها: لقد أشربت نفسي لمي مودةً … تقضى الليالي وهو باق وسيلها (١) مهفهفة الكشحين رود شبابُها … مبتلةً جود جود نبيل حُجُولُها وقد تيمت قلبي فليس بنازع … وقد شَفَّه هجرانُها ومُطُولُها ومنه قوله (٢): [من الطويل] فلما عرفت الدار واعتزني الهوى … تذكرتُ هل لي إن تصابيتُ من عُذْرِ (٣) فلم أر عذرًا بعد عشرينَ حِجَّةٍ … مضت لي وعشر قد مضين إلى عشر فأخفيت شوقي من رفيقي وإنه … لذو نسب دان إليَّ وذو حجر منها: هواك الذي ينهاض بعد اندماله … كما هاض هاد متعب صاحب الكسر (٤) منها: مِنَ الواضحات البيض تجري عقودها … على ظبية بالرمل فاردة بكر (٥) منها: يُقطِّعُ موضوع الحديث ابتسامها … تقطَّع ماءُ المُزْنِ في نُزَفَ الخَمْرِ (٦) منها: لها سُنَّةٌ كالشمس في طلقة الضحى … بَدَتْ من سحاب وهي جانحةُ العَصْرِ (٧) فما روضةً من حرِّ نجد تهلَّلَتْ … عليها سماء ليلة والصبا تسري بأطيب منها نكهةً بعد هجعةٍ … ونَشْرًا ولا وعْسَاءُ طيبةُ النَّشْرِ (٨)

стр. 4734

منها: فلا تيأسن من أنني لك ناصح … ومَنْ أنزلَ الفُرقان في ليلة القَدْرِ منها: أخًا وصله زين الكريم وفضله … يُجيرك بعد الله مِنْ تَلف الدهر منها: تَصاغَرُ أَشراف البرية حوله … لأزهر صافي اللون مِنْ نَفَرٍ زُهر (١) ومنه قوله (٢): [من الطويل] إذا غير النأي المحبين لم أجد … رسيس الهوى من حُبِّ ميَّة يبرحُ (٣) على حين راهقت الثلاثين وارعوت … لِدَاتي وكانَ الحِلمُ بالجهل يرجح (٤) منها: ذكرتُكِ إن مرَّت بنا أُمُّ شادنٍ … أَمامَ المَطايا تشرئب وتسنح (٥) مِنَ المؤلفاتِ الرَّمْلَ أَدماء حرةٌ … شعاع الضحى من لونها يتوضح (٦) هي الشبه أعطافًا وجيدًا ومقلةً … وميَّةُ أَبهى بعد منها وأملح (٧) أَناةٌ يطيب البيتُ مِنْ طِيب نشرها … بعيد الكرى زين له حين تُصْبح (٨) ترى قُرطها في واضح اللَّيْتِ مُشْرِفًا … على قَلَتٍ في نفنفٍ يتطوح (٩) منها: ولما شكوتُ الحبَّ كيما تثيبني … بوجدي فقالت إنما أنت تمزح منها: أبيتُ على مي حزينًا وبعلها … يبيتُ على مثل النقا يتبطح منها: لئن كانت الدنيا علي كما أرى … تباريحَ مِنْ ذكراك فالموتُ أروح

стр. 4735

لها إذن حشر وذفرى أسيلةٌ … وخد كمرآة العرينة أسجح ومنه قوله: (١): [من الطويل] وقفنا فسلمنا فكادت بمشرفٍ … لعرفان صوتي دمنة الدار تنطق أراني إذا هومت يا ميُّ زُرتِني … فيا نعمتا لو أن رؤياي تصدق (٢) منها: وإنسان عيني يحسر الماء تارةً … فيبدو وأحيانًا يجم فيغرق منها: لها جيد أُمّ الخشف ريعت فأتلفت … ووجه كقرن الشمس ريَّانُ مشرق (٣) وعين كعين الرئم فيها ملاحَة … هي السحر أو أدهى التباسًا وأعلفُ (٤) منها: فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها … شفاء الصدى والليل أدهم أبلق ومنه قوله (٥): [من الطويل] عشية مالي حيلةٌ غير أنني … بلقط الحصى والحط في التُّربِ مُوَلعُ أخط وأمحو الخطّ ثم أُعيده … يكفي والغربان حولي وقع كأن سنانًا فارسيًا أصابني … على كبدي بل لوعة البين أوجع (٦) منها يصف ناقةً: على مثلها يدنو البعيد ويبعد الـ … ـقريب ويُطوى النازح المتنعنع (٧) ومنه قوله (٨): [من الطويل] كأن على فيها تلألؤ مزنةٍ … وميضًا إذا زان الحديث ابتسامها ومنه قوله (٩): [من البسيط]

стр. 4736

في طَحْمَةٍ من تميم لو يُصلُّ بها … رُكنا ثبير لأمسى مائل السَّنَد (١) لولا النبوة ما أعطوا بني رجلٍ … حَبْلَ المَقَادة في بحر ولا بلد ومنه قوله (٢): [من الطويل] سَبَاريت يخلو سمعُ مُجْتابِ أرضِها … مِنَ الصوت إلا مِنْ صِبَاحِ الثعالب ومنه قوله (٣): [من الطويل] إذا أعرضت بالرمل ادماء عوهج … لنا قلتُ هذي عين مي وجيدها (٤) وما زال يعلو حُبُّ مِيَّةَ عندنا … ويزداد حتى لم نجد ما يزيدها منها: قوافٍ كَشَامِ الوجه باقٍ حَبارُها … إذا أُرسلت لم يثن شيئًا شريدها (٥) توافي بها الركبان في كل موسم … ويحلو بأفواه الرجال نشيدها ومنهم: [٩٥] أرطاة بن سُهَيَّة المُرّي (٦) المكنى بأبي الوليد، المحني انحناء القوس لطول عمره المديد، المرمي من عصاه التي يحملها بسهم الفناء، المقصي عن خيله بموت القرناء. عاش ثلاثين ومائة

стр. 4737

سنة خاض عبابها، وخالط بهرمه شبابها، وطوى مددها طي السجل، ولبس جددها لبس الشاب المدل، ولحق عبد الملك بن مروان ووفد عليه فقربه، وقلبه بنظره وأكثر تعجبه، وسأله عن عمره، ثم استنشده من شعره فقال: [من الوافر] رَأَيْتُ المَرْءَ تأكلهُ الليالي … كَأَكْلِ الأَرْضِ سَاقِطَةَ الحَدِيدِ ومَا تَبْغِي المَنِيَّةُ حِينَ تَأْتِي … عَلَى نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنْ مَزيدِ وأَعْلَمُ أنَّهَا سَتَكُرُّ حَتَّى … تُوَفِّي نَذْرَها بأَبي الوليدِ فظن أنه أراده بقوله: توفي نذرها بأبي الوليد، لأن عبد الملك كان يكنى بها، فارتاع، وارتاب حتى كاد يكشف القناع، ففطن أرطأة لتغيره، وتغيظه لإفراط شكره، فقال: يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فسكنت شقاشق عبد الملك وتغيظه، وسكت لزوال ما كان يحفظه، ومن شعر أرطأة يرثي ابنه (١): [من الطويل] وَقَفْتُ عَلَى قَبْرِ أَبْنَ لَيْلَى وَلَمْ يَكُنْ … وُقُوفي عَلَيْهِ غَيْرَ مَبْكَى وَمَجْزَعِ هَلْ أنتَ ابْنَ لَيْلَى إِنْ نَظَرْتُكَ رَائِحٌ … مَعَ الرَّكْبِ أو غادٍ غداةَ غَدٍ مَعِي (٢) عن الدهر فاعتب إِنَّهُ غيرُ مُعْتِبٍ … وفي غير ما قد وارتِ الأرضُ فاطمعِ (٣) ومن مختاره بيت لقائله به ذكر بين الأحياء وهو بيت طبقته رفيعة، ومرقاته منيعة، نشط له على حسن هرمه، وأسأله من بقية دمه، وهو (٤): [من الطويل] فَقُلْتُ لَهَا يَا أُمَّ بَيْضَاءَ إِنَّهُ … هَرِيقُ شَبَابِي وأَسْتَشِنُّ أَدِيمي ومنهم: [٩٦] مُضَرِّس بن ربعي الأسدي (٥) ضَرَسَ الفُحُولَ بأنياب لا تَكِل، وضَرَمَ النار على قلوب لمعارضته تشتعل بالغل،

стр. 4738

كالسيف إن لا ينتهُ لانَ، وحدّاه إن خاشنته خشنان، له في شعره يدٌ مديدة وقريحة تعقل كل قافية شريدة، يتطوّر في كل طور، ويتحدر كالبرد على النور، ويقضي في إحسانه على الشعراء بالجور، ويفضي إلى المعاني فتطيعه على الفور. يقدر في السرد، ويضرب المثل الفرد، ويطبع الألفاظ ذهبًا مسبوكًا، ويضعها وضعًا محبوكًا، ويذلل المجهول حتى يعود مسلوكًا، يطعن بلسانه وسنانه، ويتنقل في فنون الشعر تنقل المتنزه في بستانه، وله مع الفرزدق خبر حكته الرواة وحكمت فيه حكمًا لو شئت بثته ولكن لا أراه. فمما طار من شعره المختار قوله (١): [من الكامل] [قُلْ للفرزدق شَرِّ آلِ مُجاشع … خالًا وشرُّ مجاشع أعماما أعدَلتَ دَودَانَ الكرام بدارم … سبحان ربك ما يرومُ مَرَاما إن كنتَ تَرجُو يا فرزدق مجدنًا … فاحمل على كتفي أبيك شماما ولأنتَ أَلأم يا بنَ قَيْنِ مُجاشع … مِنْ أن تقوم فتحمل الأعلاما] (٢) وقوله (٣): [من الطويل] وعادلة تخشى الردى أن يُصيبني … تروح وتغدو بالمَلامَة والقَسَمْ تقول: هلكنا إن هلكت وإنما … على الله أرزاقُ العِبادِ كَمَا زَعَمْ وإني أحبُّ الخُلد لو أستطعُهُ … وكالخلدِ عِنْدي أَنْ أَمُوتَ وَلَمْ أُذَمْ وقوله (٤): [من الطويل] وليس يزينُ الرَّحْل نطع ونمرقٌ … ولكن يزينُ الرّحْلَ مَنْ هو راكبة كأن الفتى لم يحي يومًا إذا جرى … على قبره هابي التراب وحاصبه وقوله (٥): [من الطويل] فلا تهلكنَّ النفس لومًا وحَسْرةً … على الشيء سداه لغيرك قادره

стр. 4739

ولا تيأسن من صالح أن تَنَالَهُ … ولو كان نهيًا بين أيدٍ تُبادِرُه وما فات فاتركه إذا عزّ واصطبر … على الدهر إن دارت عليك دوائره فإنك لا تعطي امرءًا حظَّ غيرِهِ … ولا تعرف الشق الذي الغيث ماطره [ومنها: وإني لسوار الهوى في شبيبتي … إلى المجد سباق به مَنْ أخاطره إذا جاءني موت من الحي لم أكن … كَمَنْ ظَنَّ أنّ البيت والليل سايره أقل مرحبًا قد صادف الحق أهله … صلى كافيًا أو مؤذيًا من يؤازره إذا المرء أولاكَ الهوانَ فأَوْلِهِ … هوانًا وإن كانت قريبًا أواصره فإن أنت لم تقدر على أن تهينَهُ … فَذَرْهُ إلى اليوم الذي أنت قادره وقارب إذا ما لم تكن لك حيلةٌ … وصَمِّم إذا أبقيت أنك عاشره] (١) ومن تشبيهاته التي عقمت عنها القرائح المولدة، وأحيت الليالي في مراقبه مثلها بين النجوم العيون السمهدة، قوله: صفراء عارية الأشاجع رأسها … مثل المدق وأنفها كالمسرد (٢) ومنهم: [٩٧] جميل بن عبد الله معمر (٣) صاحب بُثَيْنَة، ومصاحب حبّها حتى فرق الموت بينها وبينه. العذري نسبًا وهوى، الوري حسبًا وضاحًا وجوى، وكان في دعوى الحب صادقًا غير مريب، صادعًا قلبه صوت كل نجيب وصوب كل غمام يبكي فراق حبيب، وصون كل عاشق

стр. 4740

لعهد غزال ربيب، لا مثل كثير عزة ودعواه وعزة نفسه الآبية على هواه، بل كان لا يخلفها موعدا ولا يخلفها مبعدا، وكانت له على مثل ما كان لها من صدق الوفاء وقصد الصفاء، ومقارضة الحب ودادا، ومعارضة الحب أو أكثر ازديادا، مع عفاف يتضوع به عبق برديه، ويرتفع به التكليف عن قلم كاتبيه، حتى قضيا على هذا التصافي مُدَّة أعمارهما، وأبليا جدة الدهر في زاوية أخبارهما. وكان ظاهر الوسامه باهر المحيا كأنما سلب القمر تمامه، مأثور الشجاعة، مشهور الكرم إبّان المجاعة، يربأ بنفسه عن الهجاء والمدح والرجاء والمنح، إنما يصرف ما عنده من فضل اللسن إلى النسيب، يخالط هذا في النساء من التشبيب، ومن منتقى شعره العجيب، قوله (١): [من الطويل] فَلَيْتَ رِجالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمي … وَهَمُّوا بِقَتْلي يا بُثَيْنَ لَقُوني (٢) إذا ما رَأَوْني طالعًا مِنْ ثَنِيَّةٍ … يَقولونَ مَنْ هذا وقد عَرَفُوني (٣) مِنَ البِيضِ لَمْ تَعْقِدْ نطاقًا بِخَصْرِها … وَلَمْ يُرْحَ مَتْنَيْهَا ارْتِكاضُ جَنينِ (٤) جَلَتْ بَردًا غُرًّا ترقُ غُرُوبُهُ … عِذابَ الثَّنايا لَمْ تُشَبْ بِأُجُونَ (٥)

стр. 4741

ومه قوله (١): [من الطويل] تَرَى النَّاسَ مَا سِرْنَا يَسِيرُونَ خَلْفَنَا … وَإِنْ نَحْنُ أَوْمَأْنَا إِلَى النَّاسِ وَقَّفُوا (٢) بَرَزْنَا وَأَصْحَرْنَا لِكُلِّ قَبِيلَةٍ … بِأَسْيَافِنَا إِذْ يُؤْكَلُ الْمُتَضَعَّفُ (٣) ومنه قوله (٤): [من البسيط] حَلَّتْ بُشَيْنَةُ مِنْ قَلْبِي بِمَنْزِلَةِ … بَيْنَ الْجَوَانِحِ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا أَحَدُ (٥) هَيْفَاءُ مُقْبِلَةٌ عَجْزَاءُ مُدْبِرَةٌ … تَمَّتْ فَلَيْسَ يُرَى فِي خَلْقِهَا أَوَدُ (٦) وَعَاذِلُونَ لَحَوْنِي فِي مَوَدَّتِهَا … يَا لَيْتَهُمْ وَجَدُوا مِثْلَ الَّذِي أَجِدُ (٧) لَمَّا أَطَالُوا عِتَابِي فِيكِ قُلْتُ لَهُمْ: … لَا تُفْرِطُوا بَعْضَ هَذَا اللَّوْمِ وَاقْتَصِدُوا (٨) قَدْ مَاتَ قَبْلِي أَخُو نَهْدٍ وَصَاحِبُهُ … مُرَقِّسٌ وَاشْتَفَى مِنْ عُرْوَةَ الْكَمَدُ (٩) وَكُلُّهُمْ كَانَ مِنْ عِشْقٍ مَنِيَّتُهُ … وَقَدْ وُجِدْتُ بِهَا فَوْقَ الَّذِي وَجَدُوا (١٠) ومنه قوله (١١): [من الطويل]

стр. 4742

إذا قُلْتُ قَدْ جادتْ لنا بِنَوالِها … أَبَتْ ثمّ قالَتْ خُطَّةٌ لا أشاؤُها (١) أعاذلتي فيها لَكِ الوَيْلُ أَقْصِرِي … مِنَ اللوم عنّي اليَومَ أَنْتِ فِداؤُها ومنه قوله (٢): [من الطويل] يقضين إلا ذكرةً كلّما اعترت … تبادر مستن من الدمع هامل يجود به طورًا وطورًا كأنه … إذا أنا فيه العين بالدمع واسل ليالي إذ يُغضي مقالة مَنْ وشى … وإذ نحنُ لم يحمل لنا السر حامل أبي القلب إلا أن يُنبِّه همّةً … بها وله منها سقام مماطل عَشِيَّةَ قالت في العِتابِ: َقتَلْتَني … وقتلي، بما قالت هناك، تُحاوِلُ تقد فروع الهام والهام تحته … ببيض خفاف أخلصتها الصياقل لوامع يخطفن النفوس كأنها … مصابيح شبتْ أو بروق عوامل ومنه قوله (٣): لقد أرقت عيني وطالَ سُفُوحُها … وأصبحَ من نفسي سقيمًا صحيحها (٤) فلا أنا أرجو أن نعيش سَوِيَّةً … ولا الموتُ مما قد شجاها مريحها فيا ليتنا نحيا جميعًا، وإن نمت، … يُجاوِرُ في الموتى ضريحي ضريحها فما أنا في طول الحياة براغب … إذا قِيلَ قد سُوّي عليها صَفِيحُها (٥) أظلُّ نهاري مُستهامًا ويلتقي، … مع الليل روحي في المنام وروحها فهل لي في كتمان حبّيَ راحة، … وهل تنفعني بوحةٌ لو أبوحها (٦) ومنه قوله (٧) يصف حنين الناقة: [من الطويل] فمافيت حتى كأن يراعة … بارادًا لحيها يرجعها القصب وحنت وحن العيس حتى كأنها … ماتم قامت بالمنادي أو سِرْبُ ومنه قوله: [من الطويل] مِنَ البيض مِعْطَارٌ كأَنَّ حديثها … صُبابَةُ شَهْدٍ ذَابَ مِنْ ضَرَبِ النَّحْلِ

стр. 4743

إذا ما مشت هزَّتْ روادف نعمةٍ … يكلّفُها عِب القيام مِنَ الشَّقْلِ تراءات لنا يوم العقيق فأقصدت … فؤاد امرئ لم يؤتَ منها الذي يسلي إذا قال مهلًا ناصح عن وصالها … أبيتُ فما بي سلوةٌ لا ولا مَهْلُ ومنه قوله: [من الطويل] هم منعوا ما بين مصر فذي القُرى، … إلى الشامِ، مِنْ حِلَّ بهِ وحَرَامِ بضرب يُزيل الهام عن سكناتِهِ، … وطعن، كإبزاغِ المَخاضِ تُؤامِ ومنه قوله (١): [من الطويل] أفي النَّاسِ أمثالي أحَبُّوا فَحُبُّهُمْ … كَحُبِّيَ أَمْ أَحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحدي (٢) فَلَمْ أَرَ مِثْلَ النَّاسِ لَمْ يَغْلِبوا الهوى … ولم أرَ داءً كالهوى كيف لا يُعدي (٣) أكان كذا يَلْقى المُحِبُّونَ قبلنا … بمَنْ ومقوا أو لمْ يَجِدْ أَحدٌ وَجْدي (٤) وما زادها الواشون إلا كرامةً … عليَّ وما زالَتْ مَوَدَّتُها عِنْدي (٥) ومنه قوله: [من الكامل] حلفت بثينة لا تجد حبالَها … وَوَدِدْت لو عطفت علي نوالها وسبت فؤادك يومَ رُحْتَ بواردٍ … جبل يدق ساقها خلخالها خود كأن بثغرها مختومةً … تسفي شتيت لثاتها حربا لها وجرى السواك على أغرَّ كأنه … منها أقاحي رملة أخلي لها ومنه قوله (٦): [من الطويل] زِوَرَّةُ أَسْفَارٍ إِذا حُطَ رَحْلُها … رَأَيْتَ بدَفَّيْها تباشير تَبْرُقُ (٧) يَبُدُّ العتاق الناجياتِ ذَميلُها … ويَهْلِكْنَ في مَوْضُوعِها حِينَ تُعْنِقُ (٨)

стр. 4744

أَضَرَّتْ بها الحاجاتُ حَتَّى كَأَنَّما … أَلَحَّ عليها جازِرٌ مُتَعَرِّقُ (١) ومنه قوله (٢): [من الطويل] فابت لما أبديت إما مباعد … لضرم وإما عاتب متذلل هبيني بريئًا نلته بظلامةٍ … عَفاها لكم أو مذنبًا يتنصل ومنه قوله (٣): [من الكامل] سقى طَلَلَيْنا، يا بثين، بحاجر، … على الهجر منا صيف وربيع (٤) وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى … بَلِينَ بِلّى، لم تَبْلَهُنَّ ربوع وإني عن الأمر الذي يلتوي به … إذا زَجَرِتْني رجمة لرجيع فويحك من نفس شعاع! فإنني … نهيتُكِ عن هذا، وأنتِ جميع (٥) يقولون: صَب بالغواني موكَّلٌ، … وهل ذاك من فعل الرجال بديع؟ (٦) ومنه قوله (٧): [من الطويل] وقالتْ عُيُون لا تزالُ مُطِلَّةٌ … عَلَيْنا وحَوْلِي مِنْ عَدُوِّكَ كُشْحُ (٨) إذا جِئْتَنَا فَانْظُرْ بِعَيْنِ جَلِيَّةٍ … إلينا ولا يَغْرُرْكَ مَنْ يَتَنَصَّحُ (٩) ومنه قوله (١٠): [من الطويل] فإن كنت قد أحدثت صرمًا لبينها … فإني على هجرانها لي عاشق يضم علي الليل أطراف حبّها … كما ضم أطراف القميص البنائقُ ومنه قوله (١١): [من الطويل]

стр. 4745

ذَكَرْتُكِ بالدَّيْرَينِ يومًا فأَشْرَفَتْ … بَناتُ الهَوى حتَّى بَلَغْنَ التَّراقيَا وما زلتِ بي، يا بَثْنَ، حتى لو أننّي … من الوجد، استبكي الحمام، بكى ليا ومنهم: [٩٨] عمر بن أبي ربيعة المخزومي (١) عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأمه من مولدات اليمن اسمها مجد. له نزعات حلوة، ونزغات هوًى وصحوة، وعلامات جوًى أظهر بها زهوه، وعلاقات حب لا يقبل عليها من السلُو رشوة، ووقائع لهو شدَّ بها فقلد فيها له الاخوة. أكثر من الغزل، واقتصر عليه فلم يزل، وفتك تارة فهزل، ونسك أخرى فاعتزل، وهو إمام تلك الطريقة، وقدوة العشاق في مذاهبهم الرقيقة، يلج بغزله على المخدرة خدرها المحجب، ويختلس لبها فتظل به تعجب ومنه تتعجب. الأهواء بشعره غريّة، وبشواهده تحتج في العربية لسلامة طبعه، وسلاسة نبعه، وسهولة سبكه، وصحة لفظه إذا عرضه الناقد على محكه. ذكر الشباب والتشبيب، وتودَّع عن الهجو المعيب، وترفع عن مدح البعيد والقريب، وتربّع في النساء والنسيب. تعلق في معانيه بالثريا، وغلق في التعرض لإساءة الظن بما لا تهيّا. وقد قال بعضهم: إن أشعر قريش عمر بن أبي ربيعة، وأنا أرى

стр. 4746

أنها مبالغة بديعة أو شنيعة. ويروى أنه قال يومًا: ولدت يوم مات عمر بن الخطاب، فقال بعض من يرجع إليه: أي حق رفع، وأي باطل وضع. وهو على تهالكه، وقلة تماسكه، له قدر كبير، ومجد أثير، وخلوة عفيفة، ونخوة لا تسلبه تشريفه، لا ترمى بطيش، ولا تخرجه عن سيادة قومه قريش، ما كان يستغويه من لذة العيش، وما هي إلا عارضة أدب، وعارمة طرب، وقد يتطرق اللسان، ولا تتخطف الشهوة الإنسان، فمن منتقاه المستعذب في الأفواه قوله (١): [من الطويل] أَخَا سَفَرٍ جَوَّابَ أَرْضٍ تَقَاذَفَتْ … بِهِ فَلَوَاتٌ، فَهُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ (٢) قَلِيلٌ عَلَى ظَهْرِ المَطِيَّةِ ظِلُّهُ، … سِوَى مَا نَفَى عَنْهُ الرِّدَاءُ المُحَبَّرُ (٣) منها: يَمُجُّ ذَكِيَّ المِسْكِ مِنْهَا مُفَلَّجٌ، … نَقِيُّ الثَّنَايَا ذُو غُرُوبٍ مُؤَشَّرُ (٤) تَرَاهُ، إِذَا تَفْتَرُّ عَنْهُ، كَأَنَّهُ … حَصَى بَرَدٍ، أَوْ أَقْحُوَانٌ مُنَوَّرُ (٥) منها: وَمَاءٍ بِمُومَاةٍ، قَلِيلٌ أَنِيسُهُ، … بِسَابِسٍ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ الصَّيْفُ مُحْضَرُ (٦) بِهِ مُبْتَنَى لِلْعَنْكَبُوتِ، كَأَنَّهُ … عَلَى طَرَفِ الأَرْجَاءِ خَامٌ مُنَشَّرُ (٧) وقوله (٨): [من الوافر] كَأَنَّ الرَّبْعَ أَلْبَسَ عَبْقَرِيًّا … مِنَ الْجُنْدِيِّ أَوْ بُزَّ الجُرُوبِ (٩)

стр. 4747

كأن مَقَصَّ رامسةٍ عليه، معَ الحِدْثانِ، سطر في عسيب (١) وقوله (٢) في الثغر: [من الطويل] كمثل أقاحي الرّمل، يجلو متونه … سقوط ندى من آخر الليل مخضل إذا ابتسمت، قلت انكلال غمامة، … خفا برقها في عارض مُتَهَلِّل (٣) وقوله في الركاب: [من الطويل] ينضون بالموماةِ خُوصًا، كأنّها … شرائح يُنع، أو سراءُ مُعَطَّل وقوله في الفرس: [من المتقارب] له منعة كاضطرامِ الحريق … في العيص والأجم المستعر ويهوي كمثل هوي الدلاء … في قطعة الكَرَبِ المُنحدر وتبقى سنابكه بالفلاةِ … كمثل الدوادي لدى المحتفر وقوله (٤): [من الرمل] قد دعاني، وقد دعاهُنّ للهـ … وشجون، مهمة الأشجان فاجتنينا من الغصون حديثًا، … حيثُ لا يجتني، لَعَمْرُكِ، جاني وقوله (٥): [من الطويل] دعاه إلى هند تصاب، ونظرةٌ، … تدلي إلى أشياء فيها متالِفُ سَبَتْه بوحفٍ في عقاص، كأنّه … عناقيد دلاها من الكرم قاطف (٦) وقوله (٧): [من المتقارب] وقُمْنَ يَقُلْنَ: لو أنّ النّها … رَمُدّلهُ اللّيل، فاستأخرا قَضَيْنَا بِهِ بعض ما نشتهي، … وكان الحديث به أجدرا

стр. 4748

وقوله: فقمن فقلن: لو أنّ النهارَ … مدَّ له الليل فاستأخرا قضينابه بعض أشجاننا … وكان الحديث به أعذرا وقوله (١): [من الكامل] لاتجعلن أحدًا عليكَ، إذا … أحببته وهويته، إلبا وصل الحبيب إذا كلفت به، … واطو الزيارة دونه غبا (٢) فَلَذَّاكَ خيرٌ من مواصلة، … ليست تزيدُكَ عندهُ قُرْبا [وقوله (٣): [من الطويل] أفق، قد أفاق الواجدون وفارقوا الـ … ـهوى، واستمرت بالرجال المرائر (٤) أمِتْ حُبَّها، واجعَلْ رجاء وصالها … وعشرتها أمثال من لا تُعاشر وهبها كشيء لم يكن، أو كنازح … به الدار، أو مَنْ غَيبَتْهُ المقابر] (٥) وقوله (٦): [من الخفيف] من لَدُنْ فحمة العشاء إلى أنْ … لاحَ ورد يشق جَوْنًا بهيما (٧) وقوله (٨): [من الطويل] فلما تواقفنا، وسلمتُ أشرقت … وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا تبالهن بالعرفان، لما عرفنني، … وقلن: امرؤ باغ أكل وأوضعا! (٩) وقربن أسباب الهوى لمتَيَّم، … يقيس ذراعًا كُلَّما قِسْنَ إِصْبَعا فلما تنازعن الأحاديث، قلنَ لي: … أخِفْتَ علينا أن نُغَرٌ ونُخْدَعا؟ وقوله (١٠): [من الرمل]

стр. 4749

وأتتها طبةٌ خلابة … تمزجُ الجِدَّ بشيء مِنْ لَعِبْ ترفع الصوت إذا لانت لها … وتراخي عند سورات الغضب وقوله (١): [من الطويل] نظرتُ إليها بالمُحَصَّبِ من مِنّى … ولي نظرٌ، لولا التحرّجُ، عارِمُ (٢) فقلتُ: أشمْسُ أم مصابيحُ بِيعَةٍ … بَدتْ لك تحتَ السجف أم أنت حالم؟ بعيدةُ مهوى القُرْط، إمّا لَنَوفل أبوها … وإما عبد شمس، وهاشم (٣) وقوله (٤): [من البسيط] السِّرُّ يكتُمُهُ الاثنان بينهما … وكلُّ سرّ عدا الاثنين منتشر والمرء، إن هو لم يرقب بصَبوَتِهِ … لَمْحَ العُيونِ، بسوء الظنِّ يَشتَهرُ وقوله (٥): [من الكامل] ولقد قرأت كتابها، ففهمتُه … لو كان غير كتابها لم أفهم عجمت عليه بكفها وبنانها … من ماء مقلتها، بغيرِ المُعْجَم (٦) ومشى الرسول بحاجةٍ مكتومة … لولا ملاحةُ بعضها، لم تُكتَمِ وقوله (٧): [من الكامل] قد كنتُ أعذل في الصبابة والصبا … عجبًا لما تأتي به الأيام! والآن أعذرُهُمْ، وأعلم أنّما … سُبُلُ الضَّلالة والهدى أقسام وقوله (٨): [من الطويل] تشكّى الكُمَيتُ الجَرْيَ لما جهدته … وكلَّم لو يسطيع أن يتكلّما (٩) فما راعهم إلا الأغَرُّ كأنّهُ … عُقابٌ هَوَتْ مُنقضةً قد رأت دما

стр. 4750

وقوله: [من الطويل] وقد لاحت الجوزاء حتى كأنها … صوارٌ تَدَلَّى من حفوف كثيب وقوله: [من الطويل] وإنا ليجري بيننا حين نلتقي … حديث له وَشْي كوَشْي المَطَارِفِ حديث كوقع القطر بالمَحْلِ يشتفي … بهِ مِنْ جوّى في داخل القلبِ شاغفِ [وقوله (١)]: [من الرمل] أكَما تنعتني تُبْصِرْنَني … حسبُكنَّ الله، أم لا يقتصد (٢)؟ فتضاحكن، وقد قُلْنَ لها: … حَسنُ في كلّ عينٍ مَنْ تَوَدَ! ومنهم: [٩٩] قيس بن الملوح المجنون (٣) اختلف في اسمه واسم أبيه ونسبه، والأكثر على أنه ما سميناه به، وأنه من عامر وهو مجنون ليلى الذي قتله حبّها، وخبله ما تحويه نقبها رآها فهام بها، وهان عليه ما يلقاه في حبها ما بلغ عاشق مبلغه، ولا فرع وامق عمره فيما فرعه، وفضل العاشقين الأول صبابة ذهبت بعقله، وهبت العشاق فواضل عذله، استهيم بليلي واستربت بها

стр. 4751

نهارًا وليلا، وهام على وجهه لا يرده بر متقاذف، ولا بحر مجهول المعارف، فسبب طرفه للسباسب، ونكر عرفه للمناسب، واتخذ الفقر اليباب منزلا، والبر البعيد المآب معزلا، حتى أنس به الوحش، ويأس منه أهله إلا لقيًا على النعش، ويقال إنه لم يزل حاله صالحًا وهو يتتيّمها، صاليًا بنارها وهو بين ضلوعه يكتمها، حتى قال: قضاها لغيري وابتلاني بحبّها … فهلا بشيء غير ليلي ابتلانيا قبلي بالخبال، وبقي على ما عرف ذاهل البال، لقوله: «فهلا بشيء غير ليل ابتلانيا» لما في هذا من التسخط بسابق المقدور وسالف القضاء في الأمور، وهكذا كثير من جرى بالغال منطقه، وقضى بتصحيح المقال منطقه، يظن كل دار دارها، وكل نار نارها، فاشتهر بها هيامه، وظهر في حيها غرامه، ولم يبق حي من أحياء العرب إلا وبه من حديثه سامر، ومن أحداثه من يحدّث عن ليلى، ومجنون بني عامر، وله ديوان أكثره منحول، وجوهره منه ما نقول: [من الوافر] فقالوا: أين مسكنها ومَنْ هِي … فقلت: الشمس مسكنها السماء فقالوا: مَنْ رأيتَ أحبّ شمسًا … فقلتُ علي قد نزل القضاء إذا عقد القضاء عليّ أمرًا … فليس يحلُّهُ إلا الفضاء وقوله: [من الطويل] أرى أهل ليلى أورثوني صبابة … ومالي سوى ليلى الغداة طبيب إذا ما رأوني أظهروا لي مودّةً … ومثلُ سيوفِ الهند حين أغيب فإن يمنعوا عيني منها فمن لهم … بقلب له بين الضلوع وَجِيبُ إذا كان يا ليلى اشتياقي إليكم … ضَلالًا وفي بري لأهلِكِ حُوْب

стр. 4752

فما تُبْتُ من ذنب إذا تبتُ منكُمُ … وما الناس إلا مخطئ ومُصيب بنفسي وأهلي [مَنْ] إذا عرضوا له … ببعض الأذى لم يدر كيف يُجيبُ ولم يعتذر عُذر البريء ولم يزل … به سكتة حتى يقال: مُريب فلا النفس يسليها البعاد فتنتهي … ولا هي عمّا لا تنال تطيب وكم زفرة لي لو على البحرِ أَشْرَفَتْ … لا نشقه حر لها ولهيب ولو أن ما بي بالحصى فلق الحَصَى … وبالريح لم يُسمع لهنَّ هُبُوبُ وألقى من الحب المبرح لوعة … لها بين جلدي والعظام دبيب وقوله: جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى … وفاضت له مِنْ مقلتي غُروب وما ذاك إلا حين أخبرتُ أنه … يمرُّ بوادٍ أنتِ منه قريب يكون أجاجًا دونَكُمْ فإذا انتهى … إليكم يُلقى طيبكم فيطيب وإني لاستحييك حتى كأنما … عليّ بظهر الغيب منكِ رقيب وقوله (١): ولم أرى ليلى غير موقف ساعة … بخيف منّى ترمي جمارَ المُحَصَّبِ ويبدي الحصى منها إذا قذفت به … من البرد أطراف البنان المُخضَبِ فأصبحت من ليلى الغداة كناظر … مع الصبح في أعقاب نجم مُغَرِّبِ ألا إنما غادرت يا أم مالكِ … صدى أينما تذهب به الريح يذهب وقوله: [من الطويل] فأحببتها حبًا يقر بعينها … وحبّي إذا أحببتُ لا يُشبه الحُبا ولو تفلت في البحر والبحر مالح … لأصبح ماء البحرِ مِنْ ريقها عَذْبا وقوله: [من الطويل] ومليحة أطلال العَشِيَّاتِ لو بَدَتْ … لوحش شرود لاطمأنت قلوبها أهابك إجلالًا وما بكِ قدرة … عليّ ولكن ملء عين حبيبها وقوله: [من الطويل] أراك إلى نجد تحن وإنما … هوى كل نفس حيث حل حبيبها وما هجرتك النفس يا ليل أنها … قَلَتْكِ ولا أن قل منكِ نصيبها

стр. 4753

ولكنهم يا أملح الناس أولعوا بقول إذا ما جئتُ هذا حبيبها وقوله: [من الطويل] ألا يا حمام الأيكِ مالك باكيًا … أفارقت إلفًا أم جفاك حبيبُ (١) فقال: رماني الدهر منه بقوسِهِ … وأعرض إلفي فالفؤاد يذوب وقوله: كثير من العُذال ما يتركونني … لَعَمْرُك ما في العاذلين كثيبُ يقولون: لو خالفت قلبك لارعوى … فقلتُ: وهل للعاشقين قلوبُ وقوله: [من الوافر] إذا خِفْنا من الرقباء عَيْنًا تكلَّمتِ … العيون عن القلوب وفي غرم الجوانح مُسْتَرَاحُ … لحاجاتِ المُحِبّ إلى الحبيب وقوله: [من الطويل] فما وَجْدُ أعرابيةٍ قَذَفَتْ بها … صروف النوى مِنْ حيث لم تكُ ظَنَّتِ تمنت أجاليب الرعاء وخيمةً … بنجد فلم يُقدر لها ما تمنّتِ إذا ذكرت ماء العذيب وطيبَهُ … وبَرْدَ حَصَاه آخر الليل حنَّتِ لها أنَّةٌ قبل العشاء وأَنَّةٌ … سُحيرًا فلولا أنتاها لحنَّتِ بأوجد مِنْ وجد بليلى وجدتُهُ … غداةَ غدونا غُدوة واطمأنتِ وأبرح مني لوعة غير أنني … أقرر أحشائي على ما أَكَنَّتِ ألا قاتل الله الحمامة غدوةً … على الغصن ماذا هيجت حين غنت تغنت بلحن أعجمي فأظهرتْ … مِنَ الشوقِ ما كانت ضلوعي أجنّتِ فقلت لها قد هُجت صَبًا على البكا … بشجوكِ فازدادت بكاء وحنَّتِ وقوله (٢): [من الوافر] كأن القلب ليلةَ قيلَ يُغدا … بليلى العامرية أو يراح قطاةٌ عاقَها شَرَكٌ فباتَتْ … تُجَاذِبُهُ وقدْ عَلِقَ الجناح فلا في الليل نالت ما تُرَبِّي … ولا في الصبح كان لها بَرَاحُ

стр. 4754

وأصبح فرخها منها يتيمًا … ولو سلمت لكان لها صلاح وقوله: [من الطويل] ولي كبد مقروحةٌ مَنْ يبيعني … بها كبدًا ليست بذاتِ قُرُوح أبيع ويأبى الناس لا يشترونها … ومَنْ يشتري ذا علة بصحيح وقوله (١): [من الطويل] وقد زعموا أن المُحِبّ إِذا دَنَا … يَمَلُّ وأنَّ النأي يشفي مِنَ الوَجْدِ بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا … على أن قرب الدار خيرٌ مِنَ البُعْدِ ولكنَّ قُرْبَ الدار ليس بنافع … إذا كانَ مَنْ تهواه ليس بذي ودّ وقوله (٢) - ويروى لغيره: [من الوافر] فقالوا: لِمْ بكَيتَ؟ فقلتُ: كلًا … وهل يبكي مِنَ الطَّرَبِ الجِلِيدُ ولكني أصابَ سَوَادَ عيني … عُوَيْدُ قذى له طرف حديد فلما أسبلا بالدمع قالوا: … أكلتا مُقلتيك أصاب عود وقوله: [من الطويل] فمَنْ يتبع آثارنا في محلّنا … يجد بارقًا ملقى وقلبًا معضدا ودارًا وياقوتًا أَضَعْنَ التقاطه … تداعت به كف الصبا فتبددا وأشعث هبالًا إلى الكورِ رأسه … أشبهه في آخر الليل هدهدا ومنجدل كالحمل مِنْ سَوْرَةِ الكَرَى … يَرَى الحجر المُلقى فراشًا ممهدا وقوله (٣): [من الطويل] وداع دعا إذ نحن بالخيفِ مِنْ مِنّى … فهيّج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما … أطار بليلى طائرًا كان في صدري تداويت من ليلى بليلي مِنَ الهوى … كما يتداوى شارب الخمر بالخَمْرِ وقوله: [من الطويل] تكاد يدي تَنْدَى إذا ما لمستها … وينبتُ في أطرافها الوَرَقُ الخُضْرُ ووجه يحاكي البدر عند تمامه … بهِ تُدفعُ البَلْوَى ويستنزلُ القَطْرُ

стр. 4755

وما ذاك إلا أن أراهُ فُجَاءَةً … فأبهَتُ لا عُرْفٌ لدي ولا نُكْرُ أما والذي أبكى وأضحك والذي … أمات وأحيا والذي أمره الأمر لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى … أليفين منها لا يروعُهما الذعر فيا حبها زدني جوى كل ليلةٍ … ويا سلوة الأيام موعدكِ الحَشْرُ عجبت لسعي الدهر بيني وبينها … فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر وإني لتعروني لذكراك رَوْعَةٌ … كما انتقض العصفورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ وقوله: [من الطويل] أقلّبُ طَرفي السماء لعلّه … يوافق طرفي طرفها حين ينظر وقوله: [من البسيط] لو أنصف الدهر ما فارقتُكُمْ أبدًا … ولا تنقَّلْتُ مِنْ ناس إلى ناس وقوله (١): [من الطويل] كان فؤادي في مخاليب طائر … إذا ذُكرت ليلى وجدتُ به قَبْضَا وتضحى فجاج الأرضِ حَلْقَةً خاتم … علي فما تزداد طولًا ولا عرضا وقوله (٢): [من الطويل] أُقضي نهاري بالحديث وبالمنى … ويجمعني والهم بالليل جامع لقد ثَبَتَتْ في القلب منكِ محبَّةٌ … كما ثبتت في الراحتين الأصابع وقوله (٣): [من الطويل] مضى زَمَنُ والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع وقوله: [من الطويل] ولما أبى إلا جماحًا فؤاده … ولم يسلُ عن ليلى بمال ولا أهل تسلى بأخرى غيرها فإذا التي … تسلى بها تُغري بليلى ولا تُسلي وقوله: [من الطويل] كعصفورة في كف طفل يرقها … يذوق حياض الموت والطفل يلعب فلا الطفل ذو عقل يرق لما بها … ولا الطير ذو ريش يطير فيذهب

стр. 4756

ولي ألف وجه قد عَرَفْتُ طريقه … ولكن بلا قلب إلى أين أذهب وقوله: [من الطويل] طوى السر في نفسي عن الناس كلهم … ضلوع على ما يحتوين دواني إذا أنت لم تجعل لنفسكَ شُعْبَةٌ … مِنَ السرِّ ذاع السر كل مكان وقوله في الحمامة: [من الوافر] كأن بجيدها والنحر منها … إذا ما أمكنت للناظرينا بخط كان من قلم دقيق … يخطّ بجيدها والنحرِ نُونا وقوله: [من الوافر] بعيشك هل ضممت إليكَ ليلى … قُبيل الصبح أو قبلت فاها وهل رفتْ عليك فروع ليلى … رفيف الأقحوانةِ في نَدَاها وقوله (١): وخَبَّرْتُماني أنَّ تيماء منزل لليلى … إذا ما الصيف ألقى المراسيا (٢) فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت … فما للنوى ترمي بليلى المراميا أُعِدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ … وقد عشت دهرًا لا أعد اللياليا وأخرج من بين البيوت لعلني … أحدّث عنكِ النفس يا ليل خاليا ألا أيها الرَّكْبُ اليمانون عرجوا … علينا فقد أمسى هوانا يمانيا يمينًا إذا كانت يمينًا وإن تكن … شمالًا يُنازعني الهوى عن شماليا أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها … اثنتين صلَّيتُ الضُّحَى أم ثمانيا وما بي إشراك ولكنَّ حبّها … كعود أعيا الطبيب المداويا خليلي لا والله لا أملك الذي … قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا قضاها لغيري وابتلاني بحبّها … فهلًا بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا ولو أنّ واش باليمامة داره … وداري بأعلى حضرموت أهتدي ليا (٣) وماذا لهم لا أحسن الله حالَهُمْ … مِنَ الحظ في تمزيق ليلى حباليا ودِدْتُ على حبي الحياة لوانّه … يُزادُ لها في عمرها من حياتيا

стр. 4757

على أنني راض بأن أحمل الهوى … وأخلص منه لا عليّ ولا ليا إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني … فما لي أرى منك العظام كواسيا فلا حب حتى يلصق الجلد بالحَشَا … وتذهل حتى لا تجيب المناديا وهي قصيدة امتدت وعدت على الكواكب إذا عدت فيها الحسن الجميل، ولكنه ليس بموضع التطويل، فدللنا بالبعض على الكل، وقلنا: إن الكثير المليح ربما مل. ومنهم: [١٠٠] أبو عبد الله، محمد بن نمير الثقفي (١) شاعر من أهل الطائف، ظاهر من الغزل بلطائف. قال المرزباني: هو شاعر غزل، قادر غير مختزل، ورأى زينب بنت يوسف أخت الحجاج في ليلة قمراء ببطن نعمان تتمشى في أتراب لها، وقد تضوع ذلك الوادي بمشيهن طيبًا، وجمع بهن لكل محب حبيبًا، وكان محمد بن نمير قد خرج في رفيقين له معهم ثلاثة أحمرة، تحمل بعرًا لأبعرة، فلما رآهن وزينب بينهن تفاضل قمر السماء، وتفضل عليهن من شرف النعماء، فأظهر بها التهالك، واشتهر في حبّها بعدم القدرة على التماسك، وقال فيها الأبيات المشهورة، فبلغت الحجاج فأشخصه إليه، ونكصه

стр. 4758

بالخوف رادًا على عقبيه، ثم آمنه حتى أفرخ روعه، وأفرج ضيق كان لا يحمله منه هو ولا على الإطلاق نوعه، ثم سأله عن ركب النميري الذي ذكره، فقال له وما أنكره، فلما ذكر له الأحمرة وما كانت تحمله ضحك حتى استغرب، وقال: تبًا لك ولركبك لا تعاود مثل هذا ولا تقرب، ومن الأبيات قوله (١): [من الطويل] تَضَوُّعُ مِسْكًا بطنُ نُعمانَ إِنْ مَشَتْ … به زينب في نسوة خَفِرَاتِ (٢) ولما رأت ركب النميري أعرضَتْ … وكُنَّ مِنْ أنْ يلقينَهُ حَذِرَاتِ ووقائعه معها شهيرة، وله فيها أشعار كثيرة منها قوله (٣): [من مجزوء الكامل] تشتو بمكة نعمةً … ومصيفُها بالطائف أحبب بتلك مواقفًا … وبزيب من واقف [وقوله (٤): [من الطويل] أتتني عن الحجاج والبحر بيننا … عقارب تسري والعيون هواجع فضقت بها ذرعًا وأجهشت خيفةً … ولم آمن الحجاج والأرض واسع ولم أر خيرًا لي مِنَ الصبر إنه … أعفُ وخير إذ عَرَتْني الفواجع ولي عن ثقيف إن أردتُ نجاءَها … مَهَامِهُ تعمى بينهن الهجارع (٥) وعنس كأنّ النار بين فروجها … إذا قلت عاج لم تخنها الأذارع تهاوى بمقدام على الهَوْلِ مرجم … إذا هم لم تستد عليه المطالع [وقوله (٦): [من الطويل] وقام جوار دونها فسترنها … بأكسية الديباج والحِبَرَاتِ فكدت اشتياقا نحوها وصَبَابَةً … تقطَّعُ نفسي دونها حسرات] (٧) ومنهم:

стр. 4759

[١٠١] قيس بن ذُريح (١) عاشق شفه التبريح، ووامق لم يشفه الصريح. أوثقه الحب في أساره، وأشرقه الدمع بإساره، يتمه حبّ لبنى، وهيمه هواها فما أغنى أَصَبَتْهُ حُسنا، وسبته بمحيا كالبدر أو أسنى، وهو من بني عامر (٢) في حسب قومه العديد، ونسب آبائه الفريد، وكانت لبنى ابنة عمه، ومنبت غمه، جلبت له حزنًا طويلًا، وجَنت له من روض حسنها مرعى وبيلا، تزوّج بها وهو بها كلف، وبحبّها شغف، ثم أدمن مجالستها، وأدام مؤانستها، وولع بتأمل محاسنها، وتنقل نظره في رؤية أحاسنها، حتى طبع هواها على قلبه، وطلع أنينه بما قطع من خِلْبه، وألف لأجلها ظل الخباء لا يفارقه، وأنكر فضل الحياء كأنه ما دبت بخده شقائقه، فعزّ هذا على أبيه وعزم عليه أن يطلقها وطالبه بطلاقها فأبى، وآلى أبوه إلا أن يذيقه مرارة فراقها على صبا، ثم لما رأى إصراره على حب لبنى، واستمراره على حاله المعنى، وأصحر أبوه وآلى ألا يستظل ببيت حتى يلقى حبلها على غاربها، ويلحق خطاها ببيت أقاربها، وكان أوان حرّ تلفح هواجره، وينفح بالسموم ناجره، فأقبل كهول الحي على قيس يلومونه على حقوق أبيه، ويخوفونه عقوق أمره في امرأة تُصبيه، ثم ما برحوا به حتى طلقها، فما انطلقت إلا هي ولبه، وفارقها إلا ومعها قلبه، ووجد بها وجدًا أقلق مضاجعه، وقلقل في المآقي مدامعه، وزوجه أبوه بامرأة غيرها ليسلو لبنى، ويخلو معها أيامًا ينسى بها لياليه الحسنى، فما وقعت الثانية منه موقعًا، ولا وجدت في قلبه موضعًا، فبيت فراقها، وبت طلاقها. ثم الناس في قيس

стр. 4760

على قسمين: فمنهم من زعم أنه ردّها، ونعم بها ليل التمام مفترش بردها، ومنهم وهم الجمهور على أنه بقي بخياله، صريع هوى ما أفاق، وقريع جوى مني من أحبابه بالفراق. ومن شعره المختار قوله: [من الطويل] إذا ما لحاني العاذلات لحبها … أبت كبد مما أجنّ صديع وكيف أطيعُ العاذلاتِ وحبّها … يؤرقني والعاذلات هجوع وقوله: [من الطويل] إلى الله أشكو فقد لبنى كما أشتكي … إلى الله فَقْدَ الوالدين يتيم وإن زمانًا فيه فَرَّقَ بيننا … وبينكِ يا لبنى النوى لمشوم وقوله: [من الوافر] بكيتُ نعم بكيتُ وكُلّ إلف … إذا بانت قرينته بكاها وما فارقتُ لبنى عنْ تَقَال … ولكنْ شِقْوَةٌ بلغتْ مَدَاها وقوله (١): [من الطويل] فإن تكن الدنيا بلبني تغيرت … فما زال للدنيا بطون وأظهر لقد كان فيها للأمانة موضع … وللقلبِ مُرتاد وللعين منظر وللحائم الصديان يروى بريقها … وللمَرحِ المُختال طيب ومُسكِرُ وقوله (٢): [من الطويل] وإنك من لبنى العشيّة رائح … مريض الذي تُطوى عليه الجَوَائِحُ وقوله (٣): [من الطويل] تكاد بلاد الله يا أم مَعْمَرٍ … إذا لم تكن فيها عليَّ تضيق أردُّ سَوَامِ الطَّرْفِ عنكِ وهل له … على أحد إلا إليك طريق وحدثتني يا قلب أنك صابر … على الهجر من لبنى فسوف تذوق فمتتْ كَمَدًا أو عش سقيمًا فإنما … تحملني مالا أراك تُطيق وهو القائل: [من الطويل] وكل ملمات الزمان وجدتها … سوى فُرْقَةِ الأحباب هينةَ الخَطْبِ ومنهم:

стр. 4761

[١٠٢] الأحوص بن محمد الأنصاري (١) تفنَّن في شعره فأجاد، وتفرَّد حتى عُدَّ من الأفراد، مدح فكاثر ببذل الجوهر من جاد، وتغزَّل فأصبى الراهب المتخلِّي أو كاد، وفخر فخرت الأقران مذعنةً كما أراد، فهو في كل أنواع القريض منقطع القرين، منطبع يقوى ويلين، منطبق عليه اسم الشاعر بلا قيد، منطو على الروائع دون عمرو وزيد، جزالة بمثل القواضب القواضي براقه، ورقة تخيل السحر في لفظه الفاضل لمن ذاقه، كما تهاوى من عل سيل، أو تهادت الفتانة بين أترابها مسبلة الذيل، أو توانى نسيم السحر آخر الليل. يصحو الثمل بانتشاقه، ويصح البدن باعتلاقه. وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك ومدحه، وأسْمعه ملحه وأمتعه بكل معنى حسن لمحه، فأكرمه الوليد وأنزله منزل التسويد، وأراه إحسانًا تتهافت عليه من الوليد الملوك الصيد، وأمر له لمطبخه بمال عليه، فراود الأحوص وصفانا للوليد خبَّازين، وإلى غير المروة منحازين، حتى افتضح عنده فضيحة نَمَت إليه، ونَمَّ بها من رواده من الخبَّازين عليه، فقال له القيِّم: أصلحك الله إن الأحوص يراود غلمانك عن أنفسهم، فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة وأمره أن

стр. 4762

يجلده مائة سوط ويصب عليه زيتًا. ويروى أن ابن حزم لما جلد الأحوص وطاف به وغرّ به إلى دهلك كان الأحوص يقول وهو يطاف به (١): [من الكامل] ما مِنْ مصيبة نكبةٍ أُمنَى بها … إلا تشرفني وتعظم شاني إني إذا خفي الرجال وجدتني … كالشمس لا تخفى بكل مكان أصبحتُ للأنصار فيما بينهم … خلفًا وللشعراء من حسانِ وهو القائل (٢): [من الطويل] أزور ولولا أن أرى أم جعفر … بأبياتِكُم ما زُرْتُ حيثُ أزور وما كنتُ زوّارًا ولكن ذا الهَوَى … إذا لم يزر لا بُدَّ أن سيزور ومن شعره السائغ شرابه السائر شهابه، قوله (٣): [من الكامل] تمشي بشتمي في مجالس مالكٍ … ينث به كالكلب إذ ينبح السما وقوله (٤): [من الطويل] إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فكن حجرًا مِنْ يابس الصخرِ جَلْمَدا وإني لأهواها وأهوى لقاءها … كما يشتهي الصادي الشراب المبردا علاقة حب لج في زمن الصبا … فأبكى وما يزداد إلا تجددا وقوله (٥): [من البسيط] كم من دني لها قد صرت أتبعه … ولو صحا القلب عنها صار لي تبعا لا أستطيع نزوعًا عن محبَّتِها … أو يصنع الحب بي فوقَ الذي صَنَعا أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني … حتى إذا قلت هذا صادق نَزَعا وزاده رغبةً في الحبّ أن منعت … أشهى إلى المرء مِنْ دنياه ما منعا وقوله (٦): [من الطويل] وفي الجيرة الغادين من أهل وجرةٍ … غزالٌ أَحَم المقلتين ربيب فلا تحسبي أنَّ الغريب الذي نأى … ولكنَّ مَنْ تنأين عنه غريب

стр. 4763

وَمِنهُم: [١٠٣] كُثَيِّر بن عبد الرحمن الخُزَاعي (١) دخل في اسمه التصغير للتحبيب لا للتحقير، واستفاد به من حيث القلة التكثير، وأشبه القلم فطال على الرمح وهو قصير، وأطل بفكره من أعلى الأفق فأرى الشعراء في شعره تسير، والمرء بأصغريه لا ببطش يديه، والغني بالطول والهمة، لا بالطول والجثة الضخمة. هذا كثير كان لا يزيد على خمسة أشبار، وله لسان يجرح بغرار، وقلب يقدح النار، وهجوم على المعاني يفتح إلى مخباتها الأستار، وغلو يحيي باللؤلؤ الرطب وما غاص البحار، بمنطق طلق وحد ذلق ومنزع رق ويتكبّر زهوًا ببلاغته الموهوبة، ويتكثر إعجابًا ببراعته المكتوبة في الدهر أعجوبة، وكان طويل العنق يعلوه حمرة، كأنه رفع رأسه ليقبل الزهرة، فأقبل ولها عليه في اللون أثرة، وله في وجهه جيلان، مما نثر عليه من العنبر والمسك في يوم الرهان أفرط في الميل إلى أهل البيت ﵈، ووالاهم وهو عند بني أمية في دولتهم على غاية الإكرام، فإنه شاعر بني مروان، وكان خاصًا بعبد الملك والخلافة له في ذلك الزمان، وعظموه

стр. 4764

تعظيمًا رآه الناس، ورواه كل ناقل محبرة وقرطاس، وحظى بينهم على تشيعه واغضوا له على حبّ الآل فما خطوه عن موضعه، ولا طووا عنه بشرًا ولا طولا، ولا أخذوا في بغضه بشبهة لو ولا لولًا، وقد هجا عبد الله بن الزبير لما كان بينه وبين بني هاشم من الوحشة، وتعقب فانتصب لشرّ أثار بلسانه نبشه، وهو في الإسلام شاعر أهل الحجاز، لا يقدمون عليه واحدًا في حقيقة ولا مجاز، وقد قال خلف الأحمر: كثير أشعر الناس في قوله لعبد الملك (١): [من الطويل] أبوك الذي لما أتى مَرْجَ راهط … وقد ألبوا للشر فيمن تألبا (٢) تشنّأ للأعداء حتى إذا أتوا … إلى أمرِهِ طَوعًا وكَرهًا تَحَبَّبا (٣) وقد استغرق كثير في عزّة حتى صار بها يعرف، وبالإضافة إليها يعرف، فلا يثيب عليه السامع إذا ذكر له كثير بن عبد الرحمن، وإذا قيل كثير عزة قام النص وزال اللبس وحصل البيان وقيل: إنه كان كاذبًا في هواه غير صادق في دعواه، وقد نبهنا على ذلك في ترجمة جميل، وأشرنا إلى تفاوت حاليهما بين أولئك الجيل، وسنذكر من جيده ما يقتضيه المطالع في قصيدة كقوله من هذا الباب في الركاب (٤): [من الطويل] سراع إذا الحادي زقاهُنَّ زقيةً … جنحن كما استُلَّتْ سيوفٌ ذَوَالِقُ (٥) إذا قرطوهنَّ الأزمة وارتدوا … أبين فلم يقدر عليهن سائق إذا عَزَمَ الركب الرحيل وأشرفتْ … لهنَّ الفَيافي والفجاج الفياهق (٦) على كُلّ حرجوج كان شليلها … رواقٌ إذا ما هَجَّرَ الركب خافق (٧) منها: بذي زهر غض كان تِلاعَهُ … إذا أسرفت حجراتهن النَّمارِقُ وقوله (٨): [من الطويل]

стр. 4765

وَكَانَتْ لِقَطْعِ الْحَبْلِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا … كَنَاذِرَةٍ نَذْرًا وَفَتْ فَأَحَلَّتِ فَقُلْتُ لَهَا: يَا عِزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ … إِذَا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ وَلَمْ يَلْقَ إِنْسَانٌ مِنَ الْحُبِّ مِيعَةً … تَغَمْ وَلَا عَمْيَاءُ إِلَّا تَجَلَّتِ (١) كَأَنِّي أَنَا ذِي صَخْرَةٍ حِينَ أَعْرَضَتْ … مِنَ الصُّمِّ لَوْ يَمْشِي بِهَا الْعُصْمُ زَلَّتِ (٢) وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٌ … وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ وَكُنْتُ كَذَاتِ الظُّلْعِ لَمَّا تَحَامَلَتْ … عَلَى ظُلْعِهَا بَعْدَ الْعِثَارِ اسْتَقَلَّتِ (٣) هُنَيْئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ … لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُولَةٌ … لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ وَإِنِّي وَتَهْيَامِي بِعَزَّةَ بَعْدَمَا … تَخَلَّيْتُ مِمَّا بَيْنَنَا وَتَخَلَّتِ (٤) لَكَالْمُرْتَجِي ظِلَّ الْغَمَامَةِ كُلَّمَا … تَبَوَّأَ مِنْهَا لِلْمَقِيلِ اضْمَحَلَّتِ (٥) كَأَنِّي وَإِيَّاهَا سَحَابَةُ مُمْحِلٍ. . . رَجَاهَا فَلَمَّا جَاوَزَتْهُ اسْتَهَلَّتِ (٦) وقوله (٧): [من الطويل] تَصَدَّ فَلَا تَرْمِي إِذَا الشَّخْصُ فَاتَهَا … وَتَرْمِي إِذَا مَا أَمْكَنَتْهَا الْمَقَاتِلُ وَلَمْ أَرَ مِنْ رَامٍ كَسَعْدَى سِهَامُهُ … صِيَابٌ وَلَمْ يَحْشُرْ لَهَا الرِّيشَ نَابِلُ مَتَى أَسْأَلْ عَنْ سَعْدَى يُهَيِّجْنِي لِذِكْرِهَا … حَمَائِمُ أَوْ أَطْلَالُ دَارٍ مُوَائِلُ أَضَرَّتْ بِهَا الْأَنْوَاءُ وَالرِّيحُ وَالنَّدَى … وَغَيَّرَ مَغْنَاهَا الضُّحَى وَالْأَصَائِلُ فَدَعْ عَنْكَ مَا لَا تَسْتَطِيعُ طِلَابَهُ … وَمَنْ لَكَ عَنْهُ لَوْ تَفَكَّرْتَ شَاغِلُ إِلَى طَيِّبِ الْأَثْوَابِ قَدْ أُلْهِمَ التُّقَى … هِجَانُ الْبَنِينَ يَعْتَرِيهِ الْمَعَاقِلُ ذُهُوبٌ بِأَعْنَاقِ الْحِثْيَيْنِ عَطَاؤُهُ … غُلُوبٌ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُ إِذَا قَالَ: إِنِّي فَاعِلٌ تَمَّ قَوْلُهُ … فَأَمْ ضَى مَوَاعِيدَ الَّذِي هُوَ قَائِلُ أُرِيدُ أَبَا مَرْوَانَ إِنِّي رَأَيْتُهُ … كَرِيمًا وَتُنْمِيهِ الْفُرُوعُ الْأَطَاوِلُ (٨)
следующие страницы →