← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

في ذلك الحوض، ويذكر أهل المعرفة من أهل المنكب أن ذلك الماء كان يصعد إلى أعلا المنار وينزل إلى الناحية الأخرى ويجري إلى رحى صغيرة كانت وبقي أثرها الآن. ومدينة مالقة (١): مدينة حسنة عامرة آهلة، كثيرة الديار، واسعة الأقطار بهية كاملة سنية، أسواقها عامرة، ومتاجرها دائرة ونِعَمُها كثيرة، وبها تين كثير يُحمل منها إلى سائر البلاد، شرقًا وغربًا، وربما وصل إلى الهند، وهو من أحسن التين طيبا وعذوبة، ولها ربضان كبيران، وشُرْب أهلها من مياه الآبار، وماؤها قريب القعر، عذب كثير، ولها واد يجري في أيام الشتاء والربيع وليس بدائم الجري. وحصن الحمة (٢): في المعمور من الأرض في إتقان بنائها وسخانة مائها. والمرضى والمعلولون (٣) يقصدون إليها من كل الجهات، ويلزمون المقام بها إلى أن تستقل عللهم، وفي أيام الربيع يرحل أهل المرية إليها بنسائهم وأولادهم ويحتفلون في المطاعم والمشارب والتوسع في الانفاق وتغلوا المساكن بها لأجل هذا. وحصن برشانة (٤): وهو من أمنع الحصون مكانًا، وأوثقها بنيانًا، وأكثرها عمارة. وحصن قريرة (٥): وإليه ينسب الجوز، وذلك أن بها من الجوز شيئًا ينفرك من غير رض، ولا يعدله في طعمه جوز غيرها من الأمصار. وحصن ذلر (٦): به من الكمثرى كل عجيبة، وذلك أن الكمثرى به يكون منها في وزن الحبة الواحدة رطل، وأما الأكثر فاثنتان في الرطل. ومدينة آش (٧): مدينة متوسطة المقدار لها أسوار محدقة، ومكاسب موثقة ومياه متدفقة، ولها نهر صغير دائم الجري. ومدينة بسطة (٨): وهي متوسطة المقدار، حسنة الموضع عامرة آهلة، لها اسوار

стр. 527

حصينة، وأسواق نظيفة، وديار حسنةُ البناء، رائعة المغني، وبها تجارات وفَعَلَة لضروب من الصناعات، وبقربها حصن طشكر الذي فاق جميع حصون الاندلس منعةً وعلوًّا ورفعة وطيب تربة، وبأعلاه الزرع والضرع والزرع والمياه وكثرة الخصب. ومدينة جيان (١): وهي حصينة، كثيرة الخصب، رخيصة الأسعار كثيرة اللحوم والعسل، وبها أكثر من ثلاثة آلاف قرية، كل أهلها يربي بها دودة الحرير، والعيون بها جارية تحت سورها، ولها قلعة من أمنع القلع، وبها بساتين وجنات ومزارع وغلات القمح والشعير وسائر الحبوب. ومدينة بياسة (٢): وهي على كدية تراب مطلّة على النهر الكبير المنحدر إلى قرطبة، وهي مدينة ذات أسوار وأسواق ومتاجر، وبها زراعات ومغلات الزغفران، وهو بها كثير. ومدينة أبدة (٣): وهي صغيرة بها مزارع وغلات قمح وشعير كثيرة جدًا. وحصن قيشاطة (٤): وهو كالمدينة، وبها أسواق وربض عامر، وحمام وفنادق، وعليه جبل يقطع به الخشب الذي تُخْرط بها القصاع والمخافي والأطباق مما يعم الأندلس وبلاد الغرب. ومدينة اغرناطة (٥): محدثة من أيام الثوار بالأندلس، وإنما كانت المدينة البيرة فخلت وانتقل منها أهلها إلى إغرناطة، ومدنها وحصَّن أسوارها وبنى قلعتها حبوس الصنهاجي (٦)، ثم خلفه ابنه باديس بن حبوس، فكملت في أيامه وعمرت إلى الآن، وهي مدينة يشقها نهر يسمّى حدروا (٧)، وعلى جنوبها نهر الثلج المسمى شنيل، ومبدؤه من جبل شلير (٨) وهو جبل الثلج، وهذا الجبل طوله يومان في غاية الارتفاع، وبه

стр. 528

الثلج دائمًا في الشتاء والصيف. ومدينة مربلة (١): مدينة صغيرة متحضّرة بها عمارات وأشجار تين كثيرة، وفي شمالها قلعة بيشتر، وهي في غاية الحصانة والمنعة. وحصن اشر (٢): وهو حصن حسن كثير العمارة آهل، وله سوق مشهودة. ومدينة باغة (٣): هي صغيرة القدر، ولكنها في غاية الحسن لكثرة مياهها، والماء يشقها وعليه الأرحاء داخل المدينة، وبها خصب وأشجار وكروم كثيرة، رخية الأسعار. وحصن بيانه (٤): وهو كبير جدًا في اعلا كدية تراب قد حَفَّتْ به أشجار زيتون كثير، و به مزارع الحنطة والشعير. وحصن قبره (٥): كالمدينة، حَصِين المكان، وثيق البنيان، وهو متصل بأرض وطية وعمارات ومزارع. ومدينة أليانة (٦): ولها ربض وليس على الربض، سور، والمدينة مدينة متحصنة بسورٍ حصين. وَدَارَ بها خندق من كل نواحيها. ومدينة استجة (٧): على نهر اغرناطة المسمى بشنيل (٨) وهي مدينة حسنة، ولها قنطرة عجيبة البناء من الصخر المنحوت، وبها أسواق عامرة، ومتاجرها قائمة، ولها بساتين وجنات ملتفة، وحدائق زاهية. وحصن أشونة (٩) حصن مُمَدَّنٌ كثير الساكن. وحصن بلشانة (١٠): كبير، عامر، أهل، وله حصانة ووثاقة، يحيط به شجر الزيتون.

стр. 529

ومدينة قرمونة (١): وهي مدينة كبيرة، يضاهي سورها سور إشبيلية وكانت فيما سلف بأيدي البرابر، ولم يزل أهلها ابدًا (أهل) (٢) نفاق، وهي حصينة على رأس جبل حصين منيع، وهي على فحص ممتد للزراعات كثير الاصابة في الحنطة والشعير. ومدينة شريش (٣): متوسطة حصينة مسورة الجنبات، حسنة الجهات وبها زيتون جم، وكروم كثيرة، وأسعارها موافقة. وحصن شنت فيلة (٤): هُوَ حصين شديد المَنَعَة، وهو معقل يُؤى إليه. ومدينة فرنجوش (٥): هي حسنة منيعة كثيرة الكروم والأشجار، ولها على مقربة منها معادن الفضة، في موضع يعرف بالمرج. وحصن قسطنطينة الحديد (٦): وهو حصن جليل عامر أهل وبجباله معادن الحديد الطيب المتفق على طيبه وكثرته، ومنها يتجهز إلى جميع أقطار الأرض. وحصن فريش (٧): و به مقطع الرخام الرفيع الجليل الخطر والرخام الفريشي (٨) أجل الرخام بياضًا، وأحْسَنُه ديباجًا، وأشده صلابة. ومدينة قرطبة (٩): قاعدة بلاد الأندلس وأم مدنها، ودار الخلافة الإسلامية، وفضائل قرطبة أكثر وأشهر من أن تُذكر، ومناقبها أظهر من أن تُستر، وإلى أهلها الانتهاء في السناء وحسن الزي في الملابس والمراكب وعلو الهمة في المجالس والمراتب وجميل التخصيص في المطاعم والمشارب مع جميل الأخلاق، وحميد الطرائق، ولم تخلُ قرطبة قط من أعلام العلماء وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير، لهم أموال كثيرة، وأحوال واسعة، وهي في ذاتها مدن خمسة يتلو بعضها بعضًا وبين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات وسائر الصناعات، وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال وكذلك

стр. 530

عرضها من ...... (١) باب (٢) القنطرة إلى باب اليهود بشمالها ميل واحد. وهي سفح جبل مطل عليها يسمى جبل العروس، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة، وفيها المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بنيةً وتنميقًا وطولًا وعرضًا، وقد تقدم ذكره عقيب ذكر المساجد الثلاثة. وبقرطبة، القنطرة التي عَلَتِ القناطر فخرًا في بنائها وإتقانها، وعدد قسيّها سبعة عشر قوسًا، بين القوس والقوس خمسون شبرًا، وسعة القوس مثل ذلك، وسعة ظهرها المعبور عليه ثلاثون شبرًا، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفوف الماء وقلته ثلاثون ذراعًا، وإذا كان السيل بلغ الماء إلى حلوقها وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف ممتد (٣) مصنوع من الحجار القبطية والعهد الجاسية (٤) من الرخام، وعلى هذا السدّ ثلاثة بيوت أرحاء في كل بيت منها أربع مطاحن، ومحاسن هذه المدينة وشماختها أكثر من أن يحاط بها خبرًا. ومدينة الزهراء (٥): على خمسة أميال من قرطبة، وهي قائمة الذات بأسوارها ورسوم قصورها، وهي مدينة عظيمة مدرجة البناء مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى يوازي أعلى الجزء الأوسط، وسطح الجزء الأوسط يوازي أعلى الثلث الأسفل وكل ثلث منها له سور، فكان الجزء الأعلى منها قصورًا يقصر الوصف عن صفاتها والجزء الأوسط بساتين وروضات، والجزء الأسفل فيه الديار والجامع، وهي الآن خراب في حال الذهاب. وحصن بطروش (٦): حصن كثير العمارة شامخ الحصانة، لأهله جلادة وحزم على مكافحة أعدائهم، ويحيط بجبالهم وسهولهم شجر البلوط الذي فاق طعمه [طعم] (٧) بلوط على وجه الأرض، لأنّ لأهله به إهتمام بحفظه؛ لأنه لهم غلة وغياث في سني الشدّة. وجزيرة أبال (٨): في شمال قرطبة مرحلةً، وفيه معدن الزئبق، ومنه يتجهز بالزئبق والزنجفر إلى جميع أقطار الأرض، ذلك أن هذا المعدن كان يخدمه ألف رجل، فقوم

стр. 531

للنزول وقطع الحجر، وقوم لنقل الحطب لحرق المعدن، وقوم لعمل أواني شبك الزئبق وتصعيده. قال الشريف في كتاب أجار (١): وقد رأيت هذا المعدن … وأُخْبِرْتُ أن من وجه الأرض إلى أسفله أكثر من مائتي قامة وخمسين قامة (٢). ومن ذلك جزيرة سردانية (٣): وهي جزيرة كبيرة كثيرة الجبال. قليلة السهل، طولها من الجنوب إلى الشمال مع ذلك تشريق مائتان وثمانون (٤) ميلًا، وعرضها من المغرب إلى المشرق مائة وثمانون ميلًا، وبها ثلاث مدن: القيطنة (٥) وهي في جنوبها، وقالمرة (٦) وقشيلية (٧)، وهي مدن عامرة وأهلها روم متوحشون وبها معادن الفضة. وجزيرة قرشقة (٨): ومدينتها قرشقة (٩) وحولها أركان وهي أجوان (١٠) شرقها البحر المسمى هناك طانة (١١) وطولها مائة (١٢) وخمسون ميلًا، وعرضها سبعة وعشرون ميلًا وأهلها أكثر الروم سفرًا وتجولًا في البلاد. وجزيرة إلبة (١٣): ومحيط دورها مائة ميل. وجزيرة قبرة (١٤): وهي جزيرة معمورة بها مدينة متوسطة، وفي وسطها فوّارة ماء. وجزيرة البركان (١٥): وليست بالكبيرة، وبها جبل تتقد فيه بعض الأحايين نار عظيمة يسمع لها بعض الأوقات دوي كالرعد القاصف، وبها معز برية.

стр. 532

وجزيرة الراهب (١): وبها مراس للمراكب، وآبار يرد السفّار الماء منها. وجزيرة اليابسة (٢): ولا ماء بها ولا مرسى، وإنما ذكرناها لشهرة اسمها. وجزيرة مليطمة (٣): وتقارب تونس وبها الظباء والمعز البرية، وهي اليابسة من جزيرة الراهب. جزيرة قوصرة (٤): وبها معز كثيرة برية. وجزيرة مالطة (٥): وهي كبيرة وبها مدينة حسنة اسمها مالطة وبها مرسى مأمون يفتح إلى الشرق، وهي كثيرة الغنم والعسل والثمار. وجزيرة نحوشة (٦): وبها حرير وزرع، والإرساء إليها مخاطرة. وجزيرة صقلية (٧): وهي من أجل جزائر البحر وأطيبها هواء وأعذبها ماءً، وفيها يقول شاعرها ابن حمديس (٨): [من الكامل] بلد أعارتها الحمامة طوقها … وكساهُ حِلَّةَ ريشه الطاووس وكأن هاتيك الشقائق قهوة … وكأنّ ساحات الدبار كؤوس وإن كان هذا ابن حمديس له أن يصف بلده ويعرفُ إليه حدده، فقد ذكرها الشريف في كتابه المصنّف لصاحبه أجار وشكرها، فما أتى واحد منهم ببدع في أوصافها ولا قالا إلا الصدق فيها، فإنه ما عرفها إلا مَنْ وَصَفَها، ولا ذكرها إلا من شكرها، ولقد وَلَدَتْ فضلاء ونَتَجَتْ نُبلاء، أوليس بها مثل ابن حمديس لو لم يكن منها سواه، ولم يكن له إلا قوله: [من السريع] باكر إلى اللذة واركب لها … سوابق اللهو ذوات المراح

стр. 533

من قبل أن ترشف شمس الضُّحى ريقَ الغَوادي مَنْ ثغور الاقاح وكذلك قوله فيها أيضًا (١): [من المتقارب] ذكرت صقلية والأسى … يهيج للنفس تذكارها ولولا ملوحة دمع البكا … حسبت دموعي أنهارها لكفى صقلية فيما قد قدحتْ من ذُكاء، ومَنَحَتْ من ذكاء، مع أن كتب التواريخ ومجاميع الادب مُجَمَّلة بمحاسنها محمّلة باحاسنها، ولقد كان بها أيام الاسلام من أُمرائها ملوك ألباء وأعيان أدباء، ما مِنْهم إلا من يُقصد له ويمدح، ويقصد ويمنح، وكذلك من ملكها من ملوك الكفار ما برحوا تستميلهم الفضائل، وتسمير بهم الفواضل، ومنهم الملك أجار، وهو الذي عنى بمعرفة أحوال البلاد، وصنّف له الشريف كتابه الموسوم بنُزهة المشتاق، وهو أصح كتاب في هذا الباب فانفق في تأليفه الأعمار وانْفَدَ الأموال، مع ما كان يوصف به هذا الملك أجار من إتقان الحكمة الفلسفية والأشكال الهندسية، ومما يحكى عن ملوكها مما ينتظم في سلوكها أن بعض بني رواحة وكان شاعرًا ركب البحر في جماعة فصادفهم اسطول صقلية، وأُسر، فوقف لملكها وأنشد: [من الطويل] بَقِيتُ وَوُقِّيتَ الرّدى وكُفيتَهُ … وَوُفِّقتَ للدنيا وَوُفِّقت للأخرى أيا ملكًا جالَتْ أساطيل جيشه … فأعظَمَتِ القتلى وأكثرت الأسرى وأجريتها في لجة البحر إذ جرى … فأسكرتَهُ جَرْيًا وأجْرَيتَها بحرا وكنا لما تجري المقادير عصبةٌ … ركبنا به والموجُ يخطفنا ذُعْرا وجاءت من الأصطول طيرٌ مُسِفَةٌ … أحاطت بنا من كل ناحية قسرا فقمنا إليه ثائرينَ لِدَفْعِهِ … نُغالِبُهُ قهرًا فعاجلنا قهرا وما بي سوى أمّ عجوز وصِبْيَةٍ … كزغب القطا لا تعرفُ النفع والضرا تركتهم والله يعلم أنّهم … بأضيق حال لا تريد به العُمرا مفاليس في ضُر وشمْلٍ مُشَتَتٍ … أشدَّ من الأسرى فياليتهم أسرى ولو أنهم أسرى لكانوا بِغبطَةٍ … فإنا لديكم لانجوع ولا نعرى فأطلقه ومَنَّ عليه، وَوَهَبَهُ آلافًا وزوّده وجهزه في مركب إلى أهله. ومن أمرائها المسلمين أبو الحسين أحمد بن الحسن الكلبي (٢)، ومن شعره:

стр. 534

[من الوافر] شنئتُ البيض إذ أشَبَهْنَ شيبي … ويا بأبي التي ملكت فؤادي وهل يختار ذو عقل ولُبّ … بياض المقلتين على السواد ومنهم: أبو القاسم عبد الله بن سليمان (١) الكلبي، ومن شعره: [من الكامل] تحنو علي المكرمات نوازعًا … فكأنني للمكرمات حميم واصلتهنّ كأنهنَّ حبائب … وحميتُهنَّ كأنهنَّ حريم ومنه قوله: [من الكامل] ما إن سمعتُ ولا رأيتُ بمثلها … نار على أيدي السقاة تُدار وَجَلَوْتُها غَلَسَ الظلام فراعني … أن قام في غلس الظلام نهار ومنه قوله: [من الكامل] يا قاتلي صبرًا بطرفٍ فاتر … ومعذبي وجدًا بخد ناضر ما زال دمعي فيك يألفُ ناظري … حتى حسبت الدمع بعض الناضر ومنه قوله: [من الوافر] كفى حزنًا على البلوى مقامي … أخص عداك دونك بالسلام فَجُدْ بالنوم إذ منعوك منى … لعلّى أن أزورك في المنام رجوتُ بمقلتيك شفاء دائي … وهل يشفى السقام من السقام وما أبقى الحمام عليَّ عطفًا … ولكني خفيت عن الحمام وقد بعد بنا الاستطراد عما نحن بصدده، وإنما أردنا أن ننبه على هذه الجزيرة وما حوت، فإنا أحببنا أن لا نَدَعَها عاطلة ولا ندعها عن سجاياها الفاضلة، وإن كنا لم نرم في الأندلس إلى هذا بإشارة ولا زينا لها بغرر الآداب شارة، فإنا اكتفينا بشهرتها، وبما ننبه عليه عند ذكر مملكتها، فأما صقلية فإنها ليست الآن من ممالك الاسلام

стр. 535

فنذكرها مُفضّلًا، ونوشحها بعقد الدرّ مُفصَّلًا، ثم نرجع إلى ما نحن فيه فنقول: أنها من أخصب الجزائر بكل البلاد، وأنداها صفحة بالماء، وأسناها سكنًا لصحة الهواء، مع غرائب الغراس وأنواع الثمار، وقد حدثني جماعة ممن دخلها، منهم الفاضل شجاع الدين الخوارزمي الترجمان، وإن لم يبت بها سوى ليلة، والشيخ عبد الله بن ( … ... ) (١) القرطبي الربّان ما زكى أقوال الواصفين لها، وقاعدة ملكها مدينة بلرم (٢) وهي على ساحل البحر بالجانب الغربي والجبال محدقة بها، وعليها أسوار منيعة بأبراج مشيدة وبدنات مكينة، وهي على قسمين: قصورٌ وربض، وبها الديار والحمامات والفنادق والأسواق الممتدة والمساجد الباقية من زمان ملك الاسلام لها، وبها دار صناعة لإنشاء السفن، وبساتين مُحْدِقة ومياه جارية، وأرحاء دائرة، وثانيها: مدينة طر مسين (٣) وهي حصن منيع، وبلد رفيع، من أعيان الحصون الأزلية، وأشراف البلاد الأولية، وهي على جبل مطل على البحر، ولها مرسى حَسَن ترسي إليه السفن من كل الجهات، ويُحمل منه كثير من الغلات، وبها عدة مدن أخرى وقلاع وحصون، فأما بقية مدنها فهي: نُون (٤)، وطرانبش (٥)، ومازر (٦)، والشاقة (٧)، وكركنت (٨)، وبثيرة (٩)، وشكلة (١٠)، وبها عين الأوقات؛ لأنّها لا تجري إلا في أوقات الصلوات. قلت: وقد ذكر ابن منقذ (١١) لما عاد من الغرب حين جهزه السلطان صلاح

стр. 536

الدين: أن عينًا بالمغرب تنبع خمس مرات على عدد أوقات الصلوات هكذا ذكرها جمليًا، ولم يعين المكان ولا فصل الحال، ورغوص (١)، وسرقوسة (٢)، ولباج (٣)، وطرمين (٤)، ومسيني (٥)، وبقطس (٦)، وناص (٧)، وقارونية (٨)، وقلعروني (٩)، ويابي (١٠)، ونوطس (١١)، وقطانية (١٢)، ومرسى علي (١٣)، وقرنيس (١٤)، وقرقودي (١٥). وأما القلاع: فهي حصن طزعة (١٦)، وقلعة القوارب (١٧)، وحصن دمنش (١٨)، وشنت ماركو (١٩)، وحصن ناصو (٢٠)، وحصن بقطش (٢١)، وحصن ميلاص (٢٢)، وقلعة نوطس (٢٣)، وحصن بيقو (٢٤)، وحصن جاطو (٢٥)، وحصن طرزي (٢٦)، وحصن

стр. 537

قرليون (١)، وقلعة الطريق (٢)، وحصن برزو (٣)، وحصن راية (٤)، وحصن الصنم (٥)، وحصن ابلاطنوا (٦)، وقلعة الخنزارية (٧)، ويسمى حصن الجنوب (٨)، وقلعة أبي شامة (٩)، وقلعة ميناو (١٠)، وقلعة الفار (١١)، وحصن ابلاطسة (١٢)، وحصن طابس (١٣)، وقلعة أبي ثور (١٤)، وحصن بولس (١٥)، وحصن مقارة (١٦)، وحصن اسبرلنكة (١٧)، وحصن النيقشين (١٨)، وحصن قيسى (١٩)، وحصن الفرارة (٢٠)، وقلعة السراط (٢١)، وحصن قرطيرش (٢٢)، وحصن المدر (٢٣)، وحصن قسطلون (٢٤) وقلعة سنت البلق، وجزيرة منورقة (٢٥)، وجزيرة ميورقة (٢٦)، وهي ذات ذكر شهير تقارب صقلية في ذكرها، وتناسب في الفخامة علو قدرها، وقد كانت مرةً دارًا للاسلام

стр. 538

ومدارًا لفرسان الكلام، وفي فتحها تصنيف يماثل القلائد، ويقابل ما رضعه الفتح بن خاقان القيسي (١) فيها من الفرائد، وجزيرة قلورية (٢)، ومن مدنها لوجس (٣)، ولسطلو، وسميري (٤) وطاجنو (٥)، ومدينة ريو (٦) متحضرة، وهي على ضفة المجاز إلى صقلية، وبها فواكه كثيرة، وبقول جمة، ومدينة أتربية (٧)، وهي مدينة كبيرة حسنة ذا عمارات وزروع وكروم. ومن المدن الملاصقة لها في البر الشمالي: شنت فيمي (٨)، وأتربية، والماصة (٩)، وترجش (١٠)، وجراجي (١١)، وقطعة من انبكرده (١٢) وهي متصلة بالبر، ومن مدنها طارنت (١٣) وهي مدينة حسنة المباني والديار كثيرة التجارات والتجار، ترسي (١٤) بها السفن، ويقصدها السفار (١٥) من كل جهة، وبها مرسى في غربيها، وفي شمالها بحيرة عميقة تبلغ في بعض المواضع ثلاثين قامة، تصبّ إليها أنهار، ولها قنطرة بينها وبين البحر، تفرغ هذه القنطرة الماء من البحيرة إلى البحر ومن البحيرة إلى البحر في كل سنة مرتين. ومدينة قلبيلي (١٦): وهي مدينة كبيرة عامرة في بقعة يحيط بها البحر كأنها جزيرة.

стр. 539

ومدينة قاشطرة (١): وهي مدينة صغيرة على نهر البحر. ومدينة لج (٢): وهي مدينة صغيرة. ومدينة اذرنتو (٣): وهي قديمة الآثار، كثيرة السكان والعمارة. ومدينة ادراست (٤): وهي مدينة كبيرة عامرة كثيرة الخراب. ومدينة لبلونة (٥): وهي صغيرة. ومدينة بترنتو (٦): وهي مدينة صغيرة متحضرة. ومدينة حجارة (٧): وهي مدينة كبيرة. ومدينة فاسكيو (٨): وهي مدينة متوسطة ولها من الجانب الشرقي خليج صغير يدخله المراكب. ومدينة بندسة (٩): وهي متوسطة عامرة. وجزيرة أقريطش (١٠): وهي جزيرة كبيرة، وبها قطع جبال كثيرة، طولها من المشرق إلى المغرب ثلاثمائة ميل وخمسون ميلًا، وعرضها مائة ميل، وبها معدن ذهب، ولها اشجار ومن مدنها: الخندق (١١)، وربض الجبن (١٢)، وليس لها مقدار إلى الشمال. وجزيرة بليونس (١٣)، ودَوْرُها ألف ميل، وليس لها مقدار إلى البر الشمالي، إلا فم ضيق مقداره ستة أميال (١٤)، وبها نحو خمسين مدينة، وفيها قرى عامرة ومياه

стр. 540

جارية، ومن مدنها: قرونية (١)، وماثلة (٢)، وملاية، وسقونية (٣) وملباجة (٤)، وأركونه (٥)، ومورنت (٦)، واشْكلة (٧)، وارغو (٨)، وجزية جغلونية (٩)، ودورها ثمانون ميلًا، وجزيرة لقاطة (١٠)، وهي مثلثة الشكل طول كل ضلع من أضلاعها الثلاثة عشرون ميلًا، وجزيرة قبرص وتسمى الأفقسية، وقد كانت فتحت في صدر الاسلام على عهد معاوية بن أبي سفيان ﵁، ثم ما استمرت في يد الدين الحنيف، ولا استمرت في ظله الوريف حتى ارتدت كافرة، وتمسكت بعصمة الكفار بغيتها الفاجرة، وهي مدينة كبيرة (١١) مقدارها ستة عشر ميلًا، فيها قرى ومزارع وجبال واشجار وزروع ومواش، ولكن زرعها قليل، وبها معادن الزاج الفاخر، ولها مدينتان لفقسية (١٢) وهي متوسطة الموضع في الجزيرة ومدينة كرينية (١٣) وهما مدينتان حسنتان ذواتا أسوار وأسواق ومعايش وصنايع وتجار، وبها عسل كثير وفواكه. قال الشريف: وهي من قديم الايام رخاؤها شامل، وخيرها كامل، وهذه الجزيرة هي صدر البحر الشامي، وعندها انتهاؤه، فإنه من السويدية ينعطف راجعًا وقبرص ممتدة إلى ما يقارب السويدية (١٤)، فيجيء انعطافه عليها وهكذا هو مصور في لوح الرسم، وبتمام ذكر هذه الجزر ثم الاقليم الرابع برًا وبحرًا، ولله الحمد والمنة. /٤٥/ (١٥)

стр. 541

وهذه صورة الاقليم الخامس وهو الآخذ مع الاقليم الرابع على شماليه من البحر المحيط بأقصى الغرب، إلى البحر المحيط بأقصى الشرق (١). [الاقليم الخامس] وأما الذي وَقَعَ في هذا الاقليم الخامس من المدن والجزائر العامرة مما وقع من البحر الشامي وخرجة البحر المحيط الآخذة من أقصى الشمال من الغرب إلى الجنوب وغير ذلك، وما اتصل به من البحر المحيط من الغرب والشرق سنذكره وأول ما نبدأ به من الغرب على حكم خط الأقاليم، ومبدأ خط هذا الاقليم من البرح المظلم الغربي ويقع فيه ما يذكر، وغالب ما يقع فيه بَرُّ متصل؛ لأن البحار هناك لا تقطع جليلًا من الأرض. فمما وقع في هذا الاقليم من شمال الاندلس ومجاوره ومدينة قلمورية (٢) وهي مدينة صغيرة متحضرة عامرة على رأس جبل تراب منيع، على نهر يُسمَّى ممديق يُقدر على حصارها، كثيرة الكروم والفواكه. وشنت ميور (٣): وهي مدينة في طوق البحر لها زراعات وفواكه. وأرض برتقال (٤)، وهي معمورة بالقرى والحصون والعمارات المتصلة، وبها خيل ورجال حرابة يغيرون على من جاورهم ولا يُصطلى بنارهم. وحصن أناشت (٥) وكنيسة شنت ياقوب (٦): وهي كنيسة مشهورة مقصورة محجوجة، يحجُّ الروم إليها، وليس بعد كنيسة قمامة (٧) بيت المقدس أعظم منها. قال

стр. 542

الشريف (١): وهي تضاهي كنيسة قمامة في حسن البناء وسعة الفناء وكثرة الأموال والصدقات، وفيها من صلبان الذهب والفضة المرصعة بأنواع الحجارة من الياقوت الملوّن والزبرجد وسائر ذلك ما يشف عدده على ثلاث مائة صليب مصوغ بين كبير وصغير، وما بها من القونات المصنوعة (٢) من الذهب والفضة نحو مائتي إقونة (٣)، ويخدمها مائة قسيس غير ما لهم من الأتباع والخدمة، وهذه الكنيسة مبنية بالحجر والجيار إفراغًا، وقد أحاطت بها ديار يسكنها الاقساء (٤) والرهبان الربانيون (٥) والشمامسة والرواوديون (٦) وبها أسواق وبيع وشراء، ويحيط بها قريبًا وبعيدًا منها قرى كبار كالمدن فيها خلائق وبيع وشراء. ومدينة بيونة (٧): وهي مدينة جليلة يقاربها الماء الأحمر وعليه كنيسة عظيمة، ويقاربها أقاليم كثيرة وقرى وعمارات. وحصن الفارو (٨): وهو غير الذي بصقلية، وهو كبير جدًا. وحصن منتويه ذبلية (٩): وكلاهما به زراعات وحرث متصل، وبواديه كنيسة جليانة، وشنتْ بطيره، وكنيسة شَنتْ أردم، ومدينة بيونة هذه المذكورة هي على آخر خرجة البحر المحيط الآخذة إلى الجنوب في منتهى مبلغه من الجنوب، وهو المسمّى ببحر الانقلشيين، وفي الحقيقة ليس هو بحر، وإنما هو خرجة من المحيط في البرّ، وهناك تتصل هذه الخرَجَة بالجبل الذي عليه هيكل الزهرة في آخر جزيرة الاندلس معترضًا، فيسد ما بين البرح المظلم وهذه الخرجة المسامة ببحر الأنقلشيين إلى البحر الشامي ويسمى هناك جبل سية (١٠). قال الشريف (١١): فيكون امتداد هذا الجبل من مدينة بيونة إلى أرض برشلونة ويسمى جبل الرقاب، ويسمّى جبل سية، وهو حجز ما بين بلاد الأندلس وبين بلاد الافرنجيين، وطول هذا الجبل من الشمال إلى الجنوب مع يسير تقويس سبعة أيام، وهو جبل عالٍ جدًا، وما استوفينا ذكر هذا الجبل عند ذكر

стр. 543

الجبال وأخرناه إلى الآن إلا لأن هذا موضعه. ومدينة سمورة (١): وهي مدينة جليلة، قاعدة من قواعد الروم، ومكانها على شمال نهر دويرة (٢)، وعليها سور حجارة حصين، وبها خصب كثير، وكروم ولأهلها أحوال وتجارات وأموال ومكاسب على مَنْ هو داخل بلادهم وبلاد قشتالة: وقاعدتها مدينة ليون (٣)، وهي عامرة، وبها رجالة محاربون لهم مصابرة على الحرب والقتال، ولأهلها همم في التجارات والمكاسب واستنتاج الدواب، ومن مدنها: أشترقة (٤): وهي مدينة صغيرة متحضرة. ومدينة سغفقون (٥): وهي حصن عامر، آهل حسن الجهات، عامر المحلات ومدينة قريون (٦): وهي مدينة متحضرة متوسطة المقدار، كثيرة الخصب ومدينة برغش (٧): وهي يفصلها نهر، ولكل جزء منها سور، والأغلب على الجزء الواحد بها اليهود، وهي مدينة كبيرة حصينة، منيفة ذات أسواق وتجارة، وعدد وأموال، وهي طريق السفّار، ولها كروم كثيرة وأقاليم معمورة ورساتيق ممتدة. ومدينة ناجرة (٨): وهي مدينة عامرة. وحصن قسطيلة (٩): وهو حصن حصين، و، وله كروم كثيرة، وأعمال واسعة. وشقوبية (١٠): وليست بمدينة، ولها قرى كثيرة متجاورة، متقاربة، متداخلة العمارات، وفيها خلق كثير، وجم غفير، وهم أنجاد أجلاد، وأصحاب نتاج وسوائم مشهورون بالحروب والصبر عليها. ومدينة برشلونة (١١): وهي على نحر البحر، ومرساها لا تدخله المراكب إلا عن

стр. 544

معرفة وتروّ على ركوب البحر، وهي مدينة عليها سور منيع، والدخول إليها والخروج منها إلى الاندلس من باب في الجبل المسمّى بهيكل الزهرة (١)، ومدينة برشلونة يسكنها ملك إفرنجة، وهي دار ملكهم، ولهم مراكب تسافر وتغزو، وهم أصحاب شوكة لا تردّ وحملة لا تُصَدِّ. قال الشريف (٢): ويذكر انهم من أبناء جفنة، وبلاد برشلونة كثيرة الحنطة والحبوب والعسل. وقطعة من بلاد غشكونية (٣)، بها قرقشونة (٤): مدينة حسنة في سفح الجبل ولها كروم ومياه كثيرة. ومدينة طلوشة (٥)، ومدينة شنت جوان (٦)، وبها كنيسة مشهورة، ومدينة مرلانش (٧)، ومدينة أوحش (٨)، وبلاد تباروش (٩)، وهي مدينة حسنة كبيرة، وبلادها منسوبة إليها، وهي من قواعد بلاد الروم المذكورة، ومن مدنها: ابخيرش (١٠)، واجن (١١)، وقاروش، واقليم بوي (١٢)، وإقليم ادارمت، واقليم برغونية اللمنينيين (١٣). فأما برغونية الإفرنج فمن مدنها: مدينة مشكون (١٤)، وهي مدينة حسنة عامرة القطر كثيرة الخير، متصلة الزراعات والكروم والجنّات. ومدينة نيقارش (١٥)، ومدينة بسنيس (١٦)، وهي مدينة متحضرة على طرف الباب القاطع في الجبل المسمى منت جون، وهو باب عظيم طوله بين الجبلين ثمانون ميلًا (١٧)، وهذا الجبل فاصل بين بلاد

стр. 545

برنيصة وبرغونية الفرنج (١)، وهي أرض كثيرة القرى والمنافع، متصلة الكروم والزروع، وأهلها رجال حروب، وأرباب همم وقلوب، وهم صميم الفرنج، وسلاطينها أكبر سلاطينهم، ولهم البأس الشديد، والباع المديد، أصحبا العدة والعديد، والجموع التي ما عليها مزيد، لا تستكف في الحروب عاديتهم ولا يستخف حاضرتهم وباديتهم. وأما برغونية اللمان (٢)، فهي من أخصب البلاد أرضًا، واوسعها خيرًا، وأكثرها عامرًا، وقاعدتها مدينة بيضة (٣)، وسنذكرها في السادس. ومما يدخل في هذا الاقليم الخامس: إقليم جنوة (٤)، وقاعدتها جنوة وهي مدينة قديمة البناء، حسنة الجهات، كثيرة المنتزهات بنيانها شاهق وثمارها وافرة، وأمواهها زاخرة، وهي على ضفة نهر صغير متصلة البساتين والمزارع والقرى والعمارات، وأهلها تجار مياسير يسافرون برًا وبحرًا، ويقتحمون سهلًا ووعرًا، ولهم اسطول مخيف، ومعرفة بالحيل الحربية والآلات السلطانية، ولهم بين الروم عزّة أنفس (٥) وقوة تماسك وهم في الفرنج أهل حمية عربية، ونخوة أبية، ولهم في البر والبحر معرفة بالقتال فيها عزائم مُتَحيّفة وصوارم مُثْلِفة، غير أنهم بالبحر أدرى وإلى التجارة أميل، واكثر ركوبهم البحر لأجلها، فإن وجدوا به لهم عدوًا قاتلوه، فإن ظفروا به قتلوه. ومن مدنها جسنوة (٦): وهي محسنة الديار محصنة الأقطار. ومدينة أرلش (٧) ومدينة شنت جيلي، وهذه الثلاثة على نهر رودنو (٨) فأما الأولى فبدأنا بها، وأما أرتش وشنت جيلي، فانهما على ظفتي النهر، شنت جيلي على الضفة الشرقية، وارلش على الضفة الغربية، وكلتاهما كاملة المحاسن، آهلة المواطن، دافقة الأنهار، فائقة الفواكه والثمار. ومدينة بيش (٩): وهي من قواعد بلاد الروم، مشهورة الذكر، كبيرة القطر، عامرة الأسواق والديار، كثيرة البساتين والجنات، متصلة القرى والزراعات أسوارها شامخة،

стр. 546

وأحوالها هائلة، ومغلغلها شاهقة، وأرضها خصيبة، ماؤها دافق، وهواؤها موافق، وآثارها عجيبة وأخبارها بديعة، ولأهلها مراكب وحيل واستعداد لركوب البحر، وقصد عامة البلاد وطروق الأقاليم، تحدّثهم بهذا أنفسهم، وتُخيّله لهم أمانيهم، وهي علي نهر يأتي إليها من ناحية أنكبردة، يدور على الأرحاء ويسقى به البساتين. ومدينة لكة (١) وهي، قديمة، عجيبة البناء، عامرة الأسواق. ومدينة لكري وهي ثانية جنوة، ومدينة فنتمية، ومدينة صاوونة، ومدينة يرعزي، ومدينة ريعيرا (٢)، ويجتمع فرسانهم منها، وهي وسيعة القطر ذات أعمال ممتدة، وبأس وشدّة، وبها نحو خمسة عشر نهرًا، أحدها يحمل الزوارق ويُسافر به إلى صاوونة، ومدينة أفلورنسة (٣)، وهي في ضفة الجبل، عامرة القطر، مخصبة الأرض، وبلاد رومة، وهي ممالك عباد الصليب، ومسالك البعيد منهم والقريب، وبها في مدينة رومة مقر طاغوتهم الأكبر، ومجمع عديدهم الأكثر، ويخضع لها كل صاحب صليب وصلبوت وقائل بحلول لاهوت في ناسوت، ومن بحرها المظلم تتلاطم أمواجهم، ومن طينتها الخبيثة تنبعث أفواجهم مرسى قبة النصرانية، وشعبة مريم المجدلانية، كرسي ملك الكفار على الأبد، وأنصار والدٍ منهم على دعواهم وولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا، وقاعدة ملكها، بل مُلكِ بني المعمودية على الاطلاق مدينة رومة إلا ما ينازع اليعاقبة فيه، وما تنتحله في ملوكها وممالكها وتدعيه، وتلك دعوى محال، ورجوى كاذبة مثل دينهم ضلال، والباب على زعمهم بتول لا يعرف النكاح، ولا يتعمق في ملبوس ولا مشروب، ولا مأكول، أشدَّ طريقًا من البطاركة والرهبان، لا يأكل روحًا ولا ما يخرج من روح كالأعسال والألبان، وهو يحكم على جميع ملوك الملكية، ويملك مجرى سوابقهم المطهّمة والفلكية، تدين طوائفهم بطاعته، وترجو الفوز في الدارين بشفاعته، معدن ضلالهم ومكمن ضلالهم، وبأمره تفرقهم وائتلامهم واتفاقهم واختلافهم، ومدينة رومة عظيمة الدور، يذكر ان محيطها تسع أميال، ولها سوران من حجارة، وعرض السور الداخل اثنا عشر ذراعًا، وسمكه اثنان وسبعون ذراعًا، وعرض السور الخارج ثمانية أذرع، وسمكه اثنان وأربعون ذراعًا، وفيما بين

стр. 547

السورين نهر مغطّى ببلاطات نحاس، طول البلاطة منها ستة وأربعون ذراعًا، وسوقها معترض ما بين الباب الشرقي إلى الباب الغربي وهناك اسطانات حجر في نهاية الغلظ، طول كل عمود منها ثلاثون ذراعًا، ومما يلي جانبي العمود الأوسط منها عمودان من نحاس أصفر رومي، وقصبة العمود وقاعدته ورأسه مفرّغ منه، وعليها حوانيت تجار، وفي مقدّم هذه الأسطوانات نهر يشقها من المشرق إلى المغرب، قاعه كله مفروش ببلاط النحاس، لا يستقر به مركب ولا شيء يرسي فيه، وبهذا النهر تؤرخ الروم، فتقول من تاريخ عام الضفر والمراكب تدخل إلى مدينة رومة على هذا النهر بأوساقها، فتأتي المراكب فيها حتى تقف على حوانيت التجار، وفي داخل المدينة كنيسة عظيمة بنيت على اسم بطرس وبولص الحواريين وهما فيها في قبرين، وطول هذه الكنيسة ثلاث مائة ذراع، وأركانها من نحاس مفرّغ، وسمكها كذلك مغطى بالنحاس الأصفر، وبرومة ألف ومائتا كنيسة وأسواقها وشوارعها مفروشة بالرخام الأبيض والأزرق، وفيها ألف حمام، وفيها كنيسة جليلة البناء بنيت على صفة بيت المقدس طولًا وعرضًا، فيها مذبح يُقرّب عليه القربان طوله عشرة أذرع، وظهره مرصع بالزمرد الأخضر، ويحمل هذا المذبح اثنا عشر تمثالًا من ذهب إبريز، طول التمثال منها ذراعان ونصف، وأعينها يواقيت حُمر، ولهذه الكنيسة أبواب مصفحة بالذهب الإبريز غير ما لها من الأبواب الخارجة المصفحة بصفائح النحاس. وأبواب الخشب المنقوش. وفي مدينة رومة قصر الملك المسمى الباب (١) وليس فوق الباب فوق في القدر، والملوك تعظمه. قال الشريف (٢): ويُقيمونه مقام الباري تعالى يحكم على مقتضى ملته بالحق ويتحرى المظالم، ويرفق بالضعفاء والمساكين، وينفي الضيم عن المهتضمين، وحكمه نافذ ماض على جميع ملوك الروم، ولا يقدر أحد يرد عليه، ومدينة رومة أكبر من أن توصف ويحاط بأوصافها كثرة وحسنًا، ولبلاد رومة بلاد كثيرة، وقواعد مشهورة، فمنها: أورط، ومال مليار، ووستو، ومنت يأني وقشتال، ومدينة انكونة (٣) على البحر البنادقي، هي على غربي نهر رومة، وهي متوسطة، فيها أسواق، ولها سور تراب، وهي من قواعد بلاد الروم. وارواط (٤)، وتوذر (٥)، وهي في غربي نهرها الجائي من رومة، ويقابلها في الضفة الشرقية أماقة (٦)،، وهي مدينة نبيلة، وناروام (٧)، ومدينة

стр. 548

رات (١)، وهي مدينة كثيرة الخيرات عامرة، ومدينة اسيا (٢) ومدينة طرونة (٣)، مدينة حسنة عامرة، وقاعدة متحضرة، وفيها تجارات، وأهلها مياسير، وبها صناع وَفَعَلة. ومدينة غامنديو (٤) عامرة كبيرة ذات قرى وزراعات ولها سور وأسواق نافقة، وأهلها أملياء، ولها تجارات ودخل وخرج. ومدينة بابية (٥)، وهي مدينة كبيرة من قواعد بلاد أنبرضية، فرجة الأرجاء والديار عامرة الأقطار، أسواقها قائمة، ومرابحها دائمة، وصناعاتها متصرّفة، ومعايشها مرفقة. ومدينة منتوا (٦): وهي كبيرة. ومدينة لكة (٧): وهي مدينة قديمة أزلية عجيبة البناء، قائمة الأشكال، عامرة الأسواق، نافقة المصنوعات. ومدينة افلورنسة (٨): وهي عامرة القطر في صفة الجبل. ومدينة سنقليلية (٩): وهي مدينة متحضرة، ذات أسواق وصناع وأموال. ومدينة ستريان (١٠): وهي كبيرة. ومدينة منت تين (١١)، وهي صغيرة متحضرة. ومدينة أرتشين، هي في مستو من الأرض، عامرة القطر، حصينة خصيبة. ومدينة يبنوا (١٢): وهي صغيرة متحضرة. ومدينة شنت لو: وهي مدينة في سفح الجبل. ومدينة طرجينة (١٣)، حسنة خصيبة، عامرة آهلة، ومَرْساها حَرِجٌ لا خير فيه.

стр. 549

ومدينة غيطة (١)، مدينة كبيرة القطر، كثيرة الأهل، ولها مرسى حسن، مأمون مَشْيِ، وبها إنشاء المراكب الكبار والصغار. ومدينة كومة (٢): هي صغيرة، بعيدة عن البحر. ومدينة نابل الكتان (٣)، مدينة حسنة قديمة أزلية عامرة، ذات أسواق نافقة السلع، وافرة البضائع والأمتعة. وإسطابة (٤): وهي مرسى، وهو جيد المحط، وفيه الماء الكثير، وهو من وادٍ جار عذب، وبين اسطابة ونابل (٥) جبل النار، وهو موضع لا يتوصل إلى بركانه، جهنم الدنيا، لأنه دائم الدهر يرمي بالنار والصخر. ومدينة سرنت (٦): في قرطيل خارج في البحر، وهي عامرة حسنة الديار كثيرة الخيرات والأشجار، عليها خندق وَعِر، لا ترسي بها المراكب. وبها إنشاء المراكب. ومدينة بسطانة (٧): عامرة يُرسى بها، متحصّنة من جهة البر، سهلة من جهة البحر، إذا حُوربت أُخذت، وهي قديمة، أزلية ذات سور جيد وأهلها بَشَر كثير مياسير. ومدينة سلرنو (٨): مدينة جليلة، ذات أسواق عامرة ومرافق عامة، وحنطة وحبوب. وحصن بلى قشطرو (٩): وهو حصن كبير عامر. ومدينة أتربية (١٠): وهي مدينة حسنة، مشهورة من قواعد بلاد الروم. ومدينة بنينت (١١): مدينة قديمة أزلية عامرة. ومدينة أرجنت (١٢): مدينة حسنة ذات عمارة وحالة صالحة، وأرض صوابة (١٣)

стр. 550

إشكنجة (١) وإكريزا (٢)، ألمة (٣). وإقليم قرنطارة (٤): ويتصل بها ساحل البنادقة، وهم على شط الخليج الخارج من البحر الشامي، أخذًا من الجنوب إلى الشمال، وقاعدتهم مدينة ربنة (٥)، وهي كرسي ملكهم على ضفة نهر يأتي إليها وهي بلاد ثمراتها أكثر من زروعها، وتنتهي بلادهم إلى مدينة كراديس (٦)؛ لأنها على نهاية الخليج البندقي، وهي مدينة متحضرة كبيرة القطر، وبلاد البنادقة عامرة بالأحناء والعمال والرجال المحاربة، والتجار المتكسبة، وبها القرى ومغارس الاشجار، ومزارع الازدراع، وأهلها أهل يسار، ومال ملء يمين ويسار، والبخل غالب عليهم غال بالإمساك لأيديهم، لا يعرف فيهم كريم، ولا من يذب عن اهل ولا حريم، مع ظهور النعمة عليهم، وكثرة تجولهم في الآفاق وتغربهم في الأقطار. ومن مدتها ريغنو (٧)، وبولة (٨)، ودرونة (٩)، وآسيا (١٠)، ومصقلة (١١)، وأرنس (١٢)، وحنطو (١٣)، ونولنص (١٤)، وجاذرة (١٥)، وإسبالطو (١٦)، وترغورون (١٧)، ومن أرضها

стр. 551

أرض اكيلاية (١) ومن أرضها بيصره (٢)، وقسطلو (٣)، وقمالقة (٤)، واسطاجانكو (٥)، واربونة (٦)، ومنت بشير (٧)، وسنجيلي (٨)، وايرش (٩)، وسغونة (١٠)، وغير ذلك. وبلاد سعالية، وبقية أرض الكبردة غربي الخليج البندقي، ومن مدنها: أبو ندس (١١)، واسلمونة (١٢)، ومنوبلي (١٣)، وقنبرصان (١٤) وملفنت (١٥)، وشالية (١٦)، وأطرانة (١٧)، وبرلت (١٨)، وقاني (١٩)، وسيبنت (٢٠)، وروذانة، ولا شنة ويقال لاذنة (٢١)، وقنب مارين (٢٢). وبلاد أنبرضية وقاعدتها مدينة بابية (٢٣)، وهي فرجة الأرجاء والديار عامرة الأقطار، أسواقها قائمة، وخيراتها دائمة، وصناعاتها نافقة، ومعايشها مرفقة. ومن

стр. 552

مدنها: شاوية وقاعدتها مدينة فاري وهي لانشاء المراكب، وهي من قواعد الروم المشهورة، وإيبورية (١)، وغامندو (٢)، ومديلان (٣)، ومنيتو (٤)، وفرارة (٥)، بلونية (٦) وتتمة بلاد فلورية، ومن مدنها قطنسان (٧)، ومرطران، وبجنال (٨)، وقطر وبلى (٩)، وبنينت، وملف البرية، وقنص، وبنوصة (١٠)، وشنت غالي (١١)، وكلرمنت (١٢) وسينس (١٣) وبسنيان (١٤)، وسيمرى (١٥)، استرنجلي (١٦)، وترغارقو، وجرسنة (١٧). وبلاد انكبردة، ومن مدنها مقيرة (١٨)، وغرنيلية، وماطلي (١٩)، وغرابينة (٢٠) وقلوصة (٢١)، وأطرونة، وعسلقلة (٢٢) بالسين بعد العين، وشنت لورين، وشنت بجوش، وجبطاط، وشنت صبير، وشنت أنجلي، ولشنة، وقنب مارين (٢٣)، وتر ملس (٢٤).، وقطعة من بلاد الصقلب، ومن مدنهم الواقعة به، مدينة سينة (٢٥) ولهم

стр. 553

مراكب كثيرة، ومدينة قسطيلصقة (١)، وهي مدينة صغيرة ولأهلها ملاءة، ومدينة سنقو، وقطعة من بلاد الدملطين، ومن مدنها مدينة مصقلة، ومدينة صاطو (٢)، وكذلك مدينة نونو (٣)، وهي مدينة كبيرة وقاعدة جليلة، وربما تسمى نونة (٤)، مدينة نينص، وهي حصينة المواضع كثيرة المنافع، ومدينة جاذرة (٥)، وهي مدينة البحر على ضفة البحر متصلة العمارات ومدينة دعواطة (٦)، وهي مدينة متوسطة، ومدينة صقالبة (٧)، وهي من قواعد الروم ومدينة واغوري (٨)، وهي مقصد التجار برًا وبحرًا، ومدينة ترغوري (٩) … ومدينة اسبالطو (١٠)، ومدينة مرغوصة (١١)، وكل هذه من بلاد الدملطينين، بلاد رجال أنجاد أبطال وفرسان أقيال، وكل هذه المدن التي ذكرناها من لدن رومية إلى هذا المكان مشهورة ومعاقل مذكورة معاقلها لاتنال، ومدنها مقتبلة الثمرات والغلال، وخصبها رائد، وأمنها دائم. وبلاد رغوسة (١٢)، وهي ذات مدن وقرى وضياع. وبلاد إسقلونية (١٣) وقاعدتها مدينة جرمانية (١٤)، وهي مدينة جليلة كبيرة، ومن مدينها: بشوده (١٥)، ولارسة (١٦)، وبرسية (١٧)، وخارست (١٨)، وأغيس (١٩)،

стр. 554

وقاسي منت (١) وغير ذلك. وبلاد جرمانية، وبلاد مقدونية، ومن مدنها ابلاطموني وهي مدينة جليلة، ومدينة سرين وهي مدينة جليلة، ومدينة اشادرتر (٢)، وهي في وسط بحيرة عذبة، لا يدخل إليها إلا منها. ومدينة استرنيسة (٣)، ومدينة بوذيانة (٤)، ومدينة دسراية، ومدينة كرزس (٥)، ومدينة كمسيلة (٦)، وغير ذلك. وبلاد القسطنطينية الكبرى، كرسي ملك الروم، وشهرتها قد طبقت الأرض، وجابت الأقطار، وتساوى في معرفتها الكبار والصغار لأنها دار ملك القياصرة، وسلطنة الجبابرة، وبها مستودع ذخائر الملوك والحكماء، وآثار من إثارة علم وحكماء، وهي أقرب إلى دار الإسلام مما تقدم ذكره، ولم تزل بين ملوكها وبين الخلفاء مكاتبات ومراجعات ومخاطبات، وكان ملوكها تارة يعطون من أنفسهم الطاعة وتارة ينقضون العهد، ولقد كان لسلطانهم إذ ذاك شوكة تسلب حمتها، وشوكة يحرق وقودها، وأما الآن فقد أذل الله لملوك خوارزم والقبجاق رقابهم، وسهل صعابهم، ومنذ ملك السلطان أزبك (٧) خان سامهم الهوان، وقرّر عليهم القطيعة حتى صار أحد سلاحهم الهرب، ومدينة القسطنطينية (٨) مدينة مثلثة الشكل، جانبان منها في البحر، والجانب الثالث منها مما يلي البرّ، وفيه باب الذهب والمدينة طولها تسعة أميال، وعليها سور حصين ارتفاعه أحد وعشرون ذراعًا، ويحيط فصيل دائر، وارتفاع سمكه مما يلي البرّ عشرة أذرع، وارتفاع سمك الفصيل مما يلي البحر أيضًا عشرة أذرع، وبينها وبين البحر نحو خمسين ذراعًا بالذراع الرشاشي، ولها من الابواب نحو مائة باب، وأكبرها باب الذهب وهو باب مُصْمَت من الحديد المموه بالذهب، وليس يُدرى ببلاد عبّاد الصليب مثلها في الكبر قطرًا إلا قطر رومة، وبها القصر الشائع ذكره شماخة بناء، واتساع قطر، وحُسن ترتيب، وفيه البرندون الذي يتوصل منه إلى القصر

стр. 555

وهو من عجائب الدنيا، وذلك أنه ملعب وزقاق يمشي منه بين سطرين من صور مفرغة من النحاس البديع الصناعات، منها على صور الآدميين، وصور الخيل والسباع إلى سوى ذلك مما يقرّ له الصناع، وهي أشكال أكبر من الأشكال المخلوقة وبالقصر مما دار به ضروب من العجائب المصنوعات. ودون (١) الخليج من جهة بلاد الأرمن أحد عشر عملًا أحدها عمل أفلا جونية (٢)، فيه خمسة حصون مما يلي بحر الشام، وعمل أقصاه وبه حصن تلطي (٣) وتفسيره الأذن والعين، وفيه حصون ثلاثة، وعمل الأقسين (٤)، وفيه أربعة حصون، ومدينة أقسين (٥) في رستاق الأواسي، ويقال أن أقسين (٦) هي مدينة أصحاب الكهف، وأما أصحاب الكهف فهم في كهف برستاق بين عمروية ونيقية (٧)، وهذا الكهف هو في جبل علوه أقل من ألف ذراع، وله سرب من وجه الأرض كالمدراج ينفذ إلى الموضع الذي فيه أصحاب الكهف وفي أعلى الجبل كهفٌ شبيه بالبئر ينزل فيها إلى باب السرب. ويمشي فيه قدر ثلاث مائة خطوة، ثم يفضى منه إلى ضوء، وهناك رواق على أساطين منقورة فيه عدة أبيات منها بيت مرتفع العتبة مقدار قامة، عليه باب حجارة منقور فيه الموتى وهم أصحاب الرقيم وعددهم سبعة، وهمو نيام على جنوبهم، وهي مطلية بالصبر والمرّ والكافور، وعند أرجلهم كلب راقد في استدارة راسه عند ذنبه، ولم يبق منه إلا القحف واكثر أعظمه باقية حتى لا يخفى منه شيء. قال الشريف (٨): ووهم أهل الأندلس في زعمهم ان أصحاب الرقيم هم الشهداء الذين هم في مدينة لوشة. قلت: وعامة أهل الشام في أصحاب الكهف على قولين: فأهل دمشق يزعمون أنهم في كهف بذيل جبل قاسيون، وهو صورة مسجد على باب شعب لا يعرف إلا

стр. 556

بالكهف، وهو قول جهال لا معرفة لهم ولا تمييز عندهم، فإن هذا المكان لا وَرَدَ فيه أثر، ولا ظهرت له شبهة تقتضي أن يكون مكان أصحاب الكهف بل مجرد كون هذا المسجد إلى جانبه كهف، قالوا هذا المقال وتمحّلوا هذا المحال. وأما من هو أعلى من هؤلاء طبقةً في الفهم ممن تعلّق بالشبهة بحبل من حبال الشمس، فانهم زعموا انهم ببلاد البلقاء من أعمال الشام وشبهتهم أن هناك قرية تسمى الرقيم (١) تقارب جبلًا هناك فيه كهف أقرب إلى الشبهة والله أعلم في أي الجهات هم، هل في شيء من جميع ما ذُكر، أو سوى ذلك. وقال الشريف (٢): في كتاب أجار، رأيت القوم في هذا الكهف عام عشرة وخمسمائة، نزلنا إليهم على فم بئر عميقة نحوًا من قامة وزائد، ثم مشينا فيه في سرب فيه ظلمة خطوات قلائل، ثم اتسع الغار فألفينا هناك الموتى وهم رقود على جنوبهم، وعددهم سبعة، وعند أرجلهم كلب ملتو، وقد ذهب لحمه وجلده، وبقيت فقاراته كما هي في الحياة، ولا يعلم أحد في أي زمن دخلوا هذا الكهف أو أُدخلوا إليه وأول رجل يُلقى منهم له خلق عظيم وله رأس كبير، وأهل الأندلس يقولون: إن هؤلاء القوم الذين في هذا الكهف موتى هم أصحاب الكهف، هم الذين قدمنا ذكرهم. وعمل الناطلوس (٣)، وفيه عدة حصون منها: العلمين، ومرج الشحم، وبرغوث (٤) والمسكنسين (٥) وفيه مدينة عمورية (٦): وهي مدينة حسنة، وعدد أبراجها أربعون بُرجًا، وبينها وبين الخليج مائتان وثمانون ميلًا، وهي مدينة كبيرة مشهورة في بلاد الروم والاسلام، يشار إليها مدى الأيام، أزليّة القدم حصينة المكان، مشهورة شهرة تغني بها عن التعريف، وهي قاعدة من قواعد الروم. ودار ملك جليل وسلطان نبيل، أم مدن وأعمال، وموضع احتفاء واحتفال، وهي مشهورة بالحجر الصلد، محجوبة بسورٍ منيع، تعزُّ على من رامها، وتطول على من طاولها، وواقعة (٧) المعتصم ﵀ فيها مشهورة، ولقد أقام عليها مدة لا يقدر عليها، ولا يصل بقتال.

стр. 557

إليها، ثم صبر وصابر، وجَدَّ واجتهد، حتى فتحها الله على يديه، فكان أبا عذرتها؛ لأنه ما سبق إلى فتوحها، ولا طمع قبله سحاب بمجاورة سفوحها وفيها قال أبو تمام يمدح المعتصم (١): [من البسيط] السيف أصدق أنباءً مِنَ الكتب … في حَدِّهِ الحَد بين اللهو (٢) واللعبِ وقد نبة فيها على أنه لم يستفتح أحد قبله لها بابًا ولا كشف عن بكرها المخدّرة جلبابًا، وهو قوله: يا يوم وقعةِ عموريةَ انْصَرَفَتْ … عنكَ المنى حُفَلا مَعْسُولَةَ الشَّنَبِ (٣) أبقيتَ جَدَّ بني الاسلام في صَعَدٍ … والمشركينَ وجَدَّ (٤) الشرك في صَبَبِ أَمْ لَهُمْ لو رَجَوْا أن تُفْتدى جعلوا … فداءَها كل أم برةٍ وأب وبرزة الوجهِ قَدْ أَعْيَتْ رياضتُها … كسرى وَصَدَّت صُدودًا عن أبي كَرِبِ بِكْرٌ فما افترعتها كلٌّ حادثةٍ … ولا تَرَقَّتْ إليها همةُ النُّوبِ من عهد إسكندر أو قبل ذاك وقد شَابَتْ نواصي الليالي وهي لم تَشِبِ حتى إذا مخض الله السنين لها مخص الحليبة كانت زُبدة الحِقَبِ وكان فتح المعتصم لها بعد فتح أنقرة على ما نذكره عند ذكره انقرة في موضعه ولها يعني عمورية نهر جارٍ كبير، يمر جنوبًا حتى يصبّ في الفرات ويسمى نهر قباقب وهي رصيف إلى جميع البلاد المجاورة لها والمباعدة عنها، وبها ديارات جليلة وأسواق وعمارات، ومزدرعات وأشجار، وبينها وبين الدرب مائتان وسبعون ميلًا، والدرب (٥) هو جبل حاجز بين بلاد إنطاكية وبين بلاد خرسيون (٦) منتصبًا هناك من المغرب إلى المشرق، وفيه أبواب عليها حصون وحرّاس له، ترقب الداخل والخارج، وهذا الدرب هو الذي في قول امرئ القيس (٧): [من الطويل] بكى صاحبي لما رأى الدرب دونَهُ … وأَيْقَنَ أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبكِ عينُكَ إنّما … نحاولُ ملكًا أو نموت فنقبرا

стр. 558

وإني زعيم إِنْ رَجَعْتَ مُمَلَّكًا … بسير ترى منه الفرانق أَزْوَرا لقد انكرتني بَعْلَبَك وأهلها … ولا بنُ جُرَيْح في قري حمص أنكرى والمحسوب من مدنها كل ما هو قاطع الخليج القسطنطيني مسترقًا، ومن حصن العلمين ومرج الشحم مسكنين (١)، ومن مدنها: كيذرس (٢): مدينة متحضرة في سفح جبل مطل عليها. ومدينة نيقية (٣): وفيها بحيرة بها حوت به سمك صغير (٤) طوله فتر لونه إلى الخضرة، رقيق الشوك، إذا طبخ مع النخالة واعتصِرَتْ وشُربت نَفَعَتْ من السعال المزمن من مرّةٍ واحدة، وعلى ضفتها أحجار خاوية خفاف، صفر (٥)، إذا علّق الحجر منها على فخذ المرأة التي تريد الولادة أسْرَعَت ولادتها بلا تأخير. قال الشريف (٦): وقد جرب ذلك فصح وهذا الحجر يعرف بحجر السفن (٧)، ذكرته الحكماء في كتبها كثيرًا جدًا. ومدينة باطنة (٨)، وهي مدينة كبيرة، مختلفة العمارات، كثيرة الأسواق على نهر كبير تصعد فيه المراكب الكبار من الخليج القسطنطيني ولها كروم ومزدرعات. وبلاد السقلان (٩): وقاعدتها مدينة أنقرة، وهي المسماة أنكرة وقد كانت مدينة عامرة متينة المكان مبنيّة بامكان، ثم خربت وبقيت أعمالها وسيعة الأرجاء، بهية المنظر، وبها بدأ المعتصم ففتحها وخربها ثم صرف وجهة عمورية وقد نبهنا على هذا، وإلى هذا أشار أبو تمام بقوله حين ذكر عمورية (١٠): جرى لها الفألُ بَرْحًا يومَ أَنْقَرَةٍ … إِذْ غُودِرَتْ وَحْشَةَ السَّاحاتِ والرَّحَبِ

стр. 559

لما رأت أختها بالأمس قد خَرِبتْ … كان الخراب لها أعدى من الجَرَبِ وعندها مات امرؤ القيس في عوده من قيصر لما استنجده على بني أسد قاتلي أبيه ويقال أن قيصرًا أرسل إليه حلة مسمومة؛ لأن الطماح (١) رفيق امرئ القيس قال لقيصر أن امرأ القيس قد علق ابنته فاتبعه قيصر بالحلة المذكورة، فلما لبسها تقطع لحمه، وفي هذا المعنى يقول امرؤ القيس (٢): [من الطويل] وبدلت قرحًا داميًا بعد صِحّةٍ … لعلَّ منايانا تبدلن أبؤسا لقد طَمَح الطماح من بُعْدِ أرضِهِ … لِيُلبسني من دائه ما تَلبسا والقصيدة مشهورة، فلما قارب أنقرة أحس بالموت، فسأل عن اسم الجبل فقيل له عسيب فقال (٣): [من الطويل] أجارتنا إنّ الخُطوب تنوب (٤) … وإنِّي مُقيم ما أقامَ عَسِيبُ أجارتنا إنا غريبان ههنا … وكل غريب للغريب نسيب فمات ودفن هناك وفي ذلك يقول القائل (٥): [من مجزوء الرجز] يا جفنةً متحيره … وطعنةً مثعنجره وخطبةً مُحْنِفره … قد غودرت بأنره قال الامام أبو عبد الله محمد بن الصائغ الأموي: هذه أسجاع تُشبه مصرع مجزوء الضرب الثامن من الكامل وليس به لقبح توالي التصريع في مثل هذا، وقبح الوقص وليست بمنهوك الرجز لسلامة متفاعلن في قوله متحيرة، انتهى كلامه. ويحكى أن امرأ القيس ما شرع في طلب ثأر أبيه حتى أتى الصنم ذا الخلصة فاستقسم عنده، فطلع له ما يكره فأنشد الصنم (٦): [من الرجز]

стр. 560

لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا وكنت مثلي شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداةِ زُورا وانبعث في طلب الثأر، وأتى السموأل بابنته هند وأدراعه الخمسة الموروثة عن آبائه، وكانوا يتوارثونها ملكا عن ملك وهي: الفضفاضة، والمحصنة، والضافية، والخريق، أم الذيول مع مالٍ له فأودع ذلك عنده وسافر إلى قيصر، فكان منه ما كان، ولما مات أتى النعمان حصن السموأل يطلب منه الدروع، فلم يسلمها إليه وتمنع في الحصن فحاصره مُدّةً وظفر بابن صغير له فَعَرَضَه له، وقال له: لما أن تعطينا الدروع وإلا قتلنا ابنك، فقال: إما الأمانة فلا أخونها، ودونكم ابني فافعلوا ما شئتم به، فذبحوه وهو ينظر إليه فيئس النعمان منه وانصرف عنه فلما كان وقت الموسم، سار السموأل ومعه هند والأدراع فدفعها إليه، وأشهد أهل الموسم عليها وأنشد: وفيتُ بأدرع الكندي إنّي … إذا ما خان أقوام وفيت وقالوا: إنه كنز عظيم … ولا والله أغدر ما حييت بنى لي عاديا حصنًا منيعًا … وبئرًا كلما شئت استقيت فضُرب المثل بالسموأل في الوفاء، فقال: أوفى من السموأل، وفي مناعة حصنه يقول: [من الطويل] لنا جَبَلٌ يَحْتَلَّهُ مَنْ نُجيرُهُ … منيع، يردُّ الطرف وهو كليل رَسَا أصله تحت الثرى وسحابه … إلى النجم فرع لا ينال طويل هو الأبلق الفرد الذي سار ذكرُهُ … يعزُّ على مَنْ كادَه ويطولُ وهذ الاعتراضات وإن طالت لم تخل بالفوائد، ولم تخل من الفرائد. ثم نعود إلى تتمة الكلام فنقول، ومن مدنها: صلمة (١)، وتخاط (٢)، وخرْلامة (٣) .. وبلاد الارميناق (٤)، ومن مدنها

стр. 561

قونية (١)، ولاذقية، وهي غير التي بالساحل الشامي، وذرقير (٢)، وقلومي (٣) وبلوطن (٤)، وقاعدتها مدينة قونية، وهي الآن أم ما بأيدي المسلمين من ممالك الروم، وإن كانت مدينة قيصرية (٥) مذكورة في قواعد الملك معها مشهورة بأنها تباري في اطلاع شموس الملوك مطلعها، فإن قونية أنبه ذكرًا وأنبل قدرًا، وقد عظمها ملوك آل سلجوق، وقدموها تقديمًا ليس معه لحوق، فقد أعلوا في الأقطار شأنها، وعلوا بالاحجار بنيانها، وعمروا بالملك أوطانها، وعمّوا بالمهابة سلطانها، وهي ومدينة قيصرية كل واحدة منهما مدينة جليلة، وقاعدة أثيلة، مشق جداول وأنهار، ومشد خمائل في مناطقها الأشجار، ذات ديارات عامرة، وخيرات غامرة، ولأهلها أموال مفيدة، وأعمال مديدة، وبها الجوامع والمساجد والربط والزوايا، وأنواع بر لها بها مزايا، وللفقراء من أهلها خاصة وأهل بلادها عامة مدد إرفاق ومستمد أرزاق، على ما لهم من الميل إلى جانب اللهو ولذة العيش وسماع الطرب وما يقتضيه من ارب مَجَسٌ جنك (٦) وعيدان، ومجلس حور وولدان. وإقليم الأرميناق (٧) المتقدم ذكره إقليمها، وما قدمنا ذكره من المدن مدنها ومنه مدها، وعمل الفنادق وحده من طرسوس إلى الليم وفيه بلاد كثيرة تقدم ذكرها في الاقليم الرابع. وبلاد الأبسيق (٨): وفيه مدينة ببقية، وهي مدينة صغيرة متحضرة ومدينة لباضية (٩)، وهي مدينة كبيرة عامرة، على نهر كبير تصعد المراكب فيه. ومدينة قامرون (١٠): وهي غير قامرون الهند، على نهر كبير (١١) معتدل الجرية، تصعد فيه المراكب وتصب في بحر بنطش (١٢).

стр. 562

ومدينة ملدني (١)، وهي مدينة متوسطة على نهر يجري إلى جهة الشمال يصب في بحر بنطش (٢). ومدينة فلوجة (٣)، وهي مدينة صغيرة. ومدينة ذُونية: ومدينة ششوي (٤)، وهي في شرقي مرج فلن. ومدينة صيندو (٥): وهي مدينة صغيرة على جنوب مرج فلن، وفي شرقي هذا المرج بركة ماء كبيرة يحكي الأرمن أنه يظهر ماؤها عامًا ويتكون فيها من السمك الشيء الكثير، وترف عليه الطيور، وفي جميع جوانبها ثم يجف فتقيم جافةً سبعة أعوام لا يكون للماء فيها أثر، فإذا كان العام الثامن عادت بإذن الله فتمتلئ بالماء، فيكثر سمكها، ويعم أكثر تلك الجهات، وموضع هذه البركة متوسط بين مدينة نجة ومدينة ششوي، وعلى شمال هذه البركة جبل غرغوي (٦)، وفي هذا الجبل كهف منه على عشرين باعا فيه بئر بعيدة القعر، إذا رُمي فيها الحجر سمع، أسفل البئر دوي كدوي الرعد، ثم يسكن، فإذا رُمي فيها أحجار، سُمِع لكل حجر منها صيحة ودوي، وفي هذا الجبل معدن حديد مسموم غني صُنعت منه سكين أو شيء من الأسلحة وجُرح به حيوان هلك. وبقربها (٧) مدينة أبرثوري، وهي صغيرة جدًا ولكنها حصينة، ولها سوق يوم مشهود، وفيه (٨) أكثر مدن أرمينية، وهي: أرمينيتات (٩)، الداخلة والخارجة، ولها قاعدتان مشهورتان وقواعدهما مدينة أرمينية. ومدينة خلاط: وفيه من المدن على قول من قال: إنها واقعة في الاقليم الخامس بلاد أرمينية لكونها شرقي دجلة على مرحلتين، واما على قول من قال: إنها واقعة في الاقليم الرابع من الجزيرة فهو ما قدمنا؛ لأن موقعها من بلاد الجزيرة أظهر.

стр. 563

ومدينة باجنيس (١)، وجزيرة منازجرد، ومدينة بدليس، ومدينة وسطان، ومدينة نشوي، ومدينة قالي قلا (٢)، ومدينة سراج (٣)، ومدينة دبيل، وهي غير المشهورة بالسند، ومدينة بركوى، ومدينة خوي (٤)، ومدينة سلماس، والقاعدتان المتقدمتان. قال الشريف (٥): وأرمينية الداخلة منها: دبيل، نشوى (٦)، وقالي قالا (٧) وأهرو، ورزقاق، والخارجة منها: بركري (٨)، وخلاط وأرجيش، وسطان، والنزوزان، وأرمينية، وما بين ذلك من القلاع والنواحي والقاعدتان المذكورتان، خلاط وأرمينية كلاهما مدينتان جليلتان ذواتا أفنان وفنون محاسن تفوق البلدان، بأسوار محكمة، ومياه جارية وأشجار مثمرة، وثمار منوعة ومزارع وقرى ومستغلات، وبخلاط تفاح مشهور يُحمل منه إلى البلاد، ولأهلها حسن ورقة بشرة، وفي كثير من رجالها حَلَّةٌ ظاهرة. ومدينة أرجيش (٩): مدينة صغيرة تقارب خلاط، في جنوبيها بحيرة كبوذان، وهي مالحة تأخذ من المشرق إلى المغرب طولها سبعة وخمسون ميلًا، وعرضها سبعة وعشرون ميلًا، يُصاد بها سمك صغار يعرف بالطريخ، يملح ويُحمل إلى الجزيرة والعراق والشام، وبأطراف هذه البحيرة البورق المحمول منه إلى العراق، وحول هذه البحيرة معادن الزرنيخ الأحمر والأصفر ومنها يحمل إلى البلاد، ويُحمل من جوانب هذه البحيرة تراب يُتخذ منه البواذق (١٠)، ويُحمل منه إلى العراق والشام ومصر، فيشتريها الصواغ، وتباع بالأثمان النفيسة، وقد كانت مدينة دبيل (١١) واسعة القطر من أجل بلاد أرمينية. قال الشريف (١٢): فيما كان على عهده: وبها دار الامارة، ويحيط بها

стр. 564

سور عالي (١) السمك، وتُصنع بها المراعز، وبسط الصرف والوسائد والتكك الفائقة، ولا سيما ما يُعمل بسلماس، من اصناف الصوف الأرميني. ومدينة قالي قلا (٢): مداخلة لبلاد الروم، وهي ثغر لأرمينية وأذربيجان. ومدينة أردبيس (٣): وهي مثاغرة لبلاد الروم. قال الشريف (٤): وبينها وبين حصن زياد شجرة لا يعلم أحَدٌ ما هي ولا ما اسمها، ولها حَبُّ شبيه باللوز، يؤكل بقشره، أحلى من الشهد، ويقال: إن خلاط وأرجيش مما أخذه الفرس من الروم لما غلبوا عليهم، وَوَصَل فتوحهم إلى سوران، ويقال: إن فيها صخرة موسى، وعين الحياة مستورة، وقد تقدم القول على أنه يقال: ان صخرة موسى بسبتة. وَذَهَبَ بعضهم إلى أن هذه الصخرة هي صخرة موسى ﵇، وأن التي بسبتة إنما هي صخرة نزل عليها موسى بن نصير أمير الغرب، فنسبت إليه كما نُسب الجبل المقابل لها في بر الأندلس إلى طارق مولى موسى بن نصير لخروجه منه، فقيل صخرة موسى كما قيل جبل طارق، والذي يغلب على الظنّ والله أعلم أن اجتماع موسى بالخضر ﵉ إنما كان بجهة المغرب، وصخرة سبتة أمس بالنسبة إلى موسى ﵇ من هذه الصخرة لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ (٥) فمفهوم ما نطق به القرآن أن موسى ﵇ جال في الأرض يُريد لقاء الخضر لا يردُّ وجهه حتى يبلغ مجمع البحرين، وهذا مناسب لمجمع البحر الشامي والمحيط، وذلك عند سبتة، وإن فتى موسى نسي الحوت إذ أويا إلى الصخرة قبل بلوغهما مجمع البحرين، ويؤكد هذا قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ لأنّ موسى كان عازمًا على أن لا يردّ وجهه حتى يلاقي الخضر، فلما ظهرت له العلامة الدالة على مكانه عاد دون الغاربة، ومما يقوّي قول من قال: إن

стр. 565

الصخرة هي التي بجبهة سبتة أن هناك سمكًا يُعرف بحوت موسى، وليس في الجهة الأخرى مثل ذلك، ونسبة هذا الحوت إلى موسى ﵇ به شبهة لاتخاذ حوته في البحر سَرَبا، ولا شُبهة لنسبة ذلك الحوت إلى موسى بن نصير، وإن قيل: فقد قلتم فيما بين القلزم والبحر الشامي بين مصر والشام مجمع البحرين، وأنه يصدق إطلاق هذه التسمية على هذا مرةً وعلى هذا الأخرى فالجواب أن هذه التسمية صالحة لكل من المكانين، ففي مجمع البحر الشامي والمحيط بخروج الشامي منه، وفيما بين البحر الشامي والقلزم لقرب أحدهما من الآخر والله أعلم. وبلاد أران (١)، وقاعدتها مدينة برذعة، ومن مدنها البيلقان ومدينة برديح (٢)، ومدينة الشماخية، ومدينة شروان (٣)، ومدينة اللايجان (٤)، ومدينة الشابران (٥)، ومدينة قبلة، ومدينة شكى (٦)، ومدينة جنزة (٧)، ومدينة وشمكور (٨)، ومدينة تفليس، وهي الآن أم مملكة اختطف لها مما حولها، بها طائفة الكرج، وتسمى في وقتنا بلاد كرجستان، وهي بلد أشجار وثمار ومزارع، ومدينة اهر و ورزقان (٩)، ومدينة برذعة (١٠) المقدمة الذكر على نهر الكر وهي أم هذه البلاد وهي مدينة كبيرة جدًا تكون نحو ثلاثة أميال طولًا في دونها عرضًا وهي من [أنزه] البلاد بقعة، وأوفرها نعمةً، وبها خصب زائد ولها كروم وبساتين وأشجار غالبة، وثمار عامة، وبقربها على نحو ثلاثة أميال موضع يسمى الأندراب، وهو طول (١١) يوم في مثله، به عمارات متصلة وجنات رائقة، وجبايات كثيرة، ومتاجر عظيمة، وفواكه منوّعة، وبها من البندق والشاه بلوط ما يربي على سواها، وبها فاكهة تسمى الروقال (١٢)، وهي نوع من الغبيراء. قال الشريف (١٣): لا يُوجد في أقطار الأرض مثلها، تكون مُرّةً، فإذا أدركت صَدَقَتْ حلاوتها، ولها باب
следующие страницы →