← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وقوله (١): [من البسيط] وابْنُ اللبونِ إِذا مَا لُنَّ فِي قَرَنٍ … لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبُزْلِ الْقَنَاعِيسِ (٢) لا تَفْخَرَنَّ عَلَى قَوْمٍ عَرَفْتَ لَهُمْ … نُورَ الْهُدَى وَعَرِينَ الْعِزَّ ذِي الخِيسِ (٣) نَحْنُ الَّذِينَ ضَرَبْنَا النَّاسَ عَنْ عُرْضِ … حَتَّى اسْتَقَامُوا وَهُمْ أَتْبَاعُ إِبْلِيسِ (٤) وقوله (٥): [من الكامل] قُلْ لِلْجَبانِ إِذا تَأَخَّرَ سَرجُهُ … هَلْ أَنْتَ مِنْ شَرَكِ المَنِيةٍ ناجِي (٦) فَتَعَلَّقَنْ بِبَناتِ نَعْش هاربًا … أَوْ بالنجومِ وَشِدَّةِ الأمواج وقوله (٧): [من الطويل] سَرَى نَحْوَكُمْ لَيْلٌ كَأَنْ نُجُومَهُ … قَنادِيلُ فِيهِنَّ الذُّبالُ المُفتَّل (٨) فَمَا انْشَقَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ حَتَّى تَعرَّفُوا … كَرادِيسَ يَهْدِيهِنَّ وَرْدٌ مُحجَّل (٩) وَمَا زَالَتِ الْقَتلَى تَمُورُ دماؤُهَا … بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَل (١٠) لَنَا الْفَضْلُ فِي الدُّنْيَا وَأَنْفُكَ رَاغِمٌ … وَنَحْنُ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَفْضَل وقوله (١١): [من البسيط] عده برحالِ المِيس نَمْسِكُها … حتى تفرج ما بين المسامير خُوصَ الْعُوِينِ إِذا اسْتَقْبَلْنَ هاجِرَةً … يُحْسَبنَ عُورًا وما فِيهِنَّ مِنْ عُورِ تَحدى بنا الْعَيسُ وَالْحِرْباءُ مُنْتَصِبٌ … وَالشَّمْسُ وَالجِةٌ ظِلَّ الْيَعَافِيرِ (١٢) مِنْ كُلِّ شَيْسَاءَ لَمَّا خُشَ ناظِرُها … أَدْنَتْ مُذَمَّرَهَا مِنْ وَاسِطِ الْكُورِ (١٣)

стр. 4797

وقوله (١): [من البسيط] وَمَا لِتَغْلِبَ إِنْ عَدَّتْ مَسَاعِبَها … نَجْمٌ يُضِيءُ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرُ تَلْقَى بَنِي تَغْلِبِ زُبًّا مَناخِرُهُمُ … كَأَنَّ أَنا فَهُمْ بِالْمَوْصِلِ الْكَمَرُ (٢) وَالتَّغْلَبيَّةُ فِي ثِنْيَيْ عَباءَتِهَا … بِظْرٌ طَوِيلٌ وَفِي باع ابنها قِصَرُ وقوله (٣): [من البسيط] إِنَّ الْعُيُونَ الَّتِي في طرفها مَرَضٌ … قتلننا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلانا يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حَتَّى لا حراك بِهِ … وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أَرْكانا وقوله (٤): [من الوافر] متى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوْحٍ … سُقِيتِ الْغَيْثُ أَيتُها الْخِيام وقوله (٥): [من الكامل] لا يَلْبَثُ الْقُرَنَاء أَنْ يَتَفَرَّقُوا … لَيْلٌ يَكُرُّ عَلَيْهِمُ ونَهَارُ وقوله (٦): [من الوافر] إذا غَضِبَتْ عليكَ بَنُو تَمِيمٍ … حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضابا فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ … فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابا (٧) وقوله (٨) وكان يفخر به: [من الكامل] غَيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وَقُلْنَ لِي … ماذَا لَقِيتَ مِنَ الهَوَى وَلَقِينا وقوله (٩): [من البسيط] لَا يَأْمَنَنَّ قَوِيٌّ نَقْضَ مِرَّتِهِ … إِنِّي أَرَى الدَّهْرَ ذَا نَقْضِ وَإِمْرَارِ

стр. 4798

ومنهم: [١١١] الأخطل بن غالب (١) هو أخو الفرزدق وإن خالف بينهما الدين، وبينهما هذا من الضالين وذاك من المهتدين، وزعم بعضهم أن الفرزدق أخمله، وحقق فرق ما بينهما ثم أهمله، وقد أخطأ هذا الزاعم. والأخطل أشعر وأنف حاسده الراغم، ما رام تشبيهًا فأخطأ، ولا حام على ورود معنى فأبطأ، فكان يجد من بني مروان كنفًا موطأ، وشغفًا مغطأ، على كونه نصرانيًا يشدّ الزنّار، ويشب من كاس حمياء النار. خلص باحتبائهم، واختص بحبائهم، ولبس من فواضل نعمهم الديباج، وعلق من شامل كرمهم الصليب الذهب فوق الحجّاج، وأكل الطيبات من الطعام، وسمع المطربات على كؤوس المدام، وركب جياد الخيل المسومة أثمانا، المطهمة بما لا يملّ الوقائع إدمانا، اقتنى كرائم النعم وعظائم النعم، وكان يحلّ عند عبد الملك الصدر، ويحل مكانًا في رفعة القدر. ورآه مع هذا بعض أصحابه متطأطئًا لراهب يضربه بعكازه، ويجلسه بالهوان نظير إعزازه، وهو له خاضع مطمئن متواضع مستكن، فقال له: ما هذا مع ما عهدته لك عند ابن مروان، فقال: يا أخي إنما هو الدين لتمسكه بما كان يدين، ومسلكه تلك الطرق فردًا من خدين.

стр. 4799

فتبًا له ولما دان، وتبًا لحباله ولو تعلق ببني عبد المدان. ومن منتقى شعره قوله (١): [من الطويل] فَمَا لَبَّثَتْنا نَشْوَةٌ لَحِقَتْ بِنا … تَوابِعُها مِمَّا تُعَلُّ وتَنْهَلُ (٢) تَدِبُّ دَبيبًا في العظام كأنَّهُ … دَبِيبُ نِمالٍ في نَقًا يَتَهَيَّل (٣) فَقُلْتُ اقْتُلُوها عَنْكُمُ بِمِزاجها … فأطيب بِها مَقْتُولَةً حِينَ تُقْتَلُ (٤) رَبَتْ ورَبَا فِي حَجْرِهَا ابْنُ مَدِينَةٍ … يَظَلُّ على مِسْحاتِهِ يَتَوَكَّلُ (٥) إذا خاف من نجم عليها ظَماءَةً … أَدَّت إليها جدولًا يتسلسل (٦) وبيداءَ مُحالٍ كأنَّ نَعامها … بأرجائها القصوى أباعِرُ هُمَّلُ (٧) ترى لامعات الآلِ فيها كأنها … رِجالٌ تَعَرَّى تارَةً وتَسَرْبَلُ (٨) وجَوْزِ فَلاةٍ ما يُغَمِّضُ رَكبها … ولا عَيْنُ هادِيها مِنَ الخَوْفِ تَغْفُلُ بِكُلِّ بَعِيدِ الغَوْلِ لا يُهْتَدَى لَهُ … بِعِرْفانِ أعلام وما فِيهِ مَنْهَلُ (٩) مَلاعِبُ جِنّان كأنَّ ترابَهُ … إِذا أَطَرَدَتْ فِيهِ الرِّياحُ مُغَرْبَلُ (١٠)

стр. 4800

أجَزْتُ إذا الحِرْباءُ أوْفَى كَأَنَّهُ … مُصَلِّ يَمانٍ أَوْ أَسِيرٌ مُكَبَّلُ (١) تَرَى الثَّعْلَبَ الحَوْلِيَّ فِيها كَأَنَّهُ … إذا ما عَلا نَشْرًا حِصَانٌ مُجَلَّلُ (٢) تَرَى العِرْمِسَ الوَجْناءَ يَضْرِبُ حاذَها … ضَئِيلٌ كفروج الدَّجَاجَةِ مُعْجَلُ (٣) وما زالَ عَنْهَا السَّيْرُ حَتَّى َتواضَعَتْ … عَرائِعُها مِمَّا تُحَلُّ وتُرْحَلُ (٤) وتَكْلِيفُناها كُلَّ نازِحَةِ الصُّوَى … شَطُون ترَى حِرْباءَها يَتَمَلْمَلُ (٥) وقَدْ ضَمَرَتْ حَتَّى كَأَنَّ عُيُونَها … بَقايا قِلاتٍ أَوْ رَكِيٌّ مُمَكَّلُ (٦) وغارت عيون العيس والتقتِ العُرى … فهنَّ مِنَ الضّراءِ والجهدِ نُحَلُ (٧) حوامل حاجات ثقال تَجُرُّها … إلى حسن النُّعْمَى سواهم نُسَّلُ (٨)

стр. 4801

إلى خالِدٍ حَتَّى أَنَحْنَ بِخالدٍ … فَنِعْمَ الفَتَى يُرْجَى وَنِعْمَ المُؤَمَّلُ أبي عُودُكَ المَعجُومُ إِلا صَلابَةٌ … وكَفَّاكَ إلا نائِلًا حِينَ تُسألُ (١) ألا أيُّها السَّاعِي لِيُدْرِكَ خالِدًا … تَناهَ وأَقْصِرْ بَعْضَ مَا كُنْتَ تَفَعَلُ (٢) فهل أنْتَ عَنْ مَدَّ المدى لك خالِدٌ … مُوازٍ لَهُ أَوْ حَامِلٌ ما تُحَمَّلُ (٣) سَقَى اللهُ أَرْضًا خَالِدٌ خَيْرُ أَهْلَها … بِمُسْتَفْرغ باتَتْ عَزالِيهِ تَسْحَلُ (٤) إذا زَعْزَعَتْهُ الرِّيحُ جَرَّ ذُيُولَهُ … كما زحفَتْ عُوذُ ثقال تُطَفّلُ مُلِح كأَنَّ البَرْقَ في حَجراتِهِ … مَصابِيحُ أَوْ أَقْرابُ بُلْقٍ تَحفَّلُ (٥) سَقَى لَعْلَعًا والقُرْنَتَيْنِ فَلَمْ يَكَدْ … بِأَثْقَالِهِ عَنْ لَعْلَع يَتَحَمَّلُ (٦) وغادر أكمَ الحَزْنِ تَطْفُو كَأَنَّها … بِما احتملت مِنْهُ دَواجِنُ قُفَّلُ (٧) وبالمَعْرَسانِيَّاتِ حَلَّ وأَرْزَمَتْ … بِرَوْضِ القَطا مِنْه مَطافِيل حُفَلُ (٨) لَقَدْ أَوْقَعَ الجَحَافُ بالبِشْرِ وقْعَةً … إلى الله مِنْهَا المُشْتَكَى والمُعَولُ (٩)

стр. 4802

فإِن يَحْمِلُوا عَنْهُمْ فَما مِنْ حَمالَةٍ … وإِنْ ثَقُلَتْ إِلَّا دَمُ القَوْمِ أَثْقَلُ (١) وإِنْ يَعْرِضُوا فيها لنا الحقَّ لا يكُنْ … عَنِ الحقِّ عما ناءَ بالحَقِّ نَسألُ وقوله (٢): [من الكامل] مِنْ كُلِّ مُجتَنَبٍ شَدِيدٍ أَسْرُهُ … سَلِسِ القِيادِ تَخالُهُ مُختالا (٣) ومموه أثر السلاحِ بِنَحْرِها … فكأَنَّ فَوْقَ لبانها جريالا (٤) قُبَّ البُطُونِ قَدِ انْطَوِينَ مِنَ السُّرَى … وطرادهُنَّ إِذا لَقِينَ قتالا (٥) مُلْحَ المُتُونِ كأَنَّما أَلْبَسْتَها … بالماءِ إِذْ يَبِسَ النَّضِيحُ جِلالا (٦) وقوله (٧): [من البسيط] لا يسمعُ الصَّوْتَ مُسْتَكًا مَسامِعُهُ … وَلَيْسَ يَنْطِقُ حَتَّى يَنْطِقَ الحَجَرُ (٨) إِذْ يَنْظُرُونَ وَهُمْ يَجْنُونَ حَنْظَلَهُمْ … إِلى الزَّوابِي فَقُلْنَا بَعْدَ مَا نَظَرُوا (٩)

стр. 4803

مُخَلَّفُونَ ويَقْضِي النَّاسُ أَمْرَهُمُ … وهُمْ بِغَيْبٍ وفي عَمياء ما شَعَرُوا (١) مُلَطَّمُونَ بأعقاب الحياضِ فَما … يَنفَكُ مِنْ دارمي فيهم أثرُ (٢) قَوْمٌ تَناهَتْ إِلَيْهِم كُلُّ فَاحِشَةٍ … وكُلُّ مُخْزِيَةٍ سُبَّتْ بِها مُضَرُ (٣) الآكِلُونَ خَبِيثَ الزَّادِ وحَدَهُمُ … والسائِلُونَ بِظَهْرِ الغَيْبِ ما الخَبِرُ (٤) وقوله (٥): [من البسيط] كأَنَّ قَلْبِي غَداةَ البَيْنِ مُقْتَسَمٌ … طَارَتْ بهِ عُصَبٌ شَتَّى لأَمْصَارِ (٦) ولو تلف النَّوى مَنْ قَدْ تُشوَّفُهُ … إذا قَضَيْتُ لُباناتي وأوطاري (٧) منها: فَباتَ في جَنْبِ أَرْطاةِ تُكَفِّنُهُ … رِيحٌ شامِيَةٌ هَبَّتْ بأمطار (٨) يَجُولُ لَيْلَتَهُ والعَينُ تَضْرِبُهُ … مِنْها بِغَيْثٍ أَجَسُ الرَّعْدِ نَشَارِ (٩)

стр. 4804

إذا أراد بها التغمِيضَ أَرَّقَهُ … سَيْلٌ يَدِبُّ بِهَدم التُّرْبِ مَوَارِ (١) كأَنَّهُ إذ أضاءَ البَرْقُ بَهجَتَهُ … في أَصْبَهَانِيَّةٍ أَوْ مُصْطَلَي نار (٢) وشارب مربح بالكأس نادمَنِي … لا بالحَصُورٍ ولا فيها بِسَوارِي (٣) نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشَّمُولِ وقَدْ … صاحَ الدَّجاج وحانَتْ وَقْعَةُ السَّارِي (٤) كُمَّتْ ثَلاثَةَ أحوال بِطِينَتِها … حَتَّى إذا صَرَّحَتْ مِنْ بَعْدِ تَهْدَارِ (٥) آلَتْ إلى النِّصْفِ مِنْ كَلفَاءَ أَنْزَعَها … عِلْجٌ ولَثَّمَها بالجَفْنِ والغار (٦) لَها رِداءانِ نَسْجُ العَنْكَبوتِ وقَدْ … لُفَّتْ بِآخَرَ من ليف ومن قار (٧) صَهْبَاءَ قَدْ كَلِفَتْ مِنْ طُول ما حُبِسَتْ … في مَخْدَع بَيْنَ جَنَّاتٍ وأنْهارِ عَذْرَاءَ لَمْ تَجْتَلِ الخُطَّابُ بَهجَتَها … حَتَّى اختلاها عِبادِي بدينار (٨) في بَيْتِ مُنْخَرِقِ السِّرْبالِ مُعْتَمِلٍ … مَا إِنْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ غَيْرُ أَعْمارِ (٩) تَدْمَى إِذا طَعَنُوا فِيهَا بِجَائِفَةٌ … فَوْقَ الزُّجَاجِ عَتِيقٌ غَيْرُ مُصطَارٍ (١٠)

стр. 4805

كأنما المِسْكُ نُهْبَى بَيْنَ أرجُلِنا … مِمَّا تَضَوَّعَ مِنْ ناجُودِها الجاري (١) وقوله (٢): [من البسيط] والمُطْعِمُ الكُومَ، لا يَنْفَكُ يَعْقِرُها … إذا تلاقى رواقُ البَيْتِ واللَّهَبُ (٣) لا يَبْلُغُ النَّاسُ أدْنَى وادِيَيْهِ، ولا … يُعطي جواد، كما يُعطي، ولا يهب (٤) إذا أَتَيْتَ أبا مَرْوانَ، تَسْأَلُهُ … وَجَدْتَهُ حاضِرَاهُ الجود والحسَبُ (٥) وقوله (٦): [من الطويل] أجِدَّكِ ما نلقاك إلا مَرِيضَةً … تُداوينَ قلبًا ما تقر بلابله (٧) وقد كان منكِ منزلًا نَسْتَلدُّهُ … تُغازلنا أطلاله ونغازله (٨) وأدَّتْ إلينا عَهْدَها أَمُّ مَعْمَرٍ … وقد جَعَلَتْنا كالخَلِيطِ تُزايِلُه (٩) منها (١٠) يعرض بأن الفرزدق دعي النسب في دارم: سَعَيْتَ شَبَابَ الدَّهْرِ، لم تستطعهم … أفالآن، لمّا أَصْبَحَ الدَّهْرُ فانيا (١١) وإِنَّكَ لَوْ أَسْرَيْتَ لَيْلكَ كلَّه … بقومك لمْ تُصْبِحْ مِنْ القوم دانيا (١٢)

стр. 4806

بَخَسْتَ بيَرْبُوعِ لتُدْرِكَ دارمًا … ضلالًا لمَنْ منَّاكَ تِلْكَ الأمانيا (١) فقَدْ كِلْتُموني بالسوابِقِ قَبْلَها … فَبَرَّزْن مِنْها ثانيًا مِنْ عِنانيا (٢) وما كانَتِ العقماء، إلا تَعِلَّةً … لِمَنْ كانَ يَعْتَسُ الإماء الزوانيا (٣) وقوله (٤): وإني لحلال بي الحقُّ، أَتَّقي … إذا نزَلَ الأضياف، أن أتجهما (٥) إذا لم تَذُدْ أَلْبانُها عَنْ لحومها … جلَبْنا لهم منها بأسيافنا دما (٦) وقوله (٧): [من البسيط] يا ابنَ القَرِيعَين، لولا أَنَّ سَيبَهُمُ … قَدْ عَمِّمي، لم يُجِبْني داعيًا أحَدُ (٨) أنتُمْ تَداركتُموني، بَعْدَما زَلَقَتْ … نَعْلي، وأُخْرِجَ عَنْ أَنْيا بِهِ الأَسدُ (٩) ترى الوفود إلى جَزْلٍ مواهِبُهُ … أنى ابتَغَوْهُ لأَمْرِ صالح، وجدوا (١٠) كأَنَّهُ مُزبِدٌ رَيانُ، مُنْتَجَعُ … يَعْلو الجزائر، في حافَاتِهِ الزَّبَدُ (١١) وإن سألْتَ قُريشًا عَنْ أوائلها … فَهُمْ ذوائبها الأَعْلَوْنَ والسَّنَدُ (١٢) وَلَوْ يُجَمَّعُ رِفْدُ النَّاسِ كُلّهِم … لَمْ يَرْفِدِ النَّاسُ إلا دونَ ما رَفدوا (١٣) والمُسْلِمون بخَيْرٍ ما بَقِيتَ لهُمَّ … وَلَيْسَ بَعْدَكَ خِيرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ (١٤)

стр. 4807

وقوله (١): [من الطويل] تحملن من بطحاء فَلْج ولم يكَدْ … بَصِيرٌ بها مِنْ ساعَةٍ يَسْتَحيلها (٢) تقابلن بالأهواء، حتى كأنّما … يجورُ بها في السير عَمْدًا دليلها (٣) وقوله (٤): [من البسيط] وقَدْ لبِسْتُ لهذا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ … حتى تَجَلَّلَ رأسي الشَّيْبُ واشْتَعلا (٥) فبانَ مِنّي شبابي، بَعْدَ لذَّتِهِ … كأنّما كان ضَيْفًا نازلًا رَحَلا (٦) وقوله (٧): [من الطويل] إذا غَرَّقَ الآلُ الإكامَ عَلَوْنَهُ … بِمُنْتَعتات لا بغال ولا حُمْرُ (٨) وقَدْ أَكَلَ الكيران أشرافها العُلى … وَأُبْقِيَتِ الألواحُ وَالعَصَبُ السُّمْرُ (٩) وقوله (١٠): [من الطويل] أَيَسْتُمُني ابن الكلب، أن فاضَ دَارِمٌ … علَيْهِ ورامى صَخْرَةٌ مَا يَرُومُها (١١) يُغني ابنُ يَرْبُوعِ بِشَتْميَ أُمَّهُ … ومَا انْفَلَتَتْ منّي صحيحًا أديمُها (١٢) ومنهم: [١١٢] شمعلة بن فائد ذو نخوة أبية، وحمية جاهلية، وأنفة أساء فيها النية، كان نصرانيًا له أبهة

стр. 4808

بادية، وقدر عظيم في البادية، يشار إليه ويُسار، ويغار له من رآه من عاقبة البوار، والمصير إلى النار، فطالبه هشام بن عبد الملك بالإسلام لما رأى من فضله وجماله، ولما أعجبه من هيأة وإضاءة حاله، وأحبّ له الدخول في الدين، ورجا أن يكون من المهتدين، فامتنع وأبى، واتبع هواه ليكون لجهنم حطبًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فقال هشام: إن لم تفعل لأطعمتك لحمك ثم قال: خذوا فخذه فحروا حزة خفيفة ولا تزيدوا على ذلك ففعلوا فقال: لو قطعت لما أسلمت على هذا الوجه. فلما أخلي عنه، قال أعداؤه: أطعمه هشام لحمه، فقال شمعلة: [من الطويل] أَمِنْ حَزَّةٍ في الفَحْذِ مني تباشرت … عداتي ولا نقص علي ولا وتر وإن أمير المؤمنين وفعله … لكالدهرِ لا عارٌ بما صنع الدهر ومنهم: [١١٣] عُبيد بن حُصين النميري، المعروف براعي الإبل (٢) من وجوه قبائل، وفروع غروس أصائل، أتت الفضيلة طوع طبعه، وأتته روضًا تخير من ثمرته ونبعه، ولم يكن راعي إبل، ولكن مراعى معنى مقبل، وضيف مقتبل.

стр. 4809

جاء في الشعر واعيًا، وأجاد نعت الإبل فسمي لها راعيًا، وقيل لبيت وصف به راعيًا في ارتياد المريع من المراعي ساعيًا، ولم يرع قط بعيرًا ولا غير بعير، ولا هو ممن يغتر برعي عير، ولا يوسم بما يصمه من تقصير، بل هو من أشراف قومه جلالة ونبلا. وكان أعور كأن عينه غارت مما يثقف سهامًا ويريش نبلًا، وقد تقدم في ترجمة حميد بن ثور أن أمه وأم الراعي هذا وأم العجير السلولي أخوات، وأن الثلاثة أولاد خالات، وأبناء الكريمات للكرم أنصار، وأولاد النجيبات نجب كالشمس تولد الأنوار، وهؤلاء الثلاثة كل واحد منهم ثالثة أثافي، وفرد يعدّ بجمع في إشادة المجد وإجادة القوافي. والراعي من رجالات العرب، وممن تلتف عليه القبيلة إذا انتدي أو انتدب، وما زال يقال: إنه فحل مضر، حتى ضغمه جرير بن الخطفى عندما ظهر، وتوفي مسنًا لا يجد سنًا، وكان هجاء لعشيرته بذيئًا في ما ملك من مريرته. ومن بليغ هجائه، مع تباعده من الفحش في إزرائه، قوله (١): [من البسيط] تبلى ثياب بني سعد إذا دفنوا … تحت التراب ولا تبلى مخازيها وإن لقيت بني سعد وجدْتَهُمُ … تبكي قبورُهُمُ مِنْ خُبثِ ما فيها وقوله (٢) في ابن الرقاع: [من البسيط] لو كنتَ مِنْ أحدٍ يُهجَى هجوتُكُمُ … يا ابن الرقاع ولكن لستَ مِنْ أحد تأبَى قُضَاعَةُ أن تعرف لكمْ نَسَبًا … وابنا نزار فأنتم بيضة البلد وبيضة البلد يمدح بها ويُذَم، فأما المدح فيُراد أنه أصل كما أن البيضة أصل الطائر، وأما الذم فيراد أنه لا أصل له. ومن شعره قوله (٣): [من الطويل] وقد قادني الجيران حينًا وقدتُهمْ … وفارقتُ حتى ما تحن جماليا رجاؤك أنساني تذكر أخوتي … ومالك أنساني [بوهبين] ماليا (٤) وقوله (٥) وهو من أجود ما قيل في أسود: [من الكامل] وكأنَّ فَرْوَةَ شعره في رأسِهِ … زُرِعَتْ فأنبت جانباها الفُلْفُلا (٦)

стр. 4810

ومنهم: [١١٤] الطرماح بن جهم السنبسي (١) ناهيك بالطرماح، بلغ ما لم يبلغه من بعد أرضه الطماح، ولا دنا إليه من وقبه بكر بن النطاح كان لا يجبن إذا اشتبكت الرماح، ولا يبخل إذا اشتبهت مذاهب السماح، على ما له من نسب معرّقٍ في طي، ومنصب محري بالحسن من السي، وله في سنبس أواصر لم تختلف وشائجها، ولم يختف في أفق السماء معارجها. وكان فكره سيالًا، وشعره إلى كل جانب مخصب ميالا، لا يزال يقطف مانور، ويصف الشيء كأنه حقيقة ما تصوّر، ومما وقع عليه الاختيار من قوله المستطاب، المستطال حسنًا على قصر الخطاب، قوله في الثور (٢): [من الكامل] يبدو وتُضمِرُهُ البلاد كأنه … سيف على شَرَفٍ يُسَلُّ ويُعْمَدُ (٣) وقوله لنافذ بن سعد المعنى (٤): [من الطويل]

стр. 4811

[و] إِنَّ بِمَعْنٍ إِنْ فَخَرْتَ لمفخرًا … وفي غيرها تبني بيوت المكارم (١) متى قدت يا ابن الحنطلية عصبة … مِنَ الناسِ يهديها فجاج المخارم (٢) إذا ما ابن جزء كان ناهز طيئًا … فإن الذرى قد صِرْنَ تَحتَ المناسم (٣) فقد بزمام بظرَ أُمِّكَ واحتقن … بأيرِ أبيك الفسل كراث عاسم (٤) وقوله في السحاب (٥): [من البسيط] دانِ مُسِفٌ فُوَيقَ الأرضِ هيديه … يكاد يدفعُهُ مَنْ قامَ بالرَّاحِ ومنهم: [١١٥] الكُمَيْت بن زيد (٦) مادح البيت الشريف النبوي، زمان بني أُميَّة متجاهرًا بمحبتهم، ومتظاهرًا بصحبتهم، ومتشيّعًا بولائهم، ومتتبعًا لذكر حسن بلائهم، ينشده في المحافل ولا يبالي

стр. 4812

ببني أمية أن رَغَتْ رعودهم، أو بغت عليه أسوة بمن والاهم جنودهم، ولم يهب بوارق بني مروان، ولا شقاشق عود ذلك العدوان. وكان الكميت أصم إلا أنه يسمع الشكوى، وجوادًا لكنه تصامم عن البلوى، وله في أهل البيت سلام الله عليهم المذهبة التي وشع بها الأصيل برده، وحلّى الأفق بذهبها في ترائب الجوزاء عقده، وكان كثير الشعر، إلا أنه ما جاوز حده، ومن شرط هذا المختار من الكلام المختار، قوله (١): [من الطويل] فيا موقدًا نارًا لغيرك ضوؤها … ويا حاطبًا في حَبْلِ غيرك تحطب وقوله (٢): [من الوافر] فقل لبني أمية حيث حلُّوا … وإن خفت المُهنَّد والقطيعا أجاعَ اللهُ مَنْ أشبعتموه … وأشبعَ مَنْ يجورِكُمُ أُجيعا ويروى أن أبا جعفر محمد بن علي - رضوان الله عليهما - لما أنشده الكميت هذه القصيدة دعا له. وللكميت في هشام وبني مروان (٣): [من الطويل] مصيب على الأعواد يوم ركوبها … لما قال فيها مُخطئ حين ينزل كلام النبيين الهُدَاةِ كلامنا … وأفعال أهل الجاهلية نفعل وله في رواية اليزيدي (٤): [من الكامل] يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا … قُبُّ البطون رواجح الأكفال يرمينَ بالحَدَقِ القلوب فمَا تَرَى … إلا صريع هوى بغير نبال وله في رواية دعبل (٥): [من الطويل]

стр. 4813

لَعَمْرِي لَقَومُ المَرْءِ خير بقيةٍ … عليه وإن عالوا بهِ كلَّ مَرْكَبِ إذا كنتَ في قوم عِدًا لستَ منهم … فكل ما عَلِقْتَ مِنْ خبيث وطيب وإن حدثتك النفس أنك قادر … على ما حَوَتْ أيدي الرجال فجرب ومنهم: [١١٦] عدي بن الرقاع (١) تفرد بالذكر وما خلت البقاع، وتفرَّى أديم … به عن صُباح الرقاع، وتقدم بوصف ظبي أغن من ظباء القاع، فأقدم على تشبيه روقيه، بما زحم له في أول البيت فلما كمله حسد عليه، وهو عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع، وكان له نسب في عاملة، وطرب بالوعي ينصب بالنجوم عامله، وكان أبرص لا يشينه برصه، إلا إذا شان النهار وضحه أو كان ما ينقصه، وله على ملوك بني مروان وفادة في مجالسهم وعادة لا تقطع من نفائسهم، وأجزل عبد الملك صلته، وأجمل ببلوغ الرجاء وصلته، وحباه ما لا تقله الأعباء، ولا تستقله الأنباء، ومن بديعه الذي تستجدي السحب بروقه، وتستهدي الشموس شروقه، قوله (٢) في ولد الظبية وهو الذي حسده جرير عليه (٣): [من الكامل] تُرَجِّي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبرَةَ رَوْقِهِ … قَلَمُ أَصَابَ من الدواة مدادها (٤)

стр. 4814

وفي هذه القصيدة يقول: وقصيدة قَدْ بِت أجمعُ بينَها … حتّى أقوِّمَ مَيْلَها وسنادَها (١) نَظَرَ المُثَقِّفِ في كُعوبِ قناتِهِ … حتى يُقيم ثقافُهُ مُنادَها (٢) وعلمت حتى ما أسائل واحدًا … عن علم واحدة لكي أزدادها وقوله (٣): [من البسيط] لا يبرح المرءُ يَسْتَقْرِي مضاجِعَهُ … حتّى يُقِيمَ بأعلاهن مُضْطَجَعا ومما يُستحسن من قوله (٤) يصف سنابك الحمامين إذا غدوا: [من الكامل] يتعاوران من الغُبارِ مُلاءَةٌ … غبراءَ مُحكمة هما نَسَجَاها (٥) تُطوى إذا عَلَوا مكانًا ناشزًا … وإذا السنابكُ أَسْهَلَتْ نَشَراها [وقوله (٦): [من الكامل] أَلْمِمْ على ظَلَلٍ عفا مُتقادِمِ … بين الذؤيب وبينَ غَيْبِ النَّاعِمِ (٧) لتزورَ أَرْمِدَةٌ كأَنَّ مُتُونَها … في الأرضِ عن حِجَجٍ متونُ حَمائِمِ (٨) فظَلِلْتُ مُكتئبًا كأنَّ تذكّري … مما عَرَفْتُ بها تَوْهُمُ حالم (٩) ومن الضلالة بَعْدَما ذَهَبَ الصَّبا … نَظَرِي إلى حور العيون نواعم] (١٠) ومنهم:

стр. 4815

[١١٧] ليلى الأخيلية (١) صاحبة توبة بن الحمير، وشعرها غاية لا ينقصه كونها أنثى، ولا ينغصه أن شكت إلى صاحبها بثًّا، وكانت تصافيه ودادها، وتوافيه تردادها، وكان بها حلف جوى لا ينهنهه العتاب، ولا يشبهه جمر البرق المتوقد من جنبي السحاب، وكانت شاعرة لسنة، ونادرةً لا تنفض عن أبدانها السِّنَة، وكانت امرأة طويلة القامة، جميلة الوسامة، صقيلة الخدّ على أعلى جبينها شامه، تنظر بعيني جوذر من ظباء رامة، وتفتر عن أقاح جلته عيدان البشامة، وتسر الضجيع كأنه بائت في ليل تهامة، ووفدت على الحجاج بن يوسف الثقفي، ووفت في مديحه بالموعد الوفي، وكان لها معه حديث غير الخفي، فقال الحجاج لحاجبه: اقطع لسانها وما أراد إلا أن يصلها، وكان الحاجب فدما فعزم أن يقطع مقولها، ونمى الخبر إلى الحجاج فتداركها وأجزل صلتها وكساها،

стр. 4816

فأفنت الأيام حلله وما أفنت ما كسته حلّتها، ومن جيّد شعرها ما تلذ شموله، وتعدّ سائرة في الآفاق بأوقار البعير حموله، ومنه قولها (١): [من الطويل] لعمرك ما بالموتِ عار على امرئ … إذا لم تُصبه في الحياة المعاير (٢) وما أحدٌ حيّ وإن كان سالمًا … بأخلد ممن غيبته المقابر ومَنْ كان مما يُحدث الدهرُ جازعًا … فلا بدَّ يومًا أن يُرى؛ وهو صابر وليس لذي عيش عن الموتِ مَذْهَبٌ … وليس عن الأيام، والدهر غابر (٣) ولا الحيُّ مما يعتب الدهر مُعتَبٌ … ولا الميتُ إن لم يصبر الحيُّ ناشر (٤) وكل شباب أو جديد إلى بلى … وكلّ امرئ يومًا إلى الله صائر وكل قرين الفة لتفرق … شتاتًا وإن ضنا وطال التعاشر فأقسمت لا أنفك [أبكيك] ما دعت … على فَنَنٍ ورقاء، أو طار طائر (٥) وقولها (٦): [من الرجز] أنعتُ عيرًا وهو (أيرٌ) كلّه … حافرُهُ ورأسه وظلّه أنعظ حتى انحل عنه جُلّهُ … كأَنّ حُم خبر تعله إدخاله عام وعام سله … في أست زياد بن قُنيع كلّهُ وقولها (٧): [من الطويل] كريم يغض الطرف فضل حيائه … ويدنو، وأطراف الرماح دواني وكالسيف إن لا ينته لان متنهُ … وحدَّاهُ - إن خانته - خشنان وقولها (٨): [من الكامل] قوم رباط الخيل وسط بيوتهم … وأسنةٌ زُرْق يُخَلْنَ نُجُوما (٩)

стр. 4817

ومُخرّقٍ عنه القميص تخاله … وسط البيوتِ مِنَ الحياء سقيما (١) حتى إذا رفع اللواء رأيتَهُ … تحتَ اللواء على الخميس زعيما (٢) وبها انتهاء شعراء دولة بني أمية ممن وقع عليه اختيارنا موافقة في الغالب لاختيار علي بن سعيد في كتابه المسمى بعنوان المرقص والمطرب وهم حلية ذلك الصدر، وعلية أولئك النجوم العالية القدر، وفيه تلك الدولة اللامع وفاؤهم في جوانب ذلك الغور. وها نحن نتبعهم بمن كان في الدولة العباسية إلى أواننا، ممن تقدم إلى من هو موجود في زماننا، ممن برع قوله، وبرئ من التكلّف شعره وصح على السبك ذهبه، ووضح كالنهار بيانه، وسار مسير الشمس مثله الشارد، وأنار نور الصباح معناه السافر، وأحسن اقتفاء وابتداعًا وتوليدًا واختراعًا. وأولهم على ما بدأ به ابن سعيد جماعة المخضرمين في الدولتين، المضرمين نار مدائحهم على نشر الهضبتين، المبذولة بنات أفكارهم لمنصف وغاشم، المنقولة في بني عبد مناف بين عبد شمس وهاشم. * * *

стр. 4818

المخضرمون من شعراء الدولتين

стр. 4819

المخضرمون من شعراء الدولتين ومنهم: [١١٨] طريح بن إسماعيل الثقفي (١) ذو عارضة قوية ومعارضة لا تطاق في بديهة ولا رويّة، وكلمات تخرج مخرج الأمثال، وتنهج منهج المثال. أكثر حتى ملأ الأفواه، وأحسن حتى فات النظائر والأشباه، واشتهر بالفصاحة فمن ناواه أعياه. يزيد على لفظه معناه، ويعيد الناد. إذا اعتاض على غيره فعناه، ووفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك ومدحه، وتوسل إليه بالخؤولة واستمنحه، وبقي أول دولة بني العباس، ومدح السفاح والمنصور على رؤوس الناس، وكلف كاتب مروان بن محمد حاجة يرفعها إلى الخليفة، ويشفعها بعنايته اللطيفة، فكأنه أطال عناءه، ولم يصرف إليها اعتناءه، فسأله طريح عنها متقاضيًا، وظنه لها قاضيا، أو بتقديمها راضيًا، فلم يلقه بنجاز رائج، بل قال: جعلتها في جملة الحوائج، فقال طريح بن إسماعيل (٢)، مخاطبًا للكاتب بصبر قد عيل (٣):

стр. 4820

[من الوافر] تَخَلَّ لِحاجتي وَاشدُد قواها … فقد أمست بمنزلة الضياع إذا راضعتَها بلبان أخرى … أضرَّ بها مشاركة الرضاع وقوله: [من البسيط] [لله قومي إذا ما الناسُ ألبسهمُ … جهد وشدّ مساع الريقةِ الكَذِبُ فاتوا فلا يرتجي الإدراك طالبُهُم … ولا يُهنّأ بالأعجاز مَنْ طَلَبوا لا يغضبون وإن نيطت حفائظهُم … حتى تخلف غدر الآثم الغضب هُمُ أزالوا مَعَدًا عن ديارِهِمُ … بالعزّ حين لأهل العزة القلب هلوا بأفيح مُبيضّ أصائله … طامي الجنان به الأنهار والقُلبُ والحُصْنُ والدور والأطامُ مُشرفةٌ … فيها الكرائم والماذي واليلب مشطونةٌ حولها جُرْدٌ مُسوّمةٌ … تحجيلها بدماء القوم مختضب كأنها حين يدعوها الضريح إلى … روع جزاد حدمه الريح منشعب يحمي الذّمار ويحوي الغنم يحمسها … قوم كأنهم في الغارة الشُّهُبُ وقوله: [من الكامل] ماذا يهيجكَ مِنْ مَحَلِّ مُقفِرٍ … يشفي معارفه ذيول المُعْصِرِ دمن تقادم عهدها فكأنها … رقم المُبشِّر في الأديم الأحمر] (١) ومن شعر طريح قوله (٢) في الوليد: [من المنسرح] لو قيل للسيل دَعْ طريقك والمو … جُ عَلَيْهِ كالهُضْبِ يَعْتَلِجُ لارْتَدَّ أو ساخ أَوْ لَكَانَ لَهُ … في سَائِرِ الأَرْضِ عَنْكَ مُنْعَرَجُ (٣) طُوبَى لفرعيكَ مِنْ هنا وهنا … طُوبَى لأعراقِكَ التي تَشِجُ (٤) أراد فرعه من قبل أبيه وهم بنو أمية، وفرعه من قبل أمه وهم ثقيف. وقوله: [من المنسرح] فأنتَ سيل معدودنٌ زَخَرَتْ … مِنْ فيض … بالندي حلج قوم هم المعشر الذين إذا … ما دافعوا عن ذمارهم فلج [وقوله: [من مجزوء الكامل]

стр. 4821

طاف الخيال وأنت هاجد … وَهنَّا وقد نام المكابد في فتية أيدي المطي … مناخةً لهم وسائد حيّاكَ مِنْ أمّ الوليـ … ـد ودونها البيد الجزاهد دع ذا وسد قصائدًا … تَحْيا إذا دفن القصائد مدحًا تحيّر للوليد … يحوكها العض المعاود أخليفة الرحمان أنـ … ـتَ حَيًّا إذا قحط الرواعد أمسيت قد ألقت إليـ … ـك خزائن الأرضِ المَقَالِدْ ولقد عَرَفْتُ لتبلغنَّ … مُنايَ لا بل أنت زائد وقوله (١): [من المنسرح] أوحش مِمَّنْ يحلهُ السَّنَدُ … فالمُنحنى فالعقيق فالجَمُدُ (٢) إذ نحن في ميعة الشباب وإذ … أيامنا تلكَ غَضَّةٌ جُدُدُ في عيشة كالفرندِ عازبة … الشقوة خضراء غُصْنُها خَضَدُ (٣) أيام سلمى غريرةٌ أُنْف … كأنها خوط بانةٍ رُؤُدَ (٤) تلقاك بالنحر وهي مدبرة … باليوم لينًا تكاد تنعقد وواضح مُضمَرِ اللثاتِ شتيـ … تِ النَّبتِ أَلمَى كأنهُ البُرُدُ إن تصلّيني فإنَّ حُبَّكِ في … قلبي دخيل عناؤُه مكد كالدوح يحيا به الفؤاد كما … كذاك يحيا بروحهِ الجَسَدُ] (٥) وقوله (٦): [من الكامل] والمالُ جُنَّةُ ذي المعايبِ إِنْ يُصِبْ … يُحمَد وإن يدع الطريقة يُعذر (٧) والمرء يحذر ما سيصرف ضرّهُ … عنهُ ويحتل في الذي لم يحذر

стр. 4822

والمرء يحمد أن يُصادف حظَّهُ … قَدَرٌ ويُعذل في الذي لم يُقْدَرِ والناس أعداء لكلِّ مُدَفَع … صفر اليدين وإخوة للمُكثِرِ (١) وإذا امرؤ في الناس لم يَكُ عارفًا … للعُرْفِ لم يَكُ منكرًا للمُنكَرِ ومنهم: [١١٩] المُسْتَهَلَّ بن الكميت بن زيد الأسدي (٢) ولد ذلك الوالد، وطريف ذلك التالد، كان الغمام المستهل، والتمام المستقل، جرى بعد أبيه الكميت على أعراق ذلك الجود، وورى شراره من اقتداح ذلك الزناد، وكان غَزِلًا ذا نسب، كأن غزالًا رمقه من جفن حبيب، لا يقرّ هيمانه، ولا يفل سوى تردد الروح في مثل الخلال جثمانه، وكان إذا وصف غانية غنيت عن الحلي والحلل، وبدت سافرة لا تحويها الكلل، وماجت كثيبا، ومالت خُوط بان، وأسفرت قمرًا، ورنت بمقلة ظبي فتّان، فجاء شعره كله رقيقا، وجاد كأنما كان من ذوب الصهباء رحيقا، وفد على أبي العباس السفاح بالأنبار فأخذه الطائف بها وحبسه، فكتب إلى أبي العباس: [من الطويل] إذا نحنُ خِفْنا في زمانِ عدوّكم … وخِفْناكُم إِنَّ البلاء الراكد فأمر بتخليته، وأحسن في صلته، ووفد بعد ذلك على أبي جعفر المنصور، وله معه حديث في طي الصحف منشور. ومن شعره: [من الطويل] يعدُّون لي مالًا فهم يحسدُونَني … وذو المال قد يغوى به كلُّ مُعْدِمِ ولو حسبوا مالي طريفي والدي … وفَرْضى وقَرْضي لم يكن نصف درهم وقوله (٣): [من الكامل]

стр. 4823

غراء تسحب من قيام فَرْعَها … وتغيب فيه وهو وحَفٌ أَسْحَمُ وكأنها فيه نهار ساطع … وكأنهُ ليل عليها مُظلِمُ ومنهم: [١٢٠] الحسين بن مطير الأسدي (١) وهو ممن امتد في الدولة العباسية بقاؤه، واشتد فيها من الفرائد انتقاؤه، وكانت له صلة بالخلفاء وصلة من الألوف فوق قدر الإكفاء، وكانت له بهم قرى عاطفة لا تقطع أرحامها، ولا تفك عن الذهب الإبريز لجامها، وبلغ المشيب وبعد عنده صبوة، وبلغ به الهرم وما لجواده كبوة، وكان يحضر مجالس الأنس إلا أنه مسام لا يرتضعها، ومساهر لا يشيل الكؤوس ولا يضعها، ولا يعرف في أنامله مكانها ولا في فمه موضعها، وربما دُس عليه الجواري الحسان، والجوازي من الغلمان، لاستدعاء نشاطه، واستدناء انبساطه. وكان يظهر لهذا ترنّحًا، ويريد للمته البيضاء حندس دُجى، في رأد الضحى، ولشعره علاقة بالقلوب بأخذ الجوانح، وعُلالة تصبو إليها الجوارح، وهو مولى لبني سعد، وَرِثَ بولائهم في نطقه السعد، بدوي لا يتكلف الكلام، وفصيح يشام من لهواته بارقة انسجام، قصد ورجز، وتفنن فأسهب وأوجز، ومدح الوليد بن يزيد، وبقي إلى أيام المهدي يجيء بالقول الحسن ويُجيد. ومن بديع قوله وصنيع طوله قوله (٢): [من الطويل] مخصرة الأوساط زانتْ عُقُودَها … بأحسن مما زينتها عُقُودُها يمنيننا حتى ترفَّ قُلوبُنا … رفيفَ الخُزامى باتَ طَل يجودها وقوله (٣): [من الوافر]

стр. 4824

أحبُّ معالي الأخلاقِ جُهْدِي … وأبغضُ أنْ أُعِيب وأنْ أُعابا ومَنْ هابَ الرجال تهيبوهُ … ومَنْ حَقَرَ الرجال فلن يهابا وقوله (١) يرثي معن بن زائد، وهي بإحسانه وإحسان معن شاهدة: [من الطويل] ألمَّا على مَعْنٍ وقُولا لقبرِهِ … سَقَتْكَ الغَوادي مَرْبَعًا ثم مَرْبَعا فيا قبر معن كيف واريتَ جوده … وقد كان منه البر والبحرُ مُتْرَعا ويا قبر معن أنتَ أول حفرةٍ … مِنَ الأرضِ خطت للمكارمِ مَضْجَعا بلى قد وَسِعْتَ الجودَ والجود ميت … ولو كانَ حيًا ضقت حتى تصدعا فتى عِيشَ في معروفه بعد موته … كما كان إثر السيل مجراهُ مُتْرَعا ولما مضى معن مضى الجود وانقضى … وأصبح عرنين المكارم أجدعا أبي ذكر معن أن تموت فعالُهُ … وإنْ كانَ قد لاقى حمامًا ومَصْرَعا ومنهم: [١٢١] مروان بن أبي حفصة (٢) شاعر معن بن زائدة، النافح من مناقبه بما لم يتعب زائده، المنقطع إلى مدحه، المتصل بمنحه، المادح للخلفاء، المانح بجواهره الكساد لياقوته الدلفاء، الذي طالما

стр. 4825

أوقد من الذهب المخزون ذبالا، وأورد الكتائب خفافًا وأصدر ثقالا، وهو أول شاعر اكترت في جوائزه أعداد الآلاف، وإمداد الأموال بلا خلاف، وكان شاعرًا لا يوطأ بمنسم، ولا يعض بناب، وماهرًا مبرءًا من كل ما يعاب، ادخن ما لا يعلم، وفخرنا بالدينار لا بالدرهم، حتى كانت له أموال جمة، طالما خنقتها خيوط الأكياس، وأخفتها قبور الصناديق عن أعين الناس، هذا بعد فاقةٍ كان منكفًا بلبوسها، مكشفًا ببؤسها، لا يجد بلاغ ساعة، ولا بلل ريق من شدّة المجاعة، وهو الجواد على علاته، والعهاد المتدفق في كل حالاته، وله من القريض ما لا يواخيه الروض الأريض، إلا أنه كان يتمالى على أهل البيت ﵈ ويتفنن بهجائهم إلى الرشيد في تلك الأيام ومن شعره المستجاد قوله في معن الجواد، وهي اللامية التي شهد لها ابن المعتز بإحسانه، وفضله بها على شعراء زمانه، منها (١): [من الطويل] بَنُو مَطَرٍ يَوْمَ اللِّقَاءِ كَأَنَّهُمْ … أُسُودٌ لَهَا في بطن خَفَّان أَشْبُلُ (٢) هُمْ يَمْنَعُون الجَارَ حَتَّى كَأَنَّما … لِجَارِهُمُ بَيْنَ السِّمَاكَيْنِ مَنْزِلُ (٣) تَجَنَّبَ «لا» في القَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ … حَرَامٌ عَلَيْهِ قَوْلُ «لا» حِينَ تَسْأَلُ تَشَابَه يَوْمَاهُ علينا فأَشْكَلَا … فلا نَحْنُ نَدْرِي أَيُّ يَوْمَيْهِ أَفْضَلُ أَيَوْمُ نَدَاهُ الغَمْر أَمْ يَوْمُ بأَسِهِ … وَمَا مِنْهُما إِلَّا أَغَرُّ مُحَجَّلُ (٤) بَهَالِيلُ في الإسلام سَادُوا ولم يَكُنْ … كَأَوَّلِهِمْ في الجَاهِلِيَّةِ أَوَّلُ (٥) هُمْ القَوْمُ إِنْ قَالُوا أَصَابُوا وَإِنْ دُعُوا … أَجَابُوا وَإِنْ أَعْطَوْا أَطَابُوا وأَجْزَلُوا

стр. 4826

ما يستطيع الفاعلون فَعَالَهم … وإن أحسنوا في النَّائبات وأجملوا ثَلاتٌ بِأَمْثَالِ الجبال حُباهُمُ … وأَحْلامُهُمْ مِنْهَا لَدَى الوَزْنِ أَثْقَلُ (١) وهذا التفصيل مما لا يمارى فيه، ولا يخاف الرد من خرج من فيه أنظر إلى هذا الشعر وتناسبه لفظًا ومعنى، ورجحانه قافية ووزنًا وتوافقه جزالة ولطفا، وقيامه في ضياء البصيرة بحيث لا يخفى. ومن شعره في معن، قوله (٢): [من الكامل] مَعْنُ بنُ زَائِدَة الذِي زِيدتْ بِهِ … شَرَفًا عَلَى شَرَفٍ بَنُو شَيْبَانِ جَبَلٌ تَلُوذ بِهِ نِزَارٌ كلها … صَعْبُ الذُّرَى مُتَمَنِّعُ الأَرْكَانِ (٣) إِنْ عُدَّ أَيَّامُ الفِعالِ فَإِنَّما … يَوْمَاهُ يَوْمُ نَدًى ويَوْمُ طِعانِ (٤) كلْتَا يَدَيْكَ أَبَا الوَلِيد مَعَ النَّدَى … خُلِقَت لِقَائم مُنْصُلٍ وَعِنَانِ (٥) ما زِلْتَ يَوْمَ الهَاشِمِيَّةِ معلنًا … بالسِّيْفِ دُونَ خَلِيفَةِ الرَّحْمَانِ (٦) فَمَنَعْتَ حَوْزَتَهُ وكُنْتَ وِقاءَهُ … مِنْ وَقْعِ كُلِّ مُهَنَّدٍ وسِنَانِ (٧) وقوله (٨): [من البسيط] له خَلائِقُ بيضٌ لا يُغَيِّرُها … صَرْفُ الزمان كما لا يَصْدأ الذَّهَب (٩) وقوله (١٠): [من الكامل] مَسَحَتْ رَبيعَةُ وَجْهَ مَعْنِ سَابقًا … لَمَّا جَرَى وَجَرَى ذَوُو الْأَحْسَابِ خَلَّى الطريق لهُ الجيادٌ قَوَاصِرًا … مِنْ دُون غَايَتِهِ وَهُنَّ كَوابي (١١) وجرت به غر سوابق زانَها … كرمُ النجار وصحة الأنساب قوم رواق المكرمات عليهم … عالي العماد ممهد الأطناب (١٢)

стр. 4827

وقوله (١): [من البسيط] قَدْ أَمَّنَ اللهُ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ عَدَمٍ … مَنْ كَانَ مَعْنُ لَهُ جارًا مِنَ الزَّمَنِ (٢) مَعْنُ بنُ زَائِدَة الموفي بِذِمَّتِهِ … والمُشْتَرى المَجْدَ بالغالي مِنَ الثَّمَنِ (٣) يَرَى العطايا التي تَبْقَى مَحَامِدُها … غُنْمًا إِذا عَدَّها المُعْطَى مِنَ الغَبَن (٤) بَنَى لِشَيْبَانَ مَجْدًا لَا زَوالَ لَهُ … حَتَّى تَزولُ ذُرَى الْأَرْكَانَ مِنْ حَضَن (٥) وقوله (٦): [من الوافر] كأَنَّ الشَّمْسَ يَوْمَ أُصِيبَ مَعْنٌ … مِنَ الإِظْلام مُلْبَسَةٌ جِلا لا (٧) هو الجَبَلُ الذي كَانَتْ نِزَارٌ … تَهُدُّ مِنَ العَدُوِّ بِهِ الجِبَالًا فإِنْ يَعْلُ البِلادَ لَهُ خُشُوعٌ … فَقَدْ كَانَتْ تَطُولُ بِهِ اخْتِيَالًا وكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمُ لِمَعْنٍ … إِلَى أَنْ زَارَ حُفْرَتَهُ عِبَالًا وَلَمْ يَكُ كَنْزُه ذَهَبًا ولكِنْ … سُيوفَ الهِنْدِ والحَلَقَ المُذَالًا (٨) وماريَةً مِنَ الخَطَّيِّ سُمْرًا … تَرَى فِيهِنَّ لِينًا واعْتِدَالا (٩) مَضَى لِسَبِيلِهِ مَنْ كُنْتَ تَرْجُو … بِهِ عَشَراتُ دَهْرِكَ أَنْ تُقَالًا (١٠) وَقُلْنَا أَيْنَ نَرْحَلُ بَعْدَ مَعْنٍ … وَقَدْ ذَهَبَ النَّوالُ فَلا نَوالا (١١) ومنهم: [١٢٢] بشار بن برد، أبو معاذ (١٢) قتل على الزندقة سنة خمس وستين ومائة وقد نيف على التسعين، وكان أعمى

стр. 4828

يتوقد بصيرة، ويتوقل حيث أراد مصيره، ويتنقل في رتب لا يخاف دونها تقصيره ولا يمتد إليها من خواطره أيدٍ قصيره، رُدَّ إلى قلبه نور بصره، وإلى فكره الجوال مطمح نظره، فاجتمعت قواه على معانٍ تستثير لوابدها، وتستنير من أفق خاطره فراقدها، وتستمير من حاصله المكتنز فرائدها، وتستميح من فكره المتدفق فوائدها، وكان زير نساء له بهواهن ولوع، ولطائر فؤاده في اشراكهن وقوع، وبنجواهن غرام لا يحين لصبوته نزوع، وربما وصفت له إمرأة فأحبّها بالسماع، وأحلّها من قلبه حيث استطاع، وكلف بها وما حط عنها له من عماه القناع، وكان مع هذا التهتك بالغرام، والتهالك في الغرام، زنديقًا كافرًا لا يؤمن ببعث ولا نشور، ولا يوميء في معتقده إلا إلى اعتقاد ظلمة ونور. يقول بمذهب ماني، ويذهب في ضلّة الأماني، ويحفظ عليه لغو الكلام، ولهو الحديث مما يخالف الإسلام، ولكنه كان فحلًا من فحول الشعر لا يذاد سواسه ولا تُهيب لليقظة نوّامه، لو تقدم في صدر الدولة الأموية لما حمد شعر حميد بن ثور الهلالي، ولا أثبت الفخر لأبي صخر الهذلي ولا جرى ذكر الفرزدق وجرير، ولا أجلس الأخطل عند الخليفة على السرير، ولا عد عدي بن الرقاع، ولا كان الراعي ممن لا يُراع، ولا قيل: قال مالك بن أسماء بن خارجة، ولا وفر نصيب نُصيب في هذه الأسماء الرابحة، وربما انحط في شعره تعمدا، وانحل للنساء تقصدًا أو تصيّدًا، وإلا فهو العالي نمطه الغالي ما يخبئه سفطه، ويهنيه أن الدر سقطه. ومما هو

стр. 4829

وفق هذا الاختيار ومشترطه، قوله (١): [من الطويل] كأنَّ مُثار النقع فوق رؤوسنا … وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وقوله (٢): [من الوافر] وحوراء المدامع منْ قُريش … كأنَّ حديثها قطعُ الجِنانِ إذا قامت لحاجتها تثنَّتْ … كأنّ عظامها من خيزران يُنَسِّيكَ المُنى نظر إليها … ويصرفُ وجهها وجه الزمان وقوله (٣): [من البسيط] لا عشتُ خِلوَا مِنَ الحُسَّادِ إنهمُ … أعزّ نقدًا من اللائي أحبوني أبقى لي الله حُمَّادي وغمّهُمُ … حتى يموتوا بداء غير مدفون وقوله: [من الخفيف] ثم قالت ولم يزل لي منها … في الأماني قولةٌ لا تسر أيها البارق الذي ليس يُجْدِي … قد عرفناك فالتمس مَنْ تغر وقوله: [من الطويل] ألم ترحمي صَبًّا كأَنَّ فؤادَهُ … إذا رمتُ صبرًا أو تجنَّتْ يُسَجِّرُ تقوم عليهِ كُلّ يوم قيامةٌ … مِنَ الموتِ إلا أنه ليس يُحشر وقوله (٤): [من مجزوء الخفيف] يا أبا الفضل لا تنم … وقع الذئب في الغنم بين فخذيه حيّةٌ … في غلاف مِنَ الأَدَم إِنَّ حَمَّادَ عَجْرَدٍ … إِنْ رأى فُرصة هجَم إن خلا البيت ساعةً … مَجْمَجَ المِيمُ بالقَلَم وقوله: (٥): [من مجزوء الرمل] نظرتْ عيني لحيني … يا شِفا قلبي بعيني

стр. 4830

في حاب فوق رأس … تحتَ طَيِّ العُكْنَتَيْنِ طبقتْ لمَّا رأتني … فوقَهُ بالراحتين فبَدَتْ منهُ فُضُولٌ … أعجزتْ عَرْض اليدين فتمنيت ونفسي … للهوى في رقدتين [أنني كنتُ عليه … ساعة أو ساعتين] (١) وقوله (٢): [من ..... ] إذا جئته في حاجة سدّ بابَهُ … فلم تلقَهُ إلا وأنتَ كَمِينُ ويروى أنه قيل لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة من أشعر الناس، فقال: الذي يقول (٣): [من الرمل] لم يطل ليلي ولكن لم أنم … ونَفَى عني الكَرى طيفٌ أَلَمْ قد أرى الهجران حظًا عارضًا … ويراه القلب رُشْدًا لو عَزَمْ وهي أبيات لبشار منها: وإذا قلت لها جودي لنا … خَرَجَتْ بالصَّمتِ مِنْ لا وَنَعَمْ نَفْسِي يا هند عني واعلمي … أنني يا هند من لحم ودم إنَّ في بردي جسمًا ناحلًا … لو توكأتُ عليه لانهدم خَتَمَ الحُبُّ لها في عُنُقِي … موضع الخاتم مِنْ أهل الدِّمَم ومن يشهد له أبو عمرو فهو النهاية، ومن نوه به ابن العلاء فقد حمل الناس له الراية. ومن شعره (٤): [من الطويل] إذا ما غَضِبْنا غضبةً مضريةً … هتكنا حجاب الشمس أو تقطر الدما إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلةٍ … ذُرَى منبر صلى علينا وسلّما فللّهِ عَيْنَا مَنْ رأى أهل دعوة … أَدَلَّ بانعام وأعلى مخيما إذا ما تردى عابسًا فاض سيفُهُ … ويُعطي ماله من تبسما

стр. 4831

ومنه قوله (١): [من الكامل] لا يُؤيِّسَنَّكَ مِنْ مُخَدَّرَةٍ … قول تَغَلُّظُهُ وإنْ جَرَحَا عُسْرُ النِّساءِ إلى مُلايَنة … والصَّعْبُ يُمكِنُ بَعْدَما جَمَحَا وقوله (٢): [من الخفيف] ولها مَبْسِمُ كَغُرِّ الأَقَاحي … وحديث كالوَشي وشي البُرُودِ نزلت في السوادِ مِنْ حَبَّةِ القلـ … ـب ونالت زيادة المستزيد وقوله في عمرو بن العلا (٣): [من المتقارب] فقل للخليفة إن جئتَهُ … نَصِيحًا ولا خير في المتهم إذا أيقظتكَ صُرُوفُ الزمانِ … فَنَبِّه لها عُمِرًا ثمَّ نَمْ فتى لا يبيتُ على دِمْنَةٍ … ولا يشرب الماء إلا بِدَمْ وقوله (٤): [من الطويل] إذا كنت في كل الأمورِ مُعاتبًا … صديقَكَ لم تلق الذي لا تُعاتبه فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه … مقارفُ رَيْبِ مرةً ومُجانبة إذا أنت لم تشرب مرارًا على القَذَى … ضَمِنْتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربه وقوله في المشورة، وهو من أحسن ما قيل فيها (٥): [من الطويل] إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … بحزم نصيح أو نصاحة حازم ولا تجعل الشورى عليكَ غَضَاضةً … فَريشُ الخَوَافِي مُسعِدٌ للقوادِمَ [وخل الهوينا للضعيف ولا تكن … نَؤُمًا فإنَّ الحزم ليس بنائم] (٦) وما خير كف أمسك الغلُّ أختها … وما نفع سيف لم يؤيد بقائم وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة … شَبَا الحرب خير من قبول المظالم وادن على القربى المقرب نفسه … ولا تُشهد الشورى امرءًا غير كاتم فإنك لن تستطرد الهم بالمنى … ولا تبلغ العليا بغير المكارم

стр. 4832

وما قارع الأقوام مثل مشيّع … أريب ولا جَلَّى العَمى مثل عالم (١) وقوله: وهو البيت السيار، والمعنى الذي استعار جناحًا فطار (٢): [من البسيط] هل تعلمين وراء الحبّ منزلةً … تُدني إليك فإنَّ الحبّ أقصاني وقوله وهو أغزل بيت قاله مولد، وأغزى للقلوب من كل مثقف (٣): [من الخفيف] أنا والله أشتهي سحر عينيـ … كِ وأخشى مصارع العُشَّاقِ وقوله (٤): [من البسيط] يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة … والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلتُ لهم: … الأذن كالعين تُوفي القلب ما كانا وقوله (٥): [من الطويل] خليلي ما بال الدُّجى لا يزحزح … وما بال ضوء الصبح لا يتوضح أظن النهار المستبين طريقه … لدى الدهر ليل كله ليس يبرح وينسب إليه في تفضيل النار على الأرض، قوله: [من البسيط] الأرض مظلمة والنارُ مُشرقَةٌ … والنارُ معبودة مذ كانت النار وقد روي أنه فتشت كتبه فلم يصب فيها شيء مما كان يرى به، وأصيب له كتاب فيه: إني أردت هجاء آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ﵃ فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ فأمسكت عنهم، والله أعلم بحاله. وقوله من أرجوزته التي أولها (٦): [من الرجز] يا طَلَلَ الحيِّ بذاتِ الصَّمْدِ باللهِ خَبِّرْ كيف كنت بعدي واقف خُطَى مَنْ [قد] سع بحمدِ

стр. 4833

ما ضر أهل النُّوكِ ضعف الكد الحرّ يُلْحَى والعصا للعبدِ وليس للمُلحف مثل الرد منها: وصاحب كالدمل الممد … حملتُهُ في رقعةٍ مِنْ جِلْدِي من مديحها: لله أيامك في مَعَدٌ … وفي بني قحطان ثم عبد وقوله (١): [من الخفيف] ليس يُعطيك للرجاء ولا الخو … ف ولكنْ يَلَةٌ طَعْمَ العَطَاءِ يسقط الطير حيث يلتقط … الحبّ ويغشى منازل الكُرَماء وقوله (٢): [من الطويل] لقد عشقت أذني كلامًا سمعتُه … رَحِيمًا وقلبي للمليحة أعشق ولو عاينوها لم يلوموا على البكا … كريمًا سقاه الخمرُ بَدْرٌ مُحلّق وكيف تناسى من كأنَّ حديثه … بأذني وإن غُيبْتُ قُرْطُ معلَّق وقوله: [من السريع] غرقتُ في الحُبّ وَلا حَوْلَ لي … في الحب إلا أنني أطمع فاجزي بهذا أودعي واعلمي … أن الفتى رهن بما يصنع ومما بلغ فيه فوق الأجادة، وأتى فيه من الكناية بما فيه ما في التصريح وزيادة، قوله (٣): [من الوافر] هجرت الآنسات وهنَّ عندي … كماء العين فقدهما سواء ولولا القائم المهدي فينا … حلبتُ لهنَّ ما وسِعَ الإناء ومما هوّن به الفراق، وخفّف منه ما قيل أنه تكليف ما لا يطاق، قوله (٤): [من الكامل] إنَّ الحبيب ولا أكافتُهُ … بعثَ الخيال علي واحتجبا

стр. 4834

الطرقُ مقبلةٌ ومدبرةٌ … هون عليك لأيها رَكِبا ومنه قوله (١): [من الطويل] إذا ذكرت دار الهوى في جوانحي … كما دارت الصهباء في رأس شارب فإن يك عنّي وجهها اليومَ غائبًا … فليسَ فُؤادي من هواها بغائب ومنه قوله مما عزّ فيه تبذله، فازداد حسنًا بتكرار تأمله (٢): [من مجزوء الرمل] اسلمي يا «سلم» يومًا … واكشفي بعض كُرُوبي لا تُعدِّي الحب ذنبًا … ليس حُبّي مِنْ ذُنُوبي وقد كنت قلت قديمًا في ريعان الصبا وعنفوان العمر قبل إدمان الشعر والوقوف على معاني الشعراء مما أثاره خاطري، واستنبط ماؤه فكري (٣): [من الطويل] تصدّينَ عني والفؤادُ مُعَذِّبٌ … وما كنتُ يومًا عن ودادك راغبا لئن كان ذنبي أنني لكِ عاشق … فعُذَّبتُ بالهجران إن جئتُ تائبا هذا وأنا لا أعرف مَنْ بشار فضلًا عن شعره، وذكرت هنا ما قلته لاشتباه المعنى بالمعنى، وقرب المبنى من المبنى. ومنه قوله (٤): [من الطويل] ولم تر عيني مثل «سُعدى» مُباعدًا … ولا مثل ما يلقى أخوك يُعاب بَدَا طمع منها لنا فتبعته … وللطمع البادي تذلُّ رقاب ومنه قوله من قطعة صنيعة، وصنعة بديعه وهي (٥): [من الكامل] يا أيها الرجلُ المضر بهِ … حُبُّ النساء فليس يتئد أخَرتَ رُشْدَكَ مُمهلًا لغد … بل كيف تأمن ما يسوقُ غد ترجو غدًا وغَدٌ كحاملة … في الحي لا يدرون ما تلد الحبُّ يُعجبني لذاذته … والفسق أقبح ما أتى أحد لو كنت آمنة خلوتُ بِهِ … يومًا فحدثني بما يَجِدُ فلهوت والظلماء جائمةٌ … بالشمس إلا أنها جَسَدُ

стр. 4835

ومما بلغ غاية الظرف قوله (١): [من الكامل] كثر الحمير وقد أرى في صُحبتي … منهنَّ أَقْمَرَ مُنعجًا بالراكبِ ولقد مشيت عن الحمار تكرمًا … والمشي أكرم من ركوب الصاحب ومنه قوله في الذكر، وهو معنى مبتكر، لم يقرع فكره عذراء بمثله، ولا استعدت قريحة ولود؛ لأن تطرق بحمله: عَجَلَ الركوب إذا اعترته نافض … فإذا أفاق فليس بالركاب وتراه بعد ثلاث عشرةَ قائمًا … نظر المؤذن شك يوم سحاب ومنه قوله، وفيها كتابة تفعل بالأفئدة ما فعل ناظمها بالدن كل منهما مما أراد ذهبًا، وكلاهما ليس له فؤاد: [من الوافر] فلمَّا حُثّتِ الصهباء فينا … وغرَّدَ صاحبي وخلا المراد شربنا من بنات الدن حتى … تركنا الدن ليس له فُؤاد ومنه قوله مما ألان لمحبوبته جانبه، وعرض بأليم المجانبة، وطلب بها ما لا يعزّ لو سمحت بمراده، وسال منها ما يهون من صلاح ما قدرت عليه من فساده وهو (٢): جُمِعْتِ القلب عندكِ أَمَّ عمرو … وكان مطرحًا في كل وادي لقد أفسدتني عرضًا فهاتي … صلاحي إن قدرت على فسادي ومنه قوله، وما أحسن ما جاء في آخره بجاهل العارف، وتنكر الحبائب له لا المعارف، وهو (٣): [من الكامل] ما ردَّ سلوته إلى إطرابه … حين ارعوى وحدا الصبا بركابه إن كان ليس به الجنون فإنما … لعب الرقاه بقلبه أو ما به ومنه قوله (٤): [من البسيط] ودع هُنَيْدَةَ إِنَّ البَيْنَ قد أَفِدَا … وهلْ تَرَى في رحيل دونها رَشَدا ولست أدري إذا شط المزار بكم … هل يجمع الدار أم لا نلتقي أبدا وقوله (٥): [من البسيط] أضياف عثمانَ في خَفْضٍ وفي دَعَةٍ … وفي عطاء لعمري غير ممنوع
следующие страницы →