← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قونية (١)، ولاذقية، وهي غير التي بالساحل الشامي، وذرقير (٢)، وقلومي (٣) وبلوطن (٤)، وقاعدتها مدينة قونية، وهي الآن أم ما بأيدي المسلمين من ممالك الروم، وإن كانت مدينة قيصرية (٥) مذكورة في قواعد الملك معها مشهورة بأنها تباري في اطلاع شموس الملوك مطلعها، فإن قونية أنبه ذكرًا وأنبل قدرًا، وقد عظمها ملوك آل سلجوق، وقدموها تقديمًا ليس معه لحوق، فقد أعلوا في الأقطار شأنها، وعلوا بالاحجار بنيانها، وعمروا بالملك أوطانها، وعمّوا بالمهابة سلطانها، وهي ومدينة قيصرية كل واحدة منهما مدينة جليلة، وقاعدة أثيلة، مشق جداول وأنهار، ومشد خمائل في مناطقها الأشجار، ذات ديارات عامرة، وخيرات غامرة، ولأهلها أموال مفيدة، وأعمال مديدة، وبها الجوامع والمساجد والربط والزوايا، وأنواع بر لها بها مزايا، وللفقراء من أهلها خاصة وأهل بلادها عامة مدد إرفاق ومستمد أرزاق، على ما لهم من الميل إلى جانب اللهو ولذة العيش وسماع الطرب وما يقتضيه من ارب مَجَسٌ جنك (٦) وعيدان، ومجلس حور وولدان. وإقليم الأرميناق (٧) المتقدم ذكره إقليمها، وما قدمنا ذكره من المدن مدنها ومنه مدها، وعمل الفنادق وحده من طرسوس إلى الليم وفيه بلاد كثيرة تقدم ذكرها في الاقليم الرابع. وبلاد الأبسيق (٨): وفيه مدينة ببقية، وهي مدينة صغيرة متحضرة ومدينة لباضية (٩)، وهي مدينة كبيرة عامرة، على نهر كبير تصعد المراكب فيه. ومدينة قامرون (١٠): وهي غير قامرون الهند، على نهر كبير (١١) معتدل الجرية، تصعد فيه المراكب وتصب في بحر بنطش (١٢).

стр. 562

ومدينة ملدني (١)، وهي مدينة متوسطة على نهر يجري إلى جهة الشمال يصب في بحر بنطش (٢). ومدينة فلوجة (٣)، وهي مدينة صغيرة. ومدينة ذُونية: ومدينة ششوي (٤)، وهي في شرقي مرج فلن. ومدينة صيندو (٥): وهي مدينة صغيرة على جنوب مرج فلن، وفي شرقي هذا المرج بركة ماء كبيرة يحكي الأرمن أنه يظهر ماؤها عامًا ويتكون فيها من السمك الشيء الكثير، وترف عليه الطيور، وفي جميع جوانبها ثم يجف فتقيم جافةً سبعة أعوام لا يكون للماء فيها أثر، فإذا كان العام الثامن عادت بإذن الله فتمتلئ بالماء، فيكثر سمكها، ويعم أكثر تلك الجهات، وموضع هذه البركة متوسط بين مدينة نجة ومدينة ششوي، وعلى شمال هذه البركة جبل غرغوي (٦)، وفي هذا الجبل كهف منه على عشرين باعا فيه بئر بعيدة القعر، إذا رُمي فيها الحجر سمع، أسفل البئر دوي كدوي الرعد، ثم يسكن، فإذا رُمي فيها أحجار، سُمِع لكل حجر منها صيحة ودوي، وفي هذا الجبل معدن حديد مسموم غني صُنعت منه سكين أو شيء من الأسلحة وجُرح به حيوان هلك. وبقربها (٧) مدينة أبرثوري، وهي صغيرة جدًا ولكنها حصينة، ولها سوق يوم مشهود، وفيه (٨) أكثر مدن أرمينية، وهي: أرمينيتات (٩)، الداخلة والخارجة، ولها قاعدتان مشهورتان وقواعدهما مدينة أرمينية. ومدينة خلاط: وفيه من المدن على قول من قال: إنها واقعة في الاقليم الخامس بلاد أرمينية لكونها شرقي دجلة على مرحلتين، واما على قول من قال: إنها واقعة في الاقليم الرابع من الجزيرة فهو ما قدمنا؛ لأن موقعها من بلاد الجزيرة أظهر.

стр. 563

ومدينة باجنيس (١)، وجزيرة منازجرد، ومدينة بدليس، ومدينة وسطان، ومدينة نشوي، ومدينة قالي قلا (٢)، ومدينة سراج (٣)، ومدينة دبيل، وهي غير المشهورة بالسند، ومدينة بركوى، ومدينة خوي (٤)، ومدينة سلماس، والقاعدتان المتقدمتان. قال الشريف (٥): وأرمينية الداخلة منها: دبيل، نشوى (٦)، وقالي قالا (٧) وأهرو، ورزقاق، والخارجة منها: بركري (٨)، وخلاط وأرجيش، وسطان، والنزوزان، وأرمينية، وما بين ذلك من القلاع والنواحي والقاعدتان المذكورتان، خلاط وأرمينية كلاهما مدينتان جليلتان ذواتا أفنان وفنون محاسن تفوق البلدان، بأسوار محكمة، ومياه جارية وأشجار مثمرة، وثمار منوعة ومزارع وقرى ومستغلات، وبخلاط تفاح مشهور يُحمل منه إلى البلاد، ولأهلها حسن ورقة بشرة، وفي كثير من رجالها حَلَّةٌ ظاهرة. ومدينة أرجيش (٩): مدينة صغيرة تقارب خلاط، في جنوبيها بحيرة كبوذان، وهي مالحة تأخذ من المشرق إلى المغرب طولها سبعة وخمسون ميلًا، وعرضها سبعة وعشرون ميلًا، يُصاد بها سمك صغار يعرف بالطريخ، يملح ويُحمل إلى الجزيرة والعراق والشام، وبأطراف هذه البحيرة البورق المحمول منه إلى العراق، وحول هذه البحيرة معادن الزرنيخ الأحمر والأصفر ومنها يحمل إلى البلاد، ويُحمل من جوانب هذه البحيرة تراب يُتخذ منه البواذق (١٠)، ويُحمل منه إلى العراق والشام ومصر، فيشتريها الصواغ، وتباع بالأثمان النفيسة، وقد كانت مدينة دبيل (١١) واسعة القطر من أجل بلاد أرمينية. قال الشريف (١٢): فيما كان على عهده: وبها دار الامارة، ويحيط بها

стр. 564

سور عالي (١) السمك، وتُصنع بها المراعز، وبسط الصرف والوسائد والتكك الفائقة، ولا سيما ما يُعمل بسلماس، من اصناف الصوف الأرميني. ومدينة قالي قلا (٢): مداخلة لبلاد الروم، وهي ثغر لأرمينية وأذربيجان. ومدينة أردبيس (٣): وهي مثاغرة لبلاد الروم. قال الشريف (٤): وبينها وبين حصن زياد شجرة لا يعلم أحَدٌ ما هي ولا ما اسمها، ولها حَبُّ شبيه باللوز، يؤكل بقشره، أحلى من الشهد، ويقال: إن خلاط وأرجيش مما أخذه الفرس من الروم لما غلبوا عليهم، وَوَصَل فتوحهم إلى سوران، ويقال: إن فيها صخرة موسى، وعين الحياة مستورة، وقد تقدم القول على أنه يقال: ان صخرة موسى بسبتة. وَذَهَبَ بعضهم إلى أن هذه الصخرة هي صخرة موسى ﵇، وأن التي بسبتة إنما هي صخرة نزل عليها موسى بن نصير أمير الغرب، فنسبت إليه كما نُسب الجبل المقابل لها في بر الأندلس إلى طارق مولى موسى بن نصير لخروجه منه، فقيل صخرة موسى كما قيل جبل طارق، والذي يغلب على الظنّ والله أعلم أن اجتماع موسى بالخضر ﵉ إنما كان بجهة المغرب، وصخرة سبتة أمس بالنسبة إلى موسى ﵇ من هذه الصخرة لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ (٥) فمفهوم ما نطق به القرآن أن موسى ﵇ جال في الأرض يُريد لقاء الخضر لا يردُّ وجهه حتى يبلغ مجمع البحرين، وهذا مناسب لمجمع البحر الشامي والمحيط، وذلك عند سبتة، وإن فتى موسى نسي الحوت إذ أويا إلى الصخرة قبل بلوغهما مجمع البحرين، ويؤكد هذا قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ لأنّ موسى كان عازمًا على أن لا يردّ وجهه حتى يلاقي الخضر، فلما ظهرت له العلامة الدالة على مكانه عاد دون الغاربة، ومما يقوّي قول من قال: إن

стр. 565

الصخرة هي التي بجبهة سبتة أن هناك سمكًا يُعرف بحوت موسى، وليس في الجهة الأخرى مثل ذلك، ونسبة هذا الحوت إلى موسى ﵇ به شبهة لاتخاذ حوته في البحر سَرَبا، ولا شُبهة لنسبة ذلك الحوت إلى موسى بن نصير، وإن قيل: فقد قلتم فيما بين القلزم والبحر الشامي بين مصر والشام مجمع البحرين، وأنه يصدق إطلاق هذه التسمية على هذا مرةً وعلى هذا الأخرى فالجواب أن هذه التسمية صالحة لكل من المكانين، ففي مجمع البحر الشامي والمحيط بخروج الشامي منه، وفيما بين البحر الشامي والقلزم لقرب أحدهما من الآخر والله أعلم. وبلاد أران (١)، وقاعدتها مدينة برذعة، ومن مدنها البيلقان ومدينة برديح (٢)، ومدينة الشماخية، ومدينة شروان (٣)، ومدينة اللايجان (٤)، ومدينة الشابران (٥)، ومدينة قبلة، ومدينة شكى (٦)، ومدينة جنزة (٧)، ومدينة وشمكور (٨)، ومدينة تفليس، وهي الآن أم مملكة اختطف لها مما حولها، بها طائفة الكرج، وتسمى في وقتنا بلاد كرجستان، وهي بلد أشجار وثمار ومزارع، ومدينة اهر و ورزقان (٩)، ومدينة برذعة (١٠) المقدمة الذكر على نهر الكر وهي أم هذه البلاد وهي مدينة كبيرة جدًا تكون نحو ثلاثة أميال طولًا في دونها عرضًا وهي من [أنزه] البلاد بقعة، وأوفرها نعمةً، وبها خصب زائد ولها كروم وبساتين وأشجار غالبة، وثمار عامة، وبقربها على نحو ثلاثة أميال موضع يسمى الأندراب، وهو طول (١١) يوم في مثله، به عمارات متصلة وجنات رائقة، وجبايات كثيرة، ومتاجر عظيمة، وفواكه منوّعة، وبها من البندق والشاه بلوط ما يربي على سواها، وبها فاكهة تسمى الروقال (١٢)، وهي نوع من الغبيراء. قال الشريف (١٣): لا يُوجد في أقطار الأرض مثلها، تكون مُرّةً، فإذا أدركت صَدَقَتْ حلاوتها، ولها باب

стр. 566

يعرف بباب الأكراد، له سوق يسمّى سوق الكركي مقداره ثلاثة أميال، يجتمع إليه الناس في يوم معلوم، وتباع به الأمتعة، وصنوف المصنوعات. ومدينة باب الأبواب (١): مدينة عظيمة على بحر الخزر، في وسطها مرسى للسفن، وعلى فم هذا المرسى الخارج إليها بناءان كالسدّين من جانبيه، وهناك سلسلة تمنع الداخل والخارج إلا بامر صاحب البحر، وهذان السدان من الصخر المحكم، أفرغ بينه الرصاص وهي مدينة كبيرة، بساتينها يسيرة، وفواكهها قليلة، وأكثر ذلك يجلب إليها من غيرها، وعليها سور حجارة وآجر وطين، وهو في نهاية من المنعة، وهي فرضة بحر الخزر والسرير وسائر بلاد طبرستان وجرجان، ويُصنع بها ثياب الكتان كثيرًا، يلبسونها دون سائر أهل بلاد أران (٢)، وبلاد أرمينية وآذربيجان، فأما (٣) الأبواب فهي أفواه وشعاب في جبل القبق فيها حصون منها باب صول، وباب اللان، وباب الشابران (٤)، وباب لاذقة (٥)، وباب بارقة، وباب سمسخي (٦)، وباب صاحب السرير، وباب فيلان شاه، وباب كارونان، وباب طبر سرنشاه (٧)، وباب ليران شاه وباب لبان شاه. وجبل القبق (٨) جبل عظيم موصوف بالشماخة والعلو، زعم أبو الحسين (٩) علي ابن الحسين (١٠) المسعودي ان فيه ثلاث مائة قرية لكل قرية منها لسان مفرد يتكلم به أهلها (١١) قال الحوقلي في كتابه (١٢): كنت أنكر هذا وأستبشعه حتى اجتزت ببعض قرى هذا الجبل فوجدت لأهل كل قرية لسان يتكلمون به ليس من ألسن الأردية (١٣) ولا

стр. 567

الفارسية، ويتصل بجبل القبق مما يلي أرض الخزر جبل سياه كوية (١)، وهو يمتد فيمر خلف بلاد الخزر مارا في بلد الغزية راجعا إلى المشرق من وراء بحيرة خوارزم ويصل أرض فرغانة إلى أن يلحق بجبال الصين. وزوزان (٢): أيضا ناحية وقلاع، والغالب عليها الجبال، وهي تتصل من جهة الحارث والحويرث بجبال أهر وورزقان، وتتصل بتفليس في الشمال، وفي جميع بلاد أران (٣) من حد باب الأبواب إلى تفليس، ينبت في أرضها الفوة ويجتمع منها الشيء الكثير ويدخل في بحر الخزر إلى جرجان ويقصد بها إلى بلاد الهند على الظهر، وهي فوة تفوق كل نوع منها على الأرض، قال الشريف (٤): وبأرض أرمينية النهران: نهر الرس ونهر الكر. وممرهما من المغرب إلى المشرق، فأما نهر الكر فنهر كبير تجري فيه السفن، وهو يخرج من ناحية الجبل، فيمر بتفليسثم يمتد على حدود شمكور (٥) ويجتمع مع نهر الرس ويصب في بحر الخزر، وكذلك نهر الرس، نهر كبير جدا يخرج من نواحي أرمينية الداخلة مع قالي قلا فيمر بأران (٦) فيصب فيه نهر أران (٧)، ويمر في شمالها إلى أن يأتي ورثان ثم يجتمع بنهر الكر وبينهما مدينة البيلقان، ويصبان إذ ذاك في بحر الخزر. ومن بلاد أذربيجان عدة مدن وقاعدتها مدينة أردبيل، وإليها الإشارة، وقال الشريف (٨): انها دار الامارة، وهي مدينة مسورة أحسن التسوير، فسيحة الرحاب، مليحة المكان، عذبة الماء، رطبة الهواء، كثيرة البساتين والمزارع والقرى والضياع، فهذه الأعمال جزيلة الأموال. ومن مدنها: موقان، وشهرتها تغني عن ذكرها، ومدينة كوسرة، ومدينة البد وبرزند، ومدينة ورثان (٩).

стр. 568

وفي شمالي أرمينية أرض السرير. ومن مدنها: مدينة السرير (١)، ومدينة أطرابزندة (٢)، وهما على جنوبي بحر نيطس (٣). تقع السرير غربًا وأطرا بزنده شرقًا. وهي أقرب من أختها مدى إلى بحر نيطس، وبأعلى نهر طبرستان في ساحله الشرقي من بلاد الخزر، وهما بلدتان صغيرتان إحداهما جوثرة (٤)، والأخرى تيتيري (٥)، ومدينة سمندر (٦)، وكان فيما تقدم من الزمان مدينة كبيرة بناها كسرى أنو شروان، لا تحصى كرومها وبساتينها، فأتت قبائل الروس عليها. ومدينة أثل (٧) ولعلها هي المسماة الآن السُّراي، قال الشريف (٨): وائل (٩) مدينة الخزر وقلعتها، وهما مدينتان عامرتان من ضفتي النهر المسمى أثل (١٠) والملك يسكن في الضفة الغربية من النهر، والتجار والسوقة وعامة الناس يسكنون المدينة التي في الضفة الشرقية. قال: وطول مدينتي أثل (١١) نحو ثلاثة اميال، ويحيط بها سور، وأكثر بنيتها خركاهات لبود، ومنها ما هو بالطين، وقلعة الملك بالآجر. وزروع اثل (١٢) على ما وراء النهر، فإذا كان أوان حصاده خرجوا إليه وحصدوه ونقلوه بالعَجَل إلى ضفة النهر، ثم يحمل في المراكب. وأما سراه (١٣)، فهي الآن مدينة جليلة. قال (١٤): ونهر أثل (١٥) يبتدئ من المشرق من الأرض الخراب، ويمر على البلغار (١٦)، ثم ينعطف راجعًا حتى يمر على الروس، ثم يمر على برطاس، ثم ينتهي حتى يصب في بحر طبرستان، وقد تقدم ذكره

стр. 569

في الأنهار. قال الشريف (١): ويتشعب منه نيف وسبعون نهرًا، ويبقى عمود النهر جاريًا حتى يصب في بحر طبرستان. ومن شعبة ما يصب في بحر نيطس (٢). ومدينة السرير (٣)، وهي وراء سمندر بينهما أحد وخمسون ميلًا، وسميت بهذا؛ لأن ملكًا من ملوك الفرس اتخذ بها لنفسه سرير ذهب وفضة صنع في سنين، فهلك وتغلب الروم على ملكه وأبقوا السرير على حاله. قال الشريف: (والذي من أبسكون) (٤) إلى بحر الخزر يعني بحر طبرستان تسعمائة ميل، وهو طول البحر، ومن قطعه بلاد الاغزاز، وهي بلاد خصبة، والأغزاز، أقوياء النفس، والزنا بينهم فاش لا يرون به بأسًا (٥). ومدينة حوارة (٦): وهي شرقي بحيرة خوارزم، وهي بحيرة مالحة، يقال (٧) إنه يظهر بها في أحيان حوت على صورة الإنسان يطير فوق الماء ويتكلم بكلام يُعقل ثلاث كلمات أو أربعًا (٨) ثم يغوص في الماء، ومتى ظهر دلّ على موت ملك من ملوك الأغزاز الجلة، وتبقى بحيرة خوارزم وراءها. ومدينة الغزية (٩): وتلي هذه البلاد في شرقيها أرض صعادب (١٠). ومن المدن الواقعة هناك مدينة جاجان (١١)، ومدينة ذهلان، ومدينة غربيان (١٢)، وبها معادن فضة، تفيد كثيرًا. يقال: إن رطلًا من ترابها يُخرج الربع فضة خالصة. ومدينة غرغون (١٣)، وهي بحيرة عذبة الماء، ومدينة حيام (١٤) وهي على رأس جبل في غاية

стр. 570

المنعة والحصانة، ويقع في أسفلها نهر يسمى مارغا (١) يأتي من الشمال على الجبل الحاجز بين بلاد الغزية وبلاد البشجرتية (٢)، ويسمّى مرغار (٣)، وهو جبل لا يقدر أحد على صعوده لدوام الثلج على قبته. قال الشريف (٤): ويوجد فيه إذا حمل التبر الكثير، ويستخرج من قعره حجر اللازورد، ويوجد في الغياض المحتفة به حيوان يسمى ببر وهو (حيوان) (٥) له جلد حسن لا يُعرف إلا بِهِ من خيار الوبر، يُساوي الثمن الكثير، ويوجد به ثعالب صفر على لون الذهب. وهي قليلة فاخرة، قال الشريف (٦): يلبسها ملوكهم، ولا يتركون أحدًا يخرج بها من بلادهم حتى لا يوجد عند أحد من الملوك إلا عندهم. قال (٧) وعلى ضفة هذا النهر جبل عال يتفجر منه أزيد من ألف ينبوع على هذا النهر ومصبّه على منقع دوره مقدار خمسين ميلًا، لا يستر ماؤه وحوله خصب كثير. ومراتع الترك حوله، وعلى أعلى الجبل مدينة بادغة (٨) المذكورة، وقلعة نوجة، وفي ذيل هذا الجبل مدينتان اسم احداهما درقو، واسم الأخرى دوندة (٩) في نهاية المنعة والحصانة، لا يزال الثلج عندها دائمًا أبدًا. وبينهما مسافة ثلاثة أيام، وهما مدينتان صغيرتان بينهما أسواق وصناعات ومتاجر كاسدة لكثرة الموجود، وأهلها يحصدون الزرع قبل جفافه، ويجففونه بالدخان، وفي الضلال لشدة البرد عندهم وتوالي الأمطار عليهم، وفي هذا الجبل ومحاذيه توجد حجارة اللعل (١٠) وهو المسمى بالبلخش والفيروزج وسائر أنواع الحجارة إلا الياقوت والماس (١١). وشمالي (١٢) بلاد الكيماكية وجملة بلاد الاذكش (١٣)، وبلاد الاذكش (١٤) شرقي بلاد الأغزاز، وهي بلاد حصينة كثيرة الخيرات والمواشي، وبها من السمن والعسل

стр. 571

مالا يوجد مثله في كثير من سائر الاقطار المجاورة لهم والمتباعدة عنهم، وذلك ان الأغنام بها والأبقار لا يُعبأ بها لكثرتها، وليس للحومها عندهم قيمة، وان الرجل منهم يذبح الشاة والشاتين فيأخذ جلودها ولا يجد من يُعطيه لحمها، وجل أكلهم من اللحوم لحوم الخيل، وهي أجل لحم عندهم، وفي جنوب هذه الأرض بحيرة تسمى بحيرة تهامة يكون دَوْرُها مائتين وخمسون ميلًا، وماؤها أخضر شديد الخضرة، إلا أن نشره ذكي، وطعمه عذب جدًّا، ويوجد فيه سمك عريض مرقش بكل لون، يذكر الأتراك أنه أجل علاج يستعمل للباه، وقال الادريسي (١): انه أقوى من السقنقور وهو عندم مشهور والصيادون يعرفونه في هذه البحيرة، وذلك أن الصائد منهم إذا أرسل شبكته، وأخذ هذا السمك وَجَدَ ذكره قائمًا، ولا يزال الحال ما دامت السمكة في شبكته وفي يده، فإذا أرسلها عن يده سكن ما يجده من الإنعاظ، وفي وسط هذه البحيرة أرض كالجزيرة ثرية جيدة التربة كثيرة العشب في كل الأحايين، والترك يجوزون مواشيهم إلى هذه الجزيرة فيقيمون بها أيام الربيع كلها، وفي وسط هذه الجزيرة التي في وسط هذه البحيرة بئر محفورة لا يوجد لها قعر، وليس بها شيء من الماء البته. ويقال: ان بهذه الجزيرة نباتًا تقوم أوراقه مثل أوراق الشعر، شاهقة القوام مخضرة اللون، ولها في أصولها حبوب صغار حلوة طيبة الطعم وهي عندهم من أنجع شيء في علاج العين وفي علاج الذين لا يقدرون على الجماع، ويسقط إلى هذه البحيرة أربعة أنهار كبار أحدها نهر تهامة، وهو نهر كثير الماء، قليل الانحدار عميق القعر، وبين منبع هذا النهر والمصب مسيرة ستة أيام، ومنبعه من ثلاث عيون دفاعة، وهذا النهر يقصده أهل بلاد أدكش بأولادهم يطهرونهم فيه قبل بلوغ الحلم فلا يسقمون ولا تجرب أجسامهم، ولا يوجد في بلادهم أجذم البته، وأمر هذا الوادي عندهم صحيح التجربة في ذلك جدًا، ويقال: إن ماءه إذا سقي منه العليل من أية علة كانت سبعة أيام فإنه يبرأ، وقد صح ذلك عندهم بتجربتهم إياه، ويقال: إن ماءه إذا غسل الانسان به رأسه لم يتصدّع تلك السنة، وهذا عندهم مشهور. قال الشريف (٢): وقد تكلموا في هذا النهر وأكثروا القول في أمره حتى إنهم قالوا فيه أشياء يجب السكوت عنها. ويقع في هذه البحيرة نهر آخر صغير (٣)، وهو شديد الجرية، وبقعره صخر كثير

стр. 572

الملاسة، وليس في شيء منه حيوان ولا سمك ولا ضفادع ولا أحناش، ولا غير ذلك من حيوانات الماء، وماؤه عذب صادق البرد ويقال: إن مرقونس الحكيم وصل إلى هذا النهر فَطَلْسَمَهُ وعقده حتى لا يكون به حيوان وهذا قول يسمع على الاطلاق لا يتوقف عندهم قائل ولا ينكره سامع ويأتي إلى هذه البحيرة بحر ثالث منبعه من ظهر جبل أصغرون ويصب أيضًا فيه نهر يأتي من جهة الجنوب وهو رابع أنهار، وفي شمال هذه البحيرة جبل تراب أحمر كله مثقب من جميع جهاته، فإذا جنّ الليل خرجت من جميع هذه الكوى جرذان سود تسرح طول الليل ثم ترجع سَحَرًا، فلا تزال تفعل ذلك دائمًا في كل ليلة، وعلى رأس هذا الجبل مدينة تسمى شندران، وأهلها يتصيدون هذا الجرذان بحيل عندهم فيذبحونها ويأكلون لحومها ويلبسون جلودها، ويصنعون منها فراء لا يعدلها شيء في جمالها، وفيها وفي شرقي هذه البحيرة على أربعة أيام منها جبل خردا، وهو جبل عال مرتفع في الجو، وليس لهذا الجبل موضع يرتقى منه إليه، وإنما هو من كل جهة كالحائط أملس، لا يمكن الصعود إليه، وقد حفر أسفل هذا الجبل باب كبير وثقب منه متصل في جوف الجبل فيه طريق مدرّج وتعاريج صاعدًا إلى أعلى الجبل حيث المدينة، وهذه المدينة في نهاية من الحصانة والثقافة بحيث لا يتوصل إليها ما دام فيه رجل واحد فقط، وفي وسط هذه المدينة عين نابعة، ماؤها عذب كثير، يُشرب منه ويتصرف به، ومغيض ما فاض منه مما يلي السور في حفير لا يُعلم أين يصل مستقره ولا يوجد لذلك الماء أثر. ومن مدينة (١) خردا إلى الجبل المسمى قوفايا (٢) سبعة أيام، وهو الجبل الذي يحيط مأجوج ويأجوج، وهو جبل قائم الجنبات، لا يُصعد إلى شيء منه البته، وإن صعد لا يتوصل إلى قبّته لكثرة الثلج المنعقد به وأنه لا يتحلّل منه أبدًا؛ ولأن أعلى هذا الجبل عليه شبه الضباب أبد الدهر لا ينجلي عنه، ولا يزول منه، وهذا الجبل خلفه من يأجوج ومأجوج مدن كثيرة، وفي هذا الجبل أفاع كثيرة، وحيّات عظام، تأوي إلى مهاو كائنة فيه، وجميعه مؤذ يمنع أذاها من الترقي والصعود إلى أعلى الجبل، ولو رام أحد الصعود إلى أعلاه ما أمكنه ذلك في يومين/ ٧٥ بل أكثر من ذلك، وربما تعلّق بهذا الجبل النادر من الناس فيرقى ليرى ما في أعلاها، وما خلفه، فلا يرجع ولا يمكن رجوعه، إما لعدوان الحيوان عليه وأما لقبض الأمم التي خلف الجبل على كل من طرأ

стр. 573

عليهم من سائر الأمم، وربما رجع بالخبر الشاذ منهم فيخبر أنه رأى بالليل في تلك الأرض التي خلف الجبل نيرانًا كثيرة، وأما بالنهار فلا يرى شيئًا إلا ضبابًا ونيرانًا (١) مختلطًا متصلا (وهذا الجبل المسمى بالأم المتقدم ذكره عند ابتداء ذكر الجبال) (٢)، وهذا الصنف من الترك المسمّى بالأذكش يقال: إنهم عراض الوجوه، كبار الرؤوس شعورهم كثيرة، وأعينهم برّاقة، وكلامهم كلام منفرد بذاته، وعبادتهم النيران وسائر الأنوار، وفي شمال أرضهم جبل كبير يسمى جبل فرغان، وهو آخذ في الطول من المغرب إلى المشرق نحو ثمان عشرة مرحلة، وفي وسط هذا الجبل موضع عال كالقبة مستدير وفي وسطه بركة ماء لا يُعرف عمقها فلا يسقط فيها شيء إلا ابتلعت فلا يرى ولا يقدر أحد من الناس على العوم فيها، ولا شيء من الحيوان. إن وضع فيه الخشب ابتلعته، وهذا عجب عجيب ومصنوع غريب، وفي أسفل هذا الجبل مما يلي الجنوب ويقابل أسفل تلك البركة مغارةٌ يُسمع فيها دوي كثير هائل، يعلو صوته مرّةً ويقل في وقت آخر، ولا يُعلم سبب ذلك الصوت. وإن تقدّم إلى فم هذه المغارة المذكورة حيوان من إنسان أو بهيمة من قبالته فلا يُرى، ويُذكر أنه يخرُجُ من تلك المغارة ريح يجتذب المتعرض لذلك، وهذا أمر عظيم. قال الشريف (٣): وخبر هذه المغارة مشهور في تلك الأرض ويتحدث به في سائر أرض الترك، وهي مذكورة في التصانيف لشهرتها، وقد ذكر صاحب كتاب العجائب عن هذه المغارة أشياء لا يحسن إلا السكوت عنها لبشاعتها وقلة قبول العقول لها، والله أعلم بذلك كله. ومما (٤) يدخل في هذا الإقليم بلاد يأجوج العليا، وهي بلاد كثيرة عامرة، وهم عدد كثير، وجمع غزير، وأمم لا يُحصون كثرة وبلادهم بلاد خصب ومياه جارية، وسهول وحزون تربة، ومواش كثيرة، وهم من ولد سام بن نوح، وهم المفسدون في الأرض، وخلقهم صغار جدًا، وهم فيما يحكى أن طول الرجل منهم أعني من آل يأجوج مثل طول القصار من آحادنا، ونساؤهم مثل ذلك، ولا يعرف ما ديانتهم ولا أي شيء معتقدهم، وأما آل مأجوج، فأرضهم أسفل هذه الأرض، وهم قصار جدًا في نهاية القصر حتى إن طول الرجل منهم لا يتجاوز ثلاثة أشبار ونساؤهم مثل ذلك،

стр. 574

وأوجههم مستديرة في غاية الاستدارة، وعليهم شبه الزغب كثير جدًا، وآذانهم كبار مستديرة مسترخية، حتى إن أذن الرجل منهم إذا تقلقلت تلحق طرف منكبه، وكلامهم شبيه بالصفير، والشدّة عليهم بادية، وهم خفاف الوثوب، وفيهم زنا فاحش، وبلادهم بلاد ثلج وشتاء دائم والبرد عندهم لازم في كل الأحايين، ويقال: إن يأجوج ومأجوج أخوان أمهما وأبوهما واحد والغالب على ألوانهم البياض والحمرة، ونكاحاتهم كثيرة، ونتاجهم فاش، وكانوا قبل أن يصل إليهم الاسكندر ويبني السدّ عليهم في باب جبلهم الذي كانوا يدخلون منه ويخرجون عليه يغيرون على مَنْ جاورهم، ويتحاشدون على من قصدهم، وكانت لهم وقائع وغارات مذكورة، حتى إنهم أخلوا كثيرًا من البلاد والمدن المجاورة لهم من غربي الجبل حيث سدّ ذي القرنين السد المبني عليهم، وأكثر البلاد خاوية على عروشها، لا قاطن بها ولا ساكن فيها لكثرة حياتها وغور مياهها وشحة أرضها، وسنذكر هذه الأرض وما جاورها. فمن ذلك: بلاد تركش (١)، وهي قبيلة من الأتراك، بل هم الأتراك على الحقيقة، وذلك أن في الأخبار المنقولة أن يأجوج ومأجوج لما طغوا وغلبوا وأكثروا الفساد في الأرض شكي أمرهم إلى الاسكندر، فلما قصد أرضهم اختبرهم فوجدهم أممًا عم خيرهم وكثر نسلهم (٢)، وقل ضررهم، وذلك انهم هاجروا إلى الاسكندر قبل أن يلحق أرضهم، واعترفوا بين يديه انهم براء مما يفعل إخوانهم يأجوج ومأجوج، وشهد لهم كثير من القبائل بذلك وانهم لم يزالوا أبد الدهر يطلبون السلامة والسلم حريصين عليه فتركهم الاسكندر خارج السدّ وأقطعهم تلك الأرض فسمتهم العرب تركًا لأنهم ممن ترك الاسكندر من آل يأجوج ومأجوج وأسكنهم خلف السد، فقروا في تلك الأرض، فكثر نسلهم واتصل خبرهم بجميع الترك أعني الخرلخية والتبتية والخرخيرية والتعزغزية (٣) والكيماكية والمخامانية (٤) والأذكش والتركش والخفشاج (وهم القبجاق) (٥) والخلخ والغز والبلغارية، هؤلاء كلهم أمم تركهم الاسكندر خلف الردم فانتشروا في الأرض وعمروها، وكثرت أنسالهم وفَشَتْ أحوالهم، واتصلت خيراتهم، وعمت بركاتهم وأكثرهم مجوس وعباد نيران والغالب على طباعهم الجفاء وغلظ

стр. 575

النفوس، وقلة الانقياد للغلبة، وهم بالجملة طائعون لأولي الأمر منهم، وفيهم صرامة لازمة، وقيام وحمية في طلب الثأر وجبايات الأقطار (١). وهذا نهاية ما وقع عليه هذا الاقليم في البر المتصل إلى آخر الشرق. وأما (٢) ما وقع به من الجزائر في البحور المتصلة به في خليج البنادقة، فهو: جزيرة أوسر (٣)، وجزيرة جرسة (٤)، وجزيرة أربا (٥)، وجزيرة باغة (٦). وفي الخليج القسطنطيني جزر ليست بكبيرة، وفي بحر الخزر جزر منها جزيرة حذو الكر (٧) (وجزيرة مركونة، وجزيرة أركونة) (٨) وجزيرة سهيلان، وجزيرة سياه كوه (٩)، وبها قبر السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه رحمه الله تعالى، فإنه كان قد خرج لملتقى التتار في سنة ست عشرة وستمائة، والتقى بهم على مقربة من بلاد الشاش، وكسروه وانهزم فاتبعوه وقتلوا من عساكره مائة ألف وأخذوا سمرقند وبخارى ثم ساقوا إلى خوارزم فأخذوها وخربوها وقتلوا كل من فيها وخرج منها السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه ﵀ منهزمًا وهم في أثره إلى أن أتى بحر طبرستان فعبره إلى جزيرة سياه كوه معتصمًا بها منهم فأقام بها يومين ثم مات إلى رحمة الله تعالى ودفن هناك، وحينئذ ماجت الأرض بأثقالها واضطربت بسكانها، وعمّت الفتنة، وعظمت المحنة وتعطلت الركائب عن سُراها، وخافت الأشباح في طيف كراها، ولو لم يُمسك الله بقية الرمق في ذلك الوقت بولده السلطان جلال الدين حتى حان حمامه وزالت أيامه لوصلت خيل التتار إلى المغرب الأقصى، وجَلّت وقائعهم أن تعدّ وتُحصى. وحكي أنه في يوميه اللذين أقامهما في تلك الجزيرة سأل القيم بخدمته من أهل تلك البلاد أن ينصب عليه خيمة ويربط إلى جانبه فرسًا يصهل تعليلًا له عن أيامه الزاهية بالخيل والخول وهيهات، حال الموتُ دون الأمل، ومما يحكى أنه ركب إليه ثَبَجَ

стр. 576

البحر عدّة أقوام من البلاد المجاورة وتقربوا إليه بأنواع من المآكل والألطاف، فأقبل عليهم، وقبل هداياهم، ووعد كل واحدٍ منهم ببلد جليل أو مال جزيل، وأعطاهم على ذلك أمارات يعرفها ابنه فأمضاها وسوغهم جميعهم مقتضاها، ولقد قال عند موته: واعجبًا من الدنيا ملكت غاليها وما وسعني منها ثلاثة اذرع، فآها على ذلك الملك المضاع، ومن لكل عاقل بأن الفداء له لو استطاع، لقد قَصَمَ موته ظهور المسلمين، وَفَصَمَ عرى الدين، فولوا صدورًا وورودًا، وزالت أركانهم وزلزلوا زلزالًا شديدًا: [من الطويل] وما كان قيس هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍ … ولكنّه بُنيان قوم تهدما (١) وفي بحر نيطس جزر وليست بطائل، وبتمامه ثم الاقليم الخامس برًا وبحرًا، والله الحمد والمنة (٢). وهذه صورة الاقليم السادس وهو الآخذ مع الاقليم الخامس على شماليه من البحر المحيط بأقصى الغروب إلى البحر المحيط بأقصى الشرق (٣). [الاقليم السادس] وأما الذي وقع في هذا الاقليم السادس من المدن والجزائر العامرة في المحيط وبحر نيطش، فسنذكره، وأوّل ما نبدأ من الغرب على حكم خط الأقاليم، نبدأ بالبحر المحيط فنقول: إن هذا الخط نبدأ منه من جزيرة قطلوبة وما جاورها من الجزائر بالبحر المحيط، ثم أرض برطانية، والبحر يستدير بها على قرطيل كثير، ويتقعر وينضمّ من أعلى برطانية حتى يبقى البر كالكيس فمه ضيق ووسطه واسع، ومن مدنها: مدينة شنَتْ لا و (٤): وهي مدينة متحضرة على البحر ذات سور وأسواق ممكنة،

стр. 577

وفيها مصايد السمك ومعايش وأقوات كافية، وهي في قعر الجون ومراكبها تسافر إلى شنت ياقوت وسائر البلاد المجاورة لها. ومدينة قشتال (١): وهي مدينة صغيرة جدًا، وفيها اسواق عامرة وتجارات قليلة، وهي مدينة زرع وماشية. ومدينة فانطس (٢): وهي في قعر جون خارج من البحر، وهي مدينة كبيرة عامرة ذات حرث وثمار ومراكب تجيش بها التجار. ومدينة درينش (٣): وهي مدينة كبيرة عليها سور حصين واقطارها عامرة، وخيراتها متكاثرة، وبها أسواق قائمة وصناعات ملائمة. ومدينة شَنَتْ مجيال (٤): وهي مدينة متحضرة على ضفة البحر، حسنة القطر وافرة العمارة، كثيرة الحرث والزرع. ومدينة باتس (٥): وهي مدينة جليلة متحضرة تنشأ بها المراكب، وبها الحط والإقلاع، وبها أسواق وبيع وشراء، وأخذ وعطاء. ومدينة ردون (٦)، على البحيرة، وهي مدينة صغيرة متحضرة حصينة حسنة المباني خصيبة الزرع، رفهة المعايش، وبها حطّ وإقلاع، والسفن مشرعة الشراع. كنبرلين (٧): على طرف الساحل في البحر، وهي مدينة صغيرة لأهلها يد في صناعات كثيرة، قال الشريف (٨): وهي كثيرة العامر، جامعة الوارد والصادر. ومدينة لنيوين (٩): وهي مدينة متحضرة حسنة ذات عمارات ممكنة. وبلاد افرنسية (١٠): ومن أرضها ارض صايس (١١)، وهي مدينة كبيرة

стр. 578

عامرة عظيمة البركات كثيرة الكروم والشجر والغراس عامر بالأدر والناس، ولأهلها غلظ في جبلة الطباع وقلة الانطباع ومع هذا، هم أصلح من أهل برطانية في هذا حالًا وأقل استيحاشًا ونفورًا لاكتناف البحر المظلم لأهل برطانية، وما يهب عليهم من هوائه، وتسكب عليهم السحاب من أنوائه، يركبهم من ظلمائه الضباب، ويغشاهم من ظلله السحاب، ولاسيما البلاد التي الساحل منها، وهذا (١) البرح غليظ المياه كدر اللون هائل الموج عميق القعر متصل الظلمات، صعب المركب، عاصف الريح، ولا يعرف انتهاؤه من جهة الغرب، وبه جزائر كثيرة غير عامرة، وقليلًا ما يسلك هذا البحر إلا نادرًا قليلا لا حكم له، والقوم الذين يسلكونه لهم معرفة به وجسارة على ركوبه، وأيضًا فانهم يسيرون فيها مساحلة لا يفارقون البرّ منه، وأيام سفرهم فيه، أيام قلائل وهي مدة شهر. أسطريون، وشهر أوسو، وأكثر ما يركبه القوم المسمّون الانقلسين. وأهل جزيرة إنكر طارة (٢): وهي جزيرة كبيرة عامرة بها مدن كثيرة وعمارات وحرث جم وأنهار جارية، وسنأتي بذكرها عند ذكر الجزر الواقعة في هذا الاقليم وهذا البحر على ما وصفناه من هوله وعظمه به سمك كبير سمين ومصايده في أماكن معلومة منه، وبه كثير من الدواب العظام الخلق البحرية مما يربي على الوصف حتى إن أهل تلك الجزائر الداخلة يتخذون من أعظمها وفقار ظهورها خشبًا لبيوتهم، وينحتون منها دبابيس أسنان رماح، وخناجر ويصرفون خرز هذه الدواب فيتخذون منها منابر للصعود والنزول والقعود، ويتصرفون في أعظم هذه الدواب، كما يتصرّف أهل سائر البلاد في الخشب. ومن بلاد افرنسية المتقدمة الذكر مدينة أليانش (٣)، وهي مدينة خصيبة، مياهها جارية وزروعها نامية. ومدينة مالص (٤)، وهي تفجر عيون وماء ومكان خصب ونماء، وهي وسط إفرنسية، وسفائنهم في البر لا في البحر عليها مرسية. ومدينة برناي (٥): وهي مدينة أشجارها ملتفة، وزروعها محتفّة، يزيد عن العدّ

стр. 579

خصبها، تتضاعف ثمراتها وحبها. ومدينة جالوش (١): وهي من قواعد الفرنسية على ضفة نهر كثيرة الكروم والشجر والحب والثمر، وبها من المواشي ما يقوم بها وبما جاورها، ويعم واردها وصادرها. ومن بلادها إقليم إنجو (٢)، وهو إقليم صغير، وبه جملة قرى عامرة ومزارع ومغلات للمالك والزراع. ومدينة بري (٣)، وهي مدينة انجيرش (٤)، ذات قطر كبير وبشر كثير، ولأهلها يسار، وعليها كروم وبساتين وأشجار ومزارع وقرى وقطعة من تتمة مرغونية (٥) الافرنج. ومن مدنها مدينة لنكة (٦): وهي مدينة نبيلة متحضرة عمارتها تامة وتجاراتها عامة. ومدينة اطرويش (٧): وهي قاعدة من قواعد الروم، رخيصة الأسعار، كثيرة الرخاء، ذات خشب وفاكهة ودواب. ومدينة نيفارش (٨): وهي مدينة جليلة مشهورة. وأرض لهرتكة (٩): وهي شمالي بلاد اللمانيين، وهي أرض صغيرة البناء كثيرة الغناء، عامرة بالقرى والحرث والماشية، ومن مدنها: مدينة ماص (١٠): وهي مدينة كبيرة منخرفة (١١)، لأهلها صناعات وآلات يتصرفون فيها. ومدينة لباج (١٢): حسنة في جزيرة في النهر، والنهر قد أحاط بها كالسور كأنها

стр. 580

مفقودة ظل عليها يدور، وبها أسواق كافية وصناعات وافية. ومدينة قمراي (١): وهي مدينة على غربي نهر أرين (٢) فسيحة العمارة. وأرض افلا ندويش (٣): وهي تتصل بالبحر من شمالها، ومن مدنها: مدينة رايش (٤): وهي مدينة جليلة عامرة بالناس والتجار والصناع ولها اقامة وأعمال متصلة. ومدينة بوبش (٥): وهي من مدن الروم القديمة وقواعدها المذكورة وهي في جزيرة في نهر ضيق، قد أحدق النهر (٦) بها كالسوار وزحف عليها بصفوفه من جميع الأقطار، وبها عامة كروم وأشجار. ومدينة بنطيز (٧): وهي مدينة متحضرة. ومدينة جيجيوش (٨): مدينة صغيرة كاملة المعاني. ومدينة الرايز (٩): وهي مدينة كبيرة عامرة آهلة تامة كاملة. ومدينة شَنَتْ (١٠): وهي مدينة صغيرة على ضفة البحر وتبرز بها المراكب، وتجهز في الحط والاقلاع للراكب، ومنها يدخل الداخل إلى جزيرة إنقلطارة (١١)، وهي جزيرة عظمى في بحر الظلمات سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في الاقليم السابع. وبينها وبين الساحل مجاز طوله خمسة وعشرون ميلًا. ووادى روة (١٢)، ومدينة برت إطريز (١٣)، وهي مدينة على البحر طولها غربًا خمسة وعشرون ميلًا وجملة هذه المدن في طاعة صاحب إفرنسية.

стр. 581

وأرض لبان (١) وهي شرقي أرض افلاندرش (٢)، وهي أرض رخيصة (٣) متصلة العمارات والقرى وأعظم مدنها مدينة قنط (٤)، وهي مدينة جليلة على غربي نهر أرين كثيرة العمارة والعمار والمتديرين والديار مكان مغل وثمار ونزهة آخذه بما جمع الأبصار. ومدينة طرفاي (٥). وهي مدينة متحضرة حسنة لها أعمال وقرى. ومدينة أبرجيس (٦). وهي مدينة متوسطة متحضّرة كثيرة المرافق، رخيصة الأسعار تحدق بها الكروم والجنات. وقطعة من تتمة أرض برغونية اللمان، وهي جنوب أرض لبان، ويحيط بها من جهة المغرب لهرنكة (٧). ومن مدنها: مدينة إستريك (٨) وهي على نهر رين (٩)، ومدينة فرميزة (١٠)، وهي مدينة حسنة على ضفة النهر المسمى رين (١١). ومدينة ورميرية (١٢): وهي في جنوب قرميزة، وبها يقع نهر مورين (١٣) في نهر رين. ومدينة قلونية: وهي على نهر رين (١٤) عامرة الجوانب يزرع منه كل جانب. ومدينة استريك (١٥) على النهر في الضفة الغربية وهي مدينة سنية بديعة العمارة، بعيدة التجارة تطوف بها الكروم والأشجار، وتوجد بها لطائف الزروع والثمار، ولأهلها برباط الخيل اعتناء، والبدائع السلاح اقتناء وهم أهل جلد وعزم وبصيرة وحزم

стр. 582

ومدينة فاصلة (١): وهي متوسطة. أرض اللمان: هذه تأخذ طريقًا إلى كل مكان. ومدينة هربزد (٢): وهي مدينة عظيمة عامرة تتاخم أرض شصونية ومدينة بنصة (٣). وهي قاعدة مدن اللمان. طاحونة الشيطان. وهي مدينة وسيعة المدى. رفيعة البناء. ياسرة الزرع والضرع، هنيّة الرزق والسيب. وهذا ملك اللمان من أكابر عباد الصليب، وتحت طاعته عدة ملوك. وله كالرمل عدد جم، وعُدَد تثقل ظهر اليم، وإذا وجه وجهه إلى قتال، زعق الشيطان في أذن أنصاره من النصارى فأقبلت إليه جبابرتهم من كل مكان، وامتدت إليه شوائل الصلبان. وطائفة اللمان فرسان بر لا بحر لا يصطلى لهم بنار، ولا يؤخذ منهم بثار، مغاوير حرب، ومعاذير ضرب. [من الكامل] لا يَأْكُلُ السِرْحَانُ شِلْوٌ طَعِينِهِمُ … ممَّا عَلَيْهِ مِنَ القَنَا المُتَكَسِّرُ (٤) أصحاب القنطاريات المقنطرة، والأسنة التي لا تجف دماؤها المقطرة، ولهم الحصن التي كأنها الحصون الشواهق والسيوف التي تفري قَبْل هويها المفارق، يخرج أبطالهم مكلبين في سروجهم بالسلاسل، كَلبين على أكل لحم كل بطل باسل. قال الشريف (٥): وهي أرض شصونية، وأرض بوانية، وأرض قلنطارة، وأرض أكلاية، وأرض إبرنيصة (٦)، وأرض دسقانة، وأرض إفريزية (٧)، وأرض بابير (٨)، وأرض صوابة، وأرض لهرنكة، وأرض لوبانية، وأرض بربان (٩)، وأرض هينو (١٠)، وأرض برغونية اللمان، وكل هؤلاء في طاعة ملك اللمان، وأما ملك الفرنج فَتَحْتَ طاعته ثلاث عشرة أرضًا، وهي: أرض إفلندريش، وأرض إفرنسية (١١)، وأرض برغونية الفرنج، وأرض نرمندية،

стр. 583

وأرض برطانية، وأرض مانِيَة، وأرض أنجو، وأرض طرونية، وأرض بري،/ ٨٧/ وأرض البرنية (١)، وأرض بيطو، وأرض غشكونية، وأرض بربنصية، كل هؤلاء تحت طاعة ملك الفرنج. قال الشريف (٢): وبلاد الفرنج أخصب من بلاد اللمان وأنفع غلات وأحسن حالات وأغزر ثمرات ثم نعود إلى ما كنا فيه من ذكر ما وقع في هذا الإقليم. من ذلك: أرض قنطارة (٣)، وهي أرض صغيرة، ومن قواعدها المشهورة: مدينة اكريزا (٤) وهي تتاخم جبل مَنَتْ جون (٥) خلف نهرها، وهي مدينة متوسطة متحضرة لها أسواق وتجارات وكروم وبساتين وغلات وأغنام ومواش كثيرة وأرزاق واسعة. ومنها في الشمال مدينة ألمة (٦): وهي مدينة كبيرة متحضرة، ومدينة اسكنجة (٧) وهي مدينة كبيرة تتاخم جبل منت جون (٨)، على ضفة النهر، ويتفجر بها عيون وأنهار وأرض يانعة، وهي عامرة الأرجاء كثيرة الزروع أم قلاع. ومن مدنها: مدينة بتصوة (٩)، وهي مدينة كبيرة كثيرة العمارات، فرجة، ذات ماء جار وأسواق وصناعات. ومدينة رنج برك (١٠) ويقال: رينش برك. ومدينة أنزز قرطة (١١)، وهي مدينة كبيرة عامرة، وأرض بوامية (١٢)، وهي أرض طويلة عريضة، بلادها كثيرة، وعمارتها متصلة، وهي في ملك اللماني، وهو القائم بجبايتها وحمايتها يولي ويعزل فيها، وأشهر مدينة مدينة استركونة (١٣)، ويقال: استرغونة، وهي قاعدة بلاد بوامية وأعظمها أرضًا وسكانًا، وهي دار ملوك بامية، وأرض نرمندية (١٤) وهي تلي أرض إفرنسة في الشمال إلى البحر، وبها من قواعد البلاد.

стр. 584

مدينة بياوش (١)، وهي مدينة جليلة مخصبة. ومدينة ابراوش (٢)، وهي مدينة حصينة خصيبة. ومدينة رطوماغش (٣)، وهي مدينة كبيرة مشهورة، على ضفة النهر المعروف بها ومنها يصب في البحر. ومدينة ديابة (٤)، وهي مدينة عامرة من ساحل البحر على الشط، وبها للراكب إقلاع وحط. ومدينة تام (٥)، ومدينة قسطنس (٦). ومدينة بنطيز وهي آخر أعمال نرمندية. ومدينة جيك لبوكة (٧)، وتقع من اسيركونة غربًا بشمال وهي مدينة ذات أعمال وتجارات وأموال. ومدينة شيرونة (٨) في مستوى من الأرض، عامرة الأسواق والشوارع، وافرة الأموال والأراضي والمزارع. ومن أرض قرنطارة (٩)، وهي في جنوب بلاد البنادقة ومشاريق أرض انكرية وبها قواعد، ومن مدنها: بيلو (١٠) على نهر ذُروة في الضفة الجنوبية، ومدينة بوزة (١١). وهما متقاربتان في المكان والإمكان والعمارة والحرث والزرع، ومدينة سيق لاو و (١٢) وهي في الجانب الجنوبي من النهر وبها معادن من الحديد الجيد المعدوم المثال. قال الشريف (١٣): لا يبلغ جودة حديده في القطع والرطوبة شيء. ومدينة قلام، وهي واسعة الأقاليم نافعة

стр. 585

للراحل والمقيم. ومدينة بلغارتة (١)، وهي مدينة جليلة كثيرة الحبوب والقطاني، ومدينة نيطرم (٢) وهي في مستوى من الأرض بمياه جارية وزروع موفية، ومدينة تيتلوس (٣)، وهي مدينة على شرقي نهر درده، ومدينة إفرنك بيلة (٤)، وهي مدينة كبيرة حسنة، شُرب أهلها من العيون والآبار، وهي بلد حرث وزرع وألبان وسمن، وبعض أهلها بواد كبادية الأعراب، ولكنها لا تعرف الاغتراب. بل لألف البر وكثرة الماشية. إلا أنهم أهل جدار، وسكان وطن ودار. ومدينة فرنتية (٥)، وإليها ينتسب الذهب الأفرنتي. وهو ألين الذهب، وأوفقه للأعمال، ومدينة شبرونة وغيرها، ومدينة بوزانة (٦)، وهي آخر أرض قرنطارة وأرض أفريزية، وهي شمال أرض اللمان وغربي أرض شصونية، ويتصل شمالها بالبحر المظلم قبالة جزيرة قلنطارة الآتي إن شاء الله ذكرها في الجزائر بالإقليم السابع. ومن مدنها: مدينة صيكلة (٧)، وهي واسطة أهلها وطريق بعضها إلى بعض، ومدينة شوازص وهي من أعمها حسنًا، وأعظمها قرى ومدنًا، رائقة التمرات، فائقة الثمرات، ومدينة اكر ننجة (٨)، ومدينة بونة، وكلها ذوات رزق كامل، وخير شامل، ومزارع وعامل وزارع. وتتمة أرض بوامية: وفيه من المدن مدينة باصو (٩)، وهي مدينةحسنة واسعة الأقاليم والجهات ذات أسوار حصينة، وأسواق عامرة، ومدينة بذوارة (١٠)، ومدينة اسوغص (١١)، وأرض مدينة زايلة (١٢)، ومدينة زايلة قائمة الذات بنفسها لا تنسب إلى سواها، ولا تضاف إلى غير معناها، وفيها كفاية لأهلها، ووقاية بما يستقر

стр. 586

الشيطان من خيلها ورجلها، وقطعة من أرض إنكورية (١)، وهي تتاخم أرض اسقلونية، وقد غلب البنادقة عليها، وكان مرجعهم إلى ملك اللمان (٢)، فسابقوه إليها وغلبوه عليها. ومن مدنها: تستنيق وهي مدينة حسنة، ومدينة بلونية، وهي قاعدة عظيمة جامعة فائقة رائعة معروفة بمقام علماء الروم، لا يزال بها منهم عصابة يأوي إليها الطلبة من الآفاق، ويحيط بها جبال حائلة من جهاتها الأربع، حائلة بينها وبين بلاد بوامية. ومدينة شنت (٣)، مدينة متحضرة في غربي النهر، ومدينة بقصين (٤)، وهي مدينة مشهورة في القواعد المذكورة، وبها زروع وأرزاق، وخير مناسب ومتاجر ومكاسب، وبها طائفة من العلماء الاغريقيين، وبحرها أبدًا محطوط وبرها فيما جاورها مبسوط. ومدينة قاون (٥)، وهي على نهر دنو (٦)، وكلتاهما قاعدة ملك لأنكرية، ذات مبانٍ علية، ندية النادي مقبلة الأرض، واسعة الأعمال، ومدينة جرنغراتة (٧)، ومدينة بلغردون (٨)، ومدينة افرنيسفا (٩)،، وهي في مستوى من الأرض. قال الشريف: ويقال: إن طولها مائة ميل. عامرة القطر كثيرة الداخل والخارج والصادر والوارد عمارتها مفرجة، وتجارتها مربحة، محلاتها متصلة، ومغلاتها مشتملة. ومدينة نيسو (١٠)، ومدينة والبة (١١)، ومن أرض شصونية قواعد ومنها: مدينة هالة (١٢)، وهي مدينة واسعة الجبايات والعمالة، ومدينة مشلة (١٣)،، وهي واسعة الثمر والزرع، ومدينة هربود، ومدينة داركة، ومدينة نيون برك (١٤). ومن أرض بلونية وبينها وبين الروسية نهر تيسية ضُرب بينهما بسور حاجز، وسبب يمنع من ناجز.

стр. 587

وبلاد بلونية: وهي من أعمال القسطنطينية، وهي بلاد العلماء، ومقرّ الحكماء، وأعمالها كبيرة الأقطار، واسعة الأمصار، عظيمة القرى، متفجرة العيون والأنهار، محفوفة بالزيتون والفواكه. ومن مدنها القواعد: مدينة إقراقو (١)، وهي مدينة حسنة كثيرة الديار والعمارة والكروم والجنات، ومع غربها بجنوب مدينة مشلة (٢)، وهي مدينة متحضرة، ومدينة جنازنة (٣)، وهي مدينة حسنة ولأهلها سعة ممكنة وهيئات مُستحسنة. ومن أرض جثولية مدينة نيسو (٤)، وهي بلد جليل على نهر مورانا (٥)، ولها عليه قنطرة كبيرة، وهي كثيرة اللحم والسمن واللبن والعسل، كثيرة الفواكه، رخيصة الأسعار، ومدينة اتروبي (٦): وهي على نهر صغير. وعليه أرحاء طاحنة، وكروم وجنات ومواضع زراعة وغلات … ومدينة اقرنوس (٧): وهي على ظهر جبل مرتفع وعملها غير متسع، ومدينة سامسطرو (٨). وهي مدينة صغيرة، والبداوة تغلب على أهلها، ومدينة شيكثري (٩) في سند جبل على ضفة البحر. وأرض اللان، ومدينته مدينة الأنيو (١٠)، وهي مدينة كبيرة واللان طائفة من الروم، نسطورية، وبها مراكب وشوان تنشأ وتعمر وتسفّر، ومدينة نونو، وهي صغيرة، ومدينة أطرابزوني، وتسمّى في الكتب أطربزوندة، والعامة تقول: طرابزون، وهو المتداول على ألسنة التجار، والمتناقل من كلام السفار، وكانت في زمان الخلفاء مقصد التجار، وبلد المياسير، ويباع بها الجليل والحقير، ويُشترى فيها بالقليل والكثير، لا تخلو [من] موجود ولا تخل بمقصود. ومدينة كندية (١١) وهي صغيرة جدًا. وأرض جرمانية وهي من بلاد القسطنطينية العظمى، وتحت أكناف ملكها المسمى، ينصب بها موقع طرفه ومرتع طرفه. ومدينة فاروي (١٢) على نهر أخيلو، ومدينة سلوني (١٣). وهي في وطأة من الأرض، ومدينة رودستو (١٤)، وهي مدينة حسنة غربي

стр. 588

القسطنطينية العظمى على اثني عشر ميلًا منها، ومدينة ليغلغو (١)، على جبل مُطلّ على أخيلو صاحبة النواحي، ضاحكة الضواحي، ومدينة بنوي (٢)، مدينة صغيرة على ظهر جبل عال، ومدينة لفيسة (٣) وهي على ظهر جبل، ومدينة مسيونس (٤)، وهي مدينة كبيرة على نهر دنو، ومدينة بيزوى (٥)، وهي مدينة كبيرة، عامرة، كثيرة الأسواق، وأهلها أهل صناعة، ولها مزارع وأقاليم متصلة وغلات جمة، ومدينة أيلوغيس (٦) على جبل وبينها وبين الخليج القسطنطيني اثنا عشر ميلًا، وربما خرج ملك الروم من القسطنطينية مرة في السنة إليها متنزّهًا فيقيم بها أيامًا ويصيد الحمر الوحشية، ومدينة نوقسترو (٧)؛ وهي مدينة حسنة، رخيّة الأسعار كثيرة الكروم والشجر .. ومدينة دريستره (٨)؛ وهي زاهرة الآفاق عامرة الأسواق، هامرة السحب بالأرزاق، مبانيها محكمة، وشوارعها على أقوم الخطوط مُقَسَّمة. ومدينة دسينة (٩)، وهي مدينة متحضرة (١٠)، في سفح جبل لطيف مطل على البحر، واسعة الأقاليم، كثيرة الزرع والعمارة، ومدينة ارموقسترو (١١)، وهي أزلية القدم، عالية البناء، جليلة المقدار، ومدينة بادسي (١٢)، وهي مدينة متوسطة القدر قريبة من مجرى نهر، ومدينة فربسيوس (١٣)، وهي مدينة قديمة مشهورة في البلاد لا تخفى على حاضر وباد، ومدينة أغرميني (١٤)، وهي مدينة قديمة متحضرة. ومدينة إستيموس (١٥)، وهي مدينة

стр. 589

معمورة (١)، ولها بين الروم آثار مأثورة. ومدينة بوليابسيقوس (٢)، وهي قريب جبل يخرج منه نهر يمر بهذه المدينة، وتعد به كل أيامها يوم الزينة للمياه المطردة والأشجار الباسقة والمروج المبسوطة، والأطيار المسموعة. ومدينة قاليمالايا (٣) بأعلى جبل عالٍ متصل الشُّعَرَاء (٤)، وهي مدينة كثيرة المزارع والمصايد، ومواضع الصائل والصائد، وإليها يخرج صاحب القسطنطينية للصيد ويظهر به ملوك النصرانية القوة والأيد، ويوافي إليه ملوك بلاده على ميقات، وتقضي له معهم بها بأوقات. ومدينة ماذينوس (٥)؛ وهي مدينة عامرة. ومدينة أغريزينوس (٦)، وهي مدينة صغيرة. ومدينة مسيونس (٧)، فوق جبل، وهي مدينة عامرة، وفيها للروسية مصلحة ظاهرة تجلب إليها ومنها وترد سفارهم إليها وتصدر عنها. ومدينة دنبلي (٨)؛ وهي مدينة صغيرة عامرة في وطأة من الأرض، ولها كروم وعمارات صالحة وعمالات ناجحة، ومدينة فرامياك (٩)؛ وهي في وطأة من الأرض قريبة من جبل صغير آهلة بالناس والشجر والغراس. ومدينة ألماس (١٠)، وهي مدينة متحضرة واسعة الأقاليم جامعة لكل رزق عميم، وبها من كل الثمرات وأنواع الحبوب والزروع. ومدينة بسترنس (١١)، وهي جمة الماء والزروع والفواكه، ومدينة روسوقستروا (١٢)، وهي عامرة الكور، مبادرة بالحب والثمر، بنيت في سواء أرض، ونعماء أهل وخفض، وأسعارها رخية، وأمطارها سخية. ومدينة ميغالي ثرمة (١٣)، وهي مدينة صغيرة، ذات أسوار وأسواق وأرفاد وأرفاق ومزارع وبقول، وغراسات ونقول، ومدينة ايتوقسترود (١٤)، وهي مدينة حسنة البقعة، حصينة

стр. 590

المنعة، بها أسواق ومتاجر وموارد ومصادر، ومدينة غولوي (١)، وهي بلدة متحضرة، مقصورة تجلب إليها البضائع، ومدينة باسقة (٢)، وهي مدينة صغيرة. ومدينة أفلي (٣) وهي في بسيط من الأرض، بهجة المساكن، فرجة الأماكن، يقاربها من شمالها جبال، ونهر دنو (٤) ولأهلها حذق في الصناعات ويعمل بها من الحديد كل غريبة. ومدينة إستليفتوس (٥)، مدينة كبيرة وكانت فيما قيل أكبر وأعم نفعًا وأعمر. وبلاد القمانية: ومن مدنها: مدينة جاليطة (٦) وهي مدينة عامرة على ضفة البحر. ومدينة شالوسطة (٧) وهي مدينة كبيرة حسنة على البحر. ومدينة مطرخا (٨)، وهي مدينة أزلية قديمة العهد لا يُعرف بانيها، ولا توصف مبانيها، لها أندية ومحترف وكروم، تقصد من أقاصي البلاد المجاورة ويكسب بها المكاسب الوافرة، وأهلها أهل بأس وسطوة، يهابهم لأجلها من جاورهم ويخافهم من ساورهم، ويصل إليها فرضة مزانيل، وهي للروس مقاربة، ولأقطارهم مصاقبة، ولمطرخة (٩) جزيرة، وتسمى مطرخة الساحلية، وهي جزيرة كثيرة الخصب والكروم، غزيرة الخيرات على العموم، ولم تذكر هذه الجزيرة هنا؛ لأنها موسومة باسمها، وقعة بالحساب الصحيح في قسمها. ومدينة نوشي (١٠)، وهي في شمال قمانية البيض، وبينهما خمسون ميلًا، وهي متحضرة، متوسطة المقدار، ولها زروع وغلات على نهر يسقي أكثر مزارعها وغالب دانيها وشاسعها، ومدينة قينيو (١١)، وهي مدينة في حضيض عال كبيرة القطر والأعمال، ومدينة ناروس (١٢)، وهي مدينة صغيرة متحضرة، ذات أسواق وبيع وشراء، وهي تتصل

стр. 591

بمدينة كويابة (١) من بلاد البلغار. ومدينة قمانية (٢)، وإليها يُنْسَب القمانيون، وتسمّى قمانية السودان؛ لأن بها نهرًا متصلًا بأرضها، ثم يغوص تحت شعبة من شعب الجبل الذي بينها وبين كيرة (٣) وهو جبل كبير، كبير السمت صعب المجاز، ثم يخرج هذا النهر بعد غوصه تحت شعبة الجبل وماؤه أسود كالدخان. وهذا مشهور غير مستور (٤). ومدينة مطلوقة (٥)، وتسمى قمانية البيض، وهي مدينة كبيرة، عامرة كثيرة الأقاليم، واسعة الأرض ممدنة القرى متصلة الزراعات على نهر صغير يسمّى سقيو، وهو شعبة من نهر اثل (٦). وبلاد برجان (٧)، وهي ذات مكنة وامكان بمدن وأعمال وقرى، ومغلات ومعاملات ومبيع ومشترى، وإلى آخر هذه البلاد نهاية مملكة الروم، وعندها تمام حدها المعلوم. وأرض الخزر، ومدينتها تسمى الخزر (٨)، وإليها ينسب الخزر، وهي مدينة كبيرة فسيحة على نهر، وبلاد الخزر تجاور البلاد القمانية. وللخزر ملاحة وظرف فائق، ولباسهم القراطق الكبار من الحرير والقطن والكتان ولهم بلاد كبيرة بين بحر نيطش والبحر المحيط في نهاية الشمال، والخزر طوائف من المسلمين والنصارى وعباد الأوثان، ولهم خارج الباب. وباب الأبواب عدة مدن منها (٩): مدينة سمندر (١٠)، مدينة بلنجر (١١)، والمدينة البيضاء، ومدينة خمليج (١٢)، وكل

стр. 592

هذه المدن بناها كسرى أنوشروان، وهي مدن عامرة قائمة وبلادهم جبل (١) يتعرض من الشمال إلى الجنوب فيه معادن فضة ورصاص جيد. وأرض برطاس (٢)، وهي تتاخم بلاد الخزر، وليس بينهما أمة أخرى، وهم أصحاب بيوت خشب وخركاهات لبود، ولهم مدينتان مدينة برطاس، ومدينة صوار (٣) وقد تغلب طائفة من الروس المجاورين لانكرية على بلاد البرطاس، وأخذوا البلاد من أيديهم وعلى بلاد البلغار. وسنذكر بلاد البلغار فهي مما وقع عليه خط هذا الإقليم، ومدينتها تسمى البلغار، وأناس يقولون البلاد، وإليها ينسبون، وهم من المسلمين ومن النصارى، وبها مسجد جامع وأذان وصلوات قائمة وطائفة البلغار والبجناك كالشيء الواحد، وهم بشر كثير. ومدينة صوار (٤)، وأبنيتها خشب، يأوي إليها أهلها في الشتاء، فإذا أقبل الصيف خرجوا إلى الخركاوات، ويبلغ النهار في بلاد البلغار والروس ثلاث ساعات ونصف، وقد تقدم ما نقلناه عن حسن الرومي التاجر في أوائل هذا الكتاب في ذلك. وقال الحوقلي (٥): وقد شاهدت ذلك عندهم في الشتاء وذلك بمقدار ما صليت أربع صلوات كل صلاة في عقب الأخرى مع ركعات قلائل بين الأذان والإقامة. وأرض الروسيّة: وهي بلاد ممتدّة قليلة البلاد منقطعة العمارات بين البلد والبلد مسافات نائية، وللروس مع بعض بعض نوائر وثوائر … ووقائع تعض صدور البواتر. ومن مدنهم الواقعة بهذا الاقليم: مدينة سرماي، وهي على نهر السبت، والروس ثلاثة أصناف: الأول يسمى براوس، وقاعدة ملكهم مدينة كويابة (٦)، وتسمى هذه المدينة عندهم كويابة الترك المسلمين روس الروس.

стр. 593

والصنف الثاني ويسمى الصلاوية، وقاعدة ملكهم مدينة صلاوة (١) وهي مدينة في سفح جبل (٢). والصنف الثالث يسمى الارثانية، وقاعدة ملكهم مدينة أرثا (٣)، وهي مدينة حسنة على جبل حصين، وموقعها بين صلاية وكويابة (٤)، ومن كويابة (٥) إلى أرثا (٦) أربعة أيام ومن أرثا (٧) إلى صلاوة (٨) أربعة أيام، ويشق بلادهم نهر كبير ينزل إليهم من الجبل المستدير بالمعمور المسمى هناك قوقايا (٩)، ويبلغ تجار المسلمين مدينة كويابة (١٠). وأما مدينة أرثا (١١)، فقد حكى الحوقلي (١٢) أنه لا يدخلها أحد من الغرباء؛ لأنهم يقتلون كل غريب يصل إليهم البتة، فلا يتجاسر أحد أن يدخل أرضهم ويخرج من عندهم جلود النمور السود، وجلود السموّر وجلود الثعالب السود والرصاص، يُخرجها من عندهم تجار كويابة. قال الشريف في كتاب أجار (١٣): والروس يحرقون موتاهم ولا يتدافنون، وبعض الروس يحلقون لحاهم وبعضهم يفتلها مثل أعراف الدواب ويظفرها، ولباسهم القراطق الصغار من الحرير والقطن والكتان والصوف. وبلاد بسجرت ت (١٤) الخارجة المتقدم ذكر احداهما وهي بسجرت الداخلة في الإقليم الخامس، فمنها: قاروقيا، ونمجان (١٥)، وهذه البلاد عامرة بأهلها مكتفية بذاتها، وفيها من التجارات والصناعات حسب ما يكفيهم، وبعضهم يدخل أرض بعض ويقضون حوائجهم من البلاد المتجاورة، وهي بلاد كثيرة الخصب والعشب والسوائم،

стр. 594

وبسجرت (١) قبيلتان يسكنان في آخر بلاد الغز (٢) على ظهر بلغار، ومبلغهم نحو ألفي رجل يمتنعون في مشاجر لا يقدر أحد ممن جاورهم عليهم، وهم في طاعة بلغار، ولهم حزم وشدة وأهل بسجرت آخرهم يتاخم البجناك. وبسجرت وبجناك أتراك يتاخمون الروم وبينهم مهادنة في أكثر الأوقات، وربما أغار بعضهم على بعض فتجري بينهم حروب .. ومدينة نمجان (٣)، من جهة المشرق، وهي صغيرة، متحضرة، يملكها رجل من الأتراك والولاية من ولده وولد ولده، لا يتحوّل الملك عنهم لحسن سيرتهم ورفقهم بعامتهم، وهي على نهر يسمى سوقان (٤)، وبشرقيها جبل أرجيقا (٥) فيه معادن نحاس يخدمها أزيد من ألف رجل ويستخرج منه الكثير، ويُتجهز به إلى أرض خوارزم، وإلى بلاد الشاش، وإلى من جاورهم من بلاد الاغزاز، ومن هذه المدينة أيضًا تخرج جلود الثعالب وجلود الحيوان المسمى الببر في النهر إلى بحر الخزر، فيبيعونها في بحر الخزر والديلم بالاثمان الرفيعة، ويصنع بهذه المدينة من الفخار والبرام (٦) ما تحسن صفته ويطول مكثه. ويوجد بسواحل هذا النهر أصناف من الحجارة الملونة (٧) الثمينة، ويوجد أيضًا كثيرًا اللازورد، وفي هذا النهر من ضروب السمك وأنواع الحيتان ما يجل عن الوصف ويتجاوز حد الذكر، حتى إن أهل مدينة نمجان يصيدونه بأيسر حيلة وأخف مؤونة، وأهون سعي، فيأخذون منه الشيء الكثير فيتأدّمون به ويتعيشون منه، ويملحون أكثره ويحملونه في مراكبهم إلى أن يأتوا البحر الخزري فيقطعون به مساحلة إلى مدينة أثل (٨) وغيرها، فيبيعونه هناك ويصرفون أثمانه. ومدينة غرجان (٩)، وهي مدينة من أرض أسقونيا الترك، وهي كبيرة عامرة بأهلها على شمال نهر أثل (١٠) الواصل إلى بحر طبرستان، وهي مدينة لها رساتيق

стр. 595

وعمارات متصلة، وربما وصل إليها التجار والمسافرون في النهر المذكور، وبها اسقونيا الترك، وهو ملك له رجال وعدد وأسلحة وحصون كثيرة. والعمارات عنه متباعدة، وفي هذا البلد من الصناعات والمصنوعات ما يشف عن الاحتياج، ويصنع بها من السروج والأسلحة ما لا يصنع ببلده من بلاد الأتراك مثلها جودة وإتقانًا. ومدينة فاروقيا: مدينة حسنة، مبانيها من خشب وحزكاهان لبود، وأهل بلغار يغزنهم كل حين، وأرض الترك الخرلخ منها: بلاد سمريقي (١) يكتنفها من جنوبها جبال مترادفة (٢) وشواهق شامخة موحشة الصعود، لا تسلك إلا على طرق قليلة. وكذلك يحيط بها من الشرق جبال (٣)، ويحيط بمدنها جبل مُستدير عليها مثل استدارة النون، لا يدخل عليها إلا على فم ضيّق إذا وَقَفَ عليه القليل من الرجال منعوا الداخل على هذا الفم عقد بجسور من الصخر متصلة من الجبل إلى الجبل، وعلى هذا العقد مدينة غوران، قاعدتها، ويشق على هذا الجبل من فمه الذي يدخل منه نهر كبير يأتي من داخل الجبل ويخرج على فم هذا المضيق ويصل إلى بركة عظيمة خارج الجبل، وعلى هذه البركة قوم ظواعن لا معمور عليها، وينتقلون من مكان إلى مكان، وهذه مدينة غوران هي مدينة صغيرة يسكن بها ملك الخرلخ (٤) وله جنود وقواد وعمال مثقفة محصنة. ومن مدنها مدينة سقراه اه (٥) في سفح الجبل المحيط بالمدن المذكورة، وقطرها كبير، وماؤها جمّ، وبها أسواق على قدرها ولأهلها تدقيق في الصناعة ومدينة دادمي (٦)، وهي في سند هذا الجبل، وهي مدينة على منبع دائم الجري صغيرة المقدار كثيرة العامر، يزرع بها كتان كثير يعمّ تلك البلاد، ومدينة شهذروج (٧)، وهي كالجزيرة؛ لأنها في بقعة، ماؤها يحيط بها، وهي مدينة جليلة منيعة بأسواق وصناعات ومزارع متصلات، وهي شرقي الأرض المنتنة، وهذه الأرض المنتنة (٨) أرض ممتدة حرشاء سوداء طولها أربعة أيام لا يوجد فيها ولا في جبالها شيء من النبات ولا ماء وريحها منتنة.

стр. 596

ومدينة خيما خيث (١)؛ مدينتان على نهر يسمّى شوران (٢)، فالجنوبية منها كثيرة الزراعات والأشجار، ويجلب إليهم خشب كثير من جبال نجرغ ثم يخرج منها إلى كثير من البلاد، وهي عامرة يدبغ بها جلود النمور، وأما الشمالية فهي على وادي سوران (٣). ومدينة حيثان (٤) وهي مدينة كبيرة على جداولها أرحاء ودواليب. ومدينة أرصاه (٥): على ضفة نهر وهي مدينة واسعة الأرجاء، كثيرة المياه والأنهار والكروم والمزارع، وتقارب جبلًا (٦) عاليًا لا يفارقه ثلج أبد الدهر لا في شتاء ولا في صيف، وفي حضيض هذا الجبل مدينة نجرغ (٧)، وهي مدينة فيها خلق كثير. وعالم عظيم، وبها أجناد ورجال أولو نجدة وبأس، وخلف هذا الجبل من الترك الغزية طائفة تسمى خنغاكث (٨) رحالة، ربما طرقوا بلاد سمريقي وغاروا عليها، ثم عادوا إلى بلادهم، وجبلهم (٩) هذا حاجز بينهم وبين بلاد برغار (١٠)، وينحدر منه نهر يجري في جهة الشمال ويبحر بها، وبه أحجار كبار ملس، لا يقدر أحد يجوزه لأجلها، وإنما يجاز فيما عمق منه في مراكب، ومن العجائب ما ذكره الشريف (١١): أنه شديد البرد، وإذا عُجِن به العجين أغناه عن الخمير وفي مشارق الأرض المنتنة المشار إليها بلاد سيسبان (١٢) الخراب التباب الدائرة، وطولها سبعة وعشرون يومًا إلى السد، كانت طوائف يأجوج ومأجوج تشُنُّ عليها الغارات فتزلزل أطرافها وتقلقل أكنافها، فتدهك الديار، وتنهك العمارة والعمار، ويحتمل أن يكون منهم من قال للإسكندر: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض حتى بنى السد، فاستمرت خرابًا دائرًا، لا يتدبر معظمها متدبر، ولا يسكنها ساكن، قال الشريف في كتاب أجار (١٣): وأرض سيسبان هي البلاد الخراب التي أتت عليها وأفسدتها يأجوج ومأجوج وهي بلاد وحشة متباعدة الأقطار،

стр. 597

بعيدة الأسفار، قليلًا ما يدخل التجار المتجولون، لوحشة أرضها وكثرة وبائها وتوالي الأمطار فيها، وإنما يتصرف فيها أهلها، وفيها ثلاثة مدن منها اثنتان شمال الأرض المنتنة، وهما مدينة سقمافية (١)، ومدينة طغورا، والأولى على رأس جبل طغورا، وهو جبل منيع ومعقل رفيع ولأهلها في حضيض الجبل مزارع ومرافق، والثانية: مدينة طغورا (٢)، وهي أصغر من أختها ولها عمارة وافية وأحوال كافية، والمدينة الثالثة مدينة رقوان (٣)، وهي في وسط البلاد الخراب، وليس لأهلها اتساع أسباب وهي أرض لا حاجة للسالك فيها فلهذا لا يقتحم مشقة الدخول إليها، وقطعة من أرض خفشاخ (٤). وأرض التركش وسدّ ياجوج، فأما بلاد التركش فهي تتاخم الروم، وهي بلاد كثيرة الثلوج، وبها الأمطار وكذلك أرض خفشاخ، وأما ردم يأجوج ومأجوج فشيء قد نطقت به الكتب وتوالت الأخبار عنه. ومن ذلك ما حكاه سلام الترجمان، أخبر بذلك عبد الله بن خرداذبة في كتابه (٥). وكذلك أخبر به أيضًا أبو نصر الجيهاني (٦). قالا: إن الواثق (٧) لما رأى في المنام كأن السدّ الذي بناه ذو القرنين بيننا وبين يأجوج ومأجوج مفتوح (٨) أحضر سالمًا (٩) الترجمان وقال له اذهب وانظر إلى هذا السد وجئني بخبره وحالِهِ، وما هو عليه، ثم أمر له بأصحاب يسيرون معه عددهم خمسون رجلًا، ووصله عند ذلك بخمسة آلاف دينار، وأعطاه ديته عشرة آلاف درهم، وأمر أيضًا أن يُعطى لكل واحد من أصحابه خمسون ألف درهم، ورزق سنة، وأمر لهم بمائة بغل تحمل الماء والزاد قال سلام الترجمان: فشخصنا من سرّ من رأى بكتاب الواثق

стр. 598

إلى إسحاق بن إسماعيل (١) صاحب أرمينية بالنظر في تنفيذنا من هناك، فوجدناه بتفليس، فلما اجتمعنا به كتب لنا كتابًا إلى ملك السرير، وأنفذنا إليه فلما وردنا عليه، أشخصنا إلى ملك اللآن، وأصبحنا إليه مكاتبةً، فلما وصلنا إليه أشخصنا أيضًا إلى صاحب فيلان شاه (٢)، فلما وردنا عليه، قمنا عنده أيامًا، فاختار لنا خمسة أدلاء يدلون على الطريق التي نحن سائرون (٣) … إليها، فسرنا من عنده سبعًا وعشرين يومًا في تخوم بلاد بسجرت إلى أن وصلنا إلى أرض سوداء طويلة ممتدة كريهة الرائحة، فشققناها في عشرة أيام، وكنا قد تزوّدنا لقطعها بأشياء نشتمها خوفًا من أذى روائحها الكريهة، ثم انفصلنا عنها فسرنا مدة شهر في بلاد خراب قد دَرَسَتْ أبنيتها، ولم يبق بها إلا رسوم يُستدلّ بها عليها. فسألنا مَنْ معنا عن تلك المدن، فأخبرونا أنها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يغزونها ويخربونها، ثم سرنا إلى حصون بالغرب من الجبل الذي في شعبة السد وذلك في ستة أيام، وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، وهناك مدينة يُدعى ملكها خاقان أذكش، وأهلها مسلمون لهم مساجد ومكاتب فسألونا من أين أقبلنا فأخبرناهم أنا رسل أمير المؤمنين الواثق، فعجبوا منا ومن قولنا أمير المؤمنين، ثم سألونا عن أمير المؤمنين أشيخ هو أم شاب، فقلنا شاب فعجبوا أيضًا، ثم قالوا: وأين يكون؟ فقلنا: هو بالعراق في مدينة تسمى سُرَّ من رأى، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما سمعنا بهذا قط، فسألناهم عن إسلامهم، ومن أين وصلهم ومن علمه لهم، فقالوا: إنه وصل إلينا منذ أعوام كثيرة رجل راكب على دابة طويلة العنق طويلة اليدين والرجلين لها في موضع صلبها حَدَبة، فعلمنا أنهم يصفون الجمل. قالوا: فنزل بنا وكلمنا بكلام فهمناه ثم علّمنا شرائع الإسلام وتوابعها فقبلناها، وعلمنا أيضًا القرآن ومعانيه، فتعلمناه وحفظناه. قال سلام: ثم خرجنا بعد هذا إلى السد لنبصره فسرنا عن المدينة نحو فرسخين. فوصلنا السد، فإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعًا وله وسط هذا القباء باب من حديد طوله خمسون ذراعًا قد اكتنفه عضادتان عرض كل عضادة منها خمسة وعشرون ذراعًا والظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب، وكله مبني بلبن الحديد مُغيّب في النحاس، وارتفاع العضادتين خمسون ذراعًا، وعلى أعلى

стр. 599

العضادتين دروند حديد طوله مائة وعشرون ذراعًا والدروند العتبة العليا، وقد ركب منها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع، وفوق الدروند بنيان متصل بلبن الحديد المغيب في النحاس إلى رأس الجبل وارتفاعه مدى البصر، وفوق ذلك شرافات (١) حديد في طرف كل شرافة قرنان مثنيا الأطراف بعضها إلى بعض، وللباب مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خمسون ذراعًا في ثخن خمسة أذرع، وقائمتاهما في دوازَةٍ على قدر الدروند وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعًا وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة دندانجة (٢). كل دندانجة منها كأغلظ ما يكون من دساتج الهواوين، مُعلّق كل واحد منها في سلسلة على قدر حلقة المنجنيق، وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع بسط مائة ذراع، سوى ما تحت العضادتين، والظاهر منها خمسة أذرع وكلها مكتالة بالذراع السوادي (٣)، ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس، مع كل فارس إرزبة حديد في كل إرزبة خمسة أمناء فيضرب القفل بتلك الإرزيات، في كل يوم ثلاث مراتٍ، ليسمع مَنْ خلف الباب فيعلمون أن هناك حفظةً، وليعلم هؤلاء أن يأجوج ومأجوج لم يحدثوا في الباب حدثًا، وإذا ضرب صاحب (٤) الإرزبات القفل وضعوا آذانهم مستمعين لما وراء الباب، فيستمعون لمن داخل الباب دويًا يدل على أن خلفه بشرًا. وبالقرب من هذا الموضع حصن يكون عشرة فراسخ في عشرة (٥)، ومع هذا الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع، وبين هذين الحصنين عين ماء عذبة، وفي آخر هذين الحصنين آلة البناء التي بُني بها السد من قدور الحديد ومغارف الحديد، وهذه القدور فوق ديد كانات على كل ديداكان أربع قدور مثل قدور الصابون، وهناك أيضًا بقايا من لبن الحديد التي بني بها السد، وقد التصق بعضها ببعض من الصدأ، وطول اللبنة ذراع ونيف (٦) في ارتفاع شبر. قال سلام الترجمان: وقد سألنا من خاطبناه مِنْ أهل ذلك المكان: هل

стр. 600

رأوا أحدًا من يأجوج ومأجوج قط؟ فأخبرونا (١): أنهم رأوا منهم عدة فوق شرف الردم، فَهَبّت عليهم ريحُ عاصفٌ فَرَمَتْ منهم ثلاثة إلى ناحيتها، وكان مقدار الرجل منهم شبرين ونصف شبر. قال سلام الترجمان: فكتبت بهذه الصفات كلّها وأخذتها معي، ثم انصرفنا مع الأدلاء من تلك الحصون، فأخذوا بنا على ناحية خراسان، فسرنا من تلك الحصون إلى مدينة لخمان (٢) إلى مدينة غريان إلى مدينة برساخان إلى الطراز (٣) إلى سمرقند، فوصلنا إلى عبد الله بن طاهر (٤)، فأقمنا عنده أيامًا، فوصلني بمائة ألف درهم وَوَصَل كلَّ مَنْ معي بخمسة آلاف درهم خمسة آلاف درهم، وأجرى أيضًا للفارس من أصحابي خمسة دراهم، وللراجل ثلاثة دراهم في كل يوم، ثم سِرْنا إِلى الري ثم رجعنا إلى سر من رأى بعد خروجنا عنها، ومغيبنا في سفرنا ثمانية وعشرون شهرًا. فهذا جميع ما حدث به سلام الترجمان من الأخبار عن السد والأرضين التي قطعها إليه، وما وقع بينه وبين مَنْ لقيه فيها من الخطاب، وقطعة من أرض يأجوج ومأجوج. قال الشريف (٥): وما عندنا شيء نتكلم به على هذه القطعة إلا ما وصفه بطليموس (٦) في كتاب الجغرافيا، فإنه ذكرها بين المدينتين. ولم يُسمها، وإنما ألحقها بالطول والعرض فقط. وأما ما وقع في هذا الإقليم السادس من الجزر بالبحر المظلم، وما مر عليه من بحر نيطش ومن بحر الخزر سنذكر المشهور منه إن شاء الله تعالى مفصلًا. فأول ما ابتدأ هذا الإقليم في المغرب من البحر المظلم. وبه جزيرة برطانية (٧)
следующие страницы →