← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

[١٠٢] الأحوص بن محمد الأنصاري (١) تفنَّن في شعره فأجاد، وتفرَّد حتى عُدَّ من الأفراد، مدح فكاثر ببذل الجوهر من جاد، وتغزَّل فأصبى الراهب المتخلِّي أو كاد، وفخر فخرت الأقران مذعنةً كما أراد، فهو في كل أنواع القريض منقطع القرين، منطبع يقوى ويلين، منطبق عليه اسم الشاعر بلا قيد، منطو على الروائع دون عمرو وزيد، جزالة بمثل القواضب القواضي براقه، ورقة تخيل السحر في لفظه الفاضل لمن ذاقه، كما تهاوى من عل سيل، أو تهادت الفتانة بين أترابها مسبلة الذيل، أو توانى نسيم السحر آخر الليل. يصحو الثمل بانتشاقه، ويصح البدن باعتلاقه. وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك ومدحه، وأسْمعه ملحه وأمتعه بكل معنى حسن لمحه، فأكرمه الوليد وأنزله منزل التسويد، وأراه إحسانًا تتهافت عليه من الوليد الملوك الصيد، وأمر له لمطبخه بمال عليه، فراود الأحوص وصفانا للوليد خبَّازين، وإلى غير المروة منحازين، حتى افتضح عنده فضيحة نَمَت إليه، ونَمَّ بها من رواده من الخبَّازين عليه، فقال له القيِّم: أصلحك الله إن الأحوص يراود غلمانك عن أنفسهم، فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة وأمره أن

стр. 4762

يجلده مائة سوط ويصب عليه زيتًا. ويروى أن ابن حزم لما جلد الأحوص وطاف به وغرّ به إلى دهلك كان الأحوص يقول وهو يطاف به (١): [من الكامل] ما مِنْ مصيبة نكبةٍ أُمنَى بها … إلا تشرفني وتعظم شاني إني إذا خفي الرجال وجدتني … كالشمس لا تخفى بكل مكان أصبحتُ للأنصار فيما بينهم … خلفًا وللشعراء من حسانِ وهو القائل (٢): [من الطويل] أزور ولولا أن أرى أم جعفر … بأبياتِكُم ما زُرْتُ حيثُ أزور وما كنتُ زوّارًا ولكن ذا الهَوَى … إذا لم يزر لا بُدَّ أن سيزور ومن شعره السائغ شرابه السائر شهابه، قوله (٣): [من الكامل] تمشي بشتمي في مجالس مالكٍ … ينث به كالكلب إذ ينبح السما وقوله (٤): [من الطويل] إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فكن حجرًا مِنْ يابس الصخرِ جَلْمَدا وإني لأهواها وأهوى لقاءها … كما يشتهي الصادي الشراب المبردا علاقة حب لج في زمن الصبا … فأبكى وما يزداد إلا تجددا وقوله (٥): [من البسيط] كم من دني لها قد صرت أتبعه … ولو صحا القلب عنها صار لي تبعا لا أستطيع نزوعًا عن محبَّتِها … أو يصنع الحب بي فوقَ الذي صَنَعا أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني … حتى إذا قلت هذا صادق نَزَعا وزاده رغبةً في الحبّ أن منعت … أشهى إلى المرء مِنْ دنياه ما منعا وقوله (٦): [من الطويل] وفي الجيرة الغادين من أهل وجرةٍ … غزالٌ أَحَم المقلتين ربيب فلا تحسبي أنَّ الغريب الذي نأى … ولكنَّ مَنْ تنأين عنه غريب

стр. 4763

وَمِنهُم: [١٠٣] كُثَيِّر بن عبد الرحمن الخُزَاعي (١) دخل في اسمه التصغير للتحبيب لا للتحقير، واستفاد به من حيث القلة التكثير، وأشبه القلم فطال على الرمح وهو قصير، وأطل بفكره من أعلى الأفق فأرى الشعراء في شعره تسير، والمرء بأصغريه لا ببطش يديه، والغني بالطول والهمة، لا بالطول والجثة الضخمة. هذا كثير كان لا يزيد على خمسة أشبار، وله لسان يجرح بغرار، وقلب يقدح النار، وهجوم على المعاني يفتح إلى مخباتها الأستار، وغلو يحيي باللؤلؤ الرطب وما غاص البحار، بمنطق طلق وحد ذلق ومنزع رق ويتكبّر زهوًا ببلاغته الموهوبة، ويتكثر إعجابًا ببراعته المكتوبة في الدهر أعجوبة، وكان طويل العنق يعلوه حمرة، كأنه رفع رأسه ليقبل الزهرة، فأقبل ولها عليه في اللون أثرة، وله في وجهه جيلان، مما نثر عليه من العنبر والمسك في يوم الرهان أفرط في الميل إلى أهل البيت ﵈، ووالاهم وهو عند بني أمية في دولتهم على غاية الإكرام، فإنه شاعر بني مروان، وكان خاصًا بعبد الملك والخلافة له في ذلك الزمان، وعظموه

стр. 4764

تعظيمًا رآه الناس، ورواه كل ناقل محبرة وقرطاس، وحظى بينهم على تشيعه واغضوا له على حبّ الآل فما خطوه عن موضعه، ولا طووا عنه بشرًا ولا طولا، ولا أخذوا في بغضه بشبهة لو ولا لولًا، وقد هجا عبد الله بن الزبير لما كان بينه وبين بني هاشم من الوحشة، وتعقب فانتصب لشرّ أثار بلسانه نبشه، وهو في الإسلام شاعر أهل الحجاز، لا يقدمون عليه واحدًا في حقيقة ولا مجاز، وقد قال خلف الأحمر: كثير أشعر الناس في قوله لعبد الملك (١): [من الطويل] أبوك الذي لما أتى مَرْجَ راهط … وقد ألبوا للشر فيمن تألبا (٢) تشنّأ للأعداء حتى إذا أتوا … إلى أمرِهِ طَوعًا وكَرهًا تَحَبَّبا (٣) وقد استغرق كثير في عزّة حتى صار بها يعرف، وبالإضافة إليها يعرف، فلا يثيب عليه السامع إذا ذكر له كثير بن عبد الرحمن، وإذا قيل كثير عزة قام النص وزال اللبس وحصل البيان وقيل: إنه كان كاذبًا في هواه غير صادق في دعواه، وقد نبهنا على ذلك في ترجمة جميل، وأشرنا إلى تفاوت حاليهما بين أولئك الجيل، وسنذكر من جيده ما يقتضيه المطالع في قصيدة كقوله من هذا الباب في الركاب (٤): [من الطويل] سراع إذا الحادي زقاهُنَّ زقيةً … جنحن كما استُلَّتْ سيوفٌ ذَوَالِقُ (٥) إذا قرطوهنَّ الأزمة وارتدوا … أبين فلم يقدر عليهن سائق إذا عَزَمَ الركب الرحيل وأشرفتْ … لهنَّ الفَيافي والفجاج الفياهق (٦) على كُلّ حرجوج كان شليلها … رواقٌ إذا ما هَجَّرَ الركب خافق (٧) منها: بذي زهر غض كان تِلاعَهُ … إذا أسرفت حجراتهن النَّمارِقُ وقوله (٨): [من الطويل]

стр. 4765

وَكَانَتْ لِقَطْعِ الْحَبْلِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا … كَنَاذِرَةٍ نَذْرًا وَفَتْ فَأَحَلَّتِ فَقُلْتُ لَهَا: يَا عِزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ … إِذَا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ وَلَمْ يَلْقَ إِنْسَانٌ مِنَ الْحُبِّ مِيعَةً … تَغَمْ وَلَا عَمْيَاءُ إِلَّا تَجَلَّتِ (١) كَأَنِّي أَنَا ذِي صَخْرَةٍ حِينَ أَعْرَضَتْ … مِنَ الصُّمِّ لَوْ يَمْشِي بِهَا الْعُصْمُ زَلَّتِ (٢) وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٌ … وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ وَكُنْتُ كَذَاتِ الظُّلْعِ لَمَّا تَحَامَلَتْ … عَلَى ظُلْعِهَا بَعْدَ الْعِثَارِ اسْتَقَلَّتِ (٣) هُنَيْئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ … لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُولَةٌ … لَدَيْنَا وَلَا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ وَإِنِّي وَتَهْيَامِي بِعَزَّةَ بَعْدَمَا … تَخَلَّيْتُ مِمَّا بَيْنَنَا وَتَخَلَّتِ (٤) لَكَالْمُرْتَجِي ظِلَّ الْغَمَامَةِ كُلَّمَا … تَبَوَّأَ مِنْهَا لِلْمَقِيلِ اضْمَحَلَّتِ (٥) كَأَنِّي وَإِيَّاهَا سَحَابَةُ مُمْحِلٍ. . . رَجَاهَا فَلَمَّا جَاوَزَتْهُ اسْتَهَلَّتِ (٦) وقوله (٧): [من الطويل] تَصَدَّ فَلَا تَرْمِي إِذَا الشَّخْصُ فَاتَهَا … وَتَرْمِي إِذَا مَا أَمْكَنَتْهَا الْمَقَاتِلُ وَلَمْ أَرَ مِنْ رَامٍ كَسَعْدَى سِهَامُهُ … صِيَابٌ وَلَمْ يَحْشُرْ لَهَا الرِّيشَ نَابِلُ مَتَى أَسْأَلْ عَنْ سَعْدَى يُهَيِّجْنِي لِذِكْرِهَا … حَمَائِمُ أَوْ أَطْلَالُ دَارٍ مُوَائِلُ أَضَرَّتْ بِهَا الْأَنْوَاءُ وَالرِّيحُ وَالنَّدَى … وَغَيَّرَ مَغْنَاهَا الضُّحَى وَالْأَصَائِلُ فَدَعْ عَنْكَ مَا لَا تَسْتَطِيعُ طِلَابَهُ … وَمَنْ لَكَ عَنْهُ لَوْ تَفَكَّرْتَ شَاغِلُ إِلَى طَيِّبِ الْأَثْوَابِ قَدْ أُلْهِمَ التُّقَى … هِجَانُ الْبَنِينَ يَعْتَرِيهِ الْمَعَاقِلُ ذُهُوبٌ بِأَعْنَاقِ الْحِثْيَيْنِ عَطَاؤُهُ … غُلُوبٌ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُ إِذَا قَالَ: إِنِّي فَاعِلٌ تَمَّ قَوْلُهُ … فَأَمْ ضَى مَوَاعِيدَ الَّذِي هُوَ قَائِلُ أُرِيدُ أَبَا مَرْوَانَ إِنِّي رَأَيْتُهُ … كَرِيمًا وَتُنْمِيهِ الْفُرُوعُ الْأَطَاوِلُ (٨)

стр. 4766

طَويلُ القَمِيصِ لا يَذُمُّ جَنابُهُ … سَبيلٌ إذا نُبِطَتْ عَلَيْهِ الحَمَائِلُ (١) أمينٌ مُفِرُّ الصَّدْرِ يَسْبِقُ قَوْلَهُ … بِفِعْلٍ فيَأبَى أَنْ يُخَيَّبَ آمِلُ وَلا هُوَ مَسْبوقٌ بِشَيءٍ أَرَادَهُ … وَلا هُوَ مُلْهِيهِ عَنِ الحَقِّ باطِلُ بَنى لكَ أشرافُ المَعالي وَسورُها … بِنا كُلُّ بُنْيانٍ لَهَا مُتَضائلُ أَبٌ لكَ راضَ المُلكَ حَتَّى أَذَلَّهُ … وَحَتَّى اطمَأَنَّتْ بالرِّجالِ الزَّلازِلُ (٢) وقوله (٣): [من الطويل] وَسَلِّ هُمُومَ النَّفْسِ إنَّ عِلاجَها … إذا المَرءُ لَمْ يَنْبُلْ بِهِنَّ شَدِيدُ بِعَيْساءَ في دَأَيَاتِهَا ودُفُوفِها … وَحَارِكِهَا تَحْتَ الوَلِيِّ نُهُودُ (٤) وفي صَدْرِهَا صَبٌّ إذا ما تَدَافَعَتْ … وَفي شُعَبٍ بَيْنَ المَنْكِبَينِ سُنُودُ (٥) وتَحتَ قُتُودِ الرَّحْلِ عَنْسٌ حَرِيزَةُ … عَلاءٌ تُباريها سَوَاهُمْ قُودُ تَرَاهَا إذا مَا الرَّكْبُ أَصْبَحَ نَاهِلًا … وَرُبِّي وِرْدُ المَاءِ وَهْوَ بَعِيدُ تَزِيفُ كَما زَافَتْ إلى سَلَفاتِها … مُباهِيَةً طَيَّ الوِشَاحِ مَيُودُ منها في مدح أبي بكر بن عبد الملك بن مروان: لَهُ مِنْ بَنيهِ مَجْلِسٌ وَبِنِيُهُمُ … كِرَامٌ كَأَطْرَافِ السُّيُوفِ قُعُودُ وقوله (٦): [من الطويل] وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ العَيْنَ قَبْلَ فِراقِهَا … غَداةَ الشَّبَا مِنْ لاعِجِ الوَجْدِ تَخْمُدُ وَلَمْ أَرَ مِثْلَ العَيْنِ ضَنَّتْ بِمَائِهَا … عَلَيَّ وَلا مِثْلِي عَلَى الدَّمْعِ يُحْسَدُ وسَاوَى عَلَيَّ البَينَ أَنْ لَمْ يَرَيْنَنِي … بَكَيْتُ وَلَمْ تَتْرُكْ لِذِي الشَّجْوِ مَقْعَدُ وَلَمّا تَدَانَى الصُّبْحُ تَأَوَّدَا بِرِحْلَةٍ … فَقُمْنَ كُسَالَى مَشْيُهُنَّ تَأَوَّدُ إِلَى جُلَّةٍ كَالهُضْبِ لَمْ تَعَدُ أَنَّهَا … بَوَازِلُ عَامٍ والسَّدِيسُ المَعْبِدُ إِلَى كُلِّ هَجْهَاجِ الرَّوَاحِ كَأَنَّهُ … شَجًى بِلْهَاةِ الحَلْقِ أَوْ مُتَكَيِّدُ

стр. 4767

يمج ذفاريهنَّ ماءً كأنه … عصيمٌ على جدر السوالف معقدُ وهنّ مناخات تجللن زينةً … كما اقتان بالنبت الجهاد المجود تأطدن حتى قلن لسنَ بَوَارِحًا … وذُبْنَ كما ذاب السديفُ المُسَرهد عبيرًا ومسكًا مانه الرشح رادعًا … به محجرًا وعارض يتفصد وقوله (١): [من الكامل] تلهو فتخضعُ المَطِيُّ أمامها … وتخبّ هرولة الظليم النافر وإذا الفلاة تعرضت غيطانُها … نهضت بأتلع في الجديد عراعر ودِجَتْ دعائم صُلْبِها واستعجلتُ … مَنْ وقعِهن بصائب متبادر تعدو النجاء بخيطف مأطورةٍ … ويدٍ لها فسحت بضبع مائر وإذا المطي تحدّرت أعطافُهُ … نضح الكحيل به كجون القاطر وكسا معاطسها اللغامُ ولُفّعَتْ … فيهِ حواجب عينها بغفائر زهم المشاش من النواشط باللوى … أو بالجناب رأين أسهم عامر وقوله (٢): [من الطويل] تَرَى طبق الأعناق منها كأنه … إليكَ كعوب السمهري المُقَوَّم إذا انتفذت فضل الأزمَّةِ زعزعت … أنابيبها العُليا خوابيَ حَنْتَم (٣) منها: إليكَ فليس النيل أصبحَ غاويًا … بذي حُبك يعلو القُرى متسنم (٤) بطام يكبّ الفُلْكَ حولَ جنابِهِ … لإذقانِهِ مُعْلَولِبَ المدّ يرتمي (٥) بأفضل سيبًا منك بل ليس كلّه … كبعض أيادي سَيْبِكَ المتقسم (٦) يداك ربيع يُنتوى فضلُ سَيبِهِ … ووجهكَ بادي الخير للمتوسم (٧) وذي قَوْنَس يومًا شَكَكْتُ لُبَانَهُ … بذي حمةٍ في عامل الرمح لَهُذَمٍ (٨)

стр. 4768

وذي مَغْرَمِ فَرَّجْتَ عن لون وجهِهِ … صبابة ذي دَجنٍ مِنَ الهَمْ مُظْلِمِ وعان فككت الغُل عنه وكبله … وقد أندِبا منه بساق ومِعْصَم ولو وزنَتْ رَضْوَى الجبال بحلمه … لمال برضوى حلمُهُ ويَرَمْرَم من النفر البيض الذين وجوهُهُمْ … دنانير شِيْفَتْ مِنْ هِرَقْلَ بِرَوْسَمِ (١) وقوله (٢): [من الطويل] بشعث عليها غير الستر منهم … صفاء وجوه وهي لم تتشنن (٣) إذا ذَرَّ قَرْنُ الشمسِ مالت طلاهُمُ … عليها وألقوا كل سوط ومِحْجَن (٤) كأنهم كانوا من النوم عاقروا … بليل خراطيم السلافِ المشحن (٥) منها: إذِ النَّبْلُ في صدرِ الكُمَيْتِ كأنها … شَوَارعُ دبر في حشافة مُدْهُنِ وأنت كريم بين بيتي أمانة … بعلياء مجد قدمت لك فابتن مَصَانِعَ عزّ ليس بالتُّرْبِ شُرِّفتْ … ولكن بصم السمهري المُعَدَّنِ وقد علمت قدمًا أمية أنكمْ … مِنَ الحَيّ مأوى الخائفِ المُتَحَصِّنِ (٦) وإن تقصر الدعوى إلى الرهط قصرةً … فإنك ذو فضل على الحق بين بحقك إن تنطق تقُلْ غير مهجرٍ … صوابًا وإنْ تخففْ حَصَى القومِ تَرزَنِ بهاليل معروف لكم أن تفضّلوا … وأن تحفظوا الأحساب في كل موطن بصبرٍ وإبقاء على جلّ قومِكُمْ … على كلِّ حالٍ بالإنى والتَّحَنُّنِ ولين لهم حتى كأنَّ صدورهمْ … مِنَ الحِلْمِ كانت عزَّة لم تخشنِ وأنتَ فلا تُفقد ولا زال منكم … إمام يحيا في حجاب مسدن أشمُّ من الغادين في كلِّ خلّةٍ … يمسون في صنع مِنَ العَضْبِ مُتَقَنِ لهم أزر حُمْرُ الحواشي بطونها … بأقدامهم في الْحَضْرَمِيِّ المُلسَّنِ وقوله (٧): [من الطويل]

стр. 4769

إذا قيل مهلًا غارت العين بالبكا … عزاء ومدّتها مدامع نُهَلُ إذا وصلتنا خَلَّةٌ كي تُزيلها … أبينا وقُلنا: الحاجبية أوّل منها: [من الطويل] وأنتَ المُعلّى يوم لقَّتْ قِداحُهمْ … وجالَ المَنِيحُ وسطها يتقلقل ومثلك من طلابها خَلَصتْ لهُ … وقارُكَ مُرْضِيٌّ وَرَبْعُكَ جَحْفَلُ نهيت الألى راموا الخلافة منهم … بضرب الطُّلَى والطعن حتى تتكلوا وأنكرت أن ماروك في مستنيرةٍ … لَكُمْ حقّها والحق لا يتبدل أبوكم تلافي يوم نقعاء راهط … بني عبد شمس وهي تُنفى وتُقتل أبى الله للشمّ الألاء كأنّهم … صوارم يجلوها بمؤتَةَ صيقل وقوله (١): [من الوافر] فليس النيل حينَ عَلَتْ قُراهُ … غوالبه بأغلب ذي عُباب (٢) بأفضل نائل منه إذا ما … تسامي الماء فانغمس الروابي ويغمرنا إذا نحن التقينا … بطامي الموج مرد الحباب ويضرب من نوالِكَ في بلاد … من المعروف واسعة رحاب وأنت دعامة من عبد شمس … إذ انتجبوا من السر اللباب من اللائي يعودُ الحِلْمُ فيهم … ويعطون الجزيل بلا حساب وهم حكامُ مُعضِلَةٍ عَقَام … فلم يعبوا بها فصل الخطاب (٣) إذا قَرَعُوا المنابر ثمَّ خطّوا … بأطرافِ المخاصر كالغضاب قضوا فيها ولم يتوهموها … بفاصلةٍ مبينة الصواب منها: أبوك حمى أمية حين مالت … دعائمها وأصْحَرَ للضّراب وكانَ المُلْكُ قد نَصَلَتْ يَدَاهُ … فردَّ المُلْكَ فيها في النصاب وقوله (٤): [من الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنما … تَمَثَّلُ لي ليلى بكلِّ سَبيل

стр. 4770

ولستُ براض من خليل بنائل … قليل ولا راض له بقليل يلومك في ليلى وعقلك عندها … رجال ولم تذهب لهم بعقول فمانفعت نفسي بما أَمَرُوا بِهِ … ولا عُجْتُ مِنْ أقوالهم بفتيل وقالوا: نأت فاختر من الصبر والبكا … فقلتُ: البكا أشفى إذن لغليل لقد أكثر الواشون فينا وفيكم … ومال بنا الواشون كل مميل وقوله (١): [من الوافر] وسجفن الخدور لكلِّ وجه … نقيّ لونُهُ كَشَفَا الهلال بكلِّ تلاعةٍ كالبدر لما … تنوّرَ واستقل على الجبال كأن الريح تثني حينَ هَبَّتْ … ولو ضعفت بهنّ فروع ضال كسون الريط ذا الهدب اليماني … خُصُورًا فوق أعجاز ثقال وكنتُ قبيل أنْ يُخلَفْن ظنّي … أُكذِّبُ بالتفرق والريال وأشمت العدا حتى كأني … وإياهم لهمْ غَرَضُ النضال وقوله (٢): [من الخفيف] وترى البرق عارضًا مستطيلًا … مَرَحَ البُلْقِ خِلْنَ في إحلال (٣) أو مصابيح راهب في يَفَاع … سقم الزيت ساطعاتِ الذُّبالِ (٤) منها: حبَّذا هُنَّ مِنْ لُبانة نفسي … وجديد الشباب من سربال غير أني امرؤٌ أعمم حلمًا … يكره الجهل والصبا أمثالي ويلام الحليم إن هو يومًا … راجع الجهل بعد شيب القَذالِ وقوله (٥): [من الكامل] فالقلب أصور عندَهَنَّ كأنما … يجذبنه بنوازع الأشطانِ وقوله (٦): [من الطويل] تُنيل قليلًا في ثناء وهجرة … كما مَسَّ ظهر الحية المتخوف

стр. 4771

منعمةٌ إِما مُلات نطاقها … فجلُّ وإِما الخَصْرُ منها فأهيف وقوله منها يصف الغيث: فَذَرْني ولكن شاقني مُتَغَرِّدا … غرّ الذرى صات العشيات أو طف خفي تغشى في البحار ودونَهُ … مَنَ اللجِّ خُضْرٌ مظلمات وسدف فما زال يستشري وما زلتُ ناصبًا … لهُ بَصَري حتى غدا يتعجرف من البحر حمحام صراح غمامُهُ … إذا حسن فيه رعدة يتكشف إذا حسن فيه الرعدُ حَسن وأرزمتْ … له عود منها مطافيل عكف تربع أولاه على حرجاتِهِ … جميعًا وأخراه تشوب وتردف إذا استدبرته الريح كي تستخفّه … تراجر ملحاح إلى المُكْثِ مُزحف ثقيل الرحى واهي الكفاف وناله … ببيض الربي ذو هيدي متعصف رسا يغران واستدارت به الرَّحى … كما يستدير الزاحف المتغيف ومنها يصف خباء: وبت بموماةٍ مِنَ الأرضِ مجهل … كظلّ العُقاب تستقل وتعطف بنيت لفتيان فَطَلَّ عمادة … بداوية قفر وشيخ مثقب إذا سَلَفٌ منا مضى لسبيله … حمى غدراتِ الحي مَنْ يتخلف وقوله (١): [من الطويل] تَبَدَّتْ فصادتْهُ عَشِيَّةَ بينها … وقد كشفت منها لبين ستُورُها بجيد كجيد الريم حالَ تُزينُهُ … غدائر مسترخي العقاص يصورها تلوث إزر الخز منها برملةٍ … رَدَاحٍ كساها هائل الترب مورها وقوله (٢): [من الطويل] تجاوب أصداء بكلِّ قصيدةٍ … مِنَ الشعرِ مُهْدَاةٍ لِمَنْ لا يُهينها أُفخم فيها آل مروان إنهم … إذا عمّ خوفٌ عبد شمس حُصُونُها إذا طَلَبُوا أعلى المكارم أدركوا … بما أدركت أحساب قوم ودينها إذا ما أراد الغزو لم تشنِ هَمَّه … حَصَانٌ عليها نَظْمُ دُرِّ يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه … بكت فبكى مما عناها قطينها ولم يثنه يومَ الصبابة بثها … غداةَ استهلت بالدموع شؤؤنها

стр. 4772

ولكن مضى ذو مِرَّةٍ متشبتُ … بسُنَّةِ حق واضح مُستبينها أشمُّ عميم في العِمامَةِ أظهرت … خَزَامَتَهُ أجلاد جسم يعينها وصدق مواعيد إذا قيل إنما … يصدقُ موعود المغيب يقينها وهم يضربون الصف حتى يثبتوا … وهم يرجعون الخيل جُمًا قُرُونُها فتى أخلصته الحرب حتى تقلّبت … كما أخلصتْ عَضْبًا بضرب قُيُونُها وقوله (١): [من الطويل] وفي الحلم والإسلام للمرءِ زاجر … وفي تركِ أهواء الفؤادِ المُتَيَّمِ بصائرُ رُشْدِ للفتى مُستبينةٌ … وأخلاقُ صدق علمها بالتعلّم وقوله (٢): [من الطويل] إذا المرء لم يبذل من الودّ مثلما … بذلت له فاعلم بأني مفارقة ولا خير في ود امرئ متكاره عليك … ولا في صاحب لا توافقه إذا المال لم يوجب عليك عطاءَهُ … صنيعة تقوى أو خليلٌ تُخالقه مَنَعْتَ وبعض المنع حزم وقوةٌ … فلم يفتلك المال إلا حقائقه ويرفع نصل السيف عن كعبِ ساقِهِ … ولو أطْوَلَ القين الحمائل عاتقه وقوله (٣): [من الطويل] ويوم الوغى يوم الطعان إذا اكتسى … مُحَجَّلُ خيل الملتقى وبهيمها من الماء لونًا واحدًا فتشابهت وغيَّرَ … ألوان الجياد حميمها وصارت إلى شهباء ثابتة الرَّحى … مقنّعةٍ أخرى تزول نجومها وطارت خلال الضرب أيدٍ وأرجُلٌ … وحانت رقاب لم تُعقد تميمها وقوله (٤): [من الطويل] وقد لصافي أول الدهرِ نعمةٌ … فعشنا زمانًا آمنين انفتالها كآلِفَة إلفًا إذا صدَّ وجهه … سوى وجهها حنَّتْ له فارعوى لها فلست بناسيها ولستُ بتارك … إذا أعرض الأدم الجوازي سؤالها ومنها قوله:

стр. 4773

أحاطت يداه بالخلافة بعد ما … أراد رجال آخرون اغتيالها فما تركوها عنوةً عَنْ مَوَدَّةٍ ولكن … بحدّ المرهفات استقالها هو المرء يجزي بالعداوة أهلها … ويحذو بنعل المستثيب مثالها بلوه فأعطوه المقادةَ بعدما … أدب البلاد سهلها وجبالها مقانب خيل لا تزال مُطلّةً … عليهم فملُّوا كلَّ يومٍ قتالها وقوله منها: إذا أخذوا أدراعهم وتسربلوا … مقلّص مَسْرُوداتِها ومُذالها رأيتَ المنايا شارعاتٍ فلا تكن … لها سَنَنًَا نصبًا وخل مجالها وقوله منها: على ابن أبي دلاص حصينةٌ … أجادَ المُسَدِّي سَرْدَها وأذالها يود ضعيف القوم حمل قتيرها … ويستظلع الطرف الأشم انشلالها وقوله (١): [من الطويل] بغاكم رجالٌ عندَ كُلّ مُلمّةٍ … معينٌ عليكم ما استطاع وخاذل فما زلتُمُ بالناس حتى كأنَّهمْ … مِنَ الخوفِ طير احذأتها الأجادل طعان يفض الجدل عن أنف الشبا … وضرب ببيض أخلصتها الصياقل لوامع يخطفن النفوس كأنها … مصابيح شبت أو بروق عوامل وقوله (٢): [من الطويل] وكنتُ إذا ما جئتُ أكرمن مجلسي … وأظهرن مني هيبةً لا تَجَهُما يحاذرنَ منِّي غَيْرَةً قد عَرَفْنَنا … قديمًا فما يضحكن إلا تبسما وقوله (٣): [من الطويل] وأنت التي حَبَّبتِ كلَّ قصيرة … إليّ ولا تدري بذاك القصائر أريد قصيرات الحجالِ ولم أُرِدْ … قِصارَ القَنَا شَرُّ النساء البحاتر وقوله (٤): [من الطويل] بكلِّ كُمَيْتٍ مُجْفَرِ الجَنْبِ سابح … وكُلّ مذاق ورده تعلك النكلا

стр. 4774

غوامض كالعِقبانِ إنْ هي أرسلت … وإن أمسكت عن غَرْبها نقلت نَقْلا عليهنَّ شُعْةٌ كالمخاريق كلُّهُمْ … يُعَدُّ كريمًا لا جبانًا ولا وغلا بأيديهم خطيّة وعليهمُ … سَوَابِغُ فرعونيةٌ جُدلتْ جَدْلا ترانا ذَوِي عزّ ويزعم غيرُنا … مِنَ أعدائنا أن لا يرون لنا مثلا نحارب أقوامًا فَنَسبي نساءهم … ونصفدهم أسرًا ونوجعهم قتلا فيؤخذُ مَنَّا العَقْلُ دونَ دمائنا … ونأبى فلا نُسْتاقُ مِنْ دَمِنا عَقْلا وقوله (١): [من الطويل] نساء الأخلاءِ المُصافينَ مَحْرَمٌ … عليّ وجارات البيوتِ كَنَائِنُ وإني لما استودعتني مِنْ أمانة … إذا ضُيّعَ الأسرار يا عز دافن وقوله (٢): [من البسيط] قامت تودعنا والعين ساجية … كأنّ إنسانها في لُجَّةٍ غَرِقُ ثم استدار على أرجاء مُقلتِها … معاجل خلساتِ الطَّرْفِ تستبق كأنه حين جاء الماقيان به … در تسلل من أسلاكهِ نَسَقُ وللعبير على أصداغِها عَبَقٌ … كأنه بجنوب المَحْجِرِ العَلَقُ وقوله في الذئب (٣): [من الطويل] وصادفتُ عَمَّالًا كأنّ عُوَاءَهُ … بُكا محرد يبغي المبيت خليع عوى ناشر الحَيْزُومِ مُضْطَمِرَ الحَشَا … يعالج ليلًا قارسًا مَعَ جوع فصوت إذ نادى بنا وعلى القوى … مجنب أطراف الضلوع بعوع فلم يحترش إلا معرّس راكب … تأبى قليلًا واسترى بقطيع وقوله (٤): [من الطويل] سيهلك في الدنيا شفيق عليكم … إذا غالَهُ مِنْ حادث الموت غائله ويُخفي لكم حبًا شديدًا ورهبة … وللناس أشغال وحبك شاغله كريم يُميت السرَّ حتى كأنه … إذا استبحثوه عن حديثك جاهله يود بأن يُمسي سقيمًا لعلّها … إذا سمعت عنه بشكوى تراسله

стр. 4775

ويهتز للمعروف في طلبِ العُلا … لتُحمدَ يومًا عند ليلى شمائله وقوله (١): [من الطويل] فمَنْ لا يُغَمِّضْ عينَهُ عنْ صديقِهِ … وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب ومَنْ يتتبع جاهدًا كلَّ عثرةٍ … يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب ولا تأمنيهِ أنْ يُسِرّ شماتَةً … فيظهرها إنْ أعقبته العواقب وقوله (٢): [من الطويل] ومن يبتدع ما ليسَ مِنْ سُوْسِ نفسِهِ … يدعه ويغلبه على النفس خِيْمُها وقوله (٣): [من الطويل] وذي كرم يومًا أراد كرامتي … وغربة ودّي رغبةً هل ينالُها بذلتُ له مثلًا وكلُّ تحيّةٍ … مِنَ المرءِ مردود عليه مثالها وقوله (٤): [من الطويل] ولما قضينا مِنْ مِنّى كلَّ حاجةٍ … ومُسَحَ بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا … وسالت بأعناق المطي الأباطح وقوله (٥): [من الكامل] الله أعلم لو أردتُ زيادةً … في حبّ عَزَّةَ ما وجدتُ مَزيدا رهبان مدين والذين رأيتهم … يبكونَ مِنْ حَذَر العذابِ قُعودا لو يسمعونَ كما سمعت كلامها … خرُّوا لعَزّة رُكّعًا وسُجُودا وقوله (٦): [من الطويل] وأذنيتني حتى إذا ما ملكتني … بقول يحلّ العُصْم سهل الأباطح تجافيت عني حين لا لي حيلة … وغادرت ما غادرت بين الجوانح وقوله (٧): [من الطويل] ألا إنما ليلى عصا خيزرانةٍ … إذا غمزوها بالأكف تلين تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن … عليكَ شَجًا في الناس حين تبين وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها … فليس لمخضوب البنان يمين

стр. 4776

ومنهم: [١٠٤] أبو صخر الهذلي (١) غزل لا يزال يلهو، وعَشّاق إلى كل غزال يصبو، وكلف يغرد كالحمامة، وتغريه الملامة، وتغره ظباء رامة، وتعروه نشوة كأنه أبدًا شارب مدامة، له وله بكل بارقة، وشره على كل عين مسارقة، وفي كل فلتة حبال عالقة، ومع كل لفتة إشارة بالحسرة ناطقة، لا يعرف سلوةً تحدث له إفاقة، ولا يملك جلدًا يخفف اشتياقه، ولا مهجة يمنعها عن الولوع عاقه، ولا ينزع إلى صبر يفك من قيد الغرام وثاقه. يسحره النسيم فيجن، ويسخر في تهتكه بذي العقل المرجحن استغوته اللحظات فغلبته على لبه، وأتاه الهوى يبغي نفوذًا إلى خلبه، فصادف من عينه طريقًا إلى قلبه. هام بالحسن المعناه، ورجم ما سواه فاستهواه. كل شخص في نظره محبوب والحب سطر على جبينه مكتوب، وإذا تاب الناس مما تاب، فإنه من التوبة يتوب شغف ولا شغف مجنون عامر بلل، وهاجته خطرات الوساوس كما هاجت الثريا سهيلا، ودعاه الوجد فلبي واستدعاه فأجاب وما تأبى، واسترسل في الأشجان كما استرسل مع مية غيلان، يبكي لكل مفارق ويهفو مع كل خافق، رقيق حواشي النسج، دقيق معاني النهج، تذوب نفسه في شعره، وتنوب نفسه عن العنبر وشجره، من سمع له كلامًا، علم منه غرامًا، في كل شطر من قوله أنّه، وفي كل بيت من أبياته لوعة مستكنة، شجت الخلي نفثاته، وهزت القلوب نزغاته، وهزأت بالحمائم نغماته، كما قال من أبيات رائقة السلسال (٢): [من الطويل] وإِنِّي لَتَعْرُوني لِذِكْراكِ هِزَّة … كما أنْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القطر

стр. 4777

تَكادُ يَدَي تندى إذا ما لمستها … وينبتُ في أطرافها الورقُ الخُضُرُ أما والذي أبكى وأضحك والذي … أَماتَ وأَحْيَا والذي أَمْرُهُ الأمْرُ لقدْ تَرَكَتْنِي أَحْسُدُ الوَحْشَ أَنْ أَرَى … أَلِيفَيْنِ منها لا يَروعُهما الذعرُ فيا حُبَّها زِدْنِي جَوَى كُلَّ ليلةٍ … ويا سلوةَ الأيام مَوْعِدُكِ الحَشْرُ (١) عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدَّهْرِ بَيْنِي وَبَيْنَها … فلما أنقَضَى مَا بَيْنَنا سَكَنَ الدَّهْرُ وقد كُنْتُ آتيها وفي النفس هجرها … بتاتًا لأخرى الدهر ما طلع الفجر فما هو إلا أن أراها فجأة … فأُبهَتُ لا عُرْفٌ لدي ولا نُكرُ وأنسى الذي قد كنتُ أهجرها به … كما قد تنسي لب شاربها الخَمرُ وقوله (٢): [من الكامل] وَيُقِرُّ عَيْني وهي نازِحَةٌ … ما لا يُقِرُّ بِعَيْنِ ذِي الحِلْمِ (٣) إِنِّي أَرَى وأَظُنُّ أَنْ سَتَرَى … وَضَحَ النَّهارِ وعالي النجم وَلَلَيْلَةٌ مِنْها تَعُودُ لَنَا … في غير ما رَفَتْ ولا إِثْم (٤) أَشْهَى إِلى نَفْسِي ولو نَزَحَتْ … مِمَّا مَلَكْتُ وَمِنْ بَني سَهُم (٥) قد كانَ صَرم في المماتِ لنا … فَعَجِلْتِ قبل الموت بالصرم ولَمَا بَقِيتِ لِيَبْقَيَنَّ جَوّى … بينَ الجَوانِحِ مُضْرِعٌ جِسْمِي (٦) فَتَعَلَّمِي أَنْ قَدْ كَلِفْتُ بِكُمْ … ثُمَّ أَفْعَلِي مَا شَيتِ عَنْ عِلْمٍ بيَدِ الذي شَغَفَ الفُؤَادَ بِكُمْ … تَفْرِيجُ مَا أَلْقَى مِنَ الهَم (٧) ومنهم: [١٠٥] الصمة بن عبد الله (٨) ابن طفيل بن قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير. رجل تلطف، وسباه كل ريم أو طف، فهو روضة يغازل الشمس منها كوكب

стр. 4778

لائح، ويهازل لما عنده من وجد بفلتات اللسان بائح. غزله غرار، وشعره عليه بقايا خمار، رقة كالخدود تقطر خفرا، وكالثغور تجلو دررًا، وكالفلك يطلع شمسًا نيرة وقمرا، تشكو الفرقة تحرقه، وتشير إلى الوداع بلوعه مرتاع، ويد كأن بنانها امتدت بما تحت الأضلاع، سهل المآخذ في امتناع قريب إلى الألباب، لين خلق ولطف طباع. لو خاطب ساليًا، شوقه، أو خاليًا عشقه، أو راقدًا أرّقه، أو ملجمًا بالخرس نطقه. فمن مستملحه وعنوان مُلحه، وعيون نظمه الفاتن لملتمحه قوله (١): [من الطويل] [بَكَتْ عينُك اليُسْرَى فَلَمَّا زَجَرْتَها … عَنِ الجَهْلِ بَعدَ الحِلْمِ أَسْبَلَتَا مَعا (٢) تبكي على ريا ونفسكَ باعَدَتْ … مَزَارَكَ مِنْ رَيَّا وَشِعْبَاكُما مَعا] (٣) وما حَسَنُ أن تأتي الأمْرَ طائعًا … وتَجْزَعَ أن داعي الصَّبابَةِ أَسْمَعا (٤) قفا وَدّعا نَجْدًا ومنْ حَلَّ بالحِمَى … وقَلَّ لِنَجِد عندنا أنْ تُوَدَّعا (٥) فلَيْسَتْ عَشِيَّاتُ الحِمَى بِرَواجِع … إليك ولكن خل عَيْنَيْكَ تَدْمَعا ولما رأيتُ البِشْرَ أَعْرَضَ دُونَنا … وحالَتْ بَناتُ الشَّوْقِ يَحْنِيَّ نُزَّعا (٦) تَلَفَّتُ نحو الحي حتى وجَدْتُنِي … وجِعتُ مِنَ الإصغاء ليتًا وأَخْدَعا (٧)

стр. 4779

وقوله (١): [من الطويل] ولمَّا رَأَيْنَا قِلَّةَ البَشَر أَعْرَضَتْ … لنا وَطِوَالُ الرَّمْلِ غَيَّبَهَا البُعْدُ واعْرَضْ رُكْنٌ من سَوَاجٍ كَأَنَّهُ … لِعَيْنَيْكَ فِي آلِ الضُّحَى فَرَسٌ وَرْدُ أَصَابَ سَقِيمُ القَوم تَيَمَّمَ ما به … فَحَنَّ وَلَمْ يَمْلِكْ أَخُو القُوَّةِ الجَلْدُ ومنهم: [١٠٦] ابن أَبي فَرْوَة (٢) زادَ في اللطافه، وزان ما أراد أوصافه، يذهب في فنون الكلام ذهاب العقول مع المدام، ويطير إلى المعنى الشرود، ويطيف به في قالب اللفظ المنقود، ويقف عليه الاستحسان، ولا يعدو منازعه الإحسان. قد قطف القول لما أينع نواره، وعطف على الشعر حين سطعت أنواره، فهو يضم زهره جنية إلى زهرة درية، كقوله (٣):

стр. 4780

[من الطويل] ولَمَّا نَزَلنا منزلًا طَلَّهُ النَّدى … أَنِيقًا ويُستَانًا من الروض حاليا أجد لنا طيب المكان وَحُسنُهُ … مُنّى فَتَمَنَّيْنا فكنت الأمانيا ومنهم: [١٠٧] مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري (١) شعره كثير، وقدره كبير، وذكره يسير، وليس باليسير. طريف الأغزال، طري الصبوة لا يزال كلامه أعلق بالخواطر من الأهواء، وأدق دخولًا على الأسماع من نسيم الهواء. وكان أبوه أسماء من الكوفة في أشراف أهلها ومعدودًا، قد آتاه الله مالًا ممدودًا، ووهبه بنفسه وولده سؤددًا وسعودًا، وبنين، شهودًا، وكان الحجاج بن يوسف متزوجًا بهند بنت أسماء أخت هذا مالك، وللحجاج معه أخبار وما أشبه ذلك، فتقلد مالك خوارزم، وسار فيها بعزم ذي حزم، ومالك هو القائل: [من الخفيف] وحديث ألذه هو مما … ينعتُ الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا … نًا وخير الحديث ما كانَ لَحْنا أراد ما يلحن به أي: يومئ به إليه، ويوري عن الإفصاح به حتى إذا سمعه غيرها، يلتبس عليه، وهو من قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٢). وكان أخوه عيينة بن أسماء يهوى جارية لأخته، ومالك أوجد بها منه، وعيينة لم يعلم فشكا وجده بها إلى مالك، فقال مالك: [من الكامل] أعُيين هلا إذ كلفت بها … كنت استغثت بفارغ العقل

стр. 4781

اكتُبِتْ ترجو الغوثَ مِنْ رجل … والمستغاثُ إليه في شُغْلِ ومن شعر مالك قوله (١): [من الخفيف] إنَّ لي عند كلِّ نفحة بستان … مِنَ الورد أو من الياسمين نظرة والتفاتة أترجَّى … أن تكون حللت فيما يليني وقوله (٢): [من الخفيف] حبَّذا ليلُنا بتل بوَنًا … إذ نُسقّى شرابنا ونغنّى مِنْ كُمَيْت كأنها دمُ ظَبْي … تدعُ الشيخ كالفتي مُرْجَحِنَّا حيثما دراتِ الزجاجةُ دُرنًا … يحسب الجاهلون أنا جُننا ومنهم: [١٠٨] نُصيب بن الأسود بن رباح (٣) ساد على سواده، ونفضت على جلده صبغة فؤاده، فهو قلب كله، وسواء شخصه وظله، اتقد فكره نارًا في فحمة، وفاح شعره مسكًا وعنبرًا لمن شمّه، تستعير العيون من

стр. 4782

حليته كحلها، وليالي العاشقين حُلَلَها، ويتألف من حبّات القلوب كلامه المشتهى، في كل شيء فبه يجد من جَدَّ ويلهو من لها، لا ينصل شبابه، ولا تهرم آدابه، وهو فصيح تحتج بشعره النحاة، ويصيب في رايه من أخذ به أو نحاه، كم مدح كثيرًا فنوّه، وهجا آخر فتأوّه، وأنشد غزله منشد فبان في شفتيه جوه حلوه في الأفواه، شهير بين الرواة، والجلي يغني بوجهه الوضاح عن الإيضاح ويكتفي في التنبيه على ذكره بما لاح. وكان نصيب مولى لعبد العزيز بن مروان، وله فيه وفي غيره من بني أمية غرر حسان، كقوله في سليمان (١): [من الطويل] وعاجوا فاثْنَوا بالذي أنتَ أهله … ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرت لنجواهم لؤي بن غالب يحيون بسّامين طورًا وتارةً … يحيّونَ عبّاسين شوسَ الحَوَاجِبِ ويروى أن جريرًا قال: وددت أن هذا البيت كان لي من شعر هذا العبد بكذا وكذا بيتًا من شعري، يعني قوله (٢): [من الطويل] كسيتُ ولم أملك سوادًا وتحتَهُ … قميص مِنَ القوهي بيض بنائقه (٣) وما ضَرَّ أثوابي سوادي وإنني … لكالمسكِ لا يسلو عَنِ المسكِ ذائقه ومن شعره، قوله (٤): [من الطويل]

стр. 4783

وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا … سنى بارق نحو الحجاز أطير (١) وقوله (٢): [من الطويل] لقد هتفت في جنح ليل حمامة … على فنن وهنا وإني لنائم فقلت اعتذارا عند ذاك وإنني … لنفسي مما قد رأيت للائم أأزعم أني هائم ذو صبابة … بسعدى ولا أبكي وتبكي الحمائم كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا … لما سبقتني بالبكاء الحمائم ومنهم: [١٠٩] الفرزدق (٣) واسمه همام بن غالب التميمي. فحل لا يقرع، ونصل لا يقلع غالب الفحول فغلبهم، وحارب أهل المقول، وأخذ سلبهم، تصدى له جماعة من الشعراء فما منهم إلا من أناخ عليه بزوره، وأنام

стр. 4784

عليه مدة جوره، ورماه بسهام ما أخطأت فؤاده، ولا خطأت ثماده، إلا جرير بن الخَطَفي فإنه عند أكثر أهل هذا الشأن أكثر تفننًا، وأظهر برقًا لا يلوح موهنًا، على أن شيطانهما كان واحدًا، وسلطانهما على المعاني كان متواردًا، إلا أن الفرزدق كان من بيت شرف في تميم، وغرف علية في فخار العظم الرميم. وكان يفاخر بأبيه دارم، ويباهل له بمكارم، ويعد منه نجومًا عواتم، وبحورًا خضارم، ورماحًا خطية وصوارم. وأتى يومًا للمفاخرة وقد جلس في قبة وشي، وَلَفَّ ذيوله بالديباج وتبختر في المشي، وقال هكذا كان سلفي في الجاهلية اتساع ثراء وارتفاع بناء واتباع. وكان مع هذه النفس المنافسة في المعالي، المناقشة لأطراف العوالي، يضع من جلالته، ويضع في ضلالته، ويقرض الأعراض ثلبا، ويقرم لأكل لحوم الناس نهبا، وربما كان يُرمى بالفجور، ويوصم بقبائح تسود وجه الديجور. وشعره وإن كان نهاية في الارتقاء، وغاية في الانتقاء، فهو قليل الغوص، لا تستخرج له فرائد، ولا تستنتج له من الخواطر المولدة ولائد. ومن شعره المعدود في سؤر القصائد، قوله (١): [من الطويل] أنا ابنُ الجبالِ الشُّمِّ في عددِ الحصَى، … وَعِرْقُ الثَّرَى عِرْقي، فمن ذا يحاسبه وبَيْتي إلى جَنْبِ رَحِيبٍ فِنَاؤُهُ، … وَمِنْ دُونِهِ البَدْرُ المُضِيءُ كَواكِبُهُ نَمَتْهُ فُرُوعُ المَالِكَينِ، وَلَمْ يَكُنْ … أبوك الذي من عبد شمس يُخاطبه تَرَاهُ كَنَصْلِ السِّيفِ يَهتز للندى … جَوَادًا تَلاقَى المَجدَ مُذْ طَرِّ شارِبُهُ وقوله (٢): وَرُبِّ ابنِ عَمِّ حَاضِرِ الشرِّ خَيرُهُ … معَ النجم من حيث استقلت كواكبه (٣) فلا ما نَأَى مِنهُ مِنَ الشَّرِّ نَازِحٌ، … وَلَا مَا ذَنَا مِنْهُ مِنَ الخَيْرِ جَالِبُهُ فَمَا المَرْءُ مَنْفُوعًا بتَجرِيبِ وَاعظ، … إذا لم تَعِظْهُ نَفْسُهُ وَتَجَارِبُهُ وقوله (٤) من قصيدة ذكر فيها هدم بيعة دمشق التي هدمها الوليد وأضافها إلى

стр. 4785

الجامع: [من البسيط] فَرِّقتَ بَيْنَ النّصَارَى في كنَائِسِهِمْ، … والعابِدِينَ مَعَ الأَسْحَارِ وَالعَتَم وَهُمْ مَعًا في مُصَلاهُمْ وَأَوْجُهُهُمْ شَتى، … إذا سَجَدُوا اللَّهِ وَالصَّنَمِ وَكَيفَ يَجْتَمِعُ النَّاقُوسُ يَضْرِبُهُ … أهْلُ الصّليبِ مَعَ القُرّاءِ لَمْ تَنَمَ فهمتَ تَحوِيلَها عَنهُمْ كَمَا فَهما، … إذ يحكمان لهم في الحَرْثِ وَالغَنم داوُدُ وَالمَلِكُ المَهْدِيُّ، إِذْ حَكَما … أَوْلادَها وَاجْتِزَازَ الصوف بالجَلَمِ فَهَمَّكَ اللهُ تَحْوِيلًا لبَيْعَتِهِمْ … عَنْ مَسجِد فيهِ يُتْلَى طَيِّبُ الكَلِمِ وقوله (١): [من الطويل] أطَعْتُكَ يا إِبْلِيسُ سَبْعِينَ حِجَّةً … فَلَمَّا انْتَهَى شَيْبي، وتم تمامي (٢) وصلتُ إلى رَبِّي، وَأَيْقَنْتُ أنّني … مُلاقٍ لأيام المَنُونِ حِمامي حَلَفْتُ عَلَى نَفْسِي لأَجْتَهِدَنّهَا … عَلى حَالِهَا فِي صِحَةٍ وَسَقَامِ ألا طالَمَا قَدْ بِتُ يُوضِعُ ناقتي … أبو الجنّ إِبْلِيسُ بِغَيْرِ خِطَام (٣) يَظَلُّ يُمَنِّيني على الرِّحْلِ وَارِكًا … يَكُونُ وَرَائِي مَرَّةً وَأَمَامي (٤) يُبَشِّرُني أنْ لَنْ أَمُوتَ، وَأَنَّهُ … سَيُخْلِدُني في جَنَّةٍ وَسَلامِ وَآدَمَ قَدْ أَخرَجْتَهُ، وَهوَ سَاكِنٌ … وَزَوْجَتَهُ، مِنْ خَيرِ دارِ مُقَامَ وَأَقْسَمْتَ يَا إِبْلِيسُ أَنَّكَ نَاصِحٌ … لَهُ وَلَهَا، إِقْسَامَ غير إنام (٥) فَلا يَخِيطَانِ الوِرَاقَ عَلَيْهِما … بأَيْدِيهِمَا مِنْ أَكْلِ شَرِّ طَعَامِ وكم من قُرُون قد أطاعوكَ أصْبَحوا … أحَادِيثَ كَانُوا في ظِلالِ غَمَامَ وَمَا أَنْتَ يا إِبْلِيسُ بالمرْءِ أَبْتَغِي … رِضَاهُ، وَلا يَقْتَادُني بِزِمَامَ سأجزيك من سوءاتِ ما كنتَ سُقتني … إِلَيْهِ جُرُوحًا فِيكَ ذاتَ كِلام (٦) تُعَيِّرُها في النَّارِ، وَالنَّارُ تَلْتَقِي … عَلَيْكَ بِزَقومَ لَهَا وَضِرَامٍ (٧) ومنه قوله (٨): وقد وصف افتضاض العذارى، وتخيّل مأتاهن ما كان جلنارًا أو نارًا، وهو: [من الوافر]

стр. 4786

وبتن لدي مصرَّعات … وبت أفضُّ إغلاق الختام كأنَّ مفالق الرمان فيه … وجمر غضى قعدن عليه حامي وقوله (١): [من الطويل] وَبِالخَنْدَقِ البَصْرِيِّ قَتْلى تَخالُها … عَلى جَانِبِ الفَيْضِ الهَديَّ المُنَكَّرَا مِنَ النَّاكِثِينَ العَهْدَ مِنْ سَبَئِيَّةٍ … وَإِمَّا زُبَيْرِي مِنَ الذَّئْبِ أَغْدَرَا (٢) وقوله (٣): [من الرجز] أولجت فيها كذراع البكر … مُذْ مُلك الرأس شديد الأسر زاد على شبر ونصف شبرِ … كأنما أولجتهُ في جَمْرِ يطير عنه نفيان الشَّعْرِ … نفي شعور الناس يوم النحر فقلتُ لما برحث بحري … وانسلَّ منها مُسْتَهَلَّ القَطْرِ تدعو بويل وبحرِّ صَدْرِ … قلتُ لها: مهلًا فما من أمر أن أدخل الأفعى رحيب القَعْرِ … بحيثُ لا يرجعُ طُولُ الدَّهْرِ وقوله (٤): [من الطويل] وَرَكْبِ كَأَنَّ الرِّيحَ تَطلبُ عِندهُمْ … لهَا تِرَةً مِنْ جَذْبِها بِالعَصَائِبِ (٥) يَعَضُّونَ أَطْرَافَ العِصِي كَأَنها … تَخَرِّمُ بالأَطْرَافِ شَوْكَ العَقارب (٦) سَرَوْا يَحْبِطُونَ اللَّيلَ وَهيَ بكفّهم … عَلى شُعَبِ الأَكوَارِ من كل جانب (٧) وقوله (٨): [من الوافر] وَلَوْ رَفَعَ السَّحَابُ إِلَيْهِ قَوْمًا … لَحِقنا في السَّمَاءِ إِلى السِّحَابِ وقوله (٩): [من الكامل] لا تَمنَعونَ لَهُمْ حَرَامَ حَلِيلَةٍ … وَتُنالُ أيْمُهُمْ وَإِنْ لمْ تُخْطَبِ والباهلي بِكُلِّ أَرْضٍ حَلّها … عَبْدٌ يُقرّ عَلى الهَوَانِ المُجلِبِ (١٠)

стр. 4787

وَالباهِلِيُّ وَلَوْ رَأَى عِرْسًا لَهُ … يُغشَى حَرَامُ فِرَاشِهَا لَمْ يَعْضَبِ وقوله (١) يمدح علي بن الحسين ﵄، وهي من رواية الحرمازي: إذا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا: … إلى مَكَارِمِ هَذا يَنْتَهِي الكَرَمُ هذا الذي تَعرِفُ البطحاءُ وَطْأتَهُ، … وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ (٢) يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ، … رُكْنُ الحَطِيم إذا ما جَاءَ يَسْتَلِمُ (٣) مَنْ يَشكُرِ الله يَشكر أوّليّة ذا؛ … فالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذا نَالَهُ الأُمَمُ أي القبائل لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ، … لأوّليّةِ هَذا، أَوْ لَهُ نِعَمُ وقوله في هجاء باهلة من أبيات: [من الطويل] أبا هلَ لو كانْت ثمانونَ منكمُ … حلائلَ في ما خفت حدًا على ظهري قليل أماءٍ لم تحضنَ فُرُوجُها … برباتٍ أعجازِ البظورِ مِنَ الجزرِ وما جرت المُوسَى على باهلية … ولا سيق فيها غير جديين من فهر وما اغتسلت من حيضة باهلية … بحقِّ ولا باتت حصانًا على طهر وقوله (٤) يهجو جديع بن سعد بن قبيصة الأزدي: [من الكامل] لا تحسبن دراهمًا أعطيتها … تمحومخازيك التي بعمانِ وأبوك ملتزم السفينة عاقد … خصه بين نبائق التبانِ ويظل يدفع بأستهِ متقاعسًا … في البحر معتمدًا على السكان وقوله (٥): [من البسيط] لو أنّ قِدْرًا بكت من طول ما حُبستْ … عَلى الحُفوفِ بَكَتْ قِدْرُ ابنِ جَيَّارِ (٦) ما مَسَّها دَسَمٌ مُذْ فُض مَعْدِنُها، … وَلا رَأتْ بَعْدَ عَهْدِ القَينِ من نارِ وقوله (٧): [من الرجز] يا أم غيلان أبركي تُناكي كمانكحنا باركًا أباك

стр. 4788

إن تجزعي أو تَدْمَ رُكبتاكِ … نُلقيكِ أحيانًا على قفاك وقوله (١): [من الكامل] تَدْنُو فتُطْمِعُ ذا السَّفَاهَةِ وَالصِّبَا … مِنْهَا، إذا طُلِبَتْ بِغَيرِ مُنِيلٍ وَكَأَنْ طَعْمَ رُضَابِ فِيهَا إِذْ بدتْ … بَرَدٌ بِفَرْعِ بَشَامَةٍ مَصْقُولِ (٢) وقوله (٣): [من الطويل] أرى الثَّقَلَينِ الجِنَّ وَالإِنْسَ أَصْبَحَا … يَمُدّانِ أعْنَاقًِا إِلَيْكَ تَقَرَّبُ وَمَا مِنْهُما إلا يُرَبِّي كَرَامَةً … بِكَفِّيكَ أَوْ يَخشَى العِقابَ فَيَهْرُبُ وَمَا دُونَ كَفَّيْكَ انْتِهَاءُ لِرَاغِبٍ … وَلا لِمنَاهُ مِنْ وَرَائِكَ مَذْهَبُ وقوله (٤): [من الوافر] أقُولُ لِهَا إِذا عَطَفَتْ وَعَضَتْ … بِمُورِكَةِ الوِرَاكِ مَعَ الزَّمَامِ إلامَ تَلَفْتِينَ، وَأَنْتِ تَحْتِي، … وَخَيْرُ النَّاسِ كُلّهم أمامي متى تأتي الرُّصَافَةَ تَسْتَرِيحِي … مِنَ التَّهْجِيرِ وَالدَّبَرِ الدّوامي (٥) وقوله (٦): [من الطويل] ضَرَبْنَا بِأَكْنافِ السَّماءِ بُيوتَنا … على ذِرْوَةٍ أَرْكَانُها لا تُهَدَّمُ حَلَيْنَا بِأَخْلافِ السَّماءِ عَلَيْهِمُ … شَابِيبَ مَوْتِ تَسْتَهِلْ وَتُرْزِمُ وقوله (٧): [من الطويل] تَبَسْمُ عَنْ غُرِّ عِذَابٍ، كأنّها … أقاحٌ تُرَوّيها الذهابُ اللَّوَامِعُ (٨) كَأَنْ مُجَاجَ النَّحْلِ فوق لِثاتِها، … وَمَاء سَحَابٍ أَحْرَزَتْهُ الوَقَائِعُ وَكَادَتْ بَناتُ النَّفْسِ تَخْرُجُ والحشا … وَتَنفَضّ من وجد عليها الأضالع وقوله (٩): [من الوافر]

стр. 4789

يداكَ يَدُ رَبِيعُ النَّاسِ فِيهَا، … وَفي الأخْرَى الشُّهُورُ مِنَ الحَرَامِ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْلا أَنْتَ كَانُوا … حَصَى خَرَةٍ تَسَاقَطَ مِنْ نِظَامٍ وقوله (١): [من الطويل] قَوَارِصُ تَأْتِينِي، فَيَحْتَقِرُونَها، … وَقَدْ يَمْلأُ القَطْرُ الإِنَاء فَيَفْعَمُ (٢) وقوله (٣): [من الطويل] ونحنُ إِذَا عُدَّتْ مَعَدٌّ قديمها … مكان النواصي من وجوه السوابق وقوله (٤): [من الكامل] والشيب ينهضُ في الشباب كأنهُ … ليلٌ يصيح بجانبيه نهار ومنهم: [١١٠] جرير بن عبد الله الخطفي (٥) ضرس الأعداء بأنيابه، وضرّر الشعر بآدابه، وضرّم الأفهام بتوقد شهابه، وبينه وبين الفرزدق النقائض المضمنة غرائب الهجاء، وعجائب الذم المشبهة حالاتهم فيها بوقائع الهيجاء من كل آبِدَةٍ تضيق بها الصحاح، وتضيع ودائع الحسب الواضح، لو تردى بها النهار المشمس لأعتم أو الصباح الوضاح لأبهم، أو القمر التمام لعاجله في ليلة البدر السرار، أو البحر الخضم لما ضم حجره على الدرر الكبار، أو الحيا

стр. 4790

المستهل لوقع وجهه حياء، أو المطل لأقران من السمعة به رياء، بل هي والله الدواهي النكر، والمذام الضاربة بيدها على فم الشكر، وربما كان الرجل منهما لموافقة خاطره لخاطر صاحبه، وإتيانه في كل واقعة بمناسبه، إذا ارتكب محذورًا يخشى العار، ويخاف به داهية تنصب له بها راية شنار، يقول كأني بفلان عن صاحبه وقد بلغه هذا فقال كذا، فإذا بلغ صاحبه قال مثل ما قال هكذا، متقارضين دهرهما، متغاضيين كحل جفونهما القذى، وكان جرير أعف منه مضجعا، وأرأف إلى الحسنى مرجعا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجني مع فسقي إلى رقة شعره، وكان الفرزدق لا يعدي شعره الفخار، ولا يهدي فكره إلى دقائق الأفكار، وجرير قد حلب أشطره، وجلب جوهره، وجبل في كافور الطروس عنبره، وجعل الروض ديوانه وأجني زهره، وتفنن فيه تفننًا ملك زمامه مقتدرًا، وكمل زمانه به مفتخرًا، واقتاده بحذافيره وارتاده مقبلًا بمعاذيره، وأبرزه في أبهى الصور، وأبهج المحاسن المتلوّة السور، وقد أنصف بينهما من قال: [من الكامل] ذهب الفرزدق بالفخار وإنما … حلو القريض ومره الجرير وقد عدّ له أهل النقد في كل باب من أبواب الشعر ما هو الغاية القصوى التيما بعدها مطمح، ولا يتجاوز حدها تعنّت من يتلمّح. وكان يعدّ من فضله على قرنائه، ووبله المتدفق على إنائه، أنه هاجي ثمانين شاعرًا من أهل زمانه، ما منهم إلا مِدْرَه خصام، ونذرة قوم كأن الثريا علقت في بيوتهم بلا انفصام، ممن يأوي في الحسب إلى ثبج، ويحوي من النسب الصميم ما لو استعاره الليل البهيم لأعاد لؤلؤة بيضاء ذلك السبج وكان أبوه شيخًا قعد به سقوط نفسه، وهبوط روحه أسفًا على فلسه حتى إنه كان يرتضع الشاة بفمه، ولا يأنف من هذه الدنية، ولا ينفي هذه الردية، وجرير مع هذا الأب المضاع، الوضيع في الأوضاع، يصاولهم في كل مصاع، ويطاولهم ذراعًا بذراع، ويكايلهم وربما زادهم في الحشف وسوء الكلية وتطفيف الصاع. ومن شعره المعلّق بالقلوب والأسماع، قوله (١) من قصيدة في هجو الأخطل التغلبي: [من الكامل] وإذَا النَّهارُ تَقاصَرَتْ أَظْلَالُهُ … وَوَنَى المَطِيُّ سَامَةً وَكَلالا (٢)

стр. 4791

رَفَعَ المَطِيُّ بِكُلِّ اَبْيَضَ شَاحِبٍ … خَلَقِ القَمِيصِ تَخالُهُ مُخْتالا (١) منها: وَالتَّغلبيُّ إِذَا تَنحنح للقرَى … حَلَّ اسْتَهُ وَتَمَثَّلَ الأَمْثالا حَمَلَتْ عَلَيْكَ حُماةُ قَيْسٍ خَيْلَها … شُعْثًا عَوابِسَ تَحْمِلُ الأَبْطالا ما زِلَتَ تَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ … خَيْلًا تشلُّ عَلَيْكُمُ وَرِجَالًا ترك الأخَيْطِلُ أُمَّهُ وَكَأَنها … مَنْحاةُ سَانِيَةٍ تُدير محالا (٢) لَوْ أَنَّ خِنْدِفَ زَاحَمَتْ أَرْكَانُها … جَبَلًا أَصَمَّ مِنَ الجِبالِ لالا وراحَتْ خُزَيْمَةُ بِالْجِيادِ كَأَنَّها … عِقْبانُ مُدْجِنَةٍ نَفَضْنَ طلالا إِنْ حَرَّمُوكَ لَتَحْرُمَنَّ عَلَى الْعِدا … أَوْ حَلَّلُوكَ لَتُؤْكَلَّن حَلالا وَلَوَ أَنَّ تَغْلِبَ جَمَّعَتْ أَحْسَابَها … يَوْمَ التَّفاضُلِ لَمْ تَزِنْ مِثْقالا (٣) نبئتُ تَغْلِبَ يَنْكِحُونَ رِجالهُمْ … وَتَرَى نساؤهُمُ الحَرامَ حَلالا وقوله (٤): [من الكامل] إِنَّ الْبَغِيضَ لَهُ مَنَازِلُ عِنْدَنا … لَيْسَتْ كَمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ إِنَّ الْوَلِيدَ هُوَ الإِمامُ المُصْطَفَى … بِالنَّصْرِ هُنَّ لِوَاؤُهُ وَالمَغْنَمَ وَرَثَ الأَعِنَّةَ وَالأَسِنَّةَ وَانْتَمَى … فِي بَيْتِ مَكْرُمَةٍ رَفِيعِ السُّلَّمَ وَرَأَيْتُ أَبْنِيَةٌ خَوَتْ وَتَهَدَّمَتْ … وَبِناءُ عَرْشِكَ خَالِدٌ لَمْ يُهْدَمَ وَبَنُو الْوَلِيدِ مِنَ الْوَلِيدِ بِمَنْزِلِ … كَالْبَدْرِ حُقَّ بِواضِحاتِ الأَنْجُمَ وَإِذا الْكَتائِبُ أَعْلَمَتْ راياتِها … وَكَأَنَّهُنَّ عِتاقُ طَيْرِ حُوَّمَ نَطَحَ الرُّؤُوسَ بِهامَةٍ فَتَفَرَّقُوا … عَنْها وَعَظْمُ فَراشِها لَمْ يُهْزَمَ أَشْكُو إِلَيْكَ وَرُبَّما تَكْفُونَنِي … عَضَ الزَّمانِ وَثِقْلَ دَيْنِ المَغْرِمَ بَرُّ البلادِ مُسَخَّرٌ يُجْبَى لَكُمْ … وَالْبَحْرُ سُخْرَ بِالْجَوارِي العُوَّمَ وَتَرَى الْجِفانَ يَمُدُّها قَمَعُ الدُّرَى … مَدَّ الجَداول بالأتي المُفْعَم وَالْقِدْرُ تَنْهِمُ بِالمَحالِ وتَرَتَمْيِ … بِالزورِ هَمْهَمَةَ الْحِصَانِ الأَدْهم (٥)

стр. 4792

وقوله (١) يعاتب جده الخطفي: [من الطويل] تَخَطَّى إِلَيْنَا مِنْ بَعِيدٍ خَيالُها … يَخُوضُ خُدارِيًا مِنَ اللَّيلِ داجيا (٢) فإِنَّكِ إِنْ تُعْطَى قَلِيلًا فطالما … مَنَعْتِ وَحَلاتِ الْقُلوبَ الصَّواديا دُنُو عِتاقِ الْخَيْلِ لِلزَّجْرِ بَعْدَما … شَمَسْنَ وَوَلَّيْنَ الْخُدُودَ الْعَواصِيا (٣) لَحِقْتُ وَأَصْحابي عَلَى كُلِّ حَرَّةٍ … وَخُودٍ تَبارَى الأحبشي المكاريا تَرامَيْنَ بالأجوازِ فِي كُلِّ صَفْصَفٍ … وَأَدْنَيْنَ مِنْ خَلْجِ الْبَرِينِ الذفاريا (٤) إذا بَلَغَتْ رَحْلِي رَجِيعٌ أَمَلَّها … نُزولِيَ بِالْمَوْمَاةِ ثُمَّ ارْتِحاليا (٥) مُخَفِّفَةٌ يَجْرِي عَلَى الهَوْلِ رَكْبُها … قليلًا بِهَا مَا يَنْظُرُونَ التَّواليا (٦) تحولُ بِها مَيْتُ الشَّخاصِ كَأَنَّهُ … قَذَى عَرَقٍ يَضْحَى بِهِ المَاءُ طافيا (٧) خَليَلِي لَوْلا أَنْ تَظُنَّا بِي الْهَوَى … لَقُلْتُ سَمِعْنا مِنْ سكينة داعيا قِفَا فَاسْمَعَا صَوْتَ الْمُنادِي فإنه … قَرِيبٌ وَما دانَيْتُ بِالْوُد دانيا فَحُيِّيتَ مِنْ سَارٍ تَكَلَّفَ مَوْهِنًا … مَزارًا عَلَى ذي حاجَةٍ مُتراخيا وَيَأْمُرُنِي الْعُذَالُ أَنْ أَغْلِبَ الْهَوَى … وَأَنْ أخفي الْوَجْدَ الَّذِي لَيْسَ خافيا وَإِنِّي لَمَغْرُورٌ أُعَلَّلُ بِالْمُنَى … لَيالِيَ أَرْجُو أَنَّ مالَكَ ماليا وَقائِلَةٍ وَالدَّمْعُ يَحْدِرُ كُحْلَهَا … أَبْعَدَ جَرِيرٍ تُكْرِمُونَ المَوالِيا بأَيِّ نِجادٍ تَحْمِلُ السَّيْفَ بَعْدَما … قَطَعْتَ الْقُوَى مِنْ مِحْمَلٍ كَانَ بَاقِيا بأَيِّ سِنانٍ تَطْعُنُ الْقَوْمَ بَعْدَما … نَزَعْتَ سِنانًا مِنْ قَناتِكَ ماضِيا أَلَا لَا نَخافا نَبْوَتِي فِي مُلمةٍ … وخافا المَنايَا أَنْ تَفُوتَكما بيا فقد كنتُ نارًا يَصْطَلِيها عَدُوُّكُمْ … وَحِرْزًا لِمَا أَلْجَأْتُمُ مِنْ وَرَائِيا وَبَاسِطَ خَيْرٍ فِيكُمُ بِيَمِنِهِ … وَقائِضَ شَرِّ عَنْكُمُ بِشِمالِيا وَإِنِّي لَعَفَّ الْفَقْرِ مُشْتَرَكُ الْغِنَى … سَرِيعُ إِذَا لَمْ أَرْضَ داري انتقاليا

стр. 4793

جَرِيء الجَنانِ لا أَهالُ مِنَ الرَّدَى … إِذا ما جَعَلْتُ السَّيْفَ لِي عَنْ شِمَالِيا وَلَيْسَ لِسَيْفِي فِي الْعِظامِ بَقِيَّةٌ … وَلَلسَّيْفُ أَشْوَى وَقْعَةً مِنْ لِسانيا وقوله (١): [من الوافر] سَيَكْفِيكَ الْعَواذِلَ أَرْحَبِيٌّ … هِجانُ اللَّوْنِ كَالْفَرَدِ اللَّياح (٢) يَعُزُّ عَلى الطَّرِيق بِمَنْكِبَيْهِ … كَما ابتركَ الْخَلِيعُ عَلَى الْقِداح (٣) تعَرَّتْ أُمُّ حَزْرَةَ ثُمَّ قالتْ: … رَأَيتُ المُورِدِينَ ذَوِي لِقاح (٤) تُعَلِّلُ وَهِيَ سَاغِبَةٌ بِنَيها … بِأَنْفاسٍ مِنَ الشَّيمِ الْقَراحَ (٥) سَأَشْكُرُ أَنْ رَدَدْتَ إليّ ريشي … وَأَثْبَتَ الْقَوادِمَ فِي جَناحِي (٦) أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا … وَأَنْدَى الْعالَمِينَ بُطُونَ راح (٧) لَكُمْ شُمُّ الْجِبالِ مِنَ الرَّواسِي … وَأَعْظَمُ سَيْلِ مُعْتَلَجِ البِطاحِ (٨) فَقَدْ وَجَدُوا الْخَلِيفَةَ هِبْرِزِيًّا … أَلَفَّ الْعِيصِ لَيْسَ مِنَ النَّواحِي (٩) فَما شَجَراتُ عِيصِكَ فِي قُرَيْشٍ … بِعَشَاتِ الفُرُوعِ وَلا ضَواحي (١٠)

стр. 4794

رَأَى النَّاسُ الْبَصِيرَةَ فَاسْتَقَامُوا … وَبَيَّنَتِ المِرَاضَ مِنَ الصِّحَاحِ (١) وقوله (٢) من قصيدة يمدح عبد الملك ويهجو الأخطل: [من الكامل] إِنْ كَانَ طَبْعُكُمُ الدَّلَالُ فَإِنَّهُ … حَسَنٌ دَلَالُكَ يَا أُمَيْمَ جَمِيلُ وَكَأَنَّ لَيْلِي مِنْ تَذَكُّرِي الْهَوَى … لَيْلٌ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ مَوْصُولُ يَكْفِيكَ إِذْ سَرَتِ الهُمُومُ فَلَمْ تَنَمْ … قُلُصٌ لَوَاقِحُ كَالْقِسِيِّ وَحُولُ نُجُبٌ مِنَ السِّرِّ الْعَتِيقِ نَمَى بِهَا … فَوْقَ النَّجَائِبِ شَدْقَمٌ وَجَدِيلُ (٣) عَزَّتْ كَوَاهِلُهَا العَرَائِكَ بَعْدَمَا … لَحِقَ الثَّمِيلُ فَمَا لَهُنَّ ثَمِيلُ مِثْلُ الْقَنَا سَحَجَ الثِّقَافُ مُتُونَه ُ … فَاهْتَزَّ فِيهِ لُدُونَةٌ وَذُبُول (٤) تَنْجُو إِذَا عَلَمُ الْفَلَاةِ رَأَيْتَهُ … فِي الْآلِ يَقْصُرُ مَرَّةً وَيَطُولُ وَإِذَا تَقَاصَرَتِ الظِّلَالُ تَشَنَّعَتْ … وَخَدَّ النَّعَامِ وَفِي النُّسُوعِ فُضُولُ مِنْ كُلِّ صَادِقَةِ النِّجَادِ كَأَنَّهَا … قَرْوَاءُ رَافِعَةُ الشِّرَاعِ جُفُولُ (٥) كَمْ قَدْ قَطَعْنَ إِلَيْكَ مِنْ مُتَمَاحِلٍ … جَذْبِ المُعَرَّجِ مَا بِهِ تَعْلِيلُ نَائِي المَنَاهِلِ طَامِسٌ أَعْلَامُهُ … مَيْتِ الشِّخَاصِ بِهِ يَكَادُ يَحُولُ منها في هجاء الأخطل وقومه تغلب: إِنَّ الخِلافَةَ والنُّبُوءَةَ وَالهُدَى … وغُمٌ لتغلب في الحياة طويل مَنَعَ الأُخَيْطِلُ أَنْ يُسَامِي قَرْمَنَا … شَرَفٌ أَجَبُّ وغَارِبٌ مَجْزُولُ كَذَبَ الأُخَيْطِلُ مَا لِنِسْوَةِ تَغْلِبٍ … حَامِي الذِّمَارِ وَمَا يَغَارُ حَلِيلُ إِذْ ظَلَّ يَحْسَبُ كُلَّ شَخْصٍ فَارِسًَا … وَيَرَى نَعَامَةَ ظِلِّهِ فَيَحُولُ (٦) رَقَصَتْ بِعَاجِنَةِ الرَّحُوبِ نِسَاؤُكُمْ … رَقْصَ الرِّئَالِ وَمَا لَهُنَّ ذُيُولُ وَكَأَنَّ عَافِيَةَ النُّسُورِ عَلَيْهِمُ … حِجٌّ بِأَسْفَلِ ذِي المُجَازِ نُزُولُ (٧)

стр. 4795

قُلْ لِلأَخَيْطِلِ لا عَجُوزُكَ أَنْجَبَتْ … في الْوالِداتِ ولا أَبُوكَ فَحِيلُ قَصُرَتْ يَداكَ عَنِ الفَعالِ وَطالَمَا … غَالَتْ أباكَ عَنِ المَكارِم غُولُ حَظُّ الأَخَيْطِلِ مِنْ تَلَمُّسِه الرُّشا … فِي الرَّأْسِ لامِعَةُ الفَراشِ دحول وقوله (١): [من الكامل] لَوْ كُنْتَ حِينَ غُرِرْتَ بَيْنَ بُيوتِنَا … لَسَمِعْتَ مِنْ صَوْتِ الْحَدِيد صَلِيلا لحَمَاكَ كُلُّ مُعَاوِرٍ يَوْمَ الوَغَى … وَلَكَانَ سُلْهُ عَدُوِّكَ المأكولا وقوله (٢) في هجو الأخطل: [من الوافر] وَمِثْلَكَ قَدْ قَصَدْتُ لَهُ فَأَمْسَى … أَخا جِلْمِ وَمَا هُوَ بِالْحَلِيمِ يَرَى حَسَراتِهِ وَيَخافُ دَرْنِي … وَيُغْضِي طَرْفَهُ نَظْرَ الأَمِيمِ منها: فَنَفْسِي وَالنَّفُوسُ فِدَاءُ قَوْمٍ … بَنَوْا لِي فَوْقَ مُرْتَقَبٍ جَسيم نَزَلْتُ بِفَرْعِ خِنْدَفَ حَيْثُ لاقَتْ … شُؤونُ الهام مُجْتَمَعَ الصَّميم (٣) مَطاعِيمُ الشَّمالِ إِذَا اسْتُحنَّتْ … وَفي عُرَواءِ كُلِّ صَبًا عَقِيمٌ (٤) سَبَقْنَا الْعالَمِينَ بِكُلِّ مَجْدٍ … وَبِالْمُسْتَمْطَرَاتِ مِنَ النُّجوم إذا نَجْمُ تَغَيَّبَ لاحَ نَجْمٌ … وَلَيْسَتْ بِالمُحاقِ وَلَا الْغُمُوم (٥) سَأَبَسُطُ مِنْ يَدَيَّ عَلَيْكَ فَضْلًا … وَنَحْنُ الْقَاطِعُونَ يَدَ الظُّلُومِ وقوله (٦) في مدح عمر بن عبد العزيز: [من الوافر] إِلَيْكَ شَمائَةَ الأَعْداءِ أَشْكُو … وَهَجْرًا كَانَ أَوَّلُهُ بِعادا تَعَوَّدْ صالح الأخلاق إِنِّي … رَأَيْتُ المَرْءَ يَلْزَمُ ما اسْتَعادا مزقي مثل زادِ أبِيكَ فِينا … فَنِعْمَ الزَّادُ رَادُ أَبِيكَ زادا وَقَدْ لَيَّنْتَ وَحْشَهُمُ بِرِفْقٍ … وَتُعيِي النَّاسَ وَحْشُكَ أَنْ تُصادا إذا فاضَلْتَ مَدَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ … بُحُورٌ غَمَّ زاخِرُها الشمادا (٧)

стр. 4796

وقوله (١): [من البسيط] وابْنُ اللبونِ إِذا مَا لُنَّ فِي قَرَنٍ … لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبُزْلِ الْقَنَاعِيسِ (٢) لا تَفْخَرَنَّ عَلَى قَوْمٍ عَرَفْتَ لَهُمْ … نُورَ الْهُدَى وَعَرِينَ الْعِزَّ ذِي الخِيسِ (٣) نَحْنُ الَّذِينَ ضَرَبْنَا النَّاسَ عَنْ عُرْضِ … حَتَّى اسْتَقَامُوا وَهُمْ أَتْبَاعُ إِبْلِيسِ (٤) وقوله (٥): [من الكامل] قُلْ لِلْجَبانِ إِذا تَأَخَّرَ سَرجُهُ … هَلْ أَنْتَ مِنْ شَرَكِ المَنِيةٍ ناجِي (٦) فَتَعَلَّقَنْ بِبَناتِ نَعْش هاربًا … أَوْ بالنجومِ وَشِدَّةِ الأمواج وقوله (٧): [من الطويل] سَرَى نَحْوَكُمْ لَيْلٌ كَأَنْ نُجُومَهُ … قَنادِيلُ فِيهِنَّ الذُّبالُ المُفتَّل (٨) فَمَا انْشَقَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ حَتَّى تَعرَّفُوا … كَرادِيسَ يَهْدِيهِنَّ وَرْدٌ مُحجَّل (٩) وَمَا زَالَتِ الْقَتلَى تَمُورُ دماؤُهَا … بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَل (١٠) لَنَا الْفَضْلُ فِي الدُّنْيَا وَأَنْفُكَ رَاغِمٌ … وَنَحْنُ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَفْضَل وقوله (١١): [من البسيط] عده برحالِ المِيس نَمْسِكُها … حتى تفرج ما بين المسامير خُوصَ الْعُوِينِ إِذا اسْتَقْبَلْنَ هاجِرَةً … يُحْسَبنَ عُورًا وما فِيهِنَّ مِنْ عُورِ تَحدى بنا الْعَيسُ وَالْحِرْباءُ مُنْتَصِبٌ … وَالشَّمْسُ وَالجِةٌ ظِلَّ الْيَعَافِيرِ (١٢) مِنْ كُلِّ شَيْسَاءَ لَمَّا خُشَ ناظِرُها … أَدْنَتْ مُذَمَّرَهَا مِنْ وَاسِطِ الْكُورِ (١٣)

стр. 4797

وقوله (١): [من البسيط] وَمَا لِتَغْلِبَ إِنْ عَدَّتْ مَسَاعِبَها … نَجْمٌ يُضِيءُ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرُ تَلْقَى بَنِي تَغْلِبِ زُبًّا مَناخِرُهُمُ … كَأَنَّ أَنا فَهُمْ بِالْمَوْصِلِ الْكَمَرُ (٢) وَالتَّغْلَبيَّةُ فِي ثِنْيَيْ عَباءَتِهَا … بِظْرٌ طَوِيلٌ وَفِي باع ابنها قِصَرُ وقوله (٣): [من البسيط] إِنَّ الْعُيُونَ الَّتِي في طرفها مَرَضٌ … قتلننا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلانا يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حَتَّى لا حراك بِهِ … وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أَرْكانا وقوله (٤): [من الوافر] متى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوْحٍ … سُقِيتِ الْغَيْثُ أَيتُها الْخِيام وقوله (٥): [من الكامل] لا يَلْبَثُ الْقُرَنَاء أَنْ يَتَفَرَّقُوا … لَيْلٌ يَكُرُّ عَلَيْهِمُ ونَهَارُ وقوله (٦): [من الوافر] إذا غَضِبَتْ عليكَ بَنُو تَمِيمٍ … حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضابا فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ … فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابا (٧) وقوله (٨) وكان يفخر به: [من الكامل] غَيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وَقُلْنَ لِي … ماذَا لَقِيتَ مِنَ الهَوَى وَلَقِينا وقوله (٩): [من البسيط] لَا يَأْمَنَنَّ قَوِيٌّ نَقْضَ مِرَّتِهِ … إِنِّي أَرَى الدَّهْرَ ذَا نَقْضِ وَإِمْرَارِ

стр. 4798

ومنهم: [١١١] الأخطل بن غالب (١) هو أخو الفرزدق وإن خالف بينهما الدين، وبينهما هذا من الضالين وذاك من المهتدين، وزعم بعضهم أن الفرزدق أخمله، وحقق فرق ما بينهما ثم أهمله، وقد أخطأ هذا الزاعم. والأخطل أشعر وأنف حاسده الراغم، ما رام تشبيهًا فأخطأ، ولا حام على ورود معنى فأبطأ، فكان يجد من بني مروان كنفًا موطأ، وشغفًا مغطأ، على كونه نصرانيًا يشدّ الزنّار، ويشب من كاس حمياء النار. خلص باحتبائهم، واختص بحبائهم، ولبس من فواضل نعمهم الديباج، وعلق من شامل كرمهم الصليب الذهب فوق الحجّاج، وأكل الطيبات من الطعام، وسمع المطربات على كؤوس المدام، وركب جياد الخيل المسومة أثمانا، المطهمة بما لا يملّ الوقائع إدمانا، اقتنى كرائم النعم وعظائم النعم، وكان يحلّ عند عبد الملك الصدر، ويحل مكانًا في رفعة القدر. ورآه مع هذا بعض أصحابه متطأطئًا لراهب يضربه بعكازه، ويجلسه بالهوان نظير إعزازه، وهو له خاضع مطمئن متواضع مستكن، فقال له: ما هذا مع ما عهدته لك عند ابن مروان، فقال: يا أخي إنما هو الدين لتمسكه بما كان يدين، ومسلكه تلك الطرق فردًا من خدين.

стр. 4799

فتبًا له ولما دان، وتبًا لحباله ولو تعلق ببني عبد المدان. ومن منتقى شعره قوله (١): [من الطويل] فَمَا لَبَّثَتْنا نَشْوَةٌ لَحِقَتْ بِنا … تَوابِعُها مِمَّا تُعَلُّ وتَنْهَلُ (٢) تَدِبُّ دَبيبًا في العظام كأنَّهُ … دَبِيبُ نِمالٍ في نَقًا يَتَهَيَّل (٣) فَقُلْتُ اقْتُلُوها عَنْكُمُ بِمِزاجها … فأطيب بِها مَقْتُولَةً حِينَ تُقْتَلُ (٤) رَبَتْ ورَبَا فِي حَجْرِهَا ابْنُ مَدِينَةٍ … يَظَلُّ على مِسْحاتِهِ يَتَوَكَّلُ (٥) إذا خاف من نجم عليها ظَماءَةً … أَدَّت إليها جدولًا يتسلسل (٦) وبيداءَ مُحالٍ كأنَّ نَعامها … بأرجائها القصوى أباعِرُ هُمَّلُ (٧) ترى لامعات الآلِ فيها كأنها … رِجالٌ تَعَرَّى تارَةً وتَسَرْبَلُ (٨) وجَوْزِ فَلاةٍ ما يُغَمِّضُ رَكبها … ولا عَيْنُ هادِيها مِنَ الخَوْفِ تَغْفُلُ بِكُلِّ بَعِيدِ الغَوْلِ لا يُهْتَدَى لَهُ … بِعِرْفانِ أعلام وما فِيهِ مَنْهَلُ (٩) مَلاعِبُ جِنّان كأنَّ ترابَهُ … إِذا أَطَرَدَتْ فِيهِ الرِّياحُ مُغَرْبَلُ (١٠)

стр. 4800

أجَزْتُ إذا الحِرْباءُ أوْفَى كَأَنَّهُ … مُصَلِّ يَمانٍ أَوْ أَسِيرٌ مُكَبَّلُ (١) تَرَى الثَّعْلَبَ الحَوْلِيَّ فِيها كَأَنَّهُ … إذا ما عَلا نَشْرًا حِصَانٌ مُجَلَّلُ (٢) تَرَى العِرْمِسَ الوَجْناءَ يَضْرِبُ حاذَها … ضَئِيلٌ كفروج الدَّجَاجَةِ مُعْجَلُ (٣) وما زالَ عَنْهَا السَّيْرُ حَتَّى َتواضَعَتْ … عَرائِعُها مِمَّا تُحَلُّ وتُرْحَلُ (٤) وتَكْلِيفُناها كُلَّ نازِحَةِ الصُّوَى … شَطُون ترَى حِرْباءَها يَتَمَلْمَلُ (٥) وقَدْ ضَمَرَتْ حَتَّى كَأَنَّ عُيُونَها … بَقايا قِلاتٍ أَوْ رَكِيٌّ مُمَكَّلُ (٦) وغارت عيون العيس والتقتِ العُرى … فهنَّ مِنَ الضّراءِ والجهدِ نُحَلُ (٧) حوامل حاجات ثقال تَجُرُّها … إلى حسن النُّعْمَى سواهم نُسَّلُ (٨)
следующие страницы →