← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

ليس برقٌ يكون أخـ … لفَ منْ بَرْقِ غانية (١) خنت سري ولم يخنـ … ـكِ فموتي علانيه (٢) وقوله (٣) فيها أيام حياتها، واسمها وَرْد: [من الكامل] أنظر إلى شمس القصور وبدرها … وإلى خُزاماها وبهجة زهرها (٤) لم تبل عينك أبيضًا في أسود … جمع الجمال كوجهها في شعرها (٥) وردية الوجنات يختبر اسمها … من نعتها من لا يُحيط بخبرها (٦) وتمايلت فضحكت من أرادفها … عجبًا ولكني بكيتُ لخَصْرِها (٧) تسقيك كأسَ مُدامةٍ من كفّها … ورديةٍ ومدامة من ثغرها (٨) وقوله في قتلها (٩): [من الكامل] أشفقتُ أن يرد الزمانُ بغدره … أو أبتلى بعد الوصال بهجره (١٠) قمر أنا استخرجته من دجنه … لبليتي وجلوتُه من خدره فقتلته وله علي كرامةٌ … ملء الحشا وله الفؤاد بأسره عهدي به ميتًا كأحسن نائم … والحزن يسفح عبرتي في نحره (١١)

стр. 4937

لو كان يدري الميت ماذا بعده … بالحيّ حلّ بكى له في قبره (١) غُصص تكاد تفيض منها نفسه … وتكاد تُخرج قلبه من صدره وقوله (٢) فيها من أبيات: [من الوافر] أما والله لو عاينت وجدي … إذا استعبرتُ في الظلماء وحدي إذن لعلمت أني عن قريب … ستُحفَرُ حفرتي ويُشق لحدي (٣) وقال (٤) في غلام اسمه بكر كان يهواه من أهل حمص: [من الطويل] دع البدر فليغرب فأنتَ لنا بدر … إذا ما تجلّى من محاسنِكَ الفجرُ (٥) إذا ما انقضى سحر الذين ببابل … فطرفُكَ لي سحر وريقك لي خمر (٦) ولو قيل لي: قم فادع أحسنِ مَنْ ترى … لصحتُ بأعلى الصوت: يا بكر يا بكر (٧) وكان هذا الغلام شديد التمنّع والتصوّن فاحتال عليه قوم وأخرجوه إلى متنزه يُعرف بميماس وسقوه حتى سكر، وفسقوا به، وبلغ ذلك ديك الجن فقال (٨): [من السريع] يا طلعة الآس التي لم تَمِدْ … إِلا أَذَلتْ قُضُبَ الآس (٩) وثقت بالكاس وشرابها … وحتفُ أمثالك في الكاس (١٠) تقطيع أنفاسك في أمرهم … وفعلهم قطع أنفاسي (١١) لا تأس، مولاي، على أنها … نهاية المكروه والباس (١٢)

стр. 4938

هي الليالي ولها دولةٌ … ووحشة من بعد إيناس بينا أنافت وعلت بالفتى … إِذْ قيل خطته على الرأس (١) فاله ودع عنك أحاديثهم … سيصبح الذاكر كالناسي (٢) [وقوله (٣):] [من البسيط] نشرت فيكَ رَسِيسًا كنتُ أطويه … وأظهرت عبرتي ما كنتُ أُخفيه إن كان وجهك بي تترى محاسنُهُ … فإن فعلكَ بي تترى مساويه ما استجمعت فرق الحسن التي افترقت … في يوسف الحسن إلا استجمعت فيه مرتجة في تثنيه أسافلُهُ … مهتزَّةٌ في تمشيه أعاليه تاهت على صورةِ الأشياء صورتُهُ … حتى إذا استكملت تاهت على التيه ومنهم: [١٣١] دعبل بن علي الخزاعي (٤) مادح أهل البيت بغرر قصائده ودرر فرائده، وله فيهم التائية المتقدم في هذا المكان بعضها، المقوّم في وصفهم اللباب محضها، وكان هجاء خبيث اللسان، حثيث

стр. 4939

الركائب بالأذى إلى كل إنسان، يأكل الأعراض أكلًا لمًا، ويحب الاعتراض بالمعائب حبًا جمًا، ألف أن لا يعرف إلا ذمًّا، ولا يبرئ من السبّ أبًا ولا أُمًا وتعرض إلى خلفاء بني العباس وهجاهم، واعترض في صدورهم بما أشجاهم، وقال في المأمون (١): [من الكامل]

стр. 4940

إِنِّي مِنْ الْقَوْمِ الذينَ سُيوفُهمْ … قَتَلوا الرجال وشرفوك بمقعَدِ شادوا بذكرِكَ بَعد طُولِ خُمُولِه … واستَنْقَذُوكَ مِنْ الحَضِيضِ الأَوهَدِ ليت شعري متى استنقذه من الحضيض؟ ومن شاد بذكره حتى رفع طرفه الغضيض؟ أبفقود، نسبه، أم بخمود جمرات قضبه؟ أم بخمول أبيه هارون الرشيد؟ أم بحلول خراسان في قبضته يتصرف فيها كيف يريد؟ أم بتناسي العهد المعلق في البيت الحرام كتابه لم تخفه ما تزن الرواسي له من علم .. على معاطف الدهر وآدابه، كلا بل والله هو الذي ذكره طول الخمول، وأخفى الحضيض الأوهد شخصه المرذول. ولقد قال (١) في المعتصم: [من الطويل] مُلُوكُ بني العَبَّاسِ في الكُتُبِ سَبْعَةٌ … ولم تأتِنَا فِي ثَامِن لَهُمُ الْكُتب كَذَلِكَ أَهْلُ الكَهْفِ فِي الكَهْفِ سَبْعَةٌ … وثامنهم فيما يقال لنا كلب وما كفاه ما هجاه به في حياته، ولا قنع بمضغ لحمه طريًا حتى أكل من رفاته، بما قال فيه بعد وفاته، فإنه لما جاء نعي المعتصم وقام الواثق بعده، هاجت بدعبل حميته الجاهلية فأخرجت ما عنده، وقال (٢): [من البسيط] الحمد لله لا صبر ولا جَلَدُ … وَلَا عَزَاءٌ إِذَا أَهلُ البلى رَقَدُوا خَليفَةٌ ماتَ لم يَحزَنْ لَهُ أَحدُ … وآخر قام لم يَفْرَحْ، بِهِ أَحَدُ فمرَّ هذا وَمَرَّ اللؤم يتبعُهُ … وقام هذا فقام الظلم والنَّكَدُ وحاشى المعتصم وكلًا قدره أجل، وذكره عليه أدلّ. هو الملك الحلاحل، والفلك الذي لا تعدله المراجل الفاتك بذراعه الفارك قمم المعاقل بقراعه، والد الخلفاء، ووارد الصفاء، ومورّث الملك في بنيه إرثًا خلد في أعقابهم، وخلع عن الناس كل طاعة إلا ما قلّدها لهم في رقابهم، فنعش جديد هذا الهجاء، ورمى حيث لا ينشر هو والهِجاء. وكان يقول: لي كذا وكذا سنة أحمل خشبتي على عاتقي لا أجد من يصلبني عليها، وظفر به المأمون وسامحه، وغفر له ذنبه وكف طامحه، وتطلبه المعتصم حتى أضمرته البلاد، وأمرته الأرض إلى منقطع الوهاد، وله شعر شان الاختيار فيه منخفض شان المختار منه، إنه لما تعدى ولاء أهل البيت إلى الرفض رفض. ومن المرتاد له قوله (٣): [من المقارب] وَدَاعُكَ مثلُ وَدَاعِ الرَّبِيعِ … وفقدُكَ مِثلُ افتقاد الديم

стр. 4941

وقوله (١): [من البسيط] إِنَّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا … مَنْ كان يؤنسهم في المنزل الخشن وقوله (٢): [من الكامل] بأَبِي وأُمِّي سَبْعَةٌ أَحببتهم … لِلَّهِ، لا لِعَطِيَّةٍ أُعطاها بأَبِي النَّبيُّ محمدٌ وَوصيه … والطَّيبان، وبنته وابناها (٣) ومنه قوله (٤): [من الكامل] ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي: … ماذا أَفَدْتَ مِنَ الجوادِ المُفْضِلِ إِنْ قُلتُ: أَعطاني، كذبتُ وَإِنْ أَقل: … ضَنَّ الجواد بماله لم يجمل فاختر لنفسك كيف شئت، فإنني … لا بُدَّ مُخبرهم، وإن لم أسأل ومنه قوله (٥): [من الكامل] أَينَ الشَّبابُ؟ وأَيَّة سَلَكَا لَا، … أَينَ يُطلب؟ ضَلَّ بَلْ هلكا لا تعجبي يا سَلمُ مِنْ رجلٍ … ضَحِكَ المَشِيبُ برأْسِهِ فبكى ياليت شِعري كيفَ يَومُكما … يا صاحبي إِذا دَمي سفكا؟ لا تأخذا بظلامتي أحدًا … قلبي وطرفي في دمي اشتركا [وقوله (٦):] [من الهزج] تَصدَّقتُ على قومي … بما أبقيتُ مِنْ عُمري أنا ابنُ السَّادَةِ الْقَادَ … ةِ، وابنُ الغُرَرِ الزُّهر أقمنا أَوَدَ الأعنا … ق بالهندِيَّةِ الْبُتر (٧) وَمَا لِلحرٌ مَنْجاةٌ … كَمِثلِ السيف والصبر

стр. 4942

[وقوله (١):] [من الوافر] وَمَا مِنْ دُونِ عِرضِكَ للقوافي … شَباقُفْلٍ يُشَدُّ ولا رِتاج (٢) لججتَ فَعادَ ذَاكَ عَلَيكَ ذَمًّا … وأسبابُ البَلاءِ مِنَ اللَّجَاجِ وقوله (٣) يهجو: [من المتقارب] وعاديت قومًا فَما ضَرَّهُمْ … وشرَّفتَ قَومًا فلم ينبلوا فأنت إذا ما التقوا آخر … وأنت إذا انهزموا أول (٤) وقوله (٥) يهجو: [من البسيط] إِنِّي لأعجب مِمنْ في حَقيبَتِهِ … من المني بحور كيف لا يَلِدُ (٦) فإِنْ سَمِعتَ لَهُ نعتَ الْقِنا عَبَثًا … فقدْ أَرادَ قَنا ليستْ لَهُ عُقَدُ وقوله (٧) يهجو: [من الخفيف] ساحَقَتْ أُمُّهُ ولاط أبوه … ليتَ شِعري عنه فَمِنْ أَينَ جاءَ (٨)؟ لاسفاح ولا نكاح ولا ما … يُوجِبُ الأمهات والآباء (٩) وقوله (١٠) وقد دخل على عبد الله بن طاهر ببغداد: [من المنسرح] جئت بلا حرمةٍ ولا سَبَبٍ … إِلَيكَ إِلا بِحرمة الأدب فاقض ذمامي فإنني رَجُلٌ … غَيرُ مُلحٌ عَلَيْكَ في الطَّلَبِ ومدح محمد بن عبد الملك الزيات وأنشده، وفي يده طومار. قد جعله في فيه كالمتكئ عليه، فلما فرغ أمر له بشيء لم يرضه فقال فيه (١١): [من البسيط] يا مَنْ يُقلِّبُ طُومارًا ويَلثُمُهُ … مَاذَا بقلبك من حُبِّ الطوامير فيهِ مَشابِهُ من شَيْءٍ تُسرُّ بِهِ … طُولًا بطول وتدويرًا بدوير

стр. 4943

وقوله (١) يمدح المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي أمير مصر: [من الكامل] زمني بِمُطَّلبِ سُقِيتَ زَمانا … ما كُنْتَ إِلَّا رَوْضَةً وجنانا كلُّ النَّدَى - إلا نداك - تَكلُّفٌ … لم أَرضَ غيرك كائنًا من كانا أَصلَحتَني بالبرِّ بل أَفسدتني … وتركتني أتسخط الإحسانا وقوله (٢): [من الطويل] نَعَونِي ولمَّا يَنعَني غير شامت … وغير عدو قد أُصِيبتْ مَقاتِلُه يَقولونَ: إِنْ ذَاقَ الرَّدى مَاتَ سعيه … وهيهات، عمر الشعر طالت طوائله (٣) سأقضي ببيت يَحْمَدُ الناسُ أَمرَهُ … ويكثر من أهل الرواية حامله يموتُ رديُّ الشِّعرِ من قبل ربّه … وجَيّدُ يَبقى وإن مات قائلة ومنه قوله (٤): [من الكامل] أهلًا وسهلًا بالمَشِيبِ فَإِنَّهُ … سِمَةُ العَفيف وحيلةُ المُتَحرِّجِ ضيف أحلّ بي النهى فَقَريتُهُ … رفض الغواية واقتصادَ المَنْهَج لا شيء أَحسَنُ مِنْ مَشِيبٍ وافد … بالحلم مختَرِمِ الشَّبَابِ الأهوج (٥) ومنه قوله (٦): [من الطويل] غَسْسْتَ الهَوَى حَتَّى تَدَاعَتْ أُصُولُهُ … بنا، وابتذلتَ الْوَصلَ حَتَّى تَقطعا وأنزلت من بين الجوانح والحشا … ذَخيرةَ وُدّ طالما قَدْ تَمنَّعا! فلا تعذلني ليس لي فيكَ مَطمع … تَخرَّقت حتى لم أَجِدْ لَكَ مَرقعا وهبك يميني استأكلَتْ فَقطعتُها … وصبرت قَلبي بَعدَها فَتَشجعا ومنهم: [١٣٢] أبو الشيص الخزاعي (٧) واسمه محمد بن عبد الله بن رزين ذهبت إحدى عينيه فبكاها، وفقد بفقدها

стр. 4944

زهرة الدنيا فسلاها، وصحبها بعين يعرض عنها، وتعرض لها اللذات فينفر منها، إن حضر قمع ياس، وإن اضطره الظمأ كان بالماء قليل الإيناس؛ لأنه يجده غير الماء الذي يعرفه الناس. وقال شعرًا لو أن للخمر رقته، لا شفقت على العقول من اغتيالها، أو للسحر سهولته لا طلقت عقده الألباب من عقالها. من ألم بكلامه قال متى كان النسيم شنوفًا، أو كيف بالغت الكواكب عقدًا مرصوفًا. وكان من مداح الرشيد، وله فيه كل بيت كالقصر المشيد، ولما مات رثاه رثاء ترقرقت دمعًا، ومدح ولده الأمين فودت كل عين لو تجوّلت سمعًا، وهو ابن عم دعبل المذكور آنفًا، إلا أنه كان لمذهبه في الرفض مخالفًا، لم يتشيع مثله، ولا رضي أن يكون بعد موته بسوء الأحدوثة مثله، ولا أقدم أن يُقدّم مخاصمة الأبرار قبله، وأخوان أمنان، وما كلّ من جمعهم نسب استووا في الأديان. طينة الناس واحدة، ونسبهم إلى أم وأب عائدة، ومنهم اللين المس والخشن في اللمس والحلو في الروية والمذاق، والمرّ فلا تساغ له أخلاق. ومن شعر أبي الشيص هذا، ومنتقاه الذي ملك الإحسان استحواذًا قوله (١): [من الكامل] وقف الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي … متأخَّرُ عنه ولا مُتقدَّمُ أجد الملامةَ في هَواكِ لذيذة … حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيلُمني اللُّومُ أشبهت أعدائي فصرْتُ أحبُّهُم … إِذْ كانَ حظي منكِ حظي مِنْهُم وأهنتني فأهنت نفسي عامدًا … ما مَنْ يَهون عليكِ مِمَّنْ يُكْرِمُ وقوله (٢) من قصيدته المشهورة، وشذوره التي ما شانها إلا أنها غير منشورة: [من الكامل]

стр. 4945

لا تُنكري صَدِّي ولا إغراضي … ليس المقلّل على الزمان براضي حلي عقال مطيتي لا عن قلى … وامضي فإني يا أميمة ماضي اثنان لا تصبو النساء إليهما … حُلي المشيب وحلةَ الإنفاض (١) حَسَرَ المشيب قناعَهُ عن رأسِهِ … فَرَمَيْنَه بالصد والإعراض ولربما جُعِلت محاسنُ وَجْهِهِ … لجفونها غَرَضًا من الأغراض (٢) وقوله (٣): [من الوافر] فقلتُ لها فداك أبي وأمي … رَجَمْتِ بِسُوءِ ظَنَّكِ في الغيوب أما والله لو فَتَشْتِ قَلْبي … لَسَرَّكِ بالعويل وبالنحيب دموع العاشقين إذا تلاقوا … بِظَهْرِ الغَيْبِ أَلْسِنَةُ القُلوبِ ومنه قوله (٤): [من الطويل] تقول غداة البين إحدى نسائهم … لي الكبد الحرى فسر ولك الصَّبْرُ وقد خَنَقْتها عبرةٌ فدموعها … على خدّها بِيضُ وفي نحْرِها صُفْرُ ومنه قوله: [من المنسرح] جرت جوار بالسعد والنحس … فنحن في مأتم وفي عُرْسِ يضحكنا القائم الأمينُ وتُبـ … ـكينا وفاة الرشيد بالأمس بدران بدر أضحى ببغداد في الـ … خلدِ وبدر بطوس في الرمس ومنه قوله (٥): [من مجزوء الكامل] ما فرق الأحباب … بعد الله إلا الإبل والناسُ يَلْحون غرا … بَ البَيْن لما جهلوا وما على ظهر غرا … ب البين تُطوى الرحل وما إذا صاح غرا … ب في الديار احتملوا وماغراب البين إِلـ … ــلَا ناقَةٌ أَوْ جَمَل (٦)

стр. 4946

ومنهم: [١٣٣] أبو علي، الحسين بن الضحاك الخليع (١) ربي في البصرة، وبرئ، إلا أن يقوم لأهل بلده بالنصرة، فكلف نفسه من الأدب فوق ما أطاق، وخلّف وراء تقدمه أدباء العراق، واتصل بالخلفاء اتصال العضد الساعد، وقرب من مجالسهم قرب الكرى من الساهد، وحظي منهم بحباء ينهل الأوقار، ويملك ببعضه العقار، ووصل منهم إلى ما يصل إليه شاعر، ولا يصعد بحمله وسق الأباعر. وجرت بينه وبين أبي نؤاس أمور لا تُنسى تواريخها، ولا تنحط من ذوائب الكتب شماريخها، وكان خليعًا إلا أنه أفضل من الحديد، ماجنًا لكنه إذا جدّ يجيد، ظريفًا على أنه لا يوصف برشاقة قد وجيد، ومن شعره الفذ الفريد، قوله من قصيدة (٢): [من الطويل] وكالوردة الحمراء حيا بوردة … من الورد يمشي في قراطق كالورد له عبثات عندَ كلِّ تحية … بكفيه تستدعي الحليم إلى الوجد تمنيت أن أسقى بكفيه شربةً … تذكرني ما قد نسيتُ من العهد سقى الله عيشًا لم أبت فيه ليلة … مِنَ الدهر إلا من حبيب على وَعْدِ ومنه قوله (٣): [من الطويل]

стр. 4947

تَعَزَّ بيأس من هواي فإنني … إذا انصرفت نفسي فهيهات من ردّ إذا حنتم بالغيب عهدي فما لكم … تدلون إدلال المقيم على العهد صلوا وافعلوا فعلَ المُدِل بوصله … وإلا فصدوا وافعلوا فعل ذي الصد ولي منك بد فاجتنيني مُذمَّمًا … وإنْ خلتَ أني ليس لي منك من بد ومنه قوله (١): [من … .. ] صل بخدي خديك تلق عجيبًا … من معان يحار فيها الضمير فبخديك للربيع رياض … وبخدي للدموع غدير ومنه (٢): [من الهزج] أيا مَنْ طَرْفُهُ سِحْرٌ … ويا مَنْ ريقُهُ خَمْرُ تجاسرتُ فكاشفْتُ … كَ لما غلب الصبر وما أحسن في مثلـ … ـك أن ينهتك الستر فإن عنفني الناس … ففي وجهك لي عُذر ومنه قوله (٣): [من مجزوء الخفيف] لا وحُبكَ لا أصا … فح بالدمع مدمعا من بى شجوه استر … اح وإن كانَ مُوجا كبدي في هَوَاكَ أَسْ … قَمُ مِنْ أن تقطعا لم تدع سُوْرَةُ الضّحى … في للسقمِ مَوضَعا ومنه قوله (٤): [من المتقارب] أكاتم وجدي فما ينكتم … بمن لوشكوتُ إليه رَحِمْ ولي عند رؤيتِهِ روعةٌ … تحقّق ما ظنّه المتهم ومنه قوله (٥): [من الكامل] ومُوشَّح نازعت فضل وشاحه … وكسوتُه من ساعدي وشاحا

стр. 4948

تَرَكَ العيونُ نسيمُ روضةِ وجهِهِ … وأمالَ أعطافًا عليَّ ملاحا ومنه قوله (١): [من … .. ] حَسْبُكَ مِنْ جُهْدِكَ … ما قَضى الوَطَر من خاف أسرى … ومطاياهُ الحذر ومنه قوله (٢): [من المنسرح] ما لسروري بالشَّكِّ ممتزجٌ … حتّى كأنِّي أراهُ في الحُلُمِ فرحتُ حتّى استخفَّني فرحي … وشبَّتُ عين اليقين بالتُّهَمِ أمسح عيني مستشبتًا نظري … إخالني نائمًا ولم أنمِ سقيًا لليلٍ أفنيتُ مدَّته … ببارد الرّيق طيّب النَّسَمِ أبيضُ مرتجَّةً روادِفُهُ … ما عِيْبَ مِنْ فرعهِ إلى القدمِ بات أنيسي صريع خمرته … وتلك إحدى مصارع الكَرَمِ وبِتُّ مِنْ موعدٍ سَبَقْتُ بِهِ … ألثم دُرًّا مُفَلَّجًا بِفَمِ وا بأبي مَنْ بَدا بروعةٍ لا … وعادَ مِنْ بعدها إلى نَعَمِ أباحني نفسه ووُسَّدَني … يُمنى يديهِ وباتَ ملتزمي ومنه قوله في رثاء الأمين (٣): [من الكامل] قد كنت لي أملًا غنيتُ بهِ … فمضى وحلَّ محله الأسف هلاَّ بقيت لسدِّ فاقتنا … فينا وكان لغيرك التَّلَفُ فلقد خلفتَ خلائفًا سَلَفُوا … ولسوف بعدَكَ يُعْوِزُ الخَلَفُ ومنه قوله (٤): [من الخفيف] سألونا: أنْ كيفَ نحنُ فقلنا: … مَنْ هوى نجمُهُ فكيفَ يكون نحنُ قومٌ أصابنا حدثُ الدهـ … ـر فظَلِلْنا لِريبهِ نَسْتَكينُ نتمنى مِنَ الأمينِ أمانًا … لَهَفُ نفسي وأين مني الأمين ومنه قوله فيه (٥): [من الطويل]

стр. 4949

ومما شَجَا قلبي وكفكف عَبْرَتي … مَحَارِمُ مِنْ آل النبي اسْتُحْلَتِ ومهتوكةٌ بالخلدِ عنها سُجُوفُها … كعابٌ لقرنِ الشمس حين تبدت أردّ يدًا مني إذا ما ذكرتُهُ … على كَبِد حرى وقلب مفتتِ فلابات ليل الشامتين بغبطةٍ … ولا بلغت آمالها ما تمنّتِ ولما أعيته الحيلة في رضى المأمون كتب إلى عمرو بن مسعدة (١): [من الخفيف] أنت يا عمرو قوتي ولساني … وحماي وأنتَ ظُفْري ونابي أين أخلاقك الرضية حالت في … أم أين رقةُ الكُتاب (٢) أنا في ذمّة السحاب وأظمأ … إنَّ هذا لوصمة في السحاب فلم يزل يتلطف له حتى رضي عنه، ومدحه بشعر منه (٣): [من الطويل] أُعيذُكَ مِنْ خُلفِ الملوكِ وقد ترى … تقطَّعَ أنفاسي عليكَ مِنَ الوَجْدِ أيبخل فرد الحسن عنّي بنائلٍ … قليل وقد أفردته بهوى فرد رأى الله عبد الله خيرَ عبادِهِ … فملكه والله أعلم بالعبد ألا إنما المأمون للناس فتنةٌ … مميّزةٌ بين الضلالة والرشد ومن شعره قوله، وقد اقترح عليه، وله حكاية (٤): [من الرمل] غضِبَتْ أَنْ زُرْتُ أخرى خلسةً … فلها العُتْبي لدينا والرضا يافدتكِ النفس كانت هفوةً … فأغفريها واصفحي عما مضى وقوله - وله - حكاية (٥) -: [من الرمل] ليت عين الدهر عنَّا غفلت … ورقيب الليل عنا رَقَدا وأقام النوم في مدته … كالذي كان وكنا أبدا بأبي زَوْرٌ تلفت له … فتنفستُ إليه الصعدا بينما أضحك مسرورًا به … إذ تقطعتُ عليهِ كَمَدًا ومنه قوله في غلام اسمه مفحم (٦): [من المنسرح] وأبا بي مفحم لغرّتِهِ … قلتُ له إذ خلوت مكتتما:

стр. 4950

تحبُّ بالله منْ يخصُّكَ بالوُدّ فما … قال: لا، ولا نِعْمَا ثم تولى بمُقْلَتَيّ خَجِلٍ أَرادَ … رَدَّ الجواب فاحتشمَا وكان كالمُبتغي بحيلتهِ … بُرْءًا من السَّقَمِ فابتدا سَقَما ومنه قوله (١): [من السريع] يا بابِي أبيضُ في صُفْرَةٍ … كأنهُ تِبْرٌ على فضة جَرَّدَهُ الحَمَّامُ عن درَّةٍ … يلوح منها عُكَنٌ بضَهْ صفاتُهُ فاتنةٌ كلها … فبعضُهُ يُذكرني بعضَهُ يا لَيْتَهُ زوّدني قُبلةً … أو لا فمن وجنتِهِ عَضَّهُ ومنه قوله، وله حكاية (٢): [من المتقارب] فما زلتُ أبسطهُ مازحًا … وأفرط في اللهو حتى ابتسم وحكمني الرّيمُ في نفسِهِ … بشيء ولكنَّهُ مُكتتَمْ وقوله وقد علت سنه (٣): [من البسيط] أصبحتُ من أسراءِ الله مُحتسبًا … في الأرض نحو قضاءِ الله والقدر إن الثمانين إذ وفيتُ عِدَّتها … لم تُبْقِ باقيةً مني ولم تَذَرِ وقوله للواثق بعد تعزيته بالمعتصم (٤): [من الطويل] سيسليك عما فاتَ دولةٌ مُفَضَّلٍ … أوائلُهُ محمودة وأواخره وما قَدَّمَ الرحمانُ إلا مقدَّمًا … موارده محمودة ومصادره وقوله (٥): [من الخفيف] كنتُ حُرًّا فصرتُ عبد اليماني … منْ هَوَى شادن هواهُ براني وهي نصفان من قضيب ودعص … زان وسطَ القضيب رُمَّانتان ومنه قوله (٦): [من الكامل] يا ابن الإمام تركتني هَمَلا … أبكي الديار وأندب الأملا مابال عينك حين تلحظني … ما إنْ تَقلُّ جفونها ثِقَلا

стр. 4951

لو كان لي ذنبٌ لَبُحتُ بهِ … كيلا يُقال: هَجرتَني مَلَلا إن كنتُ أعرفُ زلّةً سَلَفَتْ … فرأيتُ ميتةً واحدى عجلا ومنه قوله (١): [من الكامل] لا تعجبن لمُلمّةٍ صَرَفَتْ … وجه الأمين فانهُ بَشَرُ وإذا نَبَالك في سريرتِهِ … عَقَدَ الضمير نبأ بك النظر ومنهم: [١٣٤] أبو علي البصير (٢) ذكره ابن سعيد (٣)، وشكره بما أورد له من شعره المجيد، وساق له بيتين هما، طاولا القصور كلاهما، بل منازل القمر في منطقة البروج وما والاهما، لقد صدق من سماه البصير لتحقيق بصره، وتدقيق ما يعمل فيه حدّ نظره، فيا لهما بيتين ضرب المثل بهما، لمن كان متفهمًا، وهما (٤): [من الوافر] لَعَمْرُو أبيك ما نُسب المُعلّى … إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكنَّ البلاد إذا اقشعرَّتْ … وصَوَّحَ نَبتُها رُعي الهشيم ومنهم: [١٣٥] علي بن الجهم بن بدر بن الجهم السامي (٥) بالسين المهملة.

стр. 4952

ممن كان له اختصاص بالمتوكل لأثره، واقتصاص لقبيح أثره، واتصال قربه من الخليفة في جلالة منصبه، ما ضمه معه من يمالئه على علي ﵇ وتعصبه. حكي أنه كان على صحة دينه، وفسحة يقينه، وقيامه بالفرائض، ودوامه على ما يدفع به حجة المعارض، يرى رأيًا متوكليًا في الانحراف عن علي كرم الله وجهه، وأظهر بغضه وإشهار ما عرف منه كله ببعضه، كان يغض منه ما لا يغض، ويفض من جموع أشياعه، ما لا يُفَضُّ، ويستبيح منه مرعى وبيلًا، ويستريح إلى ذمه بما لم يجعل الله إليه سبيلًا، هذا على أن علي بن الجهم ما كان بمطعون عليه في دين، ولا بمظنون فيه إلا سوء القرين، وبلي بالمتوكل مع متابعته لهواه، ومبايعته له على دينه بدنياه، غضب عليه غضبًا يستفحل زفيره، ويستعجل الأجل نفيره. وكان سبب غضبه، ومسبب ما استطار عليه من لهبه أن ابن الجهم كان يقع عنده في الندماء، ويغصص أكثرهم عنده بتجرع الماء، فكمنوا له كمون الأراقم، وسكنوا له سكون المتناوم، ثم دبّوا إليه دبيب العقرب، وراغوا إليه مراوغة الثعلب، ورموه منه بداهية أزالت مكانه من خاطره، وأزالت إنسانه من ناظره، ثم كادوا يكونون عليه لبدًا، ويقومون عليه قيامًا لا قعود لهم عنه أبدًا، ونفّذ هو أغراضهم بلسانه، ورأش لهم سهامًا من هجو اجترأه به على سلطانه، وقالوا قد كفر الإحسان، وتطاول إلى هجو خليفة الزمان، وما زالوا بالمتوكل إلى أن نفاه إلى خراسان، وكتب إلى ابن طاهر أن يصلبه بالشاذياخ يومًا واحدًا لا زايدًا فلما وصل حبسه طاهر، ثم أخرجه إلى الظاهر، وفعل به ذلك، وصلبه صلبًا لم يكن منه تهالك، فقال (١) في تلك الحال هنالك: لَمْ يَنْصِبُوا بِالشَّاذِيا عشية الـ اثنين … مسبوقًا وَلا مَجْهُولا نَصَبُوا بِحَمْدِ اللهِ مِلْءَ قلوبهم … شَرَفًا ومِلْءَ صُدُورِهِمْ تَبْجِيلا

стр. 4953

في أبيات كثيرة ومعانٍ أثيلة أثيرة، ثم رجع إلى العراق، وجرت له في أثناء ذلك مشاق، ثم كان آخر أمره أن أتى الشام قافلًا، ووصل إلى حلب عن منيته سائلًا، وبعد ذلك فارقها. فلما كان على مرحلة خرجت عليه من كلب ركائب مرحلة، في خيل كالسيل أو الليل، فشمّر الذيل، وعلم أنه ما يعرف من النجوم إلا سهيل، فقاتل قتالًا شديدًا، وأراهم عودًا صليبًا، وقلبًا حديدًا، ولحقه الناس وهو من صرعى جراحهم، وقتلى ما أنتاش لحمه من سلاحهم، فلما رأى نفسه تُجذب في السياق، وروحه تلعب بها أرواح أهل العراق، وشلوه ينهب وهكذا آخر كل مشتاق، قال (١): [من المنسرح] دعهُ يُداري فنعم ما صنعا … لو لم يكن عاشقًا لما خَضَعَا وكلَّ مَنْ في فؤادِهِ وَجَعٌ … يطلب شيئًا يسكن الوجعا وَارَحْمَتَا لِلْغَرِيبِ فِي الْبَلَدِ … النَّازِح ماذا بِنَفْسِهِ صَنَعا فَارَقَ أَحْبَابَهُ فَمَا انْتَفَعُوا … بِالْعَيْشِ مِنْ بَعْدِهِ ولا أَنْتَفَعا ولما أحس بالموت قلق، وأنشد وهو في دموعه غرق (٢): [من المجتث] أَزِيدَ في اللَّيْلِ لَيْلُ … أَمْ سالَ بالصبح سَيْلُ ذكرت أهل دجيلٍ … وأَينَ مِنِّي دُجَيْلُ (٣) فرق له الناس، وبكوا ومات وبعضهم يقول لا بأس. وقال (٤) في الحبس أشعارًا منها: قالتْ حُبِسْتَ فقلتُ ليسَ بِضَائِرٍ … حَبْسِي وأَيُّ مُهَنَّدٍ لا يُعْمَدُ أَوَما رَأيتِ اللَّيْثَ يَأْلَفُ غِيلَهُ … كِبْرًا وأَوْباش السباع تَرَدَّدُ (٥) والبدرُ يُدْرِكُهُ السِّرارِ فتنجلي … أَيَّامُهُ وكَأَنَّهُ مُتَجَدِّدُ (٦) والغيثُ يَحْصُرُهُ الغَمامُ فما يُرى … إِلاَّ وَرَيّقُهُ يَراحُ وَيَرْعُدُ (٧) والنار في أحجارها (مخبوءةٌ) … لا تُصْطَلَى إِنْ لم تُثِرْها الأَزْنُدُ

стр. 4954

والحبس ما لم (تَغْشَهُ) لِدَنِيَّةٍ … شَنْعَاءَ نِعْمَ المَنْزِلُ (المُتَوَرَّدُ) بيتٌ يُجَدِّدُ للكريم كرامةً … ويُزارُ فيه ولا يزور فيحمد لو لم يكن (في السجن) إِلَّا أَنَّهُ … لا يَسْتَذِلُّكَ بالحِجابِ الأَعْبُدُ يا أَحمدُ بن أَبي دُوَّادٍ إنما … تُدعى لكل عظيمة يا أحمد بلغ أمير المؤمنين فرونَهُ … خَوْضُ العِدا ومخارق لا تَنْفَدُ (١) أنتم بني عم النبي محمدٍ … أَوْلَى بِما شَرَعَ النبي محمد ما كان من كرم فَأَنتُمْ أَهْلُهُ … كرمت مَغارِسُكُمْ وطَابَ المَحْتِدُ إِنَّ الذين سَعَوْا إِليك بباطل … حساد نِعْمَتِكَ التي لا تُجْحَدُ شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا … فينا وليس كغائبِ مَنْ يَشْهَدُ لو يَجْمَعُ الخَصْمَيْنِ عندك مجلس … يومًا لَبانَ لَكَ الطَّرِيقُ الأَقْصَدُ كَمْ مِنْ عَلِيلٍ قَدْ تَخَطَّاهُ الردى … فَنَجا ومات طبيبه والعُود فَبِأَيِّ جرم أَصْبَحَتْ أَعراضُنا … نَهْبًا تقسمها اللئيمُ الأَوْغَدُ فلم ينفعه ابن أبي دؤاد، ولا أغنى عنه ولا كاد؛ لأنه كان عليه منحرفًا، وعن هواه منصرفًا، فلما خرج بدره من محاقه، ورضي عنه المتوكل وكتب بإطلاقه، جاء إلى ابن أبي طاهر وقال له (٢): أ «طاهِرُ» إِنِّي عن خُراسان راحِلُ … ومُسْتَخْبَرُ عنها فما أنا قائل أَأَصْدُقُ أَمْ أَكْنِي عن الصِّدْقِ أَيُّما … تَخَيَّرْتَ أَدَّتْهُ إِلَيْكَ الْمَحافِلُ فإني بغالي الحمد والذَّمِّ عالِمٌ … بما فيهما نامي الرَّمِيَّةِ نَاضِلُ (٣) أَ «طاهِرُ» إِنْ تُحْسِنُ فَإِنِّيَ مُحْسِنٌ … إِليكَ وإِنْ تَبْخَلُ فَإِنِّي باخِلُ

стр. 4955

فقال له طاهر: لا تقل إلا خيرا فإني لا أفعل بك إلا ما تحب، ووصله وحمله وكساه (١). ثم إنه هجا أحمد بن أبي دواد (٢) بأشعار منها (٣): يَا «أَحْمَدُ» بْنَ «أَبِي دُوَادٍ» دَعْوَةً … بَعَثْتُ إِلَيْكَ جَنَادِلًا وَحَدِيدَا مَا هَذِهِ الْبِدَعُ الَّتِي سَمَّيْتَهَا … بِالْجَهْلِ مِنْكَ الْعَدْلَ وَالتَّوْحِيدَا (٤) أَفْسَدْتَ أَمْرَ الدِّينِ حِينَ وَلِيْتَهُ … وَرَمَيْتَهُ «بِأَبِي الْوَلِيدِ» وَلِيدَا (٥) فَإِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا شَبَّهْتَهُ … شَرِقًا تَعَجَّلَ شَرْبَةً مَرْدُودَا وَإِذَا تَرَبَّعَ فِي الْمَجَالِسِ خِلْتَهُ … ضَبُعًا وَخَلَّتْ بَنِي أَبِيهِ قُرُودَا لَا أَصْبَحْتَ بِالْخَيْرِ عَيْنَ أَبْصَرْتْ … تِلْكَ الْمَنَاخِرَ وَالشَّيَابَ السُّودَا وعلي بن الجهم هو القائل: وَرَافِضَةٌ (تَقُولُ) بِشِعْبِ رَضْوَى … إِمَامٌ خَابَ ذَلِكَ مِنْ إِمَامِ إِمَامٌ مِنْ لَهُ عِشْرُونَ أَلْفًا … مِنَ الْأَتْرَاكِ مُشْرَعَةِ السِّهَامِ وَفِي عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ يَقُولُ الْبُحْتُرِيُّ (٦): إِذَا مَا حُصِّلَتْ عَلِيًّا «قُرَيْشُ» … فَلَا فِي الْعَيْرِ أَنْتَ وَلَا النَّفِيرِ (٧) وَلَوْ أَعْطَاكَ رَبُّكَ مَا تَمَنَّى … عَلَيْهِ لِزَادُ فِي غَلَظِ الْأُيُّورِ عَلَامَ هَجَوْتَ مُجْتَهِدًا عَلِيًّا … بِمَا لَفَّقْتَ مِنْ كَذِبٍ وَزُورِ أَمَا لَكَ فِي أَسْتِكَ الْوَجْعَاءُ شُغْلٌ … يُكَفِّكَ عَنْ أَذَى أَهْلِ الْقُبُورِ

стр. 4956

ومن شعر علي بن الجهم قوله (١): وَالْقَوْمُ إِخْوانُ صِدْقٍ بَيْنَهُمْ نَسَبٌ … مِنَ الْمَوَدَّةِ لَمْ يُعْدَلْ بِهِ نَسَبُ تَرَاضَعُوا دِرَّةَ الصَّهْبَاءِ بَيْنَهُمُ … فَأَوْجَبُوا لِرَضِيعِ الْكَأْسِ مَا يَجِبُ لا يُحفَظُونَ عَلَى السَّكْرانِ زَلْتَهُ … وَلا يُرِيبُكَ مِنْ أَخْلاقِهِمْ رِيَبُ ومنه قوله وقد حضر مجلس ابن طاهر [في يوم انحط ثم ارتفع، وتفرق ثم اجتمع، والبرق قد بسط يده يعانقه .. كعاشق زار معشوقًا وآلى لا يفارقه، ثم تخفى في مسارب غمامه، يشدّ أطواقه عليه زرًا، ويضحك سرًّا، والذي قاله] (٢): [من البسيط] أَما تَرَى الْيَوْمَ ما أَحْلى شمائِلَهُ … غيمٌ وصحو وَإِبْراقُ وَإِرْعادُ كَأَنَّهُ أَنْتَ يا مَنْ لا شَبِيهَ لَهُ … وَصْلٌ وَهَجْرٌ وَتَقْرِيبٌ وَإِبْعَادُ فَاكِرِ الرَّاحَ وأَشْرَبْها مُعَتَقَةً … لَمْ يَدَّخِرْ مِثْلَهَا كِسْرَى وَلا عاد (٣) وأَشْرَبْ عَلَى الأَرضِ إذ لاحت … زَخَارِفُهَا زَهْرٌ وَنَوْرُ وأوراق وَأَوْرادُ (٤) كَأَنَّمَا يَوْمُنا فِعْلُ الْحَبِيبِ بِنا … بَذْلٌ وَيُخْلٌ وَإِبعاد وَمِيعاد وقوله (٥) لما أُطلق من السجن بخراسان: [من البسيط] يَشْتاقُ كُلُّ غَرِيبٍ عندَ غُرْبِتِهِ … وَيَذْكُرُ الأَهْلَ وَالْجِيرَانَ وَالْوَطَنا وليس لي وطنُ أَمْسَيْتُ أَذْكُرُهُ … إِلَّا الْمَقابِرَ إِذْ كانت لهم سكنا وقوله (٦) في رثاء عبد الله بن طاهر: [من الخفيف] أَيُّ رُكْنٍ وَهى من الإِسلامِ … أَيُّ يَوْمٍ أَخْنَى عَلى الأَيَّامِ جَلَّ وُزْء الأمير عن كلِّ رُزْءٍ … أَدركَتْهُ خَواطِرُ الأَوْهام سَلَبَتْنا الأَيَّامُ ظِلًا قَلِيلًا … وأَباحَتْ حِمّى عَزيزَ المَرامِ يا بَني مُصْعَب حَلَلْتُمْ من النَّا … سِ مَحَلَّ الأَرواح في الأجسام فإِذا رَابَكُمْ من الدَّهْرِ رَيْبٌ … عَمَّ ما خَصَّكُم جميعَ الأنام نَحْنُ مُتْنَا بِمَوْتِهِ وأَجَلُّ الـ … خَطْبِ مَوتُ السَّاداتِ والأعْـ والأَعْلامِ

стр. 4957

وقوله (١) في مُغَنّ: [من الخفيف] كُنْتُ في مَجْلِسٍ فقالَ مُغَنِّي الـ … قَوْم كَمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّتاءِ فَذَرَعْتُ الْبِسَاطَ مِنِّي إِلَيْهِ … قلتُ هذا الْمِقدارُ قَبْلَ الْغِناءِ فإذا ما أردت أَنْ تَتَغَنى … آذَنَ الْحَرُّ كُلُّهُ بِأَنْقِضَاءِ وقوله (٢): [من الوافر] بلاء ليس يُشْبِهُهُ بَلاءُ … عَدَاوَةُ غير ذي حَسَبِ وَدِينِ يُبِيحُكَ مِنْهُ عِرْضًا لم يَصُنْهُ … وَيَرْتَعُ منكَ فِي عِرْضِ مَصُونِ وقوله (٣): [من الطويل] صليني وحَبْل الوصل لمَ يَتَشَعَبِ … وَلا تهجري أَقْدِيكِ بالأم والأب رعى اللهُ لَيْلًا ضَمَّنا بَعْدَ فُرْقَةٍ … فأَدْنَى فُؤادًا مِنْ فُؤادٍ مُعَذِّبِ عناقًا وضمًّا والتزامًا كأنّما … نرى جسدينا جسم روح ومركب وبتنا ولو أنا تراق زجاجةٌ … منَ الخمر فيما بيننا لم تسرب ومنه قوله (٤): [من الطويل] هِيَ الْنَّفْسُ مَا حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ … وَلِلدَّهْرِ أَيَّامُ تَجُورُ وتَعْدِلُ وعاقِبَةُ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ جَمِيلَةٌ … وَأَفْضَلُ أَخْلاقِ الرِّجالِ التَّفَضَّلُ ولا عارَ أَنْ زالتْ عَنْ المرء نعمةٌ … وَلكِنَّ عارًا أَنْ يَزُولَ التَّجَمُّلُ ومنه قوله: وما المالُ إِلا حَسْرَةٌ إِنْ تَرَكتَهُ … وغُنْمٌ إِذا قَدَّمْتَهُ يُتَعَجِلُ ومنه قوله (٥): [من الكامل] غير الليالي بادئاتٌ عُوَّدُ … والمالُ عارِيَةٌ يُفادُ وَيَنْفَدُ وَلِكُلَّ حالٍ مُعْقِبٌ وَلَرُبَّما … أَجْلى لك المكروهُ عَمَّا يُحْمَدُ (٦) لا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ تَفَرُّج كُرْبَةٍ … خَطْبٌ رَماكَ بِهِ الزَّمانُ الأَنْكَدُ كَمْ مِنْ عَلِيلٍ قَدْ تَخَطَّاهُ الرَّدَى … فَنَجا وماتَ طَبِيبُهُ والعُوَّدُ

стр. 4958

ومنه قوله (١): [من الخفيف] إن ردَّ السؤال والاعتذارِ … خُطَّةٌ صعبة على الأحرار ليس من باطل يوردها المر … ء ولكن سوابق الأقدار وأرض للسائل الخضوع وللقا … رفِ ذنبًا مذلة الاعتذار إِنْ تَجافَيْتَ مُنْعِمًا كنتَ أَوْلى … مَنْ تَجافَى عَنِ الذُّنُوبِ الْكِبَارِ أَوْ تُعاقِبْ فَأَنْتَ أَعْرَفُ بِاللَّهِ … وَلَيسَ الْعِقاب منكَ بِعارِ ومنه قوله (٢) وقد قيد: [من الطويل] وقلت لها والدمع تدمى طريقه … ونار الهوى بالشوقِ يُذكى وقودها فلا تَجْزَعي إِمَّا رَأَيتِ قُيودَهُ … فَإِنَّ خلاخيل الرجال قيودها ومنه قوله (٣): [من الطويل] وقُلْنَ لنا نحنُ الأَهِلَّةُ إِنَّما … تُضِيءُ لمن يَسْرِي بِلَيْلٍ ولا تَقْرِي فَلا بَذْلَ إِلا ما تَزَوَّدَ نَاظِرٌ … وَلا وَصْلَ إِلا بِالخَيْالِ الَّذِي يَسْرِي ومنه قوله: ولكِنَّ إِحْسان الخليفة «جعفر» … دعاني إلى ما قلتُ فِيهِ مِنَ الشِّعْرِ فسارَ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ … وَهَبَّ هُبُوبَ الرِّيحِ في البر والبَحْرِ ومنه قوله (٤) وهو تخلص حسن: [من البسيط] وَلَيْلَةٍ كُحِلَتْ بِالنَّفْسِ مُقْلَتُها … أَلْقَتْ قِناعَ الدُّجى في كلِّ أُخْدُودِ قَدْ كادَ يُغْرِقُني أَمْواجُ ظُلْمَتِها … لَوْلا اقتباسي سَنِّى مِنْ وَجْهِ دَاوُدِ ومنه قوله (٥) وهو من التخلّص البديع، وذكر سحابة: [من الطويل] وسارِيَةٍ تَرْتادُ أَرْضًا تَجوُدُها … شَغَلْتُ بها عَيْنًا طويلًا هُجُودُها (٦) أَتَتْنا بها رِيحُ الصَّبا فكَأَنَّها … عجوز تُزَجييها فتاة تقودها (٧) فما بَرِحَتْ بَغداد حتى تَفَجَّرَتْ … بِأَوْدِيَةٍ مَا تَسْتَفِيقُ مُدودها (٨)

стр. 4959

فَلَمَّا قَضَتْ حَقَّ العِراقِ وأَهْلِهِ … أَتاها مِنَ الرِّيحِ الشَّمَالِ بَرِيدُها (١) فَمَرَّتْ تَفُوتُ الطَّرْف سعيًا كأَنَّما … جُنودُ عُبيد الله (٢) وَلَّتْ بَنُودُها وقوله (٣) في ابنية المتوكل: [من المتقارب] وما زِلْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الملو … كَ تَبني عَلى قَدْرِ أَخْطَارِها (٤) وأعلمُ أَنَّ عُقول الرجا … لِ يُقْضَى عليها بآثارها صُحُونٌ تُسافِرُ فيها العُيُونُ … وتَحْسِرُ عن بُعْدِ أَقْطارها وقُبَّةُ مُلْكِ كَأَنَّ النُّجو … مُ تُفْضي إليها بأسرارها تَخِرُّ الوُفُودُ لَها سُجَّدًا … إذا ما تَجَلَّتْ لأبصارها إذا أُوقِدَتْ نارُها بالعِرا قِ … ضاءَ الحجاز سَنَى نارها لَها شُرفات كأنَّ الرَّبِيعَ … كَساها الرياض بأنوارها (٥) نَظَمْنَ الفُسَيْفِسَ نَظْمَ الحُلِيِّ … بعون النساء وأبكارها (٦) فَهُنَّ كَمُصْطَبِحات برزن … لفضح النصارى وإفطارها (٧) فمن بين عاقِصَةٍ شَعْرَها … وَمُصْلِحَةٍ عَقْد زُنَارِها (٨) ومنهم: [١٣٦] أبو عبادة، الوليد بن عبيد الطائي البحتري (٩) ذو مجد خطر بتالده في موالد أدَاد، وتخطر بطارفه في مطارف جداد، أدّت به

стр. 4960

شعبها إلى يمن يفخر ذووها، ويذخر للأعقاب الأخيرة أولوها. وكان في أواخر طيئ خاتمها، إذ لم يكن حاتمها، وكعبتها لا كعبها بن مامة، وزينها لما لم يكن زيدها إذ تقدم أمامه. صحب الفتح بن خاقان صحبة دنابها إلى المتوكل وجالسه في خلوته، ونافسه نظراؤه على التجائه إلى ذروته، ونافثه المتوكل بما يجنه من صبوته، ونافره يومًا على هوى صبر له المتوكل على عزّ الملك ونخوته. خالس بأزاء المتوكل النظر لغلام كان لا يزال صريع هواه، ومطيع أسى فيه برح نجواه، فتنكر له المتوكل حتى فتح له الفتح باب الرضا، وجلا من غضبه ما اكفهر جوه ثم ما أضا، وأقر عينه منه بعفو لم يذكر معه ما مضى، وتجاوز جانبت به شؤونه العقيق وضلوعه العضا، ثم كان البحتري شاعر تلك الدولة لا يقدم عليه إنسانًا، ولا يقوم ليدرأ في نحور الأعداء لسواه لسانا، ولو كان سنانًا، حتى قتل المتوكل والفتح بن خاقان وهو معهما حاضر، ولهما حيث يبكي قلبه لا عينه ناظر، ثم لم يستقم له بعذيق مهما طالع، ولا لحق أهل التقدم منه ظالع. وكان البحتري أول ولوعه بالشعر في غلوائه، ووقوعه على ري روائه، قد أتى أبا تمام منشدًا له من غرره السابقة، وعارضًا عليه من مطره ما جاءت به أول بارقة، فاستنسبه أبو تمام فلما عرف أنه من طيئ شقيق نسبه، ورديف أدبه ومكتسبه،

стр. 4961

قال له: يا فتى لقد نعيت إلى نفسي، ثم كتب له إلى أهل المعرة كتبًا تعرف إليهم بنسبها، وتعرض بها إلى جمل حصل من مكسبها، ثم ما فتئ أن جاءه نعي أبي تمام وأسمعه داعيه، وأوجعه بقيام ناعيه، فهب حينئذ البحتري مستيقظًا، ورمى ببصره إلى العلياء متلحظًا، وانتشر في الآفاق شعره فلا يُسمع له إلا متحفظًا، وقصد في قصائده السهل الممتنع فجاء بنسيم الصبا، وقسيم الصهبا، يُحفظ من أول إنشاد، ويطرب كأن قوله قول النشيد له ترنّم شاد، وكان على هذا كله غثيثًا إذا أنشد، معجبًا بنفسه ولا يقول كلمة إلا ردّد، ثم يقول ألا تعجبون ألا تطربون ويميل رأسه، ويقطع بالتكرير أنفاسه، حتى أخجله يومًا أبو العنبس الصيمري، وبكته تبكيتًا هلل ديباجه العبقري. وأبو عبادة البحتري أحد شعراء العالم ذكرًا إذا ذُكِر، وشكرًا ولا مخالف فيه إذا شُكر. ومن شعره الفائق، وصفه الفائق، لشذا المسك عرفه قوله (١) في روضة: [من الكامل] أَخَذَتْ ظُهُورُ الصالحية زينةً … عَجَبًا من الصفراء والحمراء (٢) بَكَتِ السماءُ بها رَذَاذَ دُموعها … فَغَدَتْ تَبَسم عن نجوم سماء ومنه قوله في الخمر: يُخْفى الزُّجاجَةَ لَوْنُها، فكأَنَّها … في الكَفَّ قائمةٌ بغَيْرِ إِناءِ ولها نسيم كالرِّياضِ تَنَفَّسَتْ … في أَوْجُهِ الأَرواح والأنداء وَفَواقِع مثل الدموع تَرَدَّدَتْ … في صَحْنِ خد الكاعب الحَسْناءِ ومنه قوله في مصلوب: [من الكامل] فَتَراهُ مُطَّردًا على أعوادِهِ … مِثْلَ اطَّراد كواكب الجَوْزَاءِ (٣) مُسْتَشْرِفًا للشَّمْسِ، مُنْتَصِبًا لَهَا … فِي أُخْرَيَاتِ الجِذْعِ كالحرباء (٤) ومنه قوله في الدروع والأسنة: [من الكامل] يَمْشُونَ في زَغَفٍ كأَنَّ مُتُونَها … في كلِّ مَعركةٍ مُتُونُ نِهَاءِ (٥)

стр. 4962

بِيضٌ تَسيلُ على الكُمَاةِ فُضُولُها … سَيْلَ السَّرابِ بقَفْرَةِ بَيْدَاءِ (١) وإذا الأَسِنَّةُ خالطتها خِلْتَها … فيها خيال كواكب في ماء ومنه قوله في منهزم: [من الكامل] فَلَئِنْ تَبَقَّاهُ القضاء لوقتِهِ … فلقد عَمَمْتَ جُنودَهُ بِفَنَاءِ حتى لو ارتشف الحديدَ أَذَابَهُ … بالوَقْدِ من أَنْفَاسِهِ الصُّعَدَاءِ ومنه قوله (٢) في الاعتذار: [من الكامل] أخجلتني بِنَدَى يَدَيْكَ فَسَوَّدَتْ … ما بَيْنَنَا تلك اليد البيضاء وقَطَعْتَني بالجُودِ حتى إنّني … متوهّم أن لا يكونَ لِقَاءُ ومنه قوله (٣) في فرس: [من الكامل] ومطهم، رَحْبِ الْفُرُوجِ، مُشَذَّبِ … ناتي الْقَذالِ، حَدِيدَةٍ أُذْنَاهُ (٤) ضَافِي السَّبِيبِ، مُقَلِّص لم تَنْخَزِلْ … مِنهُ الْقَطَاةُ، ولم يَخُنْهُ شَظَاهُ (٥) صافي الأديم كأَنَّ غُرَّةَ وَجْهِهِ … فَلَقُ الصَّبَاحِ انْجَابَ عَنْهُ دُجَاهُ (٦) يَجْرِي إِذَا جَرَتِ الحِيادُ عَلَى الْوَنَى … فَيَبُدُّ أُولَى جَرْيِهَا أُخْرَاهُ (٧) ومنه قوله (٨) في كسر الأنف: [من الوافر] رَأَيْتُ «الخَشْعَمِيَّ» يُقِلُّ أَنْفًا … يَضِيقُ بِعَرْضِهِ البَلَدُ الفَضَاءُ (٩)

стр. 4963

هو الجبل الذي لولا ذُرَاهُ … إِذا وَقَعَتْ على الأرض السماء! ومنه قوله (١) في المديح: [من الكامل] تُنْبي طَلاقَهُ بِشْرِهِ عن جُودِهِ … فتكادُ تَلْقَى النُّجْحَ قَبْلَ لِقَائِهِ وضِيَاءُ وَجْهِ لَو تَأَمَّلَهُ امْرُؤٌ … صَادِي الجوانح لارتوى من مائه ومنه قوله (٢) في التعزية ببنت: [من الخفيف] أَتُبَكَى مَنْ لا يُنازِلُ بالسَّيْفِ … مُشِيحًا ولا يهز اللواء؟ والفَتى مَنْ رأى القُبُورَ لِمَا طَا … فَ بِهِ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْفَاءَ لَسْنَ مِنْ زِينة الحياةِ كَعَدٌ … اللَّهِ منها الأموال والأبناء قد وَلَدْنَ الأعداء قدمًا، ووَرَّتْ … نَ البَلادَ الأَقاصي البُعَداءَ لم يَئِدْ كُثْرَهُنَّ «قَيْسُ تَمِيم» … عَيْلَة بل حَمِيَّةٌ وإِبَاءَ (٣) وتَغَشى «مُهَلْهِلَ الذُّلُّ فيهـ … ـنَّ، وقد أُعْطَيَ الأَديم حِبَاءَ (٤) وشعَيْبٌ مِنْ أَجْلِهِنَّ رأَى الوَحْ … دَةَ ضَعْفًا فَاسْتَأْجَرَ الأَنْبِيَاءَ (٥) واسْتَزَلَ الشيطانُ» «آدم» … في الجَنَّةِ لَمَّا أَغْرِى بِهِ «حَوَّاءَ» وتلفت إلى القبائل، فانْظُرْ … أُمَّهاتِ يُنْسَبْنَ أَمْ آبَاءَ وَلَعَمْرِي ما العجز عنديَ إِلا … أَنْ تَبيتَ الرِّجالُ تبكي النِّساء! ومنه قوله (٦) في العتاب: [من المتقارب] يَرِيبُني الشيء تأتي بهِ … وأُكْبِرُ قَدْرَكَ أَنْ أَسْتَريا أُكَذِّب ظَنِّي بأنْ قد سَخِطْتَ، … وما كنت أعهدُ ظَنِّي كَذُوبَا ولو لم تكن ساخطًا لم أَكُنْ … أَذمُّ الزمان وأشكو الخُطُوبَا

стр. 4964

وما كان سَخْطُكَ إلا الفِرَاقَ … أَفاضَ العيونَ وأَشْجَى القُلُوبا ولو كنتُ أَعْرِفُ ذَنْبًا لَمّا … تُخالِجَني الشَّكُّ في أَنْ أَتُوبَا سأصْبرُ حتى أُلاقِي رِضا … ـكَ: إِمّا بَعيدًا، وإما قريبا أُراقِبُ رأْيَكَ حتى يَصِحُّ، … وأَنْظُرُ عَطْفَكَ حتى يَتُوبَا (١) ومنه (٢) قوله في الغزل: [من الكامل] لو كان ذَنْبِي غَيْرَ حُبّي، إِنَّهُ … ذَنْبِي إليكِ لكنتُ أَوَّلَ تَائِبِ ومنه (٣) قوله في مثله: [من الكامل] حاشَاكِ من ذِكَر ثَنَتْهُ كثيبًا، … وصَبابَةٍ مَلأَتْ حَشَاهُ نُدُوبًا (٤)! وهَوَى هَوَى بدُمُوعِهِ فتبادرتْ … نَسَقًا يَطَأْنَ تَجَلُّدًا مَغْلُوبا (٥) ومنه قوله (٦) في السراب والنياق: [من البسيط] وأَرْبَدُ القُطْرِ يَلْقَاكَ السَّرَابُ بِهِ … بعد التَرَبُّدِ مُبَيَضَّ الجلابيب (٧) لُجٌّ من الآلِ لم تُجْعَلْ سَفَائنُهُ … إِلا غَرَيْرِيَّةَ البُزْلِ المصاعيب (٨) مِثْلُ القَطَأُ الكُدْرِ إِلَّا أَنْ يَعُودَ بها … لَطْخُ من الليل مسود الغرابيب (٩) ومنه قوله (١٠): [من الطويل] أَلم تَسكُنوا في ظِلِّهِ فَتُصَادِفُوا … إِجازةَ مَعْلُوبٍ ورَغْبَةَ طالب؟ ولو داسكم بالخيل دَوْسَةَ مُغْضَبٍ … لِطَرْتُمْ غُبَارًا فوق خُرْسِ الكتائب (١١)

стр. 4965

ومنه قوله يصف الشعر: [من الطويل] فضَمَّ قَوَاصِيهِ إِليه تَيَقُنًا … بأَنَّ قَوَافِيهِ سُلُوكُ المناقب ومنه قوله (١) في المديح: [من الكامل] أعلى الخليفة قَدْرَهُ، فأعاره شَرَفًَا … يبيتُ النجم منه قريبا فالسَّيْفُ أَرْسَلَهُ الخليفةُ مُصْلِتًا، … والموتُ هَبَّ من «العراق» جَنُوبا حتى تَقَنَّص في أَظافِرِ ضَيْغَم … مَلأَتْ هَمَاهِمُهُ القلوبَ وَجِيبًا (٢) وَلِيَ البلاد فكانَ عَدْلًا شائعًا … يَنْفِي الظلام، ونائلًا مَوْهُوبا ومنه قوله (٣) في الغزل: [من الطويل] أيا لائمي في عَبْرَةٍ قد سَفَحْتُها … لِبَيْنِ، وأُخْرَى قَبْلَها لِتَجَنَّبِ تُحاوِلَ مِنِّي شِيمةً غيرَ شِيمَتي، … وتطلب عندي مَذْهبًا غيرَ مَذْهَبي! وما كَبِدِي بالمُسْتَطِيعَةِ للأَسى … فأَسْلُو، ولا قَلبي كثيرُ التَّقَلْبِ ومنه قوله في المديح بوصف الجلالة: [من الطويل] ومُسْتَشْرِفٌ بينِ السَّمَاطَيْنِ مُشْرِفٌ … على أَعْيُنِ الرَّائِينَ يَعْلُو فَيَرْتَبِي (٤) يَغُضُّونَ فَضْلَ اللَّحْظِ من حَيْثُ مَا بَدَا … لَهُمْ عن مَهِيبٍ فِي الصُّدُورِ مُحَبَّبِ ومنه قوله (٥): [من الطويل] هو العارض التجَّاجُ أَخْضَلَ … جُودُه، وطارت حَوَاشِي بَرْقِهِ فَتَلَهَّبَا (٦) إذا ما تلظى في وَغَى أَصْعَقَ العِدَا … وإِنْ فاضَ في أُكْرُومَةٍ غَمَرَ الرُّبَى حياتُكَ أَنْ يَلْقَاكَ بالجُودِ راضيًا، … ومَوْتُك أَنْ يلقاك بالبأس مُغْضَبا فَتًى لم يُضَيِّعْ وَجْهَ حَزْم، ولم يَبِتْ … يلاحظ أعجاز الأُمورِ تَعَقُبا وقوله منها في مقتل الأسد:

стр. 4966

غداةَ لَقِيتَ اللَّيْثَ، والليتُ مُخْدِرٌ … يُحدِّدُ نَابًا للقاء ومخْلَبَا (١) إذا شاء غادى عانة، أو عَدَا على … عقائِل سِرْبٍ، أَوْ تَقنَّصَ رَبْرَبًا (٢) يَجُرُّ إِلى أَشبالهِ كلَّ شَارِقٍ … عَبيطًا مُدَمَّى أَوْ رَمِيلًا مُخَضَبَا (٣) ومنه قوله (٤) في المديح: [من البسيط] رَضِيتُ إِذْ أَنَا مِنْ مَعْرُوفِهِ غُمُرُ … وازْدَدْتُ عنه رضًا من بَعْدِ تَجْرِيب (٥) تلقى إليه المعاني قَصْدَ أَوْجُهِها … كالبَيْتِ يُقصَدُ أَمَّا بالمَحارِيبِ (٦) ومنه قوله (٧) يمدح بالبلاغة: [من الكامل] وإذا تألق في النَّدِي كلامُهُ الـ … مَصْقُولُ خِلْتَ لِسَانَهُ مِنْ عَضْبِهِ (٨) وإِذا دَجَتَ أَقْلَامُهُ ثم انْتَحَتْ … بَرقَتْ مصابيح الدجى في كُتُبِهِ وكأَنَّها، والسَّمْعُ مَعْقُودٌ بها … شَخْصُ الحبيبِ بَدَا لِعَيْن مُحِبِّهِ ومنه قوله (٩) في الديار: [من الخفيف] أَيْنَ أَهْلُ القَبابِ بـ «الأَجْرَع» الفُر … دِ تَوَلَّوْا؟ لا أين أَهلُ القِبَابِ! (١٠) وكَمِثْلِ الأحباب - لو يَعْلَمُ العا … ذل - عندي منازل الأحباب ومنه قوله في المديح: مُسْتَعِدٌ على اختلافِ اللَّيالي … نَسَقًا من خَلائِقِ أَتْرَابِ عاد منها لَمَّا بَدَاهُ إِلَى أَنْ … خِلْتُهُ يستمده من كتاب (١١) عَزَماتٌ تصيب شاكلة الخط … ب، ولو كان من وراء حِجَابِ يَتَوَفَّدْنَ والكواكب مُطْفَا … ةٌ، وَيَقْطَعْنَ والسُّيُوفُ نَوَابِي (١٢)

стр. 4967

سام بالمجد فاشْتَرَاهُ وقد با … ت عليه مزايدًا للسحاب واحد القَصْدِ، طَرْفُهُ في ارتفاع … من سُمُو، وكفُّهُ في انصباب (١) وقوله منها: وإِذا الأَنْفُسِ اخْتَلَفْنَ فما يُغْـ … ـني اتفاق الأسماء والألقاب خَطَرُوا خَطْرَةَ الجَهَامِ، وساروا … في نواحي الظُّنُون سَيْرَ السراب (٢) ومنه قوله (٣): [من الكامل] أزرى به من غدره بصديقه … وعُقوقِهِ لأخيهِ ما أَزْرَى بهِ في كل يوم وقفَةً بِفِنَائِهِ … تَخْزِي الشريف، وَرِدَّةٌ عن بابه وإذا الفتى صَحِبَ التَّباعُدَ واكتسى … كِبْرًا عليّ فَلَسْتُ مِنْ أَصحابِهِ ولَرُبَّ مُغْرٍ لي بعِرْضِكَ زادَني … غَيْظًا بجَيْئَةِ قَوْلِهِ وَذَهَابِهِ لولا الحياء وذمَّة أَعْطَيْتُها … حَقَّ الوَفا لَقَضَيْتُ مِنْ آرابه ومنه قوله (٤) في المديح ووصف السيف: [من الطويل] وَهَدَّةِ يَوْمِ لابْنِ يُوسفَ أَسْمَعَتْ … من الرُّوم من بين «الصَّفَا» و «الأخاشِب» (٥) تسرع حتى قال مَنْ شَهِدَ الوغى: … لقاء أعاد أم لقاء حبائب؟! وصاعِقَةٍ في كَفِّهِ يَنْكَفِي بها … على أَرْؤُسِ الأقرانِ خَمْسُ سَحَائِبِ يكاد الندى منها يفيض على العدا … مع السيف في ثِنْيَيْ قَنًا وقَواضِبِ لَوَى عُنُقِ السَّيْلِ الذي انْحَطَّ مُجْلِبًا … ليصرع كَهْفًا من «لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ» وفي عَفْوِهِ - لو تَعْلَمُونَ - عُقوبةٌ … تُقَعْقِعُ في الأعراض إِنْ لم تُعاقِب (٦) ومنه قوله: [من الطويل] أ «تَغْلِبُ»! ما أنْتُمْ لنا مِثْلَنا لكم … ولا الأَمْرُ فيما بيننا بمُقارِبِ

стр. 4968

تَهُبُّونَ نَكْباءً لنا، ورماحنا … لكم أَرَجٌ مِنْ شَمْأَلٍ وجَنَائِبِ! (١) وكائن جَحَدْتُمْ من أَيادِي «محمَّدٍ» … كواكب دَجْنٍ من لُهَى وَمَوَاهِبٍ (٢) ومن نائل ما تدَّعي مِثْلَ صَوْبِهِ … إذا جادَ - أَكباد الغيوم الصَّوَائبِ ومنه قوله (٣) في تهنئة الخليفة بالفتح وقد نجا من غرق: [من الطويل] وَلَمْ أَنسَهُ يَطْفُو وَيُرسُبُ ساعةً، … وَيَظْهَرُ للرائِينَ ثُمَّ يَغِيبُ رَمَتْهُ صُرُوفُ النائبات فأخطأت … كذا الدهر يخطى مَرَّةً ويُصِيبُ دعا باسْمِكَ المنصور، والموْجُ غامِرُ … لدَعْوَتِهِ، والموت منه قريب فلَوْلًا دفاع الله دامت على البُكَا … عُيونٌ، ولَجَّتْ في الغرام قُلوب فجاء على يأس وقد كادت القوى … تَقَطَّعُ، والآمال فيه تَخِيبُ ثَنَتْ من تباريح الغَلِيلِ، وَنَهْنَهَتْ … مدامع ما تَرْقَا لَهُنَّ غَرُوبُ (٤) وقوله (٥) في هارب: [من المنسرح] وحائن الزنج ممعنٌ هَرَبًا … إِنْ كان ينجو بحائن هَرَبهُ (٦) ما اختار أمرًا إلا توهَّمَهُ … رَدَاهُ، إِذْ ظَنَّ أَنَّهُ عَطَبُهُ ومنه قوله (٧) في المديح: [من الطويل]

стр. 4969

مُدَبِّرُ دُنْيَا أَمْسَكَتْ عَزَماتُهُ … بآفاقِها القُصْوَى وَما طَرَّ شارِبُهُ (١) فكيف وقد ثابَتْ إِلَيْهِ أَنَاتُهُ … وَراضَتْ صِعَابَ الحَادِثاتِ تَجَارِبُهُ وأَبْيَضُ مِنْ «آلِ النَّبِيِّ» إِذا احْتَبَى … لِسَاعَةِ عَفْوِ فَالنُّفُوسُ مَوَاهِبُهُ (٢) ولم يَكُنْ المُغْتَرُّ باللَّهِ إِذْ سَرَى … لِيُعْجِزَ و «المُعْتَزُّ بالله» طَالِبُهُ! ومنه قوله (٣): يَبُثُّ المَنَايَا، والمَنَايَا يَحُزْنُهُ، … وَيَكْرِبُ منه الحَتْفُ، والحَتْفُ كَارِبُهُ كما الليلُ إِنْ تَزْدَدْ لِعَيْنِكَ ظُلْمَةً … حَنَادِسُهُ تَزْدَدْ ضِياءً كَوَاكِبُهُ (٤) منه قوله في مقتول عُلق رأسه: كأَنَّ الرَّدَى يُسْقَى المُضَلَّلُ صِرْفَهُ … من السَّيْفِ دَيْنٌ أَرْهَقَ السيف وَاجِبُهُ ولم يُلْفَ عُضوٌ منهُ إِلا ضَرِيبَةً … لأَبْيَضَ مأثورٍ تُهَابُ مَضَارِبُهُ (٥) وكان شِفَاءٌ صَلْبُهُ لو تأَلَّفَتْ … لهُ جُنَّةٌ يُرْضِي بها العَيْنَ صَالِبُهُ تَعَجَّلَ عنه رأْسُهُ، وتَخَلَّفت … لِطِيَّتِها أَوْصَالُهُ وَمَنَاكِبُهُ فأَصْبَحَ مَنْصُوبًا على النَّاسِ يُفْتَدى … بآراء مَنْ أَوْفى على النَّاسِ نَاصِبُهُ يُجَاهِمُ رائِيهِ بإِطْرَاقِ عَابِسٍ … شَهِي إِلَيْهِمْ سُخْطُهُ وتَغَاضُبُهُ (٦) يُنَكِّبُ في إِشْرَافِهِ وهو آزِمٌ … أُزُومَ الخَلِيِّ ازُورَ عَمَّنْ يُعاتِبُهُ (٧) منها قوله في المديح: أَخَذْتَ بِوِتْرِ الدِّينِ مَثْنى وخُفِّرَتْ … يَدَاكَ فَلَمْ يُفْلِتْ عَدُوٌّ تُطالِبُهُ وقد يُحْرَمُ المَوْتُورُ إِمّا تعذَّرت … عِداهُ وإِمَّا فات في الأَرْضِ هَارِبَه وإِنَّ أَبَا العباس مَنْ تَمَّ رأيهُ، … ومَنْ شُهِرَتْ أَيَّامُهُ وَمَنَاقِبُهُ (٨) وقد شَحَذَتْ منهُ حَدَاثَةَ سِنْهِ … شهامةُ غِطْرِيفٍ حِدَادٍ مَخَالِبُهُ (٩)

стр. 4970

إِذا المَرْءُ لم تَبْدَهْكَ بالحَزْمِ كُلِّهِ … قَرِيحتُهُ لم تُعْنِ عَنْكَ تَجَارِبُهُ (١) ومنه قوله (٢) في الأدب والأخلاق: [من البسيط] قد نَقَلَتْ نُوَبُ الأَيام من شيمي … لكل نائبةٍ رَأَي أَجَانِبُهُ تَجارِبٌ أَبْدَلَتْنِي غَيْرَ ما خُلُقِي … وتُوسِعُ المرء أبدالًا تَجَارِبُهُ وظَلْتَ تَحْسِبُ رَبَّ المالِ مالِكَهُ … على الحُقُوقِ، وَرَبُّ المال واهِبُهُ الأَرْضُ أَوْسَعُ مِنْ دار أقيم بها، … والناسُ أَكْثَرُ مِنْ خِلِّ أُجَاذِبُهُ أُعاتب المرء فيما جاءَ واحدةً … ثمَّ السَّلامُ عليهِ لا أُعاتبه ولو أَخَفْتُ لَئِيمَ القَوْمِ جَنَّبَنِي … أَذَاتَهُ، وصديقُ الكَلْبِ ضَارِبُهُ ومنه قوله في المديح: قَوْمٌ إِذا أَخذُوا للحَرْبِ أُهْبَتَها … رَأَيْتَ أَمرًا قد احْمَرَّتْ عَوَاقِبُهُ يُرَبِّقُ النَّسْرُ في جَوِّ السماءِ وقد … أَوْمَا إِليه شُعَاعُ الشمس يادِبُهُ (٣) وما حَبَوْتُ أَبَا العَبَّاسِ مَنْقَبَةٌ … في المَدْحِ حتى اسْتَحَقَّتْها مَنَاقِبُهُ ومنه قوله (٤) في الكتيبة: [من الطويل] وملمومة تَحْتَ العَجَاجِ مُضِيئةٍ … تَحُوزُ الأعادي خَطْفَةٌ من عُقَابِها (٥) تُرَشِّحُها نَجْرَانُ في كُلِّ مَازِقِ … كَمَا رَشَّحَتْ «خَفَّانُ» آسادَ غَابِها؟ (٦) ومنها قوله (٧) في المديح: [من المنسرح] يَصُونُ منهُ الحِجَابُ مَنْظَرَةٌ … تَبْدُو بُدُو الهلال من حُجُبِ

стр. 4971

أَسْرَعَ عُلُوًا في المَكْرُماتِ كما … أَسْرَعَ فيْضُ الأَتِيّ في صَبَبِه (١) منها: يَرْفَضُّ عن ساطع المشيب كما ارْ … فَضَّ دُخَانُ الضَّرَام عن لَهَبِه (٢) منها في ترك الشفيع: أَبْغِي شَفيعًا إِلَيكَ أَوْ سَبَبًا … عِنْدَكَ في النَّاسِ أَسْتَزيدكَ بِه؟ والظُّلْمُ أَنْ يَبْتَغِي الفَتى سَبَبًا … يَجْعَلُهُ وَصْلَةٌ إِلَى سَبَبِه! ومنها قوله (٣) في الحكمة: لا يَيْأَسِ المرءُ أَنْ يُنَجِّيَهُ … ما يَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّهُ عَطَبُهُ يَسُرُّكَ الشيء قد يَسُوءُ، وكم … نَوَّهَ يومًا بخاملٍ لَقَبة! واسْتُؤْنِفَ الظُّلم في الصديق، فهل … حُرِّ يبيع الإنصاف أَوْ يَهَبُهْ وخير ما اخْتَرْتُ أَوْ تُخِيْرَ لي … رِضَا شريف يَسُوني غَضَبُهْ ولَسْتُ أَعْتَدُّ للفتى حَسَبًا … حتى يُرَى في فِعَالِه حَسَبُهْ ومنه قوله (٤) في الخيل: [من الكامل] هل أنت مُبْلِغِي التي أَعْدُو لَهَا … بِمُقَلِّصِ السِّرْبالِ أَحْمَرَ مُذْهَبِ (٥) لو يُوقَدُ المصباح منهُ لَسَامَحَتْ … بِضِيائِهِ شِيَة كضوء الكوكب (٦) إِما أَغَرُّ تَشُقُّ غُرْتُهُ الدُّجى … أَوْ أَرْثَم كالضاحِكِ المُسْتَغْرِبِ (٧) مُتَقَارِبُ الأقطار يَمْلأُ حُسْنُهُ … لَحظاتِ عَيْن الناظِرِ المُتَعَجِّبِ وقوله (٨) في المديح: [من الخفيف] ما تُبالي يد الوزيرِ استَهَلَّتْ … أَمْ رَأَيْتَ العقيق سالت شعابه (٩)

стр. 4972

بين حَقٌّ يَنُوبُهُ يَصْرِفُ الرَّغْ … بَ إِليه، أَوْ مُعْتَفٍ يَنْتَابُهُ (١) ومهيب عند المُناجِين لَوْلَا … كَرَمُ الأُنْسِ كان هَوْلًا خِطَابُهْ وقوله (٢) في ابتداء الفجر: [من البسيط] قد أَقْذِفُ العِيسَ في لَيْل … كَأَنَّ لَهُ وَشْيًا من النَّوْرِ أَوْ روضًا من العُشْبِ (٣) حتى إذا ما أَنْجَلَتْ أُخْرَاهُ عن أُفُقٍ … مُضَمَّخُ بالصَّبَاحِ الوَرْدِ مُخْتَضِبِ وقوله (٤) في وقعة لؤلؤ: [من الطويل] ولو لم يُحَاجِزْ «لُؤْلُؤُ» بِفِرَارِهِ … لكانَ لِصَدْرِ الرُّمْحِ فِي لُؤْلُوْ ثَقْبُ (٥) تَخَطَّأَ عَرْضَ الأَرض راكبَ وَجْهِهِ … لِمنعَ منه البُعْدُ ما يَبْذُلُّ القُرْبُ ولو كان حُرَّ النَّفْسِ والعيش مُدْبِرٌ … لَمَاتَ وطعم الموتِ في فَمِهِ عَذْبُ ومنه قوله (٦) في الغزل: [من الكامل] كم بالكثيب من اعتراضِ كَثِيبٍ … وقَوَامٍ غُصْنٍ في الشّيَابِ رَطِيبِ! (٧) تأبى المَنازِلُ أَنْ تُجيب، ومِنْ جَوَى … يَوْمَ الدِّيارِ دَعَوْتُ غيرَ مُجِيبِ فَسَقَى الغَضَا والساكنيهِ وإِنْ هُمُ … شَبُوهُ بَينَ جَوَانحٍ وقُلُوبِ (٨) ومنها قوله في المدح: لا يحتذي خُلُقَ القَصِيّ، ولا يُرَى … مُتَشَبِّهًا في سُؤدُدٍ بغريب (٩)

стр. 4973

شَرَفٌ تَتَابَعَ كابرًا عن كابر … كالرُّمْحِ أُنْبُوبًا على أُنْبُوبِ (١) وأرى النَّجَابَةَ لا يكونُ تَمَامُها … لِنَجِيبِ قوم ليس بابن نجيب فإذا اجْتَدَاهُ المُجْتَدُونَ فَإِنَّهُ … يَهَبُ العُلا في نَيْلِهِ المَوْهُوبِ (٢) دانٍ على أيدي العُفَاةِ، وشاسِعٌ … عن كلِّ نِدٌ - في العُلا - وضريب (٣) كالبَدْر أَفْرَطَ في العُلُوّ، وضَوْؤُهُ … للعُصْبَةِ السارين جد قريب إن تُجْتَبى أقلامُهُمْ لِكتابةٍ … فَلَقَبْلُ ما كانتَ رمَاحَ حُروب (٤) وقوله (٥) في العياذة: [من البسيط] وَلْيَهْنِكَ البُرْءُ ممَّا كنتَ تألَمُهُ … وليهنك الأجرُ عُقبى صائب الوصب (٦) لئن فَصَدْتَ ابْتِغاءَ البُرْءِ من سَقَم … فقد أَرَقْتَ دَمًا يَشْفِي مِنْ الكَلَبِ وقوله (٧) يرثي مملوكه: [من الوافر] تَولَّى العيش إِذْ وَلَّى التَّصابي، … وماتَ الحُبُّ إِذْ مات الحبيب تُقِضُّ أَضالعي أنفاسُ وَجْدٍ … لمُخْتَصَدٍ كما اخْتُضِدَ القَضِيبُ (٨) أُرَتِّيهِ. ولو صَدَقَ اخْتِياري … لكانَ مَكانَ مَرْثِيَتِي النَّسِيبُ (٩) وأترك للثرى مَنْ كنتُ أَخْشى … عليهِ اللحظ يومئ أو تريب؟! (١٠) ومِنْ حَقِّ الأَحِبَّةِ لو أَجنَّتْ … رَمَائِمَها الجَوَانحُ والقُلُوبُ (١١) ولو أَنَّ الجبال فَقَدْنَ إِلْفًا … لأَوْشَكَ جامد منها يَذُوبُ وقوله (١٢) في العتاب: [من المنسرح] لي أمل دائم الوقوفِ على … مُنْتَظَرِ من جَدَاكَ مَرْقُوبِ وهمَّةٌ ما تزال حائمةً … حول رُوَاقٍ عليك مَضْرُوبِ

стр. 4974

إِمَّا نَوَالٌ يُدْنِيكَ مِنْ مِدَحِي، … أَوِ اعتذارٌ يَكْفِيكَ تأنيبي! وقوله (١) في الغزل: [من الطويل] إِذا لَبِسَتْ كانت جَمالَ لِبَاسِها، … وتَسْلُب لُبَّ المُجْتَلِي حين تُسْلَبُ وسَمَّيْتُها من خَشْيَةِ الناسِ «زَيْنَبًا» … وكم سَتَرَت حُبًا على الناسِ «زينب» وجَنَّةُ خُلْدٍ عَذَّبَتْنا بَدَلها، … وما خِلْتُ أَنَّا بالجِنَانِ نُعَذَّبُ! أَلَا رُبَّما كأْسٍ سَقَاني سُلافَها … رَهِيفُ التَّثَنِّي واضح الثغرِ أَشْنَبُ (٢) إِذا أَخَذَتْ أَطرافُهُ من قُنُوئها … رَأَيْتَ لجينًا بالمُدامَةِ يُذْهَبُ (٣) وأسرع في عَقْلِي الذي بِتُّ مَوْهِنًا … أَرى من قريب لا الذي بِيُّ أَشْرَبُ (٤) وقوله في المديح: يُؤمَّلُ في لِينِ اللُّبُوس، ويُرْتَجى … لطَوْلٍ، ويُخْشَى في السلاح ويُرْهَبُ وما عاقَهُ أَنْ يَطْعُنَ الْخَيلَ مُقْدِمًا … على الهَوْلِ فِيها أَنَّهُ بِاتَ يَكْتُبُ تَرُدُّ السُّيوف الماضيات قضاءَها … إِلى قَلَم يُومِي لها أَينَ تَضْرِبُ لهُ هِزَّةٌ من أَرْيَحِيَّةِ جُودِهِ … تَكاد لها الأرضُ الجَدِيبَةُ تُعْشِبُ (٥) وقوله (٦) في السفن: [من الكامل] ورَمَتْ بنا سَمْتَ العراقِ أَيانِقٌ … سُحْمُ الخُدُودِ لُغَامُهُنَّ الطَّحْلُبُ (٧) من كل طائرة بخَمْس خَوَافِقٍ … دُعْجِ كما ذُعِرَ الظَّلِيمُ المُهَذَّبُ (٨) وقوله في معركة حرب: ناهَضْتَهُمْ والبارقاتُ كأَنَّها … شُعَلٌ على أَيْدِيهِمُ تَتَلَهَّبُ ووقفتَ مَشْكُورَ المَكانِ حميده … والبِيضُ تَطْفُو في العجاج وتَرْسُبُ

стр. 4975

مَا إِنْ تَرى إِلاَّ تَوَقُدَ كوكب … من قَوْنَسٍ قد غار فيه كوكب (١) سُلِبُوا، وأشرَقَتِ الدماء عليهِمُ … مُحْمَرَّةً، فكأنهم لم يُسْلَبُوا ولو أنَّهم رَكِبُوا الكواكب لم يكُنْ … لمُجِدِّهِمْ من أَخْذِ بِأُسِكَ مَهْرَبُ وقوله في المديح: يَتَسَرَّعُونَ إِلى الحُتُوفِ كأَنَّها … وَفْرٌ بأَرْضِ عَدُوِّهِمْ يُتَنَّهبُ وإذا توتب خالع في جانب … ظلَّتْ عليه سيوفهم تَتَوَكَّبُ (٢) وإِذا تَأَمَّلْتُ الزمان رأيته … دولًا على أيديهم تتقلب ومنه قوله (٣) في الغزل: [من الكامل] لو كنت شاهدنا وما صَنَعِ الهَوى … بقُلُوبِنا لَحَسَدْتَ مَنْ لم يُحْبِبِ فتَلَجْلَجَتْ عَبَراتُها، ثم انْبَرَتْ … تَصِفُ الهوى بلسان دمع مُعْرِبِ ومنه قوله: وإِذا الْتَفَتُ إِلى سِنِيَّ رَأَيْتُها … كَمَجَرٌ حَبْلِ الخَالِعِ المُتَصَعَبِ عِشْرُون قَصَّرَها الصبا، وأَطالَها … وَلَعُ العِتابِ بهائم لم يُعْتَبِ مالي وللأيام صرَّفَ صَرْفُها … حالِي، وأَكْثَرَ في البلادِ تَقَلَّبي؟! أُمْسِي زَمِيلًا للظَّلام، وأَغْتَدِي … رِدْفًا على كَفَلِ الصَّبَاحِ الأَشْهَبِ (٤) فأكونُ طُوْرًا مَشْرِقًا لِلْمَشْرِقِ الـ … أَقْصَى، وطَوْرًا مَغْرِبًا للمَغْرِبِ وقوله في ابتداء الفجر: والليل في لَوْنِ الغُرَابِ كَأَنَّهُ … هو في حُلُوكَتِهِ وَإِنْ لم يَنْعَبِ حتى تجلى الصُّبحُ فِي جَنَباتِهِ … كالماءِ يَلْمَعُ من خلال الطُّحْلُبِ وقوله في المديح: حَصَّ التَّرِيكُ رُؤُوسَهُمْ، فَرؤُوسُهم … في مِثْلِ لأَلاءِ التَّرِيكِ المُذْهَبِ (٥) يَتَراكَمُونَ على الأَسِنَّةِ في الوغى … كالصُّبحِ فاضَ على نُجومِ الغَيْهَبِ حتى لو أنَّ الجُودَ خُيْرَ فِي الوَرى … نَسَبًا لأَصْبَحَ يَنْتَمِي فِي «تَغْلِبِ»
следующие страницы →